النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ٢ ١٨١ سُورَةُ الَّخَابُ وأعراضها. ووافقه في اختيار ذلك تلميذُهُ المدفِّقُ صاحبُ ((الكشف))، واعترض قولَ الزمخشريِّ: فما أجهلَ .. إلخ، بقوله: فيه ما مرَّ مراراً، كأنه يعني مخالفةً النصوص في عدم كون الكفر مخلوقاً كغيره، على أنَّ خَلْقَ الكفر أيضاً من النِّعَم العظام، فلولا خَلْقه وتبيين ما فيه من المضارِّ، ما ظهر مقدارُ الإنعام بالإيمان وما فيه من المنافع، ثم إنَّ كونه كُفْراً باعتبار قيامه بالعبد، ومنه جاءَ القُبْحُ، لا باعتبار كونه خَلْقه تعالى، على ما حُفِّق في موضعه، ثم قال: ومنه يظهر أنَّ تكلُّفه في قوله تعالى: ((فمنكم)) إلخ ليخرجه عن تفصيل المجمل في ((خلقكم))، تحریفٌ لکتاب الله تعالی. انتھی. ويُرجِّحُ التفصيلَ عندي في الجملة قوله تعالى: ((كافر)) و((مؤمن)) دون: من يكفر، ومن يؤمن، نعم عدمُ دخول الكفر والإيمان في الخلق أوفقُ بقوله تعالى: ﴿فِظَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ◌َّ: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة))(١). والإنصافُ أنَّ الآية تحتملُ كلَّ من المعنيين؛ المعنى الذي ذُكر أولاً، والمعنى الذي اختاره البعضُ، والسياقُ يحتملُ أن يُحمَلَ على ما يناسب كلًّا، وليس نصًّا في أحد الأمرين اللَّذَين سمعتهما، حتى قيل: إنَّ الآيات واردةٌ لبيان ما يتوقَّفُ عليه الوعد والوعيد بعدُ من القدرة التامَّة والعلم المحيط بالنشأتين. - أي: فيجازيكم بما يناسبُ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ® ذلك - لا ينافي خَلْقَ الكفر والإيمان؛ لأنهما مكسوبان للعبد، وخَلْقُ الله تعالى إياهما لا ينافي كونَهما مكسوبين للعبد، كما بُيِّنَ في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] لكنَّ أكثرَ الأحاديث تؤيِّدُ المعنى الأول، وكأني بك تختارُ الثاني؛ لأن كون المقام للتوبيخ على الكفر أظهرُ، وهو أوفقُ به. وعن عطاء بن أبي رباح: ((فمنكم كافر)) أي: بالله تعالى، مؤمنٌ بالكوكب، (ومنكم مؤمنٌ)) بالله تعالی كافرٌ بالكوكب. وقيل: ((فمنكم كافرٌ)) بالخلق، وهم الدهرية، ((ومنكم مؤمنٌ)) به. (١) أخرجه أحمد (٧٧١٢)، والبخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٢) من حديث أبي هريرة . سُورَةُ النَّغَابُ ١٨٢ الآية : ٣ وعن الحسن أنَّ في الكلام حذفاً، والتقدير: ومنكم فاسقٌ. ولا أراه يصحُّ، وکأنه من گذِبِ المعتزلة عليه. والجملةُ ـ على ما استظهر بعضُ الأفاضل - معطوفةٌ على الصِّلة، ولا يضرُّهُ عدمُ العائد؛ لأنَّ المعطوفَ بالفاء يكفيه(١) وجودُ العائد في إحدى الجملتين كما قرَّروه في نحو: الذي يطيرُ فيغضبُ زيدٌ الذبابُ، أو يقال: فيها رابطٌ بالتأويل، أي: فمنكم مَنْ قُدِّرَ كُفْره، ومنكم مَنْ قُدِّرَ إيمانه، أو: فمنكم كافرٌ به، ومنكم مؤمنٌ به، ويُقدَّرُ الحذفُ تدريجاً. وجُوِّزَ أن يكونَ العَظْفُ على جملة: ((هو الذي خلقکم». ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالِْ﴾ بالحكمة البالغة المتضمِّنة للمصالح الدينية والدنيوية، قيل: وأصلُ الحقِّ مقابلُ الباطل، فأُريد به الغَرَضُ الصحيحُ الواقِعُ على أتمِّ الوجوه، وهو الحكمةُ العظيمةُ. ﴿وَصَوََّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ﴾ حيث بَرَأَكُمْ سبحانه في أحسن تقويم، وأَودَعَ فيكم من القُوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نِيْطَ بها جميعُ الكمالات البارزة والكامنة، وزيَّنكم بصَفْوةِ صفاتٍ مصنوعاته، وخَصَّكم بخلاصة خصائص مُبدَعاته، وجعلكم أنموذجَ جميع مخلوقاته في هذه النشأة، وقد ذكر بعضُ المحقّقين أنَّ الإنسانَ جامعٌ بين العالم العلويِّ والسُّفلي، وذلك لروحه التي هي من عالم المجرَّدات، وبدنه الذي هو من عالم المادِّيات، وأنشدوا : وتزعمُ أنك جِرْمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ(٢) ولعَمْري إنَّ الإنسان أعجبُ نسخَةٍ في هذا العالم، قد اشتملتْ على دقائق أسرارٍ شهدتْ ببعضها الآثارُ، وعَلِمَ ما عَلِمَ منها ذوو الأبصار، وخصّ بعضُهم الصورةَ بالشكل المدرَك بالعين كما هو المعروف، وكلُّ ما يُشاهَدُ من الصُّوَر الإنسانية حَسَنٌ، لكنَّ الحُسْنَ كغيره من المعاني على طبقاتٍ ومراتبَ، فلانحطاط (١) جاء في هامش الأصل: المصرَّح أن ذلك فيما إذا كانت الفاء للسببية، فلا تغفل. (٢) البيت في الديوان المنسوب لعلي بن أبي طالب ربه ص٤٥. الآية : ٤ ١٨٣ سُورَةُ النَّغَابُ بعضِها عن مراتب ما فوقها انحطاطاً بيِّناً، وإضافتها إلى المُؤْفي عليها، لا تُسْتَملح، وإلا فهي داخلٌ في حَيِّز الحُسْنِ غيرُ خارجةٍ من حَدِّه؛ ألا ترى أنك قد تعجبُ بصورةٍ وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملحَ وأعلى في مراتب الحُسْنِ، فينبو عن الأُولى طَرْفُكَ، وتستثقلُ النظرَ إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها، وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما : الجمال والبيان. وقرأ زيد بن عليٍّ وأبو رزين: ((صِوَرَكم)) بكسر الصاد(١)، والقياسُ الضَّمُّ كما في قراءة الجمهور. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ في النشأة الأُخرى، لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً، فاصرفوا ما خُلِقَ لكم فيما خُلِقَ له؛ لئلّا يمسخ ما يشاهَد من حُسْنكم بالعذاب. ﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الأمور الكليَّة والجزئيَّة، والأحوال الجَلِيَّةِ والخفيَّة ﴿وَيَعْلَمُ مَا قُبِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي: ما تُسرُّونه فيما بينكم، وما تظهرونه من الأمور، والتصريحُ به مع اندراجه فيما قبله؛ للاعتناء بشأنه؛ لأنه الذي يدورُ عليه الجزاء. · اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لِمَا قبله من ٤ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ شمول عِلْمه تعالى لِسِرِّهم وعَلَنهم، أي: هو عزَّ وجلَّ محيطٌ بجميع المُضْمَراتِ المستكنَّةِ في صدور الناس، بحيث لا تفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه تعالى ما يُسرُّونه وما يعلنونه؟ وإظهارُ الجلالة للإشعار بعِلَّة الحُكْم وتأكيد استقلال الجملة، قيل: وتقديمُ تقرير القدرة على العلم؛ لأنَّ دلالةَ المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى عِلْمه سبحانه لِمَا(٢) فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء. وقرأ عبيد عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم: ((ما يُسرُّون وما يُعلنون)) بياء الغيبة(٣). (١) القراءات الشاذة ص ١٥٧، والمحرر ٣١٨/٥، والبحر ٢٧٧/٨. (٢) في تفسير أبي السعود ٢٥٦/٨ (والكلام منه): بما، وكلاهما صواب. ينظر حاشية الشهاب ٢٠٢/٨. (٣) البحر المحيط ٨/ ٢٧٧. سُؤَدَُّ النَّخَابُ ١٨٤ الآية : ٥ - ٦ ﴿أَلَ يَأْتِكُمْ﴾ أي: أيُّها الكَفَرَةُ؛ لدلالة ما بعدُ على تخصيص الخطاب بهم، وظاهرُ كلام بعض الأجلَّة أنَّ المرادَ بهم أهلُ مكة، فكأنه قيل: ألم يأتكم يا أهل مكة ﴿َبُوَّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم من الأمم المصرَّة على الكفر ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: ضَرَرَ كُفْرهم في الدنيا من غير مُهْلة، وأصلُ الوبال: الثِّقَلُ والشِّدَّةُ المترتِّبَةُ على أمرٍ من الأمور، ومنه الوبيل: لطعام يَتْقُلُ على المعدة، والوابلُ: للمطر الثقيل القِطَار، واستُعمل للضرر؛ لأنه يثقلُ على الإنسان ثِقَلاً معنويًّا، وعبّر عن كفرهم بالأمر؛ للإيذان بأنه أمرٌ هائلٌ وجنايةٌ عظيمةٌ. ﴿وَمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابُّ أَلِيمٌ ﴾﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكِرَ من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبب أنَّ الشأن ﴿كَانَت تَأْتِمْ رُسُلُهُم بِلْبِتَتِ﴾ بالمعجزات الظاهرة ﴿فَقَالُوا﴾ عَظْفٌ على ((كانت)) ﴿أَشَرٌّ ◌َدُونَنَا﴾ أي: قال كلُّ قومٍ من أولئك الأقوام الذين كفروا في حَقِّ رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات، منكرين لكون الرسول من جنس البشر، أو متعجّبينَ من ذلك: أَبَشَرٌ يهدينا، كما قالت ثمود: ﴿أَبْرَأْ مِنَّا وَحِدًا تََّّهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقد أُجمل في الحكاية، فأُسند القول إلى جميع الأقوام، وأُريد بالبشر الجنس فَوُصِفَ بالجمع، كما أُجمل الخطاب والأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وارتفاعُ ((بشر)) على الابتداء، وجملة (يهدوننا)) هو الخبر عند الحوفيِّ وابنٍ عطية(١)، والأحسنُ أن يكونَ مرفوعاً على الفاعليَّة بفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُهُ المذكورُ؛ لأنَّ همزةَ الاستفهام أَمْيَلُ إلى الفعل، والمادة من باب الاشتغال. ﴿فَكَفَرُوا﴾ بالرسل عليهم السلام ﴿وَتَوَلَّأْ﴾ عن التأمُّل فيما أُتوا من البينات؛ وعن الإيمان بهم ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: أظهر سبحانه غناه عن إيمانهم وعن طاعتهم، حيث أهلكهم وقَطَعَ دابرهم، ولولا غناهُ عزَّ وجلَّ عنهما لما فعل ذلك. والجملةُ عَظْفٌ على ما قبلها، وقيل: في موضع الحال، على أنَّ المعنى: فكفروا وتولَّوا، (١) المحرر الوجيز ٣١٨/٥. الآية : ٧ - ٨ ١٨٥ سُورَةُ التَغَابُ وقد استغنى الله تعالى عن كلِّ شيءٍ. والأول هو الوجه ﴿وَاَللَّهُ غَنِىُّ﴾ عن العالمين، فضلاً عن إيمانهم وطاعتهم ﴿حِدٌ ﴾﴾ يَحمدهُ كلُّ مخلوقٍ بلسان الحال الذي هو أفصحُ من لسان المقال، أو مستحقٌّ جلَّ شأنه للحَمْدِ بذاته، وإن لم يحمده سبحانه حامدٌ. ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ الزَّعْمُ: ادِّعاءُ العلم، وأكثرُ ما يستعمل للادِّعاء الباطل. وعن ابن عمر وابن شريح أنه كُنْيَةُ الكذب، واشتهر أنه مطيَّةُ الكذب، ولما فيه من معنى العلم يتعدّى إلى مفعولين، وقد قام مقامهما هنا ((أن)) المخفَّفة وما في حَيِّزها، والمراد بالموصول - على ما في ((الكشاف))(١) - أهلُ مكة. فهو - على ما سمعتَ في الخطاب - من إقامة الظاهر مقام المضمر، ويؤيده ظاهراً قوله تعالى: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَنْتُعَثُّنَّ﴾ قال في ((الكشف)): ويحتمل التعميمَ، فيتناولهم وأضرابهم لتقدُّم كفار مكة في الذِّكر وغيرهم ممن حُملوا على الاعتبار بحالهم، وهذا أبلغُ، أي: زعموا أنَّ الشأنَ لن يُبعثوا بعد موتهم، قُلْ ردًّا عليهم وإظهاراً لبطلان زَعْمهم بإثبات ما نفوه: بلى تبعثون، وأكَّد ذلك بالجملة القَسَمية، فهي داخلٌ في حَيِّز الأمر، وكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لََُنَّ بِمَا عَمِلْ﴾ أي: لتحاسبنَّ وتُجزَونَّ بأعمالكم، وزِيدَ ذلك لبيان تحقّق أمرٍ آخرَ متفرِّع على البعث، منوطٍ به، ففيه أيضاً تأكيدٌ له. ه لتحقُّقِ القدرة التامة ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكِرَ من البعث والجزاء ﴿عَلَى الَّهِ يَسِيرٌ وقبول المادة. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَامِنُوا﴾ مُفْصِحَةٌ بشرطِ قد حُذِفَ ثقةً بغاية ظهوره، أي: إذا كان الأمر كذلك فآمنوا ﴿بِلَّهِ﴾ الذي سمعتم ما سمعتم من شؤونه عزَّ وجلَّ ﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ وَِّ ﴿وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنْزَنْ﴾ وهو القرآن، فإنه بإعجازه بيِّنٌ بنفسه، مُبيِّنٌ لغيره، كما أنَّ النورَ كذلك، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز العناية بأمر الإنزال، وفي ذلك من تعظيم شأن القرآن ما فيه ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الامتثال (١) ٤ / ١١٤. سُورَةُ الْتَغَابُ ١٨٦ الآية : ٩ · عالم بباطنه. والمراد كمالُ علمه تعالى بذلك، وقيل: بالأمر وتَرْکه ﴿خِرٌ عالمٌ بأخباره. ﴿يَوْمَ يَجْمَئُكُمْ﴾ ظرفٌ لـ ((تُنَبَّؤُنَّ))، وقوله تعالى: ((وذلك على الله يسير)) وقوله سبحانه: ((فآمنوا)) إلى ((خبير)) من الاعتراض، فالأولُ يُحقِّقُ القدرةَ على البعث، والثاني يُؤكِّدُ ما سيق له الكلامُ من الحثِّ على الإيمان به وبما تضمَّنه من الكتاب وبمَنْ جاء به، وبالحقيقة هو نتيجةُ قوله تعالى: ((لتبعثن ثم لتنبؤن)) قُدِّمَ على معموله للاهتمام، فجرى مجرى الاعتراض، وقوله سبحانه: ((والله بما تعملون خبير)) اعتراضٌ في اعتراض؛ لأنه من تتمَّة الحثِّ على الإيمان كما تقول: اعمل إني غيرُ غافلٍ عنك. وقال الحوفي: ظرفٌ لـ ((خبير)). وهو عند غير واحد من الأجلَّة بمعنى: مجازيكم، فيتضمَّنُ الوعدَ والوعيدَ. وجعله الزمخشريُّ بمعنى: معاقبكم، ثم جوَّزَ هذا الوجه (١). وتُعقِّبَ بأنه يَرد عليه أنه ليس لمجرَّد الوعيد، بل للحثِّ، كيف لا والوعيدُ قد تمَّ بقوله تعالى: (لتنبؤن بما عملتم)) فلم يحسُنْ جعلُهُ بمعنى معاقبكم، فتدبَّر. وجوّزَ كونه منصوباً بإضمار: اذكر، مقدَّراً، وتُعقِّبَ بأنه وإن كان حَسَناً، إلا أنه حَذْفٌ لا قرينةَ ظاهرة عليه. وجُوِّزَ كونه ظرفاً لمحذوفٍ بقرينة السياق، أي: يكون من الأحوال والأهوال ما لا يُحيطُ به نطاقُ المقال يوم يجمعكم. وتُعقِّبَ بأنَّ فيه ارتکابَ حذفٍ لا یحتاج إليه، فالأرجحُ الوجه الأول. وقرئ: ((يَجْمَعْكُمْ)) بسكون العين(٢)، وقد يُسكّنُ الفعلُ المضارعُ المرفوعُ مع ضمير جمع المخاطَبين المنصوب، وروي إشمامُها الضَّمَّ(٣). (١) في الكشاف ٤/ ١١٥: فإن قلتَ: بم انتصب الظرف؟ قلتُ: بقوله: ((لتنبَّوْنَ))، أو بـ ((خبير)) لِمَا فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار: اذكر. (٢) المحرر الوجيز ٣١٩/٥، والبحر ٢٧٨/٨. (٣) المصدران السابقان. الآية : ٩ ١٨٧ سُورَةُ النَخَابن وقرأ سلامٌ ويعقوب وزيد بن عليٍّ والشعبيُّ: ((نجمعكم)) بالنون(١). ﴿يَوْمِ الْجَعْ﴾ ليوم يُجمَعُ فيه الأولون والآخرون، وقيل: الملائكةُ عليهم السلام والثقلان، وقيل غير ذلك، والأول أظهر. واللام قيل: للتعليل، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، أي: لأجل ما في يوم الجمع من الحساب، وقيل: بمعنى ((في)) فلا تقدير. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنهم قالوا: يومٌ غَبَنَ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار(٢). فالتفاعلُ فيه ليس على ظاهره، كما في التواضع والتحامل، لوقوعه من جانبٍ واحد، واختير للمبالغة، وإلى هذا ذهب الواحديُّ. وقال غير واحد: أي: يومٌ غَبَنَ فيه بعضُ الناس بعضاً بنزول السُّعداء منازلَ الأشقياء لو كانوا سُعداء، وبالعكس، ففي الصحيح: ((ما من عبدٍ يدخلُ الجنةَ إلا أُريَّ مقعدَهُ من النار لو أساءً؛ ليزدادَ شكراً، وما من عبدٍ يدخلُ النارَ إلا أُريَ مقعدَهُ من الجنة لو أحسن؛ ليزدادَ حَسْرةً»(٣)، وهو مستعارٌ من تغابُنِ القوم في التجارة، وفيه تهكُّمٌ بالأشقياء؛ لأنهم لا يَغْبُنونَ حقيقةً السعداءَ بنزولهم في منازلهم من النار، أو جُعل ذلك تغابناً مبالغة على طريق المشاكلة، فالتفاعلُ على هذا القول على ظاهره، وهو حَسَنٌّ، إلا أنَّ التغابنَ فيه تغابنُ السعداء والأشقياء على التقابل، والأحسنُ الإطلاق، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في الصحاح، واختار ذلك محيي السنة(٤) حيث قال: التغابنُ تفاعُلٌ من الغَبْن، وهو فوتُ الحظّ، والمراد بالمغبون مَنْ غُبِنَ في أهله ومنازله في الجنة، فيظهرُ يومئذٍ غَبْنُ كلِّ كافرٍ بِتَرْك الإيمان، وغَيْنُ كلِّ مؤمنٍ بتقصيره في الإحسان. قال الطيبيُّ: وعلى هذا الراغبُ حيث قال: الغَبْنُ: أن تبخسَ صاحبَكَ في (١) النشر ٣٨٨/٢ عن يعقوب، والكلام من البحر ٢٧٨/٨. (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٢٧. (٣) صحيح البخاري (٦٥٦٩)، وأخرجه أحمد (١٠٩٨٠)، وهو من حديث أبي هريرة . (٤) وهو البغوي في تفسيره ٣٥٣/٤. ٤ سُورَةُ النَّخَابُ ١٨٨ الآية : ١٠ معاملةٍ بينك وبينه بضَرْبٍ من الإخفاء، فإنْ كان ذلك في مالٍ يقال: غُبِنَ فلانٌ، بضمِّ الغين وكَسْر الباء. وإن كان في رأي يقال: غَبِنَ، بفتح الغين وكسر الباء. ويوم التغابن: يومُ القيامة؛ لظهور الغَبْنِ في المبايعة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّه﴾ [البقرة: ٢٠٧] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللََّ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فعلم أنهم قد غُبنوا فيما تركوا من المبايعة، وفيما تعاطوه من ذلك جميعاً(١). انتهى. والجملةُ مبتدأٌ وخبرٌ، والتعريفُ للجنس، وفيها دلالةٌ على استعظام ذلك اليوم، وأنَّ تغابتَهُ هو التغابنُ في الحقيقة، لا التغابنُ في أمور الدنيا وإن جَلَّتْ وعَظُمَتْ. ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَيَعْمَلْ صَئِحًا﴾ أي: عملاً صالحاً ﴿يُكَفِّرْ﴾ أي: الله تعالى ﴿عَنَّهُ سَيْكَائِهِ﴾ في ذلك اليوم ﴿وَيُدِِّلُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّأْ﴾ أي: مُقدَّرين الخلود فيها، والجمعُ باعتبار معنى ((مَن)) كما أنَّ الإفراد باعتبار لفظه. وقرأ الأعرجُ وشيبةُ وأبو جعفر وطلحةُ ونافعٌ وابن عامر، والمفضل عن عاصم، وزيد بن عليٍّ، والحسن بخلافٍ عنه: (نُكفِّر)) و(نُدخله)) بنون العَظَمة فيهما(٢). ﴿َذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكِرَ من تكفير السيئاتِ وإدخال الجنات ﴿ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوزَ وراءه؛ لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأَجلِ الطلبات. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيَهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي: النارُ. وكأنَّ هذه الآية والتي قبلها - لاحتوائهما على منازل السعداء والأشقياء - بيانٌ للتغابن على تفسيره بتغابُنِ الفريقين على التقابل، ولِمَا فيه من التفصيل نُزَّلَ منزلةَ المغاير، فعُطِفَ بالواو. وكذا على الإطلاق، لكنه عليه بيانٌ في الجملة. (١) مفردات الراغب (غبن). (٢) التيسير ص٢١١، والنشر ٢٤٨/٢ عن نافع وابن عامر وأبي جعفر، والكلام من البحر ٢٧٨/٨. الآية : ١١ ١٨٩ سُورَةُ النَّخَابُ ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ أي: ما أصاب أحداً مصيبةٌ، على أنَّ المفعولَ محذوفٌ، و((من)) زائدةٌ، و((مصيبة)) فاعلٌ، وعدمُ إلحاق التاء في مثل ذلك فصيحٌ، لكنَّ الإلحاقَ أكثرُ، كقوله تعالى: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُقَةٍ أَجَلَهَا﴾ [الحجر: ٥]، ﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ [الأنعام: ٤]. والمراد بالمصيبة: الرَّزِيَّة وما يسوءُ العبدَ في نفسٍٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، أو قولٍ، أو فعلٍ، أي: ما أصابَ أحداً من رزايا الدنيا أيَّ رزيةٍ كانت ﴿إِلَّا بِإذْنِ الَهُ﴾ أي: بإرادته سبحانه وتمكينه عزَّ وجلَّ، كأنَّ الرَّزِيَّةَ بذاتها متوجِّهةٌ إلى العبد، متوقِّفةٌ على إرادته تعالى وتمكينه جلَّ وعلا. وجُوِّزَ أن يُراد بالمصيبة: الحادثةُ من شَرِّ أو خير، وقد نصُّوا على أنها تستعملُ فيما يصيبُ العبدَ من الخير، وفيما يصيبه من الشَّرِّ، لكن قيل: إنها في الأول من الصَّوب، أي: المطر، وفي الثاني من إصابة السهم، والأولُ هو الظاهر، وإن كان الحُكْمُ بالتوقف على الإذن عامًّا . ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِلَهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عند إصابتها للصبر والاسترجاع على ما قيل، وعن علقمةً: للعلم بأنها من عند الله تعالى، فيسلِّم لأمر الله تعالى ويرضى بها. وعن ابن مسعود قريبٌ منه. وقال ابن عباس: ((يهدِ قلبه)) لليقين، فيعلمُ أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم یکن ليصيبه. وقيل: ((يَهدِ قلبه))، أي: يَلْطُفْ به ويشرحُهُ لازدياد الخير والطاعة. وقرأ ابن جبير وطلحة وابن هرمز والأزرق عن حمزة: (نَهْدِ)) بنون العظمة(١). وقرأ السُّلَميُّ والضحاكُ وأبو جعفر: ((يُهْدَ)) بالياء مبنيًّا للمفعول ((قلبُهُ)) بالرفع على النيابة عن الفاعل(٢)، وقرئ كذلك لكن بنصب ((قلبَه))(٣)، وخُرِّجَ على أنَّ نائبَ الفاعل ضمير ((مَن))، و((قلبَهُ)) منصوبٌ بنزع الخافض، أي: يُهْدَ في قلبه، أو يُهْدَ إلى قلبه، على معنى أنَّ الكافرَ ضالٌّ عن قلبه بعيدٌ منه، والمؤمنَ واجدٌ له مهتدٍ إليه (١) القراءات الشاذة ص ١٥٧، والمحرر الوجيز ٣١٩/٥، والبحر المحيط ٢٧٨/٨. (٢) الكشاف ٤/ ١١٥، والبحر ٢٧٩/٨. (٣) الكشاف ١١٥/٤، وتفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٢٠٣/٨. سُورَةُ النَّغَابُ ١٩٠ الآية : ١١ كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧] فالكلام من الحذف والإيصال نحو: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وفيه جَعْلُ القلب بمنزلة المقصد، فمن ضَلَّ فقد مُنِعَ منه، ومن وَصَلَ فقد هُدي إليه. وجُوِّزَ أن يكون نصبُهُ على التمييز بناءً على أنه يجوز تعريفه . وقرأ عكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن دينار: ((يَهْدَأ)) بهمزةٍ ساكنةٍ («قلبُهُ» بالرفع(١)، أي: يطمئنُّ قلبه ويسكنُ بالإيمان، ولا يكونُ فيه قلقٌ واضطراب. وقرأ عمرو بن فائد: ((يَهْدَا)) بألف بدلاً من الهمزة الساكنة(٢)، وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً: ((يَهْدَ)) بحذف الألف بعد إبدالها من الهمزة(٣)، وإبدالُ الهمزة في مثل ذلك ليس بقياسٍ على ما قال أبو حيان(٤)، وأجاز ذلك بعضُهم قياساً، وبنى عليه جوازَ حَذْفِ تلك الألف للجازم، وخُرِّجَ عليه قول زهير بن أبي سلمى(٥): جريءٍ متى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِهِ سريعاً وإن لا يُبْدَ بالظُلم يَظْلِمٍ أصله: يبدأ، فأُبدلتِ الهمزةُ ألفاً، ثم حُذفتْ للجازم تشبيهاً بألف ((يخشى)) إذا دخل عليه الجازم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها القلوبُ وأحوالُها ﴿عَلِيمُ ﴾﴾ فيعلمُ إيمانَ المؤمن، ويهدي قلبه عند إصابة المصيبة، فالجملةُ متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ((ومن يؤمن)) إلخ، وجُوِّز أن تكونَ متعلِّقةً بقوله سبحانه: ((ما أصاب)) إلخ، على أنها تذييلٌ له للتقرير والتأكيد. وذكر الطيبيُّ أنَّ في كلام ((الكشاف)) رمزاً إلى أنَّ في الآية حَذْفاً، أي: فمَن لم يؤمن لم يلطف به، أو لم يَهْدِ قلبه، ومن يؤمن بالله يَهْدِ قلبه. وبنى عليه أنَّ المصيبةَ (١) المحتسب ٣٢٣/٢، والمحرر ٣١٩/٥-٣٢٠، والبحر ٢٧٩/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٧. وتصحف فائد في الأصل و(م) إلى: قائد. (٣) البحر المحيط ٢٧٩/٨. (٤) في البحر ٢٧٩/٨ . (٥) البيت في ديوانه ص٢٤ . الآية : ١٢ - ١٤ ١٩١ سُورَةُ النَّخَابُ تشملُ الكفرَ والمعاصي أيضاً؛ لورودها عَقيبَ جزاء المؤمن والكافر، وإردافها بالأمر الآتي، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ منهما؟ وهو كما أشار إليه يدفع في نَحْرِ المعتزلة. ﴿وَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولْ﴾ كرر الأمر للتأكيد والإيذانِ بالفرق بين الإطاعتين في الكيفية، وتوضيحِ مورد التولِّي في قولهُ تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: عن إطاعة تعليلٌ للجواب الرسول، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ المحذوف أُقيم مقامه، أي: فلا بأس عليه؛ إذ ما عليه إلا التبليغُ المبينُ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه، وإظهارُ الرسول مضافاً إلى نون العظمة في مقام إضماره؛ لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والإشعارِ بمدار الحكم الذي هو كونُ وظيفته وَله محضَ البلاغ، ولزيادة تشنيع التولِّي عنه، والحصرُ في الكلام إضافيٌّ. ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ الكلامُ فيها كالكلام في كلمة التوحيد، وقد مرَّ وحلا ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ أي: عليه تعالى خاصةً دون غيره، لا استقلالاً ولا اشتراكاً ، وإظهارُ الجلالة في موقع الإضمار؛ للإشعار بعلَّةِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ التوُّل، أو الأمرِ به، فإنَّ الألوهية مقتضيةٌ للتبتُّلِ إليه تعالى بالكلية، وقَطْعِ التعلّق بالمرَّة عمَّا سواه من البَرِيَّة. وذكر بعضُ الأَجلَّة أنَّ تخصيصَ المؤمنين بالأمر بالتوكُل؛ لأنَّ الإيمانَ بأنَّ الكلَّ منه تعالى يقتضي التوُّل، ومن هنا قيل: ليس في الآيات لمن تأمَّلَ في الحثِّ على التوكّلِ أعظمُ من هذه الآية لإيمائها إلى أنَّ مَنْ لا يتوكّل على الله تعالى ليس بمؤمن، وهي على ما قال الطيبيُّ: كالخاتمة والفَذْلكة لما تقدم، وكالمخلص إلى مَشْرع آخر. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَيِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ أي: إنَّ بعضَهم كذلك، فمِنَ الأزواج أزواجاً يُعادِينَ بعولتهنَّ، ويخاصمنهم ويجلبنَ عليهم، ومن الأولاد أولاداً يُعادون آباءهم، ويعقُّونهم ويُجرِّعونهم الغُصَص والأذى، وقد شاهدنا من الأزواج من قتلتْ زوجَها، ومن أفسدتْ عقلَهُ بإطعام بعض المفسدات للعقل، ومن كَسَرَتْ قارورةَ عِرْضه، ومن مزَّقتْ كيسَ ماله، ومَن ومَن، وكذا من الأولاد مَنْ فعلَ نحو ذلك ﴿فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ أي: كونوا منهم على حَذَرٍ، ولا تأمنوا سُودَقُ النَغَابُ ١٩٢ الآية : ١٤ غوائلهم وشَرَّهم، والضميرُ للعدوِّ، فإنه يُطلَقُ على الجمع نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ◌ِ﴾ [الشعراء: ٧٧] فالمأمورُ به الحذرُ عن الكلِّ، أو للأزواج والأولاد جميعاً، فالمأمورُ به إما الحذرُ عن البعض؛ لأنَّ منهم مَنْ ليس بعدوِّ، وإما الحذرُ عن مجموع الفريقين؛ لاشتمالهم على العدو. ﴿وَإِن تَعْقُواْ﴾ عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكونَ متعلِّقةً بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكنْ مقارنة للتوبة، بأن لم تعاقبوهم عليها ﴿وَتَصْفَحُواْ﴾ تُعرِضوا بترك التثريب والتعبير ﴿وَتَغْفِرُواْ﴾ تستروها بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ لـ قائمٌ مقامَ الجواب، والمرادُ: يُعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضَّلُ عليكم، ١٤ فإنه عزَّ وجلَّ غفورٌ رحيمٌ، ولَمَّا كان التكليفُ هاهنا شاقًّا؛ لأنَّ الأذى الصادرَ ممن أحسنتَ إليه أشدُّ نكايةً وأبعثُ على الانتقام، ناسَبَ التأكيدَ في قوله سبحانه: ((وإن تعفوا)» إلخ. وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ عداوتَهم من حيثُ إنهم يحولون بينهم وبين الطاعات والأمور النافعة لهم في آخرتهم، وقد يحملونهم على السعي في اكتساب الحرام وارتكاب الآثام لمنفعة أنفسهم، كما روي عنه وَّهِ: ((يأتي زمانٌ على أمتي، يكون فيه هلاكُ الرجل على يدِ زوجه وولده، يُعيِّرانه بالفقر، فيركب مراكبَ السُّوء، فيهلك))(١). ومن الناس من يحمله حُبُّهم والشفقةُ عليهم على أن يكونوا في عيشٍ رَغدٍ في حياته وبعد مماته، فيرتكبُ المحظورات لتحصيل ما يكون سبباً لذلك وإن لم يطلبوه منه، فيهلك. وسببُ النزول أوفقُ بهذا القول، أخرج الترمذيُّ والحاكم وصححاه، وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ﴾ إلخ، في قومٍ من أهل مكة، أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبيَّ وَِّ، فأبى أزواجُهم وأولادهم أن يَدَعوهم، فلما أتوا رسولَ اللهِّه فرأوا الناسَ قد فَقُهُوا في الدين، مُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى الآية(٢). (١) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٤٣٩). (٢) الدر المنثور ٢٢٧/٦-٢٢٨، والترمذي (٣٣١٧)، والحاكم ٤٩٠/٢، وتفسير الطبري ١٤/٢٣. الآية : ١٥ ١٩٣ سُوَرَةُ النَّغَابُ وفي روايةٍ أخرى عنه أنه قال: كان الرجلُ يُريدُ الهجرةَ فيحبسه امرأته وولده فيقول: أما واللهِ لئن جَمَعَ الله تعالى بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلنَّ ولأفعلنَّ، فجمعَ الله عزَّ وجلَّ بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِ مِنْ أَزْوَجِكُمْ﴾ الآية(١). وقيل: إنهم قالوا لهم: لئن جمعنا الله تعالى في دار الهجرة لم نُصِبْكم بخيرٍ، فلما هاجروا منعوهم الخير. فنزلت. وعن عطاء بن أبي رباح أنَّ عوف بن مالك الأشجعيَّ أراد الغزو مع النبيِّ وَِّ، فاجتمعَ أهلُهُ وأولاده فئبَّطوه وشكوا إليه فِراقه، فَرَقَّ ولم يَغْزُ، ثم إنه نَدِمَ، فهمَّ بمعاقبتهم، فنزلت(٢). واستدلَّ بها على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقِدَ على زوجه وولده إذا جَنَوا معه جنایةً، وأن لا يدعوَ علیھم. ﴿إِنََّا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاءٌ ومحنةٌ؛ لأنهم يترتَّبُ عليهم الوقوعُ في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك، وفي الحديث: ((يُؤتَى برجلٍ يومَ القيامة فيقال: أَكَلَ عيالُهُ حسناته))(٣)، وعن بعض السلف: العيال سُوسُ الطاعات. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه والحاكم وصححه عن بريدة قال: كان النبيُّ وَ يخطُبُ، فأقبلَ الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويَعْثُران، فنزلَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام من المنبر، فحملهما واحداً من ذا الشَّقِّ، وواحداً من ذا الشَّقِّ، ثم صَعِدَ المنبرَ فقال: (صَدَقَ الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ إني لَمَّا نظرتُ إلى هذين الغلامين (١) الدر المنثور ٢٢٨/٦، وعزاها لعبد بن حميد وابن مردويه، وأخرجها أيضاً ابن جرير ١٤/٢٣. (٢) أخرجه الطبري ١٥/٢٣، وعزاه في الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى ابن جرير وابن إسحاق. (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٤٥١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩٣/١، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٨١ عن سفيان الثوري. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٧٣ : لم أره مرفوعاً. سُورَةُ النَّغَابُ ١٩٤ الآية : ١٥ يمشيان ويَعثُران، لم أَصبرْ أن قطعتُ كلامي ونزلت إليهما))(١). وفي رواية ابن مردويه(٢) عن عبد الله بن عمر أنَّ رسولَ الله وَلّهِ بينما هو يخطبُ الناسَ على المنبر، خرجَ حسينُ بن عليٍّ على رسول الله وعليهما الصلاة والسلام، فَوَطِئَ في ثوبٍ كان عليه، فسقط فبكى، فنزل رسولُ اللهِ وَلِّ عن المنبر، فلما رآه الناسُ سَعوا إلى حسين يتعاطونه، يُعطيه بعضُهم بعضاً، حتى وَقَعَ في يد رسول اللهِ وَ﴾، فقال: ((قاتلَ الله الشيطانَ، إن الولدَ لفتنةٌ، والذي نفسي بيده ما دريتُ أني نزلتُ عن منبري))(٣). وقيل: إذا أمكنكم الجهادُ والهجرةُ فلا يَفْتِنْكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما. قال في ((الكشف)): الفتنةُ على هذا: الميلُ إلى الأموال والأولاد دونَ العقوبة والإثم. ◌َ أَنْ زَوَاءُ وقُدِّمت الأموال قيل: لأنها أعظمُ فتنةً ﴿كَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَنَ اُسْتَغَ ا [العلق: ٦-٧]، وأخرج أحمد والطبرانيُّ والحاكم والترمذيُّ وصحَّحه عن كعب بن عياض، سمعت رسولَ الله وَّه يقول: ((إنَّ لكلِّ أمةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المال)» (٤). وأخرج نحوه ابن مردويه عن عبد الله بن [أبي] أوفى مرفوعاً(٥). وكأنه لِغَلَبةِ الفتنةِ في الأموال والأولاد لم تُذْكَر ((من)) التبعيضيَّة كما ذُكِرتْ فيما تقدَّم. (١) الدر المنثور ٢٢٨/٦، وأحمد (٢٢٩٩٥)، وأبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي في المجتبى ١٠٨/٣، وابن ماجه (٣٦٠٠)، والحاكم ٢٨٧/١ و١٨٩/٤. (٢) كما في الدر المنثور ٢٢٨/٦. (٣) جاء في هامش الأصل: ليت شعري لو رأى رسول الله وَلخير حال الحسين - على جده وعليه الصلاة والسلام - في واقعة كربلاء ماذا كان يصنع؟! فلعنة الله تعالى وملائكته ورسله والناس أجمعين على مَن أمر بما كان، ومَن أَلْجَمَ وأَسْرجَ أو رضي أو كثَّر سواداً. (٤) أحمد (١٧٤٧١)، والطبراني في الكبير ١٧٩/١٩ (٤٠٤)، وفي الأوسط (٣٣١٩)، وفي مسند الشاميين (٢٠٢٧)، والحاكم ٣١٨/٤، والترمذي (٢٣٣٦). (٥) الدر المنثور ٢٢٨/٦، وما بين حاصرتين منه. الآية : ١٦ ١٩٥ سُورَةُ النَّحَابُ لمن آثرَ محبَّةَ الله تعالى وطاعته على محبَّة ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ, أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٥ الأموال والأولاد، والسعي في مصالحهم على وجهٍ يُخِلُّ بذلك. ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: ابذلوا في تقواه عزَّ وجلَّ جهدكم وطاقتكم كما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس (١)، وحكي عن أبي العالية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] اشتدَّ على القوم العمل، فقاموا حتى وَرِمَتْ عَراقيبهم، وتقرَّحتْ جباههم، فأنزل الله تعالى تخفيفاً على المسلمين: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت الآيةَ الأولى(٢). وجاء عن قتادة نحوٌ منه، وعن مجاهد: المراد أن يُطاعَ سبحانه فلا يعصى. والكثيرُ على أنَّ هذا هو المرادُ في الآية التي ذكرناها . وَأَسْمَعُواْ﴾ مواعظه تعالى ﴿وَأَطِيعُوا﴾ أوامره عزَّ وجلَّ ونواهيه سبحانه ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ مما رزقكم في الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها خالصاً لوجهه جلَّ شأنه، كما يُؤذن به قوله تعالى: ﴿خَيْرًّا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ وذِكْرُ ذلك تخصيصٌ بعد تعمیم. ونَصْبُ (خيراً) عند سيبويه على أنه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ، أي: وأتُوا خيراً لأنفسكم(٣)، أي: افعلوا ما هو خيرٌ لها وأنفع، وهذا تأكيدٌ للحَثِّ على امتثال هذه الأوامر وبيانٌ لكون الأمور خيراً لأنفسهم من الأموال والأولاد، وفيه شَمَّةٌ من التجريد، وعند أبي عبيد(٤) على أنه خبرٌ لـ ((يكن)) مقدَّراً جواباً للأمر، أي: يكن خيراً، وعند الفراء والكسائي على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إنفاقاً خيراً . وقيل: هو نصب بـ ((أنفقوا))، والخير: المال. وفيه بُعْدٌ من حيثُ المعنى. وقال بعض الكوفيين: هو نَصْبٌ على الحال، وهو بعيدٌ في المعنى والإعراب. (١) المصدر السابق. (٢) المصدر السابق. (٣) جاء في هامش الأصل: لأن السوابق كلها من إتيان الخير. (٤) كذا في الأصل و(م). ولعله أبو عبيدة، ينظر مجاز القرآن ١٤٣/١، وتفسير القرطبي ٢٤/٢١. سُورَةُ الْتَغَابُ ١٩٦ الآية : ١٧ - ١٨ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ﴾ وهو البخل مع الحرص ﴿فَأْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بكلِّ مرام. ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ﴾ تصرفوا المالَ إلى المصارف التي عيَّنها عزَّ وجلَّ، وفي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ ﴿قَرْضَا حَسَنًا﴾ مقروناً بالإخلاص وطِيب النفس ﴿يُضَعِفْهُ لَكُمْ﴾ يجعلْ لكم جلَّ شأنه بالواحد عَشْراً إلى سبع مئةٍ وأكثر، وقرئ: يُضَعِّفْهُ(١) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب ﴿وَاللَّهُ شَكُورُ﴾ يُعطي الجزيلَ لا يُعاجل بالعقوبة مع كثرة الذنوب. بمقابلة النَّزْر القليل ﴿حَلِيمُ ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ لا يخفى عليه سبحانه شيءٌ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١٨ المبالغ في القدرة والحكمة، وفي الآية من الترغيب بالإنفاق ما فيها، لكن اختلف في المراد به فقيل: الإنفاقُ المفروضُ، يعني الزكاة المفروضة، وقد صُرِّح به، وقيل: الإنفاق المندوب، وقيل: ما يعمُّ الكلَّ، والله تعالى أعلم. (١) بالتشديد قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، ينظر التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. ١٦ سُورَةُ الطََّلَاقِ وتُسمَّى: سورةَ النساء القصرى. كذا سمّاها ابن مسعود كما أخرجه البخاري(١) وغيره، وأنكره الداووديُّ(٢)، فقال: لا أرى ((القُصرى)) محفوظاً، ولا يقال لشيءٍ من سُوَرِ القرآن: قُصرى، ولا صُغْرى، وتعقّبه ابن حجر(٣) بأنه رَدِّ للأخبار الثابتة بلا مُستَنَدٍ، والقِصَرُ والُول أمرٌ نسبيٍّ، وقد أخرج البخاريُّ عن زيد بن ثابت أنه قال: طولى الطوليين(٤). وأراد بذلك سورةَ الأعراف. وهي مدنيَّةٌ بالاتفاق. واختلف في عدد آياتها(٥)، ففي البصري إحدى عَشْرَةً آية، وفيما عداه اثنتا عَشْرة آية. ولما ذكر سبحانه فيما تقدم: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وكانت العداوةُ قد تفضي إلى الطلاق ذَكَرَ جلَّ شأنه هنا الطلاقَ، وأرشدَ سبحانه إلى الانفصال منهنَّ على الوجه الجميل، وذكر عزَّ وجلَّ أيضاً ما يتعلَّقُ بالأولاد في الجملة، فقال عزَّ من قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ خصَّ النداءَ بِهِوَّهِ وعمَّ الخطاب بالحكم؛ لأنَّ (١) في صحيحه (٤٥٣٢). (٢) الداوودي: هو عبد الله بن أحمد بن محمد المغلِّس الظاهري، له من التصانيف: أحكام القرآن، وغيره. توفي سنة (٣٢٤هـ). سير أعلام النبلاء ١٥/ ٧٧. (٣) في الفتح ٦٥٦/٨. (٤) صحيح البخاري (٧٦٤)، وهو عند أحمد (٢١٦٣٣). (٥) في هامش الأصل: والخلاف في ثلاث آيات: ((يجعل له مخرجاً)) كوفي مكي والمدني الأخير، ((واليوم الآخر)) شامي، ((يا أولي الألباب)) المدني الأول. ١ الآية : ١ ١٩٨ سُؤَدَّةُ الطََّلَاق النبيَّ عليه الصلاة والسلام إمامُ أمته، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان: افعلوا كَيْتَ وكَيْت؛ إظهاراً لتقدُّمه، واعتباراً لترؤُسه، وأنه المتكلّم عنهم، والذي يَصدرون عن رأيه، ولا يستبدُّون بأمرٍ دونه، فكان هو وحده في حُكْمهم كلِّهم، وسادًّا مَسَدَّ جميعهم، وفي ذلك من إظهار جلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه، ولذلك اختير لفظ ((النبي)) لما فيه من الدلالة على علوِّ مرتبته وَله. وقيل: الخطابُ كالنداء له وَّ، إلا أنه اختير ضميرُ الجمع للتعظيم، نظيرَ ما في قوله: ألا فارحموني يا إله محمد (١) وقيل: إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء، صَرَفَ سبحانه الخطابَ عنه لأمته تكريماً له وَ﴿، لِمَا في الطلاق من الكراهة، فلم يُخاطَبْ به تعظيماً. وجعل بعضُهم الكلامَ على هذا بتقدير القول، أي: قُلْ لأمتك: إذا طلقتم. وقيل: حُذِفَ نداءُ الأمة، والتقدير: يا أيُّها النبيُّ وأمَّةُ النبيِّ إذا طلقتم. وأيًّا ما كان فالمعنى: إذا أردتم تطليقهنَّ، على تنزيل المُشَارِفِ للفعل منزلةً الشارع فيه، واتفقوا على أنه لولا هذا التجوُّز لم يستقم الكلامُ؛ لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى: إذا طلَّقتم فطلقوهنَّ مرَّةً أخرى. وهو غيرُ مراد. وقال بعض المحقّقين: لك أن تقول: لا حاجةً إلى ذلك، بل هو من تعليق الخاصِّ بالعامِّ، وهو أبلغُ في الدلالة على اللزوم، كما يقال: إن ضربتَ زيداً فاضْرِبِهُ ضَرْباً مُبرحاً؛ لأنَّ المعنى: إن يصدر منكَ ضَرْبٌ فليكن ضرباً شديداً، وهو أحسنُ من تأويله بالإرادة، فتدبَّر. انتهى، وأنت تعلمُ أنَّ المتبادر فيما ذكره كونه على معنى الإرادة أيضاً. ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعَِّّتِهِنَّ﴾ أي: لاستقبال عِدَّتهنَّ، واللامُ للتوقيت نحو: كتبتُهُ لأربع ليالٍ بقين من جمادى الأولى، أو: مستقبلاتٍ لها على ما قدَّره الزمخشريُّ(٢)، (١) سلف ١٧ / ١١٢. (٢) في الكشاف ٤/ ١١٧. الآية : ١ ١٩٩ سُورَةُ الصَّلَاقِ وتعقَّبه أبو حيان(١) بما فيه نظر. واعتبار الاستقبال رأيُ مَنْ يَرى أنَّ العِدَّةَ بالحيض، وهي القروءُ في آية البقرة(٢) - كالإمام أبي حنيفة - ليكون الطلاقُ في الطهر، وهو الطلاقُ المأمور به، والمراد بالأمر بإيقاعه في ذلك النهيُ عن إيقاعه في الحيض، وقد صرَّحوا جميعاً بأنَّ ذلك طلاقٌ بِدْعِيٌّ حرامٌ، وقُيِّدَ الطهر بكونه لم يُجامَعْنَ فيه، واستدلَّ لذلك ولاعتبار الاستقبال بما أخرجه الإمامان مالك والشافعي، والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن ابن عمر أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمرُ رَّه لرسول الله وََّ، فتغيَّظَ فيه رسولُ اللهِ وَّل، ثم قال: ((ليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيضَ فتطهرَ، فإن بدا له أن يُطلِّقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العِدَّةُ التي أمر الله تعالى أن يُطلَّقَ لها النساء)»، وقرأ النبيُّ ◌َّ: ((يا أيها النبيُّ إذا طلَّقتم النساءَ فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عِدَّتهنَّ))(٣) وكان ابن عمر كما أخرج عنه ابن المنذر وغيره يقرأ كذلك، وكذلك ابن عباس(٤)، وفي روايةٍ عنهما أنهما قرأ: ((لقُبُلِ عِذَّتهنَّ»(٥). ومن يرى أنَّ العِدَّة بالأطهار - وهي القروء في تلك الآية - كالإمام الشافعيِّ، يُعلِّقُ لامَ التوقيت بالفعل، ولا يعتبر الاستقبال. (١) في البحر المحيط ٢٨١/٨. وجاء في هامش الأصل: وهو أنه لا يحذف متعلق الظرف إذا كان كوناً خاصاً، فالصحيح تقدير المضاف. وفيه أنه إذا كانت قرينة جاز حذف كلٍّ، وإلا امتنع حذف كلِّ. اهـ منه. (٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةً قُرُوَةٍ﴾ الآية: ٢٢٨. (٣) الدر المنثور ٢٢٩/٦، ومالك في الموطأ ٥٧٦/٢، والشافعي في المسند ٣٢/٢-٣٣ بترتيب السندي، والبخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١): (١٤)، وأبو داود (٢١٨٥)، والترمذي (١١٧٦)، والنسائي في المجتبى ١٣٨/٦-١٣٩، وابن ماجه (٢٠١٩). وهو عند أحمد (٥٥٢٣)، ولم ترد قراءة النبي ◌ّير في رواية البخاري والموطأ والترمذي وابن ماجه. وهذه القراءة محمولة على التفسير لا التلاوة؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ينظر البحر ٢٨١/٨. (٤) تفسير الطبري ٢٣/٢٣-٢٤، والقراءات الشاذة ص١٥٨، والمحتسب ٣٢٣/٢. (٥) أخرجها مالك في الموطأ ٥٨٧/٢، وابن الأنباري كما في الدر المنثور ٢٣٠/٦ عن ابن عمر، وهي كذلك محمولة على التفسير لمخالفتها سواد المصحف. سُوَدَّةُ القَفَلَقِ ٢٠٠ الآية : ١ واعتُرض على التأويل بـ : مستقبلاتٍ لعِذَّتهنَّ، بأنه إن أُريد التلبُّس بأولها فهو للشافعي ومن يرى رأيه لا عليه، وعلى المخالف لا له، وإن أُريد المشارَفةُ عادةً، فخلافُ مقتضى اللفظ؛ لأنَّ اللامَ إذا دخلت الوقت(١) أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت، لا استقبال الوقت. وعلى الاستدلال بقراءة رسول الله ﴿ حسبما تضمَّنه الحديثُ السابق بأنَّ قُبُلَ الشيء أوَّله، نقيضُ دُبُره، فهي مؤكّدةٌ لمذهب الشافعي لا دافعةٌ له، ويشهدُ لكون العِدَّة بالأطهار قراءةُ ابن مسعود: (لِقُبُل طُهْرهنَّ))(٢). ومنهم من قال: التقديرُ: لأطهار عِدَّتهنَّ. وتُعقِّبَ بأنه إن جُعلتِ الإضافةُ بمعنى (من)) دلَّ على أنَّ القُرْءَ هو الحيضُ والطهرُ معاً، وإن جُعلت بمعنى اللام، فيكفي ما في قولك: الأطهار الحيض، من التنافر رَدًّا، مع ما فيه من الإضمار من غير دلیل. وفي ((الكشاف)): المراد - أي: من الآية - أن يُطلَّقْنَ في ◌ُهْرٍ لم يُجامَعْنَ فيه، ثم يُخَلَّينَ حتى تنقضيّ عِدَّتهنَّ، وهو أحسنُ الطلاق وأَدخلُهُ في السنة، وأبعدُ من الندم، ويدلُّ عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنَّ أصحابَ رسول الله وَلِّ كانوا يستحبُّون أن لا يُطلِّقها للسُّنَّةِ إلا واحدة، ثم لا يُطلِّقوا غيرَ ذلك حتى تنقضي العِدَّة، وكان أحسنَ عندهم من أن يُطلِّقَ الرجلُ ثلاثاً في ثلاثة أطهار. وقال مالك: لا أعرفُ طلاقَ السُّنَّة إلا واحدة. وكان يكره الثلاث مجموعةً كانت أو مفروقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في ظُهْرٍ واحدٍ، فأما مفروقاً في الأطهار فلا؛ لما روي عن النبيِّ يَّ أنه قال لابن عمر حين طلَّق امرأته وهي حائض: ((ما هكذا أمركَ الله، إنما السُّنَّةُ أن تستقبلَ الظُّهْرَ استقبالاً، وتُطلِّقها لكلِّ قُرْءٍ تطليقة))(٣)، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر: (١) في هامش الأصل: أي: حقيقة أو حكماً فلا تغفل. (٢) البحر المحيط ٢٨١/٨. (٣) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٤٥٥)، والبيهقي ٧/ ٣٣٠، ٣٣٤، وابن الجوزي في التحقيق (١٧٠٤)، وسلف ٢٩٧/٣، وينظر نصب الراية ٢٢٠/٣.