النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ٣٥ - ٣٦
٤٠١
سُورَةُ الدُّقلم
كالعطاء بمعنى الإعطاء، أي: ولا يحثُّ على إطعام المسكين، فضلاً عن أن يبذلَ
مالَه، فليس هناك مضافٌ محذوف.
وقيل: ذكر الحضّ للإشعار بأن تاركَ الحضِّ بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل؟
وما أحسن قولَ زينب [بنت] الطّئَرية ترثي أخاها یزید:
إذا نزل الأضيافُ كان عَذَوَّراً على الحيِّ حتى تستقلَّ مراجِلُهْ(١)
تريد: حضَّهم على القِرى، واستعجَلَهم، وتشاكَسَ عليهم، وفيه أوجه من
المدح.
وكان أبو الدرداء ظُبه يحضُّ امرأتَه على تكثير المَرَق لأجل المساكين،
ويقول: خَلَعْنا نصفَ السلسلة بالإيمان، أفلا نخلَعُ نصفَها [الآخر](٢)؟ اقتبسَ ذلك
من الآية؛ فإنه جعَلَ استحقاقَ السلسلة معلَّلاً بعدم الإيمان وعدمِ الحضِّ.
وتخصيصُ الأمرين بالذِّكر؛ قيل: لِمَا أنَّ أقبح العقائد الكفرُ، وأشنع الرذائل
البخلُ وقسوةُ القلب.
وفي الآية دلالةٌ على أن الكفّار مخاطبون بالفروع كالأصول، وإلا لم يُعاقبوا
على ترك الحضِّ على طعام المسكين.
﴿فَلَيْسَ لَهُ أَلْمَ هَهُنَا حَيْمٌ
﴾ قريبٌ مشفِقٌ يحميه ويدفع عنه؛ لأن أولياءه
٣٥
يتحامَوْنه ویفرُّون منه.
قال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا
لِ طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
غُسلت، فِعْلين من الغَسْلِ. وقال ابنُ عباس في رواية ابنِ أبي حاتم وابن المنذر من
طريق عِكْرمة عنه: إنه الدمُ والماء الذي يسيلُ من لحوم أهل النار. وفي معناه قوله
(١) البيت في شرح الحماسة للمرزوقي ١٠٤٧/٣، وللتبريزي ٤٦/٣، والأغاني ١٨٣/٨،
وأمالي القالي ٢/ ٨٥، وما بين حاصرتين من المصادر. قال التبريزي: العذوَّر: السيء
الخلق، القليل الصبر فيما يريده ويهم به، وَصَفْه بسوء الخلق والتشدد في الأمر والنهي حتى
تُنصب المراجل وتُهيأ المطاعم للضيفان، ثم يعود إلى خلقه الأول.
(٢) الكشاف ١٥٤/٤، والبحر ٣٢٦/٨، وما بين حاصرتين منهما .

سُورَةُ الدّقلية
٤٠٢
الآية : ٣٦
في روايتهما من طريق عليٍّ بن أبي طلحة عنه: هو صديدُ أهل النار. وأخرج ابنُ
أبي حاتم من طريق مجاهدٍ عنه أنه قال: ما أدري ما الغِسْلين، ولكني أظنُّه
الزَّقُّوم(١). والأكثرون على الأول.
وأخرج الحاكمُ وصحَّحه(٢) عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ وَّ: «لو أنَّ
دلواً من غِسْلين يُهراق في الدنيا لأنتنَ بأهل الدنيا)».
وجعله بعضُهم متَّحداً مع الضَّريع، وقال بعضُهم: هما متباينان، وسيأتي الكلامُ
في ذلك إن شاء الله تعالى.
و ((له)) خبرُ ((ليس))، قال المَهْدويُّ: ولا يصحُّ أن يكون ((ها هنا)). ولم يُبيِّن
ما المانعُ من ذلك، وتبعَه القرطبيُّ في ذلك(٣)، وقال: لأن المعنى يصيرُ: ليس ها
هنا طعام إلا من غِسْلين، ولا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ ثمَّ طعاماً غيره و((هاهنا)) متعلّق
بما في ((له)) من معنى الفعل. انتهى.
وتعقب ذلك أبو حيان(٤) فقال: إذا كان ثمَّ غيرُه من الطعام، وكان الأكل
أكلاً آخر صحَّ الحصرُ بالنسبة إلى اختلافِ الأكلين، وأما إن كان الضريعُ هو
الغِسْلين كما قال بعضُهم، فلا تناقضَ بين هذا الحصرِ والحصر في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيعِ﴾ [الغاشية: ٦] إذ المحصورُ في الآيتين هو من شيءٍ
واحد، وإنما يمتنع ذلك من وجهٍ غير ما ذكره، وهو أنه إذا جعلنا ((هاهنا))
الخبر كان ((له)) و ((اليوم)) متعلِّقين بما تعلَّق به الخبرُ، وهو العاملُ في ((هاهنا))،
وهو عاملٌ معنويٌّ، فلا يتقدَّم معمولُه عليه، فلو كان العاملُ لفظيّاً جاز، كقوله
تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌّ (﴾﴾ فـ (له)) متعلِّق بـ ((كفواً))، وهو خبرٌ
لـ (يكن)). اهـ. وفي إطلاقِ العاملِ المعنويِّ على متعلّق الجارِّ والمجرور
المحذوفِ بحثٌ.
(١) أورد السيوطي في الدر المنثور ٢٦٣/٦ الروايات السالفة التي ذكرها المصنف.
(٢) المستدرك ٢/ ٥٠١.
(٣) تفسير القرطبي ٢١١/٢١.
(٤) البحر المحيط ٣٢٧/٨.

الآية : ٣٧
٤٠٣
سُؤَكَةُ المقلية
﴾ أصحابُ الخطايا، من خطئ الرجلُ: إذا تعمَّد
( يَأَكُ إِلَّ الْخَطِقُونَ
الذنبَ، من الخطأ المقابلِ للصواب دون المقابل للعمد، والمراد بهم - على ما رُوي
عن ابن عباس - المشركون.
وقرأ الحسنُ، والزهريُّ، والعَتَكي، وطلحةُ في رواية: ((الخاطِبُون)) بياء
مضمومةٍ بدلاً من الهمزة، وقرأ أبو جعفرٍ، وشيبةُ، وطلحةُ في رواية أخرى، ونافع
بخلاف عنه: ((الخاطون)) بطرح الهمزة بعد إبدالها تخفيفاً على أنه من خطئ، كقراءة
مَن هَمَز(١). وعن ابن عباس ما يُشعر بإنكار ذلك، أخرج الحاكم وصحَّحه(٢) من
طريق أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يَعْمَر عنه أنه قال: ما الخاطون؟! إنما هو
((الخاطئون))، ما الصابون؟! إنما هو ((الصابئون)). وفي رواية: ما الخاطون؟! كلنا
نخطو. كأنه يريد أنَّ التخفيفَ هكذا ليس قياساً، وهو مليِسٌ مع ذلك، فلا يُرتكب.
وقيل: هو من خطا يخطو، فالمرادُ بهم الذين يتخطّون من الطاعة إلى
العصيان، ومن الحقِّ إلى الباطل، ويتعدّون حدودَ الله عزَّ وجلَّ، فيكونُ كنايةً عن
المذنبين أيضاً.
هذا، وظواهرُ هذه الآيات أنَّ المؤمن الطائعَ يُؤْتَى كتابه بيمينه، والكافر يُؤْتَی
كتابَه بشماله، ولم يُعلم منها حالُ الفاسق الذي مات على فِسقِهِ من غير توبةٍ، بل
قيل: ليس في القرآن بيانُ حاله صريحاً، وقد اختلف في أمره، فجزم الماورديُّ بأنَّ
المشهور أنه يُؤتى كتابه بيمينه، ثم حكى قولاً بالوقف، وقال: لا قائل بأنه يُؤْتاه
بشماله(٣). وقال يوسف بنُ عمر: اختلف في عصاة المؤمنين: فقيل: يأخذون
كتبَهم بأيمانهم، وقيل: بشمائلهم. واختلف الأوَّلون: فقيل: يأخذونها قبل الدخول
في النار، ويكون ذلك علامةً على عدم خلودهم فيها، وقيل: يأخذونها بعد الخروج
منها .
(١) البحر المحيط ٣٢٧/٨، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١ قراءة ((الخاطون))
لابن مسعود وابن عباس.
(٢) المستدرك ٢/ ٥٠١.
(٣) في هامش الأصل: حكاه اللقاني. اهـ منه.

سُوَّة المقلية
٤٠٤
الآية : ٣٧
ومن أهل العلم مَن توقَّف؛ لتعارض النصوص، ومَنْ حفظ حجَّةٌ على مَنْ لم
يحفظ، والمثبِتُ مقدَّم على النافي، ثم إنه ليس في هذه الآيات تصريحٌ بقراءة
العبد كتابَه، والواردُ في ذلك مختلِف، والذي يجمعُ الآيات والأحاديث - على
ما قال اللَّقاني - أنَّ من الآخذين مَنْ لم يقرأ كتابَه؛ لاشتماله على المخازي
والقبائح، والجرائم والفضائح، فيأخذه بسبب ذلك الدَّهش والرُّعب، حتى لا يميِّز
شيئاً كالكافر، ومنهم مَنْ يقرؤه بنفسه، ومنهم من يدعو أهلَ حاضرِه لقراءته إعجاباً
بما فيه.
وظواهرُ النصوص أنَّ القراءة حقيقيةٌ، وقيل: مجازيةٌ عبَّر بها عن العلم، وليس
بشيء. ولفظُ الحسن: يقرأُ كلُّ إنسان كتابَه أُمّيّاً كان أو غير أميٍّ.
وظواهرُ الآثار أنَّ الحسنات تُكتب متميّزةً من السيئات، فقيل: إن سيِّئات
المؤمن أولُ كتابه، وآخرُه: هذه ذنوبُك قد سترتُها وغفرتُها، وإنَّ حسنات الكافر
أولُ كتابه، وآخرُه: هذه حسناتُك قد رَدَدْتُها عليكَ وما قبلتُها .
وقيل: يقرأُ المؤمنُ سيئات نفسه، ويقرأُ الناسُ حسناته حتى يقولوا: ما لهذا
العبد سيئةٌ، ويقول: مالي حسنةٌ.
وقيل: كلٌّ يقرأ حسناته وسيئاته، وأولُ سطرٍ من كتاب المؤمن أبيضُ، فإذا قرأه
ابيضَّ وجهُه، والكافرُ على ضدِّ ذلك.
وظواهرُ الآيات والأحاديثِ عدمُ اختصاص إيتاءِ الكتب بهذه الأمة، وإن تردّد
فيه بعضُ العلماء؛ لِمَا في بعضها مما يُشعر بالاختصاص؛ ففي حديثٍ رواه أحمدُ
عن أبي الدرداء أنه عليه الصلاة والسلام قال - وقد قال له رجل: كيف تعرفُ أُمَّتَكَ
من بين الأمم فيما بين نوح عليه السلام إلى أُمَّتك يا رسول الله؟ -: ((هم غرّ
محجَّلون من أثر الوضوء، ليس أحدٌ كذلك غيرُهم، وأعرفُهم أنهم يُؤْتَون كتبَهم
بأيمانهم)) الحديث(١). وقد تقدَّم فتذگَّر.
(١) المسند (٢١٧٣٧)، وموضع الشاهد منه ضعيف، وانظر تمام الكلام عنه في حاشية المسند.

الآية : ٣٨ - ٣٩
٤٠٥
سُورَةُ الدڤلة
والحقُّ أن الجنَّ في هذه الأمور حكمُهم حكمُ الإنس على ما بحثَه القرطبيُّ(١)
وصرَّح به غیرُه. نعم الأنبياءُ والملائكةُ عليهم الصلاة والسلام لا يأخذون كتاباً، بل
إنَّ السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ - ومنهم أبو بكر ﴿ته - لا يأخذون
أيضاً كتاباً، وأولُ مَنْ يُؤْتى كتابه بيمينه وله شعاعٌ كشعاع الشمس عمرُ بنُ
الخطَّاب ﴿ه، كما في الحديث(٢)، وبعدَه أبو سَلَمة بنُ عبد الأسد، وأولُ من
يأخذ كتابَه بشماله أخوه الأسودُ بنُ عبد الأسد(٣) الذي مرَّ ذِكْره غیرَ بعيد.
والآثارُ في كيفية وصول الكتب إلى أيدي أصحابها مختلفةٌ؛ فقد ورَدَ أنَّ الريح
تُطَيِّرُها من خزانةٍ تحت العرش، فلا تُخطئُ صحيفةٌ عنقَ صاحبها، ووَرَدَ أنَّ كلَّ
أحدٍ يُدْعى فيُعطى كتابَه، وُجُمِعَ بأَخْذِ الملائكة عليهم السلام إيَّاها من أعناقهم،
ووضعِهِم لها في أيديهم، والله تعالى أعلم، وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلب من
محلّه.
٢٥﴾ قد تقدَّم الكلامُ في ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ
وَمَا لَا نَبْصِرُونَ
٣٨
﴿فَلَّ أُقِْمُ بِمَا نُصِرُونَ
بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
و((ما تبصرون وما لا تبصرون)) المشاهداتُ والمغيَّاتُ، وإليه يرجع قولُ قتادة:
هو عامٌّ في جميع مخلوقاته عزَّ وجل. وقال عطاءٌ: ما تبصرون من آثار القدرة،
وما لا تبصرون من أسرار القدرة. وقيل: الأجسامُ والأرواح. وقيل:
الدنيا والآخرة. وقيل: الإنسُ والجنُّ والملائكة. وقيل: الخَلْق والخالق. وقيل:
النِّعَم الظاهرةُ والباطنة. والأولُ شاملٌ لجميع ما ذُكر.
(١) في الجامع لأحكام القرآن ٢٣٠/١٩، والتذكرة ٢٦٦/١ -٢٦٧.
(٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٢٠٢/١١، وفيه عمر بن إبراهيم الكردي، قال عنه
الخطيب: يروي المناكير عن الأثبات.
(٣) أخرج ذلك الطبراني في الأوائل (٨٢)، وابن أبي عاصم في الأوائل (٨٢) عن ابن
عباس ﴿ها مرفوعاً، غير أنه من طريق حبيب بن زريق كاتب مالك، عن ابن أخي الزهري،
وقد قال عنه أبو حاتم - كما في الجرح والتعديل ٣/ ١٠٠ -: متروك الحديث، روى عن ابن
أخي الزهري أحاديث موضوعة.
وقد تحرف: عبد الأسد، في الأصل و(م) إلى: عبد الأشد.

سُورَّةُ الدِّقلم
٤٠٦
الآية : ٤٠ - ٤١
وسببُ النزول - على ما قال مقاتل - أنَّ الوليد قال: إنَّ محمداً - وَهِ - ساحرٌ،
وقال أبو جهل: شاعرٌ، وقال عتبةُ: كاهن، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه:
﴿فَلَّ أُغْيِمُ﴾ إلخ.
﴿إِنَُّ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ يُبَلِّغه عن الله تعالى؛ فإن الرسول لا يقول عن
﴾ على الله عزَّ وجل، وهو النبيُّ نَّه في قول الأكثرين، وقال ابنُ
نفسه ﴿كَرِيمٍ (
السائب ومقاتل وابنُ قتيبة (١): هو جبريلُ عليه السلام.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا هُوَ يِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ إلخ، قيل: دليلٌ لما قاله الأكثرون؛ لأن
المعنى على إثبات أنه عليه الصلاة والسلام رسولٌ، لا شاعرٌ ولاكاهن، كما يُشعر
بذلك سببُ النزول، وتوضيحُ ذلك أنهم ما كانوا يقولون في جبريل عليه السلام:
إنه كذا وكذا، وإنما كانوا يقولونه في النبيِّ ◌َ ، فلو أُريد بـ ((رسول كريم)) جبريلُ
عليه السلام لفاتَ التقابُلُ، ولم يَحسُنِ العطفُ، كما تقول: إنه لقولُ عالم، وما هو
بقول جاهل. ولو قلت: وما هو بقول شجاع، نُسبتَ إلى ما تكره.
وتعقّبه بعضُ الأئمّة بأن هذا صحيحٌ إن سلِّم أنَّ المعنى على إثبات رسولٍ
لا شاعر، ويكون قولُه تعالى: ((إنه لقولُ رسولٍ)» لا قول شاعر إثباتاً للرسالة على
طريق الكناية، أما إذا جُعل المقصودُ من السياق إثباتُ حقِّيَّة المنزل، وأنه من الله
عزَّ وجل، فإنه تذكرةٌ لهؤلاء، وحسرةٌ لمقابليهم، وهو في نفسه صدقٌ ويقين لا يحومُ
حولَه شكٌّ، كما يدلُّ عليه ما بعدُ، فللقول الثاني أيضاً موقعٌ حسنٌّ، وكأنَّه قيل: إن
هذا القرآن لَقَولُ جبريل الرسول الكريم، وما هو من تلقاء محمدٍ بَ﴿ كما تزعمون
وتدَّعون أنه شاعرٌ وكاهن، ويكون قد نفى عنه وَّ الشعرَ والكهانة على سبيل
الإدماج. انتهى. وهو تحقيقٌ حسن.
أي: تُصدِّقون تصديقاً قليلاً، على أن ((قليلاً)) صفةٌ
﴿قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ﴾
للمفعول المطلق لـ ((تؤمنون))، و((ما)) مزيدةٌ للتأكيد، والقلَّة بمعناها الظاهر؛ لأنهم
لظهور صِدْقِه وَِّ لزِمَ تصديقُهم له عليه الصلاة والسلام في الجملة، وإن أظهروا
(١) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٨٤.

الآية : ٤١
٤٠٧
سُورَةُ الدّقلية
خلافَه عناداً، وأَبَوه تمرُّداً بألسنتهم، وحمَلَ الزمخشريُّ(١) القلّةَ على العدم والنفي،
أي: لا تؤمنون ألبَّةَ، ولا كلامَ فيه سوى أنه دون الأول في الظهور.
وقال أبو حيَّان(٢) لا يُراد بـ ((قليلاً)) هنا النفيُ المحضُ كما زعم، فذلك
لا يكون إلا في أقلَّ، نحو: أقلّ رجل يقول كذا إلا زيد، وفي قلَّ، نحو: قلَّ
رجلٌ يقول كذا إلا زيد، وقد يكون في قليل وقليلة إذا كانا مرفوعين، نحو
ما جَوَّزوا في قوله:
أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوق بلدةٍ قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها(٣)
أما إذا كان منصوباً، نحو: قليلاً ضربت، أو: قليلاً ما ضربت، على أن تكون
((ما)) مصدرية، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه في قليلاً ضربت، منصوبٌ بضربت، ولم
تستعمل العربُ قليلاً إذا انتصَبَ بالفعل نفياً، بل مقابلاً للكثير، وأمَّا في قليلاً
ما ضربت، على أن تكون ((ما)) مصدرية، فيحتاج إلى رفع قليل؛ لأنَّ ((ما))
المصدرية في موضع رفعٍ على الابتداء. اهـ.
وأنتَ تعلمُ أنَّ مثل ذلك لا يُسمع على مثل الزمخشري بغير دليل؛ فإنَّ الظاهر
أنه ما قال ما قال إلا عن وقوف، وهو فارسُ ميدان العربية.
وجُوِّز کونُه صفةً لزمانٍ محذوف، أي: زماناً قليلاً تؤمنون، وذلك ــ على
ما قيل - إذا سُئلوا: مَنْ خَلَقَهم؟ أو: مَنْ خَلَقَ السماوات والأرض؟ فإنهم يقولون
حينئذٍ: الله تعالى.
(١) في الكشاف ٤/ ١٥٤ .
(٢) في البحر المحيط ٣٢٨/٨.
(٣) البيت لذي الرمَّة، وهو في ديوانه ٢/ ١٠٠٤.
وقوله: أُنيخت، أي: أُبركت، والبلدة الأولى: الصدر، والثانية: الأرض، وبغام الناقة:
صوت لا تفصح به. والمعنى أن الناقة أُبركت، فألقت صدرها على الأرض في بلدة قليل
بها الأصوات غير صوت الناقة، أما صوتها فكثير.
وقليل، بالجرِّ: صفة سببية للبلدة الثانية، ويجوز رفعه على أنه خبر الأصوات، والجملة
صفة. خزانة الأدب ٤١٩/٣ -٤٢٠.

الدقلة
٤٠٨
الآية : ٤٢
وقال ابنُ عطية (١): نصب ((قليلاً)) بفعلٍ مضمرٍ يدلُّ عليه ((تؤمنون))، ويحتمِلُ أن
تكون ((ما)) نافيةً، فينتفي إيمانهم ألبثّة، ويحتمِلُ أن تكون مصدريةً، وما يتَّصفُ
بالقلَّة هو الإيمانُ اللغويُّ، وقد صدَّقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئاً، ككون
الصِّلة والعفاف اللذين كانا يأمُرُ بهما عليه الصلاة والسلام حقّاً وصواباً. اهـ.
وتُعقِّب بأنه لا يصحُّ نصبُ ((قليلاً)) بفعل مضمرٍ دالٌ عليه ((تؤمنون))؛ لأنه إما أن
تكون ((ما)) المقدَّرةُ معه نافيةً، فالفعلُ المنفيُّ بـ ((ما)) لا يجوز حذفُه، وكذا حذفُ
(ما))، فلا يجوز: زيداً ما أضربُه، على تقدير: ما أضربُ زيداً ما أضربُه، وإن
كانت مصدريةً كانت إما في موضع رفع على الفاعلية بـ ((قليلاً))، أي: قليلاً
إيمانُكم، ويَرِدُ عليه لزومُ عملِهِ من غير تقدُّم ما يعتمد عليه، ونصبُه ولا ناصب له،
وإمَّا في موضع رفعٍ على الابتداء، ويَرِدُ عليه لزومُ كونه مبتدأ بلا خبرٍ؛ لأن ما قبلَه
منصوبٌ لا مرفوع، فتأمل.
وقرأ ابنُ كثير، وابنُ عامر وأبو عَمرو بخلافٍ عنهما، والحسنُ، والجَحْدريُّ:
(يؤمنون)) بالياء التحتية على الالتفات(٢).
﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاِنٍ﴾ كما تدَّعون مرَّةً أخرى.
، أي: تذكّرون تذكُّراً قليلاً، فلذلك يلتبسُ الأمر عليكم.
﴿قَلِلًا مَّا نَذَكَّرُونَ
وتمامُ الكلام فيه إعراباً كالكلام فيما قبلَه، وكذا القراءةُ.
وذكر الإيمانَ مع نفي الشاعريَّة، والتذكُّرَ مع نفي الكاهنيَّة؛ قيل: لِمَا أنَّ عدمَ
مشابهة القرآن الشعرَ أمرٌ بَيِّنٌ لا ينكرُه إلا معاندٌ، فلا عذر لمدَّعيها في ترك
الإيمان، وهو أكفرُ من حمار(٣)، بخلاف مُبَايَنَته للكَهانة؛ فإنها تتوقَّفُ على تذكُّر
(١) في المحرر الوجيز ٣٦٢/٥.
(٢) الاختلاف على ابن عامر إنما هو من رواية ابن ذكوان عنه، فقد روي عن ابن ذكوان القراءة
بالوجهين، وأما أبو عمرو فالصحيح المشهور عنه كالجماعة. وانظر التفصيل في التيسير
ص٢١٤، والنشر ٣٩٠/٢.
وقراءة أبي عمرو والحسن والجحدري ذكرها أبو حيان في البحر ٣٢٩/٨.
(٣) حمار: رجل من عاد يقال له: حمار بن مويلع، كان مسلماً، وكان له واد طويل لم يكن

الآية : ٤٣ - ٤٥
٤٠٩
سُورَةُ الدّقلة
أحواله وَلخير، ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة، ومعاني أقوالهم.
وتُعقِّب بأن ذلك أيضاً مما يتوقَّف على تأمُّل قطعاً.
وأُجيب بأنه يكفي في الغرض الفرقُ بينهما أنَّ توُّف الأول دون توقُّف الثاني.
﴿نَزِيلٌ﴾ أي: هو تنزيلٌ ﴿مِن رَّبِّ الْعَلِينَ ﴾﴾ نزَله سبحانه على لسان جبريل
عليه السلام.
وقرأ أبو السَّمَّال: ((تنزيلاً) بالنصب(١)، بتقدير: نزَّله تنزيلاً.
﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ
التقوُّل: الافتراءُ، وسُمِّي تقوُّلاً لأنه قولٌ
٤٤
متكلَّف، والأقاويلُ: الأقوالُ المفتراة، وهي جمعُ قولٍ على غير القياس، أو جمعُ
أقوالٍ، فهو جمع الجمع، كالأناعيم جمع أنعام، وأبابيت جمع أبيات.
وفي ((الكشاف))(٢): سمَّى الأقوال المتقوَّةَ ((أقاويل)) تصغيراً لها وتحقيراً،
كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمعُ أفعولة من القول.
وتعقّبه ابنُّ المنيِّر (٣) بأن أفعولة من القول غريبٌ عن القياس التصريفيِّ.
وأُجيب بأنه غيرُ واردٍ؛ لأن مرادَه أنه جمعٌ لمفردٍ غيرِ مستعمل؛ لأنه لا وجهَ
لاختصاصه بالافتراء غيرَ ما ذُكر.
والأحسنُ أن يُقال بمنع اختصاصه وضعاً، وأنه جمعٌ على ما سمعتَ، والتحقيرُ
جاء من السِّياق، والمرادُ: لو ادَّعى علينا شيئاً لم نقله ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾ أي:
لأمسكناه. وقولُه تعالى: ﴿يَلْيَمِينِ ﴾﴾ - أي: بيمينه - بيانٌ بعد الإبهام، كما في
قوله سبحانه ﴿أَلَّمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
= ببلاد العرب أخصب منه، فخرج بنوه يتصيَّدون، فأصابتهم صاعقة، فهلكوا، فكفر وقال:
لا أعبد من فعل هذا ببنيَّ، ودعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، فأهلكه الله تعالى،
وأخرب واديه، فضربت به العربُ المثلَ في الكفر. مجمع الأمثال ١٦٨/٢.
(١) الكشاف ١٥٤/٤، والبحر ٣٢٩/٨.
(٢) ٤ / ١٥٥.
(٣) الانتصاف ٤/ ١٥٥.

سُورَةُ الدُّقلة
٤١٠
الآية : ٤٦ - ٤٧
، أي: وَتِينَه، وهو - كما قال ابنُ عباس - نِيَاطُ القلب
ثُمَّ ◌َقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ
13
الذي إذا انقطَعَ مات صاحبُه. وعن مجاهد أنه الحبلُ الذي في الظّهر، وهو
النّخاع. وقال الكلبيُّ: هو عِرْقٌ بين العِلْباء - وهي عصبُ العنق - والخُلقوم.
وقيل: عِرْقٌ غليظُ تصادفُه شفرةُ الناحر، ومنه قولُ الشمَّاخ بن ضرار:
إذا بلَّغتِني وحملتٍ رَحْلي عَرَابةَ فاشرَقِي بدمِ الوَتِينِ(١)
وهذا تصويرٌ للإهلاك بأفظع ما يفعلُه الملوكُ بمن يغضبون عليه، وهو أنْ يأخذ
القَّالُ بيمينه، ويَكْفَحَه بالسيف(٢)، ويضرب عنقَه.
وعن الحسن أن المعنى: لقطعنا يمينَه، ثم لقطعنا وَتِينَه عبرةً ونكالاً. والباءُ
عليه زائدةٌ. وعن ابن عباس أن ((اليمين)) بمعنى القوَّة، والمرادُ أَخْذُه بعنفٍ وشدّة.
وضُعِّف بأن فيه ارتكابَ مجازٍ من غير فائدة، وأنه يفوتُ فيه التصويرُ والتفصيل
والإجمال، ويصيرُ ((منه)) زائداً لا فائدةَ فيه.
وقرأ ذكوانُ، وابنُه محمد: ((ولو يقولُ)) مضارع قال، وقُرئ: ((ولو تُقُوِّل)) مبنيّاً
للمفعول(٣)، فنائبُ الفاعل ((بعض)) إن كان قد قُرئ مرفوعاً، وإن كان قد قُرئ
منصوباً فهو ((علينا)).
﴿فَمَا مِنكُ﴾ أيُّها الناس ﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنّهُ﴾ أي: عن هذا الفعل، وهو القتل
﴿حَجِينَ ﴾﴾ أي: مانعين، يعني فما يمنع أحدٌ عن قتله. واستُظهر عودُ ضمير
((عنه)) لمن عاد عليه ضميرُ ((تقوَّل))، والمعنى: فما يحول أحدٌ بيننا وبينه.
والظاهر في ((حاجزين)) أن يكون خبراً لـ ((ما)) على لغة الحجازيِّين؛ لأنه هو
(١) الكامل للمبرد ١٦٧/١، وعرابةُ هو ابن أوس بن قَيْظي الأنصاري، والمعنى: أنه إذا
أوصلته الناقة إلى عرابة فلا يحتاج أن يرحل إلى غيره، لأنه سيغنيه بالعطاء. ينظر خزانة
الأدب ٣٨/٣-٣٩.
(٢) يعني يواجهه بالسيف، والقَتَّال هو المباشر للقتل، وكون هذا فيه تصوير فظيع للإهلاك؛ لأن
الآخذ باليمين يقتله بعد مواجهته بالسيف، ونظرُه له أشدُّ عقوبة، ومَن يَضْرِب عنقَه من غير
مواجهةٍ يأخذه من يساره. حاشية الشهاب ٢٤١/٨.
(٣) البحر المحيط ٣٢٩/٨.

الآية : ٤٨ - ٥١
٤١١
سُورَةُ الٌقلة
محطّ الفائدة، و((من)) زائدةٌ، و((أحد)) اسمُها، و((منكم))؛ قيل: في موضعِ الحال
منه؛ لأنه لو تأخّر لكان صفةً له، فلما تقدَّم أُعرب حالاً كما هو الشائع في نعتٍ
النكرة إذا تقدَّم عليها، ونُظر في ذلك، وقيل: للبيان، أو متعلِّقٌ بـ ((حاجزين))،
كما تقول: ما فيك زيدٌ راغباً. ولا يمنع هذا الفصل من انتصاب خبر ((ما)).
وقال الحوفيُّ وغيرُه: إن ((حاجزين)) نعتٌ لـ ((أحد))، وجُمع على المعنى لأنه في
معنى الجماعة يقع في النفي العامِّ للواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، ومنه: ﴿لَا
تُفَِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: ٢٨٥] و﴿لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]
فـ ((أحد)) مبتدأ، والخبر ((منكم)). وضُعِّف هذا القولُ بأن النفيَ يتسلَّط على الخبر،
وهو كينونتُه منكم، فلا يتسلَّط على الحَجْز مع أنه الحقيقُ بتسلُّطه عليه.
۵﴾ لأنهم المنتفعون به.
﴿وَإِنَُّ﴾ أي: القرآن ﴿لَنَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُر ◌ُكَذِّبِينَ(
فنجازيهم على تكذيبهم. وقيل: الخطابُ
٤٩
للمسلمين، والمعنى: إن منهم ناساً سيكفرون بالقرآن.
عند مشاهدتهم لثواب
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَحَسْرَةُ﴾ عظيمةٌ ﴿عَ الْكَفِرِينَ
المؤمنين به .
وقال مقاتل: وإن تكذيبَهم بالقرآن لحسرةٌ عليهم، فأعاد الضميرَ للمصدر
المفهوم من قوله تعالى: ((مكذبين))، والأولُ أظھرُ.
﴿وَإِنُّ﴾ أي: القرآن ﴿لَحَقُّ أَلْيَقِينِ ﴾﴾ أي: لليقين حقّ اليقين، والمعنى: لعينُ
اليقين، فهو على نحو: عينُ الشيء ونفسُه، والإضافةُ بمعنى اللام على ما صرَّح به
في ((الكشف))، وجُوِّز أن تكون الإضافةُ فيه على معنى ((مِن)) أي: الحقّ الثابت من
اليقين، وقد تقدم في ((الواقعة)) ما ينفعكُ هنا، فتذَّره.
وذكر بعضُ الصوفية - قُدِّست أسرارُهم - أن أعلى مراتب العلم حقُّ اليقين،
ودونه عينُ اليقين، ودونَه علمُ اليقين، فالأولُ كعلم العاقل بالموت إذا ذاقَه،
والثاني كعلمه به عند معاينة ملائكته عليهم السلام، والثالثُ كعلمه به في سائر
أوقاته. وتمامُ الكلام في ذلك يُطلب من كتبهم.

الآية : ٥٢
٤١٢
سُورَةُ المقلية
أي: فسبِّح الله تعالى بِذكْر اسمِهِ العظيم تنزيهاً له
﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ (®
٥٢
عن الرِّضا بالتقوُّل عليه، وشكراً على ما أوحى إليك من هذا القرآن الجليل الشأن.
وقد مرَّ نحوُ هذا في ((الواقعة)) أيضاً، فارجع إليه إن أردت، والله تعالى الموفق.

٠٠
سُورَةُ المَعَتِهِ
وتسمَّى: سورة الواقع(١)، وسورة سأل.
وهي مكية بالاتفاق على ما قال القرطبيُّ(٢). وفي ((مجمع البيان))(٣): عند
الحسن إلَّا قولَه تعالى: ﴿وَلَّذِينَ فِىَ أَوَلِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الآية: ٢٤].
وأيُّها ثلاث وأربعون في الشامي، واثنتان وأربعون في غيره(٤).
وهي كالتتمة لسورة ((الحاقة)) في بقيَّة وصف القيامة والنار، وقد قال ابن
عباس: إنَّها نزلت عقيب سورة ((الحاقة)).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿َسَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾﴾ أي: دعا داعٍ به، فالسؤال بمعنى الدعاء، ولذا
عدِّي بالباء تعديته بها في قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ﴾ [الدخان: ٥٥]
والمراد: استدعاء العذاب وطلبه، وليس من التضمين في شيء. وقيل: الفعل
(١) في الأصل و(م): المواقع، والمثبت من السبعة في القراءات ص ٦٥٠، والإتقان ١٧٦/١.
(٢) في تفسيره ٢١٨/٢١ .
(٣) ٢٩/ ٥٠.
(٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: والمختلف فيه آية: ((ألف سنة)). انتهى منه. وقد جاء في
البيان في عدّ أي القرآن للداني ص٢٥٤، ومجمع البيان ٥٠/٢٩، والإتقان ٢١٦/١،
وحاشية الشهاب ٢٤١/٨ أن عدد آياتها ثلاث وأربعون أو أربع وأربعون. وذكر أبو الليث
السمرقندي والواحدي والبغوي والزمخشري والقرطبي والإمام الرازي والبيضاوي وأبو حيان
وأبو السعود في تفاسيرهم أنها أربع وأربعون، فقول المصنف اثنان وأربعون، لعله وهم منه
رحمه الله .

الآية : ١
٤١٤
سُورَةُ المُعَذِهِ
مضمَّن معنى الاهتمام والاعتناء، أو هو مجازٌ عن ذلك، فلذا عدِّي بالباء. وقيل:
إنَّ الباء زائدة. وقيل: إنَّها بمعنى: ((عن))، كما في قوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾
[الفرقان: ٥٩].
والسائل هو النضر بن الحارث كما روى النسائيُّ وجماعةٌ وصحَّحه الحاكم عن
ابن عباس(١)، ورُوي ذلك عن ابن جُريج والسُّدي والجمهور، حيثُ قال إنكاراً
واستهزاءً: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ
أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَكِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
وقيل: هو أبو جهل، حيثُ قال: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧].
وقيل: هو الحارث بن النعمان الفِهْري، وذلك أنَّه لمّا بلغه قولُ رسول الله وَله
في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((من كنت مولاه فعليٍّ مولاه))، قال: اللهمَّ إن كان
ما يقول محمد وَله حقّاً، فأمطر علينا حجارةً من السماء. فما لبث حتى رماه الله
تعالى بحجرٍ، فوقعَ على دماغه فخرج من أسفله فهلك من ساعته(٢). وأنت تعلم أنَّ
ذلك القولَ منه عليه الصلاة والسلام في أمير المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه كان في
غدير خُمّ، وذلك في أواخر سنيٍّ الهجرة، فلا يكون ما نزل مكيّاً على المشهور في
تفسيره، وقد سمعتَ ما قيل في مكية هذه السورة.
وقيل: هو الرسولُ وَّ﴿ استعجلَ عذابَهم. وقيل: هو نوح عليه السلام سأل
عذابَ قومه.
وقرأ نافع وابن عامر: ((سال)) - بألف، كقال ـ ((سايل)) بياء بعد الألف(٣)،
(١) الدر المنثور ٢٦٣/٦، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٦)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٢
وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري. وجاء
في مطبوع المستدرك موقوفاً على سعيد بن جبير، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٣
وعزاه لهما ولغیرهما من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبرسي في مجمع البيان ٥٣/٢٩-٥٤ وفي إسناده انقطاع، وانظر كلام المصنف
الآتي. وقول النبي ◌َّر: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) سلف ٣٦/٧.
(٣) قراء ((سال)) بالألف في السبعة ص٦٥٠، والتيسير ص٢١٤، والنشر ٣٩٠/٢. قال في
السبعة: وكلهم قرأ: ((سائل)) بالهمزة بلا خلاف. اهـ. وقال ابن الجزري في النشر: وانفرد

الآية : ١
٤١٥
سُورَةُ المَعَلِةْ
فقيل: يجوز أن يكون قد أُبدلت همزةُ الفعل ألفاً؛ وهو بدلٌ على غير قياس،
وإنَّما قياس هذا بين بين، ويجوز أن يكون على لغة مَنْ قال: سِلْتُ أسَالُ. حكاها
سيبويه(١). وفي ((الكشاف))(٢): هو من السؤال، وهو لغة قريش يقولون: سِلْتَ
تسَال، وهما يتسايلان. وأراد أنَّه من السؤال المهموز معنًى لا اشتقاقاً بدليل:
وهما يتسايلان. وفيه دلالةٌ على أنَّه أجوف يائيٌّ، وليس من تخفيف الهمزة في
شيء. وقيل: السُّوال: بالواو الصريحة مع ضمِّ السين وكسرها، وقولُه: يتسايلان.
صوابُه: يتساولان، فتكون ألفُه منقلبةً عن واو كما في: قال وخاف، وهو الذي
ذهب إليه أبو علي في ((الحجة))(٣) وذكر فيها أنَّ أبا عثمان حكى عن أبي زيد أنَّه
سمع من العرب من يقول: هما يتساولان. ثمَّ إنَّ في دعوى كون: سِلْت تسال لغةً
قريش تردُّداً، والظاهر خلاف ذلك، وأنشدوا لورود: سال، قولَ حسان يهجو
هُذَيلاً لمَّا سألوا النبيَّ وَّر أن يبيح لهم الزنى:
سالَتْ هذيلٌ رسولَ الله فاحشةً ضلَّتْ هذيلٌ بما قالت ولم تُصِب(٤)
وقولَ آخر:
قلَّ مالي قد جئتماني بنُكْر(٥)
سالتاني الظَّلاقَ أن رأتاني
وجوِّز أن يكون سال من السيلان، وأُيِّد بقراءة ابن عباس: ((سَال سَيْل))(٦) فقد
النهرواني عن الأصبهاني عن ورش بتسهيل ((سائل)) بين بين هذا الموضع خاصة، وكذا رواه
الخزاعي عن ابن فليح عن ابن كثير وسائر الرواة عن الأصبهاني وعن ورش خلافه.
(١) في الكتاب ٣/ ٥٥٥ .
(٢) ٤ / ١٥٦.
(٣) ٣١٧/٦.
(٤) ديوان حسان ص١٢٣، والكتاب ٤٦٨/٣، وفيهما: بما جاءت، بدل: بما قالت، وذكره
المبرد في الكامل ٦٢٦/٢ برواية: بما سالت.
(٥) يروى البيت - في عدة أبيات - لزيد بن عمرو بن نُفيل، ولابنه سعيد بن زيد، ولنُبيه بن
الحجاج، ينظر الخزانة ٤١٥/٦. والبيت في الكتاب ٣/ ٥٥٥، والبيان والتبيين ٢٣٥/١،
والخزانة ٦/ ٤١٠، ورواية البيان، والخزانة:
سالتاني الطلاق أن رأتا ما لي قليلاً.
(٦) القراءات الشاذة ص١٦١، والمحتسب ٣٣٠/٢.

سُورَة المعدة
٤١٦
الآية : ٢ - ٣
قال ابن جني(١): السيل هاهنا: الماء السائل، وأصلُه المصدر من قولك: سال
الماء سيلاً، إلَّا أنَّه أُوقع على الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُ غَوْرَا﴾
[الملك: ٣٠] أي: غائراً. وقد تسومح في التعبير عن ذلك بالوادي فقيل: المعنى:
اندفع وادٍ بعذاب واقع.
والتعبيرُ بالماضي قيل: للدلالة على تحقّق وقوع العذاب، إمّا في الدنيا وهو
عذاب يوم بدر وقد قُتل يومئذٍ النضرُ وأبو جهل، وإمَّا في الآخرة وهو عذابُ النار.
وعن زيد بن ثابت أنَّ سائلاً اسمُ وادٍ في جهنم. وأخرج ابن المنذر وعبد بن
حميد عن ابن عباس(٢) ما يحتمله.
﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((عذاب))، أي: كائن للكافرين، أو صلةٌ لـ ((واقع))
واللَّام للتعليل، أو بمعنى: ((على))، ويؤيّده قراءةُ أُبيِّ: ((على الكافرين))(٣). وإن
صحَّ ما رُوي عن الحسن وقتادة: أنَّ أهل مكة لمَّا خوَّفهم النبيُّ وَّهِ بعذابٍ، سألوا
عنه: على مَنْ ينزل وبمن يقع؟ فنزلت، كان هذا ابتداءً كلام جواباً للسائل، أي:
هو للكافرین.
﴾ صفةٌ أخرى لـ ((عذاب))، أو حالٌ منه؛
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ, دَافِعٌ ـ
لتخصيصه بالصفة أو بالعمل، أو من الضمير في ((للكافرين)) على تقدير كونه صفةً
لعذاب، على ما قيل، أو استئناف، أو جملة مؤكّدةٌ لـ : هو للكافرين، على
ما سمعت آنفاً، فلا تَغْفُل.
وقوله سبحانه: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ متعلِّقٌ بـ ((دافع))، و((من)) ابتدائية، أي: ليس له دافعٌ
یردُّه من جهته عز وجل؛ لتعلَّق إرادته سبحانه به.
وقيل: متعلّقٌ بـ ((واقع))، فقيل: إنَّما يصحُّ على غير قول الحسن وقتادة، وعليه
يلزم الفصلُ بالأجنبي؛ لأنَّ(للكافرين)) على ذلك جوابُ سؤال، ثمَّ إنَّ التعلُّقَ
(١) في المحتسب ٣٣٠/٢.
(٢) عزاه لهما السيوطي في الدر المنثور ٢٦٤/٦.
(٣) البحر ٣٣٢/٨.

الآية : ٤
٤١٧
سُورَة العزة
بـ ((واقع)) - على ما عدا قولهما - إن جُعل (للكافرين)) من صلته أيضاً كان أظهرَ،
وإلَّا لزم الفصلُ بين المعمول وعامله بما ليس من تتمَّته، لكن ليس أجنبياً من كلِّ
وجهٍ .
، هي لغةً: الدرجات، والمراد بها على ما رُوي عن ابن
﴿ذِى الْمَعَارِج
عباس: السماوات تعرجُ فيها الملائكة من سماءٍ إلى سماء. ولم يعيّنها بعضُهم
فقال: أي: ذي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي.
وقيل: هي مقاماتٌ معنوية تكون فيها الأعمال والأذكار. أو: مراتبُ في
السلوك كذلك يترقَّى فيها المؤمنون السالكون. أو: مراتبُ الملائكة عليهم السلام.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة تفسيرها بالفضائل والنِّعم. وروى نحوَه ابنُ
المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس(١).
وقيل: هي الغُرف التي جعلها الله تعالى لأوليائه في الجنة. والأنسب بما يقتضيه
المقام من التهويل ما هو أدلُّ على عِزّه عز وجل وعِظَم ملكوته تعالى شأنه.
﴿َتَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي: جبريل عليه السلام كما ذهب إليه الجمهور، أُفرد
بالذكر لتميُّزه وفضله، بناءً على المشهور من أنَّه عليه السلام أفضلُ الملائكة.
وقيل: لمجرَّد التشريف، وإن لم يكن عليه السلام أفضلَهم بناءً على ما قيل من أنَّ
إسرافیل علیه السلام أفضلُ منه.
وقال مجاهد: ((الروح)) ملائكةٌ حَفَظةٌ للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم
الحَفَظةُ كما لا نرى نحن حَفَظتنا. وقيل: خَلْق هم حفظة الملائكة مطلقاً كما أنَّ
الملائكة حَفَظةُ الناس. وقيل: مَلَكٌ عظيم الخِلْقة، يقوم وحدَه يوم القيامة صفًّا
ويقوم الملائكة كلُّهم صفًّا. وقال أبو صالح: خَلْقٌ كهيئة الناس وليسوا بالناس.
وقال قبيصة بن ذؤيب: روح الميت حين تُقبض. ولعلَّه أراد: الميت المؤمن.
وقرأ عبد الله والكسائيُّ وابن مِقْسم وزائدة عن الأعمش: ((يعرج)) بالياء التحتية(٢).
(١) ينظر الدر المنثور للسيوطي ٢٦٤/٦.
(٢) التيسير ص٢١٤، والنشر ٣٩٠/٢ عن الكسائي، والكلام من البحر ٣٣٣/٨.

الآية : ٤
٤١٨
سُورَةُ المُعَذِهِ
﴿إِلَيْهِ﴾ قيل: أي: إلى عرشه تعالى وحيث يهبط منه أوامرُه سبحانه. وقيل: هو
من قبيل قول إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى
حيثُ أمرني عز وجل به. وقيل: المراد إلى محلِّ برِّه وكرامته جلَّ وعلا، على أنَّ
الكلام على حذف مضافٍ. وقيل: إلى المكان المنتهى إليه، الدالِّ عليه السياق.
وفُسِّر بمحلِّ الملائكة عليهم السلام من السماء.
ومعظم السلف يعدُّون ذلك من المتشابه مع تنزيهه عزَّ وجل عن المكان
والجسميّة واللوازم التي لا تليق بشأن الألوهية.
وقوله تعالى: ﴿فِ يَوْمٍ كَنَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ ﴾﴾ أي: من سنينكم،
الظاهرُ تعلُّقه بـ ((تعرج))، واليوم بمعنى الوقت، والمراد به: مقدار ما يقوم الناس فيه
لربِّ العالمين إلى أن يستقرَّ أهلُ الجنة في الجنة وأهلُ النار في النار من اليوم
الآخر والذي لا نهايةً له. ويشيرُ إلى هذا ما أخرج الإمام أحمد وابنُ حبان
وأبو يعلى وابن جرير والبيهقيُّ في ((البعث)) عن أبي سعيد الخدريِّ رُبه قال: سُئل
رسولُ اللهِ وَ﴿ عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما أطولَ هذا اليوم! فقال
عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده إنَّه لَيُخفَّفُ على المؤمن حتى يكونَ أهونَ
عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصلِّيها في الدنيا))(١).
واختلف في المراد بهذا التقدير على هذا الوجه:
فقيل: الإشارةُ إلى استطالة ذلك اليوم لشدَّته، لا أنَّه بهذا المقدار من العدد
حقيقةً. وُروي هذا عن ابن عباس. والعرب تصفُ أوقاتَ الشدَّة والحزن بالطول،
وأوقاتَ الرخاء والفرح بالقِصَر، ومن ذلك قول الشاعر:
مِن قِصَر اللَّيل إذا زُرْتِني أشكو وتَشْكِين من الُولِ (٢)
(١) الدر المنثور ٢٦٤/٦-٢٦٥، وأحمد (١١٧١٧)، وابن حبان (٧٣٣٤)، وأبو يعلى
(١٣٩٠)، وابن جرير ٢٥٣/٢٩-٢٥٤، والبيهقي (١٢٦) (الاستدراكات). وهو من طريق
درَّاج عن أبي الهيثم، ودراج قال عنه أحمد: أحاديثه مناكير. ولينه، كما ذكر الذهبي في
الميزان ٢٤/٢، وذكر له هذا الحديث، غير أن الحافظ حسِّن إسناده في الفتح ٤٤٨/١١.
(٢) البيت دون نسبة في نفحة الريحانة ٤/ ١٧٧ .

الآية : ٤
٤١٩
سُوَّةُ المُعَذِهِ
وقوله :
بالُول والطّوْل یا طوبى لو اعتدلا
ليلي وليلَی نفَى نومي اختلافُهما
بالطّوْل ليلَى وإن جادَتْ به بخلَا(١)
يجودُ بالُول ليلي كلَّما بخلتْ
وقوله :
دمُ الزِّقِّ عنَّا واصطفاقُ المزاهرِ(٢)
ويومٍ كظلِّ الرمح قصَّر طوله
إلى ما لا يكاد يحصى. وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر السابق: ((إنَّه
لَيُخفَّف على المؤمن حتى يكونَ أهونَ عليه من صلاة مكتوبةٍ)) إشارةٌ إلى هذا. وكذا
ما رُوي عن عبد الله بن عمرو من قوله: يُوضع للمؤمنين يومئذٍ کراسيُّ من ذهب،
ويظلّل عليهم الغمام ويقصر عليهم ذلك اليوم ويهون حتى يكون كيوم من أيامكم
هذه(٣). ولينظر على هذا القول ما حكمة التنصيص على العدد المذكور.
وقيل: هو على ظاهره وحقيقته وأنَّ في ذلك اليوم خمسين موطناً، كلُّ موطن
ألفُ سنة من سني الدنيا، أي: حقيقةً.
وقيل: الخمسون على حقيقتها إلَّا أنَّ المعنى: مقدارُ ما يُقضى فيه من
الحساب قَدْرُ ما يقضى بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا، وهو مرويٌّ
عن عكرمة.
وأشار بعضهم إلى أنَّ المقدارَ المذكور عليه مجازٌ عمَّا يلزمه من كثرة ما يقع فيه
(١) البيتان دون نسبة في معاهد التنصيص ٢٦٦/١، والكشكول ٣٨٤/٢، ورواية الشطر الثاني
في البيت الأول في معاهد التنصيص: حتى لقد صيّراني في الهوى مثلاً .
(٢) نسبه في الشعر والشعراء ١/ ٢٨٤ لبعض الضَّبِّيين، ونسبه صاحب الحماسة كما شرح ديوان
الحماسة للمرزوقي ١٢٦٩/٣ لشُبرمة بن الطفيل، ونسبه في الحيوان ١٧٩/٦، والصحاح
(صفق)، وجمهرة الأمثال ١٩/٢ ليزيد بن الطَّثْرية. قال في اللسان (صفق) بعد أن ذكر
البيت: قال ابن بري: نسب الجوهريُّ هذا البيتَ ليزيد بن الطَّثْرية، وصوابه: لشُبرمة بن
الطفيل. اهـ. وأراد بدم الزق: الخمر. ورواية الحماسة:
ويومٍ شديد الحرِّ قَصَّرَ طولَه دمُّ الزِّقِّ عنا واصطكاكُ المزاهرِ
(٣) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٦٥/٦.

الآية : ٤
٤٢٠
سُورَة العَاةِ
من المحاسبات، أو كناية، فكأنَّه قيل: في يوم يكثر فيه الحساب ويطول بحيثُ لو
وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طالَ إلى خمسين ألف سنة.
وتخصيصُ عروج الملائكة والروح بذلك اليوم مع أنَّ عروجَهم متحقِّقٌ في غيره
أيضاً للإشارة إلى عِظَم هولِه وانقطاع الخَلْق فيه إلى الله عز وجل وانتظارِهم أمرَه
سبحانه فيهم، أو للإشارة إلى عِظَم الهول على وجه آخر.
وأيًّاما كان فالجملة استئنافٌ مؤكِّدٌ لما سيق له الكلام.
وقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((واقع)). وقيل: بـ ((دافع)). وقيل: بـ ((سال))، إذا جُعل من
السيلان، لا به من السؤال؛ لأنَّه لم يقع فيه. والمراد باليوم على هذه الأقوال:
ما أُريد به فيما سبق. و((تعرج الملائكة والروح إليه)) مستطرد عند وصفه عز وجل
بـ «ذي المعارج)).
وقيل: هو متعلِّقٌ بـ (تعرج)) كما هو الظاهر، إلّا أنَّ العروج في الدنيا،
والمعنى: تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى ويقطعون في يوم من أيامكم
ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فُرض سيرُه فيه. ورُوي عن ابن إسحاق
ومنذر بن سعيد ومجاهد وجماعة، وهو روايةٌ عن ابن عباس أيضاً .
واختلف في تحديد المسافة فقيل: هي من وجه الأرض إلى منتهى العرش.
وقيل: من قعر الأرض السابعة السفلى إلى العرش. وفصّل بأنَّ ثخن كلِّ أرض
خمس مئة عام، وبين كلِّ أرضَيْن خمسُ مئة عام، وبين الأرض العليا والسماء
الدنيا خمس مئة عام، وثخنُ كلِّ سماءٍ كذلك، وما بين كل سماءين كذلك، وما بين
السماء العليا ومقعر الكرسيِّ كذلك، ومجموعُ ذلك أربعةَ عشرَ ألف عام، ومن
مقعر الكرسيِّ إلى العرش مسيرةُ ستٍّ وثلاثين ألف عام، فالمجموع: خمسون ألف
سنة. وفي خبرٍ أخرجه ابن أبي حاتم(١) عن ابن عباس نحوُه، ولعلَّه لا يصحُّ، وإن
لم تبعُد هذه السرعة من الملائكة عليهم السلام عند مَنْ وقفَ على سرعة حركة
الأضواء، وعلم أنَّ الله عز وجل على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
(١) عزاه له السيوطي في الدر المنثور ٢٦٤/٦.