النص المفهرس

صفحات 1-20

في
تَفِي القُرآن ◌َعَظِيْ والِسُنْ المثَانُ
تأليف
شِهَابُ الدّينُ أبيهُ النَّاء
مَجْمُودِ بْن عَبِّدَ آللّه الأَلْوُسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَةَ هَذَا الجزء
أُنْهُ حَالِيتُ
زهَيرِ القُرمُ؟
سَاهُمْ في تحقيقه
عَبْ الْم أمْ حَيْن قاتم نافِهِم حَّار عبد الوقُّ الدين
مراجعة
محمّد مُعْتز كريم الّين
الملّ التّائع والعشريك
مؤسسة الرسالة

:
3

تُوُ المَعَانِى
وبدوج
في
تفِ القُرآن العَظِيم والسُّنْ المثَّانى
(٢٧)

حَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الحُشْرِ
قال البقاعيُّ: وتسمَّى سورة: بني النضير(١). وأخرج البخاريُّ(٢) وغيره عن ابن
جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر. قال: قلْ: سورة بني النضير. قال ابن
حجر: كأنه كَرِهَ تسميتها بالحشر؛ لئلّا يظنَّ أنَّ المراد به يوم القيامة(٣). وإنما المراد
هاهنا إخراج بني النضير.
وهي مدنيّةٌ، وآيُها أربعٌ وعشرون بلا خلاف.
ومناسبتها لما قبلها أنَّ في آخر تلك: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ) وفي أول
هذه: (فَنَنْهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُّ) وفي آخر تلك ذِكْرُ مَنْ
حادَّ الله ورسوله، وفي أول هذه ذِكْرُ مَنْ شاقَّ الله ورسوله، وأنَّ في الأولى ذِكْرُ
حال المنافقين واليهود وتَوَلِي بعضهم بعضاً، وفي هذه ذِكْرُ ما حَلَّ باليهود، وعدمُ
إغناء تَوَلِّي المنافقين إياهم شيئاً، فقد روي أنَّ بني النضير كانوا قد صالحوا
رسولَ اللهِ وَ﴿ على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يومَ بدر قالوا: هو النبيُّ
الذي نُعِتَ في التوراة، لا تُرَدُّ له راية. فلما هُزِمَ المسلمونَ يومَ أُحدٍ، ارتابوا
ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً
عند الكعبة، فأخبر جبريلُ عليه السلام الرسولَ وَّر بذلك، فأَمر بقتل كعبٍ، فقتله
محمدُ بن مسلمة غِيلةً وهو عروسٌ، بعد أن أخذ بفَوْد(٤) رأسه أخوه رضاعاً أبو نائلةَ
سِلْكان بن سلامة أحدُ بني عبد الأشهل، وكان عليه الصلاة والسلام قد اطّلع منهم
(١) نظم الدر في تناسب الآيات والسور ٤٠٢/١٩.
(٢) برقم (٤٨٨٣).
(٣) فتح الباري ٧/ ٣٣٢.
(٤) الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن. القاموس المحيط (فود).

٦
سُورَةُ الخُخْرِ
على خيانةٍ حين أتاهم يستعينهم في ديةِ المسْلِمَين من بني عامر(١) اللَّذَين
قتلهما عمرو بن أمية الضَّمْري عند منصرفه من بئر معونة، فهمُّوا بطَّرْح الحجر
عليه وَّهِ، فَعَصَمُه الله تعالى.
وبعد أن قُتِلَ كعبٌ بأشهرٍ على الصحيح لا على الأثر كما قيل، أَمَرَ بَّه بالتهيُّوْ
لحربهم والسير إليهم، وكان ذلك سنةً أربعٍ في شهر ربيع الأول، وكانوا بقريةٍ يقال
لها: الزهرة، فسار المسلمون معه عليه الصلاة والسلام وهو على حمارٍ مخطوم
بليف، وقيل: على جملٍ، واستعمل على المدينة ابنَ أمُّ مكتوم، حتى إذا نزل وَله
بهم وجدهم ينوحون على كعبٍ، وقالوا: ذَرْنا نبكي شجوناً، ثم ائتمرْ أمرك، فقال:
((اخرجوا من المدينة)) فقالوا: الموتُ أقربُ لنا من ذلك، فتنادَوا بالحرب، وقيل:
استمهلوه عليه الصلاة والسلام عشرةً أيامٍ ليتجهّزوا للخروج، ودَسَّ المنافقونَ
عبدُ الله بن أبيٍّ وأضرابه إليهم أن لا يخرجوا من الحِصْن، فإن قاتلوكم فنحن
معكم، ولننصرتَّكم، وإن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، فَدُرِّبوا على الأَزْقَّة وحصَّنوها،
ثم أجمعوا على الغدر برسول الله وَ﴿ فقالوا: اخرجْ في ثلاثينَ من أصحابك،
ويخرجُ منَّا ثلاثون ليسمعوا منك، فإن صدَّقوك آمنًا كلّنا، ففعل، فقالوا: كيف نفهمُ
ونحن ستُّون، اخرجْ في ثلاثةٍ، ويخرجُ إليك ثلاثةٌ من علمائنا، ففعل عليه الصلاة
والسلام، فاشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك، فأرسلتِ امرأةٌ منهم ناصحةً إلى
أخيها وكان مسلماً، فأخبرته بما أرادوا فأسرعَ إلى الرسول ◌َّهَ فسارَّه بخبرهم قبل
أن يصلَ إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم - على ما قال ابن
هشام في ((سيرته))(٢) - ستَّ ليالٍ، وقيل: إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله تعالى في
قلوبهم الرعبَ وأَيسوا من نَصْر المنافقين، فطلبوا الصُّلحَ، فأبى عليه الصلاة
والسلام عليهم إلا الجلاء، على أن يحملَ كلُّ ثلاثةِ أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من
المتاع، فَجَلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل سلام بن
أبي الحقيق وآل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فلحقوا
(١) في هامش الأصل: وكان بينهم وبين بني النضير عقد.
(٢) ١٩١/٢.

الآية : ١ - ٢
٧
سُورَة الخير
بخيبر، ولحقتْ طائفةٌ بالحيرة، وقَبضَ النبيُّ وَّ ر أموالهم وسلاحهم، فوجد خمسين
دِرْعاً وخمسين بيضةً وثلاثَ مئةٍ وأربعين سيفاً، وكان ابن أبيٍّ قد قال لهم: معي
ألفان من قومي وغيرهم أُمُّكم بها، وتمذُّكم قريظةُ وحلفاؤكم من غَطَفان،
فلما نازلهم وَّ اعتزلتهم قريظة، وخَذَلهم ابن أبيٍّ وحلفاؤهم من غطفان، فأنزل الله
تعالى قوله عز وجل:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ إلى قوله تعالى:
﴿وَلَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾(١) وتقدَّم الكلامُ على نظير هذه الجملة في صَدْر
سورة الحديد، وكُرِّرَ الموصولُ هاهنا لزيادة التقرير، والتنبيهِ على استقلال كلٍّ من
الفريقين بالتسبيح.
وقوله تعالى :
﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِهِ﴾ بيانٌ لبعض آثار عِزَّته
تعالى، وأحكام حكمته عزَّ وجلَّ إثرَ وَصْفه تعالى بالعِزَّة القاهرة والحكمة الباهرة
على الإطلاق.
والمراد بـ ((الذين كفروا)) بنو النضير - بوزن الأمير - وهم قبيلةٌ عظيمةٌ من يهود
خيبر كبني قريظة، ويقال للحَيَّين: الكاهنان؛ لأنهما من ولد الكاهن بن هارون
كما في ((البحر)) (٢)، ويقال: إنهم نزلوا قريباً من المدينة في فئةٍ من بني إسرائيل
انتظاراً لخروج الرسول وَّةٍ، فكان من أمرهم ما قصَّه الله تعالى.
وقيل: إنَّ موسى عليه السلام كان قد أرسلهم إلى قتل العماليق، وقال لهم:
لا تستحيوا منهم أحداً، فذهبوا ولم يفعلوا وعصوا موسى عليه السلام، فلما رجعوا
(١) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠ وما بعدها، والبحر المحيط ٢٤٢/٨. وقصة قتل كعب بن
الأشرف عند البخاري (٤٠٣٧).
(٢) ٨/ ٢٤٢.

سُورَةُ الحَمْ
٨
الآية : ٢
إلى الشام وجدوه قد مات عليه السلام، فقال لهم بنو إسرائيل: أنتم عصاةُ الله
تعالى، والله لا دخلتم علينا بلادنا، فانصرفوا إلى الحجاز، إلى أن كان ما كان.
وروي عن الحسن أنهم بنو قريظة. وهو وَهْمٌ كما لا يخفى.
والجارُّ الأول متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: كائنين من أهل الكتاب، والثاني متعلّقٌ
بـ ((أخرج)). وصحَّتْ إضافةُ الديار إليهم؛ لأنهم كانوا نزلوا بَرِّيّةً لا عُمران فيها،
فبنوا فيها وسكنوا. وضمير ((هو)) راجعٌ إليه تعالى بعنوان العِزَّة والحكمة؛ إما بناءً
على كمال ظهور اتصافه تعالى بهما مع مساعدةٍ تامةٍ من المقام، أو على جَعْله
مستعاراً لاسم الإشارة كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْمَُّمْ وَأَبْصَرَّكُمْ
وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بٌ﴾ [الأنعام: ٤٦] أي: بذلك، فكأنه قيل: ذلك
المنعوتُ بالعِزَّةِ والحكمة الذي أخرج .. إلخ، ففيه إشعارٌ بأنَّ في الإخراج حكمة
باهرة.
وقوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ اَلَْثْرِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أخرج))، واللامُ لامُ التوقيت، كالتي في
قولهم: كتبته لعشرٍ خلونَ، ومآلها إلى معنى ((في)) الظرفية، ولذا قالوا هنا، أي: في
أول الحشر، لكنهم لم يقولوا: إنها بمعنى ((في)) إشارة إلى أنها لم تخرجْ عن أصل
معناها، وأنها للاختصاص؛ لأنَّ ما وقع في وقتٍ اختصَّ به دون غيره من
الأوقات.
وقيل: إنها للتعليل. وليس بذاك.
ومعنى ((أول الحشر)) أنَّ هذا أولُ حشرهم إلى الشام، أي: أول ما حُشروا
وأُخرجوا، ونبّه بالأولية على أنهم لم يُصبهمْ جلاءٌ قبل، ولم يُجْلِهِمْ بُخْتنصَّر حين
أجلى اليهود بناءً على أنهم لم يكونوا معهم إذ ذاك، وأنَّ نقلهم من بلاد الشام إلى
أرض العرب كان باختيارهم، أو لم يُصبهم ذلك في الإسلام، أو على أنهم أولُ
محشورين من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، ولا نظر في ذلك إلى
مقابلة الأول بالآخر، وبعضهم يعتبرها، فمعنى أول الحشر أنَّ هذا أولُ حشرهم،
وآخرُ حشرهم إجلاءُ عمرَ ◌َُه إياهم من خيبرَ إلى الشام، وقيل: آخرُ حشرهم
حشرهم يوم القيامة؛ لأنَّ المحشر يكون بالشام.

الآية : ٢
٩
وعن عكرمة: مَنْ شكَّ أنَّ المحشر هاهنا - يعني الشام - فليقرأ هذه الآية.
وكأنه أخذ ذلك من أنَّ المعنى: لأول حَشْرهم إلى الشام، فيكون لهم آخر حشرٍ إليه
أيضاً ليتمَّ التقابل، وهو يوم القيامة من القبور، ولا يخفى أنه ضعيفُ الدلالة.
وفي ((البحر)) عن عكرمة والزهري أنهما قالا: المعنى: لأول موضع الحشر،
وهو الشام، وفي الحديث أنه و ﴿ قال لهم: ((اخرجوا)) قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى
أرض المحشر))(١). ولا يخفى ضَعْفُ هذا المعنى أيضاً.
وقيل: آخرُ حَشْرهم أنَّ ناراً تخرجُ قبل الساعة، فتحشرهم کسائر الناس من
المشرق إلى المغرب.
وعن الحسن أنه أُريد حَشْرُ القيامة، أي: هذا أوله، والقيامُ من القبور آخره،
وهو كما ترى.
وقيل: المعنى: أَخرجهم من ديارهم لأول جَمْعٍ حَشَرَهُ النبيُّ وََّ، أَو حَشَرَهُ الله
عزَّ وجلَّ لقتالهم؛ لأنه وَّهِ لم يكن قبلُ قَصَدَ قتالَهم، وفيه من المناسبة لوصف
العِزَّة ما لا يخفى، ولذا قيل: إنه الظاهر.
وتُعقّبَ بأنَّ النبيَّ وَّه لم يكن جمع المسلمين لقتالهم في هذه المرة أيضاً، ولذا
رَكِبَ عليه الصلاة والسلام حماراً مخطوماً بليفٍ، لعدم المبالاة بهم. وفيه نظر.
وقيل: لأول جمعهم للمقاتلة مع المسلمين؛ لأنهم لم يجتمعوا لها قبل.
والحشر: إخراجُ جَمْعِ سواء كان من الناس لحربٍ أو لا، نعم يُشترطُ فيه كونُ
المحشور جَمْعاً من ذويّ الأرواح لا غير. ومشروعيةُ الإجلاء كانت في ابتداء
الإسلام، وأما الآن فقد نُسختْ، ولا يجوز إلا القتل أو السَّبيُّ أو ضَرْبُ الجزية.
﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿أَن يَخْرُجُواْ﴾ لشِدَّةِ بأسهم ومَنَعَتهم، ووثاقة
حصونهم، وگثْرة عَدَدهم وعُدَّتهم.
(١) البحر المحيط ٢٤٣/٨، والحديث أخرجه ابن عدي ١٢٢١/٣، وابن أبي حاتم كما في
تفسير ابن كثير عند هذه الآية عن ابن عباس ثا، وفي إسناده سعيد بن المرزبان وهو
ضعيف .

سُورَةُ الْحُفْرِ
١٠
الآية : ٢
﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: ظنُّوا أنَّ حصونهم مانعتهم، أو
تمنعهم من بأس الله تعالى، فـ ((حصونهم)) مبتدأٌ، و(مانعتهم)) خبرٌ مقدَّمٌ، والجملةُ
خبرُ ((أنَّ). وكان الظاهرُ لمقابلة ((ما ظننتم أن يخرجوا)): وظنُّوا أن لا يخرجوا،
والعدول إلى ما في النظم الجليل؛ للإشعار بتفاوت الَّنَّين، وأنَّ ظَنَّهم قارَبَ
اليقين، فناسَبَ أن يُؤْتَى بما يدلُّ على فَرْطِ وُثوقهم بما هم فيه، فجيءَ بـ ((مانعتهم))
و((حصونهم)) مقدّماً فيه الخبر على المبتدأ؛ ومدارُ الدلالة التقديمُ، لما فيه من
الاختصاص، فكأنه لا حِصْنَ أمنعُ من حصونهم، وبما يدلُّ على اعتقادهم في
أنفسهم أنهم في عِزَّةٍ ومنعةٍ لا يُبالَى معهما بأحدٍ يتعرَّضُ لهم، أو يطمعُ في
معازَّتهم، فجيءَ بضمير (هم)) وصُيِّرَ اسماً لـ ((أنَّ) وأُخبر عنه بالجملة لما في ذلك
من التقوِّي على ما في ((الكشف)) و((شرح الطيبيِّ)). وفي كون ذلك من باب التقوِّي
بحثٌ.
ومنع بعضُهم جوازَ الإعراب السابق بناءً على أنَّ تقديمَ الخبر المشتقِّ على
المبتدأ المحتمِل للفاعلية لا يجوز، كتقديم الخبر إذا كان فعلاً، وصُحِّحَ الجوازُ في
المشتقِّ دون الفعل، نعم اختار صاحب ((الفرائد)) أن يكون ((حصونهم)) فاعلاً
لـ ((مانعتهم)) لاعتماده على المبتدأ .
وجوِّز كونُ ((مانعتهم)) مبتدأ، خبره: ((حصونهم))، وتُعقِّبَ بأنَّ فيه الإخبار عن
النكرة بالمعرفة إن كانت إضافةً مانعةً لفظيةً، وعدم كون المعنى على ذلك إن كانت
معنويةً بأن قصد استمرار المنع، فتأمل.
وكانت حصونهم - على ما قيل - أربعةٌ: الكتيبة، والوَطِيح، والسُّلالم،
والنَّطاة، وزاد بعضُهم: الوَخْدة(١)، وبعضُهم: شقّا، والذي في ((القاموس))(٢) أنه
موضع بخییر، أو وادٍ به.
(١) جاء في هامش الأصل و(م): الكتيبة بالتاء المثناة والتصغير. والوطيح بفتح الواو وكسر
الطاء وبالحاء المهملة. والسلالم بضم السين، وقيل: بفتحها. ويقال فيه: السلاليم.
والنطاة من النَّطو: البعد. والوخدة: بفتح الواو وسكون المعجمة وبالدال مهملة اهـ منه.
(٢) مادة (شقق).

الآية : ٢
١١
سُورَةُ الْخُنْ
﴿فَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمرُه سبحانه، وقَدَرُه عزَّ وجلَّ المتاحُ لهم ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْـ
يَحْتَسِبُواْ﴾ ولم يخطر ببالهم؛ وهو - على ما روي عن السدي وأبي صالح وابن
جريج - قَتْلُ رئيسهم كعب بن الأشرف، فإنه مما أضعفَ قوَّتهم وفلَّ شوكتهم،
وسَلَبَ قلوبهم الأمنَ والطمأنينةَ.
وقيل: ضمير ((أتاهم)) و((لم يحتسبوا)) للمؤمنين، أي: فأتاهم نَصْرُ الله من حيث
لم يحتسبوا، وفيه تفکیڭُ الضمائر.
وقرئ: ((فآتاهم الله))(١) وهو حينئذٍ متعدٍّ لمفعولين، ثانيهما محذوف، أي:
فآتاهم الله العذابَ أو النصرَ.
﴿وَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبّ﴾ أي: الخوفَ الشديدَ، من رَعَبْتُ الحوضَ: إذا ملأتَهُ؛
لأنه يتصوَّرُ فيه أنه مِلْء القلب، وأصلُ القذف: الرميُّ بقوةٍ أو من بعيد، والمراد به
ھنا ۔ للعُرْف - إثباتُ ذلك ورَكْزُه في قلوبهم .
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِهِمْ﴾ ليسدُّوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه
الأَزْقَّة، ولئلا تبقى صالحةً لسُكنى المسلمين بعد جلائهم، ولينقلوا بعضَ آلاتها
المرغوب فيها مما يقبلُ النقلَ كالخشب والعُمُد والأبواب.
﴿وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث كانوا يُخربونها من خارجٍ ليدخلوها عليهم، وليزيلوا
تحصُّنَهم بها، وليتَّسعَ مجالُ القتال، ولتزدادَ نكايتهم، ولَمَّا كان تخريبُ أيدي
المؤمنين بسببٍ أمرٍ أولئك اليهود، كان التخريبُ بأيدي المؤمنين كأنه صادرٌ عنهم،
وبهذا الاعتبار عُطفتْ ((أيدي المؤمنين)) على ((أيديهم)) وجُعلتْ آلَةً لتخريبهم، مع أنَّ
الآلةَ هي أيديهم أنفسهم، فـ ((يُخربون)) على هذا إما من الجمع بين الحقيقة
والمجاز، أو من عموم المجاز، والجملةُ إما في محلِّ نصبٍ على الحالية من ضمير
((قلوبهم))، أو لا محلَّ لها من الإعراب، وهي إما مستأنفةٌ جوابٌ عن سؤالٍ
تقديره: فما حالُهم بعد الرعب أو معه؟ أو تفسيرٌ للرعب بادِّعاء الاتحاد؛ لأنَّ
ما فعلوه يدلُّ على رُغْبهم؛ إذ لولاه ما خربوها .
(١) الكشاف ٤/ ٨٠.

سُوَّةُ العُمْرِ
١٢
الآية : ٢
وقرأ قتادةُ والجحدريُّ ومجاهدٌ وأبو حيوة وعيسى وأبو عمرو: ((يُخرِّبون))
بالتشديد(١)، وهو للتكثير في الفعل أو في المفعول، وجُوِّزَ أن يكون في الفاعل.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خَرَّبَ بمعنى: هَدَمَ وأَفسدَ، وأَخْرَبَ: تَرَكَ الموضِعَ
خراباً وذهبَ عنه، فالإخرابُ يكون إِثْرَ التخريب، وقيل: هما بمعنّى، عُدِّيَ خرَّبَ
اللازم بالتضعيف تارةً، وبالهمزة أخرى.
﴿فَاعْتَبِرُوا يَأُوْلِ آلْأَنْصَرِ
· فاتَّعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على
٢
وجهٍ لا تكادُ تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرةَ ما أدَّاهم إليه من الكفر
والمعاصي، واعبروا من حالهم في غَدْرهم واعتمادهم على غير الله تعالى - الصائرة
سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، ومفارقة أوطانهم مُكرَهين - إلى حالٍ
أنفسكم، فلا تُعوِّلوا على تعاضُدِ الأسباب، وتعتمدوا على غيره عزَّ وجلَّ، بل
توگّلوا عليه سبحانه.
واشتهر الاستدلال بالآية على مشروعية العمل بالقياس الشرعي، قالوا: إنه
تعالى أَمَرَ فيها بالاعتبار، وهو العُبور والانتقالُ من الشيء إلى غيره، وذلك متحقِّقٌ
في القياس، إذ(٢) فيه نقلُ الحكم من الأصل إلى الفرع، ولذا قال ابن عباس في
الأسنان: اعتُبرَ حُكْمها بالأصابع في أنَّ ديتها متساوية، والأصلُ في الإطلاق
الحقيقة، وإذا ثبت الأمر - وهو ظاهرٌ في الطّلب الغير الخارج عن اقتضاء الوجوب
أو الندب - ثبتتْ مشروعيةُ العمل بالقياس.
واعترض بعد تسليم ظهور الأمر في الطلب بأنَّا لا نسلِّمُ أنَّ الاعتبارَ ما ذكر،
بل هو عبارةٌ عن الاتعاظ؛ لأنه المتبادرُ حيث أُطلق، ويقتضيه في الآية ترتيبهُ بالفاء
على ما قبله كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِىِ الْأَبْصَارِ﴾
[آل عمران: ١٣]، ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ﴾ [النحل: ٦٦]، ولأنَّ القائسَ في الفرع إذا
قَدَمَ على المعاصي ولم يتفكّرْ في أَمْرِ آخرته، يقال: إنه غيرُ مُعتبرٍ، ولو كان القياسُ
(١) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢، والمحرر الوجيز ٢٨٤/٥.
(٢) في (م): إذا .

الآية : ٢
١٣
سُوَّةُ الْحُمْرِ
هو الاعتبارَ لم يصحَّ هذا السلب. سلَّمنا، لكنْ ليس في الآية صيغةُ عموم تقتضي
العمل بكلِّ قياسٍ، بل هي مطلقةٌ فيكفي في العمل بها العمل بالقياس العقليٍّ.
سأَّمنا، لكنَّ العامَّ مخصَّصٌ بالاتفاق؛ إذ قلتم: إنه إذا قال لوكيله: أعتقْ غانماً
لسواده، لا يجوز تعدِّيه ذلك إلى سالم، وإن كان أسود، وهو بعد التخصيص
لا يبقى حُجَّةً فيما عدا محلِّ التخصيص. سلَّمنا، غيرَ أنَّ الخطابَ مع الموجودين
وقته، فيختصُّ بهم.
وأجيب بأنه لو كان الاعتبارُ بمعنى الاتعاظ حيث أطلق، لما حَسُنَ قولهم:
اعتبر فاتعظ؛ لما يلزمُ فيه حينئذٍ من ترتُّبِ الشيء على نفسه، وترتيبُه في الآية على
ما قبله لا يمنعُ كونَه بمعنى الانتقال المذكور؛ لأنه متحقِّقٌ في الاتعاظ؛ إذ المتعظُ
بغيره منتقلٌ من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال نفسه، فكان مأموراً به من
جهة ما فيه من الانتقال، وهو القياس، والآيتان على ذلك، ولا يصحُّ غير معتبر في
القائس العاصي نظراً إلى كونه قائساً، وإنما صَحَّ ذلك نظراً إلى أمرٍ الآخرة، وأُطلق
النفيُ نظراً إلى أنه أعظمُ المقاصد وقد أخلَّ به، والآيةُ إن دلَّتْ على العموم فذاك،
وإن دلَّتْ على الإطلاق وَجَبَ الحملُ على القياس الشرعيِّ؛ لأنَّ الغالبَ من الشارع
مخاطبتنا بالأمور الشرعية دون غيرها، وقد برهنَ على أنَّ العامَّ بعد التخصيص
حُجَّة، وشمولُ حُكْم خطاب الموجودين لغيرهم إلى يوم القيامة قد انعقد الإجماعُ
عليه، ولا يضرُّ الخلافُ في شمول اللفظ وعدمه، على أنه إن عَمَّ أو لم يَعُمَّ هو
حُجَّةٌ على الخصوم في بعض محلِّ النزاع، ويلزمُ من ذلك الحكم في الباقي ضرورةً
أنه لا يقول بالفرق.
هذا وقال الخفاجيُّ في وجه الاستدلال: قالوا: إنَّا أُمرنا في هذه الآية
بالاعتبار، وهو رَدُّ الشيء إلى نظيره بأن يُحكَمَ عليه بحكمه، وهذا يشملُ الاتعاظَ
والقياسَ العقليَّ والشرعيَّ، وسَوْقُ الآية للاتعاظ، فتدلُّ عليه عبارةً وعلى القياس
إشارةً(١). وتمام الكلام على ذلك في الكتب الأصولية.
(١) حاشية الشهاب ١٧٦/٨ .

سُوَّةُ الحْ
١٤
الآية : ٣
﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَاءَ﴾ أي: الإخراجَ - أو الخروجَ - عن أوطانهم
على ذلك الوجه الفظيع ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيًّا﴾ بالقتل كأهل بدرٍ وغيرهم، أو كما فعل
سبحانه ببني قريظة في سنة خمسٍ؛ إذ الحكمةُ تقتضيه لو لم يكتب الجلاء عليهم.
وجاء: أجليتُ القومَ عن منازلهم، أي: أخرجتهم عنها وأَبرزتهم، وجَلُوا
عنها: خَرَجوا وبرزوا، ويقال أيضاً: جلاهم. وفرَّقَ بعضُهم بين الجلاء
والإخراج، بأنَّ الجلاءَ ما كان مع الأهل والولد، والإخراجَ قد يكون مع بقاءِ
الأهل والولد.
وقال الماورديُّ(١): الجلاءُ لا يكون إلا لجماعة، والإخراجُ قد يكون لواحدٍ
ولجماعة.
ويقال فيه: الجلا، مهموزاً من غير ألفٍ كالنبأ، وبذلك قرأ الحسن بن صالح،
وأخوه عليُّ بن صالح، وطلحة(٢).
و((أنْ)) مصدريةٌ، لا مخفَّفةٌ، واسمها ضميرُ شأنٍ كما تُؤْهِمُه عبارة
((الكشاف))(٣)، وقد صرَّح بذلك الرضيُّ.
(جَ﴾ استئنافٌ غيرُ متعلّقٍ بجواب
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ
(لولا)) أي: إنهم إن نجوا من عذاب الدنيا - وهو القتل - لأمرٍ أَشَقّ عليهم وهو
الجلاء، لم ينجوا من عذاب الآخرة، فليس تمتُّعهم أياماً قلائلَ بالحياة وتهوينُ أمر
الجلاء على أنفسهم بنافع. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ القتلَ أشدُّ من الجلاء، لا لذاته، بل
لأنهم يَصلُون عنده إلى عذاب النار، وإنما أُوثر الجلاءُ لأنه أشقُّ عندهم، وأنهم
غيرُ معتقدين لِمَا أمامهم من عذاب النار، أو معتقدون ولكن لا يُبالون به بالة، ولم
تجعل حاليةً لاحتياجها للتأويل لعدم المقارَنة.
(١) في تفسيره النكت والعيون ٥٠١/٥.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في البحر ٢٤٤/٨، والدر المصون ٢٧٩/١٠ أن الحسن وعليًّا
ابنا صالح قرأ: ((الجلا)) مقصوراً، وطلحة مهموزاً من غير ألف.
(٣) ينظر ٨١/٤.

الآية : ٤ - ٥
١٥
سُورَةُ العُشْرِ
﴿يَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ﴾
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما نزل بهم وما سينزل
وفعلوا ما فعلوا من القبائح ﴿وَمَن يُشَاقِّ اللَّهُ﴾ وقرأ طلحةُ: ((يشاقق))(١) بالفكِّ
كما في الأنفال(٢)، والاقتصارُ على ذِكْر مشاقّته عزَّ وجلَّ لتضمُّنها مشاقَّته عليه
الصلاة والسلام، وفيه من تهويل أمرها ما فيه، وليوافق قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾ وهذه الجملةُ إما نفسُ الجزاء، وقد حُذف منه العائد إلى ((مَنْ))
عند من يلتزمه، أي: شديد العقاب له، أو تعليلٌ للجزاء المحذوف، أي:
يعاقبه الله فإنَّ الله شديد العقاب، وأيَّما كان، فالشرطيةُ تكملةٌ لما قبلها، وتقريرٌ
لمضمونه، وتحقيقٌ للسببية بالطريق البرهانيّ، كأنه قيل: ذلك الذي نزلَ وسينزلُ
بهم من العقاب بسبب مشاقَّتهم لله تعالى ورسوله وَّةِ، وكلُّ من يُشاقُّ الله تعالى
كائناً من كان، فله بسبب ذلك عقابٌ شديدٌ، فإذاً لهم عقاب شديد.
وَمَا قَطَعْتُم مِّن ◌ِّنَةٍ﴾ هي النخلةُ مطلقاً على ما قال الحسن ومجاهد وابن زيد
وعمرو بن ميمون والراغب(٣)، وهي فِعْلَةٌ من اللّون، وياؤها مقلوبةٌ من واوٍ لكَسْر
ما قبلها، كَدِيمة، وتُجمَعُ على ألوانٍ، وقال ابن عباس وجماعة من أهل اللغة: هي
النخلةُ ما لم تكن عَجْوة. وقال أبو عبيدة وسفيان: ما تَمْرُها لُونٌ، وهو نوعٌ من
التمر، قال سفيان: شديدُ الصُّفرة يَشِفُّ عن نواه فيُرى من خارج، وقال أبو عبيدة
أيضاً: هي ألوانُ النخل المختلطة التي ليس فيها عَجوةٌ ولا بَرْنيٌّ(٤). وقال جعفر
الصادق رَُّه: هي العجوةُ. وقال الأصمعيُّ: هي الدَّقَل. وقيل: هي النخلةُ
القصيرةُ. وقال الثوريُّ: الكريمةُ من النخل، كأنهم اشتقُّوها من اللِّين فتجمع على
لِيْنِ، وجاء جمعها: لياناً كما في قول امرئ القيس:
وسالفة كسَحُوقِ اللِّيا
نِ أَضْرَمَ فيه الغَويُّ السُّعُرْ(٥)
(١) مجمع البيان للطبرسي ٢٢/٢٨، والبحر المحيط ٢٤٤/٨.
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الآية: ١٣].
(٣) في المفردات مادة (لين).
(٤) مجاز القرآن ٢٥٦/٢.
(٥) ديوان امرئ القيس ص١٦٥، وجمهرة اللغة ٢٩٢/٢ و٥٠٥/٣، والمحرر الوجيز ٢٨٥/٥،
والبحر ٢٤٠/٨، واللسان (لين) و(لون). والسالفة: العنق. والسحوق: النخلة الطويلة.
=

سُورَةُ الحُبْر
١٦
الآية : ٥
وقيل: هي أغصانُ الأشجار للينها. وهو قولٌ شاٌ.
وأَنشدوا على كونها بمعنى النخلة سواء كانت من اللّون أو من اللِّين قولَ ذي
الرُّمَّة :
كأنَّ قتُودي فوقَها مُشُّ طائرٍ على لِينةٍ سَوْقاءَ تهفو جُنوبها (١)
ويمكن أن يقال: أراد باللِّينة النخلة الكريمة؛ لأنه يَصِفُ الناقةَ بالعراقة في
الكرم، فينبغي أن يرمزَ في المشبّه به إلى ذلك المعنى.
و((ما)) شرطيةٌ منصوبةٌ بـ ((قطعتم))، و((من لينة)) بيانٌ لها، ولذا أنّثَ الضمير في
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكْتُهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ أي: أبقيتموها كما كانت ولم
تتعرَّضوا لها بشيءٍ ما، وجوابُ الشرط قوله سبحانه: ﴿فَإِذْنِ اَللَّهِ﴾ أي: فذلك - أي:
قَطْعُها أو تَرْكُها - بأمر الله تعالى الواصل إليكم بواسطة رسوله وَله، أو بإرادته
سبحانه ومشيئته عزَّ وجلَّ.
وقرأ عبد الله والأعمشُ وزيدُ بن عليٍّ: ((قُوَّماً)) - على وزنُ فُعَّل؛ كَضُرَّبٍ - جَمْعَ
قائم. وقرئ: ((قائماً)) اسم فاعل مذكَّر على لفظ ((ما))، وأبقي ((أصولها)) على
التأنيث. وقرئ: ((أُصُلها)) بضمَّتين(٢)، وأصله: أصولها، فحذفت الواو اكتفاءً
بالضمة، أو هو كـ : رُهُن بضمَّتين من غیر حَذْفٍ وتخفيف.
متعلَّقٌ بمقدَّرٍ على أنه عِلَّةٌ له، وذلك المقدَّر عطف
﴿وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ
على مقدَّرٍ آخر، أي: ليُعِزَّ المؤمنين وليخزيَ الفاسقين، أي: ليذلَّهم أذِنَ عزَّ وجلَّ
في القَطْع والتَّرْك، وجُوِّزَ فيه أن يكونَ معطوفاً على قوله تعالى: ((بإذن الله)) وتُعطَفُ
العِلَّةُ على السبب، فلا حاجةً إلى التقدير فيه.
وقوله: أضرم فيها الغوي السعر، أراد كما قال ابن دريد: حفيف عنق الفرس في جريها
=
كحفيف نار في نخلة. ورواية الديوان: اللُّبان بالباء، قال ابن دريد: لا تلتفتن إلى ذلك فإن
شجر اللُّبان لا يبلغ قامة الرجل، ولا يسمى سحوقاً إلا النخل.
(١) البيت في ديوانه ٦٩٩/٢. قال شارحه: القتود: عيدان الرحل. أراد: كأن قتودي على نخلة
سوقاء، أي أن الناقة طويلة يصغر الرحل عليها .
(٢) تنظر هذه القراءات في الكشاف ٨١/٤، والبحر المحيط ٢٤٤/٨.

١٧
الآية : ٥
والمراد بـ ((الفاسقين)) أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب، ووُضِعَ الظاهرُ
موضِعَ المضمر إشعاراً بعلَّةِ الحكم، واعتبارُ القَطْع والترك في المعلَّل هو الظاهر،
وإخزاؤهم بقَطْع اللِينة لحسرتهم على ذهابها بأيدي أعدائهم المسلمين، وبتَرْكها
لحسرتهم على بقائها في أيدي أولئك الأعداء. كذا في ((الانتصاف))(١).
قال بعضهم: وهاتان الحسرتان تتحقَّقان كيفما كانت المقطوعة والمتروكة؛ لأنَّ
النخلَ مطلقاً مما يعزُّ على أصحابه، فلا تكاد تسمحُ أنفسهم بتصرُّفِ أعدائهم فيه
حسبما شاؤوا، وعِزَّتُهُ على صاحبه الغارس له أعظمُ من عِزَّته على صاحبه غير
الغارس له، وقد سمعتُ بعضَ الغارسين يقول: السَّعْفَةُ عندي كأُصبعِ من أصابع
يدي. وتحقُّقُ الحسرةِ على الذهاب إن كانت المقطوعةُ النخلةَ الكريمة أظهر، وكذا
تحقُّقها على البقاء في أيدي أعدائهم المسلمين إن كانت هي المتروكةً.
والذي تدلُّ عليه بعضُ الآثار أنَّ بعض الصحابة كان يقطعُ الكريمةَ، وبعضَهم
يقطعُ غيرها، وأقرَّهما النبيُّ ◌َِّ لَمَّا أفصحَ الأولُ بأنَّ غَرَضَهُ إغاظةُ الكفار، والثاني
بأنه استبقاءُ الكريمة للمسلمين، وكان ذلك أول نزول المسلمين على أولئك الكَفَرة
ومحاصرتهم لهم، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام أَمَرَ في صَدْرِ الحرب بقَطْع
نخيلهم، فقالوا: يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد في الأرض، فما بالُ قَطْعِ
النخل وتحريقها؟! فنزلت الآية: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ﴾ إلخ(٢)، ولم يتعرَّضْ فيها
للتحريق؛ لأنه في معنى القطع، فاكتفى به عنه، وأما التعرُّضُ للترك مع أنه ليس
بفسادٍ عندهم أيضاً، فلتقرير عدم كون القَطْعِ فساداً لنَظْمه في سلك ما ليس بفسادٍ
إيذاناً بتساويهما في ذلك.
واستدلَّ بالآية على جواز هَدْمِ ديار الكَفَرة، وقَطْع أشجارهم، وإحراقٍ زروعهم
زيادةً لغيظهم، وحاصلُ ما ذكره الفقهاءُ في المسألة أنه إن عُلِمَ بقاءُ ذلك في أيدي
الكَفَرة، فالتخريبُ والتحريقُ أولى، وإلا فالإبقاء أولى ما لم يتضمَّنْ ذلك مصلحة.
(١) ٤ / ٨١.
(٢) أخرج البخاري (٤٨٨٤)، ومسلم (١٧٤٦) من حديث ابن عمر ﴿يا أن النبي وَّ حرَّق
نخل بني النضير وقطع، وَهيَ البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ﴾ الآية.

سُورَةُ الحَمْرِ
١٨
الآية : ٦
وقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَفَّةَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ شروعٌ في بيان حال ما أُخذ من
أموالهم، بعد بيان ما حلَّ بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل، وما فُعل بديارهم
ونخيلهم من التخريب والقطع، أي: وما أعاده الله تعالى إلى رسوله وَ له من أولئك
الكفرة، وهم بنو النضير، و(ما)) موصولةٌ مبتدأ، والجملةُ بعدها صلة، والعائدُ
محذوفٌ كما أشرنا إليه، والجملةُ المقترنةُ بالفاء بعدُ خبر. ويجوز كونها شرطية
والجملةُ بعدُ جواب. والمراد بما أفاء سبحانه عليه وَّر منهم، أموالُهم التي بقيتْ
بعد جلائهم، والمراد بإعادتها عليه - عليه الصلاة والسلام - تحويلُها إليه، وهو إن
لم يقتضِ سَبْقَ حصولها له بَّهِ نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِتَأْ﴾
[الأعراف: ٨٨] ظاهرٌ، وإن اقتضى سَبْقَ الحصول كان فيما ذُكر مجازاً، وفيه إشعارٌ
بأنها كانت حَرِيَّة بأن تكونَ له وََّ، وإنما وقعتْ في أيديهم بغير حَقِّ، فأرجعها الله
تعالى إلى مستحقّها، وكذا شأنُ جميع أموال الكَفَرة التي تكونُ فيئاً للمؤمنين؛
لأنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق من الأموال ليتوسَّلوا به إلى
طاعته، فهو جديرٌ بأن يكونَ للمطيعين، ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحقُ فيها مشقة:
فيٌ، مع أنه من فاءَ الظُّلُّ إذا رجع، ونقل الراغبُ عن بعضهم أنه سُمِّيَ بذلك
تشبيهاً بالفيء الذي هو الظُّلُّ، تنبيهاً على أنَّ أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى
ظِلِّ زائل(١).
و((أفاء)) على ما في ((البحر)) بمعنى المضارع، أما إذا كانت ((ما)) شرطية فظاهر،
وأما إذا كانت موصولة، فلأنها إذا كانت الفاءُ في خبرها تكونُ مشبَّهةً باسم
الشرط، فإن كانت الآيةُ نازلةً قبل جلائهم كانت مخبرةً بغيب، وإن كانت نزلت بعد
جلائهم وحصول أموالهم في يدِ الرسول وَل﴿ كانت بياناً لما يستقبل، وحكم
الماضي [المتقدم] حكمه (٢). والذي يدلُّ عليه الأخبار أنها نزلتْ بعدُ، روي أنَّ بني
النضير لما أُجْلُوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم، طلبَ المسلمون تخميسها
كغنائم بدر، فنزل: ﴿وَمَّ أَفَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلخ، فكانت
(١) مفردات ألفاظ القرآن (فيأ).
(٢) البحر المحيط ٢٤٤/٨-٢٤٥، وما بين حاصرتين استدرك منه.

الآية : ٦
١٩
سُورَةُ الخَيْرِ
لرسول الله وَل﴿ خاصة، فقد أخرج البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ(١)
وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضيُه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى
على رسوله وَّر، مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت
الرسول الله ◌َ﴿ خاصة، فكان ينفقُ على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعلُ ما بقي في
السلاح والكُراع (٢) مُدَّةً في سبيل الله تعالى.
وقال الضحاك: كانت له وَل# خاصة، فآثر بها المهاجرين، وقَسَمها علیھم،
ولم يُعطِ الأنصارَ منها شيئاً إلا أبا دجانة سِماك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف،
والحارث بن الصِّمَّة، أعطاهم لفقرهم. وذكر نحوه ابن هشام(٣)، إلا أنه ذكر
الأوَّلَين ولم يذكر الحارث، وكذا لم يذكره ابن سَيِّد الناس(٤)، وذكر أنه أعطى
سعد بن معاذ سیفاً لابن أبي الحقیق، کان له ذِكْرٌ عندهم.
ومعنى: ﴿فَمَّآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾: ما أَجريتم على تحصيله، من الوَجيف: وهو
سرعةُ السير، وأنشد عليه أبو حيان قولَ نصيب(٥):
إليك ولولا أنت لم تُوجفِ الرَّكْبُ
ألا رُبَّ رَكْبٍ قد قَطَعتُ وجِيفَهم
وقال ابن هشام: أوجفتم: حرَّكتم وأتعبتم في السير، وأنشد قولَ تميم بن
مقبل :
مَذَاويدَ بالبِيض الحديثِ صِقالُها عن الركب أحياناً إذا الركبُ أَوجفوا(٦)
والمآل واحد. و((من)) في قوله تعالى: ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ زائدةٌ في المفعول للتنصيص
على الاستغراق، كأنه قيل: فما أوجفتم عليه فرداً من أفراد الخيل أصلاً ـ
(١) صحيح البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٥)، والترمذي (١٧١٩)،
والنسائي في المجتبى ١٣٢/٧، وهو عند أحمد (١٧١).
(٢) الكُراع: اسم لجميع الخيل. النهاية (كرع).
(٣) في السيرة النبوية ١٩٢/٢ .
(٤) ينظر عيون الأثر ٢/ ٥١.
(٥) ذكره الماوردي في تفسيره ٥/ ٥٠٣ بدون نسبة.
(٦) السيرة النبوية ١٩٣/٢ -١٩٤، والبيت في ديوان تميم بن أبيّ بن مقبل ص٣٧٢. والذَّود:
السَّوق والطرد والدفع. والبيض: جمع أبيض وهو السيف. المعجم الوسيط (ذود) و(بيض).

سُورَةُ الحُفِّ
٢٠
الآية : ٧
رِكَابٍ﴾ ولا ما يُركَبُ من الإبل، غُلِّبَ فيه كما غُلِّبَ الراكبُ على راكبه، فلا يقال
في الأكثر الفصيح: راكبٌ، لِمن كان على فرسٍ أو حمارٍ ونحوه، بل يقال:
فارس، ونحوه، وإن كان ذلك عامًّا لغيره وَضْعاً.
وإنما لم يعملوا الخيل ولا الركاب، بل مشوا إلى حصون بني النضير
رِجَالاً - إلا رسول الله وَّ﴿ فإنه كان على حمارٍ أو على جمل كما تقدم - لأنها
قريبةٌ على نحو ميلين من المدينة، فهي قريبةٌ جدًّا منها، وكأن المراد: إنَّ ما حَصَلَ
لم يحصل بمشقَّةٍ عليكم وقتالٍ يُعتدُّ به منكم، ولهذا لم يُعطِ وَِّ الأنصارَ إلا مَنْ
سمعتَ، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعلَّه لكونهم غرباء، فنزُّلتْ غربتُهم منزلةَ السفر
والجهاد، ولما أُشير إلى نفي كون حصول ذلك بعملهم أُشيرَ إلى عِلَّةٍ حصوله
بقوله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ، عَلَى مَن يَنَهُ﴾ أي: ولكنَّ سُنَّتْهُ عزَّ وجلَّ
جاريةٌ على أن يُسلِّطَ رسله على من يشاء من أعدائهم تسليطاً خاصًّا، وقد سلّط
رسولَهُ محمداً وَل﴿ على هؤلاء تسليطاً غير معتادٍ من غير أن تقتحموا مضايق
الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب، فلا حقَّ لكم في أموالهم، ويكون أَمرُها
مفوَّضاً إليه وَله.
﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَمْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ فيفعلُ ما يشاء كما يشاء، تارةً على الوجوه
المعهودة، وأخرى على غيرها .
وقيل: الآيةُ في فَدَكَ؛ لأنَّ بني النضير حُوصِروا وقوتلوا دون أهل فَدَكٍ، وهو
خلافُ ما صحَّتْ به الأخبار، والواقعُ من القتال شيءٌ لا يُعتدُّ به.
﴿ََّ أَقَّءَ اَللَّهُ عَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ◌َلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَشَى وَالْمَسَلِكِينِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ﴾ بيانٌ لحكم ما أفاءه الله تعالى على رسوله بَّه من قُرى الكفار على
العموم، بعد بيان حُكم ما أفاءه من بني النضير كما رواه القاضي أبو يوسف في
كتاب ((الخراج))(١) عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عمر بن الخطاب نظر اته.
ويُشعر به كلامه رعُْ في حديثٍ طويلٍ فيه مرافعةُ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والعباس
٠
(١) ص٢٦-٢٧.