النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٧
٢١
سُورَةُ الحُمْر
في أمر فَدَك؛ أخرجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرهم(١)،
فالجملةُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ ناشئٍ مما فُهم من الكلام السابق، فكأنَّ قائلاً يقول:
قد عَلِمنا حُكْمَ ما أفاءَ الله تعالى من بني النضير، فما حكم ما أفاء عزَّ وجلَّ من
غيرهم؟ فقيل: ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى)) إلخ، ولذا لم يُعطَفْ على
ما تقدم، ولم يذكر في الآية قيد الإيجاف ولا عَدَمه، والذي يُفهَمُ من كتب بعض
الشافعية أنَّ ما تضمَّنته حُكْمَ الفيء لا الغنيمة ولا الأَعمّ، وفرَّقوا بينهما، قالوا:
الفيءُ: ما حصل من الكفار بلا قتالٍ وإيجافٍ خيلٍ وركابٍ، كجزيةٍ وعُشْر تجارة،
وما صُولحوا عليه من غير نحو قتالٍ، وما جَلَوا عنه خوفاً قبل تقابل الجيشين
أما بعده فغنيمة، وما لمرتدِّ قُتل أو ماتَ على رِدَّته، وذمِّيٍّ أو معاهدٍ أو مستأمنٍ
ماتَ بلا وارثٍ مُستغرِقٍ.
والغنيمةُ: ما حصل من كفارٍ أصليين حربيين بقتال ـ وفي حُكْمه تقابلُ
الجيشين - أو إيجافٍ منَّا لا من ذِمِّين، فإنه لهم لا يُخمَّسُ، وحكمها مشهور.
وصرَّحَ غيرُ واحدٍ من أصحابنا بالفرق أيضاً نقلاً عن ((المُغْرِب))(٢) وغيره؛
فقالوا: الغنيمةُ: ما نِيلَ من الكفار عَنْوةً والحربُ قائمةٌ، وحُكمها أن تُخمَّس،
وباقيها [بعد الخمس] للغانمين خاصة. والفيءُ: ما نِيلَ منهم بعد وَضْعِ الحرب
أوزارها، وصيرورةِ الدار دارَ إسلام، وحُكْمِه أن يكون لكافَّةِ المسلمين،
ولا يُخمَّس، أي: يُصْرَفُ جميعُهُ لمصالحهم. ونَقَل هذا الحكمَ ابنُ حجرٍ عَمَّن عدا
الشافعيَّ ◌ُه من الأئمة الثلاثة، والتخميسُ عنه استدلالاً بالقياس على الغنيمة
المخمَّسة بالنصِّ، بجامع أنَّ كلَّ راجعٌ إلينا من الكفار، واختلافُ السبب بالقتال
وعدمه لا يؤثِّر، والذي نطقتْ به الأخبارُ الصحيحةُ أنَّ عمرَ رَظُهِ صَنَعَ في سوادٍ
العراق ما تضمَّنته الآية، واعتبرها عامةً للمسلمين، محتجًّا بها على الزبير وبلال
وسلمان الفارسي وغيرهم، حيث طلبوا منه قِسْمته على الغانمين بعقاره وُلُوجه،
(١) البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي
في الكبرى (٤٤٣٤)، وهو عند أحمد (٤٢٥).
(٢) مادة (غنم) وينظر البحر الرائق ٨٩/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منهما.

سُورَةُ الحُبْرِ
٢٢
الآية : ٧
ووافقه على ما أراد عليٍّ وعثمان وطلحة والأكثرون، بل المخالفونَ أيضاً بعد أن
قال خاطباً: اللهمَّ اكفني بلالاً وأصحابه(١)، مع أنَّ المشهورَ في كتب المغازي أنَّ
السوادَ فُتِحَ عَنْوة، وهو يقتضي كونه غنيمة، فيقسم بين الغانمين، ولذا قال بعض
الشافعية: إنَّ عمر ◌َظُه استطابَ قلوبَ الغانمين حتى تركوا حَقَّهم، فاستردَّ السوادَ
على أهله بخَراجٍ يُؤُّونه في كلِّ سنة، فليُراجَعْ وليحقق.
وما جعله الله تعالى من ذلك لمن تضمَّنه قوله تعالى: ((فلله وللرسول)) إلى ((ابن
السبيل)) هو خُمْسُ الفيء على ما نصَّ عليه بعضُ الشافعية، ويُقسَمُ هذا الخُمْسُ
خمسةَ أسهم لمن ذكر الله عزَّ وجلَّ، وسهمه سبحانه وسهم رسوله واحد، وذِكْره
تعالى - كما روي عن ابن عباس والحسن بن محمد بن الحنفية - افتتاحُ كلامٍ للتیمُّن
والتبرُّك، فإنَّ لله ما في السماوات وما في الأرض، وفيه تعظيمٌ لشأن الرسول عليه
الصلاة والسلام.
وقال أبو العالية: سهمُ الله تعالى ثابتٌ يُصرَفُ إلى بناء بيته - وهو الكعبة
المشرَّفة - إن كانت قريبةً، وإلا فإلى مسجدٍ كلٌّ بلدةٍ ثبت فيها الخمس.
ويلزمه أنَّ السهامَ كانت ستَّة، وهو خلافُ المعروف عن السلف في تفسير
ذلك.
وسهمُ الرسول وَّر قد كان له في حياته بالإجماع، وهو خُمْسُ الخمس، وكان
يُنفق منه على نفسه وعياله، ويدَّخرُ منه مؤنة سنة، أي: لبعض زوجاته، ويصرفُ
الباقي في مصالح المسلمين، وسقط عندنا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، قالوا:
لأنَّ عملَ الخلفاء الراشدين على ذلك، وهم أمناءُ الله تعالى على دينه، ولأنَّ
الحكمَ معلَّقٌ بوَصْفٍ مشتقِّ وهو الرسول، فيكونُ مبدأ الاشتقاق - وهو الرسالة - علةً،
ولم توجد في أحدٍ بعده، وهذا كما سقط الصفيُّ(٢).
(١) أخرجه أبو يوسف في الخراج ص٢٦، والبيهقي ٣١٨/٦.
(٢) الصفيُّ: سهم كان للنبي ◌َّه من الغنيمة، إن شاء عبداً، وإن شاء أمة، وإن شاء فرساً،
يختاره قبل الخمس. زاد المعاد ١٠٢/٣.

الآية : ٧
٢٣
سُورَةُ الحُشْر
ونقل عن الشافعي أنه يُصرَفُ للخليفة بعده؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان
يستحقُّهُ لإمامته دون رسالته، ليكون ذلك أَبْعَدَ عن توقُّم الأجر على الإبلاغ،
والأكثرونَ من الشافعية أنَّ ما كان له وَِّ من خُمْسِ الخمس يُصرَفُ لمصالح
المسلمين كالثغور، وقضاة البلاد، والعلماء المشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو
مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر مَنْ يشتغلُ على نحو كسبه بمصالح
المسلمين لعموم نفعهم، وأُلحق بهم العاجزون عن الكسب، والعطاءُ إلى رأي
الإمام، معتبراً سعة المال وضيقه، ويقدِّمُ الأهمَّ فالأهمَّ وجوباً، وأهمُّها سَدُّ
الثغور. وَرَدُّ سهمه وَِّ بعد وفاته للمسلمين الدالُّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام
في الخبر الصحيح: ((ما لي مما أفاء الله تعالى عليكم إلا الخمس، والخمسُ مردودٌ
عليكم))(١) صادقٌ بصَرْفه لمصالح المسلمين، كما أنه صادقٌ بضمِّه إلى السهام
الباقية، فيُقْسَمُ معها على سائر الأصناف، ولا يسلم ظهوره في هذا دون ذاك.
وسهمٌ لذي القربى، وسهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لابن السبيل،
فهذه خمسةُ أسهمِ الخُمْس.
والمراد بذي القربى قرابته بَير، والمراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأنه وَلّ
وَضَعَ السَّهْمَ فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، ومن ذُرِّيته عثمان،
وأخيهما لأبيهما نوفل، مجيباً عن ذلك بقوله وَله: ((نحن وبنو المطلب شيءٌ واحد»
وشَبَّكَ بين أصابعه. رواه البخاري(٢)، أي: لم يفارقوا بني هاشم في نُصْرتِهِ وَّ
جاهليةً ولا إسلاماً، وكأنه لمزيد تعصُّبهم وتوافقهم - حتى كأنهم على قلبٍ رجلٍ
واحد - قيل: ((لذي القربى)) دون: لذوي، بالجمع.
قال الشافعية: يشترك في هذا السهم الغنيُّ والفقير؛ لإطلاق الآية،
ولإعطائه ﴿﴿ العباسَ وكان غنيًّا، بل قيل: كان له عشرونَ عبداً يتَّجرون له،
والنساءُ؛ لأنَّ فاطمة، وصفيةَ عمَّة أبيها ◌ِ﴿ّ كانا يأخذان منه، ويُفضَّلُ الذكر
(١) أخرجه أحمد (٦٧٢٩)، وأبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي ٦/ ٢٦٢ -٢٦٤ من حديث عبد الله بن
عمرو رة
(٢) في صحيحه (٣١٤٠) من حديث جبير بن مطعم، وهو عند أحمد (١٦٧٤١).

سُورَةُ الخُخْر
٢٤
الآية : ٧
كالإرث، بجامع أنه استحقاقٌ بقرابةِ الأب، فله مثلُ حَّي الأنثى، ويستوي فيه
العالم والصغير وضدُّهما، ولو أَعرضوا عنه لم يسقط كالإرث، ويثبتُ كونُ الرجل
هاشميًّا أو مُطَلبيًّا بالبيِّنَة، وذَكَرَ جَمْعٌ أنه لا بدَّ معها من الاستفاضة. وبقول الشافعي
قال أحمد، وعند مالك: الأمرُ مُفوَّضٌ إلى الإمام، إن شاء قَسَمَ بينهم، وإن شاء
أعطى بعضَهم دونَ بعضٍ، وإن شاء أعطى غيرَهم إن كان أمرُهُ أهمَّ من أمرهم.
وقال المزني والثوري: يستوي الذكر والأنثى، ويُدفع للقاصي والداني ممن له
قرابة، والغني والفقير سواء؛ لإطلاق النص، ولأنَّ الحكم المعلَّقَ بوَصْفٍ مشتقٌّ
معلَّلٌ بمبدأ الاشتقاق.
وعندنا ذو القربى مخصوصٌ ببني هاشم وبني المطّلب للحديث، إلا أنهم لیس
لهم سهمٌ مستقلٌّ، ولا يُعطَون مطلقاً، وإنما يُعطَى مسكينهم ويتيمهم وابن سبيلهم؛
لاندراجه في ((اليتامى والمساكين وابن السبيل)) لكن يُقدَّمون على غيرهم من هذه
الأصناف؛ لأنَّ الخلفاء الثلاثة لم يُخرجوا لهم سهماً مخصوصاً، وإنما قَسَموا
الخمسَ ثلاثةَ أسهم: سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لابن السبيل، وعليّ
كرَّمَ الله تعالى وجهه في خلافته لم يخالفهم في ذلك مع مخالفته لهم في مسائل،
ويُحمَلُ على الرجوع إلى رأيهم - إن صَحَّ عنه - أنه كان يقول بسهم(١) ذوي القربى
على ما حكي عن الشافعي، وفائدةُ ذِكْرهم - على القول بأنَّ استحقاقهم لوَصْفٍ آخر
غير القرابة، كالفقر - دَفْعُ توهُّم أنَّ الفقيرَ منهم مثلاً لا يستحقُّ شيئاً؛ لأنه من قبيل
الصَّدقة، ولا تحلُّ لهم، ومن تَتَّبع الأخبار وَجَدَ فيها اختلافاً كثيراً؛ ومنها ما يدلُّ
على أنَّ الخلفاء كانوا يُسهمونهم مطلقاً، وهو رأي علماء أهل البيت.
واختار بعضُ أصحابنا أنَّ المذكورَ في الآية مصارفُ الخمس على معنى أنَّ
كلَّا يجوزُ أن يُصرَفَ له، لا المستحقِّين، فيجوز الاقتصارُ عندنا على صِنْفٍ
واحدٍ، كأن يُعطَى تمامُ الخمس لابن السبيل وحده مثلاً. والكلامُ مستوفّى في
(شروح الهداية)).
(١) في (م): سهم.

الآية : ٧
٢٥
سُورَةُ الجُنْ
والمراد باليتامى الفقراء منهم، قال الشافعية: اليتيمُ: هو صغيرٌ لا أبَ له، وإن
كان له جَدٌّ، ويُشترطُ إسلامه وفَقْره، أو مسكنته، على المشهور أنَّ لفظ اليتيم يُشعر
بالحاجة، وفائدةُ ذِكْرهم مع شمول المساكين لهم عدمُ حرمانهم لتوقُّم أنهم
لا يصلحون للجهاد، وإفرادهم بخُمْسٍ كاملٍ، ويدخلُ فيهم وَلَّدُ الزنى، والمنفيُّ،
لا اللَّقيطُ على الأَوْجَه؛ لأنَّا لم نتحققْ فَقْدَ أبيه، على أنه غنيٌّ بنفقته في بيت
المال، ولا بدَّ في ثبوت اليتيم والإسلام والفقر هنا من البيَِّةُ، ويكفي في المسكين
وابن السبيل قولهما، ولو بلا يمين، وإن أُّهما، نعم يظهرُ في مُدَّعي تلفِ مالٍ له
عُرِفَ أو عيالٍ أنه يُكلَّفُ بينة. انتهى، واشتراطُ الفقر في اليتيم مُصرَّحٌ به عندنا في
أكثر الكتب، وليراجع الباقي.
هذا والأربعةُ الأخماس الباقية مصرفُها - على ما قال صاحب ((الكشف))، وهو
شافعيٍّ، بعد أن اختارَ جَعْلَ ((للفقراء» بدلاً من ((ذي القربى)) وما عُطِفَ عليه - مَن
تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ﴾ [الآية: ٩] إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَّذِينَ جَدُو مِنْ
بَعْدِهِمْ﴾ [الآية: ١٠] على معنى أنَّ له عليه الصلاة والسلام أن يَعُمَّ الناسَ بها حَسَبَ
اختياره، وقال: إنها للمقاتلين الآن على الأصحّ.
وفي ((تحفة)) ابن حجر أنها على الأظهر للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذِّنيهم
وعُمَّالهم، ما لم يوجد تبرُّع، والمرتزقة: الأجنادُ المرصودون في الديوان للجهاد؛
الحصول النُّصرة بهم بعده وَّهِ. وصرَّح في ((التحفة)) بأنَّ الأكثرينَ على أنَّ هذه
الأخماس الأربعة كانت له عليه الصلاة والسلام مع خُمْسِ الخمس، فجملةُ ما كان
يأخذه وَّر من الفيء أحدٌ وعشرون سهماً من خمسةٍ وعشرين، وكان على ما قال
الروياني: يَصرِفُ العشرينَ التي له عليه الصلاة والسلام - يعني الأربعة
الأخماس - للمصالح وجوباً في قولٍ ونَذْباً في آخر، وقال الغزاليُّ: كان الفيءُ كلُّه
له وَلفي في حياته، وإنما خُمِّسَ بعد وفاته.
وقال الماورديُّ: كان له ◌َّ﴿ في أول حياته، ثم نُسخ في آخرها .
وقال الزمخشريُّ: إنَّ قوله تعالى: (مَّ أَقَ اللَّهُ) إلخ بيانٌ للجملة الأولى - يعني
قوله تعالى: (وَمَآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) ولذا لم يدخل العاطف عليها - بيَّن فيها

سُورَةُ الحُرّ
٢٦
الآية : ٧
لرسول الله وَّ﴾ ما يصنعُ بما أفاء الله تعالى عليه، وأمره أن يضعهُ حيث يضعُ
الخُمْسَ من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة(١). وظاهره أنَّ الجملةَ استئنافٌ
بيانيٌّ، والسؤالُ عن مصارف ما أفاء الله تعالى على رسوله وَّ من بني النضير الذي
أفادت الجملةُ الأولى أنَّ أمرهُ مفوَّضٌ إليه وَ لّ، لا يلزم أن يقسم قسمةَ الغنائم التي
قُوتل عليها قتالاً معتدًّا به وأخذت عَنوة وقهراً، كما طلب الغزاة لتكونَ أربعة
أخماسها لهم، وأنَّ ما يُوضَعُ موضعَ الخُمس من الغنائم هو الكلُّ لا أنَّ خمسه
كذلك والباقي - وهو أربعة أخماسه - لمن تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ تَبَوَّهُو﴾ إلى
قوله سبحانه: ﴿وَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ على ما سمعتَ سابقاً، وأنَّ المرادَ بأهل
القرى هو المرادُ بالضمير في ((منهم)) أعني بني النضير، وعدل عن الضمير إلى
ذلك - على ما في ((الإرشاد)) - إشعاراً بشمول ما في ((ما أفاء الله)) لعقاراتهم
أيضاً(٢). واعترض صاحب ((الكشف)) ما يُشعر به الظاهرُ من أنَّ الآيةَ دالةٌ على
أمره وَّر بأن يضعَ الجميعَ حيث يضعُ الخمس من الغنائم، ووجَّه الآيةَ بما أيد به
مذهبه، ودقّق الكلام في ذلك، فليراجع وليتدبر.
وقال ابن عطية: أهل القرى المذكورون في الآية هم أهلُ الصَّفراء، ويَنْبُع،
ووادي القرى، وما هنالك من قرى العرب التي تُسمَّى قُرى عُرينة، وحكمها
مخالفٌ لحكم أموال بني النضير، فإنَّ تلك كلّها له وَِّ خاصة، وهذه قَسَمها
كغيرها(٣) .
وقيل: المراد بـ ((ما أفاء الله على رسوله)) خيبر، وكان نصفُها لله تعالى
ورسوله وَ ل﴾، ونصفُها الآخر للمسلمين، فكان الذي لله سبحانه ورسوله عليه الصلاة
والسلام من ذلك الكتيبةُ والوطيحُ وسُلالم ووَخْدة، وكان الذي للمسلمين الشقّ،
وكان ثلاثةَ عشر سهماً، ونَطاة، وكانت خمسة أسهم، ولم يَقسم عليه الصلاة
والسلام من خيبرَ لأحدٍ من المسلمين إلا لمن شَهِدَ الحديبية، ولم يأذن وَِّ لأحدٍ
(١) الكشاف ٤/ ٨٢.
(٢) إرشاد العقل السليم ٢٢٧/٨-٢٢٨.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥.

الآية : ٧
٢٧
سُورَة الخير
تخلَّف عنه عند مخرجه إلى الحديبية أن يشهدَ معه خيبرَ، إلا جابر بن عبد الله بنِ
عمرو الأنصاري، وروي هذا عن ابن عباس(١).
وخصَّ بعضهم ما أفاء الله تعالى بالجزية والخراج، وعن الزهري أنه قال:
بلغني أنه ذلك. وأنت قد سمعتَ أنَّ عمر ◌َّه إنما احتجَّ بهذه الآية على إبقاء
سواد العراق بأيادي أهله، وضَرَبَ الخراج والجزية عليهم ردًّا على مَنْ طلب قِسْمته
على الغزاة بعُلُوجه، لكن ليس ذلك إلا لأنَّ وصولَ نَفْع ما أفاء الله تعالى إلى عامة
المسلمين كان بما ذكر دون القسمة، فافهم.
وفي إعادة اللام في ((الرسول)) و((ذي القربى)) مع العاطف ما لا يخفى من
الاعتناء، وفيه على ما قيل تأييدٌ ما لمن يذهب إلى عدم سقوط سهميهما، ووجهُ
إفراد ذي القربى قد ذكرناه غير بعيد، ولَمَّا كان أبناءُ السبيل بمنزلة الأقارب قيل:
((وابن السبيل)) بالإفراد كما قيل: ((ولذي القربى))، وعلى ذلك قوله:
أيا جارتا إنَّا غريبان ماهنا وكلُّ غريبٍ للغريب نسيبُ(٢)
﴿كَ لَا يَكُنَ﴾ تعليلٌ للتقسيم، وضميرُ ((يكون)) لما أفاء الله تعالى، أي: كي
لا يكون الفيُ ﴿دُولَةٌ﴾ هي بالضَّمِّ وكذا بالفتح: ما يدولُ، أي: ما يدور للإنسان
من الغناء والجدِّ والغَلَبة، وقال الكسائيُّ وحُذَّاق البصرة: الدَّولة بالفتح في المُلْكِ
بالضم، والدُّولة بالضم في المِلك بالكسر، أو بالضَّمِّ في المال، وبالفتح في
النُّصرة، قيل: وفي الجاه، وقيل: هي بالضم ما يتداول، كالغُرْفة اسم ما يغترف،
وبالفتح مصدرٌ بمعنى التداول. والراغب(٣) وعيسى بن عمر وكثير أنهما بمعنى
واحد.
وجمهورُ القراء قرؤوا بضمِّ الدال والنصب، وبالياء التحتية في ((يكون))(٤) على
أنَّ اسم ((يكون)) الضمير، و((دولة)) الخبر، أي: كي لا يكونَ الفيُ جدًّا ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ
(١) أخرجه عنه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٦/ ١٩٢.
(٢) البيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص٦٠.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (دول).
(٤) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢.

سُورَةُ الحُشْرِ
٢٨
الآية : ٧
مِنْكُمْ﴾ أي: بينهم خاصةً يتكاثرون به، أو كي لا يكون دولةً وغَلَبَةً جاهليةً بينكم،
فإنَّ الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة ويقولون: مَنْ عَزَّ بَزَّ(١)، وقيل: المعنى:
كي لا يكونَ شيئاً يتداوله الأغنياءُ خاصةً بينهم، ويتعاورونه، فلا يُصيبُ أحداً من
الفقراء.
وقرأ عبد الله: ((تكون)) بالتاء الفوقية(٢)، على أنَّ الضميرَ على ((ما)) باعتبار
المعنى؛ إذ المراد بها الأموال. وقرأ أبو جعفر وهشام كذلك، ورفع ((دُولٌ)) بضمِ
الدال(٣)، على أنَّ((كان)) تامة، و((دولةٌ)) فاعلٌ، أي: كي لا يقعَ دولةٌ. وقرأ عليّ
والسُّلميُّ كذلك أيضاً، ونَصْب (دَولةً)) بفتح الدال(٤)، على أنَّ ((كان)) ناقصة اسمها
ما سمعت، و((دَولةً)) خبرها، ويُقدَّرُ مضافٌ على القول بأنها مصدرٌ إن لم يُتجوَّز
فيه، ولم يقصد المبالغة، أي: كي لا تكونَ ذاتَ تداولٍ بين الأغنياء، لا يُخرجونها
إلى الفقراء.
وظاهرُ التعليلِ بما ذُكر اعتبارُ الفقر فيمن ذُكر، وعدمُ اتصافه تعالى به
ضروريٌّ، مع أنَّ ذكرهُ سبحانه كان للتيمُّن عند الأكثرين، لا لأنَّ له عزَّ وجلَّ
سهماً، وكذا يُجَلُّ رسولُ اللهِ وَلِّ عن أن يُسمَّى فقيراً، وما اشتهر من قوله عليه
الصلاة والسلام: ((الفقر فخري)) لا أصل له، وكيف يُتوهّم مثله والدنيا كلُّها
لا تساوي عند الله تعالى جناحَ بعوضة، وهو ◌َلّ ر أحبّ خلقه إليه سبحانه، حتى قال
بعضُ العارفين: لا يقال له وَل ◌َوْ زاهدٌ؛ لأنه التاركُ للدنيا، وهو عليه الصلاة والسلام
لا يتوجَّهُ إليها فضلاً عن طلبها اللازم للترك. وقيل: إنَّ الخبرَ لو صَحّ(٥) يكونُ
(١) أي: مَنْ غَلَبَ سَلَب. ينظر مجمع الأمثال ٣٠٧/٢.
(٢) البحر ٢٤٥/٨ .
(٣) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢، ولهشام أيضاً: ((كي لا يكونَ دُولةٌ)) بالياء والرفع وضم
الدال.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٥٤، والمحرر الوجيز ٢٨٦/٥، والبحر المحيط ٢٤٥/٨.
(٥) ولم يصح، فقد قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠٩/٣: سئل عنه الحافظ ابن تيمية
فقال: إنه كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المروية. وجزم الصغاني بأنه
موضوع.

الآية : ٧
٢٩
سُوَّةُ الحَمْرِ
المرادُ بالفقر فيه الانقطاعَ عن السِّوى بالمرة إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو غيرُ الفقر الذي
الكلامُ فيه. واعتباره فيمَن بَعْدُ لا محذورَ فيه، حتى إنه ربما يكونُ دليلاً على القول
بأنه لا يُعطى أغنياءُ ذوي القربى، وإنما يُعطى فقراؤهم.
وإذا حُمل الكلامُ على ما حملناه عليه كفى في التعليل أن يكونَ فيمن يُدفع إليه
شيءٌ من الفيءٍ فَقْرٌ، ولا يلزمُ أنَّ كلَّ مَنْ يُدفَعُ إليه شيءٌ منه فقيراً.
﴿َمَآ ءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: ما أعطاكم من الفيء ﴿فَخُذُوهُ﴾ لأنه حقُّكم الذي
أحلَّه الله تعالى لكم.
﴿وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ﴾ أي: عن أخذه منه ﴿فَأنْتَهُواْ﴾ عنه ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في مخالفته
عليه الصلاة والسلام.
﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (®
فيعاقب مَنْ يخالفه وَله .
وحَمْلُ الآية على خصوصِ الفيء مرويٌّ عن الحسن، وكأنَّ ذلك لقرينة المقام،
وفي ((الكشاف)): الأجودُ أن تكونَ عامةً في كلِّ ما أَمَر بِهِّهِ ونهى عنه، وأَمْرُ
الفيء داخلٌ في العموم (١). وذلك لعموم لفظ ((ما))، على أنَّ الواو لا تصحُّ عاطفةً،
فهي اعتراضٌ على سبيل التذييل، ولذلك عقّب بقوله تعالى: ((واتقوا الله)) تعميماً
على تعميم، فيتناول كلَّ ما يجبُ أن يُتَّقى؛ ويدخلُ ما سِيقَ له الكلام دخولاً أوَّلِيًّا
کدخوله في العموم الأول، وروي ذلك عن ابن جريج.
وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي(٢) وغيرهم عن ابن مسعود أنه قال:
لعن الله تعالى الواشماتِ والمستوشمات، والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحُسْنِ،
المغيِّرات لخلق الله تعالى. فبلغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقال لها: أُمُّ يعقوب،
وكانت تقرأُ القرآن، فأتته فقالت: بلغني أنك لعنتَ كَيْتَ وكَيْتَ؟ فقال: ما لِيَ
لا أَلْعِنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ اللهِ وَّةِ، وهو في كتاب الله عزَّ وجلَّ. فقالت: لقد قرأتُ
(١) الكشاف ٤/ ٨٢.
(٢) البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩)، والترمذي (٢٧٨٢)، وهو عند
أحمد (٤١٢٩).

سُورَةُ الْخْرِ
٣٠
الآية : ٨
ما بين لوحَي المصحف فما وجدته؟ قال: إن كنتِ قرأتيه فقد وَجَدْتيه، أما قرأتِ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾؟ قالت: بلى. قال:
فإنه ے قد نھی عنه.
وعن الشافعيِّ أنه قال: سلوني عمَّا شئتم أُخبركم به من كتاب الله تعالى وسنة
نبيِّهِ وَّ﴾. فقال عبد الله بن محمد بن هارون: ما تقول في المُحْرِم يقتل الزُّنبور؟
فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ وحدثنا
سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعيٍّ بن حِراش(١)، عن حذيفة بن
اليمان قال: قال رسول الله وَلجر: ((اقتدوا باللَّذَین من بعدي أبي بكر وعمر))، وحدثنا
سفيان بن عيينة، عن مِسْعر بن كِدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب،
عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل الزُّنبور(٢). وهذا من غريب الاستدلال، وفيه
على عِلَّاته - ككلام ابن مسعود - حمل ما في الآية على العموم، وعن ابن عباس
ما يدلُّ على ذلك أيضاً، قيل: والمعنى حينئذٍ: ما آتاكم الرسول من الأمر فتمسّكوا
به، وما نهاكم عن تعاطیه فانتهوا عنه.
والأمر جُوِّزَ أن يكونَ واحد الأمور، وأن يكون واحد الأوامر لمقابلة ((نهاكم))
له، قيل: والأولُ أقربُ؛ لأنه لا يقال: أعطاهُ الأمرَ بمعنى: أمره، إلا بتكلُّفٍ
كما لا يخفى.
واستُنبط من الآية أنَّ وجوبَ الترك يتوقَّفُ على تحقَّق النهي، ولا يكفي فيه
عدمُ الأمر، فما لم يتعرَّضْ له أمراً ولا نهياً لا يجب تركه.
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾ قال الزمخشريُّ: بدلٌ من قوله تعالى: ((لذي القربى))
والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من (لله وللرسول)) وما بعد - وإن كان المعنى
لرسول الله وَل ـ أنَّ الله عزَّ وجلَّ أخرجَ رسوله عليه الصلاة والسلام من الفقراء في
(١) في الأصل و(م): خراش. والمثبت هو الصواب.
(٢) أخرجه بتمامه البيهقي في السنن ٢١٢/٥. وقوله: ((اقتدوا ... )) أخرجه الترمذي (٣٦٦٢)
بإسنادين، وهو عند أحمد (٢٣٢٤٥)، وقول عمر في قتل الزنبور أورده الشافعي في الأم
١٩٨/٧.

الآية : ٨
٣١
سُورَةُ الحُبْ
قوله سبحانه: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهٌ) وأنه يترفَعُ برسول الله عليه الصلاة والسلام عن
التسمية بالفقير، وأنَّ الإبدالَ على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عزَّ
وجلَّ(١). وهذا كما لا يجوزُ أن يُوصَفَ سبحانه بـ: علَّامة؛ لأجلِ التأنيث لفظاً؛
لأنَّ فيه سوء أدب. انتهى.
« وعنى أنه بدل كلٍّ من كلٍّ لاعتبار المبدَل منه مجموع ما ذكر، قال الإمام:
فكأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين(٢). وما ذكر من الإبدال
من ((لذي القربى)) وما بعده مبنيٌّ على قول الحنفية: إنه لا يُعطى الغنيُّ من ذوي
القربى، وإنما يُعطى الفقير، ومن يرى - كالشافعي - أنه يُعطَى غنيُّهم كما يُعطى
فقيرهم خَصَّ الإبدالَ باليتامى وما بعده. وقيل: يجوز ذلك أيضاً، إلا أنه يقول
بتخصيص اعتبار الفقر بفيء بني النضير، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يُعطِ غنيًّا شيئاً
منه، والآيةُ نازلةٌ فيه، وفيه تعسُّفٌ ظاهر.
وفي ((الكشف)) أنَّ ((للفقراء)) ليس للقيد، بل بياناً للواقع من حال المهاجرين،
وإثباتاً لمزيد اختصاصهم، كأنه قيل: لله وللرسول وللمهاجرين.
وقال ابن عطية: ((للفقراء)» إلخ، بيانٌ لقوله تعالى: ((اليتامى والمساكين وابن
السبيل)) وكُرِّرتْ لامُ الجرِّ لما كان ما تقدَّم مجروراً بها لتبيين أنَّ البدلَ هو
منها(٣).
وقيل: اللامُ متعلِّقةٌ بما دلَّ عليه قوله تعالى: ((كيلا يكون دولة بين الأغنياء
منكم)) كأنه قيل: ولكن يكون للفقراء المهاجرين.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما خطر لنا في ذلك من الاحتمال بناءً على ما يُفهَمُ
من ظاهر كلام عمر بن الخطاب بمحضر جمع من الأصحاب(٤).
(١) إلى هنا انتهى كلام الزمخشري، ينظر الكشاف ٨٣/٤.
(٢) تفسير الرازي ٢٨٦/٢٩.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥-٢٨٧.
(٤) ينظر ما سيرد ص٤٢ من هذا الجزء.

الآية : ٩
٣٢
سُؤَدَّةُ الحَمْرِ
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ حيث اضطرَّهم كفارُ مكةَ وأَحوجوهم إلى
الخروج، فخرجوا منها، وهذا وَصْفٌ باعتبار الغالب، وقيل: كان هؤلاء مئةً
رجل.
﴿يَتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: طالبين منه تعالى رِزْقاً في الدنيا ومرضاةً في
الآخرة، وُصِفُوا أولاً بما يدلُّ على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار
والأموال، وقُيِّدَ ذلك ثانياً بما يُوجبُ تفخيم شأنهم ويؤكِّده، مما يدلُّ على توُلهم
التامّ ورضاهم بما قَدَّره المليك العلَّام.
﴿وَيَنَصُرُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهْ﴾ عَظْفٌ على ((يبتغون)) فهي حالٌ مقدَّرةٌ، أي: ناوين
لِنُصْرة الله تعالى ورسوله وَّله، أو مقارِنةٌ، فإنَّ خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم
مهاجرين إلى المدينة نُصرةٌ وأيُّ نُصرة.
﴿ أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الصفات الجليلة ﴿هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾﴾ أي:
الكاملون في الصدق في دعواهم الإيمان، حيث فعلوا ما يدلُّ أقوى دلالةٍ عليه، مع
إخراجهم من أوطانهم وأموالهم لأجله، لا غيرهم ممن آمنَ في مكة ولم يخرجْ من
داره وماله، ولم يثبتْ منه نحو ما ثبتَ منهم لنحو لِينٍ منه مع المشركين، فالحصرُ
إضافيٍّ، وُوُجِّهَ بغير ذلك.
وحملَ بعضُهم الكلامَ على العموم لحذف متعلّق الصدق، وتمسّك به لذلك في
الاستدلال على صحة إمامة أبي بكر الصديق ﴿ه؛ لأنَّ هؤلاء المهاجرين كانوا
يَدْعونه بخليفة رسول اللهِ وَّه، والله تعالى قد شَهِدَ بصِدْقهم، فلا بدَّ أن تكونَ
إمامته ◌َتُه صحيحةً ثابتةً في نفس الأمر؛ وهو تمسُّكٌ ضعيفٌ مستغنيةٌ عن مثله
دعوى صحة خلافة الصديق ◌ُه بإجماع الصحابة، ومنهم عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه، ونسبةُ التَّقية إليه بالموافقة لا يوافقُ الشيعةَ عليها مُتَّقٍ، كدعوى الإكراه، بل
مستغنية بغير ذلك أيضاً.
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ الأكثرون على أنه معطوفٌ على ((المهاجرين))
والمراد بهم الأنصار؛ والتبوُّؤُ: النزولُ في المكان، ومنه المَبَاءة للمنزل؛ ونسبته

الآية : ٩
٣٣
إلى الدار - والمراد بها المدينة - ظاهرٌ، وأما نسبته إلى الإيمان فباعتبار جَعْله
مستقرًّا ومتوطناً على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية. والتعريفُ في ((الدار))
للتنويه، كأنها الدارُ التي تستحقُّ أن تُسمَّى داراً، وهي التي أعدَّها الله تعالى لهم
لیکون تبۇُّؤهم إياها مَذْحاً لهم.
وقال غير واحدٍ: الكلام من باب:
علفتها تبناً وماءً باردا(١)
أي: تبوؤوا الدارَ وأخلصوا الإيمان.
وقيل: التبوؤ مجازٌ مرسلٌ عن اللزوم، وهو لازمُ معناه، فكأنه قيل: لزموا الدارَ
والإيمان، وقيل في توجيه ذلك: إنَّ ((أل)) في ((الدار)) للعهد، والمرادُ دارُ الهجرة،
وهي تغني غناء الإضافة، وفي ((والإيمان)) حَذْفُ مضافٍ، أي: ودارُ الإيمان، فكأنه
قيل: تبوؤوا دارَ الهجرة ودارَ الإيمان، على أنَّ المرادَ بالدارين المدينة، والعَظْفُ
كما في قولك: رأيتُ الغيثَ والليثَ. وأنت تريدُ زيداً. ولا يخفى ما فيه من
التكلُّف والتعشُّف.
وقيل: إنَّ الإيمانَ مجازٌ عن المدينة، سُمِّي محلٌّ ظهور الشيء باسمه مبالغةً.
وهو كما ترى.
وقيل: الواو للمعية، والمراد: تبوؤوا الدارَ مع إيمانهم، أي: تبوؤوها مؤمنين.
وهو أيضاً ليس بشيء.
وأحسنُ الأوجه ما ذكرناه أولاً. وذكر بعضُهم أنَّ الدار عَلَمٌّ بالغلبة على
المدينة، كالمدينة، وأنه أحدُ أسماءٍ لها، منها: طيبةُ وطابةُ ويثربُ وجابرةُ، إلى غير
ذلك. وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم حديثاً مرفوعاً يدلُّ على ذلك(٢).
(١) هو في معاني القرآن للفراء ١٤/١، والخصائص ٤٣١/١، والإنصاف ٦١٣/٢، والخزانة
١٤٠/٣ وعجزه: حتى شتت همَّالةً عيناها. ونسبه الفراء لبعض بني أسد. وسلف ٣٢٥/٦.
(٢) وهو قوله : ((للمدينة عشرة أسماء، وهي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة
ومجبورة وتبدد ويثرب والدار)». الدر المنثور ١٩٥/٦، وورد فيه تسعة أسماء لا عشرة !.

سُورَةُ الحُشْرِ
٣٤
الآية : ٩
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل المهاجرين؛ والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((تبوؤوا))، والكلامُ
بتقدير مضافٍ، أي: من قبل هجرتهم، فنهايةُ ما يلزمُ سَبْق إيمان (١) الأنصار على
هجرة المهاجرين، ولا يلزمُ منه سَبْقُ إيمانهم على إيمانهم ليقال: إنَّ الأمرَ
بالعكس.
وجُوِّزَ أن لا يقدَّرَ مضافٌ، ويقال: ليس المراد سَبْقَ الأنصار لهم في أصل
الإيمان، بل سَبْقَهم إياهم في التمكُّن فيه؛ لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه.
وقيل: الكلامُ على التقديم والتأخير، والتقديرُ: تبوؤوا الدارَ من قبلهم
والإيمانَ، فيفيدُ سَبْقَهم إياهم في تبوُّؤ الدار فقط. وهو خلافُ الظاهر، على أنَّ
مثله لا يُقبَلُ ما لم يتضمَّنْ نكتةً سَرِيَّةٍ، وهي غيرُ ظاهرةٍ هاهنا.
وقيل: لا حاجةً إلى شيءٍ مما ذكر، وقصارى ما تدلُّ الآيةُ عليه تقدُّم مجموع
تبوُّؤ الأنصار وإيمانهم على تبوُّؤ المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقدم المجموع
تقدُّم بعض أجزائه، وهو هاهنا تبوُّؤ الدار.
وتُعقّبَ بمنع الكفاية، ولو سلِّمتْ لَصَحَّ أن يقال بتقدُّم المهاجرين وإيمانهم،
على تبوُّؤ الأنصار وإيمانهم؛ لتقدُّم إيمان المهاجرين.
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ في موضع الحال من الموصول، وقيل: استئنافٌ،
والكلامُ قيل: كنايةٌ عن مواساتهم المهاجرين وعدم الاستثقال والتبرُّم منهم إذا
احتاجوا إليهم، وقيل: على ظاهره، أي: يُحبُّون المهاجرَ إليهم من حيثُ مهاجرته
إلیھم لِحُبِّهم الإيمان.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ﴾ أي: ولا يعلمون في أنفسهم ﴿حَاجَةٌ﴾ أي: طلب
محتاج إليه ﴿يَِّّا أُوتُوا﴾ أي: مما أُعطيَ المهاجرون من الفيء وغيره، وحاصله أنَّ
نفوسَهم لم تتبع ما أُعطيَ المهاجرون، ولم تطمح إلى شيءٍ منه تحتاج إليه،
فالوجدان إدراكٌ علميٍّ، وكونه في الصَّدرِ من باب المجاز. و((الحاجةُ)) بمعنى
المحتاج إليه، وهو استعمالٌ شائعٌ، يقال: خُذْ منه حاجتك، وأعطاه من ماله
(١) في (م): الإيمان.

الآية : ٩
٣٥
سُورَةُ الحُشْرِ
حاجته، و((من)) تبعيضية، وجُوِّزَ كونُها بيانية، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ وهو
(طلب))، وفيه فائدةٌ جليلةٌ، كأنهم لم يتصوَّروا ذلك ولا مرَّ في خاطرهم أنَّ ذلك
محتاج إليه حتى تطمحَ إليه النفس.
ويجوز أن يكون المعنى: لا يجدون في أنفسهم ما يَحملُ عليه الحاجة
كالحزازة والغيظ والحسد والغبطة لأجل ما أُعطي المهاجرون، على أنَّ الحاجةَ
مجازٌ عمَّا يتسبَّبُ عنها، وقيل: على أنها كنايةٌ عمَّا ذُكر؛ لأنه لا ينفكُ عن
الحاجة، فأُطلق اسمُ اللازم على الملزوم. وما تقدَّم أولى، وقولُ بعضهم: أي أثر
حاجةٍ، تقديرُ معنّى لا إعراب.
و((من)) في قوله تعالى: (ِمَّا أُوتُوا) تعليلية.
﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ أي: يُقدِّمون المهاجرين ﴿عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كلِّ شيءٍ من الطيِّبات،
حتى إنَّ مَنْ كان عنده امرأتان، كان ينزلُ عن إحداهما ويزوِّجها واحداً منهم،
ويجوزُ أن لا يعتبر مفعول ((يؤثرون)) خصوص المهاجرين، أخرج البخاريُّ ومسلم
والترمذيُّ والنسائي(١) وغيرهم عن أبي هريرة قال: أتى رجلٌ رسولَ الله وَّه فقال:
يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسلَ إلى نسائه فلم يجدْ عندهنَّ شيئاً، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((ألا رجلٌ يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟)) فقام رجلٌ من
الأنصار، وفي رواية: فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله. فذهب به إلى أهله، فقال
لامرأته: أكرمي ضيفَ رسول الله وَلّ، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية،
قال: إذا أراد الصبيةُ العشاء فنوِّميهم، وتعالي فأطفئي السراجَ ونطوي الليلةَ لضيف
رسول الله وَله، ففعلت، ثم غدا الضيفُ على رسول الله وَله فقال: ((لقد عَجِبَ الله
الليلةَ من فلانٍ وفلانة)) وأنزل الله تعالى فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ إلخ.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن ابن
عمر ﴿يَا، قال: أُهدي لرجلٍ من أصحاب رسول اللهِ وَ ل رأسُ شاة، فقال: إنَّ
أخي فلاناً وعيالَهُ أحوجُ إلى هذا منَّا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعثُ به واحدٌ إلى
(١) البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (٢٠٥٤)، والترمذي (٣٣٠٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥١٨).

سُورَةُ الخُخْر
٣٦
الآية : ٩
آخر حتى تداوله أهلُ سبعةٍ أبيات، حتى رَجَعَ إلى الأول، فنزلت: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنفُسِهِمْ﴾(١).
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: حاجةٌ، من خَصاص البيت، وهو ما يبقى بين
عيدانه من الفُرَج والفُتوح، والجملةُ في موضع الحال، وقد تقدم وجهُ ذلك مراراً.
﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ تَفْسِهِ﴾ الشُّخُ: اللُّومُ، وهو أن تكونَ النفسُ كَرَّةً حريصةً على
المنع، كما قال:
إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلا(٢)
يمارسُ نفساً بين جنبيه گَزَّة
وأُضيفَ إلى النفس لأنه غريزةٌ فيها، وأما البخل: فهو المنعُ نفسُهُ، وقال
الراغب: الشُّخُ: بُخْلٌ مع حِرْصٍ؛ وذلك فيما كان عادة(٣).
وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قال: البخلُ أن يبخلَ الإنسانُ بما في يده،
والشُّخُّ أن يَشِحَّ على ما في أيدي الناس(٤).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في
((الشعب)) والحاكم وصححه، وجماعة عن ابن مسعود: أنَّ رجلاً قال له: إني
أخافُ أن أكونَ قد هَلَكْتُ؟! قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعتُ الله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ﴾ الآية، وأنا رجلٌ شحيحٌ لا يكادُ يخرُج مني شيءٌ. فقال له
ابن مسعود: ليسَ ذاك بالشّحِّ، ولكنه البخل، ولا خيرَ في البخل، وإنَّ الشُّحَّ الذي
ذَكَرَهُ الله تعالى: أن تأكلَ مالَ أخيك ظُلْماً(٥).
(١) الدر المنثور ١٩٥/٦، والحاكم ٤٨٣/٢-٤٨٤، والبيهقي (٣٤٧٩). قال الذهبي: فيه
عبيد الله بن الوليد ضعَّفوه.
(٢) البيت في غرر الخصائص الواضحة ص ٢٨٥ دون نسبة.
(٣) المفردات (شح).
(٤) الدر المنثور ١٩٦/٦، والخبر فيه عن طاوس، وخبر الحسن غيره، وقد ورد في الدر قبله،
فنسبته إليه وهم من المصنف رحمه الله، ولفظ الحسن: النظر إلى المرأة لا يملكها من الشح.
(٥) الدر المنثور ١٩٦/٦، وتفسير الطبري ٥٢٩/٢٢ -٥٣٠، وابن أبي شيبة في مصنفه ٩٨/٩،
والبيهقي (١٠٨٤١)، والحاكم ٢/ ٤٩٠.

الآية : ٩
٣٧
سُوَرَّةُ الْحُبْرِ
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه(١) عن ابن عمر رضيؤها أنه قال: ليس الشُّخُ أن
يمنعَ الرجلُ ماله، ولكنه البخلُ، إنما الشُّحُّ أن تطمحَ عينُ الرجل إلى ما ليس له.
ولم أرَ لأحدٍ من اللُّغويين شيئاً من هذه التفاسير للشُّحِّ، ولعلَّ المرادَ أنه البخلُ
المتناهي، بحيث يبخلُ المَّصِفُ به بمالٍ غيره، أي: لا يَودُّ جُوْدَ الغير به، وتنقبضُ
نفسُهُ منه، ويسعى في أن لا يكون، أو بحيثُ يبلغُ به الحِرْصُ إلى أن يأكلَ مالَ أخيه
ظُلْماً، أو تطمحَ عينُهُ إلى ما ليس له، ولا تسمح نفسه بأن يكون لغيره. فتأمل.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ((ومن يُوَقَّ)) بشدِّ القاف(٢)، وقرأ ابن عمر وابن
أبي عبلة: ((شِعَّ)) بكسر الشين(٣)، وجاء فيه لغة أيضاً، ومعنى الكلِّ واحد.
ومعنى الآية: ومن يُوقَ بتوفيق الله تعالى ومعونته شُحَّ نفسه حتى يخالفها
فيما يغلبُ عليها من حُبِّ المال وبُغْضِ الإنفاق ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الفائزون بكلِّ مطلوبٍ، الناجون من كلِّ مكروه. والجملةُ الشرطيةُ تذييلٌ حَسَنٌ،
ومَدْحٌ للأنصار بما هو غايةٌ؛ لتناوله إياهم تناولاً أوليًّا، وفي الإفراد أولاً والجمع
ثانياً رعايةٌ لِلَفْظِ (مَنْ)) ومعناها، وإيماءٌ إلى قِلَّة المتَّصفينَ بذلك في الواقع عدداً،
وگثرتهم معنّی :
والناس ألفٌ منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنا (٤)
ويُفهمُ من الآية ذَمُّ الشُّحِّ جدًّا، وقد وردتْ أخبارٌ كثيرةٌ بذَمِّهِ، أخرج الحكيم
الترمذيُّ وأبو يعلى وابن مردويه عن أنسٍ مرفوعاً: ((ما محقَ الإسلامَ محقَ الشُّحِّ
شيءٌ قط)(٥).
(١) كما في الدر المنثور ١٩٦/٦.
(٢) الكشاف ٨٤/٤، والمحرر الوجيز ٢٨٨/٥. ونسبها في القراءات الشاذة ص١٥٤ لمحمد بن
النضر القارئ.
(٣) القراءات الشاذة ص١٥٤، والمحرر ٢٨٨/٥، والبحر ٢٤٧/٨.
(٤) البيت لابن دريد، وهو في شرح مقصورته للتبريزي ص١٨٤ .
(٥) الدر المنثور ١٩٦/٦، وهو في نوادر الأصول ص٢١٦، ومسند أبي يعلى (٣٤٨٨)، وفي
إسناده: علي بن أبي سارة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٠٢: ضعيف.
١

الآية : ٩
٣٨
سُورَةُ الخبر
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقيُّ في ((الشعب))، والحاكم وصححه عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودخانُ نار جهنّم في جوف عبدٍ
أبداً، ولا يجتمعُ الإيمانُ والشُّحُ في قلب عبدٍ أبداً))(١).
وأخرج أبو داود والترمذيُّ - وقال: غريبٌ - والبخاريُّ في ((الأدب)) وغيرهم
عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((خصلتان لا يجتمعان في جوفِ مسلم: البخلُ
وسوء الخلقْ(٢)).
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عدي والحاكم والخطيب عن أنس(٣) قال: قال
رسول الله وَّه: ((خلقَ الله تعالى جنةً عدنٍ، وغَرَسَ أشجارها بيده، ثم قال لها:
انطقي. فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال الله عزَّ وجلَّ: وعزَّتِي وجلالي،
لا يجاورني فيك بخيل)) ثم تلا رسول الله وَله: (وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ) .
وأخرج أحمد والبخاريُّ في ((الأدب)) ومسلم والبيهقيُّ عن جابر بن عبد الله أنَّ
رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ((اتقوا الظلم، فإنَّ الظلم ظلماتٌ يوم القيامة،
واتقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّخَّ قد أَهلكَ مَنْ كان قبلكم، حملهم على أنْ سفكوا دماءهم
واستحلُّوا محارمهم))(٤). إلى غير ذلك من الأخبار، لكن ينبغي أن يُعلَمَ أن تقوى
الشُّحّ لا تتوقَّفُ على أن يكونَ الرجلُ جواداً بكلِّ شيءٍ، فقد أخرج عبد بن حميد
وأبو يعلى والطبراني والضياء عن مجمع بن يحيى [عن خالد بن زيد الأنصاري]
مرفوعاً: ((بَرِئ من الشُّحِّ مَنْ أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأدَّى في النائبة))(٥).
(١) الدر المنثور ١٩٦/٦، والنسائي في الكبرى (٤٣٠٣)، والبيهقي في السنن ١٦١/٩، وفي
الشعب (٤٢٥٧)، والحاكم ٧٢/٢. وهو عند أحمد (٨٤٧٩) (٨٥١٢).
(٢) الترمذي (١٩٦٢)، والبخاري في الأدب (٢٨٢). ولم نقف عليه عند أبي داود.
(٣) ابن عدي في الكامل ١٨٣٧/٥، والحاكم ٣٩٢/٢، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
وقال الذهبي: بل ضعيف.
(٤) الدر المنثور ١٩٦/٦، وأحمد (١٤٤٦١)، والبخاري في الأدب (٤٨٣)، ومسلم (٢٥٧٨)،
والبيهقي في الشعب (١٠٨٣٢).
(٥) أخرجه من طريق أبي يعلى ابنُ حبان في الثقات ٢٠٢/٤، وهو في المعجم الكبير
=

الآية : ١٠
٣٩
سُوَّةُ الْحُشْرِ
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما يقربُ منه(١)، وكذا ابن جرير والبيهقيُّ
عن أنس(٢).
وأخرج ابن المنذر عن عليٍّ كرَّمَ الله تعالى وجهه قال: مَنْ أدى زكاةَ ماله، فقد
وُقِيَ شُحَّ نفسه(٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عَظْفٌ عند الأكثرين أيضاً على
((المهاجرين))، والمراد بهؤلاء قيل: الذين هاجروا حين قويَ الإسلام، فالمجيءُ
حِسِّيٍّ، وهو مجيئهم إلى المدينة، وضمير ((من بعدهم)) للمهاجرين الأولين، وقيل:
هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجيءُ إما إلى الوجود، أو إلى
الإيمان، وضمير ((من بعدهم)) للفريقين المهاجرين والأنصار، وهذا هو الذي يدلُّ
عليه كلامُ عمر رَظُه، وكلامُ كثيرٍ من السلف كالصريح فيه، فالآيةُ قد استوعبتْ
جميعَ المؤمنین .
وجملة قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ إلخ، حاليةٌ، وقيل: استئنافٌ ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيْنَا﴾ أي: في الدين الذي هو أعزُّ وأشرفُ عندهم من النسب ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا
◌ِآلْإِيمَنِ﴾ وَصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم ﴿وَلَا تَّجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا﴾ أي: حقداً،
وقُرئ ((غِمْراً)) (٤). ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ على الإطلاق ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ ﴾﴾ أي:
مبالغٌ في الرأفة والرحمة، فحقيقٌ بأن تجيب دعاءنا .
وفي الآية حَتٍّ على الدعاء للصحابة، وتصفيةِ القلوب من بُغْضِ أحدٍ منهم،
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وجماعة عن عائشة ؤها قالت: أُمروا أن
= (٤٠٩٧)، وأخرجه أيضاً هناد في الزهد (١٠٦٠)، وما بين حاصرتين من المصادر، وإسناده
حسن كما في الإصابة ٥٨/٣، لكنه مرسل كما قال ابن حبان.
(١) وأخرجه الطبراني في الصغير (١٢٦)، وقال في مجمع الزوائد ٦٨/٣: فيه يحيى بن
زكريا الوقار، وهو ضعيف.
(٢) تفسير الطبري ٥٣٠/٢٢-٥٣١، والشعب (١٠٨٤٢)، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وهو
مخلِّط في روايته عن غير أهل بلده، وهذا الحديث منها.
(٣) الدر المنثور ١٩٦/٦ .
(٤) وهي قراءة الأعمش، ينظر المحتسب ٣١٨/٢، والكشاف ٤/ ٨٥.

سُورَةُ الحُّ
٤٠
الآية : ١٠
يستغفروا لأصحاب النبيِّ وَ﴿، فسبُّوهم، ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ
جَآءُو﴾ إلخ(١).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر ﴿ أنه سمع رجلاً وهو يتناولُ بعضَ
المهاجرين، فدعاه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء
المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ الذَّارَ وَاُلْإِيمَنَ﴾
الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ
جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا، والله
ليس من هؤلاء مَنْ سَبَّ هؤلاء(٢).
وفي رواية أنَّ ابنَ عمر ◌َُّه بلغه أنَّ رجلاً نالَ من عثمان ﴿به، فدعاه فقرأ
علیه الآيات وقال له ما قال.
قولٌ سيئٌ أو بُغْضُ،
وقال الإمام مالك: مَنْ كان له في أحدٍ من الصحابة
فلا حَظّ له في الفيء؛ أَخْذاً من هذه الآية(٣).
وفيها ما يدلُّ على ذَمِّ الغِلِّ لأحدٍ من المؤمنين، وفي حديثٍ أخرجه الحکیمُ
الترمذيُّ والنسائيُّ عن أنسٍ ◌َُهُ أنَّ النبيَّ وَِّ قال في أيامٍ ثلاثة: ((يطلعُ عليكم الآن
رجلٌ من أهل الجنة)) فطلعَ فيها رجلٌ من الأنصار، فباتَ معه عبد الله بن عمرو بن
العاص ثلاثَ ليالٍ مستكشفاً حاله، فلم يَرَ له كثيرَ عملٍ، فأخبره الخبرَ، فقال له:
ما هو إلا ما رأيتَ غيرَ أني لا أجدُ في نفسي غِلًّا لأحدٍ من المسلمين، ولا أحسده
على خيرٍ أعطاه الله تعالى إياه، فقال له عبد الله: هذه التي بلغتْ بك، وهي التي
لا نطيق (٤).
وفي رواية أنه قال: لو كانت الدنيا لي فأخذتْ مني لم أحزنْ عليها، ولو
أُعطِيتُها لم أفرحْ بها، وأَبِيتُ وليس في قلبي غِلٌّ على أحدٍ، فقال عبد الله: لكني
(١) الدر المنثور ١٩٨/٦، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم ٣٣٤٧/١٠.
(٢) الدر المنثور ١٩٨/٦.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٢٧/٦.
(٤) النسائي في الكبرى (١٠٦٣٣)، وهو عند أحمد (١٢٦٩٧).