النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ١٣ ٣٤١ سُورَةُ القَلْ زنيمٌ تداعَتْه الرجالُ زيادةً كما زِيْدَ في عَرْض الأديمِ الأكارِعُ(١) وكذا جاء عن عكرمة، وأنشد: زنيمٌ ليس يُعرف مَنْ أبوه بَغِيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمِ (٢) من الزَّنَمَة بفتحات: وهي ما يتدلَّى من الجلد في حَلْق المعز، والفَلْقةُ من أذنه تُشَقُّ فتُترك معلّقةً، وإنما كان هذا أشدَّ المَعَايب لأن الغالب أنَّ النطفةَ إذا خبثت خبث الناشئُ منها، ومن ثَمَّ قالَِّ: ((فَرْخُ الزنى - أي: ولدُه ــ لا يدخل الجنة))(٣)، فهو محمولٌ على الغالب؛ فإنه في الغالب لِخَباثة نطفته يكون خبيثاً لا خيرَ فيه أصلاً، فلا يعمل عملاً يدخل به الجنة. وقال بعض الأجلَّة: هذا خارجٌ مخرَجَ التهديد والتعريض بالزاني، وحُمِلَ على أنه لا يدخل الجنةَ مع السابقين؛ الحديث الدارِميِّ عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((لا يدخل الجنةَ عاقٌّ، ولا ولدُ زَنْيةٍ، ولا منَّانٌ، ولا مدمنُ خمرٍ))(٤)؛ فإنه سُلِكَ في قرن العاقٌّ والمنَّان ومدمن الخمرِ، ولا ارتيابَ أنهم عند أهل السُّنة ليسوا من زمرةٍ مَنْ لا يدخل الجنة أبداً . وقيل: المرادُ أنه لا يدخلُ الجنةَ بعملٍ أبويه إذا ماتَ صغيراً، بل يدخُلُها بمحضٍ فضل الله تعالی ورحمته سبحانه، کأطفال الكفار عند الجمهور. وروى ابنُ جُبير عن ابن عباس أن الزَّنيم هو الذي يُعرف بالشرِّ كما تُعرف الشاةُ بالَّنمة. وفي رواية ابن أبي حاتم عنه: هو الرجل يمرُّ على القوم فيقولون: رجل سوْء(٥). والمآلُ واحد. وعنه أيضاً أنه المعروف بالأُبْنَة، ولا يخفى أنَّ المأبون (١) البيت ليس في ديوان حسان، وقد نسبه له المبرد في الكامل ١١٤٦/٣، والزمخشري في الكشاف ١٢٤/٤. والخبر أخرجه عن ابن عباس الطستيُّ كما في الدر المنثور ٢٥٢/٦، والسيوطي في الإتقان ٣٩٤/١، وورد البيت فيهما دون نسبة. (٢) البيت في تفسير الطبري ١٦٤/٢٣، وتفسير القرطبي ١٥٤/٢١. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٢٨٦/٣، وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٣٧) وقال: فيه مَن لا يعرف. (٤) مسند الدارمي (٢١٣٨)، وأخرجه كذلك أحمد (٦٨٩٢)، وإسناده ضعيف، إلا أن له شواهد تصححه دون قوله: ((ولا ولد زينة))، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. (٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/٦. سُوَدَّةُ القَلِْ ٣٤٢ الآية : ١٤ معدنُ الشرور، بل مَنْ لم يصل في ذلك الأمر الشنيع إلى تلك المرتبة كذلك في الأغلب، ولا حاجة إلى كثرة الاستشهاد في هذا الباب، وفي قول الشاعر الاكتفاءُ، وهو : ولَكَمْ بذلتُ لك المودَّةَ ناصحاً فغدوتَ تسلُكُ في الطريق الأعوجِ ولكم رجوتُكَ للجميل وفِعْلِهِ يوماً فناداني النُّهى لا تَرْتجٍ وأخرج ابنُ جرير وابن مَرْدويه عنه أنه قال: نزل على النبيِّ وَّهِ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّفٍ﴾ إلخ، فلم يُعرف حتى نزل عليه - عليه الصلاةُ والسلام -: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾﴾ فعرفناه، له زَنَمَةٌ في عنقه کزَنَمة الشاةَ(١). واستُشكل هذا بأنَّ الزَّنيم عليه ليس صفةَ ذٌّ، فضلاً عن كونه أعظمَ فيه من الصفات التي قبل ذلك على ما يُفيده ((بعد ذلك))، ولا يكاد يَحسُنُ تعليلُ النهي به. على أنَّ من المعلوم أَنْ ليس المرادُ بالموصوف بهذه الصفات شخصاً بعينه؛ لمكان ((كلّ))، ويُحمل ما جاء في الروايات من أنه الوليد بنُ المغيرة المخزوميُّ(٢)، وكان دَعِيّاً في قريش، ليس من سِنْخِهم (٣)، ادَّعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده، أو الحَكَم طريدُ رسولِ اللهَِّ، أو الأخنسُ بنُ شَريق، وكان أصلُه من ثقيف وعِدادُه في زُهْرة، أو الأسود بنُ عبد يغُوث، أو أبو جهل = على بيانِ سبب النزول. وقيل في ذلك: إن المرادَ ذَمُّه بقبح الخَلْق بعد ذَمِّه بما تقدَّم. وهو كما ترى، فتأمَّل فلعلَّك تظفّرُ بما يُريح البال، ويُزيح الإشكال. وقوله تعالى ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾﴾ بتقدير لام التعليل، متعلِّقٌ بقوله سبحانه: ((لا تطع))، أي: لا تطع مَنْ هذه مَثَالبُه؛ لأَنْ كان متموّلاً متقوّياً بالبنين. (١) الدر المنثور ٦/ ٢٥٢، وتفسير الطبري ١٦٦/٢٣. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: كان موسراً، له عشرة بنين، وكان يقول: من أسلم منكم منعته رفدي. اهـ منه وعزاه الزمخشري في الكشاف ٤/ ١٤٢ لابن عباس. (٣) السِّنْخ: الأصل. القاموس: (سنخ). وجاء في هامش الأصل ما نصه: قال مجاهد: كان له في كلِّ يد إبهام زائدة. اهـ منه. الآية : ١٥ ٣٤٣ سُورَّةُ القَلْ استئنافٌ جارٍ ١٥ وقولُه سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَلِينَ مجرى التعليل للنهي، وجُوِّز أن يكون لـ ((أَنْ)) متعلّقاً بنحو: كذَّبَ، ويدلُّ عليه الجملةُ الشرطية، ويُقدَّر مقدَّماً؛ دفعاً لتوهُّم الحصر؛ كأنه قيل: كذَّب لأنْ كان .. إلخ، والمرادُ أنه بَطِرَ نعمة الله تعالى، ولم يَعْرِفْ حقَّها، ولم يُجَوَّز تعلُّقُه بـ ((قال)) المذكور بعدُ؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبلَه، ولعلَّ من يقول باطراد التوسُّع في الظرف يُجوِّز ذلك، وكذا من يجعل ((إذا)) هنا ظرفيةً. وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: يجوز تعلُّقه بـ ((عتلِ))، وإن كان قد وُصف. وتعقّبه أبو حيان (١) بأنه قولٌ كوفي، ولا يجوز ذلك عند البصريين. وقيل: متعلِّق بـ ((زنيم))، ويحسُن ذلك إذا فُسِّر بقبيح الأفعال. وقرأ الحسن، وابنُ أبي إسحاق، وأبو جعفر، وأبو بكر، وحمزة، وابنُ عامر: ((أأن كان)) على الاستفهام، وحقَّق الهمزتين حمزةُ، وسهَّل الثانية باقيهم على ما في ((البحر))(٢). وقال بعضٌ: قرأ أبو بكر وحمزةُ بهمزتين، وابنُ عامر بهمزة ومدَّة. والمعنى: أكذَّب بها لأنْ كان ذا مال، أو: أتطيعه لأنْ كان .. إلخ. وقرأ نافعٌ في رواية اليزيديِّ عنه: ((إن كان)) بالكسر (٣) على أنَّ شرطَ الغنى في النهي عن الطاعة كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد(٤)؛ لأن(٥) النهي في غير ذلك يُعلم بالطريق الأَولى، فيثبُتُ بدلالة النصِّ، والشرط والعلَّة في مثله ممَّا (١) البحر المحيط ٣١٠/٨. (٢) ٣١٠/٨، وكذلك حقَّق الهمزتين أبو بكر ويعقوب في رواية روح، وفصل بينهما بألف مع تسهيل الثانية أبو جعفر وهشام (راوية ابن عامر)، وبالتسهيل من غير فصل قرأ رويس وابن ذكوان. ينظر التيسير ص٢١٣، والنشر ٣٦٧/١، والبدور الزاهرة ص٣٢٥. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٩، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٢٩/٨. (٤) يعني أن شرط الغنى في النهي عن الطاعة ليس لتقييد النهي به كما أن النهي عن الوأد في قوله تعالى ﴿وَلَا نَّقْتُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] غير مقيد بذلك. حاشية الشهاب ٢٢٩/٨، والكلام منه. (٥) في الأصل و(م): بمعنى، بدل: لأن، والمثبت من حاشية الشهاب. سُوَرَّةُ القَآتْ ٣٤٤ الآية : ١٦ لا مفهوم له. أو على أنَّ الشرط للمخاطب، وحاصلُ المعنى: لا تطع كلَّ حلافٍ .. إلخ شارطاً يَسَارَهُ(١)؛ لأنَّ إطاعةَ الكافر لغناه بمنزلة اشتراط غناه في الطاعة، وفيه تنزيلُ المخاطب منزلةَ مَنْ شَرَطَ ذلك وحقَّقه؛ زيادةً للإلهاب والثبات، وتعريضاً بمن يحسِبُ الغنى مكرمةً. والظاهر أن الجملة الشرطيةَ بعدُ استئناف، وقيل: هذا مما اجتمع فيه شرطان، وليسا من الشروط المترتِّبة الوقوع، فالمتأخِّرُ لفظاً هو المتقدِّم، والمتقدِّم لفظاً هو شرط في الثاني، فهو كقوله: فإن عثرتُ بعدَها إِنْ وأَلَتْ نفسي مِنْ هاتا فقولا لا لَعَا (٢) وقرأ الحسن: ((أئذ))(٣) على الاستفهام، وهو استفهامُ تقريعٍ وتوبيخٍ على قوله: أساطير الأولين. ﴿مَنَسِمُهُ﴾ سنجعل له سِمَةً وعلامةٌ ﴿عَلَى الْمُومِ ﴾﴾ أي: على الأنف، وهو من بابٍ إطلاق مشفر على شفةٍ غليظة الإنسان؛ كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، وعبَّر بذلك عن غاية الإذلال؛ لأن السِّمة على الوجه شَيْنٌ، حتى إنه وَه نهى عنه في الحيوانات، ولعن فاعلَه(٤)، فكيف على أكرمٍ موضعٍ منه وهو الأنف؛ لتقدُّمه. وقد قيل: الجمال في الأنف، وعليه قولُ بعض الأدباء: وحسنُ الفتى في الأنف والأنفُ عاطل فكيف إذا ما الخالُ كان له حَلْيا(٥) وجعلوه مكان العزَّة والحميَّة، واشتقوا منه الأَنَفَة، وقالوا: الأنف في الأنف، (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: فلا يرد أن الجملة الشرطية لا تقع حالاً. اهـ منه. (٢) البيت لابن دريد، وهو في مقصورته بشرح ابن هشام اللخمي ص١٦٧. وقوله: وألت: أي: نجت وخلصت، وهاتا بمعنى هذه، ولعاً كلمة تقال عند العثرة، أو يدعى بها للعاثر، ومعناها الانجبار والارتفاع، و: لا لعاً، نفي للدعاء. (٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص١٥٩ - ١٦٠، والبحر ٣١١/٨. (٤) سلف ٣١٤/٤. (٥) البحر ٣١١/٨. الآية : ١٦ ٣٤٥ سُورَةُ القَلْ وحمى أنفَه، وفلانٌ شامخُ العِرْنِين(١)، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورَغِم أنفُه، ومنه قولُ جرير : لمَّا وضعتُ على الفرزدق مِيْسَمي وعلى البَعيثِ جَدَعتُ أنفَ الأخطل (٢) وفي لفظ ((الخرطوم)) استهانةٌ؛ لأنه لا يُستعمل إلا في الفيل والخنزير، ففي التعبير عن الأنف بهذا الاسم ترشيحٌ لِمَا دِلَّ عليه الوَسْمُ على العضو المخصوص من الإذلال، والمرادُ: سنهينُه في الدنيا ونذلُّه غايةَ الإذلال. وكونُ الوعيد المذكور في الدنيا هو المرويُّ عن قتادة، وذهب إليه جمعٌ، إلا أنهم قالوا: المعنى: سنفعل به في الدنيا من الذمِّ، والمَقْتِ، والاشتهار بالشرِّ، ما يبقى فيه ولا يخفى، فيكونُ ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيِّناً، كما تقول: سأطوِّقُكَ طوقَ الحمامة، أي: أُثبتُ لك الأمر بيِّناً فيك، وزاد ذلك حُسْناً ذِكْر الخرطوم. انتهى. وبينه وبين ما تقدَّم فرقٌ لا يخفى. وقال بعضٌ: هو في الآخرة، ومن القائلين بأنَّ هذا وعيدٌ بأمرٍ يكونُ فيها مَنْ قال: هو تعذيبٌ بنار على أنفه في جهنّم، وحُكي ذلك عن المبرّد. وقال آخرون منهم: يُوسَمُ يوم القيامة على أنفه بِسِمَة يُعرف بها كفرُه وانحطاطُ قدرِهِ. وقال أبو العالية ومُقاتل - واختاره الفرَّاء(٣) -: المراد: يُسوَّد وجهُهُ يوم القيامة قبل دخول النار، وذُكر ((الخرطوم)) - والمرادُ الوجه - مجازاً. ومن القائلين بأنه يكون في الدنيا مَنْ قال: هو وعيدٌ بما أصابَه يومَ بدرٍ؛ فإنه خُطم فيه بالسيف، فبقيت سِمَة على خرطومه، ورُوي هذا عن ابن عباس. والمعروفُ في كتب السِّيَر والأحاديث أنَّ أبا جهلٍ قُتل يوم بدر، والباقين ما عدا (١) العرنين: أول الأنف حيث يكون الشمم، وهو تحت مجتمع الحاجبين. مختار الصحاح: (عرن). (٢) البيت في ديوان جرير ٢/ ٩٤٠ بشرح ابن حبيب، وروايته: وضغا البعيث. والبعيث: هو خداش بن بشر الشاعر، نشب الهجاء بينه وبين جرير والفرزدق، وسقط البعيث. خزانة الأدب ١٨٨/٢ و٢٧٩ . (٣) معاني القرآن ٣/ ١٧٤. سُوَّةُ القَلْ ٣٤٦ الآية : ١٧ الحَكَم ماتوا قبلَه، فلم يُسَم أحدٌ منهم بذلك الوَسْم، وكذا الحَكَم لم يُعلم أنه وُسِمَ بذلك، وإن كان لم يمت قبل. وعن النضر بن شُمَيل أن الخرطوم الخمر، وأنشد: تظلُّ يومَكَ في لهوٍ وفي لعبٍ وأنتَ بالليل شَرَّابُ الخَراطيم(١) وأن المعنى: سَنَحُدُّه على شُرْبها. وتُعقِّب بأنه تنفيه الرواية بأنَّ أولئك الكَفَرةَ هَلَكوا قبل تحريم الخمر ما عدا الحَكَم، وهو لم يثبت أنه خُدَّ، على أنهم لم يكونوا ملتزمي الأحكام، والدرايةُ أيضاً؛ لتعقيد اللفظ، وفواتٍ فخامة المعنى. ﴿إِنَّا بَهُمْ﴾ أي: أصبنا أهلَ مكة ببليَّةٍ، وهي القحطُ، بدعوة رسول الله وَّل، وقولِهِ: ((اللهمَّ اشدُدْ وطأتَكَ على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسِني يوسف))(٢). ﴿كَمَا بَكَوّنَا﴾ أي: مثل ما بلونا، فالكافُ في محلِّ نصبٍ صفةٍ مصدرٍ مقدٍَّ، و((ما)) مصدريةٌ، وقيل: بمعنى ((الذي))، أي: كالبلاء الذي بلوناه ﴿أَمْحَبَ لْنَّةِ﴾ المعروفِ خيرُها عندهم، كانت بأرض اليمن بالقرب منهم، قريباً من صنعاء، لرجلٍ كان يؤدِّي حقَّ الله تعالى منها، فمات، فصارت إلى ولده، فمنعوا الناسَ خيرَها، وبخلوا بحقِّ الله تعالى منها، فكان ما ذَكَره الله تعالى، وكانت - على ما أخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن ابن جُبير - بأرضٍ في اليمن يقال لها: ضَرَوان(٣)، بينها وبين صنعاء سنَّةُ أميال. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس: هم ناسٌ من الحبشة، كانت لأبيهم جنَّةٌ، وكان يُطعم منها المساكين، فمات، فقال بنوه: إنْ كان أبونا لَأَحمق حين يُطعم المساكين، فأقسموا على أن لا يُطعموا منها مسكيناً (٤). (١) البيت للأعرج المَعْنيّ كما في البحر ٣٠٥/٨، وأورده القرطبي ١٥٩/٢١ من غير نسبة. (٢) سلف ١٨/ ١٠٨. (٣) في الأصل و(م): صوران، والمثبت من الدر المنثور ٢٥٣/٦، وتفسير عبد الرزاق ٣٠٩/٢، وتفسير الطبري ١٧٥/٢٣، والخراج ليحيى بن آدم (٤٢٦)، وينظر معجم البلدان ٤٥٦/٣، ومعجم ما استعجم ٨٥٩/٣. (٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/٦. الآية : ١٨ ٣٤٧ سُوَّةُ القَلْ وأخرج عَبْد بنُ حُميد عن قتادة أنه قال: كانت لشيخ من بني إسرائيل، وكان يُمسك قوتَ سَنَته ويتصدَّق بالفضل، وكان بنوه ينهونَه عن الصدقة، فلما مات أقسموا على منع المساكين(١). وفي رواية: أنها كانت لرجلٍ صالحٍ على فَرْسَخَين من صنعاء، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المِنْجَل، وما في أسفل الأكداس، وما أخطأه القِطاف من العنب، وما بقي على البساط تحت النخلة إذا صُرِمت، فكان يجتمعُ لهم شيء كثيرٌ، فلما مات قال بنوه: إنْ فعلنا ما كان يفعلُ أبونا ضاقَ علينا الأمر، ونحن أُولو عِيال، فحلفوا لَيَصْرِمُنَّها وقتَ الصباح خفيةً عن المساكين، كما قال عزَّ وجل. ﴿وَإِذْ أَقْتَمُواْ﴾ معمول لـ ((بَلَونا)): ﴿يَصْرِمُنَهَا﴾ ليقطعُنَّ من ثمارها بعد استوائها ﴿مُصْبِينَ (٣)﴾ داخلين في الصباح. وهذا حكايةٌ لقَسَمهم لا على منطوقهم، وإلا لقيل: لنصرمُّنَّها، بنون المتكلِّمين، وكلا الأمرين جائزٌ في مثله. قيل: أي: ولا يقولون: إن شاء الله تعالى، وتسميتُه استثناءً ﴿وَلَا يَسْتَغُْنَ مع أنه شرطٌ من حيث إن مؤدَّاه مؤدَّى الاستثناء؛ فإنَّ قولك: لأخرجنَّ إن شاء الله تعالى، و: لا أخرجُ إلا أَنْ يشاء الله تعالى، بمعنى واحدٍ. وقال الإمام(٢): أصلُ الاستثناء من الثَّني: وهو الكفُّ والردُّ، وفي التقييد بالشرط ردٌّ لانعقاد ذلك اليمين، فإطلاقُه عليه حقيقة. وقيل: أي: ولا يثنون عمَّا همُّوا به من منع المساكين. والظاهر على القولين عطفُه على ((أقسموا))، فمقتضى الظاهر: وما استثنَوا، وكأنه إنمَّا عدَلَ عنه إليه استحضاراً للصورة؛ لما فيها من نوع غرابةٍ؛ لأن اللائقَ في الحلف على ما يلزمُ منه تركُ طاعة الاستثناءُ. وفي ((الكشف)): هو حالٌ، أي: غيرَ مستثنين، وفي العُدول إلى المضارع نوعُ تعبيرٍ وتنبيهٍ على مكان خطئهم، وفيه رمزٌ إلى ما ذكرنا. (١) الدر ٦/ ٢٥٣، وأخرجه عبد الرزاق ٣٠٩/٢. (٢) تفسير الرازي ٨٨/٣٠. سُؤَدَّةُ القَآتُ ٣٤٨ الآية : ١٩ - ٢٠ وقيل: المعنى: ولا يستثنون حصَّة المساكين كما كان يُخرِج أبوهم. وعليه هو معطوفٌ على قوله تعالى: ((ليصرمُنَّها))، ومُقْسَمٌ عليه، أو على قوله سبحانه: ((مصبحين)) الحال، وهو معنّى لا غبارَ عليه. ﴿وَطَافَ عَهَا﴾ أي: أحاطَ نازلاً على الجنة ﴿لَآَيِفٌ﴾ أي: بلاءٌ محيطٌ، فهو صفةٌ المحذوفٍ، وقولُ قتادة: ((طائف)) أي: عذابٌ، بيانٌ لحاصل المعنى، ونحوُه قولُ ابن عباس أي: أمرٌ، وعن الفرَّاء(١) تخصيصُ الطائف بالأمر الذي يأتي بالليل، وكان ذلك - على ما قال ابن جُرَيج - عُنقاً من نار خرج من وادي جنَّتهم(٢). وقيل: الطائفُ هو جبريل عليه السلام، اقتلَعَها وطاف بها حول البلد، ثم وضعَها قربَ مكة حيث مدينة الطائف اليوم، ولذلك سُمِّيت بالطائف، وليس في أرض الحجاز بلدةٌ فيها الماءُ والشجر والأعناب غيرُها. ولا يصحُّ هذا عندي، كالقول بأن الطائف المدينةَ المذكورةَ كانت بالشام، فنقَلَها الله تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه السلام، وكذا القول بأنها طافت على الماء في الطوفان. ولو قيل: كلُّ ذلك على ظاهره حديثُ خُرافة، لا يعدُّ حديثَ خُرافة. وقرأ النخَعيُّ: ((طيف))(٣). في موضع الحال، ﴿مِن رَّيِّكَ﴾ مبتدئٌّ من جهته عزَّ وجلَّ ﴿وَهُزْ نَآَيِمُونَ والمراد: أتاها ليلاً، كما روي عن قتادة. وقيل: المراد: وهم غافلون غفلةً تامَّة عمَّا جرت به المقاديرُ. والأولُ أظهر من جهة السِّباق واللحاق. كالبستان الذي صُرمت ثمارُه بحيث لم يبقَ فيها شيء، ﴿فَصْبَحَتْ كَلْضَرِ ففعيل بمعنى مفعول. وقال ابنُ عباس: كالرَّماد الأسود، وهو بهذا المعنى لغةُ خُزَيمة. وعنه أيضاً: ((الصريم)) رَمْلةٌ باليمن معروفةٌ لا تنبت شيئاً. وقال مُؤَرِّج: (١) معاني القرآن ١٧٥/٣ . (٢) أورد كلام ابن جريج القرطبي في تفسيره ١٦٣/٢١، والسيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/٦، وجاء فيهما: من وادي جهنم. وقوله: عنقاً من نار، أي: قطعة من نار. اللسان: (عنق). (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٠، والبحر المحيط ٣١٢/٨. الآية : ٢١ - ٢٢ ٣٤٩ سُوَرَّةُ القَلْيِ كالرملة انصرَمَتْ من معظم الرَّمل وهي لا تنبت شيئاً ينفع(١). وقال منذرٌ والفرَّاء وجماعةٌ: ((الصريم)): الليل، والمراد: أصبحت محترقةً تُشبه الليلَ في السواد. وقال الثوريُّ: كالصبح من حيث ابيضَّت كالزَّرع المحصود. وقال بعضهم: يُسمَّى كلٌّ من الليل والنهار صريماً؛ لا نصرام كلٍّ عن صاحبه، وانقطاعه عنه. لقَسَمهم السابق: ﴿أَنِ أُغْدُواْ﴾ أي: ﴿فَادَوَا﴾ نادى بعضُهم بعضاً ﴿مُضِْينَ ®) أي اخرجوا، على أنَّ ((أنْ)) تفسيرية، و((اغدوا)) بمعنى اخرجوا، أو: بأن اغدوا، على أنَّ ((أنْ)) مصدرية، وقبلها حرفُ جرِّ مقدَّر، وهي يجوز أن تُوصَلَ بالأمر على الأصحِّ. ﴾ أي: قاصدين للصَّرْم وقطعٍ ٢٣ ﴿عَلَى حَرَيْكُمْ﴾ أي: بستانكم ﴿إِن كُمْ صَرِمِنَ الثمار فاغدوا. وقيل: يحتمل أن يكون المراد: إن كنتم أهلَ عزمٍ وإقدام على رأيكم، من قولهم: سيفٌ صارمٌ. وليس بذاك. وظاهرُ كلام جارِ الله(٢) أنَّ غدا بمعنى بكَّر، يتعدَّى بـ ((إلى))، وعُدِّي هاهنا بـ ((على)؛ لتضمين الغدوِّ معنى الإقبال، كما في قولهم: يُغدى عليه بالجَفْنة ويُراح، أي: فأقبلوا على حرثكم باکرین. ويجوز أن يكون من غدا عليه: إذا غار، بأن يكون قد شبّه غدوّهم لقطع الثمار بغدوِّ الجيش على شيء؛ لأن معنى الاستعلاء والاستيلاء موجودٌ فيه، وهو الصَّرْمُ والقَطْع، ويكون هناك استعارة تبعية، وجوِّز أن تعتبر الاستعارةُ تمثيلية، وقال أبو حيان(٣): الذي في حفظي أن غدا يتعدَّى بـ ((على))، كما في قوله: وقد أغدو على ثُبَةٍ كرامٍ نَشاوَى واجِدِين لما نَشاءُ(٤) (١) أورده عن مؤرج القرطبي ١٦٥/٢١، وأبو حيان في البحر المحيط ٣١٢/٨، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري: ((الصريم)) كل رملة انصرمت من معظم الرمل. (٢) الكشاف ٤/ ١٤٤ . (٣) البحر المحيط ٣١٢/٨. (٤) البيت لزهير، وهو في ديوانه ص٧٢. والثبة: الجماعة من الناس، ونشاوى، أي: سكارى. اللسان: (ثوب) و(نشا). '۔۔ سُوَدَّةُ القَلْ ٣٥٠ الآية : ٢٣ - ٢٥ وكذا: بَكَرَ، مرادفُه، كما في قوله : فُعوداً لديه بالصَّريم عَوازِلُه(١) بَكَرتُ عليهم غُدوةً فرأيتُه ﴿فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ (٣)﴾ أي: يتشاورون فيما بينهم بطريقِ المُخافَتَة، وخَفَى بفتح الفاء، وخَفَتَ، وخَفَدَ، ثلاثتُها في معنى الكتم، ومنه الخُفْدُود للخفاش، والخَفُود للناقة التي تُلقي ولدَها قبل أن يستبين خَلْقُه . ((أن)) مفسِّرةٌ لما في ٢٤ ﴿أَنْ لَّا يَدْخُلَّهَاَ اليَوْمَ﴾ أي: الجنة ﴿عَّكُمْ مِسْكِينٌ التخافت من معنى القول، أو مصدريةٌ، والتقدير: بأنْ، ويؤيِّد الأولَ قراءةُ عبد الله وابن أبي عَبْلة بإسقاطها، وعليه قيل: هو بتقدير القول، وقيل: العامل فيه (تخافتون))؛ لتضمُّنه معنى القول، وهو المذهب الكوفي فيه وفي أمثاله. وأيّاً ما كان فالمرادُ بنهي المسكين عن الدخول المبالغةُ في النهي عن تمكينه منه، كقولهم: لا أرينَّك هاهنا . ﴿وَغَدَوَاْ عَلَى حَرٍّ﴾ أي: منع، كما قال أبو عُبيدة(٢) وغيره، من قولهم: حارَدَت الإبلُ: إذا قلَّت ألبانُها، وحاردت السَّنَة: قلَّ مطرُها وخيرُها . والجارُّ متعلّق بقوله تعالى: ﴿قَدِرِينَ قُدِّم للحصر، ورعاية الفواصل، أي: ٢٥ وغدوا قادرين على منع لا غير. والمعنى: أنهم عزموا على منع المساكين، وطلبوا حرمانَهم ونكدهم وهم قادرون على نفعهم، فَغَدَوا بحالٍ لا يقدرون فيها إلا على المنع والحِرْمان، وذلك أنهم طلبوا حرمانَ المساكين، فتعجَّلوا الحرمان. أو غدوا على محاردة جنَّتهم وذهاب خيرِها بدَل كونهم قادرين على إصابة خيرِها ومنافعها، أي: غدوا حاصلين على حرمان أنفسهم مكانَ كونهم قادرين على الانتفاع. والحصرُ على الأول حقيقيٍّ، وعلى هذا إضافيٌّ بالنسبة إلى انتفاعهم من جنتهم، والحرمانُ علیه خاصٌّ بهم. وُجُوِّز أن يكون ((على حرد)) متعلِّقاً بـ ((غدوا))، والمراد بالحَرد: حَرد الجنة، (١) البيت لزهير كذلك، وهو في ديوانه ص ١٤٠، وفيه: بكرت عليه، وكذلك جاء في البحر. (٢) مجاز القرآن ٢٦٥/٢. وانظر رد ابن جرير عليه في تفسيره ١٧٩/٢٣. الآية : ٢٥ ٣٥١ سُوَرَّةُ القَآي جيءَ به مشاكلةً للحَرْث، كأنه لما قالوا: اغدوا على حَرْئكم، وقد خبثت نيَّتهم، عاقَبَهم الله تعالى بأن حارَدَت جنَّتهم، وحُرِموا خيرَها، فلم يغدوا على حرث، وإنما غَدَوا على حَرْد، و((قادرين)) من عكس الكلام؛ للتهكّم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصِّرام وحرمان المساكين. وقيل: الحَرْد: الحَرَد بفتح الراء، وقد قُرئ به(١)، وهو بمعنى الغيظ والغضب كما قال أبو نَصْر أحمد بنُ حاتم صاحبُ الأصمعي، وأنشد: إذا چِيادُ الخيل جاءت تَرْدِي مملوءةٌ من غضب وحَرْرٍ(٢) أي: لم يقدروا إلا على إغضاب بعضهم لبعض كقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠]، ورُوي هذا عن سفيان والسُّدي، والحصرُ حقيقيٍّ ادِّعائيٌّ أو إضافي. وقيل: بمعنى القَصْد والسرعة، وأنشد: يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهُ(٣) أقبَلَ سَيْلٌ جاء من أمر اللَّهْ أي: غَدَوا قاصدين إلى جنَّتهم بسرعة، قادرين عند أنفسهم على صِرامها، ورُوي هذا عن ابن عباس، فـ ((على حرد)) ظرفٌ مستقرٌّ حال من ضمير ((غدوا))، و ((قادرين)) حالٌ أيضاً، إلا أنها حالٌ مقدَّرة على ما قيل، وقيل: حال حقيقيةٌ بناءً على القيد بعند أنفسهم، وإنما قيِّد به لأن ثمارَ جنتهم هالكةٌ، فلا قدرةَ لهم على صرامها وقد فنيت. وقال الأزهريُّ: ((حرد)): اسمُ قريتهم(٤). وفي رواية عن السُّديِّ: اسمُ جَّتهم. ولا أظنُّ ذلك مراداً . (١) القراءات الشاذة ص ١٦٠. (٢) نسب لقبيصة بن النصراني في حماسة أبي تمام ص٦٩، وللأعرج المَعْنيّ، في اللسان والتاج (حرد)، وأورده أبو حيان في البحر ٣٠٥/٨ من غير نسبة. (٣) الرجز في مجاز القرآن ٢٦٦/٢، والبحر ٣٠٥/٨ دون نسبة. وقال السيوطي في المزهر ١٨١/١-١٨٢ بعد أن ذكر نسبته لحنظلة بن مطيح: ويقال: إنه مصنوع، صنعه قطرب بن المستنير. (٤) أورد الأزهري ٤/ ٤١٤ عدة أقوال في تفسير الآية، ثم قال: وروي في بعض كتب التفسير أن قریتھم کان اسمها : حرد. سُؤَّةُ القَآْ ٣٥٢ الآية : ٢٦ - ٢٩ وقيل: الحرد: الانفرادُ، يقال: حَرَد عن قومه: إذا تنَّى عنهم ونزل منفرداً، وكوكبٌ حرود: معتزلٌ عن الكواكب(١). والمعنى: وغدوا إلى جنَّتهم منفردين عن المساكين، ليس أحدٌ منهم معهم، قادرين على صِرامها. وهو من باب التهكُّم. وقيل: ((قادرين)) على هذا القول، من التقدير بمعنى التضييق، أي: مضيِّقين على المساكين إذ حَرَموهم ما كان أبوهم يُنيلهم منها، وهو حالٌ مقدَّرة. طريقَ جَّنا، وما هي ﴿َا رَأَوْهَا﴾ أولَ ما وقع نظرُهم عليها ﴿قَالُواْ إِنَّا لَعَلُونَ بها، قاله قتادةُ. وقيل: لضالُّون عن الصواب في غدوِّنا على نيَّة منع المساكين. وليس بذاك. قالوه بعدما تأمّلوا ووقَفُوا على حقيقة الأمر، مُضْرِبين عن ﴿بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ قولهم الأول، أي: لسنا ضالِّين، بل نحن محرومون، حُرِمنا خيرَها بجنايتنا على أنفسنا . ﴿قَالَ أَوْسَطُمْ﴾ أي: أحسنُهم، وأرجَحُهم عقلاً ورأياً، أو أوسطُهم سنّاً: ﴿أَلَرَ أَقُل لَكُ لَوْلَا تُسَبِحُونَ ﴾﴾ أي: لولا تذكُرون الله تعالى وتتوبون إليه من خُبْث نيَّتكم، وقد كان قال لهم حين عزَموا على ذلك: اذكروا الله تعالى وتوبوا إليه عن هذه النية الخبيثة من فَوْرِكم، وسارعوا إلى حَسْم شرِّها قبل حلول النِّقمة، فعَصَوه، فعيرَّهم. ويدلُّ على هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَلُواْ سُبْحَنَ رَيْناً إِنَّا كُنَّا ◌َلِينَ (بَ لأنَّ التسبيح ذِكْرٌ لله تعالى، و((إنا كنّا)) إلخ ندامةٌ واعترافٌ بالذنب، فهو توبةٌ. والظاهر أنهم إنما تكلَّموا بما كان يدعوهم إلى التكلُّم به على أثر مقارَفَة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة. وقيل: المرادُ بالتسبيح الاستثناءُ؛ لالتقائهما في معنى التعظيم الله عزَّ وجلَّ؛ لأن الاستثناءَ تفويضٌ إليه سبحانه، والتسبيحُ تنزيهٌ له تعالى، وكلُّ واحدٍ من التفويض والتنزيه تعظيمٌ، فكأنَّه قيل: ألم أقل لكم: لولا تستثنون؟ أي: تقولون: (١) البحر ٣٠٥/٨. الآية : ٣٠ ٣٥٣ سُورَةُ القَآمْ إن شاء الله تعالى. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن السُّديِّ، وابنُ المنذر عن ابن جُرَيج(١)، وحكاه في ((البحر))(٢) عن مجاهد وأبي صالح أنهما قالا: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيحَ، كما نقول نحن: إن شاء الله تعالى. وجعله بعضُ الحنفية استثناءً اليوم، فعنده لو قال لزوجته: أنت طالقٌ سبحان الله، لا تطلُق، ونُسب إلى الإمام ابن الهُمام، وادُّعي أنه قاله في فتاويه(٣)، ووُجِّه بأنَّ المرادَ بسبحان الله فيما ذُكر: أُنزِّه الله عزَّ وجل من أن يخلق البغيضَ إليه، وهو الطلاقُ، فإنه قد ورد: ((أبغضُ الحلال إلى الله تعالى الطلاق)) (٤)، وأنكر بعضُ المتأخّرين نسبته إلى ذلك الإمام المتقدِّم، ونَفَى أن يكون له فتاوى(٥)، واعترض التوجيه المذکور بما اعترض، وهو لعمري أدنی من أن يُعترض عليه. وأنا أقول: أولى منه قولُ النَّاس في توجيه جعل التسبيح موضعَ الاستثناء: إنَّ المعنى تنزيه الله تعالى أن يكون شيءٌ إلا بمشيئته. وقد يقال: لعلَّ مَنْ قال ذلك بنى الأمرَ على صحّة ما رُوي، وأنَّ شَرْعَ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا إذا قصَّه الله تعالى ورسولُهُ وَِّ علينا من غير نكير، وهذا على عِلَّاته أحسنُ مما قيل في توجيهه کما لا يخفى. وقيل: المعنى: لولا تستغفرون. ووجه التجوُّز يُعلم مما تقدَّم. ( يلومُ بعضُهم بعضاً، فإن منهم - على ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ ( ما قيل - مَنْ أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكّتَ راضياً به، ومنهم من أنكره، ولا يأبى ذلك إسنادُ الأفعال فيما سبَقَ إلى جميعهم؛ لما عُلم في غير موضع. (١) كما في الدر ٦/ ٢٥٤. (٢) البحر المحيط ٣١٣/٨. (٣) الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٣٧١/٣ مع حاشية ابن عابدين. (٤) سلف ٣/ ٢٩٣. (٥) ينظر حاشية ابن عابدين ٣٧١/٣. سُورَةُ القَآتِ ٣٥٤ الآية : ٣١ - ٣٣ متجاوزين حدودَ الله تعالى ﴿عَى رَبَّا أَنْ يُبْدِلَنَا﴾ ﴿قَالُواْ يَوَيِّنْآَ إِنَّا كُنَّا ◌َيِينَ أي: يعطينا بدلاً منها ببركة التوبة والاعترافِ بالخطيئة ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي: من تلك الجنَّة ﴿إِنَّا إِلَى رَبِنَا﴾ لا إلى غيره سبحانه ﴿رَغِبُونَ راجون العفوَ، طالبون الخيرَ، و((إلى)) لانتهاء الرغبةِ، أو لتضمُّنها معنى الرجوع. وعن مجاهد أنهم تابوا، فأُبدلوا خيراً منها. ورُوي أنهم تعاقدوا وقالوا: إن أبدَلَنا الله تعالى خيراً منها لنصنعنَّ كما صنع أبونا، فدعوا الله عزَّ وجل وتضرَّعوا إليه سبحانه، فأبدَلَهم الله تعالى مِنْ ليلتهم ما هو خيرٌ منها. وقال ابنُ مسعود: بلغني أنَّ القومَ دعوا الله تعالى وأخلصوا، وعلمَ الله تعالى منهم الصِّدقَ، فَأَبدَلَهم بها جنةً يقال لها: الحَيَوان، فيها عنبٌ يُحمل على البغل منها عنقودٌ. وقال أبو خالد اليماني: رأيتُ تلك الجنةَ، وكلُّ عنقودٍ منها كالرجل الأسود القائم. واستظهر أبو حيَّان(١) أنهم كانوا مؤمنين أصابوا معصيةً وتابوا، وحَكَى عن بعض أنهم كانوا من أهل الكتاب، وعن القُشَيري أن المعظمَ يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. وتوقَّف الحسنُ في إيمانهم، فقال: لا أدري أكان قولهم: ((إنا إلى ربنا راغبون)» إيماناً، أو على حدِّ ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشِّدةُ؟ وسُئل قتادة عنهم: أَهُم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال للسائل: لقد كلَّفتني تعباً . وقرأ نافعٌ وأبو عَمرِو: ((يبدِّلنا)» مشدّداً(٢). ﴿كَذَلِكَ الْعَدَارِ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر مقدَّم؛ لإفادة القَصْر، و((أل)) للعهد، أي: مِثْلُ ذلك العذابِ الذي بَلَونا به أهل مكة من الجَدْب الشديد، وأصحابَ الجنة مما قُصَّ، عذاب الدنيا . (١) البحر المحيط ٣١٣/٨. (٢) التيسير ص ١٤٥، والنشر ٢/ ٣١٤ وكذلك قرأ بالتشديد أبو جعفر المدني من العشرة. الآية : ٣٤ - ٣٥ ٣٥٥ سُوَّةُ القَلْ والكلام؛ قيل: واردٌ تحذيراً لهم، كأنه لمَّا نهاه سبحانه عن طاعة الكفّار، وخاصَّة رؤساءهم، ذَكَر عزَّ وجلَّ أن تمرُّدَهم لِمَا أُوتوه من المال والبنين، وعقّب جلَّ وعلا بأنهما إذا لم يُشَكَر (١) المنعِمُ عليهما يؤول حالُ صاحبهما إلى حال أصحاب الجنة مدمجاً فيه أنَّ خُبْثَ النية والزّويَ عن المساكين إذا أفضى بهم إلى ما ذُكر، فمعاندةُ الحقِّ تعالى بعنادٍ مَنْ هو على خُلُقه وأشرف الموجودات، وقطعُ رَحِمِه، أَولى بأن يُقضي بأهل مكة إلى البَوار. وقولُه تعالى: ﴿وَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ﴾ أي: أعظم وأشدُّ، تحذيرٌ عن العِناد بوجهٍ أبلغ. نعْيٌّ عليهم بالغفلة، أي: لو كانوا من أهل وقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ العلم لعلموا أنه أكبرُ، ولأخذوا منه حِذْرَهم. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: من الكفر كما في ((البحر))(٢)، أو منه ومن المعاصي كما في ((الإرشاد))(٣) ﴿مِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في الآخرة؛ فإنها مختصّة به عزَّ وجل؛ إذ لا يتصرَّف ، جناتٍ لیس فيها ٣٤ فيها غيرُه جلَّ جلالُه، أو في جوار قُدْسه ﴿جَنَّتِ النَِّيم ( إلا النعيمُ الخالص عن شائبة ما ينغِّصُه من الكُدورات وخوفِ الزوال. وأُخِذَ الحصرُ من الإضافة إلى النعيم؛ لإفادتها التميُّزَ من جنات الدنيا، والتعريض بأنَّ جنات الدنيا الغالبُ عليها النغص: طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تريدُها صَفْواً من الأقذار والأكدار (٤) وقوله تعالى: ﴿أَفَجْعَلُ الْمُتْلِمِينَ كِْمِينَ ﴾﴾ تقريرٌ لما قبله من فوز المتقين، وردِّ لما يقولُهُ الكَفَرة عند سماعهم بحديث الآخرة وما وعَدَ الله تعالى: إن صحَّ أنَّا نُبعث كما يزعمُ محمدٌ ومَنْ معه لم يكن حالُنا وحالُهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يَزِيدوا علينا، ولم يَفْضُلونا، وأقصى أمرِهم أن يُساوونا. (١) في (م): يشكرا. (٢) البحر المحيط ٣١٥/٨. (٣) تفسير أبي السعود ١٧/٩ . (٤) البيت للتهامي أبي الحسن علي بن محمد، من قصيدة يرثي بها ابنه؛ كما في الوافي بالوفيات ١٢١/٢٢، ونسبه ابن مفلح في الفروع ٣٩٩/٣ إلى ابن هانئ. سُوَّةُ القَلِْ ٣٥٦ الآية : ٣٦ - ٣٨ والهمزةُ للإنكار، والفاءُ للعطفِ، والعطفُ على مقدَّر يقتضيه المقال(١)، أي: فيَحِيفُ في الحكم فيجعل (٢) المسلمين كالكافرين؟! ثم قيل لهم بطريق الالتفاتِ لتأکید الردِّ وتشدیدہ: ﴿مَا لَگُز گيْفَ تَلُونَ(٣)﴾ تعجیباً من حكمهم، واستبعاداً له، وإيذاناً بأنه لا يصدُرُ من عاقل؛ إذ معنى ((ما لكم)): أيُّ شيء حصل لكم من خَلَل الفكر وفسادِ الرأي؟! مْ لَكُمْ كِتَبٌ﴾ نازلٌ من السماء ﴿فِهِ﴾ أي: في الكتاب، والجارُّ متعلِّق بقوله تعالى: ﴿تَدْرُسُونَ ﴾﴾ أي: تقرؤون فيه، والجملةُ صفةُ ((كتاب)»، وجُوِّز أن يكون (فيه)) متعلِّقاً بمتعلّق الخبر، أو هو الصفةُ، والضميرُ للحكم أو الأمر، و((تدرسون)) مستأنَفٌ، أو حالٌ من ضمير الخطاب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِهِ لَا تَخَُّونَ (®﴾﴾ أي: لَلَّذي تختارونه وتشتهونه، يقال: تخيَّر الشيءَ واختاره: أخذ خيرَه، وشاع في أخذ ما يريدُه مطلقاً، مفعول (تدرسون))؛ إذ هو المدروس، فهو واقعٌ موقعَ المفرد، وأصلُه: أنَّ لكم فيه ما تخيَّرون، بفتح همزة ((أنَّ) وتركِ اللام في خبرها، فلمَّا جيء باللام كُسرت الهمزةُ، وعُلِّق الفعل عن العمل، ومن هنا قيل: إنه لا بد من تضمين ((تدرسون)) معنى العلم ليجري فيه العملُ في الجمل والتعليق. وجُوِّز أن يكون هذا حكايةً للمدروس كما هو عليه، فيكونُ بعينه لفظً الكتاب من غير تحويلٍ من الفتح للكسر، وضمير ((فيه)) على الأول للكتاب، وأُعيد للتأكيد، وعلى هذا يعودُ لأمرهم، أو للحكم، فيكونُ محصِّلُ ما خُظَّ في الكتاب أنَّ الحكم أو الأمر مفوَّضٌ لهم، فسقط قولُ صاحب ((التقريب)): إن لفظ ((فيه)) لا يساعدُه؛ للاستغناء بـ ((فيه)) أولاً، من غير حاجةٍ إلى جعل ضمير ((فيه)) ليوم القيامة بقرينة المقام، أو للمكان المدلول عليه بقوله تعالى: ((عند ربهم)). وعلى الاستئناف هو للحكم أيضاً . (١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ١٧/٨ (والكلام منه): المقام. (٢) كذا وقعت العبارة في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود: أَنَحيف في الحكم فنجعل ... ، وهو الصواب. الآية : ٣٩ ٣٥٧ سُورَةُ القَلْ وجُوِّز الوقف على ((تدرسون))، على أن قوله تعالى: ((إن لكم)) إلخ استئنافٌ علی معنی: إن کان لکم کتابٌ فلكم فيه ما تتخیرَّون، وهو كما ترى. والظاهرُ أنَّ ((أم لكم)) إلخ مقابلٌ لما قبله نظراً لحاصل المعنى؛ إذ محصّله: أَفَسَد عقلُكم حتى حكمتُم بهذا، أم جاءكم كتابٌ فيه تخييرُكم وتفويضُ الأمر إلیکم؟! وقرأ طلحةُ والضَّّاك: ((أنَّ لكم)) بفتح الهمزة، واللام في (لَمَا)) زائدةٌ، كقراءة من قرأ: ((ألا أنهم ليأكلون الطعام)) [الفرقان: ٢٠] بفتح همزة ((أنهم)). وقرأ الأعرجُ: (أئنَّ لكم)) بالاستفهام على الاستئناف(١). وَمْ لَكُمْ أَيْمَنُ عَلَيْنَا﴾ أي: أقسامٌ، وفُسِّرت بالعهود، وإطلاقُ الأيمان عليها من إطلاق الجزء على الكلِّ، أو اللازمٍ على الملزوم. ﴿وَلِغَةُ﴾ أي: أقصى ما يمكنُ، والمراد متناهيةٌ في التوكيد. وقرأ الحسنُ وزيد بنُ عليٍّ: ((بالغةً))(٢) بالنصب على الحال من الضمير المستتر في ((علينا))، أو (لكم))، وقال ابنُ عطية: من ((أيمان))؛ لتخصيصها بالوصف(٣). وفيه بُعْد. ﴿﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةٌ﴾ متعلِّق بالمقدَّر في ((لكم)) أي: ثابتةٌ لكم إلى يوم القيامة، لا نخرج عن عهدتها إلا يومئذٍ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. أو متعلّق بـ ((بالغة))، أي: أيمانٌ تبلُغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرةً لم يبطل منها يمينٌ، فـ ((إلى)) على الأول لغاية الثبوت المقدَّر في الظرف، فهو كأجَل الدَّين، وعلى الثاني لغاية البلوغ، فهي قيد اليمين، أي: يميناً مؤَّداً لا ينحلُّ إلى ذلك اليوم، وليس من تأجيل المقسَم عليه في شيء؛ إذ لا مدخَلَ لـ ((بالغة)) في المقسَم عليه، فتأمل. (١) المحرر الوجيز ٣٥١/٥، والبحر ٣١٥/٨، والدر المصون ٤١٥/١٠، وقراءة الأعرج قيدها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٠ بالمد، أي: ((آئن)). (٢) المحرر الوجيز ٣٥٢/٥، والبحر المحيط ٣١٥/٨. (٣) المحرر ٣٥٢/٥، وفيه: وهي حال من النكرة - يعني قوله: ((أيمان)) - لأنها نكرة مخصصة بقوله: ((علینا)). سُوَّةُ القَآْ ٣٥٨ الآية : ٤٠ - ٤١ جوابُ القسم؛ لأنَّ معنى ((أم لكم أيمان وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَا تَحْكُونَ علينا)»: أم أَقْسَمنا لكم؟ وهو جارٍ على تفسير الأيمان بمعنى العهود؛ لأن العهد كاليمين من غير فرقٍ، فيجاب بما يُجاب به القَسَم. وقرأ الأعرجُ: ((أئنَّ لكم)) بالاستفهام أيضاً (١). ﴿سَلَّهُمْ﴾ تلوينٌ للخطاب، وتوجيهٌ له إلى رسولِ الله وَّ بإسقاطهم عن رتبة الخطاب، أي: سَلْهم مبكِّتاً لهم: ﴿أَيُّهُم بِذَلِكَ﴾ الحكم الخارج عن دائرة العقول قائمٌ يتصدَّى لتصحيحه. والجملةُ الاستفهامية في موضع المعمول ﴿زَعِيُ الثاني لـ ((سل))، والفعلُ عند أبي حيَّان(٢) وجماعةٍ معلَّقٌ عنها؛ لمكان الاستفهام، وكونُ السؤال منزَّلاً منزلةَ العلم لكونه سبباً لحصوله. ﴿أَمَ لَمْ شُرَكَةُ﴾ يُشاركونهم في هذا القول، ويذهبون مذهَبَهم ﴿فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكْبِهِمْ إِن كَانُوا في دعواهم؛ إذ لا أقلّ من التقلید. ٤١ صَدِقِينَ وقد نبَّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكنُ أن يتعلَّقوا به في تحقيق دعواهم، حيث نبّه جلَّ شأنُه على نفي الدليل العقليِّ بقوله تعالى: ((ما لكم كيف تحكمون)) وعلى نفي الدليل النقليّ بقوله سبحانه: ((أم لكم كتاب)) إلخ، وعلى نفي أن يكون الله تعالى وعَدَهم بذلك - ووعدُ الكريم دَينٌ - بقوله سبحانه: ((أم لكم أيمان علينا)) إلخ، وعلى نفي التقليد الذي هو أوهنُ من حبال القَمَر بقوله عزَّ وجل: ((أم لهم شركاء)). وقيل: المعنى: أم لهم آلهةٌ عدُّوها شركاء في الألوهية تجعلُهم كالمسلمين في الآخرة. وقرأ عبدُ الله وابنُ أبي عَبْلة: ((فليأتوا بشِرْكهم))(٣)، والمراد به ما أُريد بـ ((شركائهم)). (١) انظر التعليق على قراءة الأعرج في الآية السابقة. (٢) البحر المحيط ٣١٥/٨. (٣) المحرر الوجيز ٣٥١/٥، والبحر ٣١٥/٨. الآية : ٤٢ ٣٥٩ سُوَّةُ القَلِْ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ متعلُّقٌ بقوله تعالى: ((فليأتوا)) على الوجهين، ويجوزُ تعلُّقه بمقدَّر كـ : اذكُر، أو: يكون كيت وكيتَ. وقيل: بـ ((خاشعة)). وقيل: بـ ((ترهقهم)). وأيّاً ما كان فالمرادُ بذلك اليوم عند الجمهور يومُ القيامة. والساقُ: ما فوق القدم، وكشفُها والتشميرُ عنها مَثَلٌ في شدَّة الأمر وصعوبةٍ الخَطْب، حتى إنه يُستعمل بحيث لا يُتصوَّر ساقٌ بوجهٍ، كما في قول حاتم: وإن شمَّرت عن ساقها الحربُ شمَّرا(١) أخو الحرب إن عضَّت به الحربُ عضّها وقول الراجز: عجبتُ من نفسي ومن إشفاقها ومن طواء الخيل عن أرزاقها في سَنّةٍ قد كشَفَتْ عن ساقها حمراءَ تَبْري اللحمَ عن عُرَاقِها(٢) وأصلُه: تشميرُ المخذَّرات عن سُوقهنَّ في الهرب؛ فإنَّهن لا يفعلن ذلك إلا إذا عظُمَ الخَطْبُ، واشتدَّ الأمر، فيذهلن عن السَّتر بذيل الصيانة. وإلى نحو هذا ذهب مجاهدٌ، وإبراهيم النخَعيُّ، وعكرمةُ، وجماعة، وقد رُوي أيضاً عن ابن عباس؛ أخرج عَبْد بنُ حُميد، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) من طريق عكرمة عنه، أنه سُئل عن ذلك، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر؛ فإنه ديوانُ العرب، أما سمعتُم قولَ الشاعر : (١) البيت في ديوانه ص٤٩، ونسبه صاحب الحماسة البصرية ٧٨/١ لزيد الخيل وهو في ديوانه ص٦١، ونسبه صاحب العقد الفريد ٢٤٥/٥ لحذيفة بن أنس. (٢) الرجز لأعرابي كان يطرد الطير عن الزرع في سنة جدب، كما في غريب الحديث لابن قتيبة ٦٦/١-٦٧، وورد أيضاً في الزاهر لابن الأنباري ٢/ ٣٧١، وأساس البلاغة (سوق)، وتفسير القرطبي ١٧٥/٢١، وجاء في المصادر: ومن طراد الطير، بدل: ومن طواء الخيل. قال ابن قتيبة: العُراق: العظم. سُودَةُ القَلْ ٣٦٠ الآية : ٤٢ صبراً عناق إنه شرٌّ باقْ قد سنَّ لي قومُك ضربَ الأعناقْ وقامت الحربُ بنا على ساقْ(١) والرواياتُ عنه ◌َُّه بهذا المعنى كثيرةٌ. وقيل: ساقُ الشيء: أصلُه الذي به قوامُه، كساق الشجر، وساق الإنسان، والمراد: يوم يُكشف عن أصل الأمر، فتظهَرُ حقائقُ الأمور وأصولُها بحيث تصيرُ عِياناً، وإليه يُشير كلامُ الربيع بن أنس؛ فقد أخرج عَبْد بنُ حُميد عنه (٢) أنه قال في ذلك: يوم يُكشَفُ الغطاءُ. وكذا ما أخرجه البيهقيُّ عن ابن عباس أيضاً، قال: حين يُكشف الأمرُ وتبدو الأعمال(٣). وفي الساق على هذا المعنى استعارةٌ تصريحيةٌ، وفي الكشف تجوُّزٌ آخر، أو هو ترشيحٌ للاستعارة باقٍ على حقيقته. وتنكير ((ساق))؛ قيل: للتهويل على الأول، وللتعظيم على الثاني، وقيل: لا يُنظر إلى شيء منهما على الأول؛ لأن الكلامَ عليه تمثيلٌ، وهو لا يُنظر فيه للمفردات أصلاً . وذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد بالساق ساقُه سبحانه وتعالى، وأنَّ الآيةَ من المتشابِه، واستدَلَّ على ذلك بما أخرجه البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ، وابنُ المنذر، وابنُ مردويه عن أبي سعيد قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقول: ((يكشفُ ربُّنا عن ساقه، فيسجُدُ له كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، ويبقى مَنْ كان يسجُدُ في الدنيا رياءً وسمعةً، فيذهبُ ليسجُدَ فيعودُ ظهرُه طَبَقاً واحداً))(٤). وأنكر ذلك سعيد بنُ جُبَير؛ أخرج (١) الدر المنثور ٢٥٤/٦، والمستدرك للحاكم ٤٩٩/٢-٥٠٠، والأسماء والصفات للبيهقي (٧٤٦)، وأورده أبو حيان في البحر ٣١٦/٨، والبيتان الأخيران من الرجز في العقد الفريد ٤١٨/٤ وجاء في المصادر: اصبر عناق ... (٢) كما في الدر المنثور ٢٥٥/٦. (٣) الأسماء والصفات (٧٤٩). (٤) الدر المنثور ٢٥٥/٦، وصحيح البخاري (٤٥٨١)، وصحيح مسلم (١٨٣): (٣٠٢)، ولم نقف عليه في سنن النسائي.