النص المفهرس
صفحات 501-520
الآية : ١٧
٥٠١
سُورَةُ الخير
والإيصال. والصَّعَد مصدر وصف به مبالغة أو تأويلاً، أي: ندخله عذاباً يَعلو
المعذَّب ويغلبه، وفسِّر بشَاقٌّ، يقال: فلان في صَعَد مِن أمره، أي: في مشقَّة،
ومنه قول عمر رَُّه: ما تَصغَّدني شيءٌ كما تَصغَّدني خطبةُ النكاح. أي: ما يشقُّ
عليَّ(١)، وكأنَّه إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان مِن عادتهم أن يذكروا جميعَ ما كان في
الخاطب من الأوصاف الموروثة والمكتسبة، فكان يشقُّ عليه ارتجالاً، أو كان
يشقُّ أن يقول الصدقَ في وجه الخاطب وعشيرتِهِ، وقيل: إنَّما شَقَّ مِن الوجوه
ونَظَرِ بعضهم إلى بعض.
وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس: صَعَد: جبلٌ في النار. قال الخدريُّ:
كلَّما وضعوا أيديهم عليه ذابت. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يُكلَّف
صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حُدرَ(٢) إلى جهنم. فعلى هذا قال أبو حيَّان:
يجوز أن يكون بدلاً مِن عذاب، على حذف مضاف، أي: عذاب صعد، ويجوز أن
يكون مفعولَ ((نسلكه))، و((عذاباً)) مفعول من أجله(٣).
وقرأ الكوفيون: ((يسلكه)) بالياء وباقي السبعة بالنون(٤)، وابن جندب بالنون مِن
أَسْلَك(٥)، وبعض التابعين بالياء كذلك(٦)، وهما لغتان: سَلَكَ وَأَسْلَكَ، قال
الشاعر يصف جيشاً مهزومين :
حتى إذا أَسلكُوهم في قُتَائِدةٍ(٧) شَلَّ كما تَظْرُدُ الجمَّالةُ الشُّرُدا(٨)
(١) البحر المحيط ٣٥٢/٨، وورد فيه هكذا: ما يتصعد بي شيء كما يتصعد في خطبة النكاح.
(٢) في(م): جدر.
(٣) البحر المحيط ٣٥٢/٨.
(٤) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص١٦٣ .
(٦) البحر المحيط ٣٥٢/٨ وما بعده منه أيضاً.
(٧) جاء في هامش الأصل و(م): قتائدة: ثنيَّة معروفة. انتھی منه.
(٨) البيت في ديوان الهذليين ٤٢/٢، وأدب الكاتب ص٤٣٤، وخزانة الأدب ١٧٠/٣، ١٧٤
(دار صادر) منسوب لعبد مناف بن ربع الهذلي. والشَّل: الطرد. والشُّرُد: الإبل التي تفرُّ من
الشيء إذا رأته.
سُورَةُ الحُر
٥٠٢
الآية : ١٨
وقرأ قوم: ((صُعُدا)) بضمَّتين(١)، وابن عباس والحسن: بضمِّ الصاد وفتح
العين(٢). قال الحسن: معناه: لا راحةً فیه.
﴿وَأَنَّ الْمَسَِدَ لِلَّهِ﴾ عطف على ((أنَّه استمع)) فهو من جملة الموحى، والظاهر أنَّ
المراد بالمساجد المواضعُ المعدَّة للصلاة والعبادة، أي: وأوحيَ إليَّ أنَّ المساجد
مختصَّة بالله تعالى شأنه ﴿فَلَا تَدْعُواْ﴾ أي: فلا تعبدوا فيها ﴿مَعَ اَللَّهِ أَحَدًّاً ﴾﴾ غيره
سبحانه. وقال الحسن: المراد كلُّ موضع سُجدَ فيه مِن الأرض، سواء أُعدَّ لذلك أم
لا ، إذ الأرض كلُّها مسجدٌ لهذه الأمَّة. وكأنَّه أخذ ذلك ممَّا في الحديث الصحيح:
(جُعلت ليَ الأرض مسجداً وطهوراً)(٣)، واشتهر أنَّ هذا من خصائص نبيِّنا وَّه
أي: شريعته، فيكون له ولأمته عليه الصلاة والسلام، وكان مِن قَبْلُ إنَّما تباح لهم
الصلاة في البِيَع والكنائس. واستُشكل بأنَّ عيسى عليه السلام كان يُكثِرِ السياحةَ،
وغيره من الأنبياء عليهم السلام يسافرون، فإذا لم تَجز لهم الصلاةُ في غيرِ ما ذُكر،
لزم تَرْكُ الصلاة في كثير من الأوقات، وهو بعيدٌ لا سيما في الخَضِر عليه السلام،
ولذا قيل: المخصوص كونها مسجداً وطهوراً، أي: المجموع، ويكفي في
اختصاصه اختصاص التيمُّم. وأُجيب بأنَّ المرادَ الاختصاصُ بالنسبة إلى الأمم
السالفة دون أنبيائها عليهم السلام، والخَضِر إن كان حيًّا اليوم فهو من هذه الأمَّة
سواء كان نبيًّا أم لا؛ لخبر: ((لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتِّباعي))(٤)، وحكمه
قَبْلَه نِيًّا ظاهر، والأمر فيه غير نبيٍّ سهل.
وقيل: المراد بها المسجد الحرام، أي: الكعبة نفسُها، أو الحرم كلُّه على
ما قيل، والجمع لأنَّ كلَّ ناحية منه مسجدٌ له قِبْلة مخصوصة، أو لأنَّه لمَّا كان قِبْلةً
المساجد - فإنَّ كلَّ قِبلة متوجِّهة نحوه - جُعل كأنَّه جميعُ المساجد مجازاً.
وقيل: المراد هو وبيتُ المقدس، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عن ابنِ عباس: لم
(١) البحر المحيط ٣٥٢/٨.
(٢) جاء في هامش الأصل: أي: طرداً. انتهى منه. والقراءة في البحر المحيط ٣٥٢/٨.
(٣) سلف ٢/ ٤٠٣.
(٤) سلف ٢ / ١٤٢.
الآية : ١٨
٥٠٣
يكن يوم نزلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ إلخ في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام
ومسجد إيليا بيت المقدس(١). وأَمْرُ الجمع عليه أظهرُ منه على الأوَّل، إلا أنَّه
كالأوَّل خلافُ الظاهر، وما ذکر لا یتُّ دليلاً له.
وقال ابن عطاء وابن جبير والزجَّاج والفرَّاء (٢): المراد بها الأعضاء السبعة التي
يُسجَد عليها، واحدها: مَسْجَد - بفتح الجيم - وهي القدمان والرُّكبتان والكفَّان
والوجه، أي: الجبهة والأنف، وروي أنَّ المعتصم سأل أبا جعفر محمد بنَ عليّ بنِ
موسى الكاظم
الثّ عن ذلك، فأجاب بما ذكر(٣).
وقيل: السجدات، على أنَّ المسجد - بفتح الجيم - مصدر ميميٌّ.
ونقل عن الخليل بن أحمد أنَّ قولَه تعالى: ((وأنَّ المساجدَ)) بتقدير لام التعليل،
وهو متعلِّق بما بَعْدُ، و((المساجد)) بمعناها المعروف، أي: لأنَّ المساجد لله
فلا تدعوا مع الله أحداً، ولمَّا لم تكن الفاء في جواب شرط محقَّق كانت في
الحقيقة زائدة، فلا يمتنع تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها، نعم قال غير واحد: جِيءَ
بها لتضمُّن الكلام معنى الشرط، والمعنى: إنَّ الله تعالى يُحبُّ أن يُوحَّد ولا يُشركَ
به أحدٌ، فإن لم توحِّدوه في سائر المواضع، فلا تدعوا معه أحداً في المساجد؛
لأنَّ المساجد له سبحانه مختصَّة به عزَّ وجلَّ، فالإشراك فيها أقبحُ وأقبح، ونظير
هذا قوله تعالى: ﴿لِإِيَفِ قُرَيْشِ ﴿ إَِفِهِمْ رِحْلَةَ الشِنَآءِ وَالصَّيْفِ ﴿ فَلْيَعْبُدُ واْ﴾
[قريش: ١- ٣] على وجهٍ، ولا يُعدُّ ذلك من الشرط المحقَّق، ويندفع بما ذكر لزوم
جعل الفاء لغواً؛ لأنَّها للسبيَّة، ومعناها مستفاد من اللام المقدَّرة، وقيل في دفعه
أيضاً: إنها تأكيدٌ للَّام أو زائدة جِيءَ بها للإشعار بمعناها، وأنَّها مقدَّرة.
والخطاب في ((تدعوا)) قيل: للجِنِّ، وأُيِّد بما روي عن ابنٍ جبير قال: إنَّ الجِنَّ
قالوا: يا رسول الله، كيف نشهدُ الصلاةَ معك على نَأينا عنك؟ فنزلت الآية
ليخاطبهم، على معنى: إنَّ عبادتكم حيث كانت مقبولةٌ إذا لم تُشركوا فيها .
(١) الدر المنثور ٦/ ٢٧٤.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٣٦/٥، وللفراء ١٩٤/٣.
(٣) مجمع البيان ٨٥/٢٩.
مُؤَدَّةُ الْحُرّ
٥٠٤
الآية : ١٩
وقيل: هو خطاب عامٌّ، وعن قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم
وبِيَعهم أشركوا بالله عزَّ وجلَّ، فأُمرنا أن نُخلِص لله تعالى الدعوةَ إذا دخلنا
المساجد. يعني بهذه الآية. وعن ابن جريج بدل: فأُمرنا .. إلخ: فأمرهم أن
يُوحِّدوه. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق بذلك أيضاً.
وقرأ - كما في ((البحر))(١) - ابنُ هرمز وطلحة: ((وإِنَّ المساجدَ)) بكسر همزة
((إنَّ)، وحمل ذلك على الاستئناف.
﴿وَأَنَُّ﴾ بفتح الهمزة عند الجمهور على أنَّه عطف على ((أنَّه استمع)) كالذي
قبله، فهو من كلامه تعالى، أي: وأوحيَ إليَّ أنَّ الشان ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أي:
النبيُّ ◌ََّ، وقوله تعالى: ﴿يَدْعُوُ﴾ حال من ((عبد))، أي: لما قام عابداً له عزَّ
وجلَّ، وذلك قيامه عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر بنخلة كما مرَّ.
﴿كَادُواْ﴾ أي: الجِنُّ، كما قال ابن عباس والضَّحَّاك ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا
متراكمين مِن ازدحامهم عليه تعجُّباً ممَّا شاهدوا مِن عبادته وسمعوا مِن قراءته،
واقتداءٍ أصحابه به، قياماً وركوعاً وسجوداً؛ لأنَّهم رَأَوا ما لم يَرَوا مِثْلَه، وسمعوا
ما لم يسمعوا نظيره، وهذا كالظاهر في أنَّهم كانوا كثيرين لا تسعةً ونحوها .
وإيراده عليه الصلاة والسلام بلفظ العبد دون لفظ النبيِّ أو الرسول أو الضمير؛
إمَّا لأنَّه مقول على لسانه وَّهِ، لأنَّه أُمِرَ أن يقولَ: أُوحي كذا، فجيء به على
ما يقتضيه مقامُ العبودية والتواضع، أو لأنَّه تعالى عدل عن ذلك تنبيهاً على أنَّ
العبادة مِن العبد لا تستبعد، ونقل عليه الصلاة والسلام كلامَه سبحانه كما هو رفعاً
لنفسه عن البَيْن، فلا وجود للأثر بعد العين، وحيث كان هذا العدول منه جلَّ
وعلا إمّا لكذا أو لكذا، لا أنَّه تصرُّف مِن رسول الله وَّهِ، لم يمتنع كما قال بعض
الأجلَّة الجمع بين الحُسْنَيين.
وقال الحسن وقتادة: ضمير (كادوا)) لكفَّار قريش والعرب، فيراد بالقيام القيام
بالرسالة، وبالتلُّد التلبُّد للعداوة، والمعنى: وأنَّه لما قام عبدُ الله بالرسالة يَدعو الله
(١) ٣٥٢/٨، وينظر إملاء ما من به الرحمن ٤/ ٤٢٢.
الآية : ١٩
٥٠٥
تعالى وحدَه ويَذَرُ ما كانوا يدعون مِن دونه كادوا لتظاهرهم عليه وتعاونهم على
عداوته يزدحمونَ عليه متراكمين. وجوِّز أن يكون الضمير على هذا للجِنِّ والإنس،
وعن قتادة أيضاً ما يقتضيه، قال: تلبّدت الإنس والجِنُّ على هذا الأمر ليطفئوه،
فأبى الله تعالى إلا أن ينصرَه ويُظهِره على مَن نَاوَأه.
وفي ((البحر))(١) أَبْعَدَ مَن قال: عبد الله هنا نوحٌ عليه السلام، كاد قومُه يقتلونه
حتى استنقذَه اللهُ تعالى منهم. قاله الحسن، وأَبعدُ منه قولُ مَن قال: إنَّه عبد الله بنُ
سلام. اهـ.
ولعمري إنَّه لا ينبغي القول بذلك، ولا أظنُّ له صحَّة بوجهٍ من الوجوه. وقرأ
نافع وأبو بكر - كما قدَّمنا - وابنُ هرمز وطلحة كما في ((البحر)): ((وإنَّه)) بكسر
الهمزة(٢)، وحُملَ على أنَّ الجملة استئنافية مِن كلامه عزَّ وجلَّ، وجوّز أن تكون من
كلام الجِنِّ معطوفة على جملة: ((إنَّا سمعنا)) حكوا فيها لقومهم لمَّا رجعوا إليهم
ما رَأَوا مِن صلاته وَليهِ وازدحام أصحابه عليه في التِمامهم به، وحكي ذلك عن ابنِ
جبير، وجوّز نحو هذا على قراءة الفتح بناءً على ما سمعتَ عن أبي حاتم، أو
بتقدير: ونخبركم بأنَّه، أو نحوه.
هذا وفي ((الكشف)): الوجه على تقدير أن يكون ((وأنَّ المساجدَ)) من جملة
الموحى، أن يكون ((فلا تدعوا)) خطاباً للجِنِّ محكيًّا، إن جعل قوله تعالى: ((وإنَّه
لما قام)) على قراءة الكسر من مقول الجِنِّ؛ لئلا ينفكَّ النظم لو جُعل ابتداءَ قصَّةٍ
ووحياً آخَر منقطعاً عن حكاية الجِنِّ، وكذلك لو جعل ضمير ((كادوا)) للجِنِّ على
قراءة الفتح أيضاً، والأصل: أنَّ المساجدَ لله فلا تدعوا أيُّها الجِنُّ مع الله أحداً،
فقيل: قل يا محمد لمشركي مكّة: أُوحيَ إليَّ كذا. وإذا كان كذلك فيجيءُ في
ضمن الحكاية إثبات هذا الحكم بالنسبة إلى المخاطبين أيضاً لاتِّحاد العلّة، وأما لو
جعل خطاباً عامًّا فالوجه أن يكون ضمير ((كادوا)) راجعاً إلى المشركين أو إلى الجِنِّ
والإنس، وأن يكون على قراءة الكسر جملةً استئنافيَّة ابتداءَ قصَّةٍ منه جلَّ شأنه في
(١) ٣٥٣/٨.
(٢) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢، والبحر المحيط ٣٥٢/٨، والكلام منه.
سُوَّةُ القُر
٥٠٦
الآية : ١٩
الإخبار عن حالٍ رسول الله وَّر، وهو تمهيد لما يأتي مِن بَعْدُ وتوكيدٌ لما ذكر مِن
قبل، فكأنَّه قيل: قل لمشركي مَّة ما كان من حديث الجِنِّ وإيمانِ بعضهم وكفرٍ
آخرين منهم؛ ليكون حكايةُ ذلك لطفاً لهم في الانتهاء عمَّا كانوا فيه، وحثًّا على
الإيمان، ثم قيل: وأنَّه لما قام عبدُ الله يَدعوه ويوحِّده كاد الفريقان من كفرة الجِنِّ
والإنس يكونون عليه لِيَداً دلالة على عدم ارتداعهم مع هذه الدلائل الباهرة والآيات
النّيِّرة، وما أحسن التقابل بين قوله تعالى: ((وأنَّ المساجدَ)) وبين هذا القول، كأنَّهم
نُهُوا كلُّهم عن الإشراك ودُعُوا إلى التوحيد، فقابلوا ذلك بعداوة مَن يوحِّد الله
سبحانه ويَدعوه، ولم يَرضَوا بالإباء وحده. وهذا من خواصِّ الكتاب الكريم وبديعِ
أسلوبه إذا أخَذَ في قصّة غبَّ قصَّة جعلهما متناصفتين فيما سِيق له الكلام، وزاد
عليه التآخي بينهما في تناسب خاتمة الأولى وفاتحةِ الثانية، ولعلَّ هذا الوجه مِن
الوجاهة بمكان.
وأمَّا لو فسِّر بما حكي عن الخليل: ولأنَّ المساجدَ لله فلا تدعوا .. إلخ،
فالوجه أن يكون استطراداً ذكر عقيب وعيد المُعرِض، والحمل على هذا على
الأعضاء السبعة أظهرُ؛ لأنَّ فيه تذكيراً لكونه تعالى المنعِم(١) بها عليهم، وتنبيهاً
على أنَّ الحكمة في خَلْقها خدمةُ المعبود من حيث العدولُ عن لفظ الأعضاء
وأسمائها الخاصَّة إلى ((المساجد)»، ودلالةً على أنَّ ذلك ينافي الإشراك، وحينئذٍ
لا يبقى إشكال في ارتباط ما بعده بما قبله على القراءتين والأوجه، والله تعالى
أعلم. اهـ. فتأمَّل.
واللُّبَد بکسر اللام وفتح الباء - كما قرأ الجمهور - جمع: لِبْدَة ۔ بالكسر - نحو
كِسْرة وكِسَر: وهي الجماعات شُبِّهت بالشيء المتلِّد بعضه فوق بعض، ويقال
للجراد، ومنه - كما قال الجبائيُّ - قولُ عبد مناف بنِ رِبْع الهُذَليّ:
حتَّى كأنَّ عليهم جابياً لبداً (٢)
صافوا بستَّةِ أبياتٍ وأربعةٍ
(١) تحرفت في (م) إلى: المنع.
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٤/٥، والبحر المحيط ٣٥٣/٨، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ٤٠ بلفظ:
صابوا، بدل: صافوا، ومعنى صابوا: وقعوا. والجابي: الجراد. اللَّبَد: المتراكب بعضه
على بعض.
الآية : ٢٠ - ٢١
٥٠٧
سُؤَةُ الحَر
وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر - بخلاف عنه -: ((لُبَداً)) بضمِّ اللام(١)،
جمع ◌ُبْدة، كزُبْرَة وزُبَر. وعن ابن محيصن أيضاً تسكين الباء وضمُّ اللام(٢).
وقرأ الحسن والجحدريُّ وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو: بضمَّتين(٣)، جمع
لَبْد كرَهْن ورُهُن، أو جمع لَبُود کصَبُور وصُبُر.
وقرأ الحسن والجحدري أيضاً بخلاف عنهما: (لُبَّدا)) بضمِّ اللام وتشديد
الباء(٤)، جمع: لابد، وأبو رجاء: بكسرها وشدِّ الباء المفتوحة(٥).
فليس ذلك
﴿قُلّ إِنَّمَا أَدْعُواْ﴾ أعبد ﴿رَبِّ وَلَا أُثْرِلُ بِهِ﴾ في العبادة ﴿أَحَدًا ◌ْـ
يِيدْعٍ ولا مُستنكَر يوجب التعجّب أو الإطباق على عداوتي.
وقرأ الأكثرون: ((قال)) (٦) على أنَّه حكاية منه تعالى لقوله بَّ للمتراكمين عليه،
أو حكاية من الجِنِّ له عند رجوعهم إلى قومهم، فلا تغفل.
وقراءة الأَمْرِ - وهي قراءة عاصم وحمزة وأبي عمرو بخلاف عنه(٧) - أظهرُ
وأوفق لقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِ لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرََّ وَلَا رَشَدًّا ®﴾ أي: ولا نفعاً،
تعبيراً باسم السبب عن المسبَّب، والمعنى: لا أستطيع أن أضرَّكم ولا أنفعكم،
إنَّما الضارُّ والنافع هو الله عزَّ وجلَّ. أو: لا أَملكُ لكم غَيًّا ولا رَشَداً، على أنَّ
الضَّرَّ مرادٌ به الغَيُّ تعبير باسم المسبَّب(٨) عن السبب، ويدلُّ عليه قراءةُ أُبَيِّ:
(١) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢ عن هشام، والكلام من البحر ٣٥٣/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٣، والبحر المحيط ٣٥٣/٨.
(٣) المحتسب ٣٣٤/٢، والبحر المحيط ٣٥٣/٨، والكلام منه، وهي في القراءات الشاذة
ص١٦٣ عن مجاهد.
(٤) القراءات الشاذة ص١٦٣، والمحتسب ٣٣٤/٢، والبحر المحيط ٣٥٣/٨.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٤/٥، والدر المصون ٤٩٩/١٠ وقال: وهي غريبة جدًّا.
(٦) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢ عن أبي عمرو وابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي
وخلف ويعقوب.
(٧) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢ عن أبي جعفر وعاصم وحمزة، والبحر المحيط ٣٥٣/٨
والكلام منه.
(٨) في (م): السبب.
سُورَةُ الخير
٥٠٨
الآية : ٢٢
(غيَّا)) بدل (ضرًّا))(١)، والمعنى: لا أستطيع أن أَقسركم على الغَيِّ والرّشد،
إنَّما القادرُ على ذلك هو الله سبحانه وتعالى. وجوّز أن يكون في الآية الاحتباك،
والأصل: لا أملك لكم ضرًّا ولا نفعاً ولا غيَّا ولا رَشَداً، فتُرك مِن كلا المتقابلين
ما ذُكرَ في الآخر.
وقرأ الأعرج: ((رُشُداً)) بضمَّتين (٢).
﴿قُلْ إِّ لَنْ يُجِيْرَنِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ إن أرادني سبحانه بسوء ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ.
أي: معدلاً ومنحرفاً. وقال الكلبيُّ: مدخلاً في الأرض. وقال
مُلْتَحَدًّا جَ
السُّدِّيُّ: حِرْزاً. وأصله المدخلُ مِن اللَّحد، والمراد ملجأ يركنُ إليه، وأنشدوا:
عنِّي وما مِن قضاء الله مُلْتَحدُ(٣)
یا لھف نفسي ونفسي غير مجدیةٍ
وجوَّز فيه الراغب (٤) كونه اسمَ مكان وكونه مصدراً.
وهذا على ما قيل: بيانٌ لعَجْزه عليه الصلاة والسلام عن شؤون نفسه بعد بيانٍ
عَجْزهِ وَ ل ◌ِ عن شؤون غيره.
وقيل: في الكلام حذف، وهو: قالوا: اترُك ما تَدعو إليه ونحن نُجيرُك. فقيل
له: قل: ((إِنِّي لن يجيرني)) إلخ. وقيل: هو جواب لقول وَرْدان سيِّد الجِنِّ وقد
ازدحموا عليه: أنا أَزْجُلهم(٥) عنك. فقال: ((إنِّي لن يجيرني)) إلخ، ذكره
الماورديُّ، والقولان ليسا بشيء.
(١) المحرر الوجيز ٣٨٤/٥.
(٢) البحر المحيط ٣٥٣/٨.
(٣) البحر المحيط ٣٥٣/٨، والبيت في النكت والعيون ١٢١/٦، وتفسير القرطبي ٣٠٥/٢١،
وفتح القدير ٣١٠/٥، دون نسبة، ونسبه في الدر المنثور ٢١٨/٤ لخصيب الضمري، وورد
في المصادر كلها عدا ((البحر)): ولهفا، بدل: ونفسي.
(٤) المفردات (لحد).
(٥) في الأصل و(م): أرحلهم. وكذا وردت في مطبوع البحر المحيط ٣٥٣/٨، والنقل منه،
والمثبت من النكت والعيون للماوردي ١٢١/٦، وتفسير القرطبي ٣٠٥/٢١: ومعنى
أزجلهم: أدفعهم. القاموس (زجل).
الآية : ٢٣
٥٠٩
سُورَةُ الحَّ
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ بَلَغَا مِّنَ اللَّهِ﴾ استثناء من مفعول ((لا أملك)) كما يشير إليه
كلام قتادة، وما بينهما اعتراض مؤكِّد لنفي الاستطاعة، فلا اعتراضَ بكثرة الفصل
المبعِدة لذلك، فإنْ كان المعنى: لا أملك أن أضرَّكم ولا أنفعكم، كان استثناء
متَّصلاً، كأنَّه قيل: لا أملك شيئاً إلا بلاغاً، وإن كان المعنى: لا أملك أن أَقسركم
على الغَيِّ والرشد، كان منقطعاً، أو من باب:
لا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم(١)
كما في ((الكشف))، وظاهرُ كلام بعض الأجلَّة أنَّه إمَّا استثناء متصل من ((رشداً))
فإنَّ الإبلاغ إرشاد ونفع، والاستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز، وإمَّا
استثناء منقطع من ((ملتحداً))، قال الرازيُّ: لأنَّ البلاغ من الله تعالى لا يكون داخلاً
تحت قوله سبحانه: (مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا) لأنَّه لا يكون مِن دون الله سبحانه، بل منه جلّ
وعلا وبإعانته وتوفيقه(٢).
وفي ((البحر)): قال الحسن: هو استثناء منقطع، أي: لن يجيرني أحدٌ، لكن إنْ
بَلَّغتُ رحمني(٣) بذلك، والإجارة مستعارة للبلاغ إذ هو سبب إجارة الله تعالى
ورحمته سبحانه، وقيل: هو على هذا المعنى استثناء متصل، والمعنى: لن أجد
شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلّا أن أبلِّغ وأطيعَ فيجيرَني، فيجوز نصبه على الاستثناء
مِن ((ملتحداً)) أو على البدل وهو الوجه؛ لأنَّ قبله نفياً، وعلى البدل خرّجه
الزجَّاج (٤). انتهى. والأظهر ما تقدَّم.
وقيل: إنَّ(إلَّا)) مرَّبة مِن ((إنْ)) الشرطيّة و((لا)) النافية، والمعنى: إن لا أُبَلِّغْ
بلاغاً، وما قبله دليل الجواب، فهو كقولك: إلَّا قياماً فقعوداً. وظاهره: أنَّ
المصدر سدَّ مسدّ الشرط كمعمول ((كان))، ولهم في حذف جملة الشرط مع بقاء
الأداة كلام، والظاهر أنَّ اطّراد حذفه مشروطٌ ببقاء ((لا))، كما في قوله:
(١) صدر بيت للنابغة، وسلف ٥/ ٤٠٧ .
(٢) تفسير الرازي ١٦٥/٣٠.
(٣) في (م): رحمتي.
(٤) البحر المحيط ٣٥٤/٨، وكلام الزجاج في معاني القرآن ٥/ ٢٣٧.
سُورَةُ الحَُّ
٥١٠
الآية : ٢٣
فطَلِّفْها فلستَ لها بكُفءٍ وإِلَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحسامُ(١)
ما لم يسدَّ مسدَّه شيء مِن معمول أو مفسِّر كـ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] و: الناس مجْزيُّون بأعمالهم إن خيراً فخير. وهذا الوجه
خلاف المتبادر كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿وَرِسَلَتِهِ﴾ عطف على ((بلاغاً))، و((من الله)) متعلِّق بمحذوف وقع
صفة له، أي: بلاغاً كائناً مِن الله، وليس بصلة له؛ لأنَّه يستعمل بـ ((عن)) كما في
قوله {َله: ((بلِّغوا عنِّي ولو آية))(٢) والمعنى على ما علمتَ أوَّلاً في الاستثناء:
لا أملكُ لكم إلَّا تبليغاً كائناً منه تعالى ورسالاته التي أرسلني عزَّ وجلَّ بها.
وفي ((الكشف)): في الكلام إضمار، أي: بلاغ رسالاته، وأصل الكلام: إلَّا
بلاغ رسالات الله، فعدلَ إلى المنزَّل ليدلَّ على التبليغين مبالغة، وأنَّ كلَّا من
المعنيين، أعني: كونه مِن الله تعالى وكونه بلاغ رسالاته، يقتضي التشمُّر لذلك.
انتھی .
وفي عبارة ((الكشّاف))(٣) رمزٌ مّا إليه، لكن قيل عليه: لا ينبغي تقدير المضاف
فيه، أعني: بلاغ، فإنَّه يكون العطف حينئذٍ من عطف الشيء على نفسه، إلا أن
يوجَّه بأنَّ البلاغ مِن الله تعالى فيما أخذه عنه سبحانه بغير واسطة، والبلاغ
للرسالات فيما هو بها، وهو بعيد غايةَ البعد، فافهم.
واستظهر أبو حيَّان عطفه على الاسم الجليل، فقال: الظاهر عطف ((رسالاته))
على ((الله))، أي: إلّا أنْ أُبلِّغ عن الله وعن رسالاته(٤). وظاهره جعل ((من)) بمعنى
((عن)) وقد تقدَّم منه أنَّها لابتداء الغاية. وقرئ: ((قال لا أملك)) أي: قال عبدُ الله
للمشركين أو للجِنِّ(٥). وجوّز أن يكون مِن حكاية الجِنِّ لقومهم.
(١) سلف ١٤/ ١٥٨.
(٢) أخرجه أحمد (٦٤٨٦)، والبخاري (٣٤٦١)، من حديث عبد الله بن عمر ضًا.
(٣) ٤/ ١٧١ - ١٧٢.
(٤) البحر المحيط ٣٥٤/٨.
(٥) الكشاف ٤/ ١٧١ .
الآية : ٢٣
٥١١
سُورَةُ الحَّر
هذا ووَجْهُ ارتباط الآية بما قبلها قيل بناءً على أنَّ التلبُّد للعداوة: إنَّهم لما تلبّدوا
عليه و ﴿ متظاهرين للعداوة، قيل له عليه الصلاة والسلام: ((قل إنِّي لا أملكُ لكم
ضرَّا ولا رشداً)) أي: ما أردتُ إلَّا نفعكم وقابلتموني بالإساءة، وليس في استطاعتي
النفع الذي أردتُ ولا الضَّرُّ الذي أكافئكم به، إنَّما ذانِ إلى الله تعالى، وفيه تهديد
عظيم وتوكيل إلى الله جلَّ وعلا، وأنَّه سبحانه هو الذي يجزيه بحُسن صنيعه وسوءٍ
صنيعهم، ثم فيه مبالغة من حيث إنَّه لا يَدَعُ التبليغَ لتظاهرهم هذا، فإنَّ الذي
يستطيعه عليه الصلاة والسلام هو التبليغ ولا يَدَعُ المستطاع، ولهذا قال: ((إلا بلاغاً))
وجعله بدلاً من ((ملتحداً) شديد الطباق على هذا، والشرط قريب منه، وأمَّا إن كان
الخطاب للجِنِّ والتلبُّد للتعجُّب، فالوجه أنهم لما تلبّدوا لذلك قيل له عليه الصلاة
والسلام: قل لهم: ما لكم ازدحمتم عليَّ متعجِّبين منِّ ومِن تطامن أصحابي على
العبادة، إنِّي ليس إليَّ النفع والضَّرُّ، إنَّما أنا مبلِّغ عن الضارِّ النافع، فأقبلوا أنتم
مثلنا على العبادة، ولا تُقبلوا على التعجُّب، فإنَّ العَجَب ممَّن يُعرِض عن المنعم
المنتقم الضارِّ النافع، ولعلَّ اعتبار قوَّة الارتباط يقتضي أولويَّة كون التلبُّد كان
للعداوة ومعصية الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في الأمر بالتوحيد، إذ الكلام فيه، فلا يصحُ
استدلال المعتزلة ونحوهم بالآية على تخليد العصاة في النار.
وجوّز أن يراد بالرسول رسولُ الملائكة عليهم السلام دون رسولِ البشر، فالمراد
بعصيانه أن لا يبلِّغ المرسَل إليه ما وصل إليه كما وصل، وهو خلاف الظاهر.
﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: في النار، أو: في جهنّم، وجمع
((خالدين)) باعتبار معنى (مَن)) كما أنَّ الإفراد قَبْلُ باعتبار لفظها، ولو روعي هنا أيضاً
لقيل: خالداً. ﴿أَبَدًا
﴾ بلا نهاية.
وقرأ طلحة: ((فأنَّ) بفتح الهمزة(١)، على أنَّ التقدير، كما قال ابنُ الأنباري
وغيره: فجزاؤه أنَّ له .. إلخ، وقد نصَّ النحاة على أنَّ ((أنَّ)) بعد فاء الشرط يجوز
(١) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والبحر المحيط ٣٥٤/٨.
سُؤَةُ القُرْ
٥١٢
الآية : ٢٤
فيها الفتح والكسر، فقول ابنٍ مجاهد: ما قرأ به أحد، وهو لحن؛ لأنَّه بعد فاء
الشرط(١) = ناشئٌ مِن قَلَّة تتبُّعه وضعفِه في النحو.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا رَأَوْأُ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا !
٢٤
جملة شرطيَّة مقرونة بـ ((حتى)) الابتدائية، وهي - وإن لم تكن جارَّة - فيها معنى
الغاية، فمدخولها غايةٌ لمحذوف دلَّت عليه الحال مِن استضعاف الكفّار لأنصاره
عليه الصلاة والسلام واستقلالِهم لعدده، كأنَّه قيل: لا يزالون يَستضعِفون
ويَستهزِؤون حتى إذا رأوا ما يُوعَدون من فنون العذاب في الآخرة تبيَّن لهم أنَّ
المستضعَفَ مَن هو، ويدلُّ على ذلك أيضاً جواب الشرط، وكذا ما قيل على
ما قيل؛ لأنَّ قوله سبحانه: ((قل إنَّما أَدعو ربِّي)) تعريضٌ بالمشركين كيفما قدّر، بل
السورةُ الكريمة من مفتتحها مسوقةٌ للتعريض بحال مشركي مگّة، وتسلية
لرسولِ اللهِ وَل﴾، وتسرية عنه عليه الصلاة والسلام، وتعيير لهم بقصُور نظرهم عن
الجِنِّ مع ادِّعائهم الفطانة، وقلّة إنصافهم ومبادهتهم بالتكذيب والاستهزاء، بدل
مبادهة الجِنِّ بالتصديق والاستهداء.
ويجوز جعل ذلك غايةً لقوله تعالى: ((يكونون عليه لِبَداً)) إن فسِّر بالتلبُّد على
العداوة، ولا مانعَ من تخلّل أمور غيرٍ أجنبيَّة بين الغاية والمغيّا، فقول أبي حيان:
إِنَّه بعيد جدًّا؛ لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة(٢)، ليس بشيء، كجَعْلِهِ إِيَّاه غايةً
لِمَا تضمَّنته الجملة قَبْلُ - يعني فإنَّ له نارَ جهَّم - من الحُكْم بكينونة النار له، ومثل
ذلك ما قيل مِن أنَّه غاية لمحذوف، والتقدير: دعهم حتى إذا رَأَوا .. إلخ.
والظاهر أنَّ ((مَن)) استفهاميَّة كما أشرنا إليه، وهي مبتدأ، و((أضعف)) خبر،
والجملة في موضع نصب بما قبلها، وقد علّق عن العمل؛ لمكان الاستفهام. وجوِّز
كونها موصولة في موضع نصب بـ ((يعلمون))، و((أضعف)) خبر مبتدأ محذوف،
والجملة صلة لـ ((من))، والتقدير: فسيعرفون الذي هو أضعف. وحَسَّنَ حَذْفَ صدرِ
الصلة طولُها بالتمييز.
(١) نقله عن ابن مجاهد تلميذه ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٣ .
(٢) البحر المحيط ٣٥٥/٨.
الآية : ٢٥ - ٢٦
٥١٣
سُورَةُ الخير
وجوّز تفسير (ما يوعدون)) بيوم بدر، ورجّح الأوَّل بأنَّ الظاهر أنَّ قوله سبحانه:
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىّ﴾ أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَّا نُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا (٢٥)﴾ ردِّ
لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك، ومقتضى حالهم أنَّهم قالوا إنكاراً واستهزاء:
متى يكون ذلك الموعود؟ بل روي عن مقاتل أنَّ النضر بن الحارث قال ذلك،
فقيل: قل: إنَّه كائنٌ لا محالةَ، وأمّا وقته فما أدري متى يكون. والأحرى بسؤالهم
وهذا الجوابِ إرادةُ ما في يوم القيامة، المنكرين له أشدَّ الإنكار، والخفيِّ وقتُه عن
الخلائق غايةَ الخفاء، والمراد بالأمد الزمان البعيد؛ بقرينة المقابلة بالقريب، وإلَّا
فهو وضعاً شاملٌ لهما، ولذا وصف ببعيداً في قوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ:
أَمَدَأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقيل: إنَّ معنى القرب يُنبئُ عن مشارفة النهاية، فكأنَّه
قيل: لا أدري أهو حال متوقَّع في كلِّ ساعة أم هو مؤجَّل ضُرب له غاية، والأوَّل
أُولی وأقرب.
﴿عَلِمُ الْغَيْبٍ﴾ بالرفع، على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو سبحانه عالم
الغيب، وجوَّز أبو حيَّان (١) كونَه بدلاً من ((ربِّي))، وغيرُه أيضاً كونَه بياناً له، ويأبى
إذ يكون النظـ
الوجهين الفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (®
حينئذٍ: أم يجعل له عالم الغيب أمداً، فلا يظهر على غيبه أحداً، وفيه من الإخلال
ما لا يَخفى.
وإضافة ((عالم)) إلى ((الغيب)) محضة؛ لقصد الثبات فيه، فيفيد تعريفُ الطرفين
التخصيصَ، وتعريفُ ((الغيب)) للاستغراق، وفي الرضي: إنَّ اسم الجنس، أعني:
الذي يقع على القليل والكثير بلفظ الواحد، إذا استعمل ولم تقم قرينة تخصِّصه
ببعض ما يَصدُق عليه، فهو في الظاهر لاستغراقِ الجنس أخذاً من استقراء كلامهم،
فمعنى: التراب يابس والماء بارد، أن كلّ ما فيه هاتان الماهيتان حاله كذا، فلو
قلت في قولهم: النومُ ينقض الطهارةَ: النوم مع الجلوس لا ينقضها، لكان مناقضاً
لذلك اللفظ. انتهى. وهو يؤيِّد إرادة ذلك هنا؛ لأنَّ الغيب كالماء يقع على القليل
والكثير بلفظ واحد، ولا يضرُّ في ذلك جمعه على غيوب كما لا يضرُّ فيه جمع
(١) البحر المحيط ٣٥٥/٨.
سُورَةُ الحُري
٥١٤
الآية : ٢٦
الماء على مياه. وكذا المراد بـ ((غيبه)) جميعُ غيبه، وقد نصَّ عليه عزمي زاده معلِّلاً
له بكون اسم الجنس المضاف بمنزلة المعرَّف باللام سيَّما إذا كان في الأصل
مصدراً، وعزي إلى ((شرح المقاصد)) ما يقتضيه.
وربَّما يقال: يفهم ذلك أيضاً من اعتبار كون الإضافة للعهد وأنَّ المعهود هو
الغيبُ المستغرق، أو مِن اعتبارها للاختصاص وأنَّ الغيب المختصّ به تعالى بمعنى
المختصّ علمه سبحانه به هو كلُّ غيب، واعتناءً بشأن الاختصاص جيء بالمظهَر
موضع المضمَر.
والجملة استئناف لدفع توقُّم نقصٍ مِن نَفْي الدرايةِ، والفاء لترتيب عدم الإظهار
على تفرُّده تعالى بعلم الغيب، والمراد بالإظهار المنفيِّ الاطّلاعُ الكامل الذي
تنكشف به جليَّة الحال على أتمٍّ وجه، كما يرشد إليه حرف الاستعلاء، فكأنَّه قيل:
ما عليَّ إذا قلت: ما أدري قُرْبَ ذلك الموعد - الغيب - ولا بُعْدَه، فالله سبحانه
وتعالى عالم كلِّ غيب وحده، فلا يُطلِعُ على ذلك المختصِّ عِلْمُه به تعالى إطلاعاً
كاملاً أحداً مِن خلقه ليكون أليقَ بالتفرُّد وأبعدَ عن توهُّم مساواة عِلْم خِلْقه لعلمه
سبحانه، وإنَّما يُطلِعِ جلَّ وعلا - إذا أطلع - مَن شاء على بعضه ممَّا تقتضيه الحكمة
التي هي مدار سائر أفعاله عزَّ وجلَّ، وما نفيت عنّي العلم به ممَّا لم يطلعني اللهُ
تعالى عليه؛ لِمَا أنَّ الاطلاع عليه ممَّا لا تقتضيه الحكمة التشريعيَّة التي يدور عليها
فَلَك الرسالة، بل هو مخلٌّ بها. وإن شئتَ فاعتبر الجملة واقعة موقعَ التعليل لنفي
الدراية السابقة .
ولمَّا كان مساقُ الكلام ممَّا قد يتوهّمون منه أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يَطّلع
على شيء من الغيب عقّب عزَّ وجلَّ الكلام بالاستثناء المنقطع - كما روي في
((البحر))(١) عن ابنِ عباس - الذي هو بمعنى الاستدراك؛ لدَفْع ذلك على أبلغ وجه،
حيث عمَّم الأمر في الرسل المرتَضَيْنَ، وأقام كيفيَّة الإظهار مقامَ الإظهار مع
الإشارة إلى البعض الذي اطَّلَعوا عليه المناسب لمقام الدعوة، فقال عزَّ مِن قائل:
(١) ٨ / ٣٥٥.
الآية : ٢٧ - ٢٨
٥١٥
سُورَةُ الحَر
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا ﴾ أي: لكن
الرسول المرتَضَى يُظهِره جلَّ وعلا على بعضِ الغيوب المتعلّقة برسالته - كما يُعرِب
عنه بيان ((من ارتضى)) بالرسول - تعلُّقاً ما؛ إمّا لكونه من مباديها بأن يكون معجزةً،
وإمَّا لكونه مِن أركانها وأحكامها كعامَّة التكاليف الشرعيَّة، وكيفيات الأعمال
وأجزيتها، ونحو ذلك من الأمور الغيبيَّة التي بيانها مِن وظائف الرسالة، بأن يَسلُكَ
من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك حرساً من الملائكة عليهم السلام يَحرُسونه
مِن تعرُّض الشياطين لِمَا أُريد إطلاعه عليه اختطافاً أو تخليطاً.
﴿لَعْلَمَ﴾ متعلّق بـ ((يسلك)) وعلَّة له، والضمير لـ ((مَن)) أي: لأجل أن يَعلم ذلك
المرتَضَى الرسولَ ويُصدِّقَ تصديقاً جازماً ثابتاً مطابقاً للواقع ﴿أَن قَدْ أَبْلَغُواْ﴾ أي:
الشأن قد أَبْلَغَ إليه الرَّصَدُ، وهو من قبيل: بنو تميم قتلوا زيداً، فإن المبلِّغ في
الحقيقة واحد معهم وهو جبريل عليه السلام كما هو المشهور مِن أنَّه المبلِّغ مِن بين
الملائكة عليهم السلام إلى الانبياء ﴿رِسَلَتِ رَبِّهِمْ﴾ وهي الغيوب المظهَر عليها
كما هي مِن غير اختطاف ولا تخليط، وعلى هذا فليكن ((مَن)) مبتدأ، وجملة ((إنَّه
يسلك)) خبره، وجيءَ بالفاء لكونه اسمَ موصول.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: بما عند الرصد ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: ممَّا
﴾ أي: فرداً فرداً = حالٌ مِن فاعل: ((يسلك)) بتقدير ((قد))
كان وممًا سيكون ﴿عَدَدًا (
٢٨
أو بدونه، جيء به لمزيد الاعتناء بأَمْرٍ عِلْمه تعالى بجميع الأشياء وتفرُّده سبحانه بذلك
على أتمٍّ وجه بحيث لا يشاركه سبحانه في ذلك الملائكة الذين هم وسائطُ العلم،
فكأنَّه قيل: لكن المرتضى الرسول يُعلِّمه اللهُ تعالى بواسطة الملائكة بعضَ الغيوب ممَّا
له تعلُّقٌ مّا برسالته، والحالُ أنَّه تعالى قد أحاط علماً بجميع أحوال أولئك الوسائط،
وعلم جلَّ وعلا جميعَ الأشياء بوجه جزئي تفصيلي، فأين الوسائط منه تعالى؟!
أو حال مِن فاعل ((أبلغوا)) جيءَ به للإشارة إلى أنَّ الرصدَ أنفسهم لم يزيدوا
ولم يَنقصوا فيما بلَّغوا، كأنَّه قيل: ليَعلم الرسولُ أن قد أبلغ الرصدُ إليه رسالاتٍ
ربِّه في حال أنَّ الله تعالى قد علم جميعَ أحوالهم وعَلِمَ كلَّ شيء، فلو أنَّهم زادوا
أو نَقصوا عند الإبلاغ لعَلِمَه سبحانه، فما كان يختارهم للرصديَّة والحفظ.
٥١٦
الآية : ٢٨
هذا ما سنح لذهني القاصر في تفسير هذه الآيات الكريمة ولستُ على يقين مِن
أمره، بيدَ أنَّ الاستدلالَ بقوله سبحانه: (فَلَا يُظْهِرُ) إلخ على نفي كرامة الأولياء
بالاطلاع على بعضٍ الغيوب لا يتمُّ عليه؛ لأنَّ قوله تعالى: (فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ:
أَحَدًا) في قوَّة قضيةٍ سالبةٍ جزئيَّة؛ لدخول ما يفيد العمومَ في حيِّز السَّلْب، وأكثر
استعمالاته لسَلْب العموم - وصرَّح به فيما هنا في ((شرح المقاصد)»(١) - لا لعموم
السلب، وهو سلب جزئيٌّ فلا ينافي الإيجابَ الجزئيَّ، كأن يُظهِر بعضَ الغيب على
وليٍّ على نحو ما قال بعضُ أهل السنة في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾
[الأنعام: ١٠٣].
ولا يَردُ أنَّ الاستثناء يقتضي أن يكون المرتضَى الرسولُ مُظهَراً على جميع غيبه
تعالى بناءً على أنَّ الاستثناء مِن النفي يقتضي إيجابَ نقيضه للمستثنى ونقيضُ السالبة
الجزئيَّة الموجبةُ الكليّة مع أنَّه سبحانه لا يُظهِر أحداً كائناً من كان على جميع
ما يَعلمُه عزَّ وجلَّ مِن الغيب؛ وذلك لانقطاع الاستثناء المصرِّح به ابن عباس.
وكذا لا يَردُ أنَّ الله تعالى نفى إظهارَ شيء مِن غيبه على أحد إلا على الرسول
فيلزم أن لا يُظهِر سبحانه أحداً من الملائكة على شيء منه؛ لأنَّ الرسول هنا ظاهر في
الرسول البشري، لقوله تعالى: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ) إلخ، وذلك ليس إلا فیه، كما لا يخفى
على مَن علم حكمةً ذلك. ويلزم أن لا يُظهِر أيضاً أحداً من الأنبياء الذين ليسوا
برسل بناءً على إرادة المعنى الخاصِّ مِن الرسول هنا؛ وذلك لِمَا ذكرنا أوَّلاً .
وكذا لا يَردُ أنَّه يلزم أنْ لا يُظهِر المرتضى الرسولَ على شيء مِن الغيوب التي
لا تتعلَّق برسالته ولا يُخِلُّ الإظهارُ عليها بالحكمة التشريعيَّة؛ إذ لا حَصْر للبعض
المظهَر فيما يتعلَّق بالرسالة، وإنَّما أُشير إلى المتعلِّق بها لاقتضاء المقام لذلك،
وكونُ كلّ غيب يظهر عليه الرسول لا يكون إلا متعلِّقاً برسالته محلُّ توقُّف.
وللمفسّرين هاهنا كلام لا بأس بذِكْره بما له وما عليه حسَب الإمكان، ثم الأمر
بعد ذلك إليك، فنقول: لمَّا كان مذهبُ أكثر أهل السنة القولَ بكرامة الولي
(١) ٥/ ٧٦-٧٧.
الآية : ٢٨
٥١٧
وَقُ الحِين
بالاطلاع على الغيب، وكان ظاهرُ قوله تعالى: (عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ) إلخ دالًّا
على نفيها - ولذا قال الزمخشريُّ: إنَّ في هذا إبطال الكرامات، أي: في الجملة،
وهي ما كان من الإظهار على الغيب؛ لأنَّ الذين تُضاف إليهم وإن كانوا أولياء
مرتضين فليسوا برسل، وقد خصَّ اللهُ تعالى الرسلَ من بين المرتضين بالاطلاع على
الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم؛ لأنَّ أصحابَهما أبعد شيء مِن الارتضاء وأدخله في
السخط(١). انتهى - أنجدوا وأَتهموا وأَيمنوا وأَشأموا في تفسير الآية على وجهٍ
لا ينافي مذهبهم ولا يتمُّ عليه استدلال المعتزلي على مذهبه، فقال الإمام: ليس في
قوله تعالى: ((على غيبه)) صيغة عموم، فيكفي في العمل بمقتضاه أنْ لا يُظْهِرَ تعالى
خَلْقَه على غيبٍ واحدٍ مِن غيوبه، فنحمله على وقتٍ وقوع القيامة، فيكون المراد مِن
الآية أنَّه تعالى لا يُظهِر هذا الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنَّه سبحانه
لا يُظهِر شيئاً مِن الغيوب لأحد، ويؤكِّد ذلك وقوع الآية بعد قوله تعالى: (قُلْ إِنْ
أَدْرِىَّ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ)، والمراد به وقوع يوم القيامة.
ثم قال: فإن قيل: إذا حَملتم ذلك على القيامة فكيف قال سبحانه: (إِلَّا مَنِ
أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ) مع أنَّه لا يُظهِر هذا الغيب لأحد مِن رسله، قلنا: بل يُظهِره عند
القُرب من إقامة القيامة، وكيف لا وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِّ وَزْلَ
المَكَبِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ولا شكَّ أنَّ الملائكة يعلمون في ذلك الوقت، وأيضاً
يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً، كأنَّه قيل: عالمُ الغيب فلا يُظهِر على غيِه
المخصوص - وهو قيامُ القيامة - أحداً، ثم قيل: إلَّا مَن ارتضى مِن رسول فإنَّه
يسلك مِن بين يديه ومِن خلفه حفظةً يحفظونه من شرٌّ مَرَدةِ الإنس والجِنِّ(٢).
انتھی.
وتُعقّب بأنَّ في ((غيبه)) ما يدلُّ على العموم كما سمعتَ أوَّلاً، والسياق لا يأباه،
اللَّهمَّ إلا أن يطعن في ذلك، وأيضاً ظاهر جوابه الأوَّل عن القيل كونُ المراد
بالرسول في الآية الرسولَ المَلَكي، ويَأباه ما بَعْدُ مِن قوله تعالى: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ) إلخ،
(١) الكشاف ٤/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) تفسير الرازي ١٦٨/٣٠.
سُؤَةُ الخير
٥١٨
الآية : ٢٨
على أنَّ عِلْم الملائكة بوقت الساعة يوم تشقَّق السماء ليس من الإظهار على الغيب،
بل هو من إظهار الغيب وإبرازه للشهادة، كإظهار المطر عند نزوله، وما في الأرحام
عند وضعه، إلى غير ذلك. وأيضاً الانقطاع على الوجه الذي ذكره بعيدٌ جدًّا إذ فيه
قَطْع المناسبة بين السابق واللاحق بالكليَّة، اللَّهمَّ إلا أن يقال: مثله لا يضرُّ في
المنقطع .
وقيل: إنَّ الإظهار على الغيب بمعنى الإطلاع عليه على أتمِّ وجه بحيث يحصل
به أعلى مراتب العلم، والمراد عموم السلب، ولا يضرُّ في ذلك دخول ما يفيد
العموم في حيِّز النفي؛ لأنَّ القاعدة أكثريَّة لا مطَّردة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمِ﴾
[البقرة: ٢٧٦] وقد نصَّ على ذلك العلامة التفتازانيُّ(١)، فيكون المعنى: فلا يُظهِر
على شيء مِن غيبه أحداً، إلا مَن ارتضى مِن رسول فإنَّه سبحانه يُظهرِه على شيء
مِن غيبه بأن يَسلك .. إلخ. ولا يرد كرامة الولي، إذ ليست مِن الإظهار المذكور،
إذ لا يحصل له أعلى مراتب العلم بالغيب الذي يُخبر به، وإنَّما يحصل له ظنون
صادقة أو نحوها، وكذا شأن غيره مِن أرباب الرياضات مِن الكفرة وغيرهم.
وتُعقّب بأنَّ من الصوفيَّة مَن قال كالشيخ محيي الدين - قدِّس سرُّه(٢) - بنزول
المَلَك على الوليِّ، وإخباره إِيَّاه ببعض المغيَّيات أحياناً، ويرشد إلى نزوله عليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ الآية [٣٠ من سورة فصلت] وكون
ما يحصل له إذ ذاك ظنٍّ أو نحوه لا عِلْمٌ كالعلم الحاصل للرسول بواسطة المَلَك =
لا يخلو عن بحث، بل قد يحصل له بواسطة الإلهام والنَّفث في الرُّوع نحو
ما يحصل للرسول. وأيضاً يلزم أنْ لا يُظهَر المَلَكُ على الغيب، إذ الرسول
المستثنى رسولُ البشر على ما هو الظاهر، والتزام أنَّه لا يُظهَر بالمعنى السابق
ويُظهر بواسطته، ممَّا لا وجه له أصلاً. وأيضاً يلزم أنَّ ما يحصل للنبيِّ غير الرسول
بالمعنى الأخصِّ المتبادر هنا ليس بعِلْم بالمعنى المذكور، وهو كما ترى.
(١) شرح المقاصد ٧٦/٥-٧٧.
(٢) الفتوحات المكية ٣١٦/٣، الباب الرابع والستون وثلاث مئة.
الآية : ٢٨
٥١٩
سُورَةُ الحر
وقيل: المراد بالغيب في الموضعين الجنس، والإظهارُ عليه على ما سمعت،
وكذا عدم ورودِ الكرامة، والبحث فيه كالبحث في سابقه وزيادة.
وقال صاحب ((الكشف)) في الردِّ على الزمخشريِّ: الغيب إن كان مفسَّراً بما فسَّره
في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣] فالآية حجَّة عليه؛ لأنَّه جوَّز هنالك أن
يَعلم بإعلامه تعالى أو بنصبه الدليل، وهذا الثاني - أعني القسم العقليَّ - تنفيه الآية
وتُرشِد إلى أنَّ تهذيبَ طرق الأدلَّة أيضاً بواسطة الأنبياء عليهم السلام، والعقل غيرُ
مستقلٌّ، وأهل السنة عن آخِرهم على أنَّ الغيب بذلك المعنى لا يطّلع عليه إلا رسول
أو آخِذٌ منهم، وليس فيه نفي الكرامة أصلاً وإن أراد الغائب عن الحسِّ في الحال
مطلقاً، فلا بُدَّ من التخصيص بالاتفاق، فليس فيه ما ينفيها أيضاً، وإن فسّر بالمعدوم
كما ذكره في قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] فلا بُدَّ أيضاً من
التخصيص، وكذلك لو فسّر بما غاب عن العباد أو بالسِّرِّ، على أنَّ ظاهر الآية أنَّه
تعالى عالمُ كلِّ غيب وحده لا يُظهِر على غيبه المختصِّ به - وهو ما يتعلَّق بذاته تعالى
وصفاته عزَّ وجلَّ بدلالة الإضافة - إلا رسولاً، وهو كذلك فإنَّ غيبَه تعالى لا يُطَّلع
عليه إلا بالإعلام من رسول مَلَكيٍّ أو بشريٍّ ولا كلُّ غيبه تعالى الخاصِّ مُطلَع عليه بل
بعضه وأقلُّ القليل منه، فدلَّ المفهوم على أنَّ غيرَ هذا النوع الخاصِّ مِن الغيب لا منع
من إطلاع الله تعالى غيرَ الرسول عليه، فهذا ظاهر الآية دون تعسُّف. ثم لو سُلِّم
فالثاني إمَّا مستغرق، وإذا قال سبحانه: لا يُطلِعِ على جميعه أحداً إلا مَن ارتضى مِن
رسول، لم يدلَّ على أنَّه لا يجوز إطلاع غيرِ الرسول على البعض، وإمَّا مُطلَق ينزل
على الكامل منه، فيرجع إلى ما اخترناه وتتعاضد(١) دلالتا تشريف الإضافة
والإطلاق، فلا وجه لتعليقه بهذه الآية، ومنه يظهر أنَّ الاستدلال من الآية على إبطال
الكهانة والتنجيم غيرُ ناهض، وإن كان إبطالهما حقًّا لا ننكره، فضلاً عن تكفير مَن
قال بدلالته على حياة أو موت؛ لأنَّه كفر بهذه الآية، كما نقله شيخنا الطيبي عن
الواحديٌّ(٢)، والزجَّاج(٣)، وصاحب ((المطلع)). انتهى.
(١) في (م): وتعاضد.
(٢) الوسيط ٣٦٩/٤.
(٣) معاني القرآن ٥/ ٢٣٧.
سُورَةُ الَّر
٥٢٠
الآية : ٢٨
ويُحث فيه بأنَّ حمل ((غيبه)» على الغيب الخاصِّ بمعنى ما يتعلَّق بذاته تعالى
وصفاته عزَّ وجلَّ ممَّا لا يناسبُ السياق، وبأنَّ ظاهر ما قرَّره على احتمال
الاستغراق يقتضي على تقدير اتصال الاستثناء وإيجاب ضدِّ ما نفي للمستثنى أن
يُظهِر الرسولَ على جميع غيبه تعالى إلى ما يظهر بالتأمُّل.
وذكر العلّامة البيضاوي(١) أوَّلاً ما يفهم منه - على ما قيل - حَمْل ((غيِه)) على
العموم مع الاختصاص، أي: عموم الغيب المخصوص به علمه تعالى، وحَمْل:
(فلا يظهر))، على سَلْب العموم، وحَمْل الرسول، على الرسول البشري، واعتبار
الاستثناء منقطعاً على أنَّ المعنى: فلا يُظهِر على جميع غيِهِ المختصِّ به عِلْمُه
تعالى أحداً إلا مَن ارتضى مِن رسول فيظهره على بعضٍ غيبه حتى يكون إخباره به
معجزةً، فلا يتمُّ الاستدلال بالآية على نفي الكرامة، وفسّر الاختصاص بأنَّه
لا يعلمه بالذات والكُنْه علماً حقيقيًّا يقينيًّا بغير سبب - كإطلاع الغير - إلا هو
سبحانه، وأمَّا عِلْم غيره سبحانه لبعضه فليس علماً للغيب إلا بحسب الظاهر
وبالنسبة لبعض البشر، وقيل: أراد بالغيب المخصوص به تعالى ما لم يُنصَب عليه
دليل، ولا يَقدَح في الاختصاص عِلْمُ الغير به بإعلامه تعالى، إذ هو إضافيٍّ
بالنسبة إلى مَن لم يعلم.
وقال ثانياً في الجواب عن الاستدلال - ولعلَّه أراد الجوابَ عند القوم - ما نصُّه:
وجوابُه تخصيصُ الرسول بالمَلَك، والإظهار بما يكون بغير توسُّط، وكرامات
الأولياء على المغيَّبات إنَّما تكون تلقّياً مِن الملائكة(٢)، أي: بالنفث في الرُّوع
ونحوه. وحاصله أنَّ الاستدلالَ إنَّما يتمُّ أنْ لو تحقَّق كونُ المراد بالرسول رسول
البشر والمَلَك جميعاً، أو رسول البشر فقط، وبالإظهار الإظهار بواسطةٍ أوْ لا ،
والكُلُّ ممنوع؛ إذ يجوز أن يخصّ الرسول برسول المَلَك، وأن يُراد بالإظهار
الإظهار بلا واسطة، ويكون المعنى: فلا يُظهِر بلا واسطة على غيبه إلَّا رسل
الملائكة، ولا ينافي ذلك إظهار الأولياء على غيبه؛ لأنَّه لا يكون إلا بالواسطة،
(١) تفسير البيضاوي ٢٦١/٨ مع حاشية الشهاب.
(٢) تفسير البيضاوي ٢٦١/٨ مع حاشية الشهاب.