النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ١٠ ٣٠١ سُورَةُ المِلكِ ليجريَّ مجرى الاعتراض، مؤكّداً لحكم التكذيب، ودالًّا على عدم القصر أيضاً، والأولُ أَولی. انتھی. واستدلَّ بالآية على أنه لا تكليفَ قبل البعثة، وحَمْلُ النذير على ما في العقول من الأدلّة ممَّا لا يقبلُه منصفُ ذوي العقول. ﴿وَقَالُوا﴾ أيضاً معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمَعُ أو يعقل، كأنَّ الخَزَنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ: ألم تسمعوا آياتٍ ربّكم، ولم تعقلوا معانيها؟! فأجابوهم بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ كلاماً ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ شيئاً ﴿مَا كُنَا فِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ أي: في عِدادِهم ومن جملتهم. والمراد بهم؛ قيل: الشياطينُ؛ لقوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ). وقيل: الكفَّار مطلقاً، واختصاصُ إعداد السَّعير بالشياطين ممنوعٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا﴾(١) [الفتح: ١٣] والآيةُ لا تدلُّ على الاختصاص. وفيه دغدغةٌ لعلَّكَ تعرفُها مما يأتي - إن شاء الله تعالى - قريباً، فلا تغفل. ونفيُهم السماعَ والعقلَ لتنزيلهم ما عندهم منهما - لعدم انتفاعهم به - منزلةً العدمِ، وفي ذلك مع اعتبار عموم المسموع والمعقولِ ما لا يخفى من المبالغة. واعتبرهما بعضُ الأجلَّة خاصَّين، قال: أي: لو كنّا نسمعُ كلامَ النذير فنقبلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيش، اعتماداً على ما لاح من صدِقهِ بالمعجِز، أو نعقِلُ فنفكِّرُ في حكمه ومعانيه تفكّرَ المستبصرين، ما كنّا .. إلخ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السماعَ والعقلَ هنا بمعنى القَبول والتفكّر. و((أو)) للترديد؛ لأنه يكفي انتفاءُ كلٌّ منهما لخلاصهم من السعير، أو للتنويع، فلا ينافي الجمعَ. وقيل: أُشير فيه إلى قسمَي الإيمان التقليديِّ والتحقيقيّ، أو إلى الأحكام التعبُّدية وغيرِها . واستَدَلَّ بالآية - كما قال ابنُ السَّمعانيٌّ في ((القواطع))(٢) - مَنْ قال بتحكيم (١) في (م): ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْذَلًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤]، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٨/ ٢٢٠، والكلام منه. (٢) قواطع الأدلة ٤٦/٢. ١٠ سُورَةُ المِلكِ ٣٠٢ الآية : ١١ العقل. وأنتَ تعلمُ أن قُصارى ما تشعر به أن العقلَ يُرشد إلى العقائد الصحيحة التي بها النجاةُ من السَّعير، وأمَّا أنها تدلُّ على أن العقلَ حاكمٌ كما يقول المعتزلةُ فلا. واستُدلَّ بها أيضاً - كما نقل عن ابن المُنير(١) - على أنَّ السمعَ أفضلُ من البصر. ومن العجيب استدلالُ بعضهم بها على أنه لا يُقال للكافر: عاقل. ﴿فَاعْتَرَفُواْ بِذَئِهِمْ﴾ الذي هو كفرُهم وتكذيبُهم بآياتِ الله تعالى ونُذُرِه عزَّ وجل ﴿فَسُحْفًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ أي: فبُعداً لهم من رحمته تعالى، وهو دعاءٌ عليهم. وقرأ أبو جعفر والكسائيُّ: ((فسُحُقاً)) بضمِّ الحاء (٢). والسُّحقُ مطلقاً: البعد، وانتصابُه على أنه مصدرٌ مؤكد، أي: سَحَقَهم الله تعالى سُحْقاً. قال الشاعر(٣): يجولُ بأطرافِ البلاد مغرِّباً وتسحقُه ريح الصَّبا كلَّ مَسْحَقٍ وقيل: هو مصدرٌ إِمَّا لفعلٍ متعدٍّ من المزيد بحذف الزوائد، كما في قوله: وإن أهلِكْ فذلك كان قدري(٤) أي: تقديري، والتقدير: فأسحقَهم الله سُحْقاً، أي: إسحاقاً، أو بفعلٍ مرتَّب على ذلك الفعل، أي: فأسحقَهم الله تعالى، فسُحِقوا سُحقاً، كما في قوله: من المال إلا مُسْحَتْ أو مجلَّفُ(٥) وعضَّةُ دهرٍ يا ابنَ مروان لم تَدَعْ (١) الانتصاف ٤/ ١٣٧. (٢) التيسير ص٢١٢، والنشر ٢١٧/٢. (٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص١٧١ . (٤) عجز بيت ليزيد بن سنان فيما رجحه محققا المفضليات ص ٧٠، وصدره: فإن يبرأ فلم أَنفِتْ عليه ونسبه صاحب المفضليات إلى رجل من عبد القيس حليف لبني شيبان، وأورده ابن الشجري في أماليه ٢/ ١١٠ من غير نسبة. وفي المصادر: يهلك، بدل: أهلك. (٥) البيت للفرزدق، وله روايتان: إحداها التي ذكرها المصنف، والثانية :... إلا مسحتاً أو مجلفُ، وفي توجيه إعرابها كلام طويل، انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٨٠، والأغاني ٣٠٨/٢١، وخزانة الأدب ١٤٤/٥ وما بعدها وسلف ٣/ ٣٧٠. والمجلف: الذي ذهب معظمه وبقي منه شيء يسير، والمسحت: المستأصل الذي لم يبق منه بقية. الخزانة ٥/ ١٥٢. الآية : ١١ ٣٠٣ سُورَةُ المِلكِ أي: لم تَدَع فلم يبقَ إلا مسحت، وإلى أول الوجهين ذهب أبو عليٍّ الفارسيُّ والزجَّاج(١)، وبعد ثبوت الفعل الثلاثي المتعدِّي كما في البيت - وبه قال أبو حيان(٢) - لا يحتاج إلى ما ذُكر. واللامُ في ((لأصحاب)) للتبيين، كما في: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ [يوسف: ٢٣]، و: سُقْياً لك. وفي الآية - على ما قيل - تغليبٌ، ولعلَّ وجهَه عند القائل هو (٣) أنَّ السَّوق يقتضي أن يقال: فسُحقاً لهم ولأصحاب السعير؛ فإنه تعالى بيَّن أولاً أحوالَ الشياطين حيث قال سبحانه: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)، ثم بَيَّن أحوالَ الكفَّار حيث قال عزَّ وجل: (وَإِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌ)، والأوفقُ بقراءة النصبِ والأبعدُ من شبهة التكرار أن يُراد بالموصول غيرُ الشياطين، ثم قال تعالى شأنُه: (فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ)، فكان السَّوق يقتضي: فسُحْقاً لهم ولأصحاب السعير، لكن لم يقل كذلك؛ لأجل التغليب؛ حيث أطلق ((أصحاب السعير)) على الشياطين والكفار جميعاً . ولا يضرُّ في هذا دلالةٌ غير آيةٍ على عدم اختصاص أصحابِ السَّعير بالشياطين، بل يُطلقُ على سائر الكَفَرة أيضاً؛ لأنه يكفي في التغليب الاختصاصُ المتبادرُ من السَّوق هنا، ولا توقُّفَ له على عدم جواز إطلاق ذلك على غيرِ الشياطين في شيءٍ من المواضع. على أنه يمكنُ أن يقال: لا حاجةً إلى التزام اختصاص أصحاب السَّعير بالشياطين أصلاً ولو بحسب السوق، بل يكفي لصحّة التوجيه كونُهم أصلاً (٤) في دخول السَّعير، والكفَّار ملحقين بهم؛ كما يُشعر به قولُه تعالى: (مَا كُنَا فِ أَعْخٍَ السَّعِيرِ)، بمعنى: في عِدادِهم وجملتهم، فحينئذٍ يكونُ الداخلُ في السعير (١) الحجة للفارسي ٣٠٧/٦، ومعاني القرآن للزجاج ١٩٩/٥. (٢) في البحر المحيط ٣٠٠/٨. (٣) في (م): وهو، وهو تصحيف. (٤) في الأصل و(م): أصيلاً. والمثبت من حاشية الشهاب ٢٢٠/٨، والكلام فيه بنحوه. سُورَةُ الّاكِ ٣٠٤ الآية : ١٢ - ١٣ قسمين، وكان مقتضى الظاهر ذكرُهما معاً في الدعاء عليهم بالسُّحْق؛ كما يشهد به سِياقُ الآية، لكنَّه عدَلَ وغلَّبَ ((أصحاب السعير)) الدالَّ على الأصالة على غيره من التوابع. وذُكِرَ أن في هذا التغليب إيجازاً، وهو ظاهر، ومبالغةً، أي: في الإبعاد؛ إذ لو أُفرد كلٌّ من الفريقين بالذِّكر لأمكن أن يُتوهّم تفاوتُ الإبعادَين، بأن يكون إبعاد الكَفَرة دون إبعاد الشياطين، على ما يُشعر به جعلُهم الشياطين أصلاً (١) وأنفسَهم ملحَقَةً بهم، فلما ضُمُّوا إليهم في الحكم به دلَّ على أن إبعادَهم لم يقصر عن إبعاد أولئك. وأيضاً لمَّا غلَّب سبحانه وتعالى أصحابَ السَّعير - وهم الشياطين - على الكفار فقد جعل الكفّار من قَبِيل الشياطين، فكأنَّهم هم بأعيانهم، وفيه من المبالغةِ ما لا يخفى. وتعليلاً، فإنَّ ترتُّبَ الحكم على الوصف، وكذا تعلُّقَه به يُشعر بعِلِّيته له، فيُشعر ذلك بأن الإبعاد حصَلَ لهم لأجل كونهم أصحابَ السعير . وقيل في توجيه التغليب وما فيه من الأمور الثلاثة غيرُ هذا، وقد عُدَّ ذلك من المشكلات، وغَدَا معتَرَكاً لعلماء الرُّوم وغيرهم من العلماء الأعلام، ولعلَّ ما ذكرناه أقربُ إلى الأفهام، وأبعدُ عن النزاع والخِصام، فتأمَّل، والله تعالى وليُّ الإفهام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ﴾ أي: يخافون عذابَه غائباً عنهم، أو غائبين عنه، أو عن أعينِ الناس غيرَ مرائين، أو بما خفي منهم، وهو قلوبهم، ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُه. وتقديمُ المغفرة على الأجر لأنَّ درءَ المضارِّ أهم من جلب المنافع. والجملة المؤكَّدة(٢)؛ قيل: استئنافٌ بيانيٍّ. وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ﴾ خطابٌ عامٌّ للمكلَّفين كما في قوله تعالى أولاً: ((ليبلوكم)) عُطِفَ على مقدَّر. قال في ((الكشف)): أصلُ الكلام: وللذين كفروا منكم أيُّها المكلَّفون المبتلَون، وللذين يخشون منكم. فقَطَّع هذا الثاني جواباً عن السؤال الذي يقطر من بيان حال الكافرين، مع أنَّ ذِكْرَهم بالعَرَض، وهو: ماذا حالُ من أحسَنَ عملاً، ومَنْ خرج ممخَّصاً عند الابتلاء؟ فأُجيب بقوله تعالى: ((إن (١) في الأصل و(م): أصيلاً. والمثبت من حاشية الشهاب ٨/ ٢٢٠، والكلام فيه بنحوه. (٢) يعني جملة: ((إن الذين يخشون)) إلخ، ينظر حاشية الشهاب ٢٢١/٨. ووقع في (م): المذكورة. الآية : ١٣ ٣٠٥ سُورَةُ الألكِ الذين يخشون)) إلخ، فأثبت لهم كمال العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ [فاطر: ٢٨] وكمال التقوى؛ لقوله تعالى: ((بالغيب)). وفي هذا القَطْع ترشيحٌ للمعنى المرموزِ إليه في قوله تعالى: ((أيكم أحسن عملاً)) أي: ليبلوكم أيُّكم المثَّقي، تخصيصاً لهم بأنهم المقصودون، ولو عطف لدلَّ على التساوي. ثم قيل: فاتَّقوه في السرِّ والعَلَن، ودُوموا أنتُم أيُّها الخاشعون على خشيتكم، وأَنيبوا إلى الخَشية والتقوى أيُّها المغترُّون، واعتقدوا استواءَ إسرارِكم وجهرِكم في علم ربِّكم، فكونوا على حذرٍ، واخشَوه حقَّ الخَشية، فقوله تعالى ذلك عطفٌ على هذا المضمَر. وجَوَّز أن يُجعل قولُه تعالى: ((إن الذين)) إلخ، استطراداً عَقِيب ذِكْر الكفّار وجزائهم، وقوله سبحانه: ((وأسروا)) ((أو اجهروا)) على سبيل الالتفات إلى ((أصحاب السَّعير))؛ لبُعْد العهد، وزيادةِ الاختصاص، عطفاً على قوله تعالى: ((وللذين كفروا))، كأنه قيل: وللكافرين بربِّهم عذابُ جهنم، ثم قيل: مِنْ صفتها كيتَ وكيت، وإسرارُكم بالقول وجهرُكم به أيُّها الكافرون سيَّان، فلا تَفُوتونَنا، جهرتُم بالكفر والبغضاء أو أبطنتُموهما، فهو من تتمَّة الوعيد. ثم قال: والأولُ أملأ بالقبول. انتهى. ويظهرُ لي بُعْدُ الأول، ويؤيِّد الثاني ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: نزلت ﴿وَأَسِرُواْ﴾ إلخ في المشركين، كانوا ينالون من النبيِّ وَّهِ فُيُوحَى إليه عليه الصلاةُ والسلام، فقال بعضُهم لبعض: أسرُّوا قولكم كيلا يسمَعَ ربُّ محمد. فقيل لهم: أسرُّوا ذلك أو اجهروا به؛ فإن الله تعالى يعلمُه. وتقديمُ السرِّ على الجَهْر للإيذان بافتضاحهم ووقوعِ ما يَحْذَرونه من أول الأمر، والمبالغةِ في شمولِ علمِه عزَّ وجلَّ المحيطِ بجميع المعلومات، كأن علمَه تعالى بما يُسِرُونه أقدمُ منه بما يجهرون به، مع كونهما في الحقيقة على السَّوية، أو لأن مرتبةَ السرِّ متقدِّمة على مرتبة الجَهْر؛ إذ ما من شيء يُجهَرُ به إلا وهو أو مَبَادیه مضمَرٌ في القلب غالباً، فتعلَّق علمِهِ تعالى بحالته الأولى متقدِّمٌ على تعلَّقه بحالته الثانية. تعلیلٌ لما قبله، وتقریرٌ له، وفي وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اٌلْصُدُورِ ( صيغةِ الفعيل، وتحليةِ ((الصُّدور)) بلام الاستغراق، ووصفِ الضمائر بصاحبتها، من سُورَةُ المِلكِ ٣٠٦ الآية : ١٤ الجَزَالة ما لا يخفى، كأنه قيل: إنه عزَّ وجلَّ مبالغٌ في الإحاطة بمضمَرَات جميع الناس، وأسرارِهم الخفيةِ المُسْتكِنَّة في صدورهم بحيث لا تكاد تفارقُها أصلاً، فکیف لا يعلم ما ◌ُسرُّونه وتجهرون به؟ ويجوز أن يراد بـ ((ذات الصدور)): القلوب التي في الصدور، والمعنى: إنه تعالى عليمٌ بالقلوب وأحوالها، فلا يخفى عليه سرٌّ من أسرارها. وقولُه تعالى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنكارٌ ونفي لعدم إحاطة علمِهِ جلَّ شأنُه، و((مَن)) فاعلُ (يعلم))، أي: ألا يعلم السرَّ والجهرَ مَن أَوْجَدَ بموجب حكمته جميعَ الأشياء التي هما من جملتها؟! وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَيرُ ( ﴾ حالٌ من فاعل ((يعلم)) مؤكّدةٌ للإنكار ١٤ والنفي، أي: ألا يعلمُ ذلك والحالُ أنه تعالى المتوصِّلُ علمُه إلى ما ظهَرَ من خلقه وما بطن؟ وقيل: حالٌ من فاعل ((خلق)). والأول أظهرُ. وقُدِّر مفعول ((يعلم)) بما سمعتَ، ولم يُجعل الفعلُ من باب يُعطي ويمنع؛ لمكان هذه الحال على ما قيل؛ إذ لو قلتَ: ألا يكونُ عالماً مَنْ هو خالقٌ وهو اللطيفُ الخبير؟ لم يكن معنّى صحيحاً؛ لاعتماد ((ألا يعلمُ)) على الحال، والشيءُ لا يوقَّتُ بنفسه، فلا يقال: ألا يعلمُ وهو عالمٌ، ولكن: ألا يعلمُ كذا وهو عالمٌ كلَّ شيء؟ وأُورد عليه أنَّ ((اللطيفَ)) هو العالمُ بالخفيَّات، فيكونُ المعنى: ألا يكون عالماً وهو عالمٌ بالخفيَّات؟ وهو مستقیمٌ. وأُجيب بأنَّ ((لا يعلم)) من ذلك الباب، وهو على ما قرَّره السَّكاكيُّ (١) مستغرقٌ في المقام الخطابيِّ، و((اللطيف الخبير)): مَنْ يُوصِلُ علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطَنَ، فهما سواءٌ في الاستغراق والإطلاق. وتُعقِّب بأن الاستغراقَ غيرُ لازم كما ذكره الزمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ﴾ الآية [القصص: ٢٣] وَلَو سُلِّم فالوجه مختلفٌ؛ لأن العمومَ المستفادَ (١) مفتاح العلوم ص٢١٦. الآية : ١٥ ٣٠٧ سُورَةُ المِلكِ من الثاني ليس العمومَ المستفادَ من الأول؛ فإن اللطفَ للعلم بالخفايا خاصَّة، ويلزمُ العلم بالجلايا من طريق الدلالة، ثم إن الغزاليَّ(١) اعتبر في مفهوم ((اللطيف)) مع العلم بخفايا الأمور سلوكَ سبيل الرِّفق في إيصال ما يُصلحُها، فلا يتكرّر مع ((الخبير)) بناءً على أنه العالمُ بالخفايا أيضاً. والوجهُ في الحاجة إلى التقدير - كما قال بعضُ الأئمة - أن قولَه تعالى: ((ألا يعلم)) تذييلٌ بعد التعليل بقوله سبحانه: ((إنه عليم بذات الصدور))، فربطُ المعنى أن يقال: ألا يعلمُ هذا الخفيَّ؟ أعني: قولَكم المُسَرّ به، أو: ألا يعلمُ سرَّكم وجهرَكم مَنْ يعلم دقائقَ الخفايا وجلائلَها، جُمَلَها وتفاصيلَها؟! ولو قيل: ألا يكون عالماً بليغ العلم مَنْ هو كذا، لم يرتبط، ولكان فيه عِيٌّ وقصور. وجُوِّز كونُ ((مَن)) مفعولَ ((خَلَق))، واستظهره أبو حيَّان(٢)، أي: ألا يعلم مخلوقَه وهذه حالُه؟! ورُجِّح الأولُ بأن فيه إقامةَ الظاهر مقام الضمير الراجعِ إلى الربّ، وهو أدلُّ على المحذوف، أعني: السرَّ والجهر، وتعميم المخلوق المتناول لهما تناولاً أوليّاً، ولهذا قدَّروا: مَنْ خَلَقَ الأشياءَ؛ دلالةً على أن حذفَ المفعول للتعمیم . ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ غيرَ صعبةٍ، يسهُلُ جدّاً عليكم السلوكُ فيها، فهو فعولٌ للمبالغة في الذلِّ، من ذُلّ بالضمِّ ويُكسر: ضدُّ الصعوبة، ويُستعمل المضمومُ فيما يقابل العزَّ كما يقتضيه كلامُ ((القاموس)) (٣)، وقال ابنُ عطية(٤): الذَّلول فَعول بمعنى مفعول، أي: مذلولة، کرکوب وحَلوب. انتھی. وتُعقب بأن فعلَه قاصرٌ، وإنما يُعدَّى بالهمزة أو التضعيف، فلا يكون بمعنى المفعول، واستُظهر أن مذلولة خطأ . (١) المقصد الأسنى ص ١٠١. (٢) في البحر المحيط ٣٠٠/٨. (٣) ونص كذلك على أن المكسور يستعمل في هذا المعنى. القاموس: (ذل). (٤) المحرر الوجيز ٣٤١/٥. سُورَةُ الصَّلك ٣٠٨ الآية : ١٥ وقال بعضُهم: يقولون للدَّابة إذا كانت مُنقادَةً غيرَ صعبةٍ: ذلول، من الذِّل بالكسر، وهو سهولةُ الانقياد. وفي الكلام استعارةٌ، وقيل: تشبيهٌ بليغ(١). وتقديمُ ((لكم)) على مفعولَي الجَعْل مع أن حقَّ التأخّر عنهما؛ للاهتمام بما قُدِّم، والتشويق إلى ما أُخِّر؛ فإن ما حقَّه التقديمُ إذا أُخِّر، لاسيَّما عند كون المقدَّم مما يدلُّ على كون المُؤخَّر من منافع المخاطبين تبقى النفسُ مترقّةٌ لوروده، فيتمكَّن لدیھا عند ذِكْره فَضْلَ تمگن. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَمْشُواْ فِ مَنَاكِهَا﴾ لترتيب الأمر على الجَعْل المذكور، وزعم بعضُهم أنها فصيحةٌ. والمراد بـ ((مناكبها)) - على ما رُوي عن ابن عباس وقتادة وغيرِهما - جبالُها، وقال الحسن: طرقُها وفجاجُها . وأصل المَنْكِب: مجتمَعُ ما بين العَضُد والكتِفِ، واستعمالُه فيما ذُكر على سبيل الاستعارة التصريحيَّة التحقيقيَّة، وهي قرينةُ المكنيَّة في ((الأرض))؛ حيث شُبِّهت بالبعير، كما ذكره الخَفَاجيُّ. ثم قال: فإن قلتَ: كيف تكونُ مكنيَّةً وقد ذُكر طرفُها الآخرُ في قوله تعالى: ((ذلولاً))؟ قلتُ: هو بتقدير: أرضاً ذَلولاً، فالمذكورُ جنسُ الأرض المطلَق، والمشبّهُ هو الفرد الخارجيُّ، وهو غيرُ مذكورٍ، فيجوزُ كونُ ((ذلولاً)» استعارةً، والمكنيةُ حينئذ هي مدلولُ الضمير، لا المصرَّح بها في النظم الكريم، والمانعُ من الاستعارة ذِكْر المشبّه بعينه لا بما يصدُقُ عليه(٢)، فتأمَّل ولا تغفل. وفي ((الكشاف))(٣): المشيُّ في مناكبها مَثَلٌ لفرط التذليل ومجاوزتِهِ الغايةَ؛ لأن المنكبَين وملتقاهُما من الغارب أرقُّ شيء من البعير وأنباهُ عن أن يطأه الراكبُ بقدمِه ويعتمِدَ عليه [فإذا جعلها في الذل بحيث يُمشى في مناكبها] لم يترك بقيَّةً من التذليل. (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وزعم بعضهم - وكُتب فوق كلمة بعضهم: سلمان بن أحمد الكليسي. اهـ منه - أن ((ذلولاً)) إما مفعول بمعنى فاعل، أي: متذللة، وهو مجاز مرسل عن التحمل وعدم المدافعة بعلاقة اللزوم، أو صفة مشبهة بمعنى: لينة، فهو حقيقةٌ، وأن هذا وجه، وهو کما تری. اهـ منه. (٢) حاشية الشهاب ٢٢٢/٨. (٣) ١٣٨/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. الآية : ١٥ ٣٠٩ سُوَرَّةُ المِلكِ والمراد أنه ليس هنا أمرٌ بالمشي حقيقةً، وإنما القصدُ به إلى جعله مَثَلاً لفرط التذليل، سواءٌ كانت المناكبُ مفسَّرةً بالجبال أو غيرها، وسواءٌ كان ما قبلُ استعارةً أو تشبيهاً . ﴿وَكُواْ مِن رِّزْقِهٍ﴾ انتفعوا بما أنعمَ جلَّ شأنه، وكثيراً ما يعبّر عن وجوه الانتفاع بالأكل؛ لأنه الأهمُّ الأعمُّ. وفي ((أنوار التنزيل)) (١): أي: التمسوا من نِعَمِ الله سبحانه وتعالى، على أنَّ الأكلَ مجازٌ عن الالتماس، من قَبِيل ذِكْر الملزوم وإرادةٍ اللازم. قيل: وهو المناسبُ لقوله تعالى: ((امشوا)). وجوَّز بعضٌ إبقاءَه على ظاهره، على أنَّ ذلك من قَبِيل الاكتفاء، وليس بذاك. واستُدلَّ بالآية على نَذْب التسبُّب والكَسْب، وفي الحديث: ((إن الله تعالى يحبُّ العبد المؤمنَ المُحْتَرِفَ))(٢). وهذا لا يُنافي التوُّل، بل أخرج الحكيمُ الترمذيُّ(٣) عن معاويةَ بن قُرَّة قال: مرَّ عمرُ بنُّ الخطّاب رَظُه بقوم، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكّلون. قال: أنتم المتأكّلون، إنما المتوكّلُ رجلٌ أَلقى حبَّه في بطنِ الأرض، وتوثَّل على ربِّه عزَّ وجل. وتمامُ الكلامِ في هذا الفصل في محلِّه. والمشهور أنَّ الأمر في الموضعين للإباحة، وجُوِّز كونُه لمطلقِ الطَّلب؛ لأن من المشي وما عُطِف عليه ما هو واجبٌ كما لا يخفى. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾﴾ أي: المرجعُ بعد البعث لا إلى غيرِه عزَّ وجلَّ، فبالِغُوا في شكرٍ نَعَمِه التي منها تذليلُ الأرض، وتمكينُكم منها، وبتُّ الرزقِ فيها . وممَّا يُقضى منه العجبُ جواز عَوْد ضمير ((رزقه)) على ((الأرض)) باعتبار أنها مبدأُ، أو عنصرٌ من العناصر، أو ذلول، وهو يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والإضافة لأدنى ملابسةٍ، أي: من الرزق الذي خُلِقَ عليها، وكذا ضميرُ ((إليه)) أي: (١) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٢٣/٨. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٢٩)، وابن عدي في الكامل ٣٦٩/١ وقال ابن الجوزي في العلل ٥٨٩/٢: لا يصح. (٣) نوادر الأصول ص١٢٣. سُورَةُ الملك ٣١٠ الآية : ١٦ وإلى الأرض نشورُكم ورجوعُكم، فتَخرجون من بيوتكم وقصورِكم إلى قبوركم. وجملةُ ((إليه النشور))؛ قيل: عطفٌ على الصلة بعد ملاحظةِ ما ترتَّب عليها، وقيل: حال مقدَّرة من ضمير المخاطبين المرفوع، فتدبّر. ﴿وَأَمِثُ مَّن فِ السَّمَلِ﴾، وهو الله عزَّ وجل، كما ذهب إليه غيرُ واحدٍ، فقيل على تأويل: مَنْ في السماء أمرُه سبحانه وقضاؤه، يعني: أنه من التجوُّز في الإسناد، أو أن فيه مضافاً مقدَّراً، وأصلُه: مَنْ في السماء أمرُه، فلما حُذف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مقامَه ارتفَعَ واستتر. وقيل: على تقدير: خالق مَنْ في السماء. وقيل: ((في)) بمعنى ((على))، ويُراد العلوُّ بالقهر والقدرة. وقيل: هو مبنيٌّ على زعم العرب، حيث كانوا يزعمون أنَّه سبحانه في السماء، فكأنه قيل: أأمنتُم مَن تزعمون أنه في السماء، وهو متعالٍ عن المكان؟ وهذا في غايةِ السَّخافة، فكيف يُناسب بناء الكلام في مثل هذا المقام على زَعْم بعض الجَهَلة كما لا يخفى على المُنصِفِ؟ أو هو غيرُه عزَّ شأنُه، وإليه ذهب بعضُهم، فقيل: أُريدَ بالموصول الملائكةُ - عليهم السلام - الموّلون بتدبير هذا العالم. وقيل: جبريلُ عليه السلام، وهو المَلَكُ الموَّل بالخَشْف. وأئمةُ السَّلف لم يذهبوا إلى غيرِه تعالى، والآيةُ عندهم من المتشابه. وقد قالِ وَله: ((آمِنُوا بمتشابهه))(١)، ولم يقل: أوَّلوه، فهم مؤمنون بأنه عزَّ وجلَّ في السماء على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه، وحديثُ الجارية(٢) من أقوى الأدلَّة لهم في هذا الباب، وتأويلُه بما أوَّل به الخَلَفُ خروجٌ عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب. وفي ((فتح الباري)) للحافظ ابن حَجَر(٣): أسند اللَّالَكائيُّ (٤) عن محمد بن (١) هو قطعة من حديث طويل، سلف ٣١/٤. (٢) سلف ١١/ ١٢١. (٣) فتح الباري ١٣/ ٤٠٧. (٤) شرح أصول الاعتقاد (٧٤٠). الآية : ١٦ ٣١١ سُورَّةُ المِلكِ الحسن الشَّيباني قال: اتَّفَقَ الفقهاءُ كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثِّقات عن رسول الله وَلّ في صفة الربِّ من غير تشبيهٍ ولا تفسير. وأسند البيهقيُّ(١) بسندٍ صحيحٍ عن أحمد بن أبي الحَوارِي، عن سفيان بن عيينة: كلُّ ما وصَفَ الله تعالى به نفسَه في كتابه فتفسيرُه تلاوتُه والسكوتُ عنه. وهذه طريقةُ الشافعيِّ وأحمدَ بن حنبل. وقال إمامُ الحرمين في ((الرسالة النظامية)): اختلفت(٢) مسالكُ العلماء في هذه الظواهر: فرأى بعضُهم تأويلَها، والتزَمَ ذلك في آي الكتاب وما يصحُّ من السُّنن، وذهب أئمَّةُ السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراءِ الظواهر على موارِدِها، وتفويضٍ معانيها إلى الله عزَّ وجلَّ. والذي نرتضيه رأياً، وندينُ اللهَ تعالى به عقيدةً اتّباعُ سَلَفِ الأمة؛ للدليل القاطع على أنَّ إجماع الأمة حجَّة، فلو كان تأويلُ هذه الظواهر حتمًا لأوشك أن يكون اهتمامُهم به فوقَ اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصَرَمَ عصرُ الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتَّبَع. انتهى كلامُ الإمام. وقد تقدَّم النقلُ في ذلك عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاءُ الأمصار، كالثوريِّ، والأوزاعيِّ، ومالكِ، والليثِ ومَنْ عاصَرَهم، وكذا مَنْ أخذ عنهم من الأئمّة، فكيف لا يُوثَقُ بما اتفَقَ عليه أهلُ القرون الثلاثة وهم خيرُ القرون بشهادة صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام؟ انتهى كلامُ الحافظ على وجهِ الاختصار. ونقلُ نصوص الأئمّة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يُقْضي إلى مزيدٍ بسطٍ وتطويل، وقد أُلُّفت فيه كتبٌ معتبرةٌ مطوّلة ومختصرة. وفي ((تنبيه العقول)) لشيخ مشايخنا إبراهيم الكُورانيّ: أن إجماعَ القرون الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بـ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] دليلٌ على أنَّ الشارع صلوات الله تعالى وسلامُه عليه أراد بها (١) الاعتقاد ص٧٢-٧٣. (٢) في الأصل و(م): اختلف، والمثبت من فتح الباري. سُورَّةُ المِلكِ ٣١٢ الآية : ١٧ ظواهرَها، والجزمُ بصدقه بَّهِ دليلٌ على عدم المُعارِض العقليِّ الدالِّ على نقيض ما دلّ عليه الدليلُ النقليُّ في نفس الأمر، وإن توقَّمه العاقلُ في طَوْر النظر والفكر، فمعرفةُ الله تعالى بهذا النحو مِن الصفات طورٌ وراءَ ذلك. انتهى. وأنا أقولُ: في التأويل اتِّباعُ الظنِّ، وقولٌ في الله عزَّ وجل بغير علم، وإلا لانّحد ما یذکرونه من المعنی فیه، مع أن الأمرَ لیس کذلك؛ حیث یذکرون في تأويل شيء واحد وجوهاً من الاحتمالات، وفيما عليه السلفُ سلامةٌ من ذلك، ويكفي هذا في كونه أحسنَ المسالك: دعِ الجَهُول يظنُّ الجهلَ عُدْوانا(١) وما عليَّ إذا ما قلتُ معتقدي وقرأ نافع: ((أامنتم)) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية، وأدخل أبو عَمروٍ وقالونُ بينهما ألفاً، وقرأ قُنْبُل بإبدال الأولى واواً لضمٍّ ما قبلَها وهو راء ((النشور))، وعنه وعن وَرْش غيرُ ذلك أيضاً(٢) . وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ بدلُ اشتمالٍ من ((من))، وجُوِّز أن يكون على حذف الجارِّ، أي: من أن يخسف، ومحلُّه حينئذٍ النصبُ أو الجرُّ، والباءُ للملابسة، و((الأرض)) مفعولٌ به لـ ((يخسف))، والخسفُ قد يتعدَّى. قال الراغبُ(٣): يقال: خسَفَه الله تعالى، وخسَفَ هو، قال تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] أي: أأمنُم من أن يُذهب الأرضَ إلى سُفْل ملتبسةً بكم. وزعم بعضُهم لزومَ لزومِهِ، وأن ((الأرض)) نصب بنزع الخافض، أي: أن یخسِفَ بکم في الأرض، وليس كذلك. ترتجُّ وتهتزُّ اهتزازاً شديداً. وأصلُ ﴿فَإِذَا هِىَ﴾ حين الخَسْف ﴿تَمُورُ ﴾﴾ المَوْر: التردُّد في المجيء والذهاب. ﴿أَّ أَمِنْتُ مَّن فِ السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ إضرابٌ عن الوعيد بما تقدَّم إلى (١) سلف عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الكهف. (٢) التيسير ص٢١٢، والنشر ٣٦٣/١، والبحر المحيط ٣٠٢/٨. (٣) في مفردات ألفاظ القرآن: (خسف). الآية : ١٧ ٣١٣ سُورَةُ المِلكِ الوعيد بوجهٍ آخر، أي: بل أأمنتُم مَنْ في السماء أن يرسل .. إلخ. وقد تقدَّم الكلامُ في الحاصب. والوعيدُ بالخسف أولاً لمناسبة ذِكْر الأرض في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً)، وقد ذَكَر المِنَّة في تسهيل المشي في مناكِبِها، وذَكَر إرسالَ الحاصب ثانياً، وهذا في مقابلة الامتنان بقوله تعالى: (وَكُواْ مِن رِّزْقِ")، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] قاله في ((الكشف)). وفي ((غرَّة التنزيل)) للراغب في وجهِ تقديمِ الوعيد بالخَسْف على التوعُمد بالحاصِبِ أنه لمَّا كانت الأرضُ التي مهَّدها سبحانه وتعالى لهم لاستقرارهم يعبدون فيها خالقها، فعبدوا الأصنامَ التي هي شجرُها أو حجرُها خُوِّفوا بما هو أقربُ إليهم، والتخويفُ بالحاصب من السماء التي هي مصاعدُ كَلِمِهم الطَّيبة، ومَعَارِجُ أعمالهم الصالحة؛ لأجل أنهم بدَّلوهما بسيِّئات كفرِهم، وقبائح أعمالهم. ولعلَّ ما أُشير إليه أولاً أولى. ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (®﴾ أي: إنذاري، فـ ((نذير)) مصدر، مثله في قول حسَّان: فأُنذِرُ مثلَها نُصْحاً قريشاً من الرحمن إنْ قبلَتْ نذيري(١) وهو مضافٌ إلى ياء الضمير، والقرَّاء مختلفون فيها؛ فمنهم مَنْ حَذَفها وصلاً وأثبتَها وقفاً، ومنهم مَنْ حَذَفها في الحالين اكتفاءً بالكسرة. والمعنى: فستعلمون ما حالُ إنذاري وقدرتي على إيقاعِهِ عند مشاهدتكم للمنذَر به (٢)، ولكن لا ينفعُكم العلمُ حينئذٍ. وقُرئ شاذًّا: ((فسيعلمون)) بالياء التحتانية(٣). (١) البيت في ديوانه ص ٢٨٠، من أبيات يذكر فيها بني قريظة وما حلَّ بهم، وقبله: دماؤهمٌ عليهم كالعبير تركناهم وما ظفروا بشيء ٠.٠ فهم صرعى تحوم الطير فيهم كذاك يُدان ذو الفَنَد الفَخور (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: لا حاجة إلى تعيين المنذر به، فلا تغفل. اهـ منه. (٣) الكشاف ١٣٨/٤. سُورَةُ الملك ٣١٤ الآية : ١٨ - ١٩ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ﴾ أي: من قبلٍ كفَّار مكة من كفَّار الأمم السالفة، قومٍ نوح وعادٍ وأضرابِهم. والالتفاتُ إلى الغَيبة لإبراز الإعراض عنهم. ﴿فَكَفَ كَانَ تَكِيرِ ﴾﴾ أي: إنكاري عليهم بإنزالِ العذاب، أي: كان على غاية الهَول والفَظَاعة، وهذا هو موردُ التأكيد القَسَمي، لا تكذيبُهم فقط. والكلامُ في (نکیر)) کالكلام في ((نذير)). وفي الكلامِ من المبالغة في تسليةٍ رسول الله وَّهِ، وتشديدِ التهديد لقومه، ما لا يخفى. ﴿أَوَلَمْ يَرَوّ﴾، أَغَفلوا ولم ينظروا ﴿إِلَى اُلَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَغَّتٍ﴾ باسطاتٍ أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانها؛ فإنهنَّ إذا بسَطْنها صففنَ قوادِمَها(١)، أعني: ما تقدَّم من ريشها صفًّا. ونصب ((صافَّات)) على الحال من ((الطير))، أو من ضميرها في ((فوقهم))، وهو في موضعِ الحال، فتكونُ الحال متداخلةً. وجُوِّز أن يكون ظرفاً لـ ((صافات))، أو لـ ((يروا))، ومفعولُ ((صافات)) على الاحتمالات محذوفٌ كما أشرنا إليه. وناسَبَ ذِكْرُ الاعتبار بالطَّر ذِكْرَ التوعُد بالحاصب، لاسيَّما إذا فُسِّر بالحجارة؛ إذ قد أهلك الله تعالى بذلك أصحابَ الفيل حينما رمتهم به الطير، ففي ذلك إذكارُ قريش بتلك القصّة. ﴿وَقِْضْنُّ﴾ ويضمُمنَ أجنحتهنَّ إذا ضربنَ بها جنوبهنَّ، والعطفُ على ((صافات))؛ لأن المعنى: يصفُفنَ ويقبِضن، أو صافَّات وقابضات، وعطفُ الفعل على الاسم في مثله فصيحٌ شائع، وعكسُه جائز حسن، إلا عند السهيليِّ؛ فإنه عنده قبيح، نحو قوله : باتَ يُعَشِّيها بعَضْبٍ باترٍ يقصِدُ في أَسْؤُقها وجائرٍ (٢) فإنه أراد: قاصد وجائر. (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: هي عشر، وما دونها من مقدم الجناح خوافي. اهـ منه. (٢) أورده ابن الشجري في أماليه ٤٣٧/٢ و٢٠٥/٣، والبغدادي في خزانة الأدب ١٤٠/٥ من غير نسبة. وضمير المؤنث للإبل، والعضب: السيف. والبيت في وصف كريم بادر يعقر إبله لضيوفه. الخزانة ١٤١/٥. الآية : ١٩ ٣١٥ سُورَةُ المملك ولما كان أصلُ الطيران هو صفّ الأجنحة؛ لأنَّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصلُ فيها مدُّ الأطراف وبسطُها، وكان القبضُ طارئاً على البسط (١)؛ للاستظهار به على التحرُّك = جيء بما هو طارٍ غيرُ أصلٍ بلفظ الفعل، وبما هو أصلٌ بلفظ الاسم، على معنى أنهنَّ صافَّات، ويكون منهنَّ القبضُ تارةً بعد تارة، ويتجدَّد حيناً إثرَ حين، كما يكون من السابح. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ عند الصفِّ والقبض، على خلاف مقتضى طبيعة الأجسام الثقيلة من النزول إلى الأرض والانجذاب إليها ﴿إِلَّ الرَّحْمَنْ﴾ الواسع رحمتُه كلَّ شيء، حيث بَرَأَهنَّ عزَّ وجلَّ على أشكالٍ وخصائص، وألهمهنَّ حركات قد تأتَّى منها الجريُ في الهواء. والجملةُ مستأنفة، أو حالٌ من الضمير في ((يقبضن)). وقرأ الزهريُّ: ((ما يُمَسِّكُهنَّ) بالتشديد(٢). ١٩ دقيقُ العلم، فيعلم سبحانه وتعالى كيفيةَ إبداع ﴿إِنَُّ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ المبدَعات، وتدبيرَ المصنوعات، ومِنْ هذا خلقُه عزَّ وجل للطير على وجهٍ تأتَّى به جريُه في الجوِّ مع قدرته تعالى أن يُجْرِيَه فيه بدون ذلك، إلا أنَّ الحكمةَ اقتضت ربط المسبَّبات بأسبابها . وليس فيما ذكرنا نزوعٌ إلى ما يضرُّ من أقوال أهل الطبيعة؛ لأن كونَ طبيعةٍ الأجسام الثقيلة ما سمعتَ أمرٌ محسوس، لا يُنكره إلا من كابَرَ حِسَّه، ومثله كونُ الإمساكِ بالسبب السابق، وكونُه سبباً من آثار رحمته تعالى الواسعة، وأبى ذلك أبو حيان(٣) توهُّماً منه أنه نزوعٌ إلى ما يضرُّ من أقوال أهل الطبيعة، وقال: نحن نقول: إن أثقلَ الأشياء إذا أراد الله سبحانه إمساكّه في الهواء، واستعلاءه إلى العرش، كان ذلك، وإذا أراد جلَّ شأنُه إنزال ما هو أخفُّ سُفلاً إلى منتهى ما ينزل كان أيضاً، وليس ذلك لشكلٍ، أو ثقل، أو خفَّة. (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حاصله أن الغالب هو البسط، فكأنه هو الثابت، فجيء بالاسم، والقبضُ متجدِّدٌ، فعبِّر عنه بالفعل. اهـ منه. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٣٠٣/٨. (٣) البحر المحيط ٣٠٣/٨. سُورَةُ المَلك ٣١٦ الآية : ٢٠ ونحن لا ننكر أن الله تعالى على كلِّ شيء قدير، وأنه سبحانه فعَّال لما يريد، وأنه لا يتوقّف فعلُه عزَّ وجل على السبب عقلاً، بيد أنَّا نقول: إنه تعالى اقتضت حكمتُه في هذا العالم ذلك الربطّ، وهو أمرٌ عاديٌّ اختارَه تعالى حكمة وتفضُّلاً، ولو شاء جلَّ وعلا غيرَه لكان كما شاء. وتقديمُ ((بكلِّ شيءٍ)) على ((بصير)) للفاصلة، أو للحصر، ردّاً على مَن يزعمُ عدمَ شمولٍ علمه تعالى شأنُه. ﴿أَمَّنّ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّمَنِّ﴾ متعلِّقٌ عند كثير بقوله سبحانه: (أَوَ يَرَوّا إِلَى الَّيْرِ). فقال في ((الإرشاد))(١): هو تبكيتٌ لهم بنفي أن يكون لهم ناصرٌ غير الله تعالى، كما يلوِّح به التعرُّض لعنوان الرَّحمانية، ويعضُدُه قولُه تعالى: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحْمَنْ)، أو ناصرٌ من عذابه تعالى، كما هو الأنسبُ بقوله تعالى بعدُ: (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ)، كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاً﴾ [الأنبياء: ٤٣] في المعنيين معاً، خلا أنَّ الاستفهام هناك متوجّهُ إلى نفسِ المانع وتحقُّقه، وهنا متوجِّه إلى تعيين الناصر؛ لتبكيتهم بإظهار عَجْزِهم عن تعيينه. و((أم)) منقطعةٌ مقدَّرة بـ (بل))؛ للانتقال من توبيخهم على تَرْك التأمُّل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المُنْبِئة عن تعاجيب آثار قدرةِ الله عزَّ وجل، إلى التبكيت بما ذُكر. والالتفاتُ للتشديد في ذلك، ولا سبيل إلى تقدير الهمزة معها؛ لأنَّ بعدها (مَنْ)) الاستفهامية، والاستفهامُ لا يدخل على الاستفهام(٢) في المعروف عندهم، وهي مبتدأ، و((هذا)) خبرُه، وفي الموصول هنا(٣) الاحتمالاتُ المشهورة في مثله، وجملة ((ينصركم)) صفة لـ ((جند)) باعتبار لفظه، و((من دون الرحمن)) على الوجه الأول إمَّا حالٌ من فاعل ((ينصركم))، أو نعت لمصدره، وعلى الثاني متعلِّق بـ ((ينصركم)) كما في قوله تعالى: ﴿مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ [هود: ٣٠] فالمعنى: [بل] مَنْ (١) تفسير أبي السعود ٨/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: و: هل مَن يُعير جناحه. ((مَنْ)) فيه موصولة مبتدأ، والخبر محذوف، أي: موجود. اهـ منه. (٣) لفظ: هنا، لم يرد في الأصل، وأثبتناه من (م). الآية : ٢١ ٣١٧ سُورَةُ المِلكِ هذا الحقيرُ الذي هو في زعمكم جندٌ لكم ينصرُكم متجاوزاً نصرَ الرحمن، أو ينصرُكم نصراً كائناً من دون نصره تعالى، أو ينصرُكم من عذابٍ كائنٍ من عند الله عزَّ وجل. وقوله تعالى ﴿إِنِ اٌلْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ ﴾﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبلَه ناعٍ عليهم ما هم فيه من غايةِ الضلال، أي: ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظِ آلهتهم لا بحفظِهِ تعالى فقط، وأنَّ آلهتهم تحفظُهم من بأس الله تعالى، إلا في غرورٍ عظيم وضلال فاحشٍ من جهة الشيطان، ليس لهم في ذلك شيء يُعتدُّ به في الجملة. والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء حالهم الإعراضَ عنهم، وبيان قبائحهم للغير. والإظهارُ في موضع الإضمار لذمِّهم بالكفر، وتعلیل غرورهم به. والكلامُ في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ ﴿رِزْقَهُ﴾ بإمساك المطر وسائِر مباديه = كالذي مرَّ. وقوله تعالى: ﴿بَل لَّجُواْ﴾ إلخ، منبئٌ عن مقدَّر يستدعيه المقامُ، كأنه قيل إثرَ [تمام] التبكيتِ والتعجِيز: لم يتأثَّروا بذلك، ولم يُدعِنوا للحقّ، بل لُجُوا وتمادَوا ﴿فِى عُثُمٍ﴾ في عنادٍ واستكبارٍ وطغيان ﴿وَتُفُورٍ ﴾﴾ شراد عن الحقِّ؛ لِثِقَله عليهم. وجَعَلَ ناصرُ الدين: ((أم مَنْ هذا الذي هو)) إلخ عديلاً لقوله تعالى: ((أولم يروا)) على معنى: ألم ينظروا في أمثالِ هذه الصنائع من القبض، والبَسْط، والإمساك، وما شاكَلَ ذلك مما يدلُّ على كمال القدرة، فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحوِ خسفٍ، وإرسال حاصبٍ؟ أم لكم جندٌ ينصرُكم من دون الله إن أرسَلَ عليكم عذابَه؟ وقال: إنه كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] إلا أنه أُخرج مخرجَ الاستفهام عن تعيين مَنْ ينصرُهم؛ إشعاراً بأنهم اعتقدوا هذا القسم. وجعل قوله تعالى: ((أم مَنْ هذا الذي يرزقكم)) إلخ، على معنى: أم مَنْ يُشار إليه، ويقال: هذا الذي يرزقُكم(١)؟ فقيل: إنه ـ عليه الرحمةُ - جعل في الأولى ((أم)) متصلةً، و((مَن)) استفهامية، وجعل في الثانية (أم) منقطعة، و((من)) موصولة، (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٢٤/٨. سُورَةُ المالك ٣١٨ الآية : ٢١ و((هذا الذي)) مبتدأ وخبرٌ واقعٌ صلةً على تقدير القول، وقُدِّر لاستهجان أن يُقال: الذي هذا الذي يرزقُكم، ويجعل ((هذا)) قائماً مقامَ الضمير الراجع إلى الموصول الأول، و((مَنْ)): قيل: مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، أي: رازق لكم، وكأنه أشار بذلك إلى صحَّة كلٍّ من الأمرين في الموضعين. وحديثُ لزوم اجتماع الاستفهامين في بعض الصُّور، ودخول الاستفهام على الاستفهام؛ قيل عليه: إنه ليس بضائرٍ؛ إذ لا مانعَ من اجتماع الاستفهامين إذا قُصِدَ التأكيدُ، وقد نقل ابنُ الشَّجَريّ(١) عن جميع البصريين أنَّ ((أم)) المنقطعة أبداً بمعنى (ل)) والهمزة، أي: ولو دخلت على استفهام نحو: ﴿أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْقُلْمَتُ﴾ [النمل: ٨٤] ومذهبُ غيرهم أنها قد تأتي بمعنى ٨٤ [الرعد: ١٦] و﴿أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ الاستفهام المجرَّد، ورُوي ذلك عن أبي عُبيدة، وأنها قد تأتي للإضراب المجرَّد، وقد تتضمَّنه والاستفهامَ الإنكاريَّ أو الطَّلَبيَّ. والزمخشريُّ قال في الموضعين(٢): أم مَنْ يُشار إليه ويُقال: هذا الذي؟ وجَوَّز في ((هذا)) أن يكونَ إشارةً إلى مفروضٍ، وأن يكون إشارةً إلى جميع الأوثان؛ لاعتقادهم أنهم يُحفظون من النوائب، ويُرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجندُ والناصر والرازق. والآيةُ على هذا ليست متعلِّقة بقوله تعالى: ((أولم يروا)» على ما حقَّقه صاحبُ ((الكشف))، قال بعد أن أوضَحَ كلامَه: إذا تقرَّر ذلك فاعلم أنَّ الذي يقتضيه النظمُ على هذا التفسير أن يكون قوله تعالى: ((أم مَنْ هذا الذي هو جند)) متعلِّقاً بحديث الخسف، وقولُه سبحانه: ((أم مَنْ هذا الذي يرزقُكم)) بحديث إرسال الحاصب على سبيل النَّشْر، كأنه لما قيل: أأمنتم مَنْ في السماء أن يخسف بكم الأرضَ، فتضطربَ نافرةً بعد ما كانت في غاية الذّلَّة، عقَّبَ بقول: أم آمنَكم الفوج الذي هو في زعمكم هو جندٌ لكم يمنعُكم من عذاب الله تعالى وبأسِهِ؟ على أنَّ ((أم)) منقطعةً، والاستفهام تهكُّمٌ، وكذلك لمَّا قيل: أأمنتُم مَنْ في السماء أن يُرسل (١) في أماليه ٣/ ١٠٨ ونقله المصنف عنه بواسطة ابن هشام في المغني ص٦٦. (٢) الكشاف ١٣٩/٤. الآية : ٢١ ٣١٩ سُورَةُ المُلكِ عليكم حاصباً، بدل ما يُرسل عليكم رحمَته؟ ذَّبَ بقول: أم آمنكم الذي تتوهَّمون أنه یرزقگُم؟! وأما قوله تعالى: ((ولقد كذَّب الذين من قبلهم)) فاعتراضٌ يشدُّ من عَضُدٍ التحذير، وأن في الأمم الماضين المخسوفَ بهم، والمرسَلَ عليهم الحواصبُ، إلى غير ذلك من أنواع عذابه عزَّ وجلَّ، ما يسلُبُهم الطمأنينة والوقارَ لو اعتبروا . وكذلك قولُه سبحانه: ((أو لم يروا)) تصويرٌ لقدرته تعالى الباهرة، وأنَّ مَنْ قدر على ذلك كان الخسفُ وإرسالُ الحاصبِ عليه أهونَ شيءٍ. وفيه: كما أنه بعظيم قدرته وشمولٍ رحمته أمسَكَ الطيرَ، كذلك إمساكُه العذابَ، وإلا فهؤلاء يستحقُّون كلَّ نَکالٍ . وفي الإتيان بـ ((هذا)) من التحقير الدالِّ على تسفيهِ رأيهم، وتقدير القول الدالِ على الزَّعم، والتأكيد بالموصولين الدالِّ على تأكُّد اعتقادهم في ذلك الباطل، إن كان إشارةً إلى الأصنام، أو كمالِ التهكُّم بهم كأنهم محقّقون معلومون إن كان إشارةً إلى فوجٍ مفروض؛ لأن حالَهم في الأمن يقتضي ذلك، وهذا أبلغُ، ولذا قدَّمه الزمخشريُّ = ما يقضى منه العجبُ، ويَلُوحُ الإعجاز التنزيليُّ كأنه رأيُ العين. ثم قال: فهذا ما هُدِيت إليه مع الاعتراف بأنَّ الاغتراف من تَيَّار كلام الله تعالى له رجالٌ ما أَبْعَدَ مثلي عنهم، ولكن أتسلَّى بقول إمامنا الشافعيِّ: أُحبُّ الصالحين ولستُ منهم. انتهى. ولَعَمْري لقد أبدع، وتبوَّأْ ما قالَه من القَبول عند ذوي العقول المحلَّ الأرفع: ويُعجبني طرف تدرُّ دموعُه على فضله العالي فلِلّه دَرُّه وظاهره أن ((من)) في الموضعين فاعلٌ لفعلٍ محذوف دلَّ عليه السياق، أعني: أَمَّنكُم، لا مبتدأ خبرُه محذوف كما قيل فيما سبق. وقد جُوِّز في الآية غيرُ ما تقدَّم من أوجه الإعراب، وهو أن يكون ((مَن)) خبراً مقدَّماً، و((هذا)) مبتدأ، ورُجِّح على ما مرَّ من عكسه بأنه سالمٌ عمَّا فيه من الإخبار سُوَّةُ المِلكِ ٣٢٠ الآية : ٢٢ بالمعرفة عن النكرة؛ فإنه غيرُ جائزِ عند الجمهور، وجوازُه مذهبُ سيبويه(١) إذا كان المبتدأ اسمَ استفهامٍ، أو أفعلَ تفضيل. وقرأ طلحةُ في الأولى: (أَمَن)) بتخفيف الميم، وشدَّد في الثانية كالجماعة(٢). وقوله تعالى: ﴿أَفَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ: أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَفِى ٢٢ مَثَلٌ ضُرب للمشرك والموحِّد؛ توضيحاً لحاليهما في الدنيا، وتحقيقاً لشأن مذهبیهما . والفاءُ لترتيب ذلك على ما ظهر من سوءٍ حال الكَفَرة، وخُرورهم في مهاوي الغُرور، وركوبهم متنَ عَشْواء العتوِّ والنفور؛ فإنَّ تقدُّمَ الهمزة عليها صورةً إنما هو لاقتضاء الصَّدارة، وأما بحسب المعنى، فالمعنى بالعكس على ما هو المشهور، حتى لو كان مكانَ الهمزة ((هل)) لقيل: فهل مَنْ يمشي .. إلخ؟ و((من)) موصولةٌ مبتدأ، و((يمشي)) صلتُه، و((مكبّا)) حالٌ من الضمير المستتر فيه، و((على وجهه)) ظرفٌ لغو متعلِّق بـ ((مكبّاً)، أو مستقرٌّ حال، والأولُ أولى، و((أهدى)) خبر (مَن))، و((مَن)) الثانية عطفٌ على الأولى، وهو من عطفِ المفرد على المفرد، كما في قولك: أزيدٌ أفضل أم عمرو، وقيل: مبتدأ خبرُه محذوفٌ؛ لدلالة خبر الأولى عليه، ولا حاجة إلى ذلك؛ لما سمعتَ. والمكبُّ: الساقطُ على وجهه، يقال: أكبَّ: خَرَّ على وجهه، وهو من باب الإفعال. والمشهورُ أنه لازمٌ وثلاثيُّه متعدٍّ، فيقال: كَبَّه الله تعالى، فأكبّ، وقد جاء ذلك على خلاف القياس، وله نظائرُ يسيرةٌ، كـ : أَمْرَت الناقةُ: درَّت، ومَرَيتُها، وأشنَقَ البعير: رفعَ رأسَه، وشنقتُه، وأقشع الغيم، وقشَعَتْه الريحُ، أي: أزالته وكشَفَته، وأنزفَت البئرُ ونَزَقْتُها: أخرجتُ ماءها، وأنسل ريشُ الطائر ونسلتُه. وقال بعضُهم: التحقيق أنَّ الهمزة فيه للصَّيرورة، فمعنى أكبَّ: صار ذا كبِّ ودخل فيه، كما في ألأمَ: إذا صار لئيماً، وأنفض: إذا صار نافضاً لما في مِزْوَدَته، (١) الكتاب ٣٢٨/١-٣٢٩. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر المحيط ٣٠٣/٨.