النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٥ ٤٢١ سُورَةُ المُعَذِهِ ومن الناس من اعتبر هذه المدَّة من الأرض إلى العرش عُروجاً وهبوطاً، واعتبرها كذلك من الأرض إلى مقعر السماء الدنيا في قوله سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةِ﴾ [السجدة: ٥] ومَنْ يعتبر أحد الأمرين يعتبر هنا محدَّب السماء الدنيا والأرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للمتصوّفة في ذلك. وقيل: الكلام بيانٌ لغاية ارتفاع تلك المعارج وبُعدِ مداها على سبيل التمثيل والتخييل، والمراد: أنَّها في غاية البعد والارتفاع المعنوي على بعض الأوجه في المعارج، أو الحسّي كما في بعضٍ آخرَ، وليس المراد التحديدَ. وعن عكرمة أنَّ تلك المدَّة هي مدةُ الدنيا منذ خُلقت إلى أن تقوم الساعة إلّا أنَّه لا يدري أحدٌ ما مضى منها وما بقي، أي: تعرج الملائكة إليه في مدة الدنيا، وبقاء هذه البنية. وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. ثم الظاهر أنَّه أراد بالدنيا ما يقابل الأخرى، ويشمل العرش ونحوه. ويَرِدُ عليه أنَّ ما ورد عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه جواباً لمن سأله: متى خلق الله تعالى العرش؟ يكذِّبه، فإنَّه يدلُّ على أنَّ ما مضى من أول زمنٍ خَلْقِه إلى اليوم يزيد على خمسين ألف سنة بألوفِ ألوفٍ سنينَ لا يحصيها إلَّا الله عز وجل. ولعلَّه أولى بالقبول ممَّا قاله عكرمة. والحقُّ أنَّه لا يعلم مبدأ الخلق ولا مدَّة بقاء هذه البنية إلَّا الله عز وجل، بَيْد أنَّا نعلم بتوفيق الله تعالى أنَّ هذا العالم حادثٌ حدوثاً زمانياً، وأنَّه ستبدَّلُ الأرض غيرَ الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق الله تعالى الواحد القهار. ﴿فَأَصِرْ صَبْرً جَمِيلًا ﴾﴾ متفرِّعٌ على قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ) ومتعلِّقٌ به تعلُّقاً معنوياً؛ لأنَّ السؤال كان عن استهزاءٍ وتعنُّتٍ وتكذيب بناءً على أنَّ السائل النضرُ وأضرابُه وذلك مما يُضْجِره عليه الصلاة والسلام، أو كان عن تضجّرٍ واستبطاءٍ للنصر؛ بناءً على أنَّه وَسليل هو السائل، فكأنَّه قيل: فاصبر ولا تستعجل فإنَّ الموعود كائنٌ لا محالةَ، والمعنى على هذا أيضاً على قراءة من قرأ ((سال سايل)) من السيلان كقراءة ((سال سَيْل))، ولا يظهر تفرُّعه على ((سأل)) من السؤال إن كان السائل نوحاً عليه السلام. سُورَةُ المعدة ٤٢٢ الآية : ٦ - ٧ والصبرُ الجميل على ما أخرجه الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) عن ابن عباس: ما لا شكوى فيه إلى أحدٍ غير الله تعالى. وأخرج عن عبد الأعلى بن الحجّاج أنَّه ما يكون معه صاحبُ المصيبة في القوم بحيث لا يُدرى من هو (١). ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ أي: العذابَ الواقع. أو: اليومَ المذكور في قوله تعالى: (فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ) إلخ بناءً على أنَّ المراد به يوم الحساب متعلقاً بـ (تعرج)) على ما سمعتَ أولاً، أو بـ ((دافع))، أو بـ ((واقع))، أو بـ ((سال)) من السيلان. أو يوم القيامة المدلول عليه بـ ((واقع)) على وجهٍ، فما يدلُّ عليه كلام ((الكشاف))(٢) من تخصيص عود الضمير إلى يوم القيامة بما إذا كان ((في يوم)) متعلقاً بـ ((واقع))، فيه بحثٌ. ومعنى (يرونه): يعتقدونه ﴿يَعِيدًا ®﴾ أي: من الإمكان، والمراد أنَّهم يعتقدون أنه محالٌ. أو من الوقوع، والمراد: أنَّهم يعتقدون أنه لا يقع أصلاً وإن كان ممكناً ذاتاً. وكلامُ كفار أهل مكة بالنسبة إلى يوم القيامة والحساب محتملٌ للأمرين، بل ربما تسمعهم يتكلَّمون بما يكاد يشعر بوقوعه حيثُ يزعمون أنَّ آلهتهم تشفع لهم، فهم متلوِّنون في أمره تلوُّنَ الحرباء. والعذابُ إن أُريد به عذابٌ يوم القيامة فهو كيوم القيامة عندهم، أو أنَّه لا يقع بالنسبة إليهم مطلقاً لزعمهم دفعَ آلهتهم إيَّه عنهم، وإن أُريد به عذابُ الدنيا فالظاهرُ أنَّهم لا ينفون إمكانه، وإنمَّا ينفون وقوعَه، ولا تكاد تتمُّ دعوى أنهم ينفون إمكانه الذاتيَّ. - ﴿وَرَنَّهُ قَرِيبًا ﴾﴾ أي: من الإمكان. والتعبيرُ به للمشاكلة كما قيل بها في ((نراه)) إذ هو ممكنٌ، ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من الإمكان؛ لدخوله في حيِّزه، والمرادُ وصفه بالإمكان، أي: ونراه ممكناً، وهذا على التقدير الأول في ((يرونه بعيداً))، أو: نراه قريباً من الوقوع، وهذا على التقدير الثاني فيه، وقد يقال كذلك (١) عزاهما له السيوطي في الدر المنثور ٢٦٥/٦، ولم نجدهما في مطبوع نوادر الأصول. (٢) ٤ / ١٥٧. الآية : ٨ ٤٢٣ سُورَةُ المُعَلَذِهِ على الأول أيضاً على معنى: إنَّهم يرونه بعيداً من الإمكان ونحن نراه قريباً من الوقوع فضلاً عن الإمكان. ولعلَّه أَولى من تقدير الإمكان في الجملتين. وجملةُ ((إنهم)) إلخ تعليلٌ للأمر بالصبر. وقيل: إن كان المستعجلُ هو النضرَ وأضرابَه فهي مستأنفةٌ بياناً لشبهة استهزائهم وجواباً عنه، وإن كان النبيَّ ◌َّ فهي تعليلٌ لِمَا ضمِّن الأمر بالصبر من ترك الاستعجال بأنَّ رؤيتنا ذلك قريباً توجب الوثوقَ وترك الاستعجال. ج﴾ قيل: متعلقٌ بـ ((قريباً)) أو بمضمَرٍ وقولُه سبحانه: ﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَآءُ كَهْلِ ( يدلُّ عليه ((واقعٌ))، وهو: يقع، أو بدل عن ((في يوم)) إن عُلِّل به دون ((تعرج)). والنصبُ باعتبار أنَّ محلَّ الجارِّ والمجرور ذلك، إذ ليس بدلاً عن المجرور وحده، فاشتراطُ أبي حيان(١) لمراعاة المحلِّ كونَ الجارِّ زائداً أو شبهه كـ : رُبَّ، غيرُ صحيح، ولا يحتاج تصحيح البدلية إلى التزام كون حركة ((يوم)) بنائيةً؛ بناءً على مذهب الكوفيين المجوِّزين لذلك وإن أضيف لمُعْرَبٍ. وذكر أنَّه على هذه التقادير الثلاث المرادُ بالعذاب عذابُ القيامة، وأمَّا إذا أُريد عذابُ الدنيا فيتعيَّنُ أن يكون التقدير: يوم تكون السماء يكون كَيْتَ وكَيْتَ. وكأنَّهم لمَّا استعجلوا العذابَ أُجيبوا بأزَفِ الوقوع، ثم قيل: لِيَهُن ذلك في جنب ما أُعدَّ لكم يوم تكون السماء كالمهل، فحينئذٍ يكون العذاب الذي هو العذاب. ثم لا يخفى أنَّ البدلية ممكنةٌ على تقدير تعلُّق ((في يوم)) بـ ((تعرج)) أيضاً، بناءً على أنَّ المراد به يوم القيامة أيضاً كما قدَّمنا، وأنَّ الأولى عند تعلُّقه بـ ((قريباً)) أن لا يراد من القرب من الإمكان الإمكانُ الذاتي، لما في تقييده باليوم نوعُ إيهام، وأنَّ ضميرَيْ ((يرونه)) و((نراه)) إذا كانا ليوم القيامة يلزم وقوع الزمان في الزمان في قولنا: يقعُ يومُ القيامة يومَ تكون كالمهل. ويجاب بما لا يخفى. وجوَّز في ((البحر))(٢) كونَه بدلاً من ضمير ((نراه)) إذا كان عائداً على يوم القيامة، (١) في البحر ٣٣٤/٨. (٢) ٨/ ٣٣٤. 1هـ سُورَةُ للعزة ٤٢٤ الآية : ٩ - ١٠ وفي ((الإرشاد))(١) كونَه متعلّقاً بـ ((ليس له دافع)). وبعضُهم كونَه مفعولاً به لـ : اذكر، محذوفاً. وتعلُّقُه بـ ((نراه)) كما قاله مكِّي(٢) لا نراه. وكذا تعلُّقه بـ ((يبصرونهم)) كما حكاه. ومثلُه ما عسى أن يقال من تعلّقه(٣) بـ ((يود)» الآتي بعدُ، فتأمَّل. والمُهْل: أخرج أحمد والضياء في ((المختارة)) (٤) وغيرُهما عن ابن عباس أنَّه: دُرْديُّ الزيت. وهو ما يكون في قعره. وقال غيرُ واحد: المُهْل: ما أُذيب على مَهْلٍ من الفِلِزَّات، والمراد: يوم تكون السماء واهيةً. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية أنَّ السماء الآن خضراءُ، وأنَّها تحوَّل يومَ القيامة لوناً آخر إلى الحمرة(٥). ﴿وَتَكُونُ لَلِبَالُ كَأَلْعِهْنِ ﴾﴾ كالصوف دون تقييد، أو الأحمر، أو المصبوغ ألواناً، أقوالٌ، واختار جمعٌ الأخيرَ، وذلك لاختلاف ألوان الجبال، فمنها جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ وغرابيبُ سود، فإذا بُسَّت وطيِّرت في الجوِّ أشبهت العهنَ أي: المنفوش - كما في ((القارعة))(٦) - إذا طيّرته الريحُ. وعن الحسن: تسير الجبال مع الرياح ثم تنهدُّ ثم تصير كالعهن ثم تُنسف فتصير هباءً. ﴿وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾﴾ أي: لا يسأل قريبٌ مشفِقٌ قريباً مشفقاً عن حاله، ولا یکلِّمُه؛ لابتلاء کلِّ منهم بما يشغله عن ذلك، أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة(٧). وفي رواية أخرى عنه: لا يسأله عن حاله؛ لأنَّها ظاهرةٌ. وقيل: لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً ليأسه عن ذلك. وقيل: لا يسأله شفاعةً. وفي ((البحر)) (٨): لا يسأله نصره ولا منفعته؛ لعلمه أنَّه لا يجد ذلك عنده. ولعلَّ الأول أبلغُ في التهويل. (١) تفسير أبي السعود ٣٠/٨. (٢) في مشكل إعراب القرآن ٧٥٦/٢. (٣) في (م): متعلقه، بدل: من تعلقه. (٤) مسند أحمد (١٩٤٦)، والمختارة ١٩/١٠-٢٠. (٥) ينظر الدر المنثور ٢٦٥/٦. (٦) في قوله تعالى: ﴿كَأَلِْهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [الآية: ٥]. (٧) كما في الدر المنثور ٢٦٥/٦. (٨) ٨/ ٣٣٤. الآية : ١١ - ١٢ ٤٢٥ سُورَةُ المُعَذِهِ وأيّاً ما كان فمفعول ((يسأل)) الثاني محذوفٌ. وقيل: ((حميماً)) منصوبٌ بنزع الخافض أي: لا يسأل حميمٌ عن حميمٍ. وقرأ أبو حيوة وشيبة وأبو جعفر والبزي بخلاف عن ثلاثتهم ((ولا يُسأل)) مبنيًّا للمفعول(١)، أي: لا يُطلب من حميم حميمٌ، ولا يُكلَّفُ إحضاره، أو لا يُسأل منه حاله. وقيل: لا يُسأل ذنوب حميمه لیؤخذ بها . ﴿يُضَرُونَهُمْ﴾ أي: يبصَّر الأحمَّاءُ الأحمَّاءَ، فلا يخفَوْن عليهم، وما يمنعهم من التساؤل إلَّ اشتغالُهم بحال أنفسهم، وقيل: ما يغني عنه من مشاهدة الحال، کبیاض الوجه وسواده. ولا يخفى حالُه. و (يُبصَّرونهم)) قيل: من بَصّرتُه بالشيءٍ: إذا أوضحتَه له حتى يُبْصره، ثم ضُمِّن معنى التعريف أو حذف الصلة إيصالاً. وجمع الضميرين لعموم الحميم. والجملةُ استئنافٌ، كأنَّه لما قيل: ((لا يسأل)) إلخ قيل: لعلّه لا يبصره. فقيل: يبصَّرونهم. وجوّز أن تكون صفةً، أي: حميماً مبضَّرين معرَّفين إياهم. وأن تكون حالاً إمَّا من الفاعل أو من المفعول أو من كليهما، ولا يضرُّ التنكير لمكان العموم وهو مسوٌِّ للحالية. ورُجِّحت على الوصفية بأن التقييد بالوصف في مقام الإطلاق والتعميمِ غيرُ مناسب، وليس فيها ذلك فلا تغفل. وقرأ قتادة: ((يبصِرونهم)) مخفّفاً مع كسر الصاد(٢)، أي: يشاهدونهم. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ أي: يتمنى الكافر. وقيل: كلُّ مذنبٍ. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِدٍ﴾ أي: العذاب الذي ابتُلي به يومئذ حكايةً لودادتهم. و((لو)) في معنى التمنيِّ. وقيل: وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ لشّ بَنِیهِ هي بمنزلة: ((أنْ)) الناصبة، فلا يكون لها جوابٌ، وينسبك منها وممَّا بعدها مصدرٌ يقع مفعولاً لـ ((يودُّ)، والتقدير: يودُّ افتداءَه بينيه .. إلخ. (١) البحر ٣٣٤/٨، والنشر ٣٩٠/٢، وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٦٥٠، والحجة للفارسي ٣٢٠/٦-٣٢١. (٢) البحر ٣٣٤/٨، وضُبطت في القراءات الشاذة ص ١٦١: ((يُبْصَرونهم)). سُورَةُ المُعَذّة ٤٢٦ الآية : ١٣ - ١٤ والجملة استئنافٌ لبيان أنَّ اشتغالَ كلِّ مجرم بنفسه بلغ إلى حيثُ يتمنَّى أن يَفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه، فضلاً أن يهتمَّ بحاله ويسأل عنها. وجوِّز أن تكون حالاً من ضمير الفاعل على فرض أن يكون هو السائل، فإن فُرض أنَّ السائلَ المفعولُ فهي حالٌ من ضميره. وقيل: الظاهر جعلها حالاً من ضمير الفاعل؛ لأنَّه المتمنِّي. وأيّاً ما كان فالمراد: يودُّ المجرم منهم. وقرأ نافع والكسائي - كما في ((أنوار التنزيل)) - والأعرج: (يومَئذٍ))(١) بالفتح على البناء؛ للإضافة إلى غير متمكّنٍ، وقرأ أبو حيوة كذلك وبتنوين ((عذاب))(٢)، فـ (يومئذ)) حينئذٍ منصوب بـ ((عذاب)) لأنَّه في معنى: تعذيب. ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ أي: عشيرته الأقربين الذين فصل عنهم. كما ذكره غيرُ واحد. ولعلَّه أَولى من قول الراغب (٣): عشيرته المنفصلة عنه. وقال ثعلب: فصيلته: آباؤه الأدنَوْن. وفسر أبو عبيدة الفصيلة بالفخذ(٤) ﴿الَّيِّ تُوبِهِ ﴾﴾ أي: تضمُّه انتماءً إليها، أو لياذاً بها في النوائب. ﴿وَمَنْ فِ الْأَرْضِ ◌َمِيعًا﴾ من الثقلين الإنس والجنِّ، أو الخلائق الشاملة لهم ولغيرهم، و((مَنْ)) للتغليب. ﴾ عطفٌ على ((يفتدي))، والضمير المرفوع للمصدر الذي في ﴿ثُمَّ يُجِبهِ ضمن الفعل، أي: يودُّ لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداءُ. وجوَّز أبو حيان(٥) عودَ الضمير إلى المذكور. والزمخشريُّ (٦) عودَه إلى ((من في الأرض)). و(ثم)) لاستبعاد (١) أنوار التنزيل (تفسير البيضاوي) ٨/ ٢٤٤، وهي في التيسير ٢١٤، والنشر ٢٨٩/٢ عن نافع والكسائي، وقرأ بها أبو جعفر أيضا، ولم نعثر على من نسبها إلى الأعرج. (٢) القراءات الشاذة ص١٦١ . (٣) في المفردات (فصل). (٤) مجاز القرآن ٢٦٩/٢، ونقل المصنف قوله وقول ثعلب عن البحر ٣٣٠/٨. (٥) في البحر ٣٣٤/٨. (٦) في الكشاف ١٥٨/٤. الآية : ١٥ - ١٦ ٤٢٧ سُوَّةُ المُعَذِةْ الإنجاء، يعني يتمنَّى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبَذَلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات. وقرأ الزهريُّ: ((تؤويهُ)) و((ينجيهُ)) بضمِّ الهاءَينِ (١). ﴿وَلَّ﴾ رَدْعٌ للمجرم عن الودادة، وتصريحٌ بامتناع الإنجاء. وضميرُ ﴿إِنَّهَا﴾ للنار المدلول عليها بذكر العذاب. وقوله تعالى ﴿لَظَى ١٥ خبر ((إنَّ) وهي عَلَمٌ لجهنم، أو للدَرَكة الثانية من دَرَكاتها، منقولٌ من اللَّظى بمعنى اللَّهب الخالص، ومُنع الصرفَ للعلميَّة والتأنيث. وجُوِّز أن يراد اللَّهبُ على المبالغة، كأنَّ كلَّها لهبٌّ خالص، وحذف التنوين إمَّا لإجراء الوصل مجرى الوقف، أو لأنَّه عَلَمُ جنسٍ معدولٌ عمَّا فيه اللَّامُ، ك: سَحَر، إذا أردتَ سَحَراً بعينه . وقوله تعالى ﴿نَزَّاعَةُ لِلشَّوَى ﴾﴾ أي: الأطراف، كاليد والرجل، كما أخرجه ابن المنذر وابن حميد عن مجاهد وأبي صالح(٢)، وقاله الراغب(٣) وغيرُه. وقيل: الأعضاء التي ليست بمقتل، ولذا يقال: رمى فأشوى، إذا لم يقتل. أو جمعُ: شواةٍ، وهي: جلدة الرأس. وأنشدوا قول الأعشى: قالت قُتيلَةُ مالَهُ قدِ جُلِّلتْ شَيْباً شَواتُه (٤) ورُوي هذا عن ابن عباس وقتادة وقرَّة بن خالد وابن جبير، وأخرجه ابن (١) البحر ٣٣٤/٨. (٢) الذي أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد عن مجاهد - كما في الدر المنثور ٦ / ٢٦٥ -: الشوى: جلود الرأس، وعن أبي صالح: الشوى: لحم الساقين. أمَّا تفسيرها بالأطراف، فعن مجاهد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٦٨/١٣، وعزاه له السيوطي في الدر ٢٦٥/٦، وعن أبي صالح وقد أخرجه ابن المنذر كما ذكر ذلك السيوطي في الدر ٦/ ٢٦٥. (٣) في المفردات (شوى). (٤) لم نقف عليه في ديوانه، ونسبه له أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٦٩/٢، والطبري في تفسيره ٢٦١/٢٣، وهو دون نسبة في تهذيب اللغة ولسان العرب (شوى). سُورَةُ المُعَذِهِ ٤٢٨ الآية : ١٦ أبي شيبة عن مجاهد (١)، وأخرج عن أبي صالح والسدّي تفسيرَها بلحم الساقين(٢). وعن ابن جبير: العَصَب والعَقِب. وعن أبي العالية: محاسن الوجه. وفُسّر نزعُها لذلك بأكلها له فتأكله ثم يعود وهكذا. نصب(٣) بتقدير: أعني أو أخصُّ، وهو مرادُ مَن قال: نُصب على الاختصاص للتهويل. وجُوِّز أن يكون حالاً، والعامل فيها ((لظى)) وإن كان عَلَماً؛ لمَا فيه من معنى التلّ كما عمل العَلَم في الظرف في قوله: أنا أبو المِنْهال بعضَ الأحيان(٤) أي: المشهورُ بعضَ الأحيان، قاله أبو حيان(٥)، وإليه يشير كلام ((الكشف))(٦). وقال الخفاجي(٧): لظى بمعنى متلظّية، والحال من الضمير المستتر فيها لا منها بالمعنى السابق؛ لأنَّها نكرةٌ أو خبرٌ، وفي مجيء الحال من مثله ما فيه. وقيل: هو حالٌ مؤكِّدةٌ كما في قوله : (١) الذي في مصنف ابن أبي شيبة ١٦٨/١٣، عن مجاهد: الشوى: الأطراف، وتفسيرها بجلدة الرأس عن مجاهد عزاه السيوطي في الدر ٦/ ٢٦٥ لعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) المصنف ١٦٨/١٣ عن أبي صالح فقط. (٣) قوله: نصب، خبر لقوله: وقوله تعالى: ((نزاعة للشوى)). (٤) وبعده: ليس عليَّ حَسَبي بضُؤْلان. وهو في: الشعر لأبي علي الفارسي ٢٥٠/١، والخصائص ٣/ ٢٧٠ - وعقد له فصلاً - وتهذيب اللغة ١٢/ ٦٥ ونسبه لبعض بني أسد، ولسان العرب (ضأل)، والمغني ص٥٦٨، وشرح شواهد المغني للبغدادي ٣١٨/٦. قال البغدادي بعد نقله كلام أبي علي الفارسي وابن جني في تعليقهما على الشاهد: ومقتضى كلامهما أن أبا المنهال ليس صاحب الرجز، وليس كذلك، بل هو صاحب الرجز .... ورأيت في شرح ((ديوان الفرزدق)) أن أبا المنهال هو أبو عيينة بن المهلب. اهـ. والمنهال: الرجل الكثير الإنهال، والضؤلان: الضعيف الحقير كالضئيل. وقد تكلّم عليه البغدادي كلاماً جيداً فانظره. (٥) في البحر ٣٣٤/٨-٣٣٥. (٦) الكشف عن وجوه القراءات ٣٣٥/٢. (٧) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٢٤٤/٨. الآية : ١٧ ٤٢٩ سُوَرَّةُ المُعَذِهِ وهل بدارةَ يالَلنَّاس من عارٍ (١) أنا ابنُّ دَارةَ معروفاً بها نَسَبي والعامل: أحقُّهُ (٢)، أو الخبر؛ لتأويله بمسمَّى، أو المبتدأ؛ لتضمُّنه معنى التنبيه، أو معنى الجملة. وارتضاه الرضي. وقيل: حال من ضمير ((تدعو)) قُدِّم عليه . وجوَّز الزمخشريُّ(٣) أن يكون ضمير ((إنَّها)) مبهماً ترجم عنه الخبر، أعني: ((لظى)). وبحث فيه بما ردَّه المحقّقون. وقرأ الأكثرون: ((نزاعةٌ)) بالرفع (٤)، على أنَّ خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ)، أو صفةٌ لـ ((لظى))، وهو ظاهرٌ على اعتبار كونها نكرةً، وكذا على كونها عَلَم جنسٍ؛ لأنَّه كالمعرَّف بلام الجنس في إجرائه مجرى النكرة، أو هو الخبر، و((لظى)) بدلٌ من الضمير وإن اعتُبرت نكرةً؛ بناءً على أنَّ إبدال النكرة غيرَ منعوتةٍ من المعرفة قد أجازه أبو عليٍّ وغيرُه من النحاة إذا تضمَّن فائدةً كما هنا، وجوِّز على هذه القراءة أن يكون ضميرُ ((إنَّها)) للقصة، و((لظى)) مبتدأ بناءً على أنَّه معرفةٌ، و(«نزاعةٌ)) خبره. وقوله تعالى: ﴿تَدْعُوا﴾ خبر مبتدأ مقدَّر، أو: حالٌ متداخلة أو مترادفة أو مفردة، أو خبرٌ بعد خبر على قراءة الرفع، فلا تغفل. والدعاء على حقيقته وذلك كما رُوي عن ابن عباس وغيره: يخلقُ الله تعالى فيها القدرةَ على الكلام كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، فتناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. ورُوي أنَّها تقول لهم: إليَّ إليَّ يا كافرُ يا منافقُ. (١) البيت لابن دارة، وهو سالم بن مسافع بن يربوع، ودارةُ أمُّه؛ سُمّيت بذلك لجمالها، تشبيهاً بدارة القمر. الشعر والشعراء ٤٠١/١-٤٠٣. والبيت في الكتاب ٧٩/٢، والخصائص ٢٦٨/٢ و٦٠/٣، وأمالى ابن الشجري ٢٢/٣، ولسان العرب (دبر)، وشرح ابن عقيل ٦٥٤/١، والخزانة ٢٦٥/٣ وفيه: مشهوراً. (٢) يعني مضمراً، كما في حاشية الشهاب ٢٤٤/٨، وينظر باب الحال في شرح الرضي على الكافية . (٣) في الكشاف ١٥٨/٤ . (٤) هي قراءة العشرة ما عدا عاصم في رواية حفص عنه. السبعة ص ٦٥٠ - ٦٥١، والتيسير ص٢١٤، والنشر ٣٩٠/٢. سُورَةُ المُعَلَاةِ ٤٣٠ الآية : ١٧ وجوِّز أن يراد به الجذبُ والإحضار، كما في قول ذي الرُّمَّة يصف الثور الوحشيّ : من ذي الفوارسِ تدعو أنفَهُ الرِّبَبُ (١) أمسى بِوَهْبَينِ مُجتازاً لمرتَعِه ونحوه قوله أيضاً : كأنَّني ضاربٌ في غَمْرة لَعِبُ(٢) لياليّ اللَّھوُ یَظپیني فأتبعه ولا يبعد أن يقال: شبّه لياقتها لهم أو استحقاقهم لها - على ما قيل - بدعائها لهم، فعبَّر عن ذلك بالدعاء على سبيل الاستعارة. وقال ثعلب: ((تدعو)): تُهلِك، من قول العرب: دعاك الله تعالى، أي: أهلكك. وحكاه الخليل عنهم(٣). وفي ((الأساس)) (٤): دعاه الله تعالى بما يكره: أنزله به. وأصابتهم دواعي الدهر: صروفُه. ومن ذلك قوله: دعاكَ اللهُ من(٥) رجلٍ بأفعى إذا نام العيونُ سَرَتْ عليكا (٦) واستُظهر أنَّه معنَى حقيقيٍّ للدعاء، لكنَّه غيرُ مشهور. وفیه تردُّدٌ. (١) البيت في ديوانه ٧٧/١، وجمهرة أشعار العرب ٩٥٤/٢، ولسان العرب (ربب)، وهو أحد أبيات قصيدته البائية المشهورة. ووهبين، وذو الفوارس: موضعين، الرِّبب: جمع رِيَّة: ضرب من الشجر أو النبت. قال شارح الديوان: لمّا شمَّ الثورُ الرِّبَبَ أتاها، وكأنها دعته إلى نفسها. اهـ. وجاء في هامش الأصل شرح لبعض الكلمات. (٢) هو أيضاً أحد أبيات قصيدته البائية، وهو في ديوانه ٣٨/١، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٩٤٦، وفيه: ليالي الدهر، ولسان العرب (ضرب). قال شارح الديوان: يطبيني: يدعوني، وضارب: سابح، والغمرة: الماء الكثير. والمعنى: كأنني في غفلة وبُلهنيةٍ أسبحُ في الماء. (٣) ينظر العين ٢٢١/٢، مادة (دعو). (٤) مادة (دعو). (٥) جاء في هامش الأصل: ((مِنْ)) تجريدية على ما قال الطيبي. منه. (٦) البيت دون نسبة في العين (دعو)، وأساس البلاغة، ولسان العرب (دعا)، ورواية العين واللسان: من قيس، بدل: من رجل. والقيس هنا اسم من أسماء الذكر. وجاء في تهذيب اللغة ١٢٣/٣: قال أبو النجم: رماك الله من عيش نافعي إذا نام العيون سرت عليكا الآية : ١٨ - ٢٠ ٤٣١ سُورَةُ المُعِيذِةْ وجوِّز أن يكون الدعاء لزبانيتها، وأُسند إليها مجازاً، أو الكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: تدعو زبانيتُها . ﴿مَنْ أَبَرَ﴾ في الدنيا عن الحقِّ ﴿وَتَوَلَ أعرض عن الطاعة ﴿وَجَمَعَ ١٧ فَأَوْعَ ®﴾ أي: جمع المال فجعله في وعاءٍ وكَنَزه، ولم يؤدّ حقوقه، وتشاغل به عن الدِّين وزُهِيَ باقتنائه حرصاً وتأميلاً. وهذا إشارةٌ إلى كفارٍ أغنياء، وما أخوفَ عبدَ الله بن عُكَيم(١)، فقد أخرج ابن سعد(٢) عن الحكم أنَّه قال: كان عبد الله بن عُكَيم لا يربطُ كيسَه، ويقول: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَجَعَ فَأَوْعَ﴾. الهَلَع: سرعةُ الجزع عند مسِّ المكروه، وسرعةٌ ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا المنع عند مسِّ الخير، من قولهم: ناقة هَلُوع: سريعةُ السير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير(٣) وغيرُهما عن عكرمة قال: سُئل ابن عباس عن الهَلُوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَنَّهُ الثَّرُّ﴾ إلخ. وأخرج ابن المنذر(٤) عن الحسن أنَّه سُئل عن ذلك أيضاً فقرأ الآية. وحُكي نحوه عن ثعلب قال: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر(٥): ما الهَلَهُ؟ فقلت: قد فسَّره الله تعالى، ولا يكون تفسيرٌ أبينَ من تفسيره سبحانه. يعني قولَه تعالى: (إِذَا مَسَّهُ) الآية. ونظيرُ ذلك قولُه : (١) عبد الله بن عُكيم الجهني، يُكنى أبا معبد، قيل: له صحبة. وأسلم بلا ريب في حياة النبي ◌َّر (ت٨٨هـ). طبقات ابن سعد ١١٣/٦، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٥١٠. (٢) تحرف في الأصل و(م) إلى: سعيد، والخبر أخرجه في الطبقات ٦/ ١١٤، وأخرجه أيضاً ابن جرير ٢٦٥/٢٣. (٣) ابن جرير في تفسيره ٢٦٦/٢٣، وعزاه لهما السيوطي في الدر المنثور ٢٦٥/٦-٢٦٦. (٤) كما في الدر المنثور ٢٦٦/٦. (٥) هو أبو العباس، الخزاعي، الأمير، كان شيخاً فاضلاً أديباً، ولي إمارة بغداد أيام المتوكل، توفي سنة (٢٥٣هـ). تاريخ بغداد ٤١٨/٥. سُودَةُ للمعدة ٤٣٢ الآية : ٢١ الألمعيُّ الذي يظنُّ بكَ الظنَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعا (١) والجملةُ المؤكَّدةُ في موضع التعليل لِمَا قبلها . والإنسان: الجنس، أو الكافر، قولان، أُيِّد ثانيهما بما روى الطستيُّ عن ابن عباس أنَّ الآية في أبي جهل بن هشام(٢). ولا يأبى ذلك إرادةَ الجنس. والشرُّ: الفقرُ والمرض ونحوهما. و((أل)) للجنس، أي: إذا مسَّه جنس الشرِّ. ﴾ أي: مبالغاً في الجَزَع، مكثراً منه. والجزعُ؛ قال الراغب(٣): أبلغُ من الحزن، فإنَّ الحزن عامٌّ، والجزعُ حزنٌ يصرف الإنسان عمَّا هو بصدده(٤) ويقطعه عنه. وأصلُه: قَطْعُ الحبل من نصفه، يقال: جزعْتُه فانجزَعَ، ولِتصوُّر الانقطاع فيه قيل: جَزْعُ الوادي: لمُنقطَعِه. ولا نقطاع اللَّون بتغيّرِه قيل للخرز المتلوّن: جَزٌْ. وعنه استُعير قولُهم: لحم مُجزَّعٌ: إذا كان ذا لونين. وقيل للبسرة إذا بلغ الإرطابُ نصفَها: مجزَّعةٌ. ﴿وَإِذَا مَسَهُ الْخَيْرُ﴾ المالُ والغنى، أو الصحة ﴿مَنُعًا مبالغاً في المنع n والإمساك. و((إذا)) الأولى ظرفٌ لـ ((جزوعاً))، والثانية ظرفٌ لـ ((منوعاً)). والوصفان - على ما اختاره بعض الأجلَّة - صفتان كاشفتان لـ ((هلوعاً)) الواقعِ حالاً كما هو الأنسبُ بما سمعتَ عن ابن عباس وغيره. وقال غيرُ واحدٍ: الأوصافُ الثلاثةُ أحوالٌ، فقيل: مقدَّرة إن أُريد اتِّصافُ الإنسان بذلك بالفعل، فإنَّه في حال الخَلْق لم يكن كذلك وإنَّما حصل له ذلك بعد تمام عقله ودخوله تحت التكليف. ومحقَّقة إن أُريد اتِّصافه بمبدأ هذه الأمور من (١) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٥٣، والكامل ٤/ ١٤٠٠. قال المبرد: الألمعيّ: الحديد اللسان والقلب، وقد أبانه بقوله: الذي يظن ... إلخ. (٢) الدر المنثور ٢٦٦/٦. (٣) في المفردات (جزع). (٤) في الأصل و(م): بصدره، والمثبت موافق للمفردات، والكليات (جزع). الآية : ٢١ ٤٣٣ سُوَّةُ المُعَذِةْ الأمور الجبلِّيَّة والطبائع الكليَّة المندرجة فيها تلك الصفاتُ بالقوة(١). ولا مانع عند أهل الحقِّ من خلقِه تعالى الإنسانَ وطبعِه سبحانه إيَّاه على ذلك. وفي زوالها بعدُ خلاف، فقيل: إنَّها تزول بالمعالجة، ولولاه لم يكن للمنع منها والنهي عنها فائدةٌ، وهي ليست من لوازم الماهية، فالله تعالى كما خلقها يزيلها. وقيل: إنَّها لا تزول، وإنَّما تُستَر ويُمنَعُ المرءُ عن آثارها الظاهرة كما قيل: والطبع في الإنسان لا يتغيَّر(٢) وهذا الخلافُ جارٍ في جميع الأمور الطبيعية. وقال بعضهم: الأمورُ التابعةُ منها لأصل المزاج لا تتغيَّر، والتابعة لعَرَضه قد تتغيَّر. وذهب الزمخشريُّ(٣) إلى أنَّ في الكلام استعارةً، فقال: المعنى أنَّ الإنسان الإيثاره الجزعَ والمنعَ وتمكُّنهما منه ورسوخهما فيه كأنَّه مجبولٌ عليهما مطبوع، وكأنه أمرٌ خَلْقيٌّ وضروريٌّ غيرُ اختياريٌّ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَبَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] لأنَّه في البطن والمهد لم يكن به هَلَعٌ ولأنَّه ذٌّ، والله تعالى لا يذمُّ فعله سبحانه، والدليل عليه استثناءُ المؤمنين الذين جاهدوا أنفسَهم وحملوها على المكاره وظَلَفوها(٤) عن الشهوات حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين. وتُعقِّب بأنَّه في المهد أهلعُ وأهلعُ، فيسرع إلى الثدي ويحرص على الرَّضاع، وإنْ مسَّه ألمٌ جَزِعَ وبكى، وإن تمسَّك بشيءٍ فزُوحم عليه مَنَع بما في قدرته من اضطراب وبكاء، وفي البطن لا يُعلم حالُه، وأيضاً الاسم يقع عليه بعد الوضع، فما بعده هو المعتبر، وأنَّ الذمَّ من حيثُ القيام بالعبد كما حُقِّق في موضعه، وأنَّ الاستثناء: إمَّا منقطعٌ؛ لأنَّه لمّا وصف سبحانه: ((من أدبر وتولى)) معلِّلاً بهلعه (١) القوة: هي التهيُّؤ الموجود في الشيء، معجم متن اللغة (قوي). (٢) عجز بيت صدره: حبّي لكم طبعٌّ بغير تكلَّفٍ. وهو في زهر الأكم ٣/ ٨٠ بلا نسبة. (٣) في الكشاف ١٥٨/٤ -١٥٩ . (٤) أي: منعوها، ووقع في (م): طلقوها. ١ سُورَةُ المُعَذِهِ ٤٣٤ الآية : ٢٢ - ٢٣ وجزعه قال تعالى: لكنَّ المصلين في مقابلتهم أولئك في جناتٍ، ثم كرَّ على السابق وقال: ((فمال الذين كفروا)) بالفاء تخصيصاً بعدَ تعميم، ورجعاً إلى بدءٍ؛ لأنَّهم من المستهزئين الذين افتتح السورة بذكر سؤالهم. أو: متصل على أنَّهم لم يستمرَّ خلقُهم على الهَلَع. فإنَّ الأول لمّا كان تعليلاً كان معناه: خلقاً مستمراً على الهَلَع والجزع إلّ المصلِّين، فإنَّهم لم يستمرَّ خلقُهم على ذلك، فلا يرد أنَّ الهَلَع الذي في المهد لو كان مراداً لما صحَّ استثناءُ المصلين؛ لأنَّهم كغيرهم في حال الطفولية. انتهى. ﴾ إلخ، وقد وهذا الاستثناء هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِينَ شَّ وصفهم سبحانه بما ينبئ عن كمال تنزُّههم عن الهَلَع: من الاستغراق في طاعة الحقِّ عز وجل، والإشفاقِ على الخَلْقِ، والإيمانِ بالجزاء، والخوفِ من العقوبة، وكَسْرِ الشهوة، وإيثارِ الآجل على العاجل، فقال عزَّ من قائل: ﴿ الَّذِينَ ®﴾ أي: مواظبون على أدائها، لا يخلُّون بها، هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآيِمُونَ ولا يشتغلون عنها بشيءٍ من الشواغل. وفيه إشارةٌ إلى فضل المداومة على العبادة، وقد أخرج ابن حبان (١) عن أبي سَلَمة قال: حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله وَلجر: ((خُذوا من العمل ما تطيقون، فإنَّ الله تعالى لا يملُّ حتى تملُّوا)). قالت: فكان أحبُّ الأعمال إلى رسول الله وَ﴿ ما دام عليه، وإن قلَّ، وكان إذا صلَّى صلاةً دام عليها، وقرأ أبو سلمة: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآيِعُونَ). وأخرج أحمد في ((مسنده)(٢) عنها أنَّها قالت: كان عملُهُ وَّهِ ديمةً. قال جار الله: أي: ما فعل من أفعال الخير إلَّا وقد اعتاد ذلك، ويفعله كلَّما جاء وقته. ووُجِّه بأنَّ الفعلة للحالة التي يستمرُّ عليها الشخص. ثم في جعلِه نفسَ الحالة ما لا يخفى من المبالغة والدلالةِ على أنَّه كان مَلَكةً له عليه الصلاة والسلام. (١) في صحيحه (٣٥٣)، وأخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم في كتاب الصيام (٧٨٢): (١٧٧). (٢) برقم (٢٤١٦٢)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٩٨٧)، ومسلم (٧٨٣). الآية : ٢٤ - ٢٥ ٤٣٥ سُورَةُ المعدة وقيل: دائمون، أي: لا يلتفتون فيها، ومنه: الماء الدائم. وروي ذلك عن عمران بن حصين، وكذا عن عقبة بن عامر، أخرج ابن المنذر(١) عن أبي الخير أنَّ عقبةً قال لهم: مَن الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا: الذين لا يزالون يصلُّون. فقال: لا، ولكن الذين إذا صلُّوا لم يلتفتوا عَن يمينٍ ولا شمال. وإليه ذهب الزجاج(٢). فتُشعر الآيةُ بذمٌ الالتفات في الصلاة، وقد نطقت الأخبار بذلك. واستدلَّ بعضُهم بها على أنَّه كبيرةٌ، وتحقيقُه في ((الزواجر))(٣). وعن ابن مسعود ومسروق أنَّ دوامها أداؤُها في مواقيتها. وهو كما ترى، ولعلَّ تركَ الالتفات والأداءَ في الوقت يتضمنه ما يأتي من المحافظة إن شاء الله تعالى. والمراد بالصلاة على ما أخرج عبد بن حميد(٤) عن إبراهيم التيميّ: الصلاةُ المكتوبة. وعن الإمام أبي جعفر ربه أنَّ المراد بها النافلة. وقيل: ما أُمروا به مطلقاً منها . وقرأ الحسن: ((صلواتهم)) بالجمع(٥). ﴿وَّذِينَ فِّ أَوَلِمْ حَقٌ مَّعْلُومُ ®﴾ أي: نصيبٌ معيَّن يستوجبونه على أنفسهم؛ تقرُّباً إلى الله تعالى وإشفاقاً على الناس. وهو على ما رُوي عن الإمام أبي عبد الله ما يوظّفه الرجل على نفسه يؤدِّيه في كلِّ جمعةٍ أو كلِّ شهر مثلاً. وقيل: هو الزكاة؛ لأنَّها مقدَّرةٌ معلومة. وتعقّب بأنَّ السورة مكيةٌ، والزكاةُ إنما فُرضت وعُيِّن مقدارُها في المدينة، وقبل ذلك كانت مفروضةً من غير تعيين. الذي لا يسأل، فيُظنُّ أنَّه غنيٌّ فيُحرَم. ﴿لِلسَّآئِلِ﴾ الذي يسأل ﴿وَالْمَعْرُورِ (٥) واستعمالُه في ذلك على سبيل الكناية، ولا يصحُّ أن يراد به مَن يحرمونه بأنفسهم؛ للزوم التناقض كما لا يخفى. (١) عزاه له السيوطي في الدر المنثور ٢٦٦/٦. (٢) في معاني القرآن ٢٢٢/٥. (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١٣٦/١-١٣٧. (٤) عزاه له السيوطي في الدر المنثور ٢٦٦/٦. (٥) البحر ٣٣٥/٨. سُوَدَةُ المَعَتِهِ ٤٣٦ الآية : ٢٦ - ٣٢ المراد: التصديقُ به بالأعمال حيثُ يُتعبون ٣٦ ﴿وَأَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أنفسهم في الطاعات البدنية طمعاً في المثوبة الأُخروية؛ لأنَّ التصديق القلبيَّ عامُّ لجميع المسلمين لا امتياز فيه لأحدٍ منهم، وفي التعبير بالمضارع دلالةٌ على أنَّ التصديق والأعمال تتجدَّدُ منهم آناً فآناً . خائفون على أنفسهم مع ما لهم من ﴿وَِّنَ هُم مِّنْ عَذَابٍ رَبِهِم مُشْفِقُونَ (مَ الأعمال الفاضلة؛ استقصاراً لها واستعظاماً لجنابه عز وجل، كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ [المؤمنون: ٦٠]. يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوْ وَّقُهُمْ وَسِلَةُ أَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ (® اعتراضٌ مؤذِنٌ بأنَّه لا ينبغي لأحدٍ ٢٨ وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ أن يأمنَ عذابَه عز وجل وإن بالغ في الطاعة كهؤلاء، ولذا كان السلف الصالح - وهم هم - خائفين وَجِلين، حتى قال بعضُهم: يا ليتني كنت شجرةً تُعضَد. وآخرُ: ليت أمِّي لم تلدني. إلى غير ذلك. إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (®] ٣٠ سبق تفسيرُه في سورة المؤمنين(١) على وجهٍ فَنِ ابْتَغَى وَرَهَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ اٌلْعَادُونَ مستوفِى، فتذكّره. ﴿وَلَّذِيَنَ هُمْ لِأَمَئِهِمْ وَعَهْدِ رَعُونَ (®﴾ لا يُخلُّون بشيءٍ من حقوقها، وكأنَّه لكثرة الأمانة جُمعت، ولم يجمع العهد، قيل: إيذاناً بأنَّه ليس كالأمانة كثرةً. وقيل: لأنَّه مصدرٌ. ويدلُّ على كثرة الأمانة ما روى الكلبيُّ: كلُّ أحدٍ مؤتمَنٌ على ما افتُرض عليه من العقائد والأقوال والأحوال والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين. وقال السديُّ: إنَّ حقوق الشرع كلَّها أماناتٌ قد قبلها المؤمن، وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كلُّ ما أعطاه الله تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عنده، فمن استعمل ذلك في غير ما أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة. (١) ١٨ / ١٥. الآية : ٣٣ - ٣٤ ٤٣٧ سُورَةُ المَعَزِةِ والخيانةُ فيها وكذا الغدر بالعهد من الكبائر على ما نصَّ غيرُ واحدٍ، وقد روى البخاريُّ ومسلم(١) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)). وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان))(٢) عن أنس قال: ما خطبَنَا رسولُ الله وَل إلَّا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). وقرأ ابن كثير: ((لأمانتهم)) بالإفراد (٣) على إرادة الجنس. مقيمون لها بالعدل غيرُ منكرين لها أو لشيءٍ منها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَآْبِعُونَ ولا مخفين؛ إحياءً لحقوق الناس فيما يتعلَّق بها، وتعظيماً لأمر الله عز وجل فيما يتعلَّق بحقوقه سبحانه. وخصّ بعضُهم الشهادةَ بما يتعلَّق بحقوق العباد، وذكر أنَّها مندرجة في الأمانات إلَّ أنَّها خُصَّت بالذكر لإبانة فضلها، وجَمعها لاختلاف الأنواع، ولو لم يعتبر ذلك أفْردَ على ما قيل؛ لأنَّها مصدر شامل للقليل والكثير. وقرأ الجمهور بالإفراد (٤) على ما سمعتَ آنفاً . ٣٤ أي: يراعون شرائطها، ويكملون فرائضها ﴿وَلَّذِيْنَ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ ( وسننها ومستحبَّاتها، باستعارة الحفظ من الضياع للإتمام والتكميل، وهذا غيرُ الدوام فإنَّه يرجع إلى أنفُس الصلوات، وهذا يرجع إلى أحوالها، فلا يتكرَّر مع ما سبق من قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآيِسُونَ)، وكأنَّه لمَّا كان ما يراعى في إتمام الصلاة وتكميلها ممَّا يتفاوت بحسب الأوقات جيء بالمضارع الدالّ على التجدُّد، كذا قيل. وقيل: إنَّ الإتيان به مع تقديم ((هم)) لمزيد الاعتناء بهذا الحكم، (١) صحيح البخاري (٣٤)، وصحيح مسلم (١٠٦). (٢) برقم (٤٣٥٤). (٣) التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٨/٢. (٤) التيسير ص٢١٤، والنشر ٣٩١/٢ وقرأ بالجمع عاصم في رواية حفص، ويعقوب. سُورَةُ المُعَذِهِ ٤٣٨ الآية : ٣٥ - ٣٧ لِمَا أنَّ أمر التقوى في مثل ذلك أقوى منه في مثل: هم محافظون، واعتبر هذا هنا دون ما في الصدر؛ لأنَّ المراعاة المذكورة كثيراً ما يُغفَل عنها . وفي افتتاح الأوصاف بما يتعلَّق بالصلاة واختتامها به دلالةٌ على شرفها وعلوِّ قَدْرِها؛ لأنَّها معراج المؤمنين ومناجاة ربِّ العالمين، ولذا جُعلت قُرَّة عين سيِّد المرسلين صلى الله تعالى وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين(١). وتكريرُ الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلةً اختلاف الذوات؛ إيذاناً بأنَّ كلَّ واحد من الأوصاف المذكورة نعتٌ جليل على حياله، له شأنٌ خطير مستتبعٌ لأحكامِ جمَّةٍ حقيقٌ بأن يفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يجعل شيء منها تتمَّةً للآخر. ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصوفين بما ذُكر من الصفات، وما فيه من معنى البعد لبعد المشار إليهم، إمَّا في الفضل أو في الذكر باعتبار مبدأ الأوصاف المذكورة. وهو مبتدأ، خبرُه: ﴿فِ جَتَّتٍ﴾ أي: مستقرُّون في جناتٍ لا يُقَادَر قدرُها ولا يُدرَك كُنهها. خبرٌ آخر، أو هو الخبر، و((في جنات)) متعلِّقٌ به ٣٥ وقوله تعالى ﴿قُكْرَمُونَ قُدِّم عليه للاهتمام مع مراعاة الفواصل، أو بمضمَرٍ هو حال من الضمير في الخبر، أي: مکرمون کائنین في جنات. مسرعین نحوك، ﴿َلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِلَكَ﴾ أي: في الجهة التي تليك ﴿مُهْطِينَ مادِّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك؛ ليظفروا بما يجعلونه هُزُؤاً. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اَلِثِّمَالِ عِينَ (®﴾ جماعاتٍ في تفرقة، كما قال أبو عبيدة(٢)، وأنشدوا قولَ عبيد بن الأبرص: فجاؤوا يُهْرِعُون إليه حتى يكونوا حولَ منبره عِزينا (٣) وخصّ بعضُهم كلَّ جماعة بنحو ثلاثة أشخاص أو أربعة. (١) أخرج النسائى ٦١/٧-٦٢، وأحمد (١٢٢٩٣) من حديث أنس قال: قال رسول الله مَّدٍ: ((حُبِّبَ إليَّ النساء والطيبُ، وجُعل قُرَّة عيني في الصلاة)). (٢) في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٠ . (٣) لم نقف عليه في ديوانه، وذكره السيوطي في الإتقان ٣٨٣/١. الآية : ٣٨ - ٣٩ ٤٣٩ سُورَةُ المُعَذِهِ جمع: عِزَة، وأصلها عزوة من العزِّ، ولأنَّ كلَّ فرقة تعتزي وتنتسب إلى غيرِ مَن تعتزي إليه الأخرى، فلامُها واوٌ. وقيل: لامُها هاءٌ، والأصل: عِزْهة، وُجُمعت بالواو والنون كما جُمعت سَنَة وأخواتها، وتُكسر العين في الجمع وتضمُّ. وقالوا: عِزّى، على فِعَل، ولم يقولوا: عِزَات. ونصب ((عزين)) على أنَّه حال من ((الذين كفروا))، أو من الضمير في ((مهطعين)) على التداخل، و((عن اليمين)) إمَّا متعلِّقٌ به لأنَّه بمعنى متفرِّقين، أو ((بمهطعين)) أي: مسرعين عن الجهتين، أو هو حالٌ أي: كائنين عن اليمين. رُوي أنّه عليه الصلاة والسلام كان يصلِّي عند الكعبة ويقرأ القرآن، فكان المشركون يجتمعون حوله حلقاً حلقاً (١)، وفرقاً فرقاً(٢)، يستمعون ويستهزئون بكلامه عليه الصلاة والسلام، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنةَ كما يقول محمد - وَل﴿ ﴿ فَلَنَدْخُلَّها قبلهم، فنزلت(٣). وفي بعض الآثار ما يشعر بأنَّ الأَوْلَى أن لا يجلسَ المؤمنون عِزين؛ لأنَّه من عادة الجاهلية. أي: بلا إيمان، وهو إنكارٌ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ آقْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( ٣٨ لقولهم: إنْ دخل هؤلاء الجنةَ .. إلخ. وقرأ ابن يعمر والحسن وأبو رجاء وزيد بن عليٍّ وطلحة والمفضّل عن عاصم: (يَدخل)) بالبناء للفاعل (٤). ٢٣﴾ رَدْعٌ لهم عن ذلك الطمع الفارغ ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ ، قيل: هو ٣٩ تعليل للردع، و((من)) أَجْليَّة، والمعنى: إنَّا خلقناهم من أجل ما يعلمون، وهو تكميلُ النفس بالإيمان والطاعة، فمَن لم يستكملها بذلك فهو بمعزلٍ من أن يتبوّأ (١) ضبطها في الأصل بفتح الحاء وكسرها. (٢) لفظ: فرقاً، ليست في (م)، وفي الأصل فوقها: صح. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٧٤. (٤) البحر ٣٣٦/٨، وذكر قراءةَ المفضل عن عاصم ابنُ مجاهد في السبعة ص٦٥١ . سُورَةُ الْعَذِهِ ٤٤٠ الآية : ٤٠ - ٤١ مُتبوَّأ الكاملين، فمن أين لهم أن يطمعوا في دخول الجنة وهم مكبُّون على الكفر والفسوق وإنكار البعث؟! وكونُ ذلك معلوماً لهم باعتبار سماعهم إيَّاه من النبيِّ وَّر. وقيل: ((مِن)) ابتدائية، والمعنى: إنَّهم مخلوقون من نطفةٍ قذرةٍ لا تناسب عالَم القدس، فمتى لم تُستكمل بالإيمان والطاعة، ولم تتخلَّق بأخلاق الملائكة عليهم السلام، لم تستعدّ لدخولها. وكلا القولين كما ترى. وقال مفتي الديار الرومية (١): إنَّ الأقرب كونُه كلاماً مستأنفاً، قد سيق تمهيداً لِمَا بعده من بيان قدرته عز وجل على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم برسول الله و ﴿ وبما نزل عليه - عليه الصلاة والسلام - من الوحي، وادِّعائهم دخولَ الجنة بطريق السخرية، وينشئَ بدلهم قوماً آخرين، فإنَّ قدرتَه سبحانه على ما يعلمون من النشأة الأولى حجَّةٌ بيِّنَةٌ على قدرته عز وجل على ذلك، كما يفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِمُ بِرَبِّ الْنَشَرِقِ وَاَلْغَرِدِ﴾ أي: إذا كان الأمر كما ذكرنا من أنَّ خلقَهم مما يعلمون، وهو النطفةُ القذرة، فلا(٢) أقسم عَلَى أَنْ تُبِلَ خَيْراً مِنْهُ﴾ أي: نهلكهم ٤٠ بربِّ المشارق والمغارب: ﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ بالمرَّة، حسبما تقتضيه جناياتهم، ونأتي بَدَلهم بخلقٍ آخرين ليسوا على صفتهم. ، أي: بمغلوبين إن أردنا ذلك، لكنَّ مشيئتنا المبنية على نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ الحِكَم البالغة اقتضت تأخيرَ عقوباتهم. وفيه نوعُ بعدٍ. ولعلَّ الأقربَ كونُه في معنى التعليل، لكن على وجه قرَّر به صاحب ((الكشف)) كلام ((الكشاف))(٣)، فقال: أراد أنَّه رَدْعٌ عن الطمع، معلَّلٌ بإنكارهم البعثَ من حيثُ إنَّ ذكرَ دليله إنَّما يكون مع المنكِر، فأقيم علَّةُ العَّة مقام العلّة مبالغةً لما حُكي عنهم طمعُ دخول الجنة، ومن البديهي أنَّه ينافي حالَ مَنْ لا يثبتها، فكأنَّه قيل: إنَّه ينكر البعثَ فأنَّى يَتَّجه طمعُه؟ واحتجَّ عليهم بخلقهم أولاً، وبقدرته سبحانه على خَلْق مثلهم ثانياً. وفيه تهكُّمٌ بهم وتنبيهٌ على مكان مناقضتهم، (١) هو أبو السعود، والكلام من تفسيره ٣٤/٨. (٢) في تفسير أبي السعود ٣٥/٨: فأقسم. (٣) ينظر الكشاف ١٦٠/٤.