النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ٢ ٢٤١ سُورَةُ التَّجْرني (لا يموتُ لرجلٍ ثلاثةُ أولادٍ، فتمسَّه النار، إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)»(١) يعني: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ إلخ [مريم: ٧١]، وتحليلُه بأقلِّ ما يقعُ عليه الاسمُ، كَمَنْ حَلَفَ أن ينزلَ، يكفي فيه إلمامٌ خفيفٌ، فالكلامُ كنايةٌ عن التقليل، أي: قَدْر الاجتياز اليسير. وكذا يَحِلُّ بالاستثناء، أي: بقول الحالف: إن شاء الله تعالى، بشَرْطه المعروف في الفقه. ويُقْهَم من كلام ((الكشاف)(٢) أنَّ التحليلَ يكونُ بمعنى الاستثناء، ومعناه كما في ((الكشف)): تعقيبُ اليمين عند الإطلاق بالاستثناء حتى لا تنعقد، ومنه: حلًّا، أَبيتَ اللَّعنَ .. (٣) وعلى القول بأنه كان منه عليه الصلاة والسلام يمينٌ كما جاء في بعض الروايات، وهو ظاهرُ الآية، اختُلِفَ هل أعطى وَّر الكفارةَ أم لا؟ فعن الحسن أنه عليه الصلاة والسلام لم يُعْطِ؛ لأنه كان مغفوراً له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخّر، وإنما هو تعليمٌ للمؤمنين(٤). وفيه أنَّ غُفرانَ الذنب لا يصلحُ دليلاً؛ لأنَّ تَرَتُّبَ الأحكام الدنيوية على فِعْله عليه الصلاة والسلام ليس من المؤاخذة على الذنب، کیف وغیرُ مُسَلَّم أنه ذنبٌ. وعن مقائلٍ أنه وَ﴿ أعتقَ رقبةً في تحريم مارية(٥)، وقد نقل مالكٌ في ((المدونة))(٦) عن زيد بن أسلم أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الكفارةَ في تحريمه أمَّ ولده، حيث حَلَفَ أن لا يقربها، ومثله عن الشعبيِّ. (١) أخرجه أحمد (١٠١٢٠)، والبخاري (٦٦٥٦)، ومسلم (٢٦٣٢) من حديث أبي هريرة (٢) ٤ / ١٢٥. (٣) طرف بيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص١٣٧، وتمامه: حلَّا أَبيتَ اللعنَ حـ ـلَّا إِنَّ فيما قلتَ آمَهْ ومعنى: أبيتَ اللعن. أي: أبيت أن تأتي شيئاً تلعن به، وهي تحية الملوك في الجاهلية. والآمة: العيب. (٤) الكشاف ١٢٦/٤، وتفسير الرازي ٤٤/٣٠. (٥) المصدران السابقان. (٦) المدونة ١٦٥/٣. سُورَةُ التَّجْرنية ٢٤٢ الآية : ٢ واختلف العلماء في حُكْم قول الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرامٌ، أو: الحلالُ عليَّ حرام، ولم يَسْتَثْنِ زوجَتَه؟ فقيل: قال جماعةٌ منهم مسروق وربيعة وأبو سلمة والشعبي وأصبغ: هو كتحريم الماء والطعام، لا يلزمه شيء. وقال أبو بكر وعمر وزيد وابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة والحسن والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: هو يمينٌ يُكفِّرها. وابنُ عباس أيضاً في رواية، والشافعيُّ - في قولٍ - في أحدٍ قوليه: فيه تكفيرُ يمينٍ، وليس بيمين. وأبو حنيفةً يرى تحريمَ الحلال يميناً في كلِّ شيء، ويعتبر الانتفاعَ المقصودَ فيما يُحرِّمه، فإذا حرَّمَ طعاماً فقد حَلَفَ على عدم أكله، أو أمةً فعلى وَظْئها، أو زوجةً فعلى الإيلاء منها إذا لم تكن له نيةٌ، فإن نوى الظهارَ فظهارٌ، وإن نوى الطلاقَ فطلاقٌ بائنٌ، وكذلك إن نوى اثنتين(١)، وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، وإن قال: نويتُ الكَذِبَ. دُيِّنَ بينه وبين الله تعالى، ولكن لا يُديَّنُ في قضاء الحاكم بإبطال الإيلاء؛ لأنَّ اللفظ إنشاءٌ في العرف. وقال جماعة: إن لم يُرِدْ شيئاً فهو يمينٌ. وفي ((التحرير)): قال أبو حنيفة وأصحابه: إن نوى(٢) الطلاقَ فواحدةٌ بائنةٌ، أو اثنتين فواحدةٌ، أو ثلاثاً فثلاثٌ، أو لم ينوٍ شيئاً فَمُوْلٍ، أو الظهارَ فظهارٌ. وقال ابن القاسم: لا تنفعه نيةُ الظهار، ويكون طلاقاً. وقال يحيى بن عمر: يكون كذلك، فإن ارتجعها فلا يجوزُ له وَظْؤُها حتى يُكفِّرَ كفارةَ الظهار، ويقعُ ما أراد من أعداده، فإن نوى واحدةً فرجعيَّة، وهو قولٌ للشافعي. وقال الأوزاعيُّ وسفيان وأبو ثور: أيّ شيءٍ نوى به من الطلاق وَقَعَ. وإن لم ينوٍ شيئاً، فقال سفيان: لا شيءَ عليه. وقال الأوزاعيُّ وأبو ثور: تقعُ واحدةً. وقال ابن جبير: عليه عِثْقُ رقبةٍ وإن لم يكن ظهاراً. وقال أبو قلابة وعثمان (١) في هامش الأصل: وقال بعض الحنفية: هذا عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة: لا يصح نية الثنتين وتقع واحدة. طيبي. (٢) في (م): إن النوى. الآية : ٢ ٢٤٣ سُورَةُ التَّجْرِنِ وأحمد وإسحاق: التحريمُ ظهارٌ، ففيه كفَّارته. وعن الشافعي: إن نوى أنها محرَّمةٌ كظهر أمِّه فظهار أو تحريم عينها بغير طلاق، أو لم ينوِ فكفَّارةُ يمين. وقال مالك: يقعُ ثلاثٌ في المدخول بها، وما أراد: من واحدة، أو ثنتين، أو ثلاثٍ، في غير المدخول بها. وقال ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون: تقع ثلاث في الوجهين. وروى ابن خُويز مَنْداد عن مالك، وقاله زيد وحماد بن أبي سليمان(١): تقعُ واحدةً بائنةً فيهما. وقال الزهري وعبد العزيز بن الماجشون: واحدةٌ رجعيةٌ. وقال أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم: يقعُ في التي لم يدخلْ بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث. وفي ((الكشاف))(٢): لا يراه الشافعيُّ يميناً ولكن سبباً في الكفارة في النساء وحدهنَّ، وأما الطلاق فرجعيّ عنده. وعن عليٍّ کرم الله تعالی وجهه: ثلاث، وعن زيد: واحدة بائنة، وعن عثمان: ظهار. وأخرج البخاريُّ ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس(٣) أنه قال: من حرَّم امرأته فليس بشيء، وقرأ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وللنسائي أنه أتاه رجلٌ فقال: جعلتُ امرأتي عليَّ حراماً، قال: كذبتَ، ليستْ عليكَ بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللّهُ لَكِّ﴾ عليك أغلظُ الكفارة عِثْقُ رقبة(٤). إلى غير ذلك من الأقوال، وهي في هذه المسألة كثيرةٌ جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلافٌ كثيرٌ أيضاً. واحتَجَّ بما في هذه الآية - من فَرْض تحليلها بالكفارة إن لم يستثنِ - مَنْ رأى (١) كذا في الأصل و(م) والبحر ٢٨٩/٨، والكلام منه. والذي في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٣٥، وتفسير القرطبي ٧٣/٢١: حماد بن سلمة. (٢) ٤ /١٢٥ -١٢٦. (٣) البخاري (٤٩١١)، ومسلم (١٤٧٣) (١٩)، وابن ماجه (٢٠٧٣)، ولم نقف عليه عند النسائي، وهو عند أحمد (١٩٧٦). (٤) النسائي في المجتبى ١٥١/٦، وفي الكبرى (٥٥٨٣). سُورَة المَجْرني ٢٤٤ الآية : ٣ التحريمَ مطلقاً، أو تحريمَ المرأة يميناً؛ لأنه لو لم يكن يميناً لم يُوجب الله تعالى فيه كفارة اليمين هنا . وأجيب بأنه لا يلزم من وجوب الكفارة كونه يميناً؛ لجواز اشتراك الأمرين المتغايرين في حُكْم واحدٍ، فيجوز أن تثبتَ الكفارةُ فيه لمعنّى آخر، ولو سُلِّم أنَّ هذه الكفارةَ لا تكونُ إلا مع اليمين، فيجوزُ أن يكونَ وَ له أقسمَ مع التحريم فقال في مارية: ((والله لا أطؤها))، أو في العسل: ((والله لا أشربه)) وقد رواه بعضُهم(١)، فالكفارةُ لذلك اليمين، لا للتحريم وحده، والله تعالى أعلم. ﴿وَلَّهُ مَّوْلَنْكُمْ﴾ سَيِّدكم ومتولِّي أموركم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ فيعلمُ ما يُصلحكم فيشرعهُ سبحانه لكم ﴿اَلَْكِيمُ ﴾﴾ المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ﴾ أي: واذكر إذ أَسَرَّ ﴿ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ﴾ هي حفصةُ على ما عليه عامةُ المفسِّرين، وزَعَمَ بعضُ الشيعة أنها عائشة، وليس له في ذلك شيعة، نعم رواه ابن مردويه(٢) عن ابن عباس، وهو شاذٌ. ﴿حَدِينًا﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات: («لكنِّي كنتُ أشربُ عَسَلاً عند زينب ابنة جحش، فلن أعودَ له، وقد حلفتُ، لا تخبري بذلك أحداً))(٣). أي: بالحديث ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾ أي: أخبرت. وقرأ طلحة: ((أنبأت))(٤). ﴿يدِ﴾ عائشة؛ لأنهما كانتا متصادقتين، وتضمَّنَ الحديثُ نقصان حٍَّ ضَرَّتهما زينب من حبيبهما رسول الله وَليو، حيث إنه عليه الصلاة والسلام - كما في البخاري(٥) وغيره - كان يمكثُ عندها لشرب ذلك، وقد اتخذ ذلك عادةً، كما يشعر به لفظ (١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٢٢٦) من حديث ابن عباس (٢) كما في الدر المنثور ٢٤١/٦ . (٣) أخرجه البخاري (٤٩١٢) من حديث عائشة (٤) القراءات الشاذة ص١٥٨، والمحرر الوجيز ٣٣٠/٥. (٥) برقم (٥٢٦٧) و(٦٦٩١). وسلف ص٢٤٣ من هذا الجزء. الآية : ٣ ٢٤٥ سُورَةُ التَّجَرِيم ((كان)) فاستخفَّها السرورُ فنبَّأْت بذلك ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: جعل الله تعالى النبيَّ ◌َّهِ ظاهراً على الحديث، مُطَّلعاً عليه من قوله تعالى: ﴿لِنُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] والكلام على ما قيل: على التجوُّز، أو تقدير مضاف، أي: على إنشائه، وجُوِّزَ كونُ الضمير لمصدر ((نبّأت)) وفيه تفكيكُ الضمائر، أو جعلَ الله تعالى الحديثَ ظاهراً على النبيِّ وَّةِ، فهو نظيرُ: ظهر لي هذه المسألة، وظهرتْ عليَّ، إذا كان فيه مزيدُ كُلْفةٍ واهتمامٍ بشأن الظاهر، فلا تغفل. ﴿عَّفَ﴾ أي: النبيُّ وَّ حفصةَ ﴿بَعْضَهُ﴾ أي: الحديث، أي: أَعلمها وأخبرها ببعض الحديث، الذي أَفشتُهُ. والمراد أنه وَّ قال لها: قلتِ كذا. لبعض ما أَسَرَّهُ إليها، قيل: هو قوله لها: ((كنتُ شربتُ عَسَلاً عند زينب بنت جحش، فلن أعود)). ﴿وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ هو - على ما قيل - قوله عليه الصلاة والسلام: ((وقد حلفتُ)) فلم يخبرها به تكرُّماً لما فيه من مزيد خجلتها، حيث إنه يفيد مزيد اهتمامه وَلطرد بمرضاة أزواجه، وهو لا يُحبُّ شيوعَ ذلك، وهذا من مزيد كرمه وَ له . وقد أخرج ابن مردويه(١) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ما استقصى كريمٌ قَظُ. وقال سفيان: ما زال التغافلُ من فِعْل الكرام. وقال الشاعر: لكنَّ سَيِّدَ قومِهِ المتغابي(٢) ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قومه وجُوِّزَ أن يكون ((عرَّف)) بمعنى جازى، أي: جازاها على بعضٍ بالعَتَبِ واللوم، أو بتطليقه عليه الصلاة والسلام إياها، وتجاوزَ عن بعض، وأيِّدَ بقراءة السُّلمي والحسن وقتادة وطلحة والكسائي وأبي عمرو في رواية هارون عنه: ((عَرَفَ)) بالتخفيف(٣)؛ لأنه على هذه القراءة لا يحتملُ معنى العلم؛ لأنَّ العلم تعلَّقَ به كلّه بدليل قوله تعالى: ((أظهره الله عليه)) مع أنَّ الإعراض عن الباقي يدلُّ على العلم، فتعيَّنَ أن يكونَ بمعنى المجازاة. (١) كما في الدر المنثور ٢٤١/٦، ونسبه القرطبي ٨١/٢١، وأبو حيان في البحر ٢٩٠/٨ للحسن. (٢) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ١/ ٨٧. (٣) التيسير ص٢١٢، والنشر ٣٨٨/٢ عن الكسائي، والكلام من البحر المحيط ٢٩٠/٨. سُورَةُ التَّجْرِيمِ ٢٤٦ الآية : ٣ قال الأزهريُّ في ((التهذيب))(١): مَنْ قرأ ((عَرَفَ)) بالتخفيف، أراد معنى غَضِبَ وجازى عليه، كما تقول للرجل يُسيءُ إليك: واللهِ لأعرفنَّ لك ذلك. واستحسنه الفراء(٢)، وقول ((القاموس))(٣): هو بمعنى الإقرار. لا وجهَ له هاهنا. وجُعِلَ المشدَّدُ من باب إطلاق المسبّب على السبب، والمخفَّفُ بالعكس، ويجوز أن تكون العلاقةُ بين المجازاة والتعريف اللزوم، وأُيِّدَ المعنى الأول بقوله تعالى: ﴿فَلَّا نََّهَا بِهِ، قَالَتْ﴾ لتعرف هل فضحتها عائشة أم لا: ﴿مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ اَلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، فإنه أوفقُ للإعلام، و((هذا)) على ما في ((البحر))(٤) على معنى ((بهذا)). وقرأ ابن المسيب وعكرمة: ((عرَّاف بعضه)) بألفٍ بعد الراء، وهي إشباعٌ، وقال ابن خالويه: ويقال: إنها لغةٌ يمانية(٥). وأخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس، وابنُ أبي حاتم عن مجاهد أنَّ النبيَّ وَله أَسَرَّ إلى حفصةَ تحريمَ مارية، وأنَّ أبا بكرٍ وعمرَ يَلِيان الناسَ بعده، فَأَسَرَّتْ ذلك إلى عائشةَ، فعرَّفَ بعضَهُ، وهو أمرُ مارية، وأعرضَ عن بعضٍ، وهو أنَّ أبا بكر وعمر يليان بعده، مخافةً أن يفشو (٦). وقيل: بالعكس، وقد جاء إسرار أمر الخلافة في عِدَّة أخبار؛ فقد أخرج ابن عديٍّ، وأبو نعيم [في ((فصائل الصحابة)) والعشاوي] في ((فضائل الصديق))، وابن مردويه من ◌ُرُقٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قالا: إنَّ إمارةَ أبي بكر وعمرَ لفي كتاب الله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِينًا﴾، قال لحفصة: ((أبوك، وأبو عائشة واليا الناسِ بعدي، فإياكِ أن تخبري أحداً))(٧). (١) تهذيب اللغة ٣٤٥/٢. (٢) في معاني القرآن ١٦٦/٣. (٣) مادة (عرف). (٤) ٢٩٠/٨. (٥) القراءات الشاذة ص١٥٨، والبحر ٢٩٠/٨. (٦) الدر المنثور ٦/ ٢٤١. (٧) الدر المنثور ٢٤١/٦، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ١٢٧٢. الآية : ٣ ٢٤٧ سُوَّةُ التَّجْرِيِ وأخرج أبو نعيم في ((فضائل الصحابة)) (١) عن الضحاك أنه قال في الآية: أَسَرَّ ◌َّهِ إلى حفصةَ أنَّ الخليفةَ من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر. وأخرج ابن أبي حاتم(٢) عن ميمون بن مهران نحوه. وفي ((مجمع البيان)) للطبرسي - من أَجَلِّ الشيعةِ - عن الزجَّاج قال: لما حرَّمَ عليه الصلاة والسلام ماريةَ القبطيةِ، أخبرَ [حفصةً] أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر، فعرَّفها بعضَ ما أفشتْ من الخبر، وأعرضَ عن بعضٍ أنَّ أبا بكر وعمر يملكان من بعدي. وقريبٌ من ذلك ما رواه العياشيُّ بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي جعفر الباقر رضُبه، إلا أنه زاد في ذلك أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما حَدَّثَتْ أباها بذلك، فعاتبهما في أمرٍ ماريةً وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرضَ أن يعاتبهما في الأمر الآخر(٣). انتهى. وإذا سلَّمَ الشيعةُ صحَّةً هذا، لزمهم أن يقولوا بصحَّةٍ خلافة الشيخين؛ لظهوره فيها كما لا يخفى. ثم إنَّ تفسيرَ الآية على هذه الأخبار أظهرُ من تفسيرها على حديث العسل، لكن حديثه أصحّ، والجمعُ بين الأخبار مما لا يكاد يتأتَّى. وقُصارى ما يمكن أن يقال: يحتملُ أن يكون النبيُّ وَ ◌ّه قد شَرِبَ عسلاً عند زينب كما هو عادته، وجاء إلى حفصة فقالت له ما قالت، فحرَّمَ العسل، واتفق له عليه الصلاة والسلام قبيل ذلك أو بعيده أن وَطِئَ جاريتَهُ ماريةَ في بيتها في يومها على فراشها، فَوَجَدَتْ، فحرَّم ◌َّ مارية، وقال لحفصة ما قال تطييباً لخاطرها، واستكتمها ذلك، فكان منها ما كان، ونزلت الآيةُ بعد القصَّتين، فاقتصرَ بعضُ الرواة على إحداهما، والبعضُ الآخر على نَقْلِ الأخرى، وقال كلٌّ: فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُها النَِّىُّ﴾ إلخ، وهو كلامٌ صادقٌ؛ إذليس فيه دعوى كلٌّ حَصْرَ علَّةِ النزول فيما نقله، فإنْ صحَّ هذا هانَ أمرُ الاختلاف، وإلا فاطلبْ لك غيره، والله تعالى أعلم. (١) كما في الدر المنثور ٢٤١/٦. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في الدر المنثور ٢٤١/٦: أخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران. والخبر في تاريخ مدينة دمشق ٢٢٣/٣٠. (٣) مجمع البيان ١٢٠/٢٨-١٢١، وما بين حاصرتين استدرك منه. سُورَةُ الَّجْرني ٢٤٨ الآية : ٣ واستُدِلَّ بالآية على أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى مَنْ يركنُ إليه من زوجةٍ أو صديق، وأنه يلزمه كَتْمُهُ. وفيها على ما قيل: دلالةٌ على أنه يحسُنُ حُسْنُ العشرة مع الزوجاتِ، والتلظّف في العتب، والإعراض عن استقصاء الذنب، وقد روي أنَّ عبد الله بن رواحة - وكان من النقباء - كانت له جاريةٌ، فاتَّهمته زوجته ليلةً، فقال قولاً بالتعريض، فقالت: إن كنتَ لم تقربها فاقرأ القرآن فأنشد: رسولُ الذي فوقَ السماوات من عَلُ شَهِدُت فلم أكذبْ بأنَّ محمداً له عملٌ في دينه مُتقبَّلُ ومَنْ دانها كلٌّ عن الخير مُعزَلُ وأنَّ أبا يحيى ويحيى كلاهما وأنَّ التي بالجزع من بطنٍ نخلة فقالت: زدني، فأنشد : وفينا رسولُ الله يتلو كتابَهُ أتی بالهدی بعد العمی فنفوسنا يَبيتُ يُجافي جنبهُ عن فراشه فقالت: زدني، فأنشد: شهدتُ بأنَّ وَعْدَ الله حقٌّ وأنَّ محمداً يدعو بحقِّ وأنَّ العرش فوقَ الماء طافٍ ويحملُهُ ملائكةٌ شِدادٌ كما لاح معروفٌ من الصُّبح ساطعُ به مُوقِنَاتٌ أنَّ ما قال واقعٌ إذا رقدتْ بالكافرين المضاجعُ وأنَّ النارَ مثوى الكافرينا وأنَّ الله مولى المؤمنينا وفوقَ العرش ربّ العالمينا ملائكةُ الإله مُسَوَّمينا فقالت: أما إذا قرأتَ القرآن فقد صَدَّقتك، وفي روايةٍ أنها قالت - وقد كانت رأته على ما تكره -: إذن صَدَق اللهُ وكذب بَصَري. فأخبر النبيَّ بَِّ فتبسَّم، وقال: ((خيركم خيركم لنسائه))(١). (١) ذكره بتمامه الطبرسي في مجمع البيان ١٢١/٢٨-١٢٢، وينظر ما ورد فيه من روايات - وجميعها مرسلة - في العيال لابن أبي الدنيا ٢/ ٧٧٠-٧٧٣، وسنن الدار قطني (٤٣٢)، وسير أعلام النبلاء ٢٣٨/١-٢٣٩. الآية : ٤ ٢٤٩ سُوَةُ التَّجْرِّنة ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ خطابٌ لحفصة وعائشة ◌ًَّا على الالتفات من الغَيبة إلى الخطاب؛ للمبالغة في المعاتبة، فإنَّ المبالِغَ في العتاب يُصيِّرُ المعاتَبَ أولاً بعيداً عن ساحة الحضور، ثم إذا اشتدّ غضبُهُ توجَّه إليه وعاتبه بما يريد، وكونُ الخطاب لهما لِمَا أخرج أحمد والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وابن حبان وغيره عن ابن عباس قال: لم أزلْ حريصاً أن أسألَ عمر ◌َالله عن المرأتين من أزواج النبيِّ وَّرِ اللَّتين قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُبآ﴾ إلخ حتی حَجَّ عمرُ وحَجَجْتُ معه، فلما كان ببعض الطريق، عَدَلَ عمرُ وعَدَلْتُ معه بالإداوة، فنزل، ثم إني صببتُ على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَنِ المرأتان من أزواج النبيِّ وَّ﴿ اللتان قال الله تعالى: إِن نَنُوبَا﴾ إلخ؟ فقال: وَاعجباً لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة. ثم أنشأ يُحدِّثني الحديثَ(١)، الحديث بطوله. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالتْ عن الواجب من مخالفته(٢) الّ بحُبِّ ما يُحبُّهُ وكراهة ما يكرهه إلى مخالفته، والجملةُ قائمةٌ مقامَ جواب الشرط بعد حَذْفه، والتقديرُ: ((إن تتوبا)) فَلِتَوبتكما موجبٌ وسببٌ، ((فقد صغتْ قلوبكما))، أو: فحقّ لكما ذلك، فقد صَدَرَ ما يقتضيها، وهو على معنى: فقد ظهر أنَّ ذلك حقٍّ، كما قيل في قوله: إذا ما انتسبنا لم تلدني لقيمة (٣) من أنه بتأويل: تبيَّنَ أني لم تلدني لئيمةٌ. وجَعَلَها ابنُ الحاجب جواباً من حيث الإعلام، كما قيل في: إن تكرمني اليومَ فقد أكرمتُكَ أمس. وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديره: يَمْحُ إثمكما، وقوله تعالى: ((فقد صغت)» إلخ (١) الدر المنثور ٢٤٢/٦، وأحمد (٢٢٢)، والبخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)، والترمذي (٢٤٦١) و(٣٣١٨)، وابن حبان (٤٢٦٨). (٢) تحرفت في الأصل و(م) إلى: مخالفته، والمثبت من تفسير البيضاوي ٢١١/٨، ومعناها كما قال الشهاب: موافقة أخلاقه والتخلق بها. وجاء في الكشاف ١٢٧/٤، وتفسير النسفي ٢٢٤/٥، وتفسير أبي السعود ٢٦٧/٨: مخالصته. (٣) سلف في سورة مريم، الآية (٧٩). الآية : ٤ ٢٥٠ سُورَةُ التَّجْرني بيانٌ لسبب التوبة. وقيل: التقديرُ: فقد أَدَّيتما ما يجبُ عليكما، أو أتيتما بما يحقُّ لكما، وما ذُكِرَ دليلٌ على ذلك. قيل: وإنما لم يفسروا: ((فقد صغت قلوبكما)) بـ : مالتْ إلى الواجب، أو الحقِّ، أو الخير، حتى يصحّ جعلُهُ جواباً من غير احتياج إلى نحو ما تقدَّم؛ لأنَّ صيغةَ الماضي، و((قد))، وقراءةَ ابن مسعود: ((فقد زاغتْ قلوبكما)) (١)، وتكثيرَ المعنى مع تقليل اللفظ، يقتضي ما سلف. وتُعقِّبَ بأنه إنما يتمشَّى على ما ذهب إليه ابنُ مالك من أنَّ الجوابَ يكونُ ماضياً وإن لم يكن لفظ ((كان))، وفيه نظرٌ. والجمع في ((قلوبكما)) دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، وهو في مثل ذلك أكثرُ استعمالاً من التثنية والإفراد، قال أبو حيان: لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر كقوله: حمامةَ بطنِ الواديَيْن ترئَّمي(٢) وغلَّطَ رحمه الله تعالى ابنَ مالكٍ في قوله في ((التسهيل)): ويختارُ لفظ الإفراد على لفظ التثنية (٣). ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ بحَذْفِ إحدى التاءين وتخفيف الظاء، وهي قراءةُ عاصم ونافع في رواية، وطلحة والحسن وأبو رجاء(٤). وقرأ الجمهور: ((تَّاهرا)) بتشديد الظاء، وأصله: تتظاهرا، فأدغمتِ التاءُ في الظاء، وبالأصل قرأ عكرمة(٥)، وقرأ أبو عمرو في رواية أخرى: ((تظَّهَّرا)) بتشديد الظاء والهاء دون ألف(٦). والمعنى: فإن تتعاونا عليه وَّه بما يسوؤه من الإفراط في الغَيْرة وإفشاء سِرِّه. (١) تفسير الطبري ٩٣/٢٣، والمحرر الوجيز ٣٣١/٥، والكشاف ٤/ ١٢٧. (٢) صدر بيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص١٤٨ وعجزه: سقاكِ من الغُرِّ العذابِ مطيرُها. (٣) التسهيل ص١٩، والبحر ٢٩١/٨. (٤) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢ عن عاصم وحمزة والكسائي، والكلام من البحر ٢٩١/٨. (٥) الكشاف ١٢٨/٤، والبحر ٢٩١/٨. (٦) القراءات الشاذة ص١٥٨، والكشاف ١٢٨/٤، والبحر ٢٩١/٨. الآية : ٤ ٢٥١ سُورَةُ التَّجْرِيمِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ أي: ناصره، والوقف - على ما في ((البحر))(١) وغيره - هنا أحسن، وجعلوا قوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ مبتدأ، وقوله سبحانه: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْعَلَتِكَةُ﴾ معطوفاً عليه، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد نُصْرة الله تعالى متعلِّقاً بقوله جلَّ شأنه: ﴿ظَهِيرُ ﴾﴾ وجعلوه الخبر عن الجميع، وهو بمعنى الجمع، أي: مظاهرون، واختير الإفرادُ لجعلهم كشيءٍ واحدٍ، وجُوِّزَ أن يكونَ خبراً عن ((جبريل))، وخبر ما بعده مقدَّر، نظير ما قالوا في قوله: ومَنْ يكُ أمسى بالمدينة رحلُهُ فإني وقيَّار بها لغريبُ(٢) وجُوِّز أن يكون الوقف على ((جبريل))، أي: وجبريل مولاه، و((صالح المؤمنين)) مبتدأ، وما بعده معطوفٌ عليه، والخبر ((ظهير)). وظاهر كلام ((الكشاف))(٣) اختيار الوقف على ((المؤمنين))، فـ ((ظهير)) خبر ((الملائكة))، وعليه غالبُ مختصريه، وظاهرُ كلامهم التقدير لكلٍّ من ((جبريل)) و(صالح المؤمنين)) خبراً، وهو إما لفظ ((مولى)) مراداً به مع كلٍّ معنّى من معانيه المناسبة، أي: ((وجبريل)) مولاه، أي: قرينه، ((وصالح المؤمنين)) مولاه، أي: تابعه، أو لفظً آخر بذلك المعنى المناسب، وهو قرينه في الأول، وتابعه في تابعه، ولا مانع من أن يكون المولى في الجميع بمعنى الناصر كما لا يخفى. وزيادة ((هو)) على ما في ((الكشاف)) (٤) للإيذان بأنَّ نُصْرته تعالى عزيمةٌ من عزائمه، وأنه عزَّ وجلَّ متولِّي ذلك بذاته تعالى، وهو تصريحٌ بأنَّ الضميرَ ليس من الفصل في شيء، وأنه للتقوِّي لا للحصر، والحصرُ أكثريٌّ في المعرفتين على ما نقله في ((الإيضاح)) وإن كان كلامُ السَّكاكي موهماً الوجوب(٥)؛ هذا والمبالغةُ محقَّقةٌ (١) ٢٩١/٨. (٢) البيت لضابئ بن الحارث البُرجمي، وهو في الكتاب ١/ ٧٥، والكامل ٤١٦/١، وأخبار الزجاجي ص٢٦، وخزانة الأدب ٣٢٦/٩ و٣١٢/١٠. ووقعت الرواية في بعض المصادر: وقياراً، بدل: وقيار. قال المبرِّد في الكامل: ولو رُفع لكان جيداً. (٣) ١٢٧/٤. (٤) ٤ / ١٢٧. (٥) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ١/ ٨٠-٨١، ومفتاح العلوم للسكاكي ص٢٠٦-٢٠٧. الآية : ٤ ٢٥٢ سُورَةُ التَّجْرني على ما نصَّ عليه سيبويه وحُقِّقَ في الأصول، وأما الحصرُ فليس من مقتضى اللفظ، فلا يردُ أنَّ الأَولى أن يكون ((وجبريل)) وما بعده مخبَراً عنه بـ ((ظهير))، وإن سُلِّمَ فلا ينافيه؛ لأنَّ نُصْرَتهم نُصْرَتُهُ تعالى، فليس من الممتنع على نحو: زيدٌ المنطلق وعمرو، كذا في ((الكشف)). ووجه تخصيص جبريل عليه السلام بالذكر مزيد فضله، بل هو رأسُ الكروبيين(١). والمراد بالصالح عند كثيرٍ: الجنسُ الشاملُ القليل والكثير، وأُريد به الجمع هنا، ومثله قولك: كنتُ في السَّامر والحاضر، ولذا عمّ بالإضافة، وجُوِّزَ أن يكون اللفظُ جَمْعاً، وكان القياسُ أن يكتب ((وصالحوا)) بالواو إلا أنها حُذفتْ خَظًّا تبعاً لحذفها لفظاً، وقد جاءت أشياء في المصحف تُبع فيها حكم اللفظ دون وضع الخطّ نحو: ﴿وَيَدْعُ الْإِسَنُ﴾ [الإسراء: ١١] و: ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] و: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] و: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] إلى غير ذلك. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ الإضافةَ للعهد، فقيل: المراد به الأنبياء عليهم السلام. وروي عن ابن زيد وقتادة والعلاء بن زياد. ومظاهرتهم له، قيل: تضمُّنُ كلامهم ذَّ المتظاهرين على نبيٍّ من الأنبياء عليهم السلام. وفيه من الخفاء ما فيه. وقيل: عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه ابن مردويه وابن عساكر عن ابن (٢) عباس(٢). وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت: سمعتُ رسول الله وَلّ يقول: ((وصالح المؤمنين: عليّ بن أبي طالب))(٣). وروى الإماميَّةُ عن أبي جعفر أنَّ النبيَّ وَّرَ حين نزلت أَخَذَ بيد عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فقال: ((يا أيها الناس، هذا صالح المؤمنين))(٤). (١) الكروبيون: سادة الملائكة، جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. الفائق للزمخشري ٢٥٨/٣. (٢) الدر المنثور ٢٤٤/٦، وتاريخ دمشق ٣٦١/٤٢، وفي إسناده الحكم بن ظهير، وهو متروك. (٣) الدر المنثور ٢٤٤/٦، وضعف إسناده الحافظ في الفتح ٤٢٢/١٠. (٤) مجمع البيان ٢٨/ ١٢٤. الآية : ٤ ٢٥٣ سُوَةُ التَّجْرِيُِّ وأخرج ابن عساكر(١) عن الحسن البصري أنه قال: هو عمر بن الخطاب. وأخرج هو وجماعة عن سعيد بن جبير قال: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزل في عمر بن الخطاب خاصة(٢). وأخرج ابن عساكر(٣) عن مقاتل بن سليمان أنه قال: وصالح المؤمنين: أبو بكر وعمر وعلي وقيل: الخلفاء الأربعة. وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس قالا: نزلت ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في أبي بكرٍ وعمرَ(٤). وذهب إلى تفسيره بهما عكرمة ومیمون بن مهران وغيرهما . وأخرج الحاكم عن أبي أمامة(٥)، والطبرانيُّ وابن مردويه وأبو نعيم في ((فضائل الصحابة)) عن ابن مسعود عن النبيِ وَلّ قال: ((﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر))(٦). وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أبي يقرؤها: ((وصالحُ المؤمنين أبو بكر وعمر))(٧). ورجّح إرادة ذلك بأنه اللائقُ بتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين الظهير المعنويِّ والظهير الصُّوري، كيف لا وإن جبريل عليه السلام ظهيرٌ له وَلِهِ يُؤيِّدُه بالتأييدات (١) كما في الدر المنثور ٢٤٣/٦. (٢) قال الحافظ في الفتح ٤٢٢/١٠: أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير. (٣) في تاريخ دمشق ٤٤/ ٤٥. (٤) المعجم الأوسط (٨٢٠)، قال في المجمع ٩/ ٥٢: فيه فرات بن السائب، وهو متروك. (٥) المستدرك ٦٩/٣، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: موسى (وهو ابن عمير، أحد رجال الإسناد) واه. (٦) المعجم الكبير (١٠٤٧٧). قال في المجمع ٧/ ١٢٧ : فيه عبد الرحيم بن زيد العمِّي، وهو متروك . (٧) الدر المنثور ٢٤٣/٦، والكلبي متهم بالكذب. الآية : ٤ ٢٥٤ سُورَة التَّجْرنة الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة، مع أنَّ بيان مظاهرتهما له عليه السلام أشدُّ تأثيراً في قلوب بِنْتَيْهِما وتوهيناً لأمرهما . وأنا أقول: العموم أولی، وهما - وكذا عليٍّ کرم الله تعالی وجهه - يدخلان دخولاً أوَّليًّا، والتنصيصُ على بعضٍ في الأخبار المرفوعة - إذا صحَّتْ ـ لنكتةٍ اقتضت ذلك، لا لإرادة الحصر؛ ويؤيِّد ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبيِّ وَّر أنه قال في ذلك: ((من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر))(١). وفائدةُ ((بعد ذلك)) التنبيهُ على أنَّ نُصْرةَ الملائكة عليهم السلام أقوى وجوه نُصْرته عزَّ وجلَّ وإن تنوَّعت، ثم لا خفاء في أنَّ نصرةً جميع الملائكة - وفیھم جبريل - أقوى من نُصْرة جبريل عليه السلام وحده. وقيل: الإشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصَّةً، فالتعظيم بالنسبة إليها، وفي التنبيه على هذا دَفْعُ توهُّمِ ما يوهمه الترتيبُ الذكري من أَعْظَميَّة مظاهرة المتقدِّم. وبالجملة: فائدةُ (بعد ذلك)) نحو فائدةِ ((ثم)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧] وهو التفاوت الرُّتْبي، أي: أعظميَّة رتبة ما بعدها بالنسبة إلى ما قبلها، وهذا لا يتسنَّى على ما نقل عن الحبر (٢)، بل ذلك للإشارة إلى تبعيَّة المذكورين في النُّصْرة والإعانة لله عزَّ وجلَّ . وأيًّا ما كان فـ ((إنْ)) شرطية، و((تظاهرا)) فعل الشرط، والجملة المقرونة بالفاء دليلُ الجواب وسببه(٣) أقيم مقامه، والأصل: فإن تظاهرا عليه فلن يعدم مَن يظاهره فإنَّ الله مولاه، وجُوِّزَ أن تكونَ هي بنفسها الجواب، على أنها مجازٌ أو كنايةٌ عن ذلك. وأعظمَ جلَّ جلاله شأنَ النُّصْرة لنبيِّه وَّل على هاتين الضعيفتين، إما للإشارة إلى عِظَمِ مَكْرِ النساء، أو للمبالغة في قَطْعِ حبال طَمَعهما لِعِظَم مكانتهما عند (١) الدر المنثور ٢٤٣/٦ وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٣٠٤/١، وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك. (٢) في (م): البحر. وجاء في هامش الأصل: ابن عباس. (٣) في (م): وسبب. الآية : ٥ ٢٥٥ سُورَةُ التَّجَرِيمِ رسول الله عليه الصلاة والسلام وعند المؤمنين؛ لأمومتهما لهم، وكرامة له وَله، ورعاية لأبويهما في أنَّ تظاهرهما يجديهما نفعاً. وقيل: المراد المبالغةُ في توهين أمر تظاهرهما، ودَفْع ما عسى أن يتوقَّمه المنافقون من ضرره في أمر النبوّة والتبليغ، وقهر أعداء الدين، لما أنَّ العادةَ قاضيةٌ باشتغال بالِ الرجل بسبب تظاهُرٍ أزواجه عليه، وفيه أيضاً مزيدُ إغاظةٍ للمنافقين، وحَسْمٌ لأطماعهم الفارغة، فكأنه قيل: فإن تظاهرا عليه لا يضرُّ ذلك في أمره، فإنَّ الله تعالى هو مولاه وناصرُهُ في أمر دينه وسائر شؤونه على كلٍّ من يتصدَّى لما يكرهه، وجبريلُ وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك مظاهِرون له، ومُعينون إياه كذلك. ويلائم هذا تَرْكُ ذكر المُعان عليه، حيث لم يقل: ظهيرٌ له عليكما، مثلاً، وكذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعَان فيه وتخصيص ((صالح المؤمنين)) بالذكر، وتَقْوَى هذه الملاءمةُ على ما روي عن ابن جبير من تفسير («صالح المؤمنين) بمَنْ بَرِئَ من النفاق. فتأمَّل. ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ﴾ أي: أن يُعطِيَهُ عليه الصلاة والسلام بدلكنَّ ﴿أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ والخطابُ لجميع زوجاته وَّرِ أمهات المؤمنين على سبيل الالتفات، وخُوطِبْنَ لأنهنَّ في مهبط الوحي وساحة العِزِّ والحضور، ويُرشِدُ إلى هذا ما أخرجه البخاريُّ(١) عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساءُ النبيِّ نَّرَ في الغَيرة عليه، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَبًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. وليس فيها أنه عليه الصلاة والسلام لم يُطلِّقْ حفصةَ، وأنَّ في النساء خيراً منهنَّ، مع أنَّ المذهبَ على ما قيل: إنه ليس على وجه الأرض خيرٌ منهنَّ؛ لأنَّ تعليقَ طلاق الكلِّ لا ينافي تطليقَ واحدةٍ، والمعلَّقُ بما لم يقعْ لا يجبُ وقوعه. وجُوِّزَ أن يكونَ الخطابُ للجميع على التغليب، وأصلُ الخطاب لاثنتين منهنَّ، وهما المخاطَبتان أولاً بقوله تعالى: (إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) إلخ، فكأنه قيل: عسى رَبُّه إن طلَّقكما وغيركما، أن يُبدِله خيراً منكما ومن غيركما من (١) في صحيحه (٤٩١٦)، وهو عند أحمد (١٥٧). الآية : ٥ ٢٥٦ سُورَة المَجْرَةِ الأزواج، والظاهرُ أنَّ عَدَمَ دلالة الآية على أنه عليه الصلاة والسلام لم يُطلِّق حفصةَ، وأنَّ في النساء خيراً من أزواجه بَّهِ على حاله؛ لأنَّ التعليقَ على طلاق الاثنتين ولم يقع، فلا يجبُ وقوعُ المعلَّق ولا ينافي تطليقَ واحدة. وقال الخفاجيُّ: التغليبُ في خطاب الكلِّ مع أنَّ المخاطَبَ أولاً اثنتان، وفي لفظة ((إن)) الشرطيَّة أيضاً الدالة على عدم وقوع الطلاق. وقد روي أنه وَيُ طلَّقَ حفصةَ، فغلّب ما لم يقع من الطلاق على الواقع، وعلى التعميم لا تغليبَ في الخطاب ولا في ((إن))(١). انتهى، وفيه بحثٌ. ثم إنَّ المشهورَ أنَّ ((عسى)) في كلامه تعالى للوجوب، وأنَّ الوجوبَ هنا إنما هو بعد تحقَّق الشرط، وقيل: هي كذلك إلا هنا، والشرطُ معترضٌ بين اسم ((عسى)) وخبرها، والجوابُ محذوفٌ، أي: إن طلَّقكنَّ فعسى .. إلخ. و((أزواجاً)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((يبدل))، و((خيراً)) صفته، وكذا ما بعد. وقرأ أبو عمرو في رواية عياش: ((طلَّقكنَّ)) بإدغام القاف في الكاف(٢). وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: ((يُبدِّله)) بالتشديد؛ للتكثير(٣). ﴿مُسْلِمَتٍ﴾ مُقَرَّاتٍ ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ مخلصات؛ لأنه يُعتَبر في الإيمان تصديق القلب، وهو لا يكون إلا مخلصاً. أو: منقاداتٍ - على أنَّ الإسلام بمعناه اللُّغوي - مُصدِّقاتٍ. ﴿فَيْئَتٍ﴾ مصلِّياتٍ، أو: مواظباتٍ على الطاعة مطلقاً. ﴿تََّتِ﴾ مقلعاتٍ عن الذنب. ﴿عَنِدَاتٍ﴾ متعبِّداتٍ، أو: متذلِّلاتٍ لأمر الرسول وَلـ ﴿سَحَتٍ﴾ صائماتٍ، كما قال ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك والحسن (١) حاشية الشهاب ٢١٢/٨. (٢) السبعة ص ٦٤٠، والنشر ٢٨٦/١، والبحر المحيط ٢٩١/٨. (٣) التيسير ص١٤٥، والنشر ٣١٤/٢. الآية : ٥ ٢٥٧ سُورَةُ التَّجْرنةِ وابن جبير وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن، وروي عن النبيِّ وَلَ﴾(١)، قال الفرَّاء: وسُمِّيَ الصائمُ سائحاً؛ لأنَّ السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكل من حيثُ يجدُ الطعام(٢). وعن زيد بن أسلم وَيَمان: مهاجرات، وقال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحةٌ إلا الهجرة(٣). وقيل: ذاهباتٍ في طاعة الله تعالى أيَّ مذهب. وقرأ عمرو بن فائد: ((سَيِّحات))(٤). ﴿فَيَِّتٍ﴾ جمعُ: ثَيِّبٍ، من ثاب يثوبُ ثَوْباً، وزنه فَيْعِل كَسَيِّدٍ، وهي التي تثوبُ، أي: ترجعُ عن الزوج، أي: بعد زوال عُذْرتها . ﴿وَأَبْكَارًا ﴾﴾ جَمْعُ: بِكْرٍ، مِن بَكَّرَ: إذا خرج بُكْرةً، وهي أولُ النهار، وفيها معنى التقدُّم، سُمِّيتْ بها التي لم تفتضَّ اعتباراً بالثيِّب لتقدُّمها عليها فيما يُرادُ له النساء. وترك العَظْف في الصفات السابقة لأنها صفاتٌ تجتمعُ في شيءٍ واحدٍ، وبينها شِدَّةُ اتصالٍ يقتضي تَرْكَ العطف، وَوُسِّطَ العاطفُ هنا للدلالة على تغاير الصفتين وعدم اجتماعهما في ذاتٍ واحدة، ولم يُؤتَ بـ ((أو))، قيل: ليكونَ المعنى: أزواجاً بعضهنَّ ثَيِّبات وبعضهنَّ أبكار، وقريبٌ منه ما قيل: وُسِّطَّ العاطفُ بين الصفتين لأنهما في حُكْمٍ صفةٍ واحدةٍ؛ إذ المعنى: مشتملاتٍ على الثّات والأبكار. فتدبَّر. وفي ((الانتصاف))(٥) لابن المنير: ذَكَرَ لي الشيخُ ابن الحاجب أنَّ القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب(٦) كان يعتقدُ أنَّ الواو في الآية هي الواو التي سمَّاها بعضُ ضَعَفَةِ النحاة: واوَ الثمانية؛ لأنها ذُكِرتْ مع الصفة الثامنة، (١) المروي أنَّه عليه الصلاة والسلام سئل عن السائحين، فقال: ((هم الصائمون)). وقد سلف ١٠/ ٥٣٤ وثمة تخريجه. (٢) معاني القرآن للفراء ١٦٧/٣. (٣) أخرجه الطبري ١٠٢/٢٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٨، والبحر ٢٩٢/٨. (٥) ١٢٧/٤-١٢٨. (٦) عبد الرحيم البيساني أبو علي الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء الصلاحي. مات سنة (٥٩٦هـ). سير أعلام النبلاء ٣٣٨/٢١، وطبقات الشافعية للسبكي ١٦٦/٧ . الآية : ٦ ٢٥٨ سُورَةُ التَّجْرتِ وكان الفاضلُ يتبجَّحُ باستخراجها زائدةً على المواضع الثلاثة المشهورة قبله: أحدها في التوبة: ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]، والثاني: في قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، والثالث: في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] إلى أن ذكر ذلك يوماً بحضرة أبي الجود النحوي المقرئ(١)، فبَيَّنَ له أنه واهمٌ في عَدِّها من ذلك القبيل، وأحالَ على المعنى الذي ذكره الزمخشريُّ من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها هاهنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوفٍ واحدٍ، وواو الثمانية - إن ثبتتْ - فإنما تَرِدُ بحيث لا حاجة إليها إلا الإشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعةُ، فأَنصفه الفاضلُ واستحسنَ ذلك منه، وقال: أرشدتنا يا أبا الجود. انتهى. وذكر الجنسان لأنَّ في أزواجه بَّهِ مَنْ تزوَّجها ثيِّاً، وفيهنَّ من تزوَّجها بِكْراً، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوَّج بكراً إلا عائشة وثّا، وكانت تفتخرُ بذلك على صواحباتها، وردّتْ عليها الزهراء على أبيها وعليها الصلاة والسلام - بتعليم النبيِّ بَّه إياها حين افتخرتْ على أمِّها خديجة ﴿ّا - بقولها: إنَّ أمِّ تزوَّجَ بها رسول الله وَّرُ وهو بِكْرٌ لم يرهُ أحدٌ من النساء غيرها، ولا كذلك أنتنَّ. فسكتت(٢). ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: نوعاً من النار ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ ﴾ تَتَّقِدُ بهما اتِّقاد غيرها بالحطب، ووقايةُ النفس عن النار بتَرْكِ المعاصي وفعل الطاعات، ووقايةُ الأهل بحَمْلهم على ذلك بالنُّصْح والتأديب، وروي أنَّ عمر قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((تَنْهَوْهنَّ عمَّا نهاكم الله عنه، وتأمروهنَّ بما أمركم الله به، فيكون ذلك وقايةً بينهنَّ وبين النار))(٣). (١) هو غياث بن فارس بن مكي اللَّخمي النحوي، توفي سنة (٦٠٥هـ). سير أعلام النبلاء ٢١ /٤٧٣. (٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٢١/٤. وأخرج نحوه عبد الرزاق ٣٠٣/٢، والطبري ١٠٤/٢٣-١٠٥ عن قتادة. (٣) هكذا أورده أبو حيان في البحر المحيط ٢٩٢/٨، ولم نقف عليه مسنداً. الآية : ٦ ٢٥٩ سُورَةُ التَّجَرِيمِ وأخرج ابن المنذرِ والحاكم وصححه وجماعة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: علِّموا أنفسَكم وأهليكم الخير، وأدِّوهم(١). والمراد بالأهل على ما قيل: ما يشملُ الزوجة والولد والعبد والأَمَة. واستدلَّ بها على أنه يجبُ على الرجل تعلُّمُ ما يجبُ من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضُهم الأولادَ في الأنفس؛ لأنَّ الولد بعضٌ من أبيه، وفي الحديث: ((رَحِمَ الله رجلاً قال: يا أهلاه، صلاتكم، صيامكم، زکاتکم، مسكينكم، يتيمكم، جيرانكم، لعلَّ الله يجمعكم معه في الجنة))(٢). وقيل: إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة من جَهِلَ أهلهُ. وقرئ: ((وأهلوكم)) بالواو(٣)، وهو عَظْفٌ على الضمير في ((قوا)»، وحَسُنَ العطفُ للفصل بالمفعول، والتقديرُ عند بعضٍ: وليَقِ أهلوكم أنفسَهم. ولم يرتضه الزمخشريُّ(٤)، وذكر ما حاصله أنَّ الأصلَ: ((قُوا)) أنتم وأهلوكم ((أنفسَكم)) وأنفسَهم، بأن يقي ويحفظ كلٌّ منكم ومنهم نفسَهُ عمَّا يُوبقها، فقدَّم ((أنفسكم))، وجعلَ الضميرَ المضافَ إليه الأنفسُ مشتملاً على الأهلين تغليباً فشملهم الخطاب، وكذا اعتبر التغليب في ((قوا))، وفيه تقليلٌ للحذف، وإيثارُ العَظْفِ المفرد الذي هو الأصلُ، والتغليب الذي نكتته الدلالة على الأصالة والتبعيَّة. وقرأ الحسن ومجاهد: (وُقودها)) بضمِّ الواو(٥)، أي: ذو وقودها. وتمام الكلام في هذه الآية يُعلَمُ مما مرَّ في سورة البقرة(٦). ﴿عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ﴾ أي: أنهم موَّلون عليها، يَلُون أمرها وتعذيبَ أهلها، وهم (١) الدر المنثور ٢٤٤/٦، والمستدرك ٤٩٤/٢، وتفسير الطبري ١٠٣/٢٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٣٣/٥، والكشاف ١٢٨/٤، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٧٦ : لم أجده. (٣) البحر المحيط ٢٩٣/٨. (٤) في الكشاف ١٢٨/٤ . (٥) المحتسب ٣٢٤/٢، والكشاف ١٢٨/٤ . (٦) عند قوله تعالى: ﴿فَأَثَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ الآية: (٢٤). الآية : ٦ ٢٦٠ سُورَةُ التَّجْرِيمِ الزبانيةُ التسعة عشر، قيل: وأعوانهم ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ غلاظُ الأقوال، شِدَادُ الأفعال، أو غلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقوياء على الأفعال الشديدة، أخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنَّ خَزَنةً النار تسعةَ عشر، ما بين منكبي أحدهم مسيرةُ مئة خريف، ليس في قلوبهم رحمةٌ، إنما خُلقوا للعذاب، يضربُ المَلَك منهم الرجلَ من أهل النار الضربةَ فيتركه ◌ِحْناً من لَدُن قَرْنه إلى قدمه(١) . ﴿لَا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَّا أَمَرَهُمْ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((ملائكة))، و((ما)» في محلِّ النصب على البدل، أي: لا يعصونَ ما أمر الله، أي: أمره تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه: ٩٣]، أو على إسقاط الجارِّ، أي: لا يعصونه(٢) فيما أمرهم به. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾﴾ أي: الذي يأمرهم عزَّ وجلَّ به. والجملةُ الأولى لنفي المعاندة والاستكبار عنهم صلوات الله تعالى عليهم، فهي كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، والثانية لإثبات الكياسة لهم ونفي الكسل عنهم، فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ إلى: ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠]. وبعبارةٍ أخرى: إنَّ الأُولى لبيان القبول باطناً، فإنَّ العصيان أصلُهُ المنع والإباء، وعصيانُ الأمر صفةُ الباطن بالحقيقة؛ لأنَّ الإتيان بالمأمور إنما يُعدُّ طاعةً إذا كان بقصد الامتثال، فإذا نُفي العصيان عنهم دلَّ على قبولهم وعدم إبائهم باطناً، والثانية لأداء المأمور به من غير تثاقلٍ وتوانٍ على ما يشعر به الاستمرار المستفاد من ((يفعلون))، فلا تكرار. وفي ((المحصول)) (٣): ((لا يعصون)) فيما مضى، على أنَّ المضارع لحكاية الحال الماضية، ((ويفعلون ما يؤمرون)) في الآتي. وجُوِّزَ أن يكون ذلك من باب الطَّرْد والعكس، وهو كلُّ كلامين يُقرِّرُ الأولُ بمنطوقه مفهومَ الثاني، وبالعكس؛ مبالغةً في أنهم لا تأخذهم رأفةٌ في تنفيذ أوامر الله عزَّ وجلَّ والغضب له سبحانه. (١) الدر المنثور ٢٤٤/٦، والزهد ص٣٧٩. (٢) في (م): لا يعصون. (٣) للرازي ٢/ ٥٩.