النص المفهرس
صفحات 261-280
الآية : ٧ - ٨ ٢٦١ سُورَةُ التَّجْرِيِ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا نَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمٌ﴾ مقولٌ لقولٍ قد حُذِفَ ثقةً بدلالة الحال عليه، يقال لهم ذلك عند إدخال الملائكة إياهم النارَ حسبما أُمروا به، فتعريفُ اليوم للعهد، ونهيهُم عن الاعتذار؛ لأنهم لا عُذْرَ لهم، أو لأنَّ العُذْرَ لا ينفعهم. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ في الدنيا من الكفر والمعاصي بعد ما نُهيتم عنهما أشدَّ النهي، وأُمرتم بالإيمان والطاعة على أتمٍّ وجه. فِيَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ﴾ من الذنوب ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ أي: بالغةً في النُّصْح، فهو من أمثلة المبالغة، كـ : ضَروب، وُصِفتِ التوبةُ به على الإسناد المَجَازيِّ، وهو وَصْفُ التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسَهم، فيأتوا بها على طريقها، ولعلَّه ما تضمَّنه ما أخرجه ابن مردويه(١) عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: ((أن يندمَ العبدُ على الذنب الذي أصابَ، فيعتذر إلى الله تعالى، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللَّبن إلى الضَّرْع))، وروي تفسيرُها بما ذكر عن عمر وابن مسعود وأُبيّ والحسن ومجاهد وغيرهم. وقيل: ((نصوحاً)) من نَصاحة الثوب، أي: خياطته، أي: توبة ترفو خروقَك في دينك وتَرُمُّ خَلَلك. وقيل: خالصة، من قولهم: عَسَلٌ ناصحٌ، إذا خَلُصَ من الشمع. وجُوِّزَ أن يُرادَ: توبة تنصحُ الناسَ، أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعمال الجدِّ والعزيمة في العمل بمقتضياتها . وفي المراد بها أقوالٌ كثيرةٌ أَوْصَلَها بعضُهم إلى نيِّفٍ وعشرين قولاً، منها ما سمعت. وقرأ زيد بن علي: ((توباً)) بغير تاء(٢). وقرأ الحسن والأعرج وعيسى وأبو بكر عن عاصم، وخارجة عن نافع: ((نُصوحاً)) بضمِّ النون(٣)، وهو مصدرُ: نَصَحَ، فإنَّ (١) كما في الدر المنثور ٢٤٥/٦، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في العظمة (٦٤٧) ضمن حديث طويل. (٢) البحر المحيط ٢٩٣/٨. (٣) التيسير ص٢١٢، والنشر ٣٨٨/٢ عن أبي بكر، والكلام من البحر ٢٩٣/٨. الآية : ٨ ٢٦٢ سُورَة التجرني النُّصْحَ والنُّصوح، كالشُّكر والشُّكور، والكُفْرِ والكُفُور، أي: ذاتَ نُصْحِ، أو: تَنصحُ نُصوحاً، أو: توبوا لِنُصْحِ أنفسكم، على أنه مفعولٌ له. هذا، والكلام في التوبة كثيرٌ، وحيث كانت أهمَّ الأوامر الإسلامية، وأوَّل المقامات الإيمانية، ومبدأ طريق السالكين، ومفتاح باب الواصلين، لا بأس في ذِكْرِ شيءٍ مما يتعلَّقُ بها، فنقول: هي لغةً: الرجوع، وشرعاً وَصْفاً لنا على ما قال السعد: الندمُ على المعصية لكونها معصية؛ لأنَّ الندمَ عليها لإضرارها(١) بالبدن أو إخلالها بالعِرْض أو المال - مثلاً - لا يكون توبة، وأما الندم لخوف النار أو للطمع في الجنة، ففي كونه توبةً تردُّدٌ، ومبناه على أنَّ ذلك هل يكونُ نَدَماً عليها لِقُبْحها ولكونها معصية، أم لا؟ وكذا الندمُ عليها لقُبْحها مع غَرَضٍ آخر، والحقُّ أنَّ جهةَ القُبْح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقَّقَ الندمُ، فتوبةٌ، وإلا فلا، كما إذا كان الغرضُ مجموعَ الأمرين لا كلَّ واحدٍ منهما، وكذا في التوبة عند مرضٍ مخوفٍ بناءً على أنَّ ذلك الندم هل يكونُ القُبْحِ المعصية [أم لا] بل للخوف، وظاهرُ الأخبار قبولُ التوبة ما لم تظهر علاماتُ الموت، ويتحقَّقْ أمرُهُ عادةً. ومعنى الندم: تحزُّنٌ وتوجُّعٌ على أنْ فَعَلَ، وتمنِّي كونه لم يفعل. ولا بدَّ من هذا للقطع بأنَّ مجرَّدَ الترك - كالماجن إذا ملَّ مُجونَهُ فاستروحَ إلى بعضٍ المباحات - ليس بتوبة، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الندم توبة))(٢). وقد يُزادُ قيدُ العزم على تَرْك المعاودة. واعتُرض بأنَّ فِعْلَ المعصية في المستقبل قد لا يخطُرُ بالبال؛ لذهولٍ أو جنونٍ أو نحوه، وقد لا يُقْدَرُ عليه لعارضٍ آفةٍ كَخَرَسٍ في القَذْفِ مثلاً أو جَبٍّ في الزنى، فلا يُتُصوَّرُ العزمُ على الترك؛ لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار. وأجيب بأنَّ المرادَ العزمُ على الترك على تقدير الخطور والاقتدار، حتى لو سُلِبَ القدرةَ لم يُشتَرط العزمُ على الترك، وبذلك يُشعِرُ كلامُ إمام الحرمين حيث (١) في (م): بإضرارها، والمثبت من الأصل وشرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني ١٦٣/٥، وما سيأتي بین حاصرتین منه. (٢) أخرجه أحمد (٣٥٦٨) من حديث ابن مسعود څ. الآية : ٨ ٢٦٣ سُورَةُ التَّجْرِيمِ قال: إنَّ العزمَ على ترك المعاودة إنما يقارِنُ التوبةَ في بعض الأحوال، ولا يَظَرَدُ في كلِّ حالٍ؛ إذ العزمُ إنما يصحُّ ممن يتمكّنُ من مثل ما قدَّمه، ولا يصحُّ من المجبوب العزمُ على ترك الزنى، ومن الأخرس العزمُ على ترك القذف(١). وقال بعض الأجلَّة: التحقيقُ أنَّ ذِكْرَ العزم إنما هو للبيان والتقرير(٢)، لا للتقييد والاحتراز؛ إذ النادمُ على المعصية لقُبْحها لا يخلو عن ذلك العزم ألبتة على تقدير الخطور والاقتدار. وعلامةُ الندم طولُ الحسرة، والخوفُ، وانسكابُ الدمع. ومن الغريب ما قيل: إنَّ علامةَ صِدْقِ الندم عن ذنبٍ كالزنى، أن لا يرى في المنام أنه يفعله اختياراً؛ إذ يُشعِرُ ذلك ببقاء حُبِّه إياه، وعدم انقلاع أصوله من قلبه بالكلية، وهو ينافي صِدْقَ الندم. وقال المعتزلة: يكفي في التوبة أن يعتقدَ أنه أساء، وأنه لو أمكنه ردُّ تلك المعصية لردّها، ولا حاجة إلى الأَسَفِ والحزن؛ لإفضائه إلى التكليف بما لا يُطاق. وقال الإمام النوويُّ(٣): التوبةُ ما استجمعت ثلاثة أمور: أن يقلعَ عن المعصية، وأن يندمَ على فعلها، وأن يعزمَ عَزْماً جازماً على أن لا يعود إلى مثلها أبداً، فإن كانت تتعلَّقُ بآدميٌّ لَزِمَ رَدُّ الظّلامة إلى صاحبها، أو وارثه، أو تحصيل البراءة منه، وركنُها الأعظمُ الندم. وفي ((شرح المقاصد)»: قالوا: إن كانت المعصيةُ في خالص حَقِّ الله تعالى، فقد يكفي الندمُ كما في ارتكاب الفرار من الزحف، وتَرْك الأمر بالمعروف، وقد تفتقرُ إلى أمرٍ زائٍ، كتسليم النفس للحَدِّ في الشرب، وتسليم ما وَجَبَ في ترك الزكاة (٤)، ومثله في تَرْكِ الصلاة، وإن تعلَّقتْ بحقوق العباد لَزمَ مع الندم والعزم إيصالُ حقِّ العبد أو بدله إليه إن كان الذنبُ ظُلْماً كما في الغصب والقتل العَمْد، (١) الإرشاد لإمام الحرمين ص٣٣٧، والكلام من شرح المقاصد ١٦٣/٥-١٦٤. (٢) في شرح المقاصد: والتقدير. (٣) شرح صحيح مسلم ١٧/ ٢٥. (٤) في هامش الأصل: في عدِّها من هذا القسم نظر. انتهى منه. الآية : ٨ ٢٦٤ سُورَةُ التَّجْرنيم ولَزِمَ إرشادُهُ إن كان الذنب إضلالاً له، والاعتذارُ إليه إن كان إيذاءً كما في الغِيبة إذا بلغته، ولا يلزمُ تفصيلُ ما اغتابه به، إلا إذا بَلَغَهُ على وجهٍ أفحش(١)، والتحقيقُ أنَّ هذا الزائد واجبٌ آخرُ خارجٌ عن التوبة، على ما قاله إمام الحرمين من أنَّ القاتلَ إذا نَدِمَ من غير تسليم نفسه للقصاص، صحَّتْ توبتُهُ في حقِّ الله تعالى، وكان مَنْعُهُ القصاص من مستحقٌّه معصيةً متجدِّدةً تستدعي توبةً، ولا يقدحُ في التوبة عن القتل، ثم قال: وربما لا تصحُّ التوبةُ بدون الخروج من حقِّ العبد كما في الغصب، فَفَرَّقَ بين القتل والغصب(٢). ووجهه لا يخفى على المتأمِّل. ولم يختلف أهل السنة وغيرُهم في وجوب التوبة على أرباب الكبائر، واختلف في الدليل، فعندنا السمع كهذه الآية وغيرها، وحَمْلُ الأمر فيها على الرخصة، والإيذان بقبولها(٣)، ودَفْع القنوط، كما جوَّزه الآمدي احتمالاً، وبنى عليه عدم الإثابة عليها = مما لا يكاد يُقْبَلُ، وعند المعتزلة العقل، وأوجبت الجهميةُ التوبةَ عن الصغائر سمعاً لا عقلاً، وأهلُ السنة على ذلك، ومقتضى كلام النووي والمازري وغيرهما وجوبُها حالَ التلبُّس بالمعصية، وعبارةُ المازري(٤): اتفقوا على أنَّ التوبةَ من جميع المعاصي واجبةٌ، وأنها واجبةٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، سواءٌ كانت المعصيةُ صغيرةً أو كبيرةً. وفي ((شرح الجوهرة)) أنَّ التمادي على الذنب بتأخير التوبة منه معصيةٌ واحدةٌ ما لم يعتقدْ معاودته، وصَرَّحتِ المعتزلةُ بأنها واجبةٌ على الفور، حتى يلزم بتأخيرها ساعةً إثمٌ آخرُ تجبُ التوبةُ عنه، وساعتين إثمان، وهَلُمَّ جرّا، بل ذكروا أنَّ بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعةً واحدةً يكون له كبيرتان: المعصية، وتركُ التوبة، وساعتين أربعٌ: الأوليان، وتركُ التوبة على كلٍّ منهما، وثلاثُ ساعاتٍ ثمانٌ وهكذا. وتصحُّ عن ذنبٍ دون ذنبٍ؛ لتحقُّق الندم والعزم على عدم العَوْد، وخالفَ (١) في هامش الأصل: وعند المالكية لا يجب التفصيل مع الإبراء مطلقاً. انتهى منه. (٢) شرح المقاصد ١٧١/٥ . (٣) في (م): بقولها. (٤) في كتابه: المعلم بفوائد مسلم ١٨٨/٣. الآية : ٨ ٢٦٥ سُورَةُ التَّجْرِيَةِ أبو هاشم محتجًا بأنَّ الندمَ على المعصية يجبُ أن يكونَ لقُبْحها، وهو شاملٌ لها كلّها، فلا يتحقَّقُ الندمُ على قبيحٍ مع الإصرار على آخر. وأجيب بأنَّ الشاملَ للكلِّ هو القُبْح، لا خصوصُ قُبْح تلك المعصية. وهذا الخلافُ في غير الكافر إذا أسلم وتابَ من كُفْره، مع استدامته بعض المعاصي، أما هو فتوبتُهُ صحيحةٌ، وإسلامه كذلك بالإجماع، ولا يُعاقَبُ إلا عقوبةَ تلك المعصية، نعم اختُلِفَ في أنَّ مجرَّدَ إيمانه هل يُعَدُّ توبةً، أم لا بدَّ من الندم على سالف كُفْره؟ فعند الجمهور: مجرَّدُ إيمانه توبة. وقال الإمام والقرطبيُّ(١): لا بدَّ من الندم على سالف الكُفْر. وعدمُ اشتراط العمل الصالح مُجْمَعٌ عليه عند الأئمة خلافاً لابن حزم. وكذا تصحُّ التوبةُ عن المعاصي إجمالاً من غير تعيين المتوب عنه، ولو لم يشقّ عليه تعيينه، وخالفَ بعضُ المالكية فقال: إنما تصحُّ إجمالاً مما عُلِمَ إجمالاً، وأما ما عُلِمَ تفصيلاً فلا بدَّ من التوبة منه تفصيلاً، ولا تنتقضُ التوبةُ الشرعيةُ بالعَوْد، فلا تعودُ عليه ذنوبُهُ التي تاب منها، بل العَوْدُ والنقضُ معصيةٌ أخرى يجبُ عليه أن يتوبَ منها . وقالت المعتزلة: من شروط صِحَّتها أن لا يُعاودَ الذنبَ، فإن عاوده انتقضتْ توبته وعادت ذنوبه؛ لأنَّ الندمَ المعتبَرَ فيها لا يتحقَّقُ إلا بالاستمرار، ووافقهم القاضي أبو بكر. والجمهور على أنَّ استدامةَ الندم غيرُ واجبةٍ، بل الشرط أن لا يطرأ عليه ما ينافيه ويدفعه؛ لأنه حينئذٍ دائمٌ حُكْماً كالإيمان حالَ النوم، ويلزمُ من اشتراط الاستدامة مزيدُ الحرج والمشقة، وقال الآمديُّ: يلزمُ أيضاً اختلالُ الصلوات وسائر العبادات، ويلزم أيضاً أن لا يكون بتقدير عدم استدامة الندم وتذكُّره تائباً، وأن يجب عليه إعادةُ التوبة، وهو خلاف الإجماع. نعم اختلف العلماء فيمن تذكَّر المعصيةَ بعد التوبة منها، هل يجبُ عليه أن يُجدِّدَ الندم؟ وإليه ذهب القاضي منا، (١) تفسير الرازي ١١٣/٢٤، وتفسير القرطبي ٣٢٩/٥. سُورَة التَّجْنِي ٢٦٦ الآية : ٨ وأبو عليٍّ من المعتزلة؛ زَعْماً منهما أنه لو لم يندمْ كلَّما ذَكَرَها لكان مشتهياً لها فرحاً بها، وذلك إبطالٌ للندم ورجوعٌ إلى الإصرار. والجواب المنع، إذ ربَّما يضرب . عنها صَفْحاً من غير نَّدَمِ عليها، ولا اشتهاءٍ لها وابتهاجٍ بها، ولو كان الأمرُ كما ذكر لَلَزِمَ أن لا تكونَ التوبةُ السابقةُ صحيحةً، وقد قال القاضي نفسه: إنه إذا لم يُجدِّدْ نَدَماً كان ذلك معصية جديدة يجبُ الندمُ عليها، والتوبةُ الأولى مَضَتْ على صِحَّتها؛ إذ العبادةُ الماضيةُ لا ينقضها شيءٌ بعد ثبوتها(١). انتهى. وبعدم وجوب التجديد عند ذِكْرِ المعصية صرَّحَ إمام الحرمين(٢). ويُفهَمُ من كلامهم أنَّ محلَّ الخلاف إذا لم يبتهجْ عند ذِكْرِ الذنب به، ويفرح ويتلذَّذ بذِكره أو سماعه، وإلا وَجَبَ التجديدُ اتفاقاً، وظاهرُ كلامهم أنَّ المعاودةَ غيرُ مبطلةٍ ولو كانت في مجلس التوبة، بل ولو تكرَّرتْ تكراراً يلتحقُ بالتلاعب، وفي هذا الأخير نظرٌ، فقد قال القاضي عياض: إنَّ الواقعَ في حَقِّ الله تعالى بما هو كُفْرٌ تنفعه توبتُهُ مع شديد العقاب، ليكون ذلك زَجْراً له ولمثله، إلا مَنْ تكرَّرَ ذلك منه وعُرِفَ استهانته بما أتى به، فهو دليلٌ على سوء طويَّته وكذب توبته. انتهى. وينبغي عليه أن يُقيّد ذلك بأنْ لا تَكْثُرَ كَثْرَةً تُشعِرُ بالاستهانة، وتُدخِلُ صاحبَها في دائرة الجنون. واختلف في صحة التوبة الموقَّتة بلا إصرارٍ، كأن لا يُلابِسَ الذنوبَ - أو ذنبٍ - كذا سَنَّة، فقيل: تصحُّ، وقيل: لا، وفي ((شرح الجوهرة)): قياسُ صِحَّتها من بعض الذنوب دون بعضٍ صحَّتها فيما ذكر. ثم إنَّ للتوبة مراتب، من أعلاها ما روي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه سَمِعَ أعرابيًّا يقول: اللهم إني أستغفركُ وأتوبُ إليك. فقال: يا هذا إنَّ سُرْعةَ اللسان بالتوبة توبةُ الكذابين. فقال الأعرابيُّ: وما التوبة؟ قال كرَّم الله تعالى وجهه: يجمعها ستةُ أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، (١) شرح المقاصد للتفتازاني ١٦٨/٥-١٦٩، والقاضي الآنف الذكر هو محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر المعروف بابن الباقلاني (ت ٤٠٣هـ). تاريخ بغداد ٣٧٩/٥. (٢) في الإرشاد ص٣٤٢. الآية : ٨ ٢٦٧ سُورَةُ التَّجْرني ورَدّ المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزمَ على أن لا تعود، وأن تُذيبَ نفسَكَ في طاعة الله كما ربَّيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارةَ الطاعة كما أَذَقتها حلاوةَ المعاصي. وأُريد بإعادة الفرائض أن يقضيَ منها ما وَقَعَ في زمان معصيته، كشارب الخمر يُعيدُ صلاته قبل التوبة؛ لمخامرته للنجاسة غالباً، وهذه توبةُ نحو الخواصِ، فلا مُستَتَدَ في هذا الأثر لابن حزمٍ وأضرابه كما لا يخفى. ثم إنه تعالى بيَّن فائدةَ التوبة بقوله سبحانه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَائِكُمْ وَيُدْرِلَكُمْ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ قيل: المراد أنه عزَّ وجلَّ يفعل ذلك، لكن جيءَ بصيغة الإطماع للجري على عادة الملوك، فإنهم إذا أرادوا فعلاً قالوا: عسى أن نفعل كذا، والإشعارِ بأنَّ ذلك تفضُّلٌ منه سبحانه، والتوبةُ غيرُ موجبةٍ له، وأنَّ العبدَ ينبغي أن يكونَ بين خوفٍ ورجاء، وإن بالغَ في إقامة وظائف العبادة. واستُدِلَّ بالآية على عدم وجوب قبول التوبة؛ لأنَّ التكفيرَ أثرُ القبول، وقد جيءَ معه بصيغة الإطماع دون القطع، وهذه المسألةُ خلافيةٌ، فذهب المعتزلة إلى أنه يجبُ على الله تعالى قبولها عقلاً. وأتوا في ذلك بمقدِّماتٍ مزخرفات. وقال إمام الحرمين(١) والقاضي أبو بكر: يجب قبولها سَمْعاً وَوَعْداً، لكن بدليلٍ ظَنِّيٍّ؛ إذ لم يثبتْ في ذلك نصٌّ قاطعٌ لا يحتمل التأويل. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: بل بدليلٍ قطعيٍّ. ومحلُّ النزاع بين الأشعري وتلميذيه ما عدا توبة الكافر، أما هي فالإجماع على قبولها قَطْعاً بالسَّمْع لوجود النص المتواتر بذلك كقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] بخلاف ما جاء في توبة غيره فإنه ظاهرٌ، وليس بنصٍّ في غفران ذنوب المسلم بالتوبة كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وأما حديث: ((التوبةُ تجبُّ ما قبلها))(٢) فليس بمتواترٍ، ولأنه إذا قُطِعَ بقبول توبة (١) في الإرشاد ص٣٣٩. (٢) لم نقف عليه. بهذا اللفظ مسنداً، وإنما الوارد من حديث عمرو بن العاص: ((يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تجبُّ ما كان قبلها))، وهو عند أحمد (١٧٧٧٧)، وتمام تخريجه ثمَّة. سُورَةُ المَجْرنيم ٢٦٨ الآية : ٨ الكافر، كان ذلك فتحاً لباب الإيمان وسَوْقاً إليه، وإذا لم يُقْطَعْ بتوبة المؤمن كان ذلك سَدًّا لباب العصيان ومَنْعاً منه، وهذا - وما قبله - ذكرهما القاضي لمَّا قيل له: إنَّ الدلائلَ مع الشيخ أبي الحسن. وقال ابن عطية: إنَّ جمهور أهل السنة على قول القاضي، والدليلُ على ذلك دعاءُ كلِّ أحدٍ من التائبين بقبول توبته، ولو كان مقطوعاً به لما كان للدعاء معنى(١). ومثل ذلك وجوبُ الشكر على القبول، فإنه لو كان واجباً لما وجب الشكر عليه. وتعقّب ذلك السعدُ بأنه ربما يدفع بأنَّ المسؤول في الدعاء هو استجماعها لشرائط القبول، فإنَّ الأمرَ فيه خطيرٌ، ووجوبُ القبول لا ينافي وجوبَ الشكر لكونه إحساناً في نفسه كتربية الوالد لولده. وقال الإمام النووي(٢): لا يجبُ على الله تعالى قبول التوبة إذا وُجدتْ بشروطها عند أهل السنة، لكنه سبحانه يقبلها كَرَماً منه وتفضُّلاً، وعرفنا قبولها بالشرع والإجماع، فلا تغفل. وقرئ: ((يُدْخِلْكُم)) بسكون اللام، وخرَّجه أبو حيان على أن يكون حذف الحركة تخفيفاً وتشبيهاً لما هو في كلمتين بالكلمة الواحدة، فإنه يقال في قِمَع: قِمْع، وفي نِطَع: نِظْع، وقال: إنه أولى من كونه للعطف على محلِّ ((عسى ربكم أن يُكفِّر))(٣). واختاره الزمخشريُّ(٤)، كأنه قيل: توبوا يُرْجَ تكفير أو يُوجَبُ تكفيرُ سیئاتکم ویدخلکم. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ﴾ ظرفٌ لـ ((يدخلكم))، وتعريفُ ((النبي)) للعهد، والمراد به سيِّدُ الأنبياء محمدٌ صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم، والمراد بنفي الإخزاء إثباتُ أنواع الكرامة والعِزّ. (١) المحرر الوجيز ٣٣٣/٥. (٢) في شرح صحيح مسلم ١٧/ ٥٩. (٣) البحر المحيط ٢٩٣/٨. (٤) في الكشاف ٤/ ١٣٠ . الآية : ٨ ٢٦٩ سُورَة المجني وفي ((القاموس))(١): يقال: أخزى الله تعالى فلاناً: فَضَحَه. وقال الراغب(٢): يقال: خَزِيَ الرجلُ: لَحِقَهُ انكسارٌ إما من نفسه، وهو الحياءُ المفرط، ومصدرُهُ الخَزَاية، وإما من غيره وهو ضَرْبٌ من الاستخفاف، ومصدره الخِزْيُ، و: (يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَ) فهو من الخِزي أقربُ، ويجوز أن يكون منهما جميعاً. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعٌَّ﴾ عَظْفٌ عليه عليه الصلاة والسلام، وفيه تعريضٌ بِمَنْ أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر والفسوق، واستحمادٌ على المؤمنين على أنْ عَصَمهم من مثل حالهم، والمراد بالإيمان هنا فردُهُ الكاملُ على ما ذكره الخفاجيّ(٣). وقوله تعالى: ﴿نُرُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَيِأَيْمَنِهِمْ﴾ أي: على الصراط - كما قيل ومرَّ الكلامُ فيه - جملةٌ مستأنفةٌ، وكذا قوله سبحانه: ﴿يَقُولُونَ﴾ إلخ، وجُوِّزَ أن تكون الجملتان في موضع الحال من الموصول، وأن تكون الأولى حالاً منه، والثانية حالاً من الضمير في ((يسعى))، وأن تكون الأولى مستأنفة، والثانية من الضمير، وأن تكون الأولى حالاً من الموصول، والثانية مستأنفة أو حالاً من الضمير، وجُوِّزَ أن يكون الموصولُ مبتدأً خبرُهُ ((معه»، والجملتان خبران آخران، أو مستأنفتان، أو حالان من الموصول، أو الأولى حالٌ منه، والثانية حالٌ من الضمير، أو الأولى مستأنفة، والثانية حالٌ من الضمير، أو الأولى حالٌ، والثانية مستأنفة، أو الأولى خبرٌ بعد خبرٍ، والثانيةُ حالٌ من الضمير أو مستأنفة. وجُوِّزَ أن يكون الموصولُ مبتدأً خبرُهُ قوله تعالى: ((نورهم يسعى)) إلخ، والجملة الأخرى مستأنفة أو حال، أو خبرٌ بعد خبرٍ، فهذه عِدَّةٌ احتمالاتٍ لا يخفى ما هو الأظهر منها . والقول على ما روي عن ابن عباس والحسن: يكون إذا طُفِئَ نورُ المنافقين، أي: يقولون إذا طُفِئَ نورُ المنافقين: ﴿رَبَّنَآَ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَاْ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (®). وفي رواية أخرى عن الحسن: يدعون تقرُّباً إلى الله تعالى مع تمام نورهم، وقيل: يقول ذلك مَنْ يمرُّ على الصراط زَحْفاً وحَبْواً. وقيل: مَنْ يُعطى من (١) مادة (خزي). (٢) في المفردات (خزي). (٣) في حاشيته ٢١٣/٨. . سُورَةُ التَّجْرِيَةِ ٢٧٠ الآية : ٩ - ١٠ النور بقدر ما يُبصِرُ به موضِعَ قَدَمه، ويُعلَمُ منه عَدَمُ تعيُّنٍ حَمْلِ الإيمان على فَرْده الكامل كما سمعتَ عن الخفاجيِّ. وقرأ سهل بن شعيب السهمي(١) وأبو حيوة: ((وبإيمانهم)) بكسر الهمزة على أنه مصدرٌ معطوفٌ على الظرف، أي: كائناً بين أيديهم وكائناً بسبب إيمانهم. ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنَفِقِينَ﴾ بالحُجَّة ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ واستعمل الخشونةَ على الفريقين فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرِّفْقُ مداه. وعن الحسن: أكثر ما كان يُصيبُ الحدود في ذلك الزمان المنافقين، فأُمِرَ عليه الصلاة والسلام أن يُغلِظَ عليهم في إقامة الحدود. وحكى الطبرسيُّ(٢) عن الباقر أنه قرأ: ((جاهد الكفَّارَ بالمنافقين)» وأظنُّ ذلك من كَذِبِ الإماميَّة عاملهم الله تعالى بعَدْله. ﴿وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّةٌ﴾ أي: وسَيَرَوْنَ فيها عذاباً غليظاً ﴿وَيِثْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي: جهنمُ، أو مأواهم، والعَظْفُ قيل: من عَظْفِ القصَّة على القصّة. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرْبُ المثل في مِثْلِ هذا الموقع عبارةٌ عن إيراد حالةٍ غريبةٍ لِتُعْرَفَ بها حالةٌ أخرى مشاكِلةٌ لها في الغرابة، أي: جعل الله تعالى مثلاً لحال الكَفَرة حالاً ومآلاً، على أنَّ ((مثلاً)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((ضَرَبَ))، واللامُ متعلِّقةٌ به، وقوله تعالى: ﴿أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ - واسمها قيل: والعة ﴿وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ﴾ واسمها قيل: واهلة، وقيل: والهة، وعن مقاتلٍ: اسمُ امرأة نوح: والهة، واسم امرأة لوط: والعة - مفعولُهُ الأول؛ وأُخْرَ عنه ليتَّصل به ما هو شَرْحٌ وتفسيرٌ لحالهما، ويتَّضحُ بذلك حالُ الكَفَرة، والمراد: ضَرَبَ الله تعالى مثلاً لحال أولئك حالَ امرأة .. إلخ، فقوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ﴾ بيانٌ لحالهما الداعية لهما إلى الخير (١) كذا في الأصل و(م): السهمي. والصواب: النهمي. ينظر الجرح والتعديل ١٩٩/٤. والقراءة في المحتسب ٣٢٤/٢، والبحر ٢٩٤/٨. (٢) في مجمع البيان ١٢٨/٢٨ . الآية : ١٠ ٢٧١ سُورَةُ التّجْرنة والصلاح، ولم يقلْ: تحتهما؛ للتعظيم، أي: كانتا في عِصْمة نبيَّين عظيمَي الشأن، متمكِّنتين من تحصيل خير الدنيا والآخرة، وحيازة سعادتهما . وقوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ بيانٌ لما صَدَرَ عنهما من الخيانة العظيمة مع تحقَّقِ ما ينافيها من مرافقة النبيِّ عليه الصلاة والسلام، أما خيانةُ امرأةٍ نوح عليه السلام فكانت تقول للناس: إنه مجنونٌ، وأما خيانة امرأةٍ لوط فكانت تدلُّ على الضيف. رواه جَمْعٌ وصحَّحه الحاكم عن ابن عباس(١). وأخرج ابن عدي والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وابن عساكر عن الضحاك أنه قال: خيانتهما النميمة(٢). وتمامه في روايةٍ: كانتا إذا أوحى الله تعالى بشيءٍ أفشتاه للمشركين(٣). وأخرج ابن المنذر(٤) عن ابن جريج أنه قال: خيانتهما أنهما كانتا كافرتين مخالفتین . وقيل: كانتا منافقتين. والخيانة والنفاق، قال الراغب: واحدٌ، إلا أنَّ الخيانةَ تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانةُ مخالَفَةُ الحقِّ بنَقْضِ العهد في السِّرِّ، ونقيضُها الأمانة(٥). وحُمِلَ ما في الآية على هذا، ولا تُفسَّرُ هاهنا بالفجور لما أخرج غيرُ واحدٍ عن ابن عباس: ما زنتِ امرأةٌ نبيٍّ قَطُ(٦). ورفعه أشرس إلى النبيِّ وَيَ(٧)، وفي ((الكشاف)) (٨): لا يجوز أن يُرادَ (١) الدر المنثور ٢٤٥/٦، والمستدرك ٤٩٦/٢، وتفسير الطبري ١١١/٢٣. (٢) الدر المنثور ٢٤٥/٦، وابن عدي في الكامل ٤٩٢/٢، والبيهقي في الشعب (١١١٢٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣١٩/٥٠. (٣) أخرجه أبو حاتم الرازي في الزهد (١٠٤). (٤) كما في الدر المنثور ٢٤٥/٦. (٥) المفردات (خون). (٦) أخرجه الطبري ٣٤٠/١٢ و١١٢/٢٣. (٧) الدر المنثور ٢٤٥/٦ وعزاه لابن عساكر، وهو في تاريخ مدينة دمشق ٣١٨/٥٠ من طريق سفيان الثوري عن أشرس الخراساني عن النبي ◌َّر، وليس في الصحابة من اسمه أشرس، فالحديث مرسل. (٨) ١٣١/٤. سُورَةُ التَّجَرِيمِ ٢٧٢ الآية : ١٠ بها الفجور؛ لأنه سَمْجُ(١) في الطبع، نقيصةٌ عند كلِّ أحدٍ، بخلاف الكُفْرِ، فإنَّ الكفرَ لا يستسمجونه، ويُسمُّونه حقًّا. ونقل ابن عطية (٢) عن بعضٍ تفسيرها بالكفر والزنى وغيره. ولَعَمْري لا يكاد يقول بذلك إلا ابن زنى، فالحقُّ عندي أنَّ عُهْر الزوجات كعُهْر الأمهات من المنفّرات التي قال السعد: إن الحقَّ منعُها في حَقِّ الأنبياء عليهم السلام، وما يُنسَبُ للشيعة مما يخالفُ ذلك في حَقِّ سيِّد الأنبياءِ وَّهَ كَذِبٌ عليهم، فلا تُعوِّلْ عليه وإن كان شائعاً. وفي هذا على ما قيل: تصويرٌ لحال المرأتين المحاكية لحال الكَفَرة في خيانتهم لرسول الله وَلجر بالكفر والعصيان، مع تمكّنهم التامّ من الإيمان والطاعة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ إلخ، بيانٌ لِمَا أدَّى إليه خيانتهما، أي: فلم يُغْنِ بحقِّ الزواج ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ذانك العبدان الصالحان والنبيَّان العظيمان ﴿عَنْهُ من عذابه عزَّ وجلَّ ﴿شَيْئًا﴾ أي: شيئاً من الإغناء، أو شيئاً من العذاب. ﴿وَقِيلَ﴾ لهما عند موتهما، أو يوم القيامة، وعبّر بالماضي لتحقُّق الوقوع: ﴿أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّاسِينَ ﴾ أي: مع سائر الداخلين من الكَفَرة الذين لا وُصْلَةً بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام. وذَكَر غيرُ واحدٍ أنَّ المقصودَ الإشارةُ إلى أنَّ الكَفَرَةَ يُعاقبون بكُفْرهم، ولا يُراعَوْن بما بينهم وبين النبيِّ وَّه من الوُصْلة، وفيه تعريضٌ لأمهات المؤمنين، وتخويفٌ لهنَّ بأنه لا يفيدهنَّ - إن أتينَ بما حُظر عليهنَّ - كونُهنَّ تحت نكاح النبيِّ وََّ، وليس في ذلك ما يدلُّ على أنَّ فيهنَّ كافرةً أو منافقةً كما زعمه يوسف الأوالي من متأخِّري الإماميَّة. سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. وقرأ مبشّر بن عبيد: ((تُغْنيا)) بالتاء المثناة من فوق، و((عنهما)) عليه بتقدير: عن نفسهما، قال أبو حيان(٣): ولا بدَّ من هذا المضاف، إلا أن يجعل ((عن)) اسماً کھي في: (١) أي: قبيح. القاموس (سمج). (٢) في المحرر الوجيز ٣٣٥/٥. (٣) البحر المحيط ٢٩٤/٨، وينظر القراءات الشاذة ص١٥٩. الآية : ١١ ٢٧٣ سُوَرَةُ التَّجْرِيِ (١) دَعْ عنك. لأنها إن كانت حَرْفاً كان في ذلك تعديةُ الفعل الرافع للضمير المتصل إلى ضميره المجرور، وهو يجري مجرى الضمير المنصوب، وذلك لا يجوز. وفيه بحثٌ. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: جَعَلَ حالها مثلاً لحال المؤمنين في أنَّ وصلة الكَفَرة لا تضرُّهم حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله عزَّ وجلَّ، وهي في أعلى غُرَفِ الجنة، واسمُها: آسيةٌ بنتُ مُزاحم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ﴾ ظَرْفٌ لمحذوفٍ، أي: وضَرَبَ الله مثلاً للذين آمنوا حالَ امرأةٍ فرعون إذ قالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ﴾ قيل: أي: قريباً من رحمتك؛ لتنزُّهه سبحانه عن المكان. وجُوِّز في ((عندك)) كونه حالاً من ضمير المتكلِّم، وكونه حالاً من قوله تعالى: ﴿بَيْئًا﴾ لتقدُّمه عليه وكان صفةً لو تأخّر. وقوله تعالى: ﴿فِى الْجَنَّةِ﴾ بدلٌ أو عَطْفُ بيانٍ لقوله تعالى: ((عندك)) أو متعلِّقٌ بقوله تعالى: ((ابْنٍ))، وقُدِّم ((عندك)) لنكتة، وهي كما في ((الفصوص)) الإشارة إلى قولهم: الجار قبل الدار. وجُوِّزَ أن يكون المراد بـ ((عندك)) أعلى درجات المقرَّبين؛ لأنَّ ما عند الله تعالى خيرٌ، ولأنَّ المرادَ القُرْبُ من العرش، و((عندك)) بمعنى: عند عرشك ومَقَرِّ عِزِّك، وهو - على ما قيل - على الاحتمالات في إعرابه، ولا يلزمُ كونُه ظرفاً للفعل. ﴿وَِّى مِنْ فِرْعَونَ﴾ أي: من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم ﴿وَعَمَلِهِ﴾ أي: وخصوصاً من عمله، وهو الكفرُ وعبادةُ غير الله تعالى، والتعذيبُ بغیر مُرْمِ، إلى غير ذلك من القبائح؛ والكلامُ على أسلوب: ملائكته وجبريل. وجُوِّزَ أن يكون المراد: نَجِّني من عمل فرعونَ، فهو من أسلوب: أعجبني زيدٌ وكَرَمهُ. والأولُ أبلغُ لدلالته على طلب البعد من نفسه الخبيئة، كأنه بجوهره عذابٌ ودمارٌ يُظْلَبُ الخلاص منه، ثم طلبٍ النجاة من عمله ثانياً تنبيهاً على أنه الطامّةُ العظمى. (١) قطعة من بيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٩٤، ولفظه: دَعْ عنك نهباً صِيحَ في حجراته ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرواحل سُورَةُ الَّجْرِيمِ ٢٧٤ الآية : ١٢ وَخَصَّ بعضُهم عمله بتعذيبه، وعن ابن عباس أنه الجماع، وما تقدم أولى. من القِبْط التابعين له في الظلم. قاله مقاتل، ﴿وَجِِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ وقال الكلبيُّ: من أهل مصر. وكأنه أراد بهم القبط أيضاً، والآيةُ ظاهرةٌ في أنها كانت مؤمنةً مصدِّقةً بالبعث، وذَكَرَ بعضُهم أنها عمةُ موسى عليه السلام، آمنتْ حين سمعتْ بتلقُّف العصا الإفك، فعذَّبها فرعون. وأخرج أبو يعلى والبيهقي بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة أنَّ فرعونَ وَتَدَ لامرأته أربعةَ أوتادٍ في يديها ورجليها، فكانت إذاً تفرَّقوا عنها أَظلَّتها الملائكةُ عليهم السلام، فقالت: رَبِّ ابْنٍ لي عندك بيتاً في الجنة. فكَشَفَ لها عن بيتها في الجنة(١). وهو على ما قيل: من دُرَّةٍ. وفي رواية عبد بن حميد(٢) عنه أنه وَتَدَ لها أربعةَ أوتاد، وأضجعها على ظهرها، وجعل على صَدْرها رحّى، واستقبل بها عينَ الشمس، فرفعتْ رأسَها إلى ففرَّجَ الله تعالى عن بيتها في السماء فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِ﴾ إلى: ﴿الظَّالِمِينَ ( الجنة، فَرَأْتُهُ. وقيل: أَمَرَ بأن تُلقى عليها صخرةٌ عظيمةٌ، فَدَعَتِ اللهَ تعالى، فرقى بروحها، فألقيت الصخرةُ علی جَسَدٍ لا روح فيه. وعن الحسن: فنجَّاها الله تعالى أكرمَ نجاةٍ، فَرَفَعها إلى الجنة، فهي تأكلُ وتشربُ وتتنغَّمُ فيها. وظاهره أنها رُفعتْ بجسدها، وهو لا يصحُّ. وفي الآية دليلٌ على أنَّ الاستعاذةَ بالله تعالى والالتجاءَ إليه عزَّ وجلَّ ومسألةَ الخلاص منه تعالى عند المِحَنِ والنوازل من سِيَرِ الصالحين وسَنَن الأنبياء، وهو في القرآن كثير. وقوله تعالى: ﴿وَمَّمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ﴾ عَظْفٌ على ((امرأة فرعون))، أي: وضَرَبَ (١) الدر المنثور ٢٤٥/٦، ومسند أبي يعلى (٦٤٣١)، وهو في شعب الإيمان للبيهقي (١٦٣٧) لكن من حديث سلمان، و(١٦٣٨) من حديث أبي رافع بنحوه. (٢) كما في الدر المنثور ٢٤٥/٦-٢٤٦. الآية : ١٢ ٢٧٥ سُورَةُ التَّجْرِيمِ مثلاً للذين آمنوا حالَتَها، وما أُوتيتْ من كرامةِ الدنيا والآخرة والاصطفاء، مع كون أكثر قومها كفَّاراً، وجُمِعَ في التمثيل بين مَنْ لها زوجٌ ومَنْ لا زَوجَ لها؛ تسلیةً للأرامل وتطبيباً لقلوبهنَّ على ما قيل، وهو من بِدَع التفاسير كما في ((الكشاف))(١). وقرأ السختياني: ((ابْنَه)) بسكون الهاء وَضْلاً، أجراه مجرى الوقف(٢). ﴿الَِّّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ صانته ومَنَعتَهُ من الرجال؛ وقيل: منعتهُ عن دَنَس المعصية . والفَرْجُ: ما بين الرِّجلَين، وكُني به عن السَّوأة؛ وكَثُرَ حتى صار كالصريح، ومنه ما هنا عند الأكثرين. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ النافخُ رسوله تعالى وهو جبريلُ عليه السلام، فالإسنادُ مجازيٌّ، وقيل: الكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: فَنَفَخَ رسولنا، وضمير ((فيه)) للفرج، واشتُهر أنَّ جبريل عليه السلام نَفَخَ في جَيْبها، فَوَصَلَ أَثَرُ ذلك إلى الفرج. وروي ذلك عن قتادة. وقال الفراء: ذكر المفسِّرون أنَّ الفرجَ جيبُ دِرْعها(٣). وهو محتملٌ؛ لأنَّ الفرجَ معناه في اللغة: كلُّ فُرْجةٍ بين الشيئين، وموضعُ جَيْبٍ دِرْع المرأة مشقوقٌ، فهو فَرْجٌ، وهذا أبلغُ في الثناء عليها؛ لأنها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعها، فهي للنفس أمنع. وفي ((مجمع البيان)) عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام(٤). وكان ذلك على ما قيل: قولها: ﴿إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَّقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. وأفاد كلامُ البعض أنَّ ((أحصنت فرجها)) على ما نقل أولاً عن الفراء كناية عن العِقَّة، نحو قولهم: هي نقيُّ الجيب طاهرُ الذيل. (١) ٤/ ١٣٢. (٢) البحر ٢٩٥/٨. (٣) معاني القرآن ١٦٩/٣. (٤) مجمع البيان ١٢٩/٢٨. سُورَةُ الَّجترني ٢٧٦ الآية : ١٢ وجُوِّزَ في ضمير ((فيه)) رجوعُهُ إلى الحمل وهو عيسى عليه السلام المشعِر به الكلام، وقرأ عبد الله ((فيها))(١) كما في ((الأنبياء)»، فالضميرُ لمريم. والإضافة في قوله تعالى: ﴿مِن رُوحِنَا﴾ للتشريف، والمراد: من روحٍ خلقناه بلا توسُّطِ أصل، وقيل: لأدنى ملابسةٍ. وليس بذاك. ﴿وَصَدَّقَتْ﴾ آمنت ﴿بِكَلِمَتِ رَبِّهَا﴾ بصُحُفِهِ عزَّ وجلَّ المنزلة على إدريس عليه السلام وغيره، وسمَّاها سبحانه كلماتٍ لِقِصَرِها ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بجميع كتبه، والمراد بها ما عدا الصُّحف مما فيه طُولٌ، أو التوراة والإنجيل والزبور، وعُدَّ المصحف من ذلك، وإيمانُها به ولم يكن مُنزلاً بعدُ كالإيمان بالنبيِّ الموعود عليه الصلاة والسلام، فقد كان ◌َلتر مذكوراً بكتابه في الكتب الثلاث. وتفسيرُ الكلمات والكتب بذلك هو ما اختاره جمعٌ، وجوَّزَ غيرُ واحدٍ أنْ يُرادَ بالكلمات ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام، وبالكتب ما عُرِفَ فيها مما يشمل الصحف وغيرها، وقيل: جميعُ ما كُتِبَ مما يشملُ اللوح وغيره، وأن يُرادَ بالكلمات وَعْدُهُ تعالى ووعيده، أو ذلك وأمره عزَّ وجلَّ ونهیه سبحانه، وبالكتب أحدُ الأوجه السابقة. وإرادةُ كلامه تعالى القديم القائم بذاته سبحانه من الكلمات بعيدٌ جدًّا . وقرأ يعقوب وأبو مجلز وقتادة وعصمة عن عاصم: ((صَدَقَتْ)) بالتخفيف(٢)، ويرجع إلى معنى المشدَّد، وفي ((البحر))(٣): أي: كانت صادقةً بما أخبرت به من أمر عيسى، وما أظهره الله تعالى لها من الكرامات. وفيه قصورٌ لا يخفى. وقرأ الحسن ومجاهد والجحدري: ((بكلمة)) على التوحيد(٤)، فاحتمل أن يكون اسمَ جنس، وأن يكون عبارةً عن كلمة التوحيد، وأن يكون عبارة عن عيسى عليه السلام، فقد أُطلق عليه عليه السلام أنه كلمةُ الله ألقاها إلى مريم، وقد مرَّ شرحُ ذلك. (١) الكشاف ١٣٢/٤، والبحر ٢٩٥/٨. (٢) تفسير الرازي ٥/٣٠، والبحر ٢٩٥/٨. (٣) ٨/ ٢٩٥. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٩، والبحر ٢٩٥/٨. الآية : ١٢ ٢٧٧ سُورَةُ التَّجرني وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: ((وكتابه)) على الإفراد(١)، فاحتمل أن يُرادَ به الجنس، وأن يُراد به الإنجيل، لا سيَّما إن فُسِّرتِ الكلمةُ بعيسى عليه السلام. وقرأ أبو رجاء: ((وكُتْبه)) بسكون التاء على ما قال ابن عطية(٢)، وبه وبفتح الكاف على أنه مصدرٌ أُقيم مُقام الاسم على ما قال صاحب ((اللوامح))(٣). ®﴾ أي: من عداد المواظبين على الطاعة، فـ ((من)) ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنَ للتبعيض، والتذكيرُ للتغليبِ والإشعارِ بأنَّ طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عُدَّتْ من جملتهم، فهو أبلغُ من قولنا: وكانت من القانتات، أو: قانتة. وقيل: ((من)) لابتداء الغاية، والمراد: كانت من نسل القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام، ومدحها بذلك لما أنَّ الغالبَ أنَّ الفَرْعَ تابعٌ لأصله: ﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهي على ما في بعض الأخبار سيِّدةُ النساء، ومن أكملهنَّ، روى أحمد في ((مسنده): ((سيِّدةُ نساء أهل الجنة مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، ثم عائشة))(٤). وفي الصحيح: ((كَمُلَ من الرجال كثيرٌ، ولم يكمُّلْ من النساء إلا أربع: آسيةُ بنتُ مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم، وفَضْلُ عائشةَ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)»(٥)، وخصَّ الثريد - وهو خبزٌ يُجعَلُ في مَرَقٍ وعليه لحم - كما قيل: (١) التيسير ص٢١٢، والنشر ٢٨٩/٢ وهي قراءة الجمهور عدا أبي عمرو وحفص ويعقوب. (٢) في المحرر الوجيز ٣٣٦/٥، وينظر المحتسب ٣٢٤/٢، والبحر ٢٩٥/٨. (٣) البحر ٢٩٥/٨. (٤) الدر المنثور ٢٣/٢ لكن عزاه لابن عساكر، وهو في تاريخ مدينة دمشق ١٠٦/٧٠-١٠٧، ولم نقف عليه في المسند بهذا اللفظ، والذي فيه من رواية ابن عباس: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة ـبه (١١٧٥٦): ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة عمران))، ومن رواية أبي سعيد الخدري رضي إلا ما كان من مريم بنت عمران)». (٥) رواه بهذا اللفظ الثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص١٦٧، وأخرجه أحمد (١٩٥٢٣)، والبخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١) من حديث أبي موسى الأشعري څبه دون ذكر خديجة وفاطمة. سُورَةُ التَّجْرِيمِ ٢٧٨ الآية : ١٢ إذا ما الخبزُ تأدِمُهُ بلحم فذاك أمانةَ اللهِ الثريدُ (١) لا اللحم فقط كما قيل؛ لأنَّ العربَ لا يُؤثرون عليه شيئاً، حتى سمّوه بحبوحة الجنة، والسِّرُّ فيه على ما قال الطيبيُّ: أنَّ الثريدَ مع اللحم جامعٌ بين الغذاء واللَّذَّة والقوّة وسهولة التناول وقلّة المؤنة في المضغ وسرعة المرور في المريء، فَضَرَبَ به مثلاً ليؤذن بأنها ﴿ّا أُعطيتْ مع حُسْنِ الخُلُق حلاوةَ المنطق، وفصاحةَ اللهجة، وجَوْدةَ القريحة، ورَزَانةَ الرأي، ورصانةَ العقل، والتحُّبَ للبعل، فهي تصلحُ للبَعل والتحدُّثِ والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وحَسْبُكَ أنها عقلت من النبي ◌َّ ما لم يعقل غيرُها من النساء، وَرَوَتْ ما لم يَروِ مثلُها من الرجال، وعلى مزيد فضلِها في هذه السورة الكريمة من عتابها وعتاب صاحبتها حفصة شيئًا ما لا يخفى. ثم لا يخفى أنَّ فاطمةَ ظِّها من حيثُ البَصْعية لا يَعْدِلها في الفضل أحد، وتمامُ الكلام في ذلك في محلِّه. وجاء في بعض الآثار أنَّ مريم وآسية زوجا رسول الله وَّه في الجنة، أخرج الطبرانيُّ عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله وَالر: ((إنَّ الله زوَّجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأةً فرعون، وأختَ موسى عليه السلام))(٢). وزَعْمُ نُبُوَّتها كَزَعْمِ نُبُوَّةٍ غيرهما من النساء كهاجر وسارة غيرُ صحيحٍ؛ لاشتراط الذكورة في النبوّة على الصحيح خلافاً للأشعريِّ، وقد نبّه على هذا الزعم العلّامةُ ابن قاسم في ((الآيات البينات))، وهو غريبٌ فليُحفظ، والله تعالى أعلم. - (١) البيت من شواهد سيبويه، وهو في الكتاب ١/ ٦١ و٤٩٨، وفي الأصول في النحو لابن السراج ٤٣٣/١، وفي شرح المفصل ٩٢/٩ دون نسبة. (٢) المعجم الكبير (٥٤٨٥)، قال في المجمع ٢١٨/٩: فيه من لم أعرفهم. سُؤَدَّةُ المُلكِ وتُسمَّى: تبارك، والمانعة، والمُنْجية، والمجادلة؛ فقد أخرج الطبرانيُّ(١) عن ابن مسعود قال: كَّا نُسمِّيها على عهد رسول الله وَّهِ: المانعة. وأخرج الترمذيُّ(٢) وغيرُه عن ابن عباس قال: ضرب بعضُ أصحاب النبيِّ وَّر خباءه على قبرٍ، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبرُ إنسان يقرأُ ((سورةَ الملك)» حتى ختمها، فأتى النبيَّ ◌َّلـ فأخبره، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((هي المانعةُ، هي المنجيةُ، تُنْجيه من عذاب القبر)). وأخرج الطبرانيُّ والحاكم وابنُ مَرْدويه، وعَبْد بنُ حُميد في (مسنده)) واللفظ له، عن ابن عباس أنه قال لرجلٍ: ألا أُتحفُك بحديثٍ تفرَحُ به؟ قال: بلى. قال: إِقرأ: ((تبارك الذي بيده الملك))، وعَلِّمها أهلَكَ، وجميعَ ولدكَ، وصبيانَ بيتكَ، وجيرانَكَ، فإنها المُنجية، والمجادلةُ يوم القيامة عند ربِّها لقارئها، وتطلب له أن تُنْجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبُها من عذاب القبر. الخبر (٣). وفي ((جمال القرَّاء)»: تُسمَّى أيضاً: الواقية المنَّاعة(٤). وهي مكيةٌ على الأصحِّ، وقيل: غيرَ ثلاث آياتٍ منها. وأخرجه جُوَيبر في ((تفسيره)) عن الضخَّاك، عن ابن عباس(٥). وفي قولٍ غريب: إنها مدنيةٌ. (١) المعجم الكبير (١٠٢٥٤). (٢) سنن الترمذي (٢٨٩٠)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. (٣) المعجم الكبير للطبراني (١١٦١٦)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (٦٠٣)، ولم نقف عليه في مطبوع الحاكم، وقد عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٢٤٦/٦ . (٤) جمال القراء للسخاوي ٢٠١/١، وفيه: المانعة، بدل: المناعة. (٥) في الأصل و(م): ابن جويبر، وهو خطأ، والمثبت من الإتقان ٥١/١، وعنه نقل المصنف، ووقع في الدر المنثور ٢٤٦/٦: ابن جرير، وهو تحريف. ٢٨٠ سورة الملك وآيُّها إحدى وثلاثون آيةً في المكيِّ والمدنيِّ الأخير، وثلاثون في الباقي(١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يُرجِّحُه. ووجهُ مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لمَّا ضرب مثلاً للكفَّار بتينك المرأتين المحتومٍ لهما بالشقاوة، وإن كانتا تحت نبيّن عظيمين، ومثلاً للمؤمنين بآسية ومريم وهما محتومٌ لهما بالسعادة، وأن أكثرَ قومهما كفَّار، افتتَحَ هذه بما يدلُّ على إحاطته عزَّ وجل وقهرهٍ، وتصرُّفه في ملكه على ما سبقَ به قضاؤه. وقيل: إنَّ أول هذه متَّصلٌ بقوله تعالى آخرَ ((الطلاق)): ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَتٍ﴾ [١٢] لِمَا فيه من مزيد البَسْط لِمَا يتعلَّق بذلك، وفَصَلَ بسورة ((التحريم)) لأنها كالقطعة من سورة ((الطلاق)) والتتمَّة لها . وقد جاء في فضلها أخبارُ كثيرةٌ، منها ما مرَّ آنفاً، ومنها ما أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه، وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إن سورةً من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آيَةٍ شَفَعت لرجلٍ حتى غُفِرِ له: ﴿تَبَّكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلْكُ﴾))(٢). ومنها ما جاء في حديثٍ رواه الطبرانيُّ وابنُ مردويه بسندٍ جيّد عن ابن مسعود، وآخر رواه عنه جماعةٌ وصحَّحه الحاكمُ: ((من قرأها في ليلةٍ فقد أكثَرَ وأطيَبَ))(٣). وأخرج ابنُ مردويه عن عائشة أنَّ النبيَّ وَِّ كان يقرأُ ﴿الّ ◌َ تَزِلُ﴾ السجدة، و﴿َتَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ كلَّ ليلةٍ، لا يدعُهما في سفرٍ ولا حضر (٤). (١) في حاشية الأصل: اختلافها آية واحدة: ﴿قَدْ جَنَا نَذِيرٌ﴾ مكي، والمدني الأخير. اهـ منه. وجاء فيها كذلك ما نصه: أخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي (تحرفت إلى ابن) هريرة، أنهما سمعا رسول الله وهو يقول: ((أنزلت عليَّ سورة ((تبارك)) وهي ثلاثون آية جملة واحدة)). الحدیث. اهـ منه. (٢) الدر المنثور ٢٤٦/٦، ومسند الإمام أحمد (٧٩٧٥)، وسنن أبي داود (١٤٠٠)، وسنن الترمذي (٢٨٩١)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٥٤٨)، وسنن ابن ماجه (٣٧٨٦)، والمستدرك للحاكم ١/ ٥٦٥. (٣) الدر المنثور ٢٤٧/٦، والمعجم الأوسط للطبراني (٦٢١٢)، والمستدرك للحاكم ٤٩٨/٢. (٤) الدر المنثور ٢٤٧/٦، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد (١٤٦٥٩)، والترمذي (٢٨٩٢).