النص المفهرس

صفحات 481-500

الآية : ١
٤٨١
سُؤَةُ الحرة
والجِنُّ: واحده: جِنِّيّ، كـ : روم ورومي، وهم أجسام عاقلة تغلب عليها
الناريَّة، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]
وقيل: الهوائية، قابلةٌ جميعها أو صِنْف منها للتشكُّل بالأشكال المختلفة، من شأنها
الخفاء، وقد تُرى بصور غيرِ صورها الأصليّة، بل وبصورها الأصليّة التي خُلقت
عليها كالملائكة عليهم السلام، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليه ومَن
شاء الله تعالى من خواصٌ عباده عزَّ وجلَّ، ولها قوَّة على الأعمال الشاقَّة، ولا مانع
عقلاً من أن تكون بعضُ الأجسام اللطيفة الناريَّة مخالفةً لسائر أنواع الجسم اللطيف
في الماهية، ولها قبول الإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة مثلاً، وقد قال
أهل الحكمة الجديدة بأجسام لطيفة أثبتوا لها من الخواصِ ما يُبهر العقول، فلتكن
أجسامُ الجِنِّ على ذلك النحو من الأجسام، وعالَمُ الطبيعة أوسعُ مِن أن تحيط
بحصر ما أُودع فيه الأفهامُ.
وأكثر الفلاسفة على إنكار الجِنِّ، وفي رسالة (الحدود)) لابن سينا: الجِنِّيُّ
حيوان هوائي متشكّل بأشكال مختلفة.
وهذا شرح الاسم، وظاهره نفي أن يكون لهذه الحقيقة وجودٌ في الخارج،
ونفيُ ذلك كفرٌ صريح كما لا يخفى. واعترف جمع عظيم مِن قدماء الفلاسفة
وأصحاب الروحانيَّات بوجودهم ويسمُّونهم بالأرواح السفليَّة، والمشهور أنَّهم
زعموا أنَّها جواهرُ قائمةٌ بأنفسها ليست أجساماً ولا جسمانيَّة، وهي أنواع مختلفة
بالماهية، كاختلاف ماهيات الأعراض، فبعضها خيِّرة وبعضها شريرة، ولا يَعرِف
عدد أنواعها وأصنافها إلا الله عزَّ وجلَّ، ولا يبعد على هذا أن يكون في أنواعها
ما يقدر على أفعال شاقَّة عظيمة يَعِجِزُ عنها البشر، بل لا يبعد أيضاً على ما قيل أن
يكون لكلِّ نوع منها تعلَّق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، ومن الناس مَن
زعم أنَّ الأرواح البشريّة والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوَّة وكمالاً
بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانيَّة، فإذا اتفق
حدوث بَدَن آخرَ مشابٍ لِمَا كان لتلك النفس المفارقة مِن البدن، تعلَّقت تلك النفس
به تعلُّقاً ما، وتصير كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن،

سُؤَّةُ الحُرّ
٤٨٢
الآية : ١
فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيّرة سُمِّي ذلك المُعين مَلَكاً وتلك الإعانة
إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سُمِّ ذلك المُعين شيطاناً وتلك الإعانة
وسوسة. والكُلُّ مخالف لأقوال السلف وظاهرٍ الآيات والأحاديث، وجمهورُ
أرباب الملل معترفون بوجودهم كالمسلمين وإن اختلفوا في حقيقتهم، وتمام الكلام
في هذا المقام يُطلَب من ((آكام المرجان))، وفي ((التفسير الكبير))(١) طَرَف ممَّا يتعلَّق
بذلك فارجع إليه إن أردته.
واختلف في عدد المستمعين، فقيل: سبعة، فعن زِرّ: ثلاثة من أهل حرَّان،
وأربعة من أهل نَصِيبين. قرية باليمن غير القرية التي بالعراق. وعن عكرمة أنَّهم
كانوا اثني عشر ألفاً مِن جزيرة الموصل. وأين سبعة أو تسعة من اثني عشر ألفاً؟!
ولعلَّ النَّفَرَ عِليَةُ القوم. وفي ((الكشاف))(٢): كانوا مِن الشَّيْصَبَان، وهم أكثر الجِنِّ
عدداً، وعامَّة جنود إبليس منهم.
والآية ظاهرة في أنَّهِ وََّ عَلِمَ استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة، وقد وقع في
الأحاديث أنَّه عليه الصلاة والسلام رآهم، وجُمع ذلك بتعدُّد القصَّة، قال في ((آكام
المرجان)) ما محصله: في الصحيحين(٣) في حديث ابن عباس: ما قرأ رسول الله وله
على الجِنِّ ولا رآهم، وإنَّما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق ◌ُكَاظ، وقد حيل بين
الجِنِّ والسماء بالشُّهب، فقالوا: ما ذاك إلا لشيء حدث، فاضربوا مشارقَ الأرض
ومغاربها، فمرَّ من ذهب لتهامة منهم به عليه الصلاة والسلام وهو يصلِّي الفجر
بأصحابه بنخلة، فلما استمعوا له، قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء،
ورجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا .. إلخ، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿قُلْ
أُوجِىَ﴾ إلخ. ثم قال: ونفيُ ابنِ عباس إنَّما هو في هذه القصَّة، واستماعُهم
تلاوته ﴿ في الفجر في هذه القصَّة لا مطلقاً، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْناً
إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ إلخ فإنَّها تدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام كلَّمهم ودعاهم
وجعلهم رسلاً لمَن عَدَاهم، كما قاله البيهقيُّ.
(١) ١٤٨/٣٠ وما بعدها.
(٢) ٤ / ١٦٧.
(٣) صحيح البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، وسلف ٣٠/٢٦.

الآية : ١
٤٨٣
سُوَرَةُ الحَّن
وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبيِّ نَّه قال: ((أتاني داعي الجِنِّ،
فذهبتُ معه وقرأتُ عليهم القرآن))، قال: وانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار
نيرانهم .. إلخ(١). وقد دلَّت الأحاديث على أنَّ وفادة الجِنِّ كانت ستَّ مرَّات. وقال
ابنُ تيمية: إنَّ ابن عباس عَلِمَ ما دلَّ عليه القرآن ولم يَعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة
من إتيان الجِنِّ له وَّهِ ومكالمتهم إيّاه عليه الصلاة والسلام، وقصَّة الجِنِّ كانت قبل
الهجرة بثلاث سنين. وقال الواقديُّ: كانت سنة إحدى عشرة من النبوّة. وابن عباس
نَاهزَ الخُلُم في حبّة الوداع، فقد علمتَ أنَّ قصَّة الجِنِّ وقعت ستّ مرات.
وفي ((شرح البيهقي)) من طرق شتّى عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ وَلّهِ صلَّى العشاء ثم
انصرف، فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا، فأجلسني وخطً عليَّ خظًّا، ثم قال:
(لا تبرحنَّ خطَّك)) فبينما أنا جالس إذا أتاني رجال منهم كأنَّهم الزُّ (٢)، فذكر حديثاً
طويلاً وأنَّهِ وَيهِ ما جاءه إلى السَّحَر، قال: وجعلتُ أسمع الأصوات، ثم جاء عليه
الصلاة والسلام، فقلت: أين كنتَ يا رسولَ الله؟ فقال: ((أرسلتُ إلى الجِنِّ)).
فقلت: ما هذه الأصوات التي سمعتُ؟ قال: ((هي أصواتهم حين ودَّعوني وسلَّموا
عليَّ))(٣)، وقد يجمع الاختلاف في القلّة والكثرة؛ بأنَّ ذلك لتعدُّد القصّة أيضاً،
والله تعالى أعلم.
واختلف فيما استمعوه، فقال عكرمة: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وقيل:
سورة ((الرحمن)).
﴿فَقَالُواْ﴾ أي: لقومهم عند رجوعهم إليهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا﴾ أي: كتاباً
مقروءاً، على ما فسَّره به بعض الأجلَّة، وفسّر بذلك للإشارة إلى أنَّ ما ذكروه في
(١) سنن أبي داود (٨٥) مختصراً، وهو بتمامه لكن عند أبي داود الطيالسي (٢٨١)، وسلف
٣١/٢٦.
(٢) الزُّطُ: جيل من الهند، معرَّب: جَتّ، والقياس فتح معربه. القاموس (الزط).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي كما في نصب الراية ١٤٣/١، وأخرجه بنحوه ابن شاهين في
ناسخ الحديث ومنسوخه (٩٦)، وهو عند الترمذي (٢٨٦١) في حديث طويل، لكن مقتصراً
على طرفه الأول، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. اهـ. تنظر
روايات الخبر في نصب الراية والكلام منقول من حاشية الشهاب ٢٥٤/٨-٢٥٥.

سُؤَةُ الحُرّ
٤٨٤
الآية : ٢ - ٣
وصفه ممَّا يأتي وصفٌ له كلِّه دون المقروء منه فقط، والمراد أنَّه مِن الكتب
السماويَّة، والتنوين للتفخيم، أي: قرآناً جليلَ الشأن.
﴿عَبَا ﴾﴾ بديعاً مبايناً لكلام الناس في حُسْن النظم ودقّة المعنى، وهو مصدر
وصف به للمبالغة.
﴿يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ إلى الحقِّ والصواب، وقيل: إلى التوحيد والإيمان. وقرأ
عيسى: ((الرُّشُد)) بضمتين، وعنه أيضاً فتحهما(١).
﴿فَامَتَّا بِهِ﴾ أي: بذلك القرآن مِن غیر ریث.
®﴾ حسبما نطق به ما فيه مِن دلائل التوحيد، أو
﴿وَلَنْ تُشْرِكَ بِبَنَّ أَحَدًّا
حسبما نطق به الدلائل العقليَّة على التوحيد. ولم تعطف هذه الجملة بالفاء، قال
الخفاجيُّ: لأنَّ نفيهم للإشراك إمَّا لِمَا قام عندهم من الدليل العقليِّ، فحينئذٍ
لا يترتَّب على الإيمان بالقرآن، وإمَّا لِمَا سمعوه من القرآن فحينئذٍ يكفي في ترتُبها
عليه عطفُ الأوَّل بالفاء، خصوصاً والباء في ((به)) تحتمل السببيَّة فيعمُّ الإيمانُ به
الإيمانَ بما فيه، فإنَّك إذا قلت: ضربته فتأدَّب وانقاد لي، فُهم ترتّب الانقياد على
الضَّرْب، ولو قلت: فانقادَ، لم يترتَّب على الأوَّل، بل على ما قبله. وقيل: عطفت
بالواو لتفويض الترتُّب إلى ذهن السامع. وقد يقال: إنَّ مجموع ((فآمنا به ولن
نشرك)) مسبّب عن مجموع: ((إنا سمعنا)) إلخ، فكونه قرآناً معجزاً يوجب الإيمانَ به،
وكونه يهدي إلى الرشد يوجب قَلْع الشرك من أصله(٢). والأوَّل أولى، وجوّز أن
يكون ضمير ((به)) لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ قوله سبحانه: ((بربنا)) يفسِّره، فلا تغفل.
﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ اختلفوا قراءةً في ((أنَّ) هذه وما بعدها إلى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا
اُلْمُسْلِمُونَ﴾ [الآية: ١٤] وتلك اثنتا عشرة: فقرأها ابنُ عامر وحمزة والكسائيُّ وخَلَف
وحفص بفتح الهمزة(٣) فيهنَّ ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة: ما هنا، و((أنه كان
(١) البحر المحيط ٣٤٧/٨.
(٢) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥٥.
(٣) التيسير ص ٢١٥، والنشر ٣٩١/٢.

الآية : ٣
٤٨٥
سُورَةُ الحر
يقول))، و((أنه كان رجال))، وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتَّفقوا على الفتح
في ((أنَّه استمعَ))، و((أنَّ المساجدَ)) لأنَّ ذلك لا يصحُّ أن يكون مِن قول الجِنِّ، بل
هو ممَّا أُوحِيَ، بخلاف الباقي فإنَّه يصحُّ أن يكون مِن قولهم وممَّا أُوحِي(١)،
واختلفوا في ((أنه لمَّا قام)) فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها(٢)، كذا
فصَّله بعضُ الأجلَّة، وهو المعوّل عليه.
ووجه الكسر في ((إنَّ) هذه وما بعدها إلى: ((وإنَّا منَّا المسلمون)) ظاهرٌ كالكسر
في ((إنَّا سمعنا قرآناً)) لظهور عطف الجمل على المحكي بعد القول ووضوح
اندراجها تحته، وأمَّا وجه الفتح ففيه خفاءٌ، ولذا اختلف فيه، فقال الفرَّاء والزجَّاج
والزَمَخْشَريُّ: هو العطف على محلِّ الجارِّ والمجرور في ((آمنًا به)) كأنَّه قيل:
صدَّقناه وصدَّقنا أنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا وأنَّه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي(٣)،
ويكفي في إظهار المحلِّ إظهارُه مع المرادف، وليس من العطف على الضمير
المجرور بدون إعادة الجارِّ - الممنوع عند البصريين - في شيء، وإن قيل به هنا بناءً
على مذهب الكوفيين المجوِّزين له، ولو قيل: إنَّه بتقدير الجارِّ لاطراد حذفه قبل
((أنَّ) و((أنْ)) لكان سديداً، كما في ((الكشف)).
وضعَّف مكِّيّ العطفَ على ما في حيِّز ((آمنا)) فقال: فيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنَّهم لم
يخبروا أنَّهم آمنوا بأنَّهم لمَّا سمعوا الهدى آمنوا به، ولا أنَّهم آمنوا بأنه كان رجالٌ،
إنَّما حكى الله تعالى عنهم أنَّهم قالوا ذلك مخبرين عن أنفسِهم لأصحابهم(٤).
وأجيب عن الذاهبين إليه بأنَّ الإيمان والتصديق يَحسُن في بعض تلك
المعطوفات بلا شبهة، فيمضي في البواقي ويُحمَل على المعنى، على حدٍّ قوله:
وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا(٥)
(١) النشر ٣٩١/٢.
(٢) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩٢/٢، وحاشية الشهاب ٢٥٥/٨ والكلام منه.
(٣) الكشاف ١٦٦/٤ والكلام منه، ومعاني القرآن للفراء ١٩١/٣، وللزجاج ٢٣٤/٥.
(٤) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧٦٣/٢.
(٥) حاشية الشهاب ٢٥٦/٨، والبيت سلف ٧١/٧.

سُؤَةُ الْخِر
٤٨٦
الآية : ٣
فيُخرَّج على ما خرِّج عليه أمثاله، فيؤوَّل: صدَّقنا، بما يشمل الجميع، أو يقدَّر
مع كلِّ ما يناسبه.
وقال أبو حاتم: هو العطف على نائب فاعل: ((أوحي)) أعني ((أنَّه استمع))،
كما في ((أنَّ المساجد)) على أنَّ الموحى عينُ عبارة الجِنِّ بطريق الحكاية، كأنَّه
قيل: قل أوحي إليَّ كيتَ وكيتَ وهذه العبارات. وتُعقِّب بأنَّ حكاية عباراتهم
تقتضي أن تكون ((أنَّ) في كلامهم مفتوحةً الهمزة، ولا يظهر ذلك إلا أن يكون
في كلامهم ما يقتضي الفتح كـ : اسمعوا، أو: اعلموا، أو: نخبركم، لكنَّه أسقط
وقتَ الحكاية، ولا يظهر لإسقاطه وجه، وعلى تقدير الظهور فالفتح ليس لأجل
العطف، فإنَّ النائبَ عن الفاعل عليه مجموعُ كلِّ جملة على إرادة اللفظ دون
المنسبك مِن «أنَّ) وما بعدها، وإلا لما صحَّ أن يقال: الموحى كيت وكيت وهذه
العبارات، فإنْ كانت ((إنَّ) في كلامهم مكسورةَ الهمزة وصحَّت دعوى أنَّ الحكاية
اقتضت فتحَها مع صحَّة إرادة هذه العبارات معه، فذاك، وإلا فالأمر كما ترى،
فافهم وتأمَّل.
والجَدُّ: العظمة والجلال، يقال: جَدَّ في عيني، أي: عَظُمَ وَجَلَّ، أي:
وصدَّقنا أنَّ الشأنَ ارتفع عظمةُ وجلال ربِّنا، أي: عظمت عظمته عزَّ وجلَّ، وفيه من
المبالغة ما لا يَخفى. وقال أبو عبيدة والأخفش: المُلك والسلطان. وقيل: الغنى،
وهو مرويٌّ عن أنس والحسن في الآية، والأوَّل مرويٌّ عن الجمهور.
والجَدُّ على جميع هذه الأوجه مستعارٌ من الجَدِّ الذي هو البَحْتُ، وقوله عز
وجل: ﴿مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴾﴾ عليها تفسيرٌ للجملة وبيانٌ لحكمها، ولذا لم
يعطف عليها، فالمراد وصفه عزَّ وجلَّ بالتعالي عن الصاحبة والولد؛ لعظمته أو
لسلطانه أو لغناه سبحانه وتعالى، وكأنَّهم سمعوا مِن القرآن ما نبّههم على خطأ
ما اعتقده كَفَرةُ الجِنِّ من تشبيهه سبحانه بخَلْقه في اتّخاذ الصاحبة والولد،
فاستعظموه ونزهوه تعالی عنه.
وقرأ حميد بن قيس: ((جُدُّ) بضمِّ الجيم، قال في ((البحر)): ومعناه: العظيم،

الآية : ٤
٤٨٧
سُورَةُ القِر
حكاه سيبويه، وإضافته إلى ((ربِّنا)) من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى:
تعالى ربُّنا العظيم(١).
وقرأ عكرمة: ((جَدٌّ) منوَّناً مرفوعاً، ((ربُّنا)) بالرفع(٢)، وخُرِّج على أنَّ الجدّ
بمعنى العظيم أيضاً، و((ربُّنا)) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربُّنا، أو بدل مِن ((جدّ)).
وقرأ أيضاً ((جَدًّا)) منوَّناً منصوباً على أنَّه تمييزٌ محوَّل عن الفاعل(٣).
وقرأ هو أيضاً وقتادة: ((جِدّا)) بكسر الجيم والتنوين والنصب، ((ربُّنا)) بالرفع(٤)،
قال ابنُ عطية (٥): نصب ((جدّاً)) على الحال، والمعنى: تعالى ربُّنا حقيقةً ومتمكِّناً.
وقال غيره: هو صفةٌ لمصدر محذوف، أي: تعالياً جدًّا.
وقرأ ابنُ السَّمَيْفَعِ: ((جَدَى ربِّنا))(٦) أي: جَدواهُ ونفعه سبحانه، وكأنَّ المراد
بذلك الغنى، فلا تغفل.
﴿وَأَنَّهُ، كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا﴾، هو إبليس عند الجمهور، وقيل: مَرَدَةُ الجِنِّ، والإضافة
للجنس، والمراد: سفهاؤنا.
﴿عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا ﴾﴾ أي: قولاً ذا شطط، أي: بُعْد عن القصد ومجاوزة
الحدِّ، أو هو في نفسه شطط؛ لفَرْط بُعده عن الحقِّ، وهو نسبة الصاحبة والولد إليه
عزَّ وجلَّ، وتعلُّقُ الإيمان والتصديق بهذا القول - بناء على ما يقتضيه العطف على
ما في حيِّز ((فآمنا)) - ليس باعتبار نفسه، فإنَّهم كانوا عالمين بقول سفيههم مِن قبل،
بل باعتبار كونه شططاً، كأنَّه قيل: وصدَّقنا أنَّ ما كان يقول سفيهُنا في حقِّه سبحانه
كان شططاً .
(١) البحر ٣٤٧/٨.
(٢) المحتسب ٣٣٢/٢، والبحر المحيط ٣٤٧/٨.
(٣) المحتسب ٢/ ٣٣٢، والبحر المحيط ٣٤٧/٨.
(٤) الكشاف ١٦٧/٤، والبحر المحيط ٣٤٨/٨
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٩/٥.
(٦) تفسير القرطبي ٢٨٢/٢١، والبحر المحيط ٣٤٨/٨.

سُورَةُ الخير
٤٨٨
الآية : ٥ - ٦
اعتذار منهم عن تقليدهم
﴿وَنَّا ◌َنَّا أَن ◌َّنْ نَقُولَ الْإِسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ()
لسفيههم، أي: كنّا نظنُّ أن لن يَكذبَ على الله تعالى أحدٌ فينسبَ إليه سبحانه
الصاحبة والولد، ولذلك اعتقدنا صحَّة قول السفيه، ولعلَّ الإيمان متعلِّق بما يُشعر
به كلامهم هذا وينساق إليه من خطئهم في ظنِّهم، كأنَّه قيل: وصدَّقنا بخطئنا في
ظنِّنا الذي لأجله اعتقدنا ما اعتقدنا.
و(كذباً)) مصدر مؤكِّد لـ ((تقول))؛ لأنَّه نوع من القول كما في: قعدت القرفصاء،
أو: وصف لمصدر محذوف، أي: قولاً كذباً، أي: مكذوباً فيه؛ لأنَّه لا يتصوَّر
صدور الكذب منه، وإن اشتهر توصيفه به كالقائل، وجوّز أن يكون من الوصف
بالمصدر مبالغة، وهي راجعة للنفي دون المنفيِّ.
٠
وقرأ الحسن والجحدري وعبد الرحمن بن أبي بكرة ويعقوب وابن مقسم:
(تَقوَّلَ))(١) مضارع ((تَقَوَّلَ))، وأصله: تَتَقوَّلَ، بتاءين، فحذفت إحداهما، فـ ((كذباً))
مصدرٌ مؤكِّد، لأنَّ الكذب هو التقوُّل.
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ كان الرجل مِن العرب إذا أمسى
في وادٍ قَفْر وخاف على نفسه، نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي أعوذ بكَ
مِن السفهاء الذين في طاعتك. يريد الجِنَّ وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا
وقالوا: سِدْنا الجِنَّ والإنسَ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ أي: زاد الرجال
العائذون الجِنَّ ﴿رَهَقًا ﴾﴾ أي: تكبِّراً وعُتُوّاً، فالضمير المرفوع لرجال الإنس، إذ
هم المحدَّث عنهم، والمنصوب لرجال الجِنِّ، وهو قول مجاهد والنخعيِّ وعبيد بنِ
عمير وجماعة. إلا أنَّ من فسَّر الرَّهَقَ بالإثم، وأنشد الطبريُّ لذلك قولَ الأعشى:
لا شيءً ینفعني مِن دونٍ رؤيتها
لا يشتفي وامقٌ ما لم يُصِبْ رَهَقاً(٢)
فإنَّه أراد: ما لم يَغْشَ محَرَّماً، فالمعنى هنا: فزادت الإنسُ الجِنَّ مأتماً؛ لأنَّهم
عظّموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى، أو: فزاد الجِنُّ العائذينَ غيّاً، بأن
(١) النشر ٣٩٢/٢ عن يعقوب، والقراءات الشاذة ص ١٦٢، والبحر ٣٤٨/٨ والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٣٢٦/٢٣، والبيت في ديوان الأعشى ص٤١٥، والوامق: المحبّ.

الآية : ٧
٤٨٩
سُورَةُ الحَر
أضلُّوهم حتى استعاذوا بهم، فالضميران على عكس ما تقدَّم، وهو قول قتادة
وأبي العالية والربيع وابنٍ زيد. والفاء على الأوَّل للتعقيب، وعلى هذا؛ قيل:
للترتيب الإخباري، وذهب الفرَّاء إلى أنَّ ما بعد الفاء قد يتقدَّم؛ إذا دلَّ عليه
الدليل، كقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأَسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] وجمهور
النحاة على خلافه(١). وقيل: في الكلام حذف، أي: فاتَّعوهم فزادوهم.
والآية ظاهرة في أنَّ لفظ الرجال يُطلَق على ذكور الجِنِّ كما يطلق على ذكور
الإنس. وقيل: لا يطلق على ذكور الجِنِّ، و((مِن الجن)) في الآية متعلّق بـ ((يعوذون))،
ومعناها: أنَّه كان رجال من الإنس يعوذون من شَرِّ الجِنِّ برجال من الإنس، وكان
الرجل يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بنٍ بدر مِن جِنِّ هذا الوادي. وهو قولٌ غريبٌ
مخالفٌ لِمَا عليه الجمهورُ المؤيَّدِ بالآثار، ولعلَّ تعلُّق الإيمان بهذا باعتبار ما يُشعر
به مِن کون ذلك ضلالاً موجباً لزيادة الرهق.
وقد جاء في بعض الأخبار ما يقال بدل هذه الاستعاذة، ففي حديث طويل
أخرجه أبو نصر السجزيُّ في ((الإبانة)) من طريق مجاهد عن ابنِ عباس - وقال:
غريبٌ جدّاً - أنَّه ◌ِوَ﴿ قال: ((إذا أصاب أحداً منكم وحشةٌ، أو نزل بأرض مجنّة،
فليقل: أعوذ بكلمات الله التامَّات التي لا يجاوزها بَرُّ ولا فاجِر مِن شرِّ ما يَلِجُ في
الأرض وما يَخرجُ منها، وما ينزل مِن السماء وما يَعرُج فيها، ومن فِتَن النهار،
ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير))(٢).
﴿وَهُمْ ظَنُوا﴾ أي: الإنس ﴿كَمَا ظَنَهُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ، على أنَّه كلام بعضهم لبعض
﴿أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا ﴾﴾ أي: من الرسل على أحد من العباد. وقيل: أن لن
يبعثَ سبحانه أحداً بعد الموت. وأيّاً ما كان فالمراد: وقد أخطؤوا وأخطأتم،
ولعلَّه متعلّق الإيمان. وقيل: المعنى: أنَّ الجِنَّ ظُّوا كما ظننتم أيُّها الكفرة أن
لن .. إلخ، فتكون هذه الآية من جملة الكلام الموحى به، معطوفة على قوله
تعالى: ((أنَّه استمع))، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافاً من كلامه تعالى، وكذا
(١) حاشية الشهاب ٢٥٦/٨.
(٢) الدر المنثور ٦/ ٢٧١-٢٧٢.

سُورَةُ الْحَر
٤٩٠
الآية : ٨
ما قبلها على ما قيل. وفي ((الكشاف)) (١): قيل: الآيتان - يعني هذه وقوله تعالى:
(وأنَّه كان رجال)) إلخ - من جملة الموحى. وتَعقَّب ذلك في ((الكشف)) بأنَّ فيه
ضعفاً؛ لأنَّ قوله سبحانه: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَةَ) إلخ من كلام الجِنِّ، أو ممَّا صدَّقوه،
على القراءتين؛ لا(٢) مِن الموحى إليه فتخلّل ما تخلّل، وليس اعتراضاً غير جائز
إلا أن يؤوَّل بأنَّه يجري مجراه؛ لكونه يؤكّد ما حدّث عنهم في تماديهم في الكفر
أوَّلاً، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف. انتهى.
وأبو السعود(٣) اختار في جميع الجمل المصدَّرة بـ ((أنَّا)) العطفَ على ((أنَّه
استمع)) على نحو ما سمعتَ عن أبي حاتم، وقد سمعتَ ما فيه آنفاً .
و((أنْ)) مخفَّفة من الثقيلة، اسمها ضميرُ الشأن، والجملة بعدها خبر، وجملة
((أن لن يبعث)) إلخ، قيل: سادَّة مسدَّ مفعوليَ ((ظنُّوا))، وجوّز أن تكون سادَّة مسدّ
مفعولَي ((ظننتم))، ويكون السادُّ مسدّ مفعولَي الأوَّل محذوفاً كما هو المختار في
أمثال ذلك، ورجّح الأوَّل في الآية بأنَّ ((ظنُّوا)) هو المقصود فيها، فجعل المعمول
المذكور له أحسن، وأمَّا ((كما ظننتم)) فمذكور بالتَّبَع، ومنه يُعلَم أنَّ كون المختار
إعمال الثاني في باب التنازع ليس على إطلاقه.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَةَ﴾ أي: طلبنا بلوغَها لاستماع كلام أهلها، أو: طلبنا خبرها.
واللمس قيل: مستعار من المَسِّ للطلب كالجَسِّ، يقول: لمَسَهُ والتمسَهُ
وتلمَّسه، كطلبه واطّلبه وتطلَّبه، والظاهر أنَّ الاستعارة هنا لغويَّة؛ لأنَّه مجاز مرسل
لاستعماله في لازم معناه، و((السماء))(٤) على ظاهرها.
﴿فَوَجَدْنَهَا﴾ أي: صادفناها وأصبناها، فـ ((وجد)) متعدٍّ لواحد، وقوله تعالى:
﴿مُلِعَتْ﴾ في موضع الحال بتقدير ((قد)) أو بدونه، وإن كانت ((وجد)) من أفعال
(١) ٤ / ١٦٧.
(٢) في (م): لأن، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٥٧/٨.
(٣) في تفسيره ٩/ ٤٤.
(٤) في (م): والسماع.

الآية : ٨
٤٩١
سُؤَةُ الحِين
القلوب، فهذه الجملة في موضع المفعول الثاني. وقرأ الأعرج: ((مُلِیَتْ)» بالياء دون
همز(١).
﴿حَرَسًا﴾ أي: حرَّاساً، اسم جمع كخَدَم، كما ذهب إليه جمع؛ لأنَّه على وزنٍ
يغلبُ في المفردات كبَصَر وقَمَر، ولذا نسب إليه، فقيل: حَرَسِيّ. وذهب بعضُ إلى
أنَّه جمعٌ، والصحيح الأوَّل؛ ولذا وُصفَ بالمفرد فقيل: ﴿شَدِيدًا﴾ أي: قويّاً،
ونحوه قوله :
بَنَيْتُه بِعُضْبةٍ مِن ماليا
أخشى رُجيلاً ورُكَيْباً عادياً (٢)
ولو روعي معناه جُمع، بأن يقال: شِدَاداً، إلا أن يُنظَر لظاهر وزن فَعِيْل، فإنَّه
يستوي فيه الواحد والجمع.
والمراد بالحَرَس: الملائكة عليهم السلام الذين يمنعونهم عن قُرْب السماء.
· جمع: شهاب، وقد مرَّ الكلام فيه. وجوَّز بعضهم أن يكون
٨
﴿وَشُهُمًا
المراد بالحَرَس الشهبَ، والعطفُ مِثْلُه في قوله:
وهندٌ أتى مِن دونها النَّأْيُّ والبُعْدُ(٣)
وهو خلافُ الظاهر.
ودخول ((أنَّا لمسنا)) إلخ في حيِّز الإيمان - وكذا أكثر الجمل الآتية - في غاية
الخفاء، والظاهر تقدير نحو: نخبركم، فيما لا يظهر دخوله في ذلك، أو تأويل
((آمنَّا)) من أوَّل الأمر بما ينسحب على الجميع.
(١) البحر المحيط ٣٤٩/٨ وهي قراءة أبي جعفر كما في النشر ٣٩٦/١.
(٢) الرجز لأُحيحة بن الجلاح، وهو في المنصف لابن جني ١٠١/٢، وشرح شواهد الإيضاح
لابن بري ص٥٦٣، وشرح الشافية للأستراباذي ٢٠٣/٢، وشرح المفصل لابن يعيش ٥٪
٧٧، وخزانة الأدب ٣٥٩/٣.
(٣) عجز بيت للحطيئة وهو في شرح ديوانه ص ١٤٠، وصدره:
ألا حبَّذا هند وأرض بها هند

سُورَةُ الحُر
٤٩٢
الآية : ٩
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾ قبل هذا ﴿مِنْهَا﴾ أي: من السماء ﴿مَقَعِدَ لِلسَّمْعْ﴾ أي: مقاعد
كائنة للسمع خالية عن الحَرَس والشُّهُب، أو: صالحة للترصُّد والاستماع،
و(للسمع)) متعلِّق بـ ((نقعد)) أي: لأجل السمع، أو بمضمرٍ هو صفةٌ لـ ((مقاعد)).
وکیفيَّةُ قعودهم على ما قيل: رکوبُ بعضِهم فوق بعض، وروي في ذلك خبر
مرفوع(١)، وقيل: لا مانع من أن يكون بعروج مَن شاء منهم بنفسه إلى حيث يسمع
منه الكلام.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْأَنَ﴾ قال في ((شرح التسهيل)): ((الآن)) معناه هنا: القُرب مجازاً،
فيصحُّ مع الماضي والمستقبل(٢). وفي ((البحر))(٣): إنَّه ظرف زمان للحال،
و((يستمع)) مستقبل، فاتّسع في الظرف واستعمل للاستقبال كما قال:
سأسعى الآن إذ بلغت أناها (٤)
فالمعنى: فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي ﴿يَجِدّ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾﴾ أي:
يجد شهاباً راصداً له ولأجله يصدُّه عن الاستماع بالرَّجْم، فـ ((رصدًا)) صفة
((شهاباً))، فإن كان مفرداً فالأمر ظاهر، وإن كان اسمَ جمع للراصد كحرس،
فوَصْفُ المفرد به لأنَّ الشهاب لشدَّة مَنْعِه وإحراقه جُعل كأنَّه شهب، ونظير ذلك
وصف المِعَى - وهو واحد الأمعاء - بجياع في قول القتامي:
كأنَّ قيود رجلي حين ضَمَّتْ
حَوالب غُرَّزاً ومعّى جياعاً(٥)
(١) أخرج البخاري (٤٨٠٠) عن أبي هريرة له أنه قال: إن نبيَّ الله ◌َّ قال: ((إذا قضى الله
الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، ... فيسمعها مسترق السمع،
ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفِّه فحرفها، وبدَّد بين
أصابعه - فيسمع الكلمة ... )) الحديث.
(٢) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥٧.
(٣) ٣٤٩/٨.
(٤) عجز بيت لعنترة، وهو في ديوانه ص٧٧، وصدره:
فإني لست خاذلكم ولكن
وأناها : منتهاها.
(٥) سلف ١٦/ ٤٠٠.

الآية : ٩
٤٩٣
سُورَةُ الجِن
وجوِّز كونُه مفعولاً به، أي: لأجل الرصد، وقيل: يجوز أن يكون اسمَ جمع
صفة لما قبله، بتقدير: ذوي شهاب، فكأنَّه قيل : يجد له ذوي شهاب راصدین
بالرجم، وهم الملائكة عليهم السلام الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من
الاستماع، وفيه بُعْدٌ.
وفي الآية ردٌّ على من زعم أنَّ الرجم حدث بعد مبعثِ رسولِ اللهِ وٍَّ وهو
إحدى آياته عليه الصلاة والسلام حيث قيل فيها: ((ملئت)) وهو - كما قال
الجاحظ(١) - ظاهرٌ في أنَّ الحادث هو الملْءُ والكثرة. وكذا قوله سبحانه: (نَفْعُدُ
مِنْهَا مَقَعِدَ) على ما في ((الكشاف))(٢)، فكأنَّه قيل: كنَّا نجد فيها بعضَ المقاعد خاليةً
من الحرس والشهب، والآن مُلِئَت المقاعد كلُّها، فمن يستمع .. إلخ، ويدلُّ على
وجود الشهب قَبْلُ ذِكْرُها في شعر الجاهلية، قال بشر بنُ أبي خازم:
يَنقضُّ خَلْفهما انقضاضَ الكوكبِ(٣)
والعَيْرُ يُرمِقها الغبارُ وجَحْشُها
وقال أوس بن حجر:
نَقْعٌ يثور تَخاله ◌ُنُباً (٤)
وانقضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبعه
وقال عوف بن الخَرع(٥) يصف فرساً:
أو الثورَ كالدُّرِّيِّ يَتْبعه الدَّمُ (٦)
يردُّ علينا العَيْرَ من دون إلفِهِ
فإنَّ هؤلاء الشعراء كلّهم كما قال التبريزيُّ: جاهليون ليس فيهم مخضرم(٧).
(١) ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٣٤٩/٨، وكلام الجاحظ في الحيوان ٢٧٢/٦-٢٧٣.
(٢) ٤ / ١٦٨.
(٣) ديوان بشر بن أبي خازم ص٨١، والكشاف ١٦٨/٤، وفيهما: الخَبَار، بدل: الغبار.
والخَّبَار: أرض لينة رخوة تسوخ فيها القوائم. شبَّه الجحش بالكوكب المنقضّ في سرعته
وبياضه.
(٤) سلف ٤٢٦/١٣.
(٥) جاء في هامش الأصل: بالخاء معجمة، وراء يروى مفتوحة ومكسورة. انتهى منه.
(٦) الحيوان للجاحظ ٢٧٥/٦، والمعاني الكبير للدينوري ٧٣٩/٢، وورد في الحيوان: أنفه،
بدل: إلفه .
(٧) البحر المحيط ٣٤٩/٨.

سُورَةُ الحُر
٤٩٤
الآية : ١٠
وما رواه الزهريُّ، عن عليٍّ بنِ الحسين ﴿هَا، عن ابنِ عباس: بينما رسولُ اللهِ وَله
جالس في نَفَرٍ من الأنصار إذ رمي بنجم، فاستنار فقال: ((ما كنتم تقولون في مثلٍ
هذا في الجاهلية)). قالوا: كنَّا نقول: يموت عظيم، أو: يولد عظيم (١). وروي عن
معمر: قلت للزهريِّ: أكان يُرمَى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أرأيتَ
قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَا نَقَعُدُ﴾؟ فقال: غُلِّظت، وشُدِّد أمرُها حين بُعثَ النبيُّ وََّ(٢).
وكأنَّه أخذ ذلك من الآية أيضاً .
وقال بعضهم: إنَّ الرميَ لم يكن أوَّلاً، ثم حدث للمنع عن بعض السماوات،
ثم كَثُرَ ومنع به الشياطين عن جميعها يوم تنبّأَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
وجوّز أن تكون الشهب مِن قَبْلُ لحوادث كونيَّة لا لمنع الشیاطین أصلاً،
والحادث بعد البعثة رميُّ الشياطين بها على معنى أنَّهم إذا عَرجوا للاستماع رُمُوا
بها، فلا يلزم أيضاً أن يكون كلّ ما يحدث من الشهب اليوم للرمي، بل يجوز أن
يكون لأمور أُخَرَ بأسباب يعلمها الله تعالى، ويجاب بهذا عن حدوث الشهب في
شهر رمضان مع ما جاء من أنَّه تُصفَّد مردةُ الشياطين فيه(٣)، ولمن يقول: إنَّ
الشهب لا تكون إلا للرمي، جواب آخر مذكور في موضعه.
وذِكْرُ وجدانهم المقاعد مملوءةً من الحراس ومنع الاستراقِ بالكليّة، قيل: بيانٌ
لِمَا حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسولِ اللهِ وَّه واستمعوا قراءَته
عليه الصلاة والسلام، وقولهم: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اٌلْأَرْضِ﴾ بحراسة
السماء ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدًا (٣)﴾ أي: خيراً، كالتَّمَّة لذلك، فالحامل في الحقيقة
تغيُّر الحال عمَّا كانوا أَلِفِوه، والاستشعارُ أنَّه لأمرٍ خطير، والتشوُّقُ إلى الإحاطة به
خبراً .
ولا يخفى ما في قولهم: ((أشرٌّ أُريدَ» إلخ من الأدب حيث لم يُصرِّحوا بنسبة
(١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩)، والترمذي (٣٢٢٤)، وأحمد (١٨٨٢).
(٢) أورده البيهقي في دلائل النبوة ٢٣٧/٢-٢٣٨.
(٣) أخرج البخاري (١٨٩٩)، ومسلم (١٠٧٩) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله التليفون: ((إذا
دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)).

الآية : ١١
٤٩٥
سُورَةُ القُر
الشَّرِّ إلى الله عزَّ وجلَّ كما صرَّحوا به في الخير، وإن كان فاعل الكُلِّ هو الله
تعالى، ولقد جمعوا بين الأدب وحُسْن الاعتقاد.
﴿ وَأَنَا مِنَّا الصَّلِحُونَ﴾ أي: الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي
معاملتهم مع غيرهم، المائلون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرةُ السليمة،
لا إلى الشَّرِّ والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة.
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: قوم دون ذلك المذكور، ويطّرد حذف الموصوف إذا كان
بعضَ اسم مجرور بـ ((من)) مقدَّم عليه، والصفة ظرف - كما هنا - أو جملة، كما في
قوله: منَّا أقام ومنَّا ظعن. وأرادوا بهؤلاء القوم: المقتصدين في صلاح الحال على
الوجه السابق، لا في الإيمان والتقوى كما قيل، فإنَّ هذا بيانٌ لحالِهم قبل استماع
وأمَّا حالهم بعد استماعه
القرآن كما يُعرِب عنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا (
فستُحكى بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ﴾ إلخ [الآيتان: ١٣-١٤]. وجوَّز بعضهم كون ((دون)) بمعنى ((غير))، فيكون
((دون ذلك)) شاملاً للشرير المحض. وأيّاً ما كان فجملة ((كنّا)) إلخ تفسيرٌ للقسمة
المتقدِّمة، لكن قيل: الأنسب عليه كون ((دون)) بمعنى ((غير)).
والكلام على حذف مضاف، أي: كنّا ذوي طرائق، أي: مذاهب، أو: مثل
طرائق في اختلاف الأحوال، أو: كانت طرائقنا طرائقَ قدداً، وكون هذا مِن تلقِّي
الركبان لا يُلتفت إليه، وعدم اعتبار التشبيه البليغ ليستغنى عن تقدير مثل، قيل: لأنَّ
المحلَّ ليس محلَّ المبالغة. وجوَّز الزمخشريُّ(١) كون ((طرائق)) منصوباً على الظرفيَّة
بتقدير ((في))، أي: كَّا في طرائق، وتعقِّب بأنَّ الطريق اسمٌ خاصٌّ لموضع يُستَطرق
فيه، فلا يقال للبيت أو المسجد: طريق، على الإطلاق، وإنَّما يقال: جعلت
المسجد طريقاً، فلا ينتصب مثله على الظرفيَّة إلا في الضرورة، وقد نصَّ سيبويه
على أنَّ قولَه:
... كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
(١) الكشاف ٤/ ١٦٩.

سُورَةُ الحَر
٤٩٦
الآية : ١٢
شاِّ (١)، فلا يُخرَّج القرآنُ الكريم على ذلك. وقال بعض النحاة: هو ظرف عامّ؛
لأنَّ كلَّ موضع يُستَطرَق: طريقٌ.
والقِدَد: المتفرِّقة المختلفةُ، قال الشاعر:
القابضُ الباسطُ الهادي بطاعتِه في فتنة الناس إذ أهواؤهم قِدَدُ (٢)
جمع: قِدَّة، مِن قَدَّ إذا قطع، كأنَّ كلَّ طريق لامتيازها مقطوعةٌ مِن غيرها .
﴿وَأَنَّا ظَنَنََّ﴾ أي: علمنا الآن ﴿أَن لَّنْ تُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أي: أنَّ الشأنَ لن نُعجِز اللهَ
تعالى كائنين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أينما كنّا مِن أقطارها ﴿وَلَنْ تُمْجِزَهُ هَرَبًا ﴾﴾ أي:
هاربين منها إلى السماء، فالأرض محمولة على الجملة، ولمّا كان ((ولن)) إلخ في
مقابلة ما قَبلُ، لزم أن يكون الهربُ إلى السماء، وفيه تَرَقِّ ومبالغة، كأنَّه قيل: لن
نُعجِزَه سبحانه في الأرض ولا في السماء.
وجوّز أن لا ينظر إلى عموم ولا خصوص كما في: أرسلها العراك، ويجعل
الفوت على قسمين أخذاً من لفظ الهرب، والمعنى: لن نُعجِزه سبحانه في الأرض
إن أراد بنا أمراً، ولن نُعجِزه عزَّ وجلَّ هرباً إن طلبنا، وحاصله: إن طلبنا لم نَفُتْه،
وإن هربنا لم نخلص منه سبحانه، وفائدة ذِكْر الأرض تصوير أنَّها مع هذه البسطة
والعراضة ليس فيها مَنْجَى منه تعالى ولا مهرب؛ لشدَّة قدرته سبحانه، وزيادةٍ تمكّنه
جلَّ وعلا، ونحوه قول القائل:
وإنَّكَ كالليل الذي هو مُدرِکي
وإنْ خِلْتُ أنَّ المنتأى عِنكَ واسِعُ(٣)
وقيل: فائدة ذِكْر الأرض تصوير تمكّنهم عليها، وغاية بعدها عن مِحلِّ استوائه
سبحانه وتعالى. وليس بذاك.
(١) الكتاب ٣٥/١-٣٦، وتمام البيت:
لَذْنٌ بهزِّ الكفّ يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب
وسلف ٩/ ٥١.
(٢) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص ٦٣ .
(٣) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٨١.

الآية : ١٣
٤٩٧
سُورَةُ الحرة
وكون ((في الأرض)) و((هرباً)) حالين كما أشرنا إليه هو الذي عليه الجمهور،
وجوِّز في ((هرباً)) كونه تمييزاً محوَّلاً عن الفاعل، أي: لن يُعجزه سبحانه هَربُنا .
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ أي: القرآن الذي هو الهدى بعينه ﴿ءَامَنَّا بِّْ﴾ مِن غير
تَلَعْثم وتردُّد ﴿فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ﴾ وبما أَنزله عزَّ وجلَّ ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ جواب الشرط،
ومِثْلُه من المنفي بـ ((لا)) يصحُّ فيه دخول الفاء وتَركُها، كما صرَّح به في ((شرح
التسهيل)) إلا أنَّ الأحسن تَرْكُها، ولذا قدّر هاهنا مبتدأ لتكون الجملة اسميَّة، ولزومُ
اقترانها بالفاء إذا وقعت جواباً، إلا فيما شدَّ من نحو:
مَن يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكرُها(١)
معلوم. وبعضهم أوجب التقدير؛ لزعمه عدم صحّة دخول الفاء في ذلك، أي:
فهو لا يخاف ﴿يَخْسًا﴾ أي: نقصاً في الجزاء، وقال الراغب: البَحْس: نَقْصُ
، أي: غشيان ذلَّة مِن قوله تعالى:
١٣
الشيءٍ على سبيل الظلم (٢). ﴿وَلَا رَهَقًّا
﴿وَتَرْهَفُهُمْ زِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] وأصله: مُطلَق الغشيان، وقال الراغب: رَهِقَه الأمرُ،
أي: غَشِيَه بقَهْر(٣). وفي ((الأساس)): رهقه: دنا منه، وصبيٌّ مُراهق: مُدانٍ
للحُلُم (٤). وفي ((النهاية)): يقال: رجل فيه رَهَق: إذا كان يَخِفُّ إلى الشَّرِّ
ويغشاه(٥) .
وحاصل المعنى: فلا يخاف أن يبخسَ حقّه ولا أن ترهقه ذلَّة، فالمصدر - أعني
(بخساً) - مقدَّر باعتبار المفعول، وليس المعنى على أنَّ غيرَ المؤمن يُبْخَسُ حقّه،
بل النظر إلى تأكيد ما ثبت له من الجزاء وتوفيره كملاً، وأما غيره فلا نصيبَ له
فضلاً عن الكمال، وفيه أنَّ ما يُجزَى به غير المؤمن مبخوسٌ في نفسه، وبالنسبة إلى
هذا الحقِّ فيه كلُّ البخس وإن لم يكن هناك بخس حقِّ. كذا في ((الكشف)).
(١) وتمامه: والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مِثْلان. وسلف ٦/ ١٥٢ .
(٢) المفردات (بخس).
(٣) المفردات (رهق).
(٤) أساس البلاغة (رهق).
(٥) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (رهق).

سُورَةُ الحرة
٤٩٨
الآية : ١٤
أو: فلا يخاف بخساً ولا رهقاً؛ لأنَّه لم يبخس أحداً حقًّا ولا رهقه ظلماً،
فلا يخاف جزاءهما، وليس من إضمار مضاف - أعني الجزاء - بل ذلك بيان
الحاصل المعنى وأنَّ ما ذكر في نفسه مخوف، فإنَّه يصحُّ أن يقال: خفتُ الذنب،
و: خفتُ جزاءَه؛ لأنَّ ما يتولَّد منه المحذورُ محذورٌ، وفيه دلالة على أنَّ المؤمن
لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما، فإنَّ عدمَ الخوف من المحذور، إنَّما يكون
لانتفاء المحذور، وجاز أن يُحمَل على الإضمار، وأصل الكلام: فمن لا يبخسُ
أحداً ولا يرهق ظلمه، فلا يخاف جزاءهما، فوضع ما في النظم الجليل موضعه؛
تنبيهاً بالسبب على المسبّب. والأوَّل كما قيل أظهر وأقرب مأخذاً.
وأخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابنِ عباس أنَّه قال في الآية: لا يخاف
نقصاً من حسناته ولا زيادةً في سيئاته(١). وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال:
((فلا يخاف بخساً)): ظلماً، بأن يُظلمَ من حسناته فينتقصَ منها شيء، ((ولا رهقاً)):
ولا أن يُحمَل عليه ذنبُ غيره. وأخرج نحوه عن الحسن. ولعلَّ المعنى الأوَّل
أنسبُ بالترغيب بالإيمان وبلفظ الرهق أيضاً، نظراً إلى ما سمعت مِن قوله تعالى:
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧].
وقرأ ابنُ وثاب والأعمش: ((فلا يَخَفْ)) بالجزم(٢) على أن ((لا)) ناهية لا نافية؛
لأنَّ الجوابَ المقترن بالفاء لا يصحُّ جزمه. وقيل: الفاء زائدة، و((لا)) للنفي، وليس
بشيء، وأيًّا ما كان فالقراءة الأولى أدلُّ على تحقّق أنَّ المؤمن ناج لا محالةَ، وأنَّه
هو المختصُّ بذلك دون غيره، وذلك لتقدير ((هو)) عليها، وبناء الفعل عليه نحو: هو
عرف، ويجتمع فيه التقوِّي والاختصاص إذا اقتضاهما المقام.
وقرأ ابن وثاب: ((بَخَساً)) بفتح الخاء المعجمة(٣).
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ﴾ الجائرون عن طريق الحقِّ الذي هو الإيمان
والطاعة، يقال: قَسَطَ الرجلُ: إذا جار، وأنشدوا:
(١) الدر المنثور ٢٧٤/٦، وأخرجه الطبري ٣٣٢/٢٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والمحرر الوجيز ٣٨٢/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والبحر المحيط ٣٥٠/٨.

الآية : ١٥ - ١٦
٤٩٩
قومٌ همُ قتلوا ابنَ هندٍ عَنْوةٌ عَمْراً وهم قَسَطُوا على النعمانِ(١)
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ﴾ الإشارة إلى مَن أسلم، والجمع باعتبار المعنى ﴿تَحَرَّوَا﴾
توخّوا وقصدوا ﴿رَشَدًا ®﴾
عظيماً بلَّغهم إلى الدار للثواب، وقرأ الأعرج:
(رُشْداً)) بضمِّ الراء وسكون الشين(٢).
﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ﴾ الجائرون عن سَنَن الإسلام ﴿فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا (٣٥)﴾ تُوقَد
بهم كما تُوقَد بكفرة الإنس، واستُظْهِر أنَّ ((فمن أسلم)) إلخ مِن كلام الجِنِّ.
وقال ابنُ عطيّة: الوجه أن يكون مخاطبةً من الله تعالى لنبيِّهِ وَّر، ويؤيِّده ما بعد
مِن الآيات(٣). وفي (الكشاف)): زعم مَن لا يرى للحِنِّ ثواباً أنَّ الله تعالى
أَوعدَ قاسطيهم وما وعد مسلميهم، وكفى به وعداً أنْ قال سبحانه: (فَأُوْلَكَ
تَحَرَّوْاْ رَشَدًا) فذكر سببَ الثواب، والله عزَّ وجلَّ أعدل مِن أن يعاقب القاسطَ
ولا يثيبَ الراشد (٤). وهو ظاهر في أنَّه مِن كلامه عزَّ وجلَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَمُواْ﴾ إلخ معطوف قطعاً على قوله سبحانه: ((أنَّه
استمعَ)) ولا يضرُّ تقدُّم المعطوف على غيره على القول به؛ لظهور الحال وعدم
الالتباس، و((أنْ)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وقرأ الأعمش وابن
وثاب بضمٌّ واو (لو))(٥).
والمعنى: وأوحيّ إليَّ أنَّ الشأن لو استقام الإنس والجنُّ أو كلاهما ﴿عَلَى
الطّرِيقَةِ﴾ التي هي ملَّة الإسلام ﴿لَأَسْقَيْنَهُم ◌ََّ غَدَقًا ﴾﴾ أي: كثيراً، وقرأ عاصم في
رواية الأعمش بكسر الدال(٦)، والمراد: لوسَّعنا عليهم الرزقَ، وتخصيص الماء
(١) البيت للفرزدق، وهو في الشعر والشعراء ٢٣٥/١، والأغاني ٥٤/١١، والخزانة ٩/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والبحر المحيط ٣٥٠/٨.
(٣) المحرر الوجيز ٣٨٢/٥.
(٤) الكشاف ٤/ ١٦٩ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والمحتسب ٣٣٣/٢.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والبحر المحيط ٣٥٢/٨، وورد في مطبوعهما: الأعشى، بدل:
الأعمش.

سُورَةُ الحُر
٥٠٠
الآية : ١٧
الغَدَق بالذِّكْر؛ لأنَّه أصلُ المعاش، وكثرته أصل السعة، فقد قيل: المالُ حيث
الماء، ولعزَّة وجوده بين العرب.
﴿لِتَقْتِنَهُمْ فِةٍ﴾ أي: لنختبرهم كيف يشكرونه، أي: لنعاملهم معاملةَ المختبر،
وقيل: لو استقام الجِنُّ على الطريقة المثلى، أي: لو ثبت أبوهم الجانُّ على ما كان
عليه مِن عبادة الله تعالى وطاعته سبحانه ولم يتكبّر عن السجود لآدمَ ولم يَكفُر وتَبَعَه
ولدُه على الإسلام، لأنعمنا عليهم ووسَّعنا رزقهم لنختبرهم، ويجوز على هذا
رجوع الضمير إلى ((القاسطين)) وهو المرويُّ عن ابنِ عباس وقتادة ومجاهد وابن
جبير، واعتبار المثلى، قيل: لأنَّ التعريف للعهد، والمعهود طريقة الجِنِّ المفضلة
على غيرها، وقيل: لأنَّ جعلها طريقةً وما عداها ليس بطريقة يُفهَم منه كونها
مفضّلة.
وقيل: المعنى أنَّه لو استقام الجِنُّ على طريقتهم - وهي الكفر - ولم يُسلِموا
باستماع القرآن لوسَّعنا عليهم الرزق استدراجاً لنوقعهم في الفتنة ونعذِّبهم في كفران
النعمة. وروي نحو هذا عن الضَّحَّاك والربيع بنِ أنس وزيد بن أسلم وأبي مجلز،
بَيْدَ أنَّهم أعادوا الضمير على مَن أسلم، وقالوا: أي: لو كفر مَن أسلم من الناس
لأسقيناهم .. إلخ، وهو مخالف للظاهر؛ لاستعمال الاستقامة على الطريقة في
الاستقامةِ على الكفر وكون النعمة المذكورة استدراجاً مِن غير قرينة عليه مع أنَّ قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىْ ءَامَنُواْ﴾ [الأعراف: ٩٦] إلخ يؤيِّد الأوَّل. وزعم الطيبي أنَّ
التذييل بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ إلخ ينصر ما قيل، قال: لأنَّه
توكيد لمضمون السابق مِن الوعيد، أي: لنستدرجهم فيتَّبعوا الشهواتِ التي هي
موجبة للبَطَر والإعراض عن ذِكْر الله تعالى، وفيه نظر.
والذِّكْر مصدر مضاف لمفعوله تُجُوِّز به عن العبادة، أو هو بمعنى التذكير
مضاف لفاعله، ويفسَّر بالموعظة. وقال بعضهم: المراد بالذِّكْر الوحي، أي: ومَن
يُعرِض عن عبادة ربِّه تعالى، أو: عن موعظته سبحانه، أو: عن وحيه عزَّ وجلَّ.
﴿يَسْلُكْهُ﴾ مضمَّن معنى: ندخله، ولذا تعدَّى إلى المفعول الثاني، أعني:
بنفسه دون ((في))، أو هو من باب الحذف
١٧
قوله تعالى: ﴿عَذَابًا صَعَدًا