النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ١ ٢٠١ سُوَّةُ الصَّلاَِّق (مُرْ ابنَكَ فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيضَ، ثم تطهرَ، ثم ليطلِّقها إن شاء))(١). وعند الشافعي (٢): لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرفُ في عَدد الطلاق سُنَّةً ولا بِذْعة، وهو مباحٌ. فمالكٌ يُراعي في طلاق السُّنَّة الواحدةَ والوقتَ، وأبو حنيفة يُراعي التفريق والوقت، والشافعي يُراعي الوقت(٣). انتهى. وفي ((فتح القدير)) في الاحتجاج على عدم كراهة التفريق على الأطهار وكونه من الطلاق السُّنِّيِّ رواية غير ما ذكر عن ابن عمر أيضاً، وقد قال فيها ما قال، إلا أنه في الآخرة رجَّحَ قَبولها(٤). والمراد بإرسال الثلاث دَفْعةً ما يعمُّ كونَها بألفاظِ متعدِّدةٍ، كأن يقال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، أو بلفظٍ واحدٍ كأن يقال: أنت طالقٌ ثلاثاً. وفي وقوع هذا ثلاثاً خلافٌ، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض، فعند الإماميَّة لا يقعُ الطلاق بلفظ الثلاث، ولا في حالة الحيض؛ لأنه بِدْعةٌ محرَّمةٌ، وقد قالِ نَّهِ: ((مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدِّ»(٥)، ونقله غيرُ واحدٍ عن ابن المسيب وجماعة من التابعين. وقال قومٌ - منهم فيما قيل طاوس وعكرمة -: الطلاقُ الثلاثُ بفمٍ واحدٍ يقعُ به واحدة، وروى هذا أبو داود عن ابن عباس(٦)، وهو اختيارُ ابن تيميةً من الحنابلة(٧)، وفي ((الصحيحين))(٨): أنَّ أبا الصَّهباء قال لابن عباس: ألم تعلمْ أنَّ (١) سلف ص١٩٩ . (٢) في هامش الأصل: ومثله الإمام أحمد. (٣) الكشاف ١١٨/٤ . (٤) ينظر فتح القدير لابن الهمام ٢٤/٣. (٥) أخرجه أحمد (٢٥٤٧٢)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة (٦) عقب الحديث (٢١٩٧). (٧) الاختيارات الفقهية ص ٣٦٧. (٨) صحيح مسلم (١٤٧٢): (١٦). ولم نقف عليه عند البخاري. سُورَةُ الطََّلَاق ٢٠٢ الآية : ١ الثلاثَ كانت تُجعَلُ واحدةً على عهد رسول الله وَله وأبي بكرٍ وصَدْرٍ من خلافة عمر؟ قال: نعم. وفي روايةٍ لمسلم(١): أنَّ ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسول الله وَ﴾ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر: إنَّ الناسَ قد استعجلوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه علیھم. ومنهم من قال: في المدخول بها يقع ثلاث، وفي الغير واحدة؛ لما في مسلم وأبي داود والنسائي(٢) أنَّ أبا الصهباء كان كثيرَ السؤال من ابن عباس، قال: أما علمتَ أنَّ الرجلَ إذا طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخلَ بها جعلوها واحدة؟ فقال ابن عباس: بلى، كان الرجلُ إذا طلَّقَ امرأته ثلاثاً قبل أن يدخلَ بها، جعلوا ذلك واحدةً على عهد رسول الله وَّهِ وأبي بكرٍ وصدرٍ من خلافة عمر .. الحديث. والذي ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين - ومنهم الأئمةُ الأربعةُ - وقوع الثلاث بفمٍ واحد، بل ذكر الإمام ابنُ الهمام وقوعَ الإجماع السكوتيِّ من الصحابة على الوقوع. ونَقَّل عن أكثر مجتهديهم كعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص الإفتاءَ الصريحَ بذلك. وذَكَر أيضاً أنَّ إمضاءً عمرَ الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمهم بأنها كانت واحدةً، لا يُمكن إلا لأنهم قد اطّلعوا في الزمان المتأخِّر على وجودٍ ناسخ، أو لعِلْمهم بانتهاء الحكم؛ لعِلْمهم بإناطته بمعانٍ عَلِموا انتهاءها في الزمان المتأخِّر(٣). واستحسن ابن حجر في ((التحفة)) الجوابَ بالاطّلاع على ناسخ، بعد نقله جوابين سواه وتزييفه لهما، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بعضُ أخبارٍ مرفوعةٍ يُستَدِلُّ بها على وقوع الثلاث، لكن قيل: إنَّ الثلاثَ فيها ما يحتملُ أن تكونَ بألفاظِ ثلاثةٍ، كـ : أنت طالقٌ أنت طالقٌ أنت طالقٌ. ولعلَّه هو الظاهرُ، لا بلفظٍ واحدٍ كـ : (١) برقم (١٤٧٢): (١٥). (٢) صحيح مسلم (١٤٧٢)، وأبو داود (٢١٩٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٤٥. (٣) شرح فتح القدير ٢٥/٣. الآية : ١ ٢٠٣ سُورَةُ الطلاق أنت طالقٌ ثلاثاً، وحينئذٍ لا يصلحُ ذلك للرَّدِّ على مَنْ لم يوقع الثلاثَ بهذا اللفظ، لكن إذا صحَّ الإجماعُ ولو سكوتيًّا على الوقوع، لا ينبغي إلا الموافقة والسكوت وتأويل ما روي عن عمر، ولذا قال بعض الأئمة: لو حَكّمَ قاضٍ بأنَّ الثلاثَ بفم واحدٍ واحدةٌ، لم ينفذْ حُكْمه؛ لأنه لا يسوغُ الاجتهادُ فيه؛ لإجماع الأئمَّة المعتبرين عليه، وإن اختلفوا في معصيةٍ مَنْ يُوقعه كذلك، ومن قال بمعصيته استدلَّ بما روى النسائيُّ(١) عن محمود بن لبيد، قال: أخبرنا رسول الله وَّ م عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاثاً جميعاً، فقام غضبان، فقال: ((أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم))؟! حتى قام رجلٌ، فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ وبما أخرجه عبد الرزاق(٢) عن عبادة بن الصامت أنَّ أباهُ طلَّق امرأةً له ألفَ تطليقة، فانطلقَ عبادةُ فسأله وَّ﴿ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بانتْ بثلاثٍ في معصية الله، وبقي تسعُ مئة وسبعة وتسعون عدوانٌ وظلمٌ، إن شاء الله تعالى عذَّبه وإن شاء غفر له))، ويُفهَمُ من هذا حُرْمةُ إيقاع الزائد أيضاً، وهو ظاهرُ كلام ابن الرفعة. ومقتضى قول الرُّوياني - واعتمده الزركشيُّ وغيره - أنه يُعزَّرُ فاعله، وَوُجِّهَ بأنه تعاطي نحو عقدٍ فاسدٍ، وهو حرام، ونُوزِعَ في ذلك بما فيه نظر، وبما في ((سنن أبي داود)) عن مجاهد قال: كنتُ عند ابن عباس، فجاءه رجلٌ فقال إنه طلَّقَ زوجته ثلاثاً، فقال له: عصيتَ ربَّكَ، وبانتْ منك امرأتك(٣). إلى غير ذلك. ومن قال بعَدَمها استدلَّ بما رواه الشيخان(٤) من أنَّ عُويمراً العجلانيَّ لمَّا لا عَنَ امرأته، طلَّقها ثلاثاً قبل أن يُخبره وَلِّ بِحُرْمتها عليه. وقال: إنه لو كان معصيةً لنهاه عنه؛ لأنه أوقعه معتقداً بقاءَ الزوجيَّة، ومع اعتقادها يحرُمُ الجمعُ عند المخالف، ومع الحرمة يجبُ الإنكار على العالِم وتعليم الجاهل، ولم يوجدا، فدلَّ على أنْ لا حرمةَ، وبأنه قد فعله جماعةٌ من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف طلَّق زوجته (١) في المجتبى ٦/ ١٤٢. (٢) في المصنف (١١٣٣٩) بنحوه. (٣) سنن أبي داود (٢١٩٧). (٤) صحيح البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢). وهو عند أحمد (٢٢٨٣٠). سُورَةُ الصَّلَاقِ ٢٠٤ الآية : ١ تُماضَر ثلاثاً في موضعه(١). والحسن بن عليٍّ ◌َ﴿يَا طلَّق زوجته شهباء(٢) ثلاثاً لَمَّا هَنَّته بالخلافة بعد وفاة عليٍّ كرم الله تعالی وجهه. وقال بعضُ الحنفية في ذلك: إنه محمولٌ على أنهم قالوا ثلاثاً للسُّنَّة؛ وهو أبعدُ من قول بعض الشافعية فيما روي من الأدلة الدالة على العصيان فيه أنه محمولٌ على أنه كان في الحيض، فالمعصيةُ فيه من تلك الحيثيّة. واستدلَّ على كونه معصية إذا كان في الحيض بما هو أظهرُ من ذلك كالروايتين السابقتين فيما نُقل عن («الكشاف))، وفي الاستدلال بهما على حُرْمة إرسال الثلاث بحثٌ، وربما يُستَدلُّ بالثانية على وجوب الرجعة، لكن قد ذَكَرَ بعضُ أَجلَّة الشافعية أنها لا تجبُ، بل تُنْدَبُ في الطلاق البِدعيِّ، وإنما لم تجب لأنَّ الأمرَ بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء، وليس في «فليراجعها)) أمرٌ لابن عمر؛ لأنه تفريعٌ على أمرٍ عمر، فالمعنى: فليراجعها لأجل أَمْرِكَ لكَوْنك والده، واستفادةُ الندب منه حينئذٍ إنما هي من القرينة، وإذا راجعَ ارتفعَ الإثمُ المتعلِّقُ بحقِّ الزوجة لأن(٣) الرجعة قاطعةٌ للضرر من أصله، فكانت بمنزلة التوبة ترفعُ أَصْلَ المعصية، وبه فارقَ دفنَ البُصاق في المسجد، فإنه قاطعٌ لدوام ضَرَره، لا لأصله؛ لأنَّ تلويثَ المسجد به قد حصل. ويندفعُ بما ذُكِرَ ما قيل: رَفْعُ الرجعة للتحریم کالتوبة يدلُّ على وجوبها؛ إذ كونُ الشيء بمنزلة الواجب في خصوصيةٍ من خصوصياته، لا يقتضي وجوبه . ولا يُستَدِلُّ بما اقتضته الآيةُ من النهي عن إيقاع الطلاق في الحيض على فساد الطلاق فيه، إذ النهيُ عند أبي حنيفة لا يستلزمُ الفساد مطلقاً، وعند الشافعي يدلُّ على الفساد في العبادات، وفي المعاملات إذا رَجَعَ إلى نفس العقد، أو إلى أمرٍ (١) أخرجه الدار قطني ٦٤/٤، والبيهقي ٧/ ٣٦٢. (٢) في الأصل و(م): شهبانو. والمثبت من فتح القدير ٢٦/٣ والكلام منه، ومثله في المبسوط السرخسي ٤/٦، والخبر أخرجه الطبراني في الكبير (٢٧٥٧)، وفيه أن اسمها: عائشة بنت خليفة الخثعمية، وقال الهيثمي في المجمع ٣٣٩/٤: في رجاله ضعف، وقد وثّقوا. (٣) قوله: لأن، تصحف في (م) إلى: لا في. الآية : ١ ٢٠٥ سُورَةُ الطََّلَاق داخلٍ فيه، أو لازمٍ له، فإنْ رَجَعَ إلى أمرٍ مقارِنٍ كالبيع وقتَ النداء فلا؛ وما نحن فيه لأمرٍ مقارنٍ وهو زمانُ الحيض، فهو عنده لا يستلزمُ الفسادَ هنا أيضاً، وأُيِّدَ ذلك بأمرِ ابن عمر بالرجعة؛ إذ لو لم يقع الطلاقُ لم يُؤْمَرْ بها. قيل: وما كان منه من التطليق في الحيض سببُ نزول هذه الآية، والذي رواه ابن مردويه (١) من طريق أبي الزبير، عنه وحكي عن السدي. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتلٍ قال: بلغنا أنَّ قوله تعالى: ﴿َأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الآية نزل في عبد الله بن عمرو بن العاص، وطفيل بن الحارث، وعمرو بن سعيد بن العاص(٢). وقال بعضهم: فعله ناسٌ منهم ابن عمرو بن العاص، وعُتْبةُ بن غزوان، فنزلت الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنها نزلت في حفصةً بنت عمر طلَّقها رسول الله رَ ﴿ واحدةً، فنزلت إلى قوله تعالى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فراجَعَها عليه الصلاة والسلام(٣). ورواه قتادة عن أنس (٤). وقال القرطبيُّ نقلاً عن علماء الحديث: إنَّ الأصحَّ أنها نزلتِ ابتداءً لبيان حُكْم شرعيٍّ، وكلُّ ما ذُكِرَ من أسباب النزول لها لم يصحّ(٥). وحكى أبو حيان نحوه عن الحافظ أبي بكر بن العربي(٦). وظاهرها أنَّ نفسَ الطلاق مباحٌ، واستدلَّ له أيضاً بما رواه أبو داود وابن ماجه عنه ◌َّ﴿ أنه قال: ((إنَّ من أبغضِ المباحات عند الله عزَّ وجلَّ الطلاق))، وفي لفظٍ: (١) كما في الدر المنثور ٢٢٩/٦. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وأخرجه الطبري ٣٠/٢٣ عن قتادة مرسلاً. وأخرج أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي في المجتبى ٢١٣/٦، وابن ماجه (٢٠١٦) عن عمر أن رسول الله وَله طلق حفصة ثم راجعها. (٥) تفسير القرطبي ٢٧/٢١ . (٦) البحر المحيط ٢٨١/٨، وأحكام القرآن لابن العربي ١٨١١/٤. الآية : ١ ٢٠٦ سُورَةُ القَفَلَق (أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق))(١) لوصفه بالإباحة والحلِّ، لأنَّ أفعلَ بعضُ ما يُضاف إليه، والمراد من كونه مبغوضاً التنفيرُ عنه، أو كونه كذلك من حيثُ إنه يُؤدِّي إلى قَطْعِ الوصلة وحَلِّ قَيْدِ العِصْمة، لا من حيثُ حقيقتُهُ في نفسه. وقال البيهقي: البغضُ على إيقاعه كلَّ وقتٍ من غير رعايةٍ لوقته المسنون(٢). وبطلاقه وَلهُ حفصةَ، ثم أَمْرِه تعالى إياه أن يُراجعها فإنها صوَّامةٌ قوَّامةٌ(٣). وقال غيرُ واحدٍ: هو محظورٌ لِمَا فيه من كُفْران نعمة النكاح، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله كلَّ مذواق مطلاق))(٤)، وإنما أُبيح للحاجة، قال ابن الهمام: وهذا هو الأصحُ، فيكره إذا لم يكن حاجة، ويُحمَلُ لفظُ المباح على ما أُبيحَ في بعض الأوقات، أعني: أوقات تحقَّقِ الحاجة المبيحة، وهو ظاهرٌ في روايةٍ لأبي داود(٥): ((ما أحلَّ الله تعالى شيئاً أبغضَ إليه من الطلاق))، فإنَّ الفعلَ لا عمومَ له في الأزمان، ومن الحاجة الكِبَرُ وعدمُ اشتهائه جماعَها بحيثُ يعجزُ أو يتضرَّرُ بإكراهه نفسَهُ عليه، وهي لا ترضى بتَرْك ذلك، وما روي عن الحسن - وكان قيل له في كَثْرةِ تزوُّجه وطلاقه - من قوله: أُحِبُّ الغِنَى، قال الله سبحانه: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهٍ﴾ [النساء: ١٣٠] فهو رأيٌ منه إن كان على ظاهره، وكلُّ ما نُقِلَ من طلاقِ الصحابة؛ كطلاق المغيرة بن شعبةً الزوجات الأربع دفعة، فقد قال لهنَّ: أنتنَّ حَسَناتُ الأخلاق، ناعماتُ الأَطواق، طويلاتُ الأعناق، اذهبنَ فأنتنَّ طلاق. فمحملهُ وجودُ الحاجة، وإن لم يُصرّحْ بها (٦). وقال ابن حجر: هو إما واجبٌ كطلاق مُؤْلٍ لم يُردِ الوطءَ، وحَكَمَين رَأَياه، أو (١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث ابن عمر ثيا ولم نقف عليه باللفظ الأول. (٢) السنن الكبرى ٣٢٣/٧. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٣٦٥/١٨ (٩٣٤)، والحاکم ١٥/٤ من حدیث قیس بن زيد قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٤٤٥: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (٤) أورده ابن نجيم في البحر الرائق ٢٥٣/٣، ولم نقف عليه بهذا اللفظ مسنداً. (٥) برقم (٢١٧٧) عن محارب والحديث مرسل. (٦) فتح القدير لابن الهمام ٢٢/٣. الآية : ١ ٢٠٧ سُورَةُ الصَّلَاقِ مندوبٌ كأن يعجزَ عن القيام بحقوقها، ولو لِعَدَم الميل إليها، أو تكون غير عفيفةٍ ما لم يخشَ الفجورَ بها، ومن ثَمَّ أمرَ وَّهِ مَنْ قالَ: إنَّ زوجتي لا تردُّ يدَ لامسٍ(١). أي: لا تمنعُ مَنْ يُريدُ الفجورَ بها على أحدِ أقوالٍ في معناه = بإمساكها خشيةً من ذلك، ويلحقُ بخشية الفجور بها حصولُ مشقَّةٍ له بفراقها تؤدِّي إلى مبيحٍ تيمُّم، وكونُ مقامها عنده أمنعُ لفجورها فيما يظهر فيهما، أو سيِّئة الخُلُق، أي: بحيثُ لا يصبرُ على عشْرتها عادةً فيما يظهر، وإلا فغيرُ سيِّئَة الخُلُق كالغراب الأعصم، أو يأمرهُ به أحدُ والديه، أي: من غير تعتُّتٍ كما هو شأنُ الحمقى من الآباء والأمهات، ومع عدم خوف فتنةٍ أو مشقَّةٍ بطلاقها فيما يظهر، أو حرامٌ كالبدعيِّ، أو مكروهٌ بأن سَلِمَ الحالُ عن ذلك كلِّه؛ للخبر الصحيح: ((ليس شيءٌ من الحلال أبغضَ إلى الله من الطلاق))(٢) ولدلالته على زيادة التنفیر عنه قالوا: ليس فيه مباحٌ، لكن صوَّره الإمامُ بما إذا لم يشتهها، أي: شهوةً كاملةً، ولا تسمحُ نفسُهُ بمؤنتها من غير تمتُّعِ بها(٣). والآية على ما لا يخفى على المنصف لا تدلُّ على أكثرَ من حُرْمته في الحيض، والمرادُ بالنساء فيها المدخولُ بهنَّ من المعتدَّات بالحيض على ما في ((الكشاف))(٤) وغيره لمكان قوله سبحانه: ((فطلقوهن لعدتهن)). ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ﴾ واضبطوها وأكملوها ثلاثةَ قروءٍ كوامل، وأصلُ معنى الإحصاء العَدُّ بالحصى كما كان معتاداً قديماً، ثم صار حقيقةً فيما ذكر. ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في تطويل العِدَّة عليهنَّ، والإضرار بهنَّ، وفي وَصْفه تعالى بربوبيته عزَّ وجلَّ لهم تأكيدٌ للأمر، ومبالغةٌ في إيجاب الاتقاء. ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهنَّ عند الطلاق إلى أن تنقضيَ عِدَّتهنَّ، وإضافتها إليهنَّ - وهي لأزواجهنَّ - لتأكيدِ النهي ببيان كمال استحقاقهنَّ لسُكْناها (١) أخرجه النسائي في المجتبى ٦/ ١٧٠ من حديث ابن عباس ﴿ا. وسلف ٢٤٠/١٨. (٢) أخرجه البيهقي ٣٢٢/٧ من حديث محارب بن دثار . (٣) تحفة المحتاج ٢/٨-٣. وقوله: بها. ليس في (م). (٤) ٤ / ١١٩ . سُورَةُ القََّلَق ٢٠٨ الآية : ١ كأنها أملاكهنَّ، وعدمُ العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناءً به، والنهيُ عن الإخراج يتناولُ عدمَ إخراجهنَّ غَضَباً عليهنَّ، أو كراهةً لمساكنتهنَّ، أو لحاجةٍ لهم إلى المساكن، أو مَحْض سَفَهٍ بمنطوقه، ويتناولُ عدمَ الإذن لهنَّ في الخروج بإشارته؛ لأنَّ خروجهنَّ محرَّمٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أما إذا كانت ((لا)) ناهية كالتي قبلها فظاهرٌ، وأما إذا كانت نافية، فلأنَّ المراد به النهي، وهو أبلغُ من النهي الصريح كما لا يخفى، والإذنُ في فِعْلِ المحرَّم محرَّمٌ، فكأنه قيل: لا تُخْرجوهنَّ، ولا تأذنوا لهنَّ في الخروج إذا طَلَبْنَ ذلك، ولا يخرجْنَ بأنفسهنَّ إن أرَدْنَ، فهناك دلالةٌ على أنَّ سكونهنَّ في البيوت حقٌّ للشرع مؤكّدٌ، فلا يسقطُ بالإذن، وهذا - على ما ذكره الجلبيُّ ـ مذهبُ الحنفية، ومذهبُ الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جازَ؛ إذ الحقُّ لا يَعْدُوهما، فالمعنى: لا تُخرجوهنَّ ولا يخرجْنَ باستبدادهنَّ. وتعقّبَ الشهابُ كونَ ذلك مذهب الحنفية بقوله: فيه نظرٌ، وقد ذكر الرازيُّ في (الأحكام)) ما يدلُّ على خلافه، وأنَّ السُّكْنى كالنفقة تسقطُ بالإسقاط(١). انتهى. والذي يظهرُ من كلامهم ما ذكره الجلبيُّ، وقد نصَّ عليه الحصكفيُّ في ((الدر المختار))(٢) وعلَّله بأنَّ ذلك حقُّ الله تعالى، فلا يسقطُ بالإذن، وفي ((الفتح))(٣): لو اختلعت على أنْ لا سُكْنَى لها، تبطلُ مؤنةُ السُّكنى عن الزوج، ويلزمُها أن تكتريَ بيته، وأما أن يحلّ لها الخروجُ فلا. ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ تٍُِّ﴾ أي: ظاهرةٍ، هي نفسُ الخروج قبل انقضاء العِدَّة، كما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقيُّ في ((سننه)) وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر (٤)، وروي عن السُّدِّيِّ وابن السائب والنخعي، وبه أخذ أبو حنيفة. والاستثناءُ عليه راجعٌ إلى ((لا يَخْرُجْنَ)) والمعنى: لا يُطْلَقُ لهنَّ في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يُطلَقُ لهنَّ فيه، فيكونُ ذلك منعاً عن الخروج على أبلغ وجه. (١) حاشية الشهاب ٨/ ٢٠٥، وأحكام القرآن للجصاص الرازي ٣/ ٤٥٤. (٢) ٣٦٥/١. (٣) فتح القدير ٢٩٧/٣. (٤) الدر المنثور ٢٣١/٦، والبيهقي ٤٣١/٧، والحاكم ٤٩١/٢. الآية : ١ ٢٠٩ سُورَةُ الصَّلَق وقال الإمام ابن الهمام(١): هذا كما يقال في الخطابية: لا تزنٍ إلا أن تكونَ فاسقاً، ولا تشتمْ أمَّكَ إلا أن تكون قاطعَ رَحِم، ونحو ذلك، وهو بديعٌ وبليغٌ جدًّا. والزنى، على ما روي عن قتادة والحسن والشعبي وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث، وهو قولُ ابن مسعود وقول ابن عباس، وبه أخذ أبو يوسف، والاستثناءُ عليه راجعٌ إلى ((لا تخرجوهنَّ)) على ما يقتضيه ظاهرُ كلام جَمْعٍ، أي: لا تخرجوهنَّ إلا إن زنينَ، فأَخرجوهن لإقامة الحدِّ عليهنَّ. وقال بعض المحقّقين: هو راجعٌ إلى الكلِّ وما يُوجبُ حدًّا من زنّى أو سرقةٍ أو غيرهما، كما أخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب(٢)، واختاره الطبريُّ(٣). والبذاء على الأحماء، أي: أو على الزوج، كما أخرجه جماعةٌ من طُرُقٍ عن ابن عباس(٤). والاستثناءُ راجعٌ إلى الأول، أي: لا تخرجوهنَّ إلا إذا طالتْ ألسنتهنَّ وتكلَّمْنَ بالكلام الفاحش القبيح على أزواجهنَّ أو أحمائهنَّ، وأُيِّدَ بقراءة أُبيِّ: ((إلا أن يَفْحُشْنَ عليكم)) بفتح الياء وضمِّ الحاء(٥)، وفي ((موضح)) الأهوازي: (يُفْحِشْنَ)) من أَفْحَشَ، قال الجوهريُّ: أفحشَ عليه في النطق، أي: أتى بالفحش(٦)، وفي حرف ابن مسعود: ((إلا أن يَفْحُشْنَ))(٧) بدون ((عليكم)). والنشوز، والمراد: إلا أن يُطَلَّقْنَ على النشوز، على ما روي عن قتادة أيضاً، والاستثناءُ عليه قيل: راجعٌ إلى الأول أيضاً، وفي ((الكشف)): هو راجعٌ إلى الكلِّ؛ لأنه إذا سقط حقُّها في السُّكنى حلَّ الإخراجُ والخروج أيضاً. (١) في الفتح ٢٩٧/٣. (٢) الدر المنثور ٢٣١/٦. (٣) في تفسيره ٣٦/٢٣. (٤) أخرجه الطبري ٣٤/٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٣١/٦ لجماعة منهم عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وغيرهم. (٥) الكشاف ١١٩/٤، والمحرر الوجيز ٣٢٣/٥. (٦) الصحاح (فحش)، وفيه: في المنطق، بدل: في النطق. (٧) أخرجها عنه عبد الرزاق في المصنف (١١٠٢٠). : سُورَةُ القَطَلَاقِ ٢١٠ الآية : ١ وأيًّاما كان فليس في الآية حَصْرُ المبيح لفعل المنهيِّ عنه بالإتيان بالفاحشة، وقد بُيِّنَتِ المبيحاتُ في كتب الفروع، فليراجعها من أراد ذلك. وقرأ ابن كثير وأبو بكر: ((مبيّنة)) بالفتح(١). ﴿وَلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من الأحكام، أي: تلك الأحكامُ الجليلةُ الشأنِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ التي عيَّنها لعباده عزَّ وجلَّ. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: حدوده تعالى المذكورة بأنْ أخلَّ بشيءٍ منها، على أنَّ الإظهارَ في موضع الإضمار لتهويل أمرٍ التعدِّي، والإشعار بعلَّة الحكم في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَذٌ﴾ أي: أَضَرَّ بها، كما قال شيخ الإسلام، ونَقَلَ عن بعضٍ تفسيرَ الظلم بتعريضها للعقاب، وتعقَّبه بأنه يأباه قوله سبحانه: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾﴾ فإنه استئنافٌ مَسُوقٌ لتعليلِ مضمون الشرطية؛ وقد قالوا: إنَّ الأمرَ الذي يُحدِثُهُ الله تعالى أن يُقلِّبَ قلبَهُ عمَّا فعله بالتعدِّي إلى خلافه، فلا بدَّ أن يكونَ الظلمُ عن ضَرَرٍ دنيويٍّ يلحقهُ بسبب تعدِّيه ولا يمكنه تداركه، أو عن مطلقٍ الضَّرَرِ الشامل للدنيويِّ والأُخرويِّ، وخُصَّ التعليلُ بالدنيويِّ لكَوْنِ احترازٍ أكثر الناس منه أشدّ، واهتمامهم بدَفْعه أقوى(٢). ورُوَّ بأنَّ الضَّرَرَ الدنيويَّ غيرُ محقَّقٍ، فلا ينبغي تفسيرُ الظلم هاهنا به، وأنَّ قوله تعالى: ((لا تدري)) إلخ ليس تعليلاً لما ذُكِرَ، بل هو ترغيبٌ للمحافظة على الحدود بعد الترهيب، وفيه أنه بالترهيب أشبهُ منه بالترغيب، ولعلَّ المرادَ مِن أَضَرَّ بها: عرَّضها للضرر، فالظلمُ هو ذلك التعريضُ، ولا محذورَ في تفسيره به فيما يظهر. وجملةُ الترجِّي في موضع النصب بـ ((لا تدري))، وعدَّ أبو حيان (لعلَّ)) من المعلِّقات(٣). والخطابُ في ((لا تدري)) للمتعدِّي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدِّي، لا للنبيِّ وَّ كما قيل، فالمعنى: مَنْ يتعدَّى حدودَ الله تعالى (١) التيسير ص٩٥، والنشر ٢٤٨/٢. (٢) تفسير أبي السعود ٢٦٠/٨-٢٦١. (٣) البحر المحيط ٢٨٢/٨. الآية : ٢ ٢١١ سُوَدَّةُ الصَّلَاقِ فقد عرَّضَ نفسَهُ للضَّرر، فإنك لا تدري أيُّها المتعدِّي عاقبةَ الأمر؛ لعلَّ الله تعالى يُحدِثُ في قلبك بعد ذلك الذي فعلتَ من التعدِّي أمراً يقتضي خلافَ ما فعلته، فيكون بدل بُغْضِها محبَّةً، وبدل الإعراض عنها إقبالاً إليها، ولا يتسنَّى تلافيه برَجْعةٍ أو استئنافِ نكاح. ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ شارَقْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ ﴿فَأَمْسِكُهُنَّ﴾ فراجعوهنَّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بحُسْنِ معاشرةٍ وإنفاقٍ مناسبٍ للحال من الجانبين ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بإِيفاء الحقِّ واتِّقاء الضرار، مثل أن يُراجعها ثم يطلِّقها، تطويلاً للعِدَّة. ﴿وَأَشِْدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُرُ﴾ عند الرجعة إن اخترتموها، أو الفُرقة إن اخترتموها؛ تَبرِّياً عن الريبة وقَطْعاً للنزاع، وهذا أمرُ ندبٍ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال الشافعيُّ في القديم: إنه للوجوب في الرجعة، وزعم الطبرسيُّ أنَّ الظاهرَ أنه أمرٌ بالإشهاد على الطلاق، وأنه مرويٌّ عن أئمّة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأنه للوجوب وشَرْطُ في صِحَّة الطلاق(١). ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ﴾ أي: أيُّها الشهود عند الحاجة ﴿لِلَّهِ﴾ خالصاً لوجهه تعالى. وفي الآية دليلٌ على بطلان قول من قال: إنه إذا تعاطَفَ أمران لمأمورَين، يلزمُ ذِكْرُ النداء، أو يقبحُ تَرْكه، نحو: اضربْ يا زيد وقُمْ يا عمرو، ومن خَصَّ جوازَ الترك بلا قُبْحٍ باختلافهما كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] فإنَّ المأمورَ بقوله تعالى: ((أشهدوا)) للمطلِّقين؛ وبقوله سبحانه: ((أقيموا الشهادة)) للشهود كما أشرنا إليه، وقد تعاطَفَ من غير اختلافٍ في أفصح الكلام. ﴿ذَلِكُمْ يُوْعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي: لأنه المنتفِعُ بذلك، والإشارةُ على ما اختاره صاحب ((الكشاف))(٢) إلى الحثِّ على إقامة الشهادة لله (١) مجمع البيان ١٠٧/٢٨. (٢) ٤ /١٢٠. سُورَةُ الْقَطَلَِّق ٢١٢ الآية : ٣ تعالى، والأَولى كما في ((الكشف)) أن يكونَ إشارةً إلى جميع ما مرَّ: من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العِدَّة، والكَفِّ عن الإخراج والخروج، وإقامة الشهادة للرجعة أو المفارقة؛ ليكون أشدَّ ملاءمةً لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ، مَخْرَمًا ﴿ وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فإنه اعتراضٌ بين المتعاطِفَين، جيءَ به لتأكيد ما سَبَقَ من الأحكام بالوعد على اتقاء الله تعالى فيها، فالمعنى: ومَنْ يَتَّقِ الله تعالى فَطَلَّقَ للسُّنَّة، ولم يُضارّ المعتدَّة، ولم يُخْرِجْها من مسكنها، واحتاطَ فأشهدَ، يجعل له سبحانه مخرجاً مما عسى أن يقعَ في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويُفرِّج عنه ما يعتريه من الكروب، ويرزقهُ من وجهٍ لا يخطر بباله ولا يحتسبه. وفي الأخبار عن بعض أَجِلَّة الصحابة - كعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وابن عباس في بعض الروايات عنه - ما يُؤْيِّدُ بظاهره هذا الوجه. وجُوِّزَ أن يكونَ اعتراضاً جيءَ به على نهج الاستطراد عند ذِكْرٍ قوله تعالى: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ،) إلخ، فالمعنى: ومَنْ يتَّقِ الله تعالى في كلِّ ما يأتي وما يَذَرْ، يجعلْ له مخرجاً من غموم الدنيا والآخرة. وهو أولى؛ لعموم الفائدة، وتناوله لِمَا نحن فيه تناولاً أوَّليًّا، ولاقتضاء أخبارٍ في سبب النزول وغيره له، فقد أخرج أبو يعلى، وأبو نعيم، والديلميُّ من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قرأ رسول الله وَ﴿ل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ﴾ إلخ، فقال: ((مخرجاً من شُبُهات الدنيا، ومن غَمَرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة))(١). وأخرج أحمد، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه، وأبو نعيم في ((المعرفة))، والبيهقيُّ(٢) عن أبي ذرِّ قال: جعلَ رسولُ اللهِ وَلَه يتلو هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فجعل يُردِّدها حتى نَعَسْتُ، ثم قال: يَجْعَل لَّهُ، فَخْرَهَا (٥) (يا أبا ذرّ، لو أنَّ الناس كلَّهم أخذوا بها لكفتهم)). (١) الدر المنثور ٢٣٢/٦، والديلمي في الفردوس ٤١٧/٤، ولم نقف عليه عند أبي يعلى، وأخرجه أيضاً الواحدي في الوسيط ٣١٣/٤. وهو عند أبي نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٣٤٠ لکن عن قتادة قوله. (٢) الدر المنثور ٢٣٣/٦ دون عزوه لأبي نعيم، وهو عند أحمد (٢١٥٥١)، والحاكم ٤٩٢/٢، وأخرجه أيضاً ابن حبان (٦٦٦٩). الآية : ٣ ٢١٣ سُورَةُ الصَّلَاق وأخرج ابن مردويه(١) من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء عوفُ بن مالك الأشجعي، فقال: يا رسول الله إنَّ ابني(٢) أَسَرَهُ العدوُّ، وجَزِعَتْ أمُّه، فما تأمرني؟ قال: ((آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله))، فقالت المرأة: نِعْمَ ما أَمَرَكَ، فجعلا يُكثِران منها، فتغفَّلَ العدوَّ، فاستاق غَنَمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية. وفي رواية ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق مولى آل قيس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعيّ إلى النبيِّ وَّرِ، فقال له: أُسِرَ ابن عوف. فقال له عليه الصلاة والسلام: ((أرسلْ إليه أنَّ رسولَ الله وَليه يأمرك أن تسكثرَ من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله))، وكانوا قد شَدُّوه بالقِدِّ، فَسَقَطَ القِدُّ عنه، فخرج، فإذا هو بناقةٍ لهم فركبها، فإذا سَرْحٌ للقوم الذين كانوا شَدُّوه، فصاح بها فاتبع آخرها أوّلها، فلم يَفْجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسولَ اللهِ وَّر فأخبره، فنزلت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إلخ(٣). وفي بعض الروايات: أنه أصابه جَهْدٌ وبلاءٌ، فشكا إلى رسول الله وَّر، فقال: ((اتَّق الله واصبر))، فرجع ابنه وقد أصابَ أَعْنُزَاً، فذكر ذلك للنبيِّ عليه الصلاة والسلام، فنزلت، فقال: ((هي لك))(٤). إلى غير ذلك مما هو مضطربٌ على ما لا يخفى على المتتبّع. وعلى القول بالاستطراد قيل: المعنى: ((مَنْ يَتَّقِ)) الحرام يجعل له مخرجاً إلى الحلال. وقيل: مخرجاً من الشِّدَّة إلى الرخاء، وقيل: من النار إلى الجنة. وقيل: مخرجاً من العقوبة، ((ويرزقه من حيث لا يحتسب)) من الثواب. وقال الكلبيُّ: ((مَنْ يَتَّقِ الله)) عند المصيبة، ((يجعل له مخرجاً)) إلى الجنة. والكلُّ كما ترى، والمعوَّلُ عليه العمومُ الذي سمعته. (١) كما في الدر المنثور ٢٣٣/٦، وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره ٣٣٦/٩. (٢) في هامش الأصل: اسمه سالم. (٣) الدر المنثور ٢٣٣/٦، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٤) أخرجه ابن جرير ٤٥/٢٣ عن سالم بن أبي الجعد، وينظر الإصابة ١٠١/٤ ترجمة سالم بن عوف بن مالك. سُوَدَّةُ الصَّلَاق ٢١٤ الآية : ٣ وفي «الكشف)): إنَّ تنويعَ الوعد للمتَّقي، وتكريرَ الحَثِّ عليه بعد الدلالة على أنَّ التقوى ملاكُ الأمر عند الله تعالى، ناطَ به سبحانه سعادةَ الدارين، يدلُّ على أنَّ أَمْرَ الطلاق والعِدَّةِ من الأمور التي تحتاجُ إلى فَضْلٍ تقوى؛ لأنه أبغضُ المباح إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لما يتضمَّنُ من الإيحاش وقَطْع الأُلفة الممهّدة، ثم الاحتياط في أمر النَّسَب الذي هو من جِلَّة المقاصد يُؤْذِنُ بالتشديد في أمر العِدَّة، فلا بدَّ من التقوى ليقعَ الطلاقُ على وجهٍ يُحمَدُ عليه، ويُحتَاط في العِدَّة ما يجبُ، فهنالك يحصلُ للزوجين المخرجُ في الدنيا والآخرة. وعليه فالزوجةُ داخلٌ في العموم كالزوج. ﴿وَمَن يَنَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: كافيه عزَّ وجلَّ في جميع أموره. وأخرج أحمد في ((الزهد)) عن وهب قال: يقول الربُّ تبارك وتعالى: إذا توثّلَ عليَّ عبدي، لو كادَتْهُ السماواتُ والأرضُ، جَعَلْتُ له من بين ذلك المَخْرجَ(١). ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ﴾ بإضافة الوَصْفِ إلى مفعوله، والأصلُ: ((بالغٌ أَمْرَهُ» بالنصب، كما قرأ به الأكثرون(٢)، أي: يبلغُ ما يُريده عزَّ وجلَّ، ولا يفوته مراد. وقرأ ابن أبي عبلةَ في رواية، وداود بن أبي هند، وعصمةُ عن أبي عمرو: (بالغٌ)) بالرفع منوَّناً ((أمرُهُ))(٣) بالرفع على أنه فاعلُ ((بالغ)) الخبر لـ ((إنَّ)، أو مبتدأ و(بالغ)) خبرٌ مقدَّمٌ له، والجملةُ خبرُ ((إنَّ)، أي: نافذٌ أمرُهُ عزَّ وجلَّ. وقرأ المفضل في روايةٍ أيضاً: ((بالغاً)) بالنصب ((أمرُهُ) بالرفع(٤)، وخُرِّجَ ذلك على أنَّ ((بالغاً)) حالٌ من فاعل (جعل)) في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾﴾ لا من المبتدأ؛ لأنهم لا يرتضون مجيءَ الحال منه، وجملة ((قد جعل)) إلخ خبرُ ((إنَّ))، وجُوِّزَ أن يكون ((بالغاً)) هو الخبرَ على لغة من ينصب الجزأين بـ ((إنَّ»، كما في قوله: (١) الدر المنثور ٢٣٤/٦، والزهد ص٦٩. (٢) التيسير ص٢١١، والنشر ٣٨٨/٢، ولم يقرأ بالإضافة سوى حفص. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٨، والمحتسب ٣٢٤/٢، والبحر ٢٨٣/٨. (٤) الكشاف ١٢٠/٤، والبحر ٢٨٣/٨. الآية : ٤ ٢١٥ سُورَةُ القَخَلَقُ خُطاكَ خِفافاً إنَّ حُرَّاسَنا أُسْدا(١) إذا اسودَّ جُنْحُ الليلِ فلتأتٍ ولتكُنْ وتُعقِّبَ بأنها لغةٌ ضعيفةٌ . ومعنى ((قَدْراً)): تقديراً، والمرادُ: تقديرُهُ قبلَ وجوده، أو مقداراً من الزمان، وهذا بيانٌ لوجوب التوُّل عليه تعالى وتفويض الأمر إليه عزَّ وجلَّ؛ لأنه إذا عُلِمَ أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزق وغيره لا يكونُ إلا بتقديره تعالى، لا يبقى إلا التسليمُ للقَدَر، وفيه على ما قيل تقريرٌ لما تقدَّمَ من تأقيت الطلاق، والأمر بإحصاء العِدَّة، وتمهيدٌ لما سيأتي إن شاء الله تعالى من مقاديرها . وقرأ جناح بن حبيش: ((قَدَراً)) بفتح الدال(٢). ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ أي: الحيض، وقرئ: (يَيأسْنَ)) مضارعاً(٣) ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ لِكِبَرهنَّ، وقد قَدَّرَ بعضُهم ◌ِنَّ اليأس بستِّين سنة، وبعضُهم بخمسٍ وخمسين، وقيل: هو غالبُ سِنِّ يأس عشيرةِ المرأة، وقيل: غالبُ سِنِّ يأس النساء في مكانها التي هي فيه، فإنَّ المكانَ إذا كان طَيِّبَ الهواء والماء - كبعض الصحارى - يُبطِئُ فیه ◌ِشُّ الیاس. وقيل: أقصى عادةِ امرأةٍ في العالم. وهذا القول بالغُ درجةَ اليأس من أن يُقبلْ. ﴿إِنِ أَرْتَبْتُ﴾ أي: إن شَكَكْتُمْ وتردَّدتم في عِدَّتهنَّ، أو: إن جهلتم عِدَّتهنَّ. ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ أخرج الحاكم وصححه، والبيهقيُّ في ((سننه)) وجماعةٌ عن أُبيِّ بن كعب (٤) أنَّ ناساً من أهل المدينة لَمَّا نزلت هذه الآيةُ التي في البقرة في عدَّة النساء، قالوا: لقد بقيَ من عِدَّة النساء عِدَدٌ لم تُذْكَر في القرآن: الصِّغارُ والكبارُ اللاتي قد انقطع عنهنَّ الحيض، وذواتُ الحمل، فأنزل الله تعالى في سورة النساء القُصْرى: ﴿وَلَّتِى بَيِسْنَ﴾ الآية. (١) البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في شرح شواهد المغني للسيوطي ١٢٢/١، وسلف ٥٤١/٩. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٨، والبحر ٢٨٣/٨. (٣) البحر المحيط ٢٨٤/٨. (٤) الدر المنثور ٢٣٤/٦، والحاكم ٤٩٢/٢، والبيهقي ٤١٤/٧. سُورَةُ الصَّلَاقِ ٢١٦ الآية : ٤ وفي روايةٍ أنَّ قوماً منهم أبيُّ بن كعب وخَلَّاد بن النعمان لما سمعوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ فُرُوَهْ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله، فما عِدَّة مَنْ لا قُرْءَ لها من صِغَرٍ أو كِبَر؟ فنزل: ﴿وَلَّتِى بَيِسْنَ﴾ إلخ، فقال قائل: فما عِدَّة الحامل؟ فنزل: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ إلخ (١). ويُعلم مما ذُكِرَ أنَّ الشرط هنا لا مفهومَ له عند القائلين بالمفهوم؛ لأنه بيانٌ للواقعة التي نزل فيها من غير قصدٍ للتقييد. وتقديرُ متعلّق الارتياب ما سمعتَ هو ما أشار إليه الطبريُّ(٢) وغيره. وقيل: ((إن ارتبتم)) في دم البالغات مَبْلَغَ اليأس أهو دمُ حيضٍ أو استحاضةٍ، (فعدَّتهنَّ)) إلخ، وإذا كانت هذه عِدَّةُ المرتابِ بها، فغيرُ المرتاب بها أولى بذلك. وقال الزجاج(٣): المعنى: إن ارتبتم في حيضهنَّ وقد انقطعَ عنهنَّ الدَّمُ، وكُنَّ ممن يحيضُ مثلهنَّ. وقال مجاهد: الآيةُ واردةٌ في المستحاضة أطبقَ بها الدم، لا تدري أهو دمُ حيضٍ أو دمُ عِلَّة؟ وقيل: ((إن ارتبتم))، أي: إن تيقَّنتم إياسهنَّ، والارتيابُ من الأضداد. والکلُّ كما ترى. والموصول قالوا: إنه مبتدأُ خبرُهُ جملةُ ((فعدَّتهنَّ)) إلخ، و((إن ارتبتم)) شرطٌ جوابه محذوفٌ، تقديره: فاعلموا أنها ثلاثة أشهر. والشرطُ وجوابه جملةٌ معترضةٌ، وجُوِّزَ كونُ ((فعدَّتهنَّ) إلخ جواب الشرط باعتبار الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، والجملةُ الشرطيةُ خبرٌ من غير حَذْفٍ وتقدیر . وقوله تعالى: ﴿وَاَلَِّى لَمْ يَحِضْنُّ﴾ مبتدأُ خبره محذوفٌ، أي: واللائي لم يَحِضْنَ كذلك، أو: عِدَّتهنَّ ثلاثةُ أشهر، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، وجُوِّزَ عَطْفُ هذا الموصول على الموصول السابق، وجَعْلُ الخبر لهما من غير تقدير. (١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٦٥. (٢) في التفسير ٥٢/٢٣. (٣) في معاني القرآن ١٨٥/٥. الآية : ٤ ٢١٧ سُورَةُ الصَّلَاقِ والمراد بـ ((اللائي لم يحضنَ)) الصغارُ اللائي لم يبلغنَ سِنَّ الحيض. واستظهر أبو حيان شمولَهُ مَنْ لم يحضنَ لِصِغَرٍ، ومن لا يكون لهنَّ حيضٌ ألبثّة؛ كبعض النساء يَعِشْنَ إلى أن يمتنَ ولا يحضنَ، ومن أتى عليها زمانُ الحيض وما بلغتْ به ولم تحض، ثم قال: وقيل: هذه تعتدُّ سنة(١). ﴿وَأُؤْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ أي: منتهى عِدَّتهنَّ ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولو نحوَ مُضْغَةٍ وعَلَقة، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن يكنَّ مطلَّقاتٍ أو متوفّى عنهنَّ أزواجهنَّ، كما روي عن عمر وابنه، فقد أخرج مالكٌ والشافعيُّ وعبد الرزاق وابن أبي شيبةً وابن المنذر(٢) عن ابن عمر أنه سُئل عن المرأة يُتوقَّى عنها زوجُها وهي حاملٌ، فقال: إذا وضعتْ حملها فقد حلَّت. فأخبره رجلٌ من الأنصار أنَّ عمر بن الخطاب قال: لو ولدتْ وزوجُها على سريره لم يدفنْ، لَحَلَّتْ. وعن ابنٍ مسعود، فقد أخرج عنه أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه(٣) أنه قال: من شاء لاعنتُهُ، إنَّ الآيةَ التي في سورة النساء القُصرى: ﴿وَأُوْلَتُ آلْأَّْمَالِ﴾ إلخ نزلتْ بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهراً، وكلُّ مُطلَّقةٍ أو متوقَّى عنها زوجُها، فَأَجَلُها أن تضعَ حملها. وفي رواية ابن مردويه(٤) عن أبي سعيد الخدري بسبع سنين، ولعلَّه لا یصحُّ. وعن أبي هريرة وأبي مسعودٍ البدري وعائشة، وإليه ذهب فقهاء الأمصار. وروي ذلك عن رسول الله وَلجر، أخرج عبد الله بن أحمد(٥) في ((زوائد المسند»، وأبو يعلى، والضياء في ((المختارة))، وابن مردويه عن أَبيِّ بن كعب قال: قلتُ للنبيِّ وَّهِ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ أهي المطلَّقَةُ ثلاثاً (١) البحر المحيط ٢٨٤/٨. (٢) الدر المنثور ٢٣٧/٦، ومالك في الموطأ ٥٨٩/٢-٥٩٠، والشافعي في مسنده ٢/ ٥٣ ترتيب السندي، وعبد الرزاق (١١٧١٨). (٣) الدر المنثور ٢٣٥/٦، وأبو داود (٢٣٠٧)، والنسائي ١٩٧/٦، وابن ماجه (٢٠٣٠). (٤) كما في الدر المنثور ٢٣٦/٦. (٥) في الأصل و(م): عبد بن حميد، وهو خطأ. والمثبت من الدر المنثور ٢٣٥/٦. سُورَةُ الطََّلَاقِ ٢١٨ الآية : ٤ والمتوفَّى عنها؟ قال: ((هي المطلّقةُ ثلاثاً والمتوفَّى عنها)»(١) وروى جماعةٌ نحوه عنه من وجهٍ آخر(٢). وصَحَّ أنَّ سُبيعة بنت الحارث الأسلمية كانت تحتَ سعدٍ بن خولة(٣)، فتُوِّيَ عنها في حَجَّةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فَوَضَعَتْ بعد وفاته بثلاثةٍ وعشرين يوماً - وفي روايةٍ: بخمسٍ وعشرين ليلة، وفي أخرى: بأربعين ليلة - فاختضبتْ وتكخَّلتْ وتزيَّنتْ تُريد النكاح، فأُنكر ذلك عليها، فسُئِلَ النبيُّ وَّه فقال: ((إن تفعل فقد خلا أجلُها)) (٤). وذهب عليّ كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس ﴿ها إلى أنَّ الآيةَ في المطلَّقات، وأما المتوفى عنها زوجها فعِدَّتها آخرُ الأَجَلين، وهو مذهبُ الإمامية كما في (مجمع البيان))(٥). وعلى ما تقدَّمَ، فالآيةُ ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرََّصْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]، على رأي أصحاب أبي حنيفةَ ومَنْ وافقهم من الشافعية؛ لأنَّ العامَّ المطلَقَ المتأخّرَ ناسخٌ عندهم، فأَولى أن يكونَ العامُّ من وجهٍ كذلك، وأما مَنْ لم يذهبْ إليه، فَمَنْ لم يُجوِّزْ تأخيرَ بيان العامِّ قال بالنسخ أيضاً؛ لأنَّ العامَّ الأولَ حينئذٍ مرادٌ تناوله لأفراده، وفي مثله لا خلافَ في أنَّ الخاصَّ المتراخي ناسخٌ بقَدْرِهِ لا مخصِّص، ومَنْ جَوَّزَ ذهبَ إلى التخصيص بناءً على أنَّ التي في القُصْرى أخصُّ مطلقاً، ووجههُ أنه ذُكِرَ في البقرة حُكْمُ المطلَّقات من النساء وحُكْمُ المتوفَّى عنهنَّ الأزواجُ على التفريق، ثم وردت هذه مخصّصةً في البابين لشمول لفظ الأجل العِدَّتين، وخصوصٍ ((أولات الأحمال)) مطلقاً بالنسبة إلى (١) الدر المنثور ٢٣٥/٦، وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٢١١٠٨)، والضياء في المختارة (١٢١٢). (٢) الدر المنثور ٢٣٥/٦، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والدارقطني [في سننه(٣٨٠١)]. (٣) في هامش الأصل: وكان بدرياً. (٤) أخرجه أحمد (١٨٧١٤) من حديث أبي السنابل بن بعكك، وأخرجه البخاري (٤٩٠٩)، ـّه ومسلم (١٤٨٥) من حديث أبي سلمة (٥) ١٠٨/٢٨. الآية : ٥ ٢١٩ سُورَةُ الصَّلَق الأزواج، وهذا كما يقول القائل: هِنْديةُ الموالي لهم كذا، وتُرْكِيَّتهم لهم كذا، لِجْسٍ آخرَ، ثم يقول: والكهول منهم لهم دون ذلك أو فوقه أو كذا، مريداً صِنْفاً آخر، يكونُ الأخيرُ مخصِّصاً للحُكْمين، ولا نظر إلى اختلاف العطايا؛ لشمول اللفظ الدالِّ على الاختصاص، وخصوصٍ الكهول من الموالي مطلقاً، كذلك فيما نحن فيه لا نظر إلى اختلاف العِدَّتين؛ لشمول لفظ الأجل، وخصوصٍ ((أولات الأحمال)) بالنسبة إلى الأزواج مطلقاً، وإن شئتَ فقل: بالنسبة إلى المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّ رجالهنَّ مطلقاً، فلا فَرْقَ. قاله في ((الكشف)»، ثم قال: ومَنْ ذَهب إلى أبعد الأَجَلين احتجَّ بأنَّ النَّصَّين متعاضدان؛ لأنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ، ولا وَجْهَ للإلغاء، فيلزمُ الجمع، وفي القول بذلك يحصلُ الجَمْعُ لأنَّ مُدَّةَ الحمل إذا زادت فقد تربَّصتْ أربعةَ أشهرٍ وعشراً مع الزيادة، وإن قَصُرَتْ وتربَّصت المدةَ، فقد وضعتْ وتربَّصتْ، فيحصلُ العملُ بمقتضى الآيتين. والجوابُ أنه إلغاءٌ للنَّصَّين لا جَمْعٌ؛ إذ المعتبرُ الجمعُ بين النَّصَّين لا بين المدَّتين، وذلك لفوات الحصر والتوقيت الذي هو مقتضى الآيتين. اهـ. فتدبّر. وقرأ الضحاك: ((أحمالهنَّ)) جمعاً (١). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في شأن أحكامه تعالى ومراعاة حقوقها ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَغْيِهِ، يُسْرَ ﴾﴾ بأن يُسهِّلَ عزَّ وجلَّ أمره عليه، وقيل: اليُسْرُ: الثواب. و((مِن)) قيل: للبيان، قُدِّمَ على المبيَّن للفاصلة. وقيل: بمعنى ((في)). وقيل: تعليلية. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من الأحكام، وما فيه من معنى البعد؛ للإيذان ببُعْدِ المنزلة في الفضل، وإفرادُ الكاف - مع أنَّ الخطابَ للجمع كما يُفْصِحُ عنه قوله تعالى: ﴿أَفْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ - لما أنها لمجرَّدِ الفَرْقِ بين الحاضر والمنقضي، لا لتعيين خصوصية المخاطبين. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بالمحافظة على أحكامه عزَّ وجلَّ ﴿يَكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّاتِهِ﴾ فإنَّ الحسنات يذهبنَ السيئات ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ، أَخْرًا ﴾﴾ بالمضـ (١) البحر المحيط ٢٨٤/٨. اعفة. سُورَّةُ الطََّلَقِ ٢٢٠ الآية : ٦ وقرأ الأعمش: (نُعْظِمْ))(١) بالنون التفاتاً من الغيبة إلى التكلُّم، وقرأ ابن مقسم: (يُعَظِّمْ)) بالياء والتشديد(٢)، مضارعُ ((عَّمَ)) مشدّداً. وقوله تعالى: ﴿أَنْكِنُهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ استئنافٌ وَقَعَ جواباً عن سؤالٍ نشأ مما قبله من الحَثِّ على التقوى، كأنه قيل: كيف نعملُ بالتقوى في شأن المعتدَّات؟ فقيل: أسكنوهنَّ .. إلخ. و(مِنْ)) للتبعيض، أي: أسكنوهنَّ بعضَ مكانٍ سُكْناكم، ولتَسْكُنْ إذا لم يكنْ إلا بيتٌ واحدٌ في بعض نواحيه، كما روي عن قتادة. وقال الحوفيُّ وأبو البقاء(٣): هي لابتداء الغاية. وقوله تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِّكُمْ﴾ أي: من وُسْعكم، أي: مما تطيقونه، عَطْفُ بيانٍ لقوله تعالى: (مِنْ حَيْثُ سَكَتُم) على ما قاله الزمخشريُّ(٤)، وردّهُ أبو حيان بأنه لا يُعرَفُ عَظْفُ بيانٍ يُعاد فيه العاملُ، إنما هذا طريقةُ البدل مع حرف الجرِّ، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً(٥). وتُعقِّبَ بأنَّ المرادَ أنَّ الجارَّ والمجرورَ عَظْفُ بيانٍ للجارِّ والمجرور، لا المجرور فقط حتى يقال ذلك، مع أنه لا يبرد له بسلامة الأمير، وأنه لا فَرْقَ بین عَظْفِ البيان والبدل إلا في أمرٍ يسير، ولا يخفى قوةُ كلام أبي حيان. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة: ((من وَجْدكم)) بفتح الواو(٦)، وقرأ الفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب بكَسْرها(٧)، وذكرها المهدويُّ عن الأعرج، والمعنى في الكلِّ الوُسْع. (١) القراءات الشاذة ص١٥٨، والبحر المحيط ٢٨٤/٨. (٢) البحر المحيط ٢٨٤/٨. (٣) الإملاء ٤/ ٤٠٢. (٤) في الكشاف ٤/ ١٢١ . (٥) البحر المحيط ٨/ ٢٨٥، والإملاء ٤٠٣/٤. (٦) القراءات الشاذة ص١٥٨، والكشاف ١٢٢/٤، والبحر ٢٨٥/٨. (٧) هي رواية روح عن يعقوب كما في النشر ٣٨٨/٢، والكلام من البحر ٢٨٥/٨.