النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ١٠ ٤١ سُورَةُ الْحُسْ أقومُ الليلَ وأصومُ النهارَ، ولو وهبتْ لي شاةٌ لفرحتُ بها، ولو ذهبتْ لحزنتُ عليها، والله لقد فضَّلكَ الله تعالى علينا فَضْلاً بيِّناً(١). هذا وذهب بعضُهم إلى أنَّ قوله تعالى: ((والذين تبؤُّؤوا)) إلخ مبتدأ، وجملةُ (يُحبُّون)) إلخ خبره، والكلامُ استئنافٌ مسوقٌ لمدح الأنصار، وجُوِّزَ كونُ ذلك معطوفاً على ((أولئك)) فيفيدُ شِرْكةَ الأنصار للمهاجرين في الصِّدق، وجملةُ (يُحبُّون)) إلخ إما استئنافٌ مقرِّرٌ لصِدْقهم، أو حالٌ من ضمير ((تبوَّؤوا))، وإلى أنَّ قوله تعالى: ((والذين جاؤوا)) إلخ مبتدأ؛ وجملة ((يقولون)) إلخ خبره، والجملةُ معطوفةٌ على الجملة السابقة، مسوقةٌ لمدح هؤلاء بمحبَّتهم مَنْ تقدَّمهم من المؤمنين، ومراعاتهم لحقوق الأُخوَّة في الدين، والسَّبْق بالإيمان، كما أنَّ ما عُطفتْ عليه من الجملة السابقة لمدح الأنصار. واستُدلَّ لعدم عَظْفِ ((الذين تبوَّؤوا)) على ((المهاجرين)) بما روي أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قسمَ أموالَ بني النضير على المهاجرين، ولم يُعطِ الأنصارَ إلا ثلاثة كما تقدم، وقال عليه الصلاة والسلام لهم: ((إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم من هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم ديارُكم وأموالكم، ولم يُقسمْ لكم شيءٌ من الغنيمة»، فقالوا: بل نقسمُ لهم - أي: المهاجرين - من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت الآية: ﴿وَذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ إلى آخره(٢) . وبعضُ القائلين بالعَظْف يقولون: إنَّ قوله تعالى: (وَلَّذِينَ تَبَّؤَّهُو) إلخ بيانٌ لحكم الأخماس الأربعة، على معنى أنَّ له عليه الصلاة والسلام أن يعمَّ الناسَ بها حَسَبَ اختياره، وأنَّ الأنصارَ مَصْرِفٌ من المصارف، ولكن قد اختارَ ﴿ أن يكونَ إعطاؤهم بالشرط الذي ذكره عليه الصلاة والسلام لهم، وهم اختاروا ما اختاروا إيثاراً منهم، وذلك لا يُخرجهم عن كونهم مَصْرِفاً، بل في قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَ (١) الدر المنثور ١٩٩/٦، وهو في نوادر الأصول ص ١٨٢. (٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٨٤/٤. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٦٦ : ذكره الثعلبي هكذا بغير سند. سُوَّةُ الحُبْر ٤٢ الآية : ١٠ أَنْفُسِهِمْ) رمزٌ إليه، على أنَّ في الأخبار ما هو أَصحُّ وأصرحُ في الدلالة على عَظْفهم على ما تقدم، وأنهم يُعطون من الفيء، وكذا عَطْفُ ((الذين جاؤوا من بعدهم)) فقد أخرج البخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن حبان وغيرهم عن مالك بن أوس بن الحدثان في حديثٍ طويلٍ أنَّ عمر رَظُه قال - أي: في قضاءٍ بين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وعَمِّه العباس ظُه في فَدَك، وقد كان عمرُ دفعها إليهما وأخذَ عليهما عَهْدَ الله تعالى على أن يعملا فيها بما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعمل به فيها، فتنازعا -: إنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ، عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَمْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله بَّر خاصة، ثم قال سبحانه: ﴿مَّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْيَ﴾ إلى آخر الآية، ثم والله ما أعطاها هؤلاء وَحْدَهم حتى قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ ثم والله ما جعلها لهؤلاء وَحْدهم حتى قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّا أَغْفِرْ لَنَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَحِيمٌ﴾ فقسمها هذا القَسْمَ على هؤلاء الذين ذكر، ولئن بقيتُ ليأتينَّ الرُّويعيَّ بصنعاءَ حَقُّهُ ودمه في وجهه(١). وظاهر هذا الخبر يقتضي أنَّ للمهاجرين سَهْماً غير السهام السابقة، فلا يكون (للفقراء)) بدلٌ من ((لذي القربى)) وما بعده، ولا مما بعده دونه، وكذا ظاهر ما في مصحف عبد الله وزيد بن ثابت كما أخرجه ابنُ الأنباريِّ في ((المصاحف)) عن الأعمش: ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله))، على أنَّ الإبدالَ يقتضي ظاهراً كونَ اليتامى مهاجرين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، إلى آخر الصفات، وفي صدْقٍ ذلك عليهم بُعْدٌ، وكذا يقتضي كون ابن السبيل كذلك، وفيه نوعُ بُعْدٍ أيضاً كما لا يخفى، فلعلَّه اعتبر تعلُّقه بفعلٍ محذوفٍ، والجملةُ استئنافٌ (١) البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي في الكبرى (٤٤٣٤)، وابن حبان (٦٦٠٨)، وهو عند أحمد (٤٢٥). الآية : ١١ ٤٣ سُؤَّةُ الحُشْرِ بيانيٍّ، وذلك أنهم كانوا يعلمون أنَّ الخمسَ يُصرَفُ لمن تضمَّنه قوله تعالى: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرَّْ وَالْبَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ) فلما ذُكر ذلك انقدَح في أذهانهم أنَّ المذكورينَ مصرفُ الخمس، ولم يعلموا مصرفَ الأخماس الأربعة الباقية، فكأنهم قالوا: فلمنْ تكونُ الأخماسُ الأربعةُ الباقية؟ أو: فلمن يكونُ الباقي؟ فقيل: تكونُ الأخماسُ الأربعة الباقية - أو يكون الباقي - للفقراء المهاجرين .. إلى آخره. ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لذلك، فتأمل، والله تعالى الهادي إلى أحسن المسالك. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ حكايةٌ لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجيبٌ منها، بعدَ حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم. والخطابُ لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أو لكلِّ أحدٍ ممن يصلحُ للخطاب، والآيةٌ - كما أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم عن ابن عباس - نزلت في رَهْطِ من بني عوف، منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، ووديعةُ بن مالك، وسويدٌ، وداعسٌ، بعثوا إلى بني النضير بما تضمَّنته الجمل المحكية بقوله تعالى: ((يقولون)) إلخ (١). وقال السديُّ: أسلم ناسٌ من بني قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، فبعثوا إلى بني النضير ما قصَّ الله تعالى. والمعوَّل عليه الأول. وقوله سبحانه: ﴿يَقُولُونَ﴾ استئنافٌ لبيانِ المتعجَّب منه، وصيغةُ المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو لاستحضار صورته، واللام في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِإِخْوَيِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ للتبليغ؛ والمرادُ بأُخُوَّتهم: الأخوَّةُ في الدين واعتقادِ الكفرة، أو الصداقةُ، وكَثُرَ جَمْعُ الأخ - مراداً به ما ذكر - على: إخوان، ومراداً به الأخوة في النسب على: إخوة، وقلَّ خلافُ ذلك. واللامُ في قوله تعالى: ﴿لَيْنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ موطِّئةٌ للقَسَم؛ وقوله سبحانه: ﴿لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ﴾ جوابُ القَسَم، أي: والله لئن أُخرجتم من دياركم قَسْراً، لنخرجنَّ من ديارنا معكم ألبتة، ونذهبنَّ في صُحْبتكم أينما ذهبتم ﴿وَلَا تُطِيعُ فِيَكُمْ﴾ (١) الدر المنثور ١٩٩/٦. سُؤَةُ الْمُشْرِ ٤٤ الآية : ١٢ في شأنكم ﴿أَحَدًا﴾ يمنعنا من الخروج معكم، وهو لدفع أن يكونوا وَعَدُوهم الخروجَ بشرط أن يمنعوا منه ﴿أَبَدًا﴾ وإن طال الزمان. وقيل: لا نُطيعُ في قتالكم أو خِذْلانكم، قال في ((الإرشاد)»: وليس بذاك؛ لأنَّ تقديرَ القتال مترقّبٌ بعدُ، ولأنَّ وَعْدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرَّد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم، بل نصرتهم عليه كما ينطقُ به قوله تعالى: ﴿وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَصُرَنَّكُمْ﴾ أي: لنعاوننَّكم على عدوّكم، على أنَّ دعوتهم إلى خِذلان اليهود مما لا يمكنُ صدوره عن رسول الله وَ﴿ والمؤمنين حتى يدعوا عدمَ طاعتهم فيها، ضرورةً أنها لو كانت لكانت عند استعدادهم لنُصْرتهم وإظهار كُفْرهم، ولا ريبَ في أنَّ ما يفعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك قتلهم، لا دعوتُهم إلى تَرْك نُصرتهم، وأما الخروج معهم فليس بهذه المرتبة من إظهار الكفر، لجواز أن يدَّعوا أنَّ خروجهم معهم لما بينهم من الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين(١). ونوقش في ذلك. وجواب ((إنْ)) محذوفٌ، و((لننصرنكم)) جوابُ قَسَم محذوف قبل ((إن)) الشرطية، وكذا يقال فيما بعدُ على ما هو القاعدة المشهورة فيما إذا تقدَّم القَسَمُ على الشرط. في مواعيدهم المؤگّدة بالأيمان. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُنَ وقوله تعالى: ﴿لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخُْعُونَ مَعَهُمْ﴾ إلى آخره تكذيبٌ لهم في كلِّ واحدٍ من أقوالهم على التفصيل، بعد تكذيبهم في الكلِّ على الإجمال. ﴿وَلَيْن قُوْتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ﴾ وكان الأمرُ كذلك. والإخبارُ عن خُلْفهم في الميعاد قيل: من الإخبار بالغيب، وهو من أدلة النبوّة وأحد وجوه الإعجاز. وهذا مبنيٍّ على أنَّ السورةَ نزلت قبل وقعة بني النضير، وكلامُ أهل الحديث والسِّيَر - على ما قيل - يدلُّ على خلافه. وقال بعض الأجلَّة: إنَّ قوله تعالى: ((يقولون ... لئن أخرجتم)) إلخ من باب الإخبار بالغيب بناءً على ما روي أنَّ عبد الله بن أُبَيّ دَسَّ إليهم لا يخرجوا، فأَطلع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام على ما دَسَّهُ. (١) إرشاد العقل السليم ٢٣٠/٨. الآية : ١٣ - ١٤ ٤٥ سُورَةُ الُنْ ﴿وَلَيِن نََّرُوهُمْ﴾ على سبيل الفرض والتقدير ﴿لَيُّوَأَنّ﴾ أي: المنافقون بعد ذلك، أي: يُهلكهم الله تعالى ﴿ اٌلْأَدْبَرَ﴾ فراراً ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو: ليولنُّ، أي: اليهودُ المفروضةُ نصرةٌ المنافقين إياهم وليَنْهَزِمُنَّ، ثم لا ينفعهم نصرةُ المنافقين. وقيل: الضميرُ المرفوع في ((نصروهم)) لليهود، والمنصوبُ للمنافقين، أي: ولئن نَصَرَ اليهودُ المنافقين ليولِّي اليهودُ الأدبارَ. وليس بشيء، وكأنه دعا قائلَه إليه دَفْعُ ما يتوهّمُ من المنافاة بين ((لا ينصرونهم)) و((لئن نصروهم)) على الوجه السابق، وقد أشرنا إلى دَفْع ذلك من غير حاجةٍ إلى هذا التوجيه الذي لا يخفى حاله. ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ﴾ أي: أشدُّ مرهوبية، على أنَّ((رهبةً)) مصدرٌ من المبني للمفعول؛ لأنَّ المخاطبین - وهم المؤمنون - مرهوبٌ منهم لا راهبون. ﴿فِ صُدُورِهِم مِّنَ اَللِّ﴾ أي: رهبتُهم منكم في السِّرِّ أشدُّ مما يظهرونه لكم من رهبة الله عزَّ وجلَّ، وكانوا يُظهرون لهم رهبةً شديدةً من الله عزَّ وجلَّ. ويجوز أن يُرادَ: إنهم يخافونكم في صدورهم أشدّ من خوفهم من الله تعالى، ولشدَّة البأس والتشجُّع ما كانوا يُظهرون ذلك. قيل: إنَّ ((في صدورهم)) على الوجه الأول مبالغةٌ وتصويرٌ على نحوٍ: رأيته بعيني. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكِرَ من كونكم أشدَّ رهبةً في صدورهم من الله تعالى ﴿ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴾﴾ شيئاً حتى يعلموا عظمةَ الله عزَّ وجلَّ، فيخشوه حقَّ خشيته سبحانه وتعالى. والمراد بهؤلاء اليهود، وقيل: المنافقون، وقيل: الفريقان. ﴿لَا يُقَدِلُونَكُمْ﴾ أي: اليهود والمنافقون، وقيل: اليهود، يعني: لا يقتدرون على قتالكم ﴿جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين مُتَّفْقين في موطنٍ من المواطن. ﴿إِلَّا فِ قُرَّى تُحَصَّنَةٍ﴾ بالدروب والخنادق ونحوها ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ يتستَّرون بها دون أن يصحروا لكم (١) ويبارزوكم؛ لِقَذْفِ الله تعالى الرعبَ في قلوبهم ومزيد رهبتهم منکم. (١) يصحروا لكم: يبرزوا لكم. القاموس المحيط (صحر). سُوَّةُ الحُبْ ٤٦ الآية : ١٤ وقرأ أبو رجاء والحسن وابن وثَّاب: ((جُدْر)) بإسكان الدال تخفيفاً، ورُويتْ عن ابن كثيرٍ وعاصمٍ والأعمش(١). وقرأ أبو عمرو وابن كثير في الرواية المشهورة، وكثيرٌ من المكيين: ((جدارٍ)) بكسر الجيم وألفٍ بعد الدال(٢)، وهي مفردُ: الجدر، والقصد فيه إلى الجنس، أو المراد به السُّور الجامعُ للجُدُر والحيطان. وقرأ جمعٌ من المكيين، وهارون عن ابن كثير: ((جَدْر)) بفتح الجيم وسكون الدال(٣)، قال صاحب ((اللوامح)): وهو الجدار بلغة اليمن. وقال ابن عطية: معناه أصلُ بنيان كـ : سُؤْرٍ وغيره، ثم قال: ويحتملُ أن يكون من جَدر النخل، أي: من وراء نخلهم؛ إذ هي مما يُتَّقى به عند المصافَّة (٤). ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ استئنافٌ سِيْقَ لبيان أنَّ ما ذُكِرَ من رهبتهم ليس لضعفهم وجُبْنهم في أنفسهم، فإنَّ بأسَهم إذا اقتتلوا شديدٌ، وإنما ضَعْفُهم وجُبْنهم بالنسبة إليكم بما قَذَفَ الله تعالى في قلوبهم من الرعب. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين ذوي أُلْفةٍ واتحاد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَنَّىَ﴾ جمع: شتيت، أي: متفرقةٌ لا أُلفةَ بينها، يعني: أنَّ بينهم إِحَناً وعداواتٍ فلا يتعاضدون حقَّ التعاضد، ولا يرمونَ عن قوسٍ واحدة، وهذا تجسيرٌ للمؤمنين وتشجيعٌ لقلوبهم على قتالهم. وقرأ مبشر بن عبيد: ((شَتَّى)) بالتنوين(٥)، جَعَلَ الألفَ ألفَ الإلحاق، وعبد الله : (وقلوبهم أَشَتّ))(٦) أي: أكثر - أو: أشدُّ - تفرُّقاً. (١) الكشاف ٨٥/٤، والمحرر ٢٨٩/٥، والبحر ٢٤٩/٨. (٢) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢. (٣) القراءات الشاذة ص١٥٤، والمحرر ٢٨٩/٥، والبحر ٢٤٩/٨. (٤) المحرر الوجيز ٢٨٩/٥. ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٤٩/٨، ووقع في مطبوع المحرر: عند المضايقة. بدل: عند المصافة. (٥) البحر المحيط ٢٤٩/٨. (٦) القراءات الشاذة ص١٥٤، والبحر المحيط ٢٤٩/٨. الآية : ١٥ ٤٧ سُورَةُ العُشْرِ ١٤ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي: ما ذُكر من تشتُّت قلوبهم بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ شيئاً حتى يعلموا طُرُقَ الأُلفة وأسبابَ الاتفاق. وقيل: لا يعقلون أنَّ تشتُّتَ القلوب مما يُوهِنُ قواهم المركوزة فيهم بحَسَبٍ الخِلْقة، ويُعينُ على تدميرهم واضمحلالهم. وليس بذاك. وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: مثلهم، أي: مَثَلُ المذكورين من اليهود بني النضير، أو منهم ومن المنافقين كمَثَل أهل بدر - كما قال مجاهد - أو كبني قينقاع - كما قال ابن عباس - وهم شَعْبٌ من اليهود الذين كانوا حوالي المدينة، غزاهم النبيُّ نَّهِ يومَ السبت على رأس عشرين شهراً من الهجرة في شوال، قبل غزوة بني النضير، حيثُ كانت في ربيع سنة أربعٍ، وأَجلاهم عليه الصلاة والسلام إلى أَذْرعات على ما فُصِّلَ في كتب السِّيَر. وقيل: أي: مَثَلُ هؤلاء المنافقين كمَثَل منافقي الأمم الماضية. ﴿قَرِبّا﴾ ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: ذاقوا سوءً عاقبة كُفْرهم في زمنٍ قريبٍ من عصيانهم، أي: لم تتأخّر عقوبتهم، وعُوقبوا في الدنيا إثرَ عصیانهم . وقيل: انتصاب ((قريباً)) بـ ((مَثَل))، إذ التقديرُ: كوقوع مَثَلِ الذين. وتُعقّبَ بأنَّ الظاهرَ أنه أُريد أنَّ في الكلام مضافاً هو العامل حقيقةً في الظرف، إلا أنه لمّا حُذِفَ عَمِلَ المضاف إليه فيه لقيامه مقامه، ولا يخفى أن المعنى ليس عليه؛ لأنَّ المرادَ تشبيهُ المَثَل بالمَثَل - أي: الصفة الغريبة لهؤلاء بالصفة الغريبة للذين من قبلهم - دون تشبيه المثل بوقوع المثل. وأُجيب بأنَّ الإضافةَ من إضافة الصِّفة إلى موصوفها، فيرجعُ التشبيهُ إلى تشبيهِ المثل بالمثل، فكأنه قيل: مَثَلُهُم كَمَثَلِ الذين من قبلهم الواقع قريباً. وفيه أنَّ ذلك التقدير ركيكٌ، وما ذُكر لا يدفعُ الركاكة، والقولُ بتقدير مضافٍ في جانب المبتدأ أيضاً، أي: وقوعُ مثلهم كوقوع مثل الذين من قبلهم قريباً، فيكون قد شُبِّهَ وقوعُ المثل بوقوع المثل = تعسُّفٌ لا ينبغي أن يُرتَكَبَ في الفصيح. ٤٨ الآية : ١٦ وقيل: إنَّ العاملَ فيه التشبيه، أي: يُشبهونهم في زمنٍ قريب. وقيل: متعلّقُ الكاف؛ لأنه يدلُّ على الوقوع. وكلا القولين كما ترى. ولا يبعدُ تعلُّقه بما تعلَّقتْ به الصلة، أعني: ((من قبلهم))، أي: الذين كانوا من قبلهم في زمنٍ قريبٍ، فيفيدُ أنَّ قَبْليَّتهم قَبْليَّةٌ قريبةٌ، ويلزمُ من ذلك قُرْبُ ما فُعل بهم، وهو المثل، ويكونُ هذا مَظْمَح النظر في الإفادة، ويتضمَّنُ تعبيرهم بأنهم كانت لهم في أهل بدر أو بني قينقاع أسوةٌ، فبعدُ لم ينطمسْ آثارُ ما وقع بهم، وهو كذلك علی تقدیر الوقوع ونحوه. وجملة ((ذاقوا)) مفسِّرةٌ للمَثَل لا محلَّ لها من الإعراب، ويتعيَّنُ تعلُّقُ ((قريباً)) بما بعدُ على تقدير أن يُرادَ بمن قبل منافقو الأمم الماضية، فتدبَّر. ﴾﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه، والجملة قيل: عَطْفٌ على ﴿َلَمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ الجملة السابقة، وإن اختلفتا فعلية واسمية، وقيل: حالٌ مقدَّرةٌ من ضمير ((ذاقوا)). وأيًّا ما كان فهو داخلٌ في حَيِّز المثل، وقيل: عَظْفٌ على جملة ((مَثَلُهم كَمَثَلِ الذين من قبلهم)) ولا يخفى بُعْدُه. وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ جعله غيرُ واحدٍ خبرَ مبتدأ محذوف أيضاً، أي: مَثَلُهم كَمَثَلِ الشيطان، على أنَّ ضمير ((مَثَلُهم)) هاهنا للمنافقين، وفيما تقدَّم لبني النضير، وقال بعضُهم: ضميرُ ((مثلهم)) المقدَّر في الموضعين للفريقين. وجعله بعضُ المحقّقين خبراً ثانياً للمبتدأ المحذوف في قوله تعالى: ((كمثل الذين)) على أنَّ الضميرَ هناك للفريقين، إلا أنَّ المَثَلَ الأولَ يخصُّ بني النضير، والثاني يخصُّ المنافقين، وأُسند كلٌّ من الخبرين إلى ذلك المقدَّر المضافِ إلى ضميرهما من غير تعيينٍ ما أُسند إليه بخصوصه، ثقةً بأنَّ السامعَ يَرُدُّ كلَّا إلى ما يليق به ويمائله، كأنه قيل: مَثَلُ أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب في حلول العذاب بهم، كَمَثَلِ الذين من قبلهم، ومَثَلُ المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما نُقِلَ عنهم كَمَثَلٍ الشيطان ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ﴾ أي: أغراه على الكفر إغراءَ الآمِر للمأمور به، فهو تمثيلٌ واستعارة. الآية : ١٧ ٤٩ سُورَةُ الحَمْرِ تبرَّأَ منه ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ مخافَة أن يُشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك كما قال سبحانه: ﴿فَكَانَ عَقِبَتْهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَا﴾ أبدَ الآبدين ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: الخلودُ في النار ﴿جَزَاؤًا على الإطلاق دون المذکورین خاصة. ١٧ الظّلمِينَ والجمهورُ على أنَّ المرادَ بالشيطان والإنسان الجنسُ، فيكونُ التبرِّي يومَ القيامة، وهو الأَوفق بظاهر قوله: ((إني أخاف)) إلخ. وذهب بعضُهم إلى أنَّ المرادَ بالشيطان إبليس، وبالإنسان أبو جهل عليهما اللعنة، قال له يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فلمّا وقعوا فيما وقعوا قال: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ الله﴾ الآية [الأنفال: ٤٨]، وفي الآية عليه - مع ما تقدم عن مجاهد - لطيفةٌ؛ وذلك أنه لما شَبَّهَ أولاً حالَ إخوان المنافقين من أهل الكتاب بحال أهل بدرٍ، شَبَّه هنا حالَ المنافقين بحال الشيطان في قصة أهل بدر. ومعنى ((اكفر)) على تخصيص الإنسان بأبي جهل: دُمْ على الكُفْر، عند بعض، وقال الخفاجيُّ: لا حاجةَ لتأويله بذلك؛ لأنه تمثيل(١). وأخرج أحمد في ((الزهد))، والبخاري في ((تاريخه))، والبيهقي في ((الشعب))، والحاكم وصححه(٢)، وغيرهم عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّ رجلاً كان يتعبَّدُ في صومعته، وأنَّ امرأةً كانت لها إخوةٌ، فَعَرَضَ لها شيءٌ، فَأَتَوه بها، فزيَّتْ له نفسُهُ، فوقع عليها، فحملتْ، فجاءه الشيطانُ فقال: اقتلها، فإنهم إن ظهروا عليك افتُضحتَ. فقتلها ودفنها، فجاؤوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال: أنا الذي زيَّنتُ لك، فاسجْد لي سجدةً أُنجِّيكَ. فسجد له، أي: ثم تبرَّأ منه، وقال له ما قال، فذلك قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ﴾ الآية، وهذا الرجل هو برصيصا الراهب، وقد رُويتْ قِصَّته على وجهٍ أكثر تفصيلاً (١) حاشية الشهاب ٨/ ١٨٢. (٢) الدر المنثور ١٩٩/٦، والبخاري في التاريخ الكبير ٢١٣/٥، والبيهقي في الشعب (٥٤٥٠)، والحاكم ٤٨٤/٢-٤٨٥ . سُؤَّةُ الخير ٥٠ الآية : ١٨ مما ذُكر، وهي مشهورةٌ في القصص(١)، وفي ((البحر))(٢): إنَّ قولَ الشيطان: ((إني أخاف الله)) كان رياء، وهو لا يمنعه الخوف عن سوءٍ يُوقع فيه ابنَ آدم. وقرئ: ((أنا بريء))(٣). وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم: ((فكان عاقبتُهما)) بالرفع(٤) على أنه اسم ((كان))، و((أنهما)) إلخ في تأويل مصدرٍ خبرها على عكس قراءة الجمهور. وقرأ عبد الله وزيد بن عليٍّ والأعمشُ وابن أبي عبلةَ: ((خالدان)) بالألف(٥) على أنه خبرُ ((أنَّ)، و((في النار)) متعلِّقٌ به، وقُدِّمَ للاختصاص، وفيها تأكيدٌ له وإعادةٌ بضميره، وُجُوِّزَ أن يكون ((في النار)) خبر («أنَّ)، و((خالدان)) خبراً ثانياً، وهو في قراءة الجمهور حالٌ من الضمير في الجارِّ والمجرور. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في كلِّ ما تأتون وتذرون ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا فَدَّمَتْ لِغَدٍّ﴾ أي: أيّ شيءٍ قدَّمتْ من الأعمال ليوم القيامة، عبّر عنه بذلك لدنِّوه دنوَّ الغد من أَمْسه، أو لأنَّ الدنيا كيومٍ والآخرةَ غَدُهُ، يكون فيها أحوالٌ غيرُ الأحوال السابقة، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغدٍ لا يُعرَفُ كُنْهه؛ لغايةٍ عِظَمه، وأما تنكير ((نفس)) فلاستقلال الأنفس النواظر، كأنه قيل: ولتنظر نفسٌ واحدةٌ في ذلك، وفيه حَتٌّ عظيمٌ على النظر، وتعييرٌ بالترك، وبأنَّ الغفلةَ قد عمَّتِ الكلَّ، فلا أحد خَلُصَ منها، ومنه ظهر - كما في ((الكشف)) ۔ أنَّ جَعْله من قبيل قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّ أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] غيرُ مطابقٍ للمقام، أي: فهو كما في الحديث: ((الناسُ كإبلِ مئة، لا تجدُ فيها راحلة)»(٦)، لأنَّ الأمرَ بالنظر وإن عمَّ، لكنَّ المؤتمر الناظر أقلّ من القليل، والمقصودُ بالتقليل هو هذا؛ لأنَّ المأمورَ لا ينظر إليه ما لم يأتمر. (١) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٤٨/١٠، والطبري ٥٤٣/٢٢، والبغوي ٣٢٢/٤-٣٢٤. (٢) ٨/ ٢٥٠. (٣) الكشاف ٨٦/٤. (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٤، والمحرر الوجيز ٢٩٠/٥، والبحر المحيط ٢٥٠/٨. (٥) القراءات الشاذة ص١٥٤، والكشاف ٨٦/٤، والبحر المحيط ٢٥٠/٨. (٦) أخرجه أحمد (٤٥١٦)، ومسلم (٢٥٤٧) من حديث ابن عمر الآية : ١٩ ٥١ سُورَةُ الصَّر وجوَّزَ ابنُ عطيةَ أن يُراد بغدٍ يوم الموت(١). وليس بذاك. وقرأ أبو حيوة ويحيى بن الحارث: ((ولِتنظر)) بكَسْر اللام، وروي ذلك عن حفصٍ عن عاصم (٢). وقرأ الحسنُ بكَسْرها وفتح الراء(٣)، جَعَلَها لامَ ((كي))، وكأن المعنى: ولكي تنظرَ نفسٌ ما قدَّمتْ لغدٍ أَمَرنا بالتقوى. ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تكريرٌ للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات كما يُشعرُ به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في تَرْك المحارم كما يُؤذن به الوعيد بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اَللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: من المعاصي، وهذا الوجهُ الثاني أرجحُ لفَضْلٍ التأسيس على التأكيد، وفي ورود الأمرين مطلَقَين من الفخامة ما لا يخفى. وقيل: إنَّ التقوى شاملةٌ لتَرْك ما يؤثم، ولا وجهَ وجيه للتوزيع، والمقام مقام الاهتمام بأمرها، فالتأكيدُ أولى وأقوى. وفيه مَنْعٌ ظاهرٌ، وكيف لا والمتبادر من ((ما قدَّمت)) أعمال الخير. كذا قيل، ولعلَّ مَنْ يقولُ بالتأكيد يقول: إنَّ قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ) إلخ يتضمَّنُ الوعدَ والوعيدَ، ويُعمّم ((ما قدمت)) أيضاً، ولعلك مع هذا تميلُ للتأسيس. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ﴾ أي: نسوا حقوقه تعالى شأنه، وما قدروا الله حقَّ قَدْره، ولم يُراعوا مواجبَ أمره سبحانه ونواهيه عزَّ وجلَّ حقَّ رعايتها ﴿فَأَنْسَنُهُمْ﴾ الله تعالى بسبب ذلك ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: جعلهم سبحانه ناسين لها، حتى لم يسعوا بما ينفعها، ولم يفعلوا ما يُخلِّصها، أو أراهم جلَّ جلاله يومَ القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، أي: أراهم أمراً هائلاً وعذاباً أليماً، ونسيانُ النفس حقيقةً قيل: مما لا يكون؛ لأنَّ العلمَ بها حضوريٌّ، وفيه نظرٌ، وإن نصَّ عليه ابنُ سينا وأشياعه. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ الكاملون في الفسوق. وقرأ أبو حيوة: ((ولا يكونوا)) (٤) بياء الغيبة على سبيل الالتفات، وقال ابن (١) المحرر الوجيز ٢٩١/٥. (٢) القراءات الشاذة ص ١٥٤، والبحر المحيط ٨/ ٢٥٠. (٣) البحر المحيط ٢٥٠/٨. (٤) المصدر السابق. سُورَةُ الْحُفْر ٥٢ الآية : ٢٠ عطية: كنايةٌ عن نفسِ المراد بها الجنس(١). · يَسْتَوِىّ أَعْحَبُ النَّارِ﴾ الذين نسوا الله تعالى، فاستحقُّوا الخلود في النار ﴿وَأَعْخَبُ الْجَنَّةِ﴾ الذين اتقوا الله، فاستحقوا الخلودَ في الجنة، ولعلَّ تقديمَ أصحاب ج النار في الذكر للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي يُنبئ عنه عدمُ الاستواء، من جهتهم لا من جهة مقابليهم، فإنَّ مفهومَ عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونقصاناً، وإن جاز اعتباره بحَسَب زيادة الزائد، لكنَّ المتبادرَ اعتباره بحسب نقصان الناقص؛ وعليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْفُّلُمَتُ وَاَلتُورُ﴾ [الرعد: ١٦] إلى غير ذلك. ولعلَّ تقديمَ الفاضل في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِىِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لأنَّ صفَتَه مَلَكةٌ لصفة المفضول، والأعدامُ مسبوقةٌ بملكاتها، والمراد بعدم الاستواء عدمُ الاستواء في الأحوال الأخروية كما يُنبئُ عنه التعبيرُ عن الفريقين بصاحبية النار وصاحبية الجنة، وكذا قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ فإنه استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفية عدم الاستواء بينهما، أي: هم الفائزون اٌلْفَآيِزُونَ في الآخرة بكلِّ مطلوبٍ الناجونَ عن كلِّ مكروه. والآيةُ تنبيهٌ للناس وإيذانٌ بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فِكْرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات الزائلة، كأنهم لا يعرفونَ الفَرْقَ بين الجنة والنار، والبونَ العظيمَ بين أصحابهما، وأنَّ الفوزَ مع أصحاب الجنة، فمن حَقِّهم أن يعلموا ذلك ويُنَّهوا عليه، وهذا كما تقول لمن عَقَّ أباه: هو أبوكَ، تجعله بمنزلة مَنْ لا يعرفه، فتنبِّههُ على حَقِّ الأُبوَّةِ الذي يقتضي البرَّ والتعظُفَ. ومما ذُكر يُعلَمُ ضَعْفُ استدلال أصحاب الشافعيِّ ◌ُ بالآية على أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالكافر، وأنَّ الكفارَ لا يملكون أموالَ المسلمين بالقهر. وانتُصِر لهم بأنَّ لهم أن يقولوا: لَمَّا حَثَّ سبحانه على التقوى فعلاً وتَرْكاً، وزَجَرَ عزَّ وجلَّ عن الغفلة التي تضادّها غاية المضادّة، بذِكْرٍ غايتها، أعني: نسيان الله تعالى ترشيحاً للتقريع، أردفه سبحانه بأنَّ أصحابَ التقوى وأصحابَ هذه الغفلة لا يستوون في شيءٍ ما، وعبَّرَ عنهم (١) المحرر الوجيز ٢٩١/٥. الآية : ٢١ ٥٣ سُورَةُ الْخَيْرِ بأصحاب الجنة وأصحاب النار زيادةً تصويرٍ وتبيين، فالمقامُ يقتضي التباين في حُكْمَي الدارين، وإن كان المقصودُ بالقصد الأول تباينهم في الدار التي هي المدار، وأنت تعلمُ أنَّ بيانَ اقتضاء المقام ذلك في مقابلة قول أصحاب أبي حنيفة: إنَّ المقامَ يقتضي التخصيص، وإلا فالشافعيةُ يقولون: إنَّ العمومَ مدلولُ نفي المساواة لغة؛ لأنَّ النفيَ داخلٌ على مسمَّى المساواة، فلا بدَّ من انتفائها من جميع الوجوه؛ إذ لو وُجدتْ من وجهٍ لما كان مسمَّاها منتفياً، وهو خلافُ مقتضى اللفظ، وقول الحنفية: إنَّ الاستواءَ مطلقاً أعمُّ من الاستواء من كلِّ وجهٍ، ومن وجهٍ دون وجه، والنفيُ إنما دَخَلَ على الاستواء الأعمّ، فلا يكونُ مُشعِراً بأحد القِسْمين الخاصَّين، وحاصله أنَّ الأعمَّ لا يُشعِرُ بالأَخصِّ، فيه أنَّ ذلك في الإثبات مُسلَّمٌ وفي النفي ممنوع، ألا ترى أنَّ مَنْ قال: ما رأيتُ حيواناً، وكان قد رأى إنساناً مثلاً، عُدَّ كاذباً؟. وتمامُ ذلك في كتب الأصول، والإنصافُ أنَّ كونَ المراد هنا نفيُ الاستواء في الأمور الأُخروية ظاهرٌ جدًّا، فلا ينبغي الاستدلالُ بها على ما ذكر. ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا ◌ٌلْقُرْءَانَ﴾ العظيمَ الشأنِ المنطويَ على فنون القوارع ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾ من الجبال، أو جبلٍ عظيمٍ ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ مع كونه علماً في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه ﴿خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: متشفِّقاً منها. وقرأ طلحة(١): ((مُصَّدِّعاً)) بإدغام التاء في الصاد، وهذا تمثيلٌ وتخييلٌ لعلوِّ شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر، والغرضُ توبيخُ الإنسان على قسوة قلبه، وقِلَّة تختُّعه عند تلاوة القرآن وتدبُّر ما فيه من القوارع، وهو الذي لو أُنزل على جبلٍ وقد رُكِّبَ فيه العقلُ لَخَشَعَ وتصدَّع، ويُشير إلى كونه تمثيلاً قوله فإنَّ الإشارةَ فیه إلى تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ ® قوله تعالى: ((لو أنزلنا)) إلخ وإلى أمثاله، فالكلامُ بتقدير وقوع تلك، أو المراد: تلك وأشباهها، والأمثالُ في الأغلب تمثيلاتٌ متخيَّلةٌ. (١) في الأصل (م): أبو طلحة، وهو خطأ، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٩١/٥، والبحر المحيط ٢٥١/٨ وهو طلحة بن مصرف كما في المحرر. سُورَةُ الْحُفْر ٥٤ الآية : ٢٢ ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ﴾ وحده سبحانه ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ وهو ما لم يتعلَّقْ به عِلْمُ مخلوقٍ وإحساسُهُ أصلاً، وهو الغيبُ المطلق ﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾ وهو ما يُشاهده مخلوق. قال الراغب: الشهود والشهادة: الحضورُ مع المشاهدة؛ إما بالبصرِ أو بالبصيرة، وقد يُعتبرُ الحضورُ مفرداً، لكنَّ الشهودَ بالحضور المجردِ أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى(١). وحَمْلُ الغيبِ على المطلق هو المتبادر، و((أل)) فيه للاستغراق؛ إذ لا قرينةً للعهد، ومقامُ المدح يقتضيه مع قوله تعالى: ﴿عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] فيشملُ كلَّ غيبٍ واجباً كان أو ممكناً، موجوداً أو معدوماً، أو ممتنعاً لم يتعلَّق به عِلْمُ مخلوق، ويُطلقُ الغيبُ على ما لم يتعلَّق به عِلمُ مخلوقٍ معيَّنٍ، وهو الغيبُ المضاف، أي: الغيبُ بالنسبة إلى ذلك المخلوق، وهو على ما قيل: مرادُ الفقهاء في قولهم: مُدَّعي علم الغيب كافرٌ، وهذا قد يكونُ من عالم الشهادة كما لا يخفى، وذِكْرُ الشهادة مع أنه إذا كان كلُّ غيبٍ معلوماً له تعالى كان كلُّ شهادةٍ معلوماً له سبحانه بالطريق الأولى من باب قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقيل: الغيبُ: ما لا يقعُ عليه الحِسُّ من المعدوم أو الموجود الذي لا يُدرَك، والشهادةُ ما يقع عليه الإدراك بالحسِّ. وقال الإمام أبو جعفر رُه: الغيبُ: ما لم يكن، والشهادةُ: ما كان. وقال الحسن: الغيبُ: السِّرُّ. والشهادةُ: العلانية. وقيل: الأول الدنيا بما فيها. والثاني الآخرةُ بما فيها . وقيل: الأولُ: الجواهرُ المجرَّدَةُ وأحوالها. والثاني: الأجرامُ والأجسام وأعراضها. وفيه أنَّ في ثبوت المجرَّدات خلافاً قويًّا، وأكثرُ السلف على نفيها. وتقديمُ الغيب؛ لأنَّ العلمَ به كالدليل على العلم بالشهادة، وقيل: لتقدُّمه على الشهادة، فإنَّ كلَّ شهادةٍ كان غيباً، وما برز ما برز إلا من خزائن الغيب، وصاحب (١) المفردات (شهد). الآية : ٢٣ ٥٥ سُورَةُ الْخُنْ القِيل الأخير يقول: إنَّ تقديمَ الغيب لتقدُّمه في الوجود وتعلَّق العلم القديم به. واستدلّ بالآية على أنه تعالى عالمٌ بجميع المعلومات، ووَجْهُه ما أشرنا إليه، وتتضمَّنُ على ما قيل دليلاً آخر عليه؛ لأنها تدلُّ على أنه لا معبودَ إلا هو، ويلزمه أن يكون سبحانه خالقاً لكلِّ شيءٍ بالاختيار، كما هو الواقع في نفس الأمر، والخلق بالاختيار يستحيلُ بدون العلم، ومن هنا قيل: الاستدلال بها على هذا المطلب أولى من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ برحمةٍ تليقُ بذاته سبحانه، والتأويل وإن ذكره علماءُ أجلَاءُ من الماتريدية والأشاعرة، لا يحتاج إليه سلفيٍّ كما حُقِّقَ في التمييز وغيره. ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كُرِّرَ لإبراز كمال الاعتناء بأمر التوحيد ﴿الْمَلِكُ﴾ المتصرِّفُ بالأمر والنهي، أو المالك لجميع الأشياء، الذي له التصرُّف فيها، أو الذي يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء، ويستحيلُ عليه الإذلال، أو الذي يُولِّي ويعزلُ، ولا يتصوَّرُ عليه توليةٌ ولا عزلٌ، أو المنفرد بالعِزِّ والسلطان، أو ذو المُلْكِ والمُلْكُ خَلْقُهُ، أو القادرُ، أقوالٌ حكاها الآمديُّ(١)، وحكى الأخيرَ عن القاضي أبي بكر. ﴿اَلْقُذُوسُ﴾ البليغُ في النزاهة عمَّا يُوجبُ نقصاناً، أو الذي له الكمالُ في كلِّ وَصْفٍ اختصَّ به، أو الذي لا يُحَدُّ ولا يُتصوَّرُ. وقرأ أبو السمال وأبو دينار الأعرابي: ((القَدُّوس)) بفتح القاف(٢)، وهو لغةٌ فيه، لكنها نادرة، فقد قالوا: فُعول بالضَّمِّ كثير، وأما بالفتح فيأتي في الأسماء؛ كَسَمُّور وتنُّور وهَبُّد - اسمُ جبلٍ باليمامة - وأما في الصفات فنادرٌ جدًّا، ومنه: سَبُّوح، بفتح السين . ﴿السَّلَمُ﴾ ذو السلامة من كلِّ نقصٍ وآفةٍ، مصدرٌ وُصِفَ به للمبالغة، وعن الجبائي: هو الذي تُرجى منه السلامة، وقيل: أي: الذي يُسلِّمُ على أوليائه فيَسْلَمون من كلِّ مخوف. (١) في كتابه أبكار الأفكار ٥٠٤/٢ -٥٠٥ . (٢) القراءات الشاذة ص١٥٤، والمحتسب ٣١٧/٢. سُورَّةُ الخبر ٥٦ الآية : ٢٣ ﴿اَلْمُؤْمِنُ﴾ قيل: المصدِّقُ لنفسه ولرسله عليهم السلام فيما بلَّغوه عنه سبحانه؛ إما بالقول أو بخَلْقِ المعجزة، أو واهبُ عبادهِ الأمنَ من الفزع الأكبر، أو مؤمِّنُهم منه؛ إما بخَلْق الطمأنينة في قلوبهم، أو بإخبارهم أن لا خوفَ عليهم. وقيل: مؤمِنُ الخلقِ من ظُلْمه، وقال ثعلب: المصدِّقُ المؤمنينَ في أنهم آمنوا، وقال النحاس: في شهادتهم على الناس يومَ القيامة(١). وقيل: ذو الأمنِ من الزوال لاستحالته علیه سبحانه، وقيل غير ذلك. وقرأ الإمامُ أبو جعفر محمدُ بن عليّ بن الحسين ﴿ه - وقيل: أبو جعفر المدني -: ((المؤمَن)) بفتح الميم(٢) على الحذف والإيصال كما في قوله تعالى: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: المؤمَن به. وقال أبو حاتم: لا يجوزُ إطلاقُ ذلك عليه تعالى؛ لإيهامه ما لا يليق به سبحانه؛ إذ المؤمَنُ المطلَقُ مَنْ كان خائفاً وآمنه غيرُهُ(٣). وفيه أنه متى كان ذلك قراءةً - ولو شاذَّة - لا يصحُّ هذا؛ لأنَّ القراءةَ ليست بالرأي. الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيبُ الحافظُ لكلِّ شيءٍ، مُفَيعِلٌ من الأَمْن بقلب همزته هاءً، وإليه ذهب غيرُ واحد، وتحقيقه كما في ((الكشف)) أنَّ أيْمَنَ على فَيْعَلَ مبالغةُ أمِن العدوّ، للزيادة في البناء، وإذا قلت: أمِن الراعي الذئبَ على الغنم مثلاً، دلَّ على كمال حفظه ورقبته، فالله تعالى أَمِنَ كلَّ شيءٍ سواه سبحانه على خَلْقه ومُلْکه؛ لإحاطة علمه وكمال قدرته عزَّ وجلَّ، ثم استعمل مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء من غير ذِكْرِ المفعُول بلا واسطةٍ للمبالغة في كمال الحِفْظ كما قال تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وجَعْلُهُ من ذاك أولى من جَعْله من الأمانة، نظراً إلى أنَّ الأمينَ على الشيء حافظٌ له؛ إذ لا يُنبئُ عن المبالغة ولا عن شمول العلم والقدرة. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٠٥. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٤، والكشاف ٨٧/٤، والبحر ٢٥١/٨، والكلام منه. (٣) البحر المحيط ٢٥١/٨. الآية : ٢٤ ٥٧ سُورَةُ الْحَمْ وجَعَلَه في ((الصحاح))(١) اسم فاعل من آمنه الخوفَ على الأصل، فأُبدلت الهمزةُ الأصليةُ ياءً كراهةَ اجتماع الهمزتين، وقُلبت الأولى هاءً كما في: هَرَاق الماء. وقولهم في إياك: هيّاك، كأنه تعالى بحفظه المخلوقين صَيَّرهم آمنين، وحرفُ الاستعلاء كـ ((مهيمناً عليه)) لتضمين معنى الاطّلاع ونحوه. وأنت تعلم أنَّ الاشتقاقَ على ما سمعت أولاً أدلُّ، والخروج عن القياس فيه أقلّ. وظاهرُ كلام ((الكشف» أنه ليس من التصغير في شيء، وقال المبرد: إنه مُصغَّرٌ. وخُطِّئَ في ذلك، فإنه لا يجوزُ تصغيرُ أسمائه عزَّ وجلَّ. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب. وقيل: الذي لا مِثْلَ له، وقيل: الذي يُعذِّبُ من أراد. وقيل: الذي عليه ثوابُ العاملين. وقيل: الذي لا يُحَظُّ عن منزلته. وقيل غيرُ ذلك. ﴿الْجَبَّارُ﴾ الذي جَبَرَ خَلْقَهُ على ما أراد وقَسَرَهم عليه، ويقال في فِعْله: أَجْبَرَ، وأمثلةُ المبالغة تُصاغُ من غير الثلاثي، لكن بِقِلَّةٍ، وقيل: إنه من جَبَره بمعنى أَصلحه، ومنه: جبرتُ العظمَ فانجبر، فهو الذي جَبَر أحوالَ خَلْقه، أي: أصلحها . وقيل: هو المنيعُ الذي لا يُنال، يقال للنخلة إذا طالت وقَصُرَت عنها الأيدي: جبَّارة، وقيل: هو الذي لا يُنافَسُ في فعله، ولا يُطالَبُ بعِلَّةٍ ولا يُحْجَرُ عليه في مقدوره. وقال ابن عباس: هو العظيم. وقيل غير ذلك. ﴿الْمُتَكَبِرُ﴾ البليغُ الكبرياء والعظمة؛ لأنه سبحانه بريءٌ من التكلُّف الذي تُؤذن به الصيغة، فيرجعُ إلى لازمه من أنَّ الفعلَ الصادرَ عن تأثُّقٍ أقوى وأبلغ، أو الذي تكبِّرَ عن كلِّ ما يُوجب حاجةً أو نقصاناً. تنزيه الله تعالى عمَّا يشركون به سبحانه، أو ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ عن إشراكهم به عزَّ وجلَّ، إثر تعداد صفاته تعالى التي لا يمكن أن يُشارَك سبحانه في شيءٍ منها أصلاً . ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ﴾ المقدِّرُ للأشياء على مقتضى الحكمة، أو مبدِعُ الأشياء من غير أصلٍ ولا احتذاء، ويُفسَّرُ الخلقُ بإيجاد الشيء من الشيءٍ. (١) مادة (همن). سُورَةُ الحفرة ٥٨ الآية : ٢٤ ﴿الْبَارِيُ﴾ الموجد لها بريئةً من تفاوت ما تقتضيه بحسب الحكمة والچٍبِلَّة، وقيل: المميِّز بعضها عن بعضٍ بالأشكال المختلفة. ﴿اَلْمُصَوِّرِ﴾ الموجد لصُوَرها و کیفیاتها كما أراد. وقال الراغب: الصورة ما تَنتقش بها الأعيان، وتتميَّزُ بها عن غيرها، وهي ضَرْبان: محسوسةٌ تُدركها العامة والخاصة، بل الإنسانُ وكثيرٌ من الحيوانات؛ كصورة الفرس المشاهَدة. ومعقولةٌ تدركها الخاصةُ دون العامة؛ كالصورة التي اختُصَ الإنسانُ بها من العقل والرَّويَّة، والمعاني التي خُصَّ بها شيءٌ بشيء، وإلى الصورتين أشار بقوله سبحانه: ﴿خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرَفَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] إلى آياتٍ ◌ُخَر (١). انتهى فلا تغفل. وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه، وحاطبُ بن أبي بلتعة والحسن وابن السَّميفع: (المصوَّرَ) بفتح الواو والنصب(٢) على أنه مفعول للبارئ، وأُريد به جنس المصوّر. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه فَتْحُ الواو وكَسْرُ الراء (٣) على إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، نحو: الضارب الغلام. وفي ((الخانية)): إنَّ قراءة ((المصوَّر)) بفتح الواو هنا تُفسدُ الصلاة. ولعله أراد إذا أجراهُ حينئذٍ على الله سبحانه، وإلا ففي دعوى الفساد بعد ما سمعتَ نظرٌ. ﴿لَهُ الْأَسْمَةُ الْحُسْنَى﴾ الدالة على محاسن المعاني. ﴿يُسَبْعُ لَهُ، مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الموجودات بلسان الحال لِمَا تضمَّنته من الحِكَم والمصالح التي يضيقُ عن حَصْرها نطاقُ البيان، أو بلسان المقال الذي أُوتيه كلٌّ منها حسبما يليقُ به على ما قاله كثيرٌ من العارفين، وقد تقدَّم الكلام فيه. ٢٤ الجامعُ للكمالات كافة، فإنها مع تكثُّرها وتشعُّبها ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ راجعةٌ إلى كمال القدرة المؤذن به ((العزيز)) بناءً على تفسيره بالغالب، وإلى كمال (١) المفردات (صور). (٢) القراءات الشاذة ص١٥٤، والكشاف ٨٧/٤-٨٨، والبحر ٢٥١/٨. (٣) البحر المحيط ٢٥١/٨. الآية : ٢٤ ٥٩ سُورَةُ الْخُفْر العلم المؤذن به ((الحكيم)) بناءً على تفسيره بالفاعل بمقتضى الحكمة، وفي ذلك إشارةٌ إلى التحلية بعد التخلية كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فتأمل ولا تغفل. ولهذه الآيات فضلٌ عظيمٌ كما دلَّتْ عليه ◌ِدَّةُ روايات، وأخرج الإمام أحمد والدارميُّ والترمذيُّ وحسنه والطبرانيُّ وابن الضُّريس والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن معقل بن يسار عن النبيِّ وَّ قال: ((من قال حين يصبح ثلاثَ مرَّاتٍ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاثَ آياتٍ من آخر سورة الحشر، وَّلَ الله به سبعينَ ألفَ ملكٍ يُصلَّون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم ماتَ شهيداً، ومَنْ قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة(١)). وأخرج الديلميُّ عن ابن عباس مرفوعاً: ((اسمُ الله الأعظم في سِتِّ آيات من آخر سورة الحشر(٢)). وأخرج أبو عليٍّ عبدُ الرحمن بن محمد النيسابوريُّ في ((فوائده)) عن محمد بن الحنفية أنَّ البراء بن عازب قال لعليٍّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه: أسألك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصَّكَ به رسول الله عليه الصلاة والسلام، مما خَصَّه به جبريلُ، مما بعثَ به الرحمنُ عزَّ وجلَّ. قال: يا براء، إذا أردتَ أن تدعوَ اللهَ باسمه الأعظم، فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر الحشر، ثم قلْ: يا من هو هكذا وليس شيءٌ هكذا غيره، أسألك أن تفعلَ لي كذا وكذا، فو الله يا براء لو دعوتَ عليَّ لخسف بي(٣). (١) الدر المنثور ٢٠٢/٦، وأحمد (٢٠٣٠٦)، والدارمي (٣٤٢٥)، والترمذي (٢٩٢٢)، والطبراني في الكبير ٢٢٩/٢٠ (٥٣٧)، وفي الدعاء (٣٠٨)، وفضائل القرآن لابن الضريس (٢٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٠٢)، وإسناده ضعيف كما ذكر محققو المسند، وتحسين الترمذي لم يرد في مطبوعه ولا في تحفة الأشراف ٤٦٥/٨، ولا في تفسير ابن كثير حيث ذكره آخر هذه السورة. وينظر تحفة الأحوذي ٢٤٠/٨ . (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٠٢، ومسند الفردوس ٤١٦/١. (٣) الدر المنثور ٢٠٢/٦، وذكره في كنز العمال ٢٤٨/٢ عن ابن النجار بإسناده، وفيه عمرو بن ثابت، وهو متروك كما في المغني في الضعفاء للذهبي ص٤٨٢. سُوَّةُ الْخُفْرِ ٦٠ الآية : ٢٤ وأخرج الديلميُّ (١) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وابن مسعود ظُبه مرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَوَ أَنزَلْنَا﴾ إلى آخر السورة: ((هي رقيةُ الصداع)). وأخرج الخطيب البغداديُّ في ((تاريخه))(٢) قال: أنبأنا أبو نعيم الحافظ(٣)، أنبأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقرئ البغدادي - يُعرَفُ بغلام ابن شنبوذ - أنبأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأتُ على خلفٍ، فلما بلغتُ هذه الآية: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ قال: ضَعْ يدكَ على رأسك، فإني قرأتُ على [سُليم، فلما بلغت هذه الآية. قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على] حمزةَ، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضَعْ يدكَ على رأسك، فإني قرأتُ على الأعمش، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضَعْ يدكَ على رأسك، فإني قرأتُ على يحيى بن وثَّاب، فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضَعْ يدكَ على رأسك، فإني قرأتُ على علقمة والأسود، فلما بلغتُ هذه الآية قالا: ضَعْ يدك على رأسك، فإنَّا قرأنا على عبد الله ﴿له، فلما بلغنا هذه الآية قال: ضَعَا أيديكما على رؤوسكما، فإني قرأتُ على النبيِّ وَِّ، فلما بلغتُ هذه الآية قال لي: ((ضَعْ يدَ على رأسك، فإنَّ جبريلَ عليه السلام لما نزل بها إليَّ قال: ضَعْ يدك على رأسك، فإنها شفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام، والسَّامُ: الموت)) (٤) إلى غير ذلك من الآثار، والله تعالى أعلم. (١) الدر المنثور ٢٠٢/٦، ومسند الفردوس ٢٢٦/٣. (٢) الدر المنثور ٢٠١/٦، وتاريخ بغداد ٣٧٧/١، وما سيرد بين حاصرتين منهما. (٣) في الأصل و(م): أبو عبيد الحافظ، والمثبت من الدر المنثور وتاريخ بغداد، وهو الصواب، وقد أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ١٥٤ . (٤) قال الذهبي: حديث باطل، وما في إسناده متهم إلا شيخ أبي نعيم أبو الطيب، فهو الآفة. ينظر تنزيه الشريعة ٢٩٥/١.