النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ١٤ ٤٦١ وَلا تواج وقاراً لله، ولم يعلّق بالمذكور بناء على ما صحِّح ـ على ما فيه - من أنَّ معمولَ المصدر مطلقاً لا يتقدَّم عليه، ولو تأخّر لكان صلة له، على ما في ((الكشاف))(١) وفيه: أنَّ المعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيمَ الله تعالى إياكم في دار الثواب. وحاصله: ما لكم لا ترجون أن تُوقَّروا وتُعظّموا، على البناء للمفعول، فكأنه قيل: لِمَن التوقير؟ أي: مَن الذي يعظّمنا ويختصّ به إعظامه إيَّانا؟ فقيل: لله، وفسَّره بقوله: على حال .. إلخ، إشارة إلى أنَّه ينعي عليهم اغترارهم، كأنَّه قيل: ما لكم مغترِّين غير راجين. وجعل الحثّ على الرجاء كناية عن الحثّ على الإيمان والعمل الصالح؛ لاقتضائه انعقاد الأسباب، بخلاف الغرور، وهي كناية إيمائيّة إذ لا واسطة، ولو جعلت رمزيَّة - لخفاء الفَرْق بين الرجاء والغرور على الأکثر - لکان وجهاً، قاله في ((الکشف)). وتعقّب ذلك مفتي الديار الروميَّة - عليه الرحمة - بأنَّ عدم رجاء الكفرة لتعظيم الله تعالى إياهم في دار الثواب ليس في حيِّز الاستبعاد والإنكار، مع أنَّ في جعل الوقار بمعنى التوقير من التعسُّف، وفي جعل (الله)) بياناً للموقّر ودعوى أنَّه لو تأخَخَّر لكان صلة للوقار من التناقض ما لا يخفى، فإنَّ كونه بياناً للموقّر يقتضي أن يكون التوقير صادراً عنه تعالى، والوقار وصفاً للمخاطبين، وكونه صلة للوقار يوجب كون التوقير صادراً عنهم والوقار وصفاً له عزَّ وجلَّ(٢). انتهى. وأجيب عن أمر التناقض بأنَّك إذا قلت: ضَرْبٌ لزيد، جاز أن يكون زيد فاعلاً وأن يكون مفعولاً، وكفى شاهداً صحّة الإضافتين، فعند التأّر يحتمل أن يكون الوقار بمعنى التوقير صادراً منه تعالى، فيكون الوقار وصفاً للمخاطبين، ويحتمل أن يكون متعلِّقاً به فيكون التوقير صادراً عنهم والوقار وصفاً له تعالى، غاية ما في الباب أنَّه لما قدَّم (الله)) وامتنع تعلُّقه بالمصدر المتأخِّر صار بياناً، وعيَّنت القرينة إرادة صدور التوقير عنه عزَّ وجلَّ، وأين هذا من التناقض؟ نعم يبقى الكلام في القرينة، ولعلَّها السياق بناء على أنَّ القوم استبعدوا أن يُقبلوا ويَلطف الله تعالى بهم (١) ٤ / ١٦٣. (٢) تفسير أبي السعود ٣٨/٩-٣٩. سُؤَدَلاً نورج ٤٦٢ الآية : ١٥ إن هم تركوا باطلهم، فيكون هذا من تتمَّة إزالة الشبهة فيما سمعت مِن قولهم: كيف يَقبلُنا ويلطف بنا .. إلخ، ويعلم مِن هذا الجوابُ عن قوله: إنَّ عدم رجاء الكفرة لتعظيم الله تعالى ليس في حَيّز الاستبعاد، كما لا يخفى، وعليه قيل: يكون قوله تعالى: (وقد خلقكم)) إلى قوله سبحانه: ((فجاجاً)) للدلالة على أنَّه جلَّ شانه لا يزال ينعم عليكم مع كفركم فكيف لا يلطف بكم ويوفّركم إذا آمنتم، وتفسَّر الأطوار بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة كالصبا والشباب والكهولة وغيرها مما يكون بعضه في حال الكفر ويصلح لأن يمتنّ به، ويُلتزم كون الإعادة في الأرض من النِّعَم عندهم بناء على أنَّ فيها سترَ فظاعة الأبدان على أسهل وجه بعد حلول الموت الضروري في هذه النشأة. والإنصاف بعد هذا كلِّه ـ تمَّ أم لم يتمَّ - أنَّ الوجه المذكور متكلَّف بعيدٌ عن الظاهر بمراحل. وقيل: المعنى: ما لكم لا تخافون لله تعالى حِلْماً وتَرْكَ معاجلةٍ بالعقاب فتؤمنوا، فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار بمعنى الحلم، حقيقةٌ كما هو ظاهر كلام الراغب (١)، أو استعارة له؛ لاشتراكهما في التأنِّي، أو مجاز إذ لا يتخلَّف الحلم عن الوقار عادةً، وفي رواية عن ابن عباس تفسيره بالعاقبة حيث قال: أي: لا تخافون لله عاقبة، وهو من الكناية حينئذٍ أخذاً من الوقار بمعنى الثبات، وعن مجاهد والضحَّاك أنَّ المعنى: ما لكم لا تبالون لله تعالى عظمة. قال قطرب: هذه لغة أهل الحجاز وهذيل وخزاعة ومضر، يقولون: لم أَرْج، أي: لم أُبالٍ. وأَظْهَرُ المعاني ما ذكرناه أوَّلاً . ولمّا ذكر من آيات الأنفس ما ذكر أتبعه بشيء من آيات الآفاق، ولبُعد أحد الأمرين عن الآخر رتبةً لم يأتِ بالعطف، بل قطع فقال: ﴿أَ تَرَوْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا (٥)﴾ أي: متطابقةً بعضُها فوق بعض، وتفسير التطابق بالتوافق في الحسن والاشتمال على الحِكم وجودة الصنع ما تَرى في خَلْق الرحمن مِن تفاوتٍ عدولٌ عن الظاهر الذي تطابقت عليه الأخبار مِن غير داعٍ إليه . (١) المفردات (وقر). الآية : ١٦ ٤٦٣ سُورَلاً نوح ﴿وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾ منوِّراً لوجه الأرض في ظلمة الليل، وجعله فيهنَّ مع أنَّه في إحداهنَّ وهي السماء الدنيا، كما يقال: زيد في بغداد، وهو في بقعة منها، والمرجّح له الإيجاز والملابسة بالكليّة والجزئيَّة، وكونها طباقاً شفافةً. ﴾ يزيل ظلمةَ الليل، ويبصر أهلُ الدنيا في ضوئها ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وجهَ الأرض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهلُ البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وتنوينُه للتعظيم، وفي الكلام تشبيه بليغ، ولكون السراج أعرف وأقرب جعل مشبَّهاً به، ولاعتبار التعدِّي إلى الغير في مفهومه بخلاف النور كان أبلغَ منه، ولعلَّ في تشبيهها بالسراج القائم ضياؤه به(١) لا بطريق الانعكاس رمزاً إلى أنَّ ضياءَها ليس منعكساً إليها مِن كوكب آخر، كما أنَّ نور القمر منعكس عليه من الشمس؛ لاختلاف تشكُّلاته بالقُرب والبُعد منها، مع خسوفه بحيلولة الأرض بينه وبينها، وجزم أهل الهيئة القديمة بذلك، وفي رواية - لا أظنُّها تصحُّ - أنَّ ضياء الشمس مفاضٌ عليها من العرش، وأظنُّ أنَّ مَن يقول: إنَّها تدور على كوكب آخر - مِن أهل الهيئة الجديدة - يقول باستفادتها النورَ مِن غيرها . ثم الظاهر أنَّ المراد: وجَعَل الشمس فيهنَّ، فقيل: هي في السماء الدنيا في فلك في ثخنها، وقيل: في السماء الرابعة، وهو المشهور عند متقدِّمي أهل الهيئة، واستدلَّوا عليه بما هو مذكور في كتبهم، وفي ((البحر))(٢) حكاية قول: إنَّها في الخامسة، ولا يكادُ يصحُّ. ومما يُضحِك الصبيان فضلاً عن فحول ذوي العرفان ما حكي فيه أيضاً أنَّها في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة. وذهب متأخِّرو أهل الهيئة إلى أنَّها مركز للسيارات وعدُّوا الأرضَ منها، ولم يعدُّوا القمرَ؛ لدورانه على الأرض، وهو بينها وبين الشمس عندهم، وسنعمل إن شاء الله تعالى رسالةً في تحقيق الحقِّ، والحقُّ عند ذَوِيْه أظهر من الشمس. (١) قوله: به، ساقط من (م). (٢) ٣٤٠/٨. سُؤَدَةُ نواج ٤٦٤ الآية : ١٧ - ١٨ ﴾ أي: أنشأكم منها، فاستُعير الإنبات للإنشاء؛ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَانًا لكونه أدلَّ على الحدوث والتكوُّن مِن الأرض، لكونه محسوساً وقد تكرَّر إحساسه، وهم وإن لم ينكروا الحدوثَ جُعلوا بإنكار البعث كمَن أنكره، ففي الكلام استعارة مصرّحة تبعيَّة . و(من)) ابتدائيّة داخلة على المبدأ البعيد، و((نباتاً)) قال أبو حيان(١) وجماعة: مصدر مؤكّد لـ ((أنبتكم)) بحذف الزوائد، والأصل إنباتاً، أو نصب بإضمار فعل، أي: فنبتُّم نباتاً، وفي ((الكشف)): إنَّ الإنبات والنبات من الفعل والانفعال، وهما واحد في الحقيقة، والاختلاف بالنسبة إلى القيام بالفاعل والقابل، فلا حاجةً إلى تضمين فعل آخر ولا تقديره، ثم إنَّ الإنبات إنْ حُمل على معناه الوضعي فلا احتياج إلى التقدير، إذ هو في نفسه متضمِّن للنبات، كما أشرنا إليه، فيكون (نباتاً)) نصباً بـ ((أنبتكم)) لهذا التضمُّن، وإن حُمل على المتعارف مِن إطلاقه على مقدَّمة الإنبات من إخفاء الحَبِّ في الأرض مثلاً، فالوجه الحمل على أنَّ المراد: أنبتكم فنبتم نباتاً؛ ليكون فيه إشعار بنحو النكتة التي جرت في قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] من الدلالة على القدرة وسرعة نفاذٍ حكمها. وجوّز أن يكون الأصل: أنبتكم من الأرض إنباتاً، فنبتُّم نباتاً، فحذف من الجملة الأولى المصدر ومن الثانية الفعل؛ اكتفاءً بما ذكر في الأخرى، على أنَّه مِن الاحتباك، وقال القاضي: اختُصِرَ اكتفاءً بالدلالة الالتزامية. وفيه على ما قال الخفاجيُّ الإشعار المذكور(٢)، فتأمَّل. ﴿ثُمَّ يُِذَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الأرض بالدَّفْن عند موتكم ﴿وَقْجُكُمْ﴾ منها عند البعث والحشر ﴿إِخْرَاجًا ﴾﴾ محقَّقاً لا ريبَ فيه، وعطف ((يعيدكم)) بـ (ثم)) لما بين الإنشاء والإعادة من الزمان المتراخي الواقع فيه التكليف الذي به استحقُّوا الجزاءَ بعد الإعادة، وعطف ((يخرجكم)) بالواو دون ((ثم)) مع أنَّ الإخراج كذلك؛ لأنَّ أحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء واحد، فكأنه قضية واحدة ولا يجوز أن (١) البحر ٣٤٠/٨. (٢) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥٢، وبهامشه تفسير القاضي البيضاوي. الآية : ١٩ - ٢١ ٤٦٥ سُؤَكَلا تواج يكون بعضها محقَّقَ الوقوع دون بعض، بل لا بُدَّ أن تقع الجملة لا محالةً وإن تأخَّرت عن الإبداء. تتقلَّبون عليها كالبساط، وليس فيه دلالة على ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (® أنَّ الأرضَ مبسوطةٌ غيرُ كريَّةٍ كما في ((البحر))(١) وغيره؛ لأنَّ الكرة العظيمةَ يَرى كلُّ مَن عليها ما يليه مسطّحاً. ثم إنَّ اعتقاد الكريَّة أو عدمها ليس بأمر لازم في الشريعة، لكنَّ كريتها كالأمر اليقيني وإن لم تكن حقيقية، ووجه توسيط ((لكم)) بين الجعل ومفعوله الصريح يُعلم ممَّا مرَّ غيرَ مرَّة .. ﴿لَتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا﴾ طرقاً ﴿فِجَابًا ﴾﴾ واسعات، جمع: فجِّ، فهو صفة مشبّهة نعت لـ ((سبلاً))، وقال غير واحد: هو اسم للطريق الواسعة. وقيل: اسم للمسلَك بين الجبلين، فيكون بدلاً أو عطفَ بيان. و((من)) متعلِّقة بما قبلها لتضمُّنه معنى الاتِّخاذ، وإلا فهو يتعدَّى بـ ((في))، أو بمضمر هو حال من سبلاً، أي: سبلاً كائنة مِن الأرض، ولو تأخّر لكان صفة لها . ﴿قَالَ نُوحٌ﴾ أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربِّه عزَّ وجلَّ، أي: قال عليه السلام مناجياً له تعالى شاكياً إليه عزَّ وجلَّ: ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ﴾ أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم به مع ما بالغت في إرشادهم بالعظة والتذكير ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَنْ ◌َزْ يَزِدَّهُ مَالْهُ، وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴾﴾ أي: واستمرُّوا على اتّباع رؤسائهم الذين أَبطرتهم أموالهم وغرَّتهم أولادهم، وصار ذلك سبباً لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أُسوةً لهم في الخسار، والظاهر أنَّ اتِّباع عامَّتهم وسفلتهم لأولئك الرؤساء وفي وصفهم بذلك إشعار بأنَّهم اتَّبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لا لِمَا شاهدوا فيهم مِن شبهة مصحِّحَة للاتِّباع في الجملة. وقرأ ابن الزبير والحسن والنخعي والأعرج ومجاهد والأخوان وابن كثير وأبو عمرو ونافع في رواية خارجة عنه: ((وَوُلْدُهُ)) بضمِّ الواو وسكون اللام(٢)، (١) ٨/ ٣٤٠. (٢) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩١/٢ عن الأخوين وابن كثير وأبي عمرو، والكلام من البحر ٨/ ٣٤١، وينظر المحرر الوجيز ٣٧٥/٥. سُوَلاَ نُورچ ٤٦٦ الآية : ٢٢ فقيل: هو مفردٌ لغةٌ فِي وَلَد - بفتحهما - كالحَزَن والحُزْن، وقيل: جمع له كالأَسَد والأُسْد. وفي ((القاموس))(١): الوَلَد محرَّكة، وبالضمِّ والكسر والفتح: واحدٌ وجمعٌ، وقد يُجمَع على أولاد ووِلْدَة وإِلْدَة - بكسرها - ووُلْد بالضمِّ. انتهى. وقرأ بالكسر والسكون الحسن أيضاً والجحدري وقتادة وذرٍّ وطلحة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية (٢). وَمَكَرُواْ﴾ عطف على صلةِ ((مَن))، والجمع باعتبار معناها كما أنَّ الإفراد في الضمائر الأُوَل باعتبار لفظها، وكأنَّ فيه إشارة إلى اجتماعهم في المكر ليكون أشدَّ وأعظم. وقيل: عطف على ((عَصَوْني))، والأوَّل أنسب؛ لدلالته على أنَّ المتبوعين ضَمُّوا إلى الضلال الإضلالَ، وهو الأوفق بالسياق، فإنَّ المتبادر أنَّ ما بعده من صفة الرؤساء أيضاً، واعتبارُ ذلك العطف على أنَّ المعنى: مكر بعضهم ببعض، وقال بعضهم لبعض، خلافُ المتبادر. ﴿مَكْرًا كُبَّارًا (٣)﴾ أي: كبيراً في الغاية، فهو من صيغ المبالغة، قال عيسى بنُ عمر: هي لغة يمانية، وعليها قول الشاعر: بالحُسْنِ قَلْبَ المسلم القُرَّاءِ بيضاء تصطادُ القلوبَ وتَستبي وقوله : خُلُقُ الكريمِ وليس بالوُضَّاءِ (٣) والمرءُ يُلْحِقُه بفِتْيانِ النَّدی (١) مادة (ولد). (٢) القراءات الشاذة ص١٦٢، والكشاف ١٦٤/٤، والمحرر الوجيز ٣٧٥/٥، والبحر المحيط ٣٤١/٨. (٣) البحر المحيط ٣٤١/٨، والبيتان من قصيدة واحدة أنشدها أبو صدقة الدُّبَيْري للفراء كما ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق ص١٢٣-١٢٤، وكذا عزاه لأبي صدقة الجوهريُّ في الصحاح (قرأ) و(وضأ)، والتوحيدي في البصائر والذخائر ٦٣/٨-٦٤ (وعبارته فيه: قال الفراء في النوادر: وأنشدني أبو صدقة الزهري لفلان)، وابن منظور في اللسان (وضأ)، والزبيدي في تاج العروس (قرأ) و(وضأ). في حين نسبها السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص٢٧٨ ليزيد بن تركي، وسماه في اللسان (قرأ): زيد بن تركي الزبيدي، وفي تاج العروس (قرأ): زيد بن ترك الذُّبَيْري، وقال: هو الصحيح. اهـ. وسماه الصغاني في العباب الزاخر (قرأ): زيد بن تركي أخو يزيد. الآية : ٢٣ ٤٦٧ وقد سمع بعضُ الأعراب الجفاة رسولَ الله وَله يقرأ هذه الآية، فقال: ما أفصح ربَّك يا محمَّد(١)! وإذا اعتبر التنوين في ((مكراً)) للتفخيم زاد أمر المبالغة في مكرهم، أي: كبيراً في الغاية، وذلك احتيالهم في الدين وصدُّهم للناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذيَّة نوح عليه السلام. وقرأ عيسى وابن محيصن وأبو السَّمَّال: ((كُبَاراً)) بتخفيف الباء(٢)، وهو بناءُ مبالغةٍ أيضاً إلا أنَّها دون المبالغة في المشدَّد، ومثل كُبَّار في ذلك(٣) حُسَّان وطُوَّال وعُجَّاب وجُمَّال، إلى ألفاظ كثيرة. وقرأ زيد بن عليٍّ وابن محيصن فيما روى عنه وهب بن واضح: ((كِباراً)) بكسر الكاف وفتح الباء(٤)، قال ابن الأنباري: هو جمعُ كبير، كأنَّه جعل ((مكراً)) مكان ذنوب أو أفاعيل، يعني فلذلك وصف بالجمع. ﴿وَقَالُواْ لَ نَذَرُنَّ ◌َالِهَتَّكُ﴾ أي: لا تتركوا عبادتها على الإطلاق إلى عبادة ربِّ نوح عليه السلام ﴿وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًّا (®﴾ أي: ولا تتركوا عبادة هؤلاء، خصُّوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق؛ لأنَّها كانت أكبرَ أصنامهم ومعبوداتهم الباطلة وأعظمَها عندهم، وإن كانت متفاوتةً في العِظَم فيما بينها بزعمهم، كما يُومئ إليه إعادة ((لا)) مع بعضٍ وتَرْكُها مع آخر. وقيل: أفرد يَعُوق ونَسْر عن النفي؛ لكثرة تكرار ((لا)) وعدم اللبس. وقد انتقلت هذه الأصنام إلى العرب؛ أخرج البخاريُّ وابنُ المنذر وابنُ مردويه عن ابنِ عباس قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح عليه السلام في العرب بَعْدُ: أمَّا وَدِّ فكانت لكلب بدومة الجَنْدل، وأمَّا سُوَاع فكانت لهذيل(٥)، وأمَّا يَغُوث (١) لم نقف عليه. (٢) القراءات الشاذة ص١٦٢، والبحر المحيط ٣٤١/٨. (٣) أي: في مجيئه بالتخفيف والتشديد. (٤) القراءات الشاذة ص ١٦٢، والبحر ٣٤١/٨، والكلام وما بعده منه. (٥) في هامش الأصل: وقيل: لهمذان. انتهى منه. سُؤُدَلاً نورج ٤٦٨ الآية : ٢٣ فكانت لمراد (١)، ثم لبني غُطَيْف عند سبأ، وأمَّا يَعُوق فكانت لهَمْدان(٢)، وأما نَسْر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكَلاع، وكانت هذه الأسماءُ أسماءَ رجال صالحين مِن قوم نوح، فلمَّا هَلَكوا أوحى الشيطانُ إليهم أنِ انْصِبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ودَرَس العِلْمِ عُبدَت(٣). وأخرج أبو الشيخ في ((العظمة)) عن محمد بنِ كعب القرظي أنَّه قال: كان لآدمَ عليه السلام خمسة بنين: وَدِّ، وسُواعٍ .. إلخ، فكانوا عُبَّاداً، فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطانُ فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟ قالوا: نعم. قال: هل لكم أن أصوِّر لكم مِثْلَه في قِبْلَتِكم، إذا نظرتم إليه ذكر تموه؟ قالوا: [لا]، نكره أن تجعل لنا في قِبْلَتنا شيئاً نُصلِّي إليه (٤). قال: فأجعله في مؤخّر المسجد؟ قالوا: نعم. فصوَّره لهم حتى مات خمستُهم، فصوَّر صورهم في مؤخّر المسجد، فنقَصت الأشياء حتى تركوا عبادةَ الله تعالى وعبدوا هؤلاء، فبعث الله تعالى نوحاً عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده وتَرْكِ عبادتها ، فقالوا ما قالوا (٥). وأخرج ابنُ أبي حاتم عن عروة بنِ الزبير أنَّ وَدّاً كان أكبرَهم وأبرَّهم، وكانوا كلُّهم أبناءَ آدَمَ عليه السلام (٦) . وروي أنَّ وَدّاً أوَّلُ معبود مِن دون الله سبحانه وتعالى؛ أخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر ◌َّهِ يزيد بنَ المهلَّب، فقال: أَمَا إنَّه قُتلَ في أوَّل أرض ◌ُبد فيها غيرُ الله تعالى، ثم ذكر ودّاً وقال: كان رجلاً مسلماً وكان محبّباً (١) في هامش الأصل: وقيل: مراده. انتهى منه. (٢) في هامش الأصل: وقيل: لمذحج. انتهى منه. (٣) الدر المنثور ٢٦٩/٦، والبخاري (٤٩٢٠). (٤) في الأصل و(م): عليه. والمثبت من مصدر التخريج. (٥) الدر المنثور ٣٦٩/٦، والعظمة (١٠٦٩)، وما بين حاصرتين منهما. (٦) الدر المنثور ٦ / ٢٦٩ بنحوه. الآية : ٢٣ ٤٦٩ سُؤَلة نورج في قومه، فلمَّا مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجَزِعوا عليه، فلما رأى إبليسُ جزعَهم تَشَبَّه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعَكم على هذا، فهل لكم أن أصوِّر لكم مِثْلَه فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم. فصوَّر لهم مِثْلَه، فوضعوه في ناديهم فجعلوا يذكرونه به، فلما رأى ما بهم مِن ذِكْره قال: هل لكم أن اجعل لکم في منزلِ کلِّ رجل منكم تمثالاً مثله فیکون في بيته فیذکر به؟ فقالوا: نعم، ففعل فأقبلوا يذكرونه به، وأدرك أبناءهم فجعلوا يَرَون ما يصنعون به وتناسلوا، ودَرَسَ أَمْرُ ذِكْرهم إياه حتى انَّخذوه إلهاً يعبدونه مِن دون الله تعالى، فكان أوَّلُ مَن عبد غير الله تعالى في الأرض وَدّاً (١). وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي عثمان النهدي أنه قال: رأيت يغوثَ وكان مِن رصاص يُحمَل على جمل أَجْرَد ويسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يَيْرُك، فإذ بَرَك نزلوا، وقالوا: قد رضي لكم المنزلَ. فينزلون حوله ويضربون عليه بناءً(٢). وقيل: يبعد بقاءُ أعيان تلك الأصنام وانتقالها إلى العرب(٣)، فالظاهر أنَّه لم يَبْقَ إلا الأسماء، فاتَّخذت العربُ أصناماً وسمَّوها بها. وقالوا أيضاً: عبد وَدّ وعبد يَغوث، يعنون أصنامَهم، وما رآه أبو عثمان منها مسمَّى باسم ما سلف. ويحكى أنَّ وَدّاً كان على صورة رجل، وسُواعاً كان على صورة امرأة، ويَغوث كان على صورة أسد، ويَعوق كان على صورة فرس، ونَسْراً كان على صورة نسر، وهو منافٍ لما تقدَّم أنَّهم كانوا على صور أناس صالحين، وهو الأصحُ. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بخلاف عنهم: ((وُدّا)) بضمِّ الواو(٤)، وقرأ الأشهب العقيلي: ((ولا يغوئاً ويعوقاً)) بتنوينهما(٥)، قال صاحب اللوامح: جعلهما فعولاً؛ (١) الدر المنثور ٢٦٩/٦ -٢٧٠. (٢) الدر المنثور ٢٦٩/٦. (٣) جاء في هامش الأصل و(م): قد أخرج الإفرنج في حدود الألف والمئتين والستين أصناماً وتماثيل من أرض الموصل كانت منذ نحو من ثلاثة آلاف سنة، فلا تغفل. انتهى منه. (٤) التيسير ص ٢١٥، والنشر ٣٩١/٢ عن نافع وأبي جعفر، والبحر المحيط ٣٤٢/٨. (٥) البحر المحيط ٣٤٢/٨، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٢ عن الأعمش. سُورَلا نوزع ٤٧٠ الآية : ٢٤ فلذلك صرفهما، وهما في قراءة الجمهور صفتان من الغَوْث والعَوْق يفعل منهما، وهما معرفتان، فلذلك منعا الصرفَ؛ لاجتماع الثَّقَلين اللَّذيْن هما التعريف ومشابهة الفعل المستقبل. وتعقّبه أبو حيان(١) فقال: هذا تخبيط؛ أمَّا أوَّلاً فلا يمكن أن يكونا فعولاً؛ لأنَّ مادة يغث مفقودةٌ، وكذلك يعق، وأمَّا ثانياً فليستا بصفتين؛ لأنَّ يفعلا لم يَجِئ اسماً ولا صفةً، وإنَّما امتنعا من الصرف؛ العلميَّة ووزن (٢) الفعل إن كانا عربيين، وللعلميَّة والعجمة إن كانا عجميين. وقال ابنُ عطية (٣): قرأ الأعمش: ((ولا يغوثاً ويعوقاً)) بالصرف، وهو وهم؛ لأنَّ التعريف لازم، وكذا وزن الفعل. وأنت تعلم أنَّ الأعمش لم ينفرد بذلك، ولیس بوهم، فقد خرَّجوه على أحد وجھین. أحدهما: أنَّ الصَّرْفَ؛ للتناسب، كما قالوا في: ﴿سَلَسِلَاْ وَأَغْذَلًا﴾ (٤) [الإنسان: ٤] وهو نوع من المشاكلة، ومعدود من المحسِّنات. وثانيهما: أنَّه جاء على لغة مَن يصرف جميعَ ما لا ينصرف عند عامَّة العرب، وذلك لغة حكاها الكسائيُّ وغيره، لكن يَرِدُ على هذا أنَّها لغةٌ غيرُ فصيحة لا ينبغي التخريج عليها . ﴿وَقَدْ أَضَلُواْ﴾ أي: الرؤساء ﴿كَثِيرًا﴾ خَلْقاً كثيراً، أي: قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسَّكوا بعبادة الأصنام، فهم ليسوا بأوَّل مَن أضلَّوهم، ويشعر بذلك المُضِيُّ والاقتران بـ ((قد)) حيث أشعر ذلك بأنَّ الإضلال استمرَّ منهم إلى زمن الإخبار بإضلال الطائفة الأخيرة، وجوّز أن يراد بالكثير هؤلاء الموصين، وكان الظاهر: وقد أضلَّ الرؤساء إيَّاهم، أي: الموصين المخاطبين بقوله: ((لا تذرنَّ آلهتكم)» فوضع ((كثيراً)) موضعَ ذلك على سبيل التجريد. (١) البحر المحيط ٣٤٢/٨. (٢) جاء في هامش الأصل: وهو المناسب لصرف سواع. انتهى منه. (٣) المحرر الوجيز ٣٧٦/٥. (٤) قرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام بتنوين ((سلاسلا)). التيسير ص٢١٧، وستأتي. الآية : ٢٤ ٤٧١ وقال الحسن: ((وقد أضلوا)) أي: الأصنام. فهو كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وضمير العقلاء لتنزيلها منزلتهم عندهم وعلى زعمهم، ويحسِّنه على ما في ((البحر)) (١) عودُ الضمير على أقرب مذكور، ولا يخفى أنَّ عودَه على الرؤساء أظهرُ؛ إذ هم المحدَّث عنهم، والمعنى فيهم أمكن. والجملة قيل: حاليّة، أو معطوفة على ما قبلها . قيل: عطف على: ((ربِّ إنهم وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا ضَلَلَا (®َ﴾ عصوني)) على حكاية كلام نوح عليه السلام بَعْدَ ((قال)) والواوِ النائبةِ عنه، ومعناه: قال: ربِّ إنَّهم عصوني، وقال: لا تزد .. إلخ، أي: قال هذين القولين على أنَّ الواو مِن كلام الله تعالى؛ لأنَّها داخلة في الحكاية وما بعدها هو المحكيُّ، وإليه ذهب الزمخشريُّ(٢)، وإنَّما ارتكب ذلك؛ فراراً من عطف الإنشاء على الخبر. وقيل: عطف عليه، والواو من المحكي، والتناسب إنشائيَّةً وخبريَّةً غيرُ لازم في العطف، کما قاله أبو حيان(٣) وغيره، وفيه خلاف. وفي ((الكشف)): لك أن تجعله من باب: ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: فاخذلهم ولا تزدهم، وفي العدول إلى الظالمين إشعارٌ باستحقاقهم الدعاء عليهم، وإبداء لعذره عليه السلام، وتحذير ولطف لغيرهم، وفيه أنَّه بعضُ ما يتسبَّب من مساويهم، وهو معنّى حَسَنٌ، فعنده العطف على محذوف إنشائي، ولعلَّ الأَوْلى أن يقال: إنَّ العطف على ((ربِّ إنَّهم عصوني))، والواو من المحكي، والتناسب حاصل. وقال الخفاجيُّ(٤): الظاهر أنَّ الغرضَ من قوله: ((ربِّ إنَّهم)) إلخ، الشكاية وإبداء العَجْز واليأس منهم، فهو طلب للنصرة عليهم، كقوله: ﴿رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] ولو لم يقصد ذلك تكرَّر مع ما مرَّ منه عليه السلام، (١) ٨/ ٣٤٢. (٢) الكشاف ٤/ ١٦٤ . (٣) البحر ٣٤٢/٨. (٤) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥٣. سُولَلا نوج ٤٧٢ الآية : ٢٥ فحينئذ یکون کنایةً عن قوله: اخذلهم، أو انصرني، أو أظهر دينك، أو نحوه، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء من غير تقدير، ويشهد له أنَّ الله تعالى سمَّى مِثْلَه دعاءً حيث قال سبحانه: ﴿فَدَهَا رَبَّهُ: أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢]، فتدبّر. وهو حسن خالٍ عن التكلُّف وارتكاب المختلف فيه إلا أنَّ في الشهادة دغدغةً. والمراد بالضلال المدعوِّ بزيادته؛ إمَّا الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، فيكون ذلك دعاءً عليهم بعدم تيسير أمورهم، وإمَّا الضلال بمعنى الهلاك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُمُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وهو مأخوذ من الضلال في الطريق؛ لأنَّ مَن ضلَّ فيها هلك، فيكون المعنى: أهلكهم. وفسَّره ابنُ بحر بالعذاب، وهو قريب مما ذكر. وقيل: هو على ظاهره، أعني الضلال في الدين والدعاء بزيادته إنَّما كان بعد ما أوحي إليه عليه السلام أنَّه لن يُؤْمنَ مِن قومك إلا من قد آمن، ومآله الدعاء عليهم بزيادة عذابهم. ويحتاج إلى دليل. وبما سمعتَ(١) ينحلُّ ما يُقال: إنَّ طلب الضلال ونحوه إمَّا غيرُ جائز مطلقاً، أو [غير جائز] إذا دُعيَ به على وجه الاستحسان، وبدونه وإن كان جائزاً لكنَّه غيرُ ممدوح ولا مرضي، فكيف دعا بذلك نوح عليه السلام عليهم؟ ﴿مِّمَا خَطِيَِهِمْ﴾ أي: من أجل خطيئاتهم ﴿أُغْرِقُواْ﴾ بالطوفان لا مِن أجل أمرٍ آخرَ، فـ ((من)) تعليليَّة، و((ما)) زائدة بين الجارِّ والمجرور؛ لتعظيم الخطايا في كونها مِن كبائر ما يُنهى عنه، ومن لم يَرَ زيادتها جعلها نكرةً وجعل ((خطيئاتهم)» بدلاً منها، وزعم ابنُ عطيَّةٍ (٢) أنَّ (مِن)) لابتداء الغاية، وهو كما ترى. وقرأ أبو رجاء: ((خِطيَّاتِهم)) بإبدال الهمزة ياءً وإدغامها في الياء. وقرأ الجحدري وعبيد عن أبي عمرو: ((خَطِيئَتِهم)) على الإفراد مهموزاً(٣). (١) من كون الضلال المدعوِّ بزيادته إما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، وإما الضلال بمعنى الهلاك. حاشية الشهاب ٢٥٣/٨، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) المحرر الوجيز ٣٧٦/٥. (٣) القراءتان في القراءات الشاذة ص١٦٢، والبحر المحيط ٣٤٣/٨. الآية : ٢٥ ٤٧٣ وقرأ الحسن وعيسى والأعرج بخلاف عنهم وأبو عمرو: ((خَطَاياهُم)) جمع تكسير(١). وقرأ عبد الله: ((من خطيئاتهم ما أغرقوا)) بزيادة ((ما)) بين ((خطيئاتهم)) و ((أغرقوا))(٢)، وخرّج على أنَّها مصدريَّة، أي: بسبب خطيئاتهم إغراقهم. وقرأ زيد بن علي: ((غُرِّقوا)) بالتشديد بدل الهمزة(٣)، وكلاهما للنقل. ﴿فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ هي نار البرزخ، والمراد عذاب القبر، ومَن مات في ماء أو نار أو أكلته السِّباعُ أو الطير مثلاً أصابه ما يصيب المقبورَ مِن العذاب. وقال الضَّحَّاك: كانوا يُغْرَقون من جانب ويُحرَقون بالنار مِن جانب. وأنشد ابنُ الأنباري(٤): والحادثات فنونٌ ذاتُ أطوارٍ الخَلْقِ مجتمعٌ طَوراً ومفترِقٌ فاللهُ يجمع بين الماءِ والنارِ لا تَعجبنَّ لأضدادٍ إذا اجتمعت ويجوز أن يراد بها نار الآخرة، والتعقيب على الأوَّل ظاهر، وهو على هذا لعدم الاعتداد بما بين الإغراق والإدخال، فكأنَّه شبّه تخلُّل ما لا يعتدُّ به بعدم تخلُّل شيء أصلاً، وجوِّز أن تكون فاءُ التعقيب مستعارةً للسبيَّة؛ لأنَّ المسبّب كالمتعقِّب للسبب، وإن تراخى عنه لفَقْد شرط أو وجود مانع. وتنكير النار؛ إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنَّه عزَّ وجلَّ أعدَّ لهم على حسب خطيّتهم نوعاً من النار. ولا يخفى ما في ((أغرقوا فأدخلوا ناراً) من الحُسن الذي لا یجاری، ولل تعالی درُّ التنزيل. ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ﴾ أي: فلم يجد أحدهم واحداً من الأنصار، وفيه تعريضٌ لاتِّخاذهم آلهة مِن دونه سبحانه وتعالى وبأنَّها غيرُ قادرة على نصرهم، وتھُمٌ بهم. (١) التيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩١/٢ عن أبي عمرو، والبحر المحيط ٣٤٣/٨ والكلام منه. (٢) البحر المحيط ٣٤٣/٨، والقراءة ذكرها الفراء في معاني القرآن ١٨٩/٣. (٣) البحر المحيط ٣٤٣/٨، والدر المصون ٤٧٧/١٠. (٤) هو أبو بكر ابن الأنباري كما في تفسير الثعلبي ٤٧/١٠، وتفسير القرطبي ٢١/ ٢٦٧. : سُورَلا تواج ٤٧٤ الآية : ٢٦ ﴿وَقَالَ نُعٌ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (®﴾ عطف على نظيره السابق، وقوله تعالى: ((مما خطيآتهم)) إلخ، اعتراضٌ وسط بين دعائه عليه السلام للإيذان مِن أوَّل الأمر بأنَّ ما أصابهم مِن الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيآتهم التي عدَّها نوح عليه السلام وأشار إلى استحقاقهم للهلاك لأجلها، لا أنَّه حكاية لنفس الإغراق والإحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأحوال والأقوال، وإلَّا لأُخِّر عن حكاية دعائه هذا. قاله مفتي الديار الروميّة عليه الرحمة(١). وما قيل: إنَّه عطف على ((لم يجدوا))، أو على جملة ((مما خطيآتهم)) إلخ، وليس المرادُ حقيقةَ الدعاء، بل التشفِّي وإظهار الرضا بما كان مِن هلاكهم = بعيدٌ غاية البُعْد، والمعروف أنَّ هذا الدعاء كان قبل هلاكهم. والديَّار: مِن الأسماء التي لا تُستعمل إلا في النفي العامِّ، يقال: ما بالدارِ ديَّار، أو: دُّور، كقَيَّام وقَيُّوم، أي: ما بها أحد، وهو فَيْعال مِن الدار، أو: من الدُّور، كأنَّه قيل: لا تذر على الأرض مِن الكافرين مَن يسكن داراً، أو: لا تَذَر عليها منهم مَن يدور ويتحرَّك، وأصله: دَيْوار، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وليس بفعَّال، وإلا لكان دوَّاراً، إذ لا داعي للقلب حينئذٍ، و((من الكافرين)) حال منه، ولو أخّر کان صفةً له. والمراد بالكافرين قومُه الذين دعاهم إلى الإيمان والطاعة فلم يجيبوا، فإن كان الناسُ منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها نحو انتشارهم اليوم وكانت بعثته لبعضٍ منهم كسكان جزيرة العرب ومَن يَقرُب منهم فذاك، وإن كانوا غيرَ منتشرين كذلك، بل كانوا في الجزيرة وقريباً منها، فإن كانت البعثة لبعضهم أيضاً فكذلك، وإن كانت لكلِّهم، فقد استشكل بأنَّه يلزم عموم البعثة، وقد قالوا بأنَّه مخصوصٌ بنبيِّنا وَلِّ؟ (١) تفسير أبي السعود ٤١/٩. الآية : ٢٧ ٤٧٥ سُورَةُ نوج وأجيب: بأنَّ ذلك العموم ليس كعموم بعثتِهِ وَّ، بل لانحصار أهل الأرض في قطعة منها، فهو انحصار ضروريٌّ وليس عموماً من كلِّ وجه، وهذا نحو ما يقال في بعثة آدَمَ عليه السلام إلى زوجته وأولادِه، فإنَّهم حينئذٍ ليسوا إلا كأَهل بيت واحد. على أنَّه قيل: لا إشكال، ولو قلنا بانتشار الناس إذ ذاك كانتشارِهم اليوم وإرسالهِ إليهم جميعاً؛ لأنَّ العموم المخصوص بنبيِّنا عليه الصلاة والسلام هو العموم المندرجُ فيه الإنس والجِنُّ إلى يوم القيامة، بل الملائكة عليهم السلام، بل وبل، والمشهور أنَّه عليه السلام كان مبعوثاً لجميع أهلِ الأرض وأنه ما آمن منهم إلا قليل، واستدلَّ عليه بهذا الدعاء وعموم الطوفان. وتُعقّب بأنَّ الأرض كثيراً ما تُطلَق على قطعة منها، فيحتمل أن تكون هنا كذلك، سلَّمنا إرادة الجميع لكن الدعاء على الكافرين وهم مَن بُعث إليهم فدعاهم ولم يجيبوه، وكونهم مَن عدا أهل السفينة أوَّل المسألة، والطوفان لا نسلِّم عمومه، وإن سلِّم لا يقتضي أن يكون كلُّ مَن غرق به مكلَّفاً بالإيمان به عليه السلام عاصياً بتركه، فالبلاء قد يعمُّ الصالحَ والطالحَ، لكن يَصدرون مصادرَ شتَّى كما ورد في حديث خسف البيداء، ويرشد إلى هذا أنَّ أولادهم قد أُغرقوا - على ما قيل - معهم، وقد سُئلَ الحسن عن ذلك، فقال: عَلِمَ اللهُ تعالى براءتهم فأهلكهم بغير عذاب، نعم الحكمة في إهلاك هؤلاء زيادة عذاب في آبائهم وأمهاتهم إذا أبصروا أطفالَهم يغرقون، وزعم بعضهم أنَّ الله تعالى أعقم أرحامَ نسائهم وأَيبسَ أصلاب رجالهم قبل الطوفان بأربعين - أو: سبعين - سنة، فلم يكن معهم صبيٍّ حين أُغرقوا، ويحتاج إلى نقل صحيح، وحِكَم الله عزَّ وجلَّ لا تُحصى، فافهم. ﴿إِنَّكَ إِن نَذَرْهُمْ﴾ أي: على الأرض، كلَّا أو بعضاً ﴿يُضِلُواْ عِبَادَكَ﴾ عن طريق الحقِّ، ولعلَّ المراد بهم مَن آمن به عليه السلام، وبإضلالهم إيَّهم ردُّهم إلى الكفر بنوع مِن المكر، أو المراد بهم مَن ولد منهم ولم يَبلغ زمن التكليف، أو مَن يولد مِن أولئك المؤمنين ويُدعَى إلى الإيمان، وبإضلالهم إيَّاهم صدُّهم عن الإيمان، وفي بعض الأخبار: أنَّ الرجل منهم كان يأتي بابنه إليه عليه السلام، ويقول: احذر هذا؛ فإنَّه كذَّاب، وإنَّ أبي أوصاني بمثل هذه الوصيّة. فيموت الكبير سُورَة تواج ٤٧٦ الآية : ٢٨ وينشأ الصغير على ذلك، قيل: ومِن هنا قال عليه السلام: ﴿وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٣)﴾ أي: مَن سيَفجُر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إليه لاستحكام عِلْمه بذلك بما حصل له من التجربة ألفَ سنة إلا خمسين عاماً، ومثله قوله عليه السلام: ((إن تذرهم يضلوا عبادك))، وقيل: أراد مَن جُبل على الفجور والكفر، وقد عَلمَ كلَّ ذلك بوحي، كقوله سبحانه: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَّدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]. وعن قتادة ومحمد بنِ كعب والربيع وابن زيد أنَّه عليه السلام ما دعا عليهم إلا بعد أن أَخرج اللهُ تعالى كلَّ مؤمن مِن الأصلاب وأعقم أرحامَ نسائهم، وأيّاً ما كان فقوله: ((إنك)) إلخ اعتذار ممَّا عسى أن يقال مِن أنَّ الدعاء بالاستئصال مع احتمال أن يكون مِن أخلافِهِم مَن يؤمن، ممَّا لا يليق بشأنِ الأنبياء عليهم السلام. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ﴾ أراد أباه: لمك بن مَتُّوشَلَخ، وقد تقدَّم ضَبْطُ ذلك(١)، وأمه: شمخى - بالشين والخاء المعجمتين بوزن سَكْرى - بنت أُنُوش - بالإعجام بوزن أصول - وكانا مؤمنين، ولولا ذلك لم يجز الدعاء لهما بالمغفرة. وقيل: أراد بهما آدم وحواء. وقرأ ابن جبير والجحدري: ((ولوالِدِيْ)) بكسر الدال وإسكان الياء(٢)، فإمَّا أن يكون قد خصَّ أباه الأقربَ، أو أراد جميع من وَلَدَوه إلى آدم عليه السلام، ولم يكفر - كما قال ابن عباس - لنوحِ أبٌّ ما بينه وبين آدمَ عليه السلام. وقرأ الحسين بن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجههما ورضي عنهما وزيد بنُ عليٍّ بنِ الحسين رؤيته، ويحيى بن يعمر والنخعيُّ والزهريُّ: ((وَلِوَلَدَيَّ))(٣) تثنية: وَلَد، يعني ساماً وحاماً على ما قيل، وفي رواية: إنَّ ساماً كان نبيّاً. (١) جاء في هامش الأصل و(م): لكن قيل في لمك: إنه بفتحتين، ويقال فيه: لامك، كهاجر، ومتوشلخ على ما في جامع الأصول: بضم الميم وفتح الفوقية وفتح الواو وبسكون الشين المعجمة وکسر اللام وبالخاء المعجمة. انتھی منه. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٢، والبحر المحيط ٣٤٣/٨، والكلام وما بعده منه. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٢، والبحر المحيط ٣٤٣/٨. الآية : ٢٨ ٤٧٧ سؤالا توزيع ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِى﴾ قيل: أراد منزله، وقيل: سفينته. وقال الجمهور وابنُ عباس: أراد مسجدَه. وفي رواية عن الحبر: أنَّه أراد شريعته، استعار لها اسم البيت، كما قالوا: قبّة الإسلام، وفسطاط الدين. والمتبادر المنزل، وتخرج امرأته وابنه كنعان بقوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ وقيل: يمكن أنَّه لم يجزم بخروج كنعان إلا بعد ما قيل له: إنَّه ليس من أهلك. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: من كلِّ أمة إلى يوم القيامة، وهو تعميم بعد التخصيص، واستغفر ربَّه عزَّ وجلَّ إظهاراً لمزيد الافتقار إليه سبحانه وحبًّا للمستغفر لهم مِن والدیه والمؤمنین. وقيل: إنَّه استغفر لمَّا دعا على الكافرين؛ لأنَّه انتقام منهم. ولا يخفى أنَّ السياق يأباه، وكذا قوله: ﴿وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا نَبَارًا ﴾﴾ أي: هلاكاً، وقال مجاهد: خساراً. والأوَّل أظهر. وقد دعا عليه السلام دعوتين؛ دعوة على الكافرين ودعوة للمؤمنين، وحيث استُجيبت له الأولى، فلا يبعد أن تُستجاب له الثانية، والله تعالى أكرم الأكرمين. ومعظم آيات هذه السورة الكريمة وغيرها نصٌّ في أنَّ القوم كفرةٌ هالكون يوم القيامة، فالحكم بنجاتهم كما يقتضيه كلام الشيخ الأكبر - قدِّس سرُّه - في نصوصه مما يُبرأ إلى الله تعالى منه، كزعم أنَّ نوحاً عليه السلام لم يَدعهم على وجه يقتضي إيمانهم مع قوله سبحانه: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقصارى ما أقولُ: ربِّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات. سُورَةُ الحَرَّ وتُسمَّى: ((قل أوحِيَ إليَّ)). وهي مكِّيَّة بالاتّفاق، وآيها بلا خلاف ثمان وعشرون آيةً، ووجه اتِّصالها قال الجلال السيوطي(١): فكّرت فيه مدَّة، فلم يظهر لي سوى أنَّه سبحانه قال في سورة (نوح)): ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَقًَّا ﴾﴾ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾﴾ وقال عزَّ وجلَّ في هذه السورة لكفَّار مَّة: ﴿وَأَلَّوِ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الَّطَرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا (٣)﴾ وهذا وجهٌ بَيِّنٌ في الارتباط. انتهى. وفي قوله: لكفَّار مَّة، شيءٌ ستعلمه إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يضمَّ إلى ذلك اشتمالُ هذه السورة على شيء ممَّا يتعلَّق بالسماء كالسورة السابقة، وذكر العذاب لمن يَعصي الله عزَّ وجلَّ في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الآية: ٢٣] فإنَّه يناسب قوله تعالى: ﴿أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ [الآية: ٢٥] على وجه. وقال أبو حيان(٢) في ذلك: إنَّه تعالى لمَّا حكى تَمَاديَ قوم نوح في الكفر والعكوف على عبادة الأصنام، وكان أوَّلَ رسول إلى أهل الأرض كما أنَّ محمداً وَّيهِ آخرُ رسول إلى أهل الأرض، والعربُ الذين هو منهم وَّهِ كانوا عبَّادَ أصنام كقوم نوح حتى إنَّهم عبدوا أصناماً مثل أصنام أولئك في الأسماء - أي: أو: عينها - وكان ما جاء به عليه الصلاة والسلام هادياً إلى الرشد وقد سمعته العربُ، وتوقَّف عن الإيمان به أكثرُهم، أنزل الله تعالى سورةَ ((الجِنِّ)) وجعلها إثْر سورةٍ (نوح))؛ تبكيتاً لقريش والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان، وكانت الجن خيراً (١) في تناسق الدرر ص٨٩. (٢) في البحر المحيط ٣٤٦/٨. الآية : ١ ٤٧٩ سُورَةُ الحُر منهم إذ أقبل للإيمان مَن أقبل منهم، وهم مِن غير جنس الرسول عليه الصلاة والسلام حتى كادوا يكونون عليه لبداً، ومع ذلك التباطؤ فهم مكذّبون له ولِمَا جاء به؛ حسداً وبغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فقال عزَّ مِن قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ﴾ وقرأ ابن أبي عبلة والعَتَكي عن أبي عمرو وجويَّة(١) بن عائذ الأسدي: ((وُحِيَ)) بلا همزة(٢)، وهو بمعنى ((أوحي)) بالهمز، ومنه قول العجَّاج: وَحَى لها القرارَ فاستقرَّت(٣) وقرأ زيد بنُ عليٍّ وجوية (٤) - فيما روى عنه الكسائي - وابن أبي عبلة في رواية: (أُحِيَ)) بإبدال واو ((وُحِيَ)) همزة(٥)، كما قالوا في وُعِد أُعِد، قال الزمخشريُّ(٦): وهو من القلب المطلق جوازه في كلِّ واو مضمومة، وقد أطلقه المازنيُّ في المكسورة أيضاً كإشاح و((إعاء))(٧) وإسادة. وهذا أحد قولين للمازني، والقول الآخر قَصْرُ ذلك على السماع، وما ذكره من إطلاق الجواز في المضمومة تُعقّب بأنَّ المضمومة قد تكون أوَّلاً وحشواً وآخِراً، ولكلٍّ منها أحكام، وفي بعضها خلافٌ وتفصيلٌ مذكور في كتب النحو فليراجع. وزاد بعض الأجلَّة: قَلْبَ الواو المضموم ما قبلها، فقال: إنَّه أيضاً مقيس مطَّرد، وأنَّه قد يَرِدُ ذلك في المفتوحة كـ: [وَحَد و](٨) أَحد. (١) في الأصل و(م): جوبة. والمثبت هو الصواب. ينظر توضيح المشتبه ٢/ ٥٠٨. (٢) البحر المحيط ٣٤٦/٨، وهي في القراءات الشاذة ص١٦٢ عن ابن أبي عبلة. (٣) ديوان العجاج ص٢٦١ . (٤) في الأصل و(م): جوبة. والمثبت هو الصواب. (٥) المحتسب ٣٣١/٢، والبحر ٣٤٦/٨. (٦) الكشاف ٤ /١٦٦. (٧) وهي قراءة سعيد بن جبير كما في القراءات الشاذة ص٦٥، والمحتسب ٣٤٨/١ من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءٍ أَخِيْهٍ﴾ [يوسف: ٧٦]. (٨) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٥٤/٨. سُورَةُ الَّري ٤٨٠ الآية : ١ وعلى جميع القرآآت الجارُّ متعلِّق بما عنده، ونائب الفاعل ﴿أَنَّهُ﴾ إلخ، على أنَّه في تأويل المصدر، والضمير للشأن. ﴿أُسْتَمَعَ﴾ أي: القرآن، كما ذكر في ((الأحقاف))(١)، وقد حُذف؛ لدلالة ما بعده عليه . ﴿نَفَرٌ مِّنَ اَلْنٍ﴾ النفر في المشهور: ما بين الثلاثة والعشرة. وقال الحريريُّ في (دُرَّته))(٢): إنَّ النَّفَرَ إنَّما يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة. وقد وهم في ذلك فقد يُطلَق على ما فوق العشرة في الفصيح، وقد ذكره غيرُ واحد من أهل اللغة، وفي كلام الشعبي: حدَّثني بضعة عشر نفراً. ولا يختصُّ بالرجال بل ولا بالناس؛ لإطلاقه على الجنِّ هنا. وفي (المجمل)): الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين(٣). والفرق بينهما أنَّ الرهطَ يرجعون إلى أبٍ واحد، بخلاف النفَر، وقد يُطلَق على القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] وقول امرئ القيس: فهو لا تَنْمي(٤) رَمِيَّتُه مالَه لا عُدَّ مِن نَفَرِه(٥) وقال الإمام الكرماني(٦): للنفر معنى آخَرُ في العُرف وهو الرجل. وأراد بالعُرف عرف اللغة؛ لأنَّه فسّر به الحديث الصحيح(٧)، فليحفظ. (١) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الآية: ٢٩ وما بعدها]. (٢) درة الغواص ص٦٩ . (٣) حاشية الشهاب ٢٥٤/٨، وفي مجمل اللغة الفارسي ٤٠٢/٢ أن الرهط يستعمل إلى الأربعين، ولم يذكر النفر. (٤) جاء في هامش الأصل و(م): يقال: أنمى. أي: توارى. انتهى منه. (٥) ديوان امرئ القيس ص ١٢٥، والرميَّة: الصيد الذي ترميه فتصرعه، وقوله: لا تنمي رميته: أي: لا ترتفع من مكانها الذي أصابها فيه السهم؛ لحذق الرامي. وقوله: لا عُدَّ من نفره: دعاء عليه على وجه التعجب منه. (٦) في شرحه على صحيح البخاري ٢٥/٢. (٧) وهو ما أخرجه البخاري (٦٦) عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله وَلقول بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر ... ، الحديث. وهو عند مسلم (٢٦٩٩).