النص المفهرس
صفحات 501-520
الآية : ٥ ٥٠١ سُورَةُ المُجَادلةِ قال: وليتني رأيتُ هذه الرسالةَ ووقفتُ على ما فيها، فإنَّ إطلاقَ القول بالكُفْرِ مشكلٌ = عندي . نعم لا شكَّ في كُفْر من يستحسنُ القانونَ ويُفضِّله على الشرع ويقول: هو أوفقُ بالحكمة وأصلحُ للأمة، ويتميّزُ غيظاً ويتقصَّفُ غَضَباً إذا قيل له في أمرٍ: أَمْرُ الشرع فيهِ كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض مَنْ خَذَلهم الله فأصَمَّهم وأعمى أبصارهم، وهذا القانونُ الذي ذكروه قد نقصتْ منه اليوم أمور، وزِيدتْ فيه أمور، وسُمِّي بالأصول، وأُلٌّفتْ فيها رسائلُ وطُبعتْ ونُشرتْ وفُرِّقتْ، وأُلزمَ العملَ بما حَوَتها كلُّ أَميرٍ ومأمورٍ، وعُقِدَتْ مجالسُ الشورى عليها، ورجع في إحكام الأحكام إليها، ومَنْ خالفها نُكِلَ تنكيلاً، وربما حُبس حبساً طويلاً، وكم قد قال لي بعضُ الولاة: إياك أن تقولَ في مجلسنا: المسألةُ شرعاً كذا، وقد أصابني منه - عامله الله بعدله - لعدولي عن قوله مزيدُ الأذى، واتفق أن قال لي بعضُ خاصَّته يوماً: أرى ثلثَي الشرع شرًّا، فقلت له - وإن كنتُ عالماً أنَّ في أذنيه وَقْراً -: نعم ظهر الشرُّ لَمَّا أذهبتم من الشرع العين، ولم تأخذوا من اسمه سوى حرفين؛ فتأمَّلَ العبارةَ، وتغيَّرَ وجهه لَمَّا فَهِمَ الإشارة. والذي ينبغي أن يقال في ذلك: إنَّ ما يرجعُ من تلك الأصول إلى ما يتعلَّقُ بسَوق الجيوش وتعبئتهم وتعليمهم ما يلزمُ في الحرب مما يغلب على الّنِّ الغلبةُ به على الكَفَرة، وما يتعلَّقُ بأحكام المدن والقلاع ونحو ذلك، لا بأسَ في أكثره على ما نعلم، وكذا ما يتعلَّقُ بجزاء ذوي الجنايات التي لم يرد فيها عن الشارع حَدٌّ مخصوصٌ، بل فُوَّضَ التأديبُ عليها إلى رأي الإمام كأنواع التعاذير، وللإمام أن يستوفيَ ذلك وإن عفا المجنيُّ عليه؛ لأنَّ الساقط به حقُّ الآدمي، والذي يستوفيه الإمامُ حقُّ الله تعالى للمصلحة كما نصَّ على ذلك العلامةُ ابنُ حجر في ((شرح المنهاج)) [٩/ ١٨٠- ١٨١] والقواعد لا تأباه، نعم ينبغي أن يجتنبَ في ذلك الإفراط والتفريط، وقد شاهدنا في العراق مما يسمونه: جزاءً، ما القتلُ أهونُ منه بكثير. ومثل ذلك ظلمٌ عظيمٌ وتعدٍّ كبير. وأما ما يتعلَّقُ بالحدود الإلهية كقطع السارق؛ ورجم الزاني المحصَنِ، وما فُصِّلَ في حَقِّ قُطَاع الطريق من قَطْع الأيدي والأرجل من خلافٍ، وغيره مما فُصِّلَ في آيتهم، إلى غير ذلك، فظاهرُ أمره دخولُهُ في حُكْمِ الآية هنا على ما ذكره البيضاويُّ. وأما ما يتعلَّقُ بالمعاملات والعقود، فإن كان موافقاً لما وَرَدَ عن الشارع فيها من الصحة وعدمها، سمَّيناه: شرعاً، ولا نسمِّيه: قانوناً، وأصولاً، وإن لم يكنْ موافقاً لذلك كالحُكُم في إعطاء الربا مثلاً المسمَّى عندهم - بالكرشته - لزعم أنه تتعظَّلُ مصالحُ الناس لو لم يُحكَمْ بذلك، فهو حُكْمٌ بغير ما أنزل الله عزَّ وجلَّ. وأما ما يتعلَّقُ بحقِّ بيت المال في الأراضي، فما كان موافقاً لعمل النبيِّ نَّ وخلفائه الراشدين فذاك، وما كان مخالفاً لعمل الخلفاء الصادر منهم باجتهادٍ، فإن كانتْ مخالفته إلى = سُورَةُ الجَادلة ٥٠٢ الآية : ٥ = ما هو أسهلُ وأنفعُ للناس، فنظراً إلى زمانهم، فهو مما لا بأس فيه، وإن كانتْ مخالفته إلى ما هو أشقُّ، ففيه بأس. ولا يجري هذا التفصيلُ فيما وَصَفه رسول الله عليه الصلاة والسلام كالعُشْر في بعض الأراضي التي فُتحت في زمنه الشريف وََّ، فإنه لا تجوزُ المخالفةُ فيه أصلاً على ما ذكره أبو يوسف في كتاب «الخراج)). وما ليس فيه موافقةٌ ولا مخالفةٌ بحسب الظاهر، بأن لم يكنْ منصوصاً عليه، فإن كان يندرج في العمومات المنصوص عليها في أمر الأراضي فذاك، وإلا فقَبوله ورَدُّهُ باعتبار المدخول في العمومات الواردة في الحظر والإباحة، فإن دخل في عمومات الإباحة قُبِلَ، وإن في عمومات الحظر رُدَّ. وأَمْرُ تكفير العامل بالأصول المذكورة خَطَرٌ، فلا ينبغي إطلاقُ القول فيه، نعم لا ينبغي التوقُّفُ في تكفير مَنْ يستَحسنُ ما هو بيِّن المخالفة للشرع منها، ويُقدِّمهُ على الأحكام الشرعية متنقِّصاً لها به، ولقد سمعتُ بعضَ خاصَّةٍ أتباع بعض الولاة يقول: وإنَّ تلك الأحكام أصولٌ وقوانين سياسيةٌ كانت حَسَنةً في الأزمنة المتقدِّمة لَمَّا كان أكثرُ الناس بُلْهاً، وأما اليوم فلا يستقيمُ أَمْرُ السياسة بها، والأصولُ الجديدة أحسنُ وأوفقُ للعقل منها، ويقول كلَّما ذكرها: الأصول المستحسنة، وكان يُرشِّحُ كلامه بنفي رسالة النبيِّ ◌َّ، وكذا رسالة الأنبياء عليهم السلام قبله، ويزعمُ أنهم كانوا حكماءَ في أوقاتهم، توصَّلوا إلى أغراضهم بوَضْعِ ما ادَّعوا فيه أنه وحيٌّ من الله تعالى، فهذا وأمثاله مما لا شكَّ في كُفْره. وفي كُفْر مَنْ يُدْعَى للمرافعة عند القاضي فيأبى إلا المرافعة بمقتضى تلك الأصول عند أهل تلك الأصول راضياً بما يقضون به عليه = تردُّدٌ، وإنما لم يُجْزَمْ بكفره مع قوله تعالى: ﴿فَلَاَ وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىَ أَنفُسِهِمْ حَرَّبًا مِّنَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] لأنَّ حُكْمَ أكثر القضاة مخالفٌ لحكم الله تعالى ورسوله ◌َّ في أكثر المسائل، والبليَّةُ العظمى أنهم يُسمُّون ذلك شرعاً، ومع ذلك يأخذون عليه ما يأخذون من المال ◌ُلْماً، فلِمَنْ لم يرضَ بالمرافعة عند هؤلاء القضاة العجزة، ويرضى بالمرافعة عند أهل الأصول عُذْرٌ لذلك. ولقد سمعتُ من كثيرٍ أنَّ أحدَ أسباب وَضْعِ الأصول الجديدة هؤلاء القضاةُ الظلمةُ، حيث اتّبعوا الهوى، وحكموا بغير ما أنزل المولى جلَّ وعلا، ولم يمكن خلاصُ الشريعة من أيديهم وتطهيرُ المحاكم من أرجاسهم لملاحظاتٍ مقبولةٍ أو غير مقبولة، فوضعوا ما يهونُ به في زَعْمِ الواضع شَرُّهم، ويَهِن به أمرهم، ثم إنَّ باطلَ أولئك القضاة لا قاعدةَ له، فيتلوَّنُ تلوُّنَ الَحرباء؛ لأنه تابعٌ لهوى الأنفس وتفاوت الرِّشا أمور أخرى، وباطل غيرهم له قاعدة ما في الأغلب. وقصارى الكلام أنَّ ما خالف الشرعَ مردودٌ كائناً ما كان، ولا فَرْقَ في ذلك بين ما عليه أكثرُ القضاة اليوم بين الأصول المخالفة: فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها وإلى الله تعالى المشتكى، وهو عزَّ وجلَّ حسبنا وكفى. انتهى كلامه. الآية : ٥ ٥٠٣ سُورَةُ الجَادلة إذا وقعتْ باتفاق ذوي الآراء من أهل الحلِّ والعقد على وجهٍ يَحسنُ به الانتظام، ويصلح أمر الخاصِّ والعام، ومنها تعيينُ مراتب التأديب والزجر على معاصٍ وجناياتٍ لم يَنْصَّ الشارعُ فيها على حَدٍّ معيَّنٍ، بل فوَّضَ الأمرَ في ذلك لرأي الإمام، فليس ذلك من المحادَّة لله تعالى ورسوله وجَّه في شيءٍ، بل فيه استيفاءُ(١) حَقِّه تعالى على أتمٍّ وجهٍ، لما فيه من الزجر عن المعاصي، وهو أمرٌ مهمٌّ للشارع عليه الصلاة والسلام، ويُرشد إليه ما في ((تحفة المحتاج))(٢) أنَّ للإمام أن يستوفي التعزيرَ إذا عفا صاحبُ الحقِّ؛ لأنَّ الساقطَ بالعفوِ هو حقُّ الآدمي، والذي يستوفيه الإمامُ هو حَقُّ الله تعالى للمصلحة. وفي كتاب ((الخراج))(٣) للإمام أبي يوسف عليه الرحمة إشارةٌ إلى ذلك أيضاً، ولا يُعكِّر على ذلك ونحوِه قولُه تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] لأنَّ المراد إكماله من حيث تضمُّنه ما يدلُّ على حكمه تعالى خصوصاً أو عموماً، ويُرشدُ إلى هذا عدمُ النكير على أحدٍ من المجتهدين إذا قال بشيءٍ لم يكنْ منصوصاً عليه بخصوصه، ومن ذلك ما ثبتَ بالقياس بأقسامه، نعم القانون الذي يكونُ وراء ذلك بأن كان مصادماً لِمَا نطقتْ به الشريعةُ الغرَّاء زائغاً عن سَنَن المحجَّة البيضاء فيه ما فيه كما لا يخفى على العارف النبيه. وقد يقال في الآية على المعنى الذي ذكره البيضاويُّ: إنَّ المرادَ بالموصول الواضعونَ لحدود الكفر وقوانينه، كأئمة الكفر، أو المختارونَ لها العاملون بها كأتباعهم، ثم إنَّ الآية - على ما في ((البحر)) (٤) - نزلتْ في كفار قريش. ﴿كُواْ﴾ أي: أُخْزَوا كما قال قتادة، أو: غِيُوا كما قال الفراء(٥)، أو: رُدُّوا مخذولين كما قال ابن زيد، أو: أُهلكوا كما قال أبو عبيدة (٦) والأخفش. وعن أبي عبيدة أنَّ تاءه بدلٌ من الدال، والأصلُ: كُبدوا، أي: أصابهم داءٌ في (١) في الأصل: استبقاء. (٢) ٩ / ١٨٠ -١٨١. (٣) ص١٥٢ . (٤) ٨/ ٢٣٤. (٥) في معاني القرآن له ١٣٩/٣. (٦) في مجاز القرآن ٢٥٤/٢. سُورَةُ المُجَادلةِ ٥٠٤ الآية : ٦ أكبادهم. وقال السدي: لُعنوا، وقيل: الكَبْتُ: الكَبُّ، وهو الإلقاء على الوجه، وفسَّرِه الراغبُ هنا بالرَّدِّ بعنفٍ وتذليلٍ(١). وذلك إشارة عند الأكثرین إلى ما كان يوم الخندق، وقيل: إلى ما كان يوم بدر. وقيل: معنى ((كبتوا)): سيُكْبَتون، على طريقة قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وهو بشارةٌ للمؤمنين بالنصر على الكفار وتحقُّق كَبْتهم. ﴿كَمَا كُنْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية المحادِّين لله عزَّ وجلَّ ورسله عليهم الصلاة والسلام. ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَتْ﴾ حالٌ من واو (كُبتوا))، أي: كُبتوا لمحاذَّتهم، والحالُ أنَّا قد أنزلنا آياتٍ واضحاتٍ فيمن حادَّ الله تعالى ورسوله من قبلهم من الأمم، وفيما فعلنا بهم. وقيل: آياتٍ تدلُّ على صدق الرسول وصحّة ما جاء به. ﴿وَلِلْكَفِرِينَ﴾ أي: بتلك الآيات، أو بكلِّ ما يجبُ الإيمان به، فتدخلُ فيه تلك الآياتُ دخولاً أوَّلِيًّا . ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يذهبُ بعِزِّهم وكِبْرهم. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ منصوبٌ بما تَعلَّق به اللامُ من الاستقرار، أو بـ ((مهين))، أو بإضمار ((اذكر))، أي: اذكر ذلك اليومَ تعظيماً له وتهويلاً . وقيل: منصوبٌ بـ ((يكون)) مضمراً على أنه جوابٌ لمن سأل: متى يكونُ عذابٌ هؤلاء؟ فقيل له: يوم يبعثهم، أي: يكون يوم .. إلخ، وقيل: بالكافرين. وليس بشيءٍ. وقوله تعالى: ﴿َمِيعًا﴾ حالٌ جيءَ به للتأكيد، والمعنى: يبعثهم الله تعالى كلّهم بحيثُ لا يبقى منهم أحدٌ غيرُ مبعوث، ويجوز أن يكونَ حالاً غير مؤكِّدة، أي: يبعثهم مجتمعين في صعيدٍ واحدٍ. ﴿فَيْنَبِثُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ﴾ من القبائح ببيان صدورها عنهم، أو بتصويرها في تلك ج (١) مفردات الراغب (كبت). الآية : ٧ ٥٠٥ سُورَةُ الجَادِلَةِ النشأة بما يليقُ بها من الصور الهائلة على رؤوس الأشهاد، تخجيلاً لهم وتشهيراً بحالهم وزيادةً في خزيهم ونكالهم. وقوله تعالى: ﴿أَخْصَنْهُ اللَّهُ﴾ استئنافٌ وَقَعَ جواباً عمَّا نشأ مما قبله من السؤال؛ إما عن كيفية التنبئة، أو عن سببها، كأنه قيل: كيف يُنبِّئهم بأعمالهم وهي أعراضٌ متقضِّيةٌ متلاشيةٌ؟ فقيل: أحصاه الله تعالى عدداً، ولم يَفْتُهُ سبحانه منه شيء. وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوءُ﴾ حينئذٍ حالٌ من مفعول ((أحصى)) بإضمار ((قد)» أو بدونه. أو قيل: لِمَ ينبِّئهم بذلك؟ فقيل: أحصاه الله تعالى ونسوه، فينبِّتهم به ليعرفوا أنَّ ما عاينوه من العذاب إنما حاقَ بهم لأجله، وفيه مزيدُ توبيخٍ وتنديم لهم غير التخجيل والتشهير. ﴿وَلَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يغيبُ عنه أمرٌ من الأمور أصلاً، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّر الإحصائه تعالى أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اَلْأَرْضِ﴾ استشهادٌ على شمول شهادته تعالى، أي: ألم تعلمْ أنه عزَّ وجلَّ يعلمُ ما فيهما من الموجودات، سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما . وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّْوَى ثَلَثَةٍ﴾ إلخ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله من سَعَةٍ علمه تعالى، و(يكون)) من ((كان)) التامة، و((من)) مزيدةٌ، و((نجوى)) فاعلٌ، وهي مصدرٌ بمعنى التناجي، وهو المُسَارَّة، مأخوذةٌ من النَّجوة، وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأنَّ المتسارَّين يخلوان وحدهما بنجوةٍ من الأرض، أو لأنَّ السِّرَّ يُصانُ، فكأنه رُفع من حضيض الظهور إلى أوج الخفاء. وقيل: أصلُ ناجيته من النجاة، وهو أن تُعاونه على ما فيه خلاصُهُ، أو أن تنجوَ بسِرِّكَ من أن يطَّلع عليه. وهي مضافةٌ إلى ((ثلاثة))، أي: ما يقعُ من تناجي ثلاثةِ نفرٍ، وقد يُقدَّرُ مضافٌ، أي: من ذوي نجوى، أو يُؤْوَّلُ نجوى بمتناجين، فـ ((ثلاثة)) صفةٌ للمضاف المقدَّر، أو لـ ((نجوى)) المؤوَّل بما ذُكر، وجُوِّزَ أن يكون بدلاً أيضاً، والتأويل والتقدير المذكوران ليتأتَّى الاستثناءُ الآتي من غير تكلُّفٍ. سُورَةُ الجَّادلةِ ٥٠٦ الآية : ٧ وفي ((القاموس)): النجوى: السِّرُّ، والمُسَارُّون، اسمٌ ومصدرٌ(١). وظاهره أنَّ استعماله في كلِّ حقيقةٌ، فإذا أُريد المسارُّون لم يحتجْ إلى تقديرٍ أو تأويلٍ، لكن قال الراغب: إنَّ النجوى أصله المصدر كما في الآيات بعد، وقد يُوصَفُ به فيقال: هو نجوى، وهم نجوى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ تَجْوَ﴾(٢) [الإسراء: ٤٧] وعليه يحتملُ أن یکون من باب: زيدٌ عَدْلٌ. وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبة: ((ما تكون))(٣) بالتاء الفوقية لتأنيث الفاعل. والقراءةُ بالياء التحتية، قال الزمخشريُّ: على أنَّ النجوى تأنيثها غيرُ حقيقيٍّ، و(من)) فاصلةٌ، أو على أنَّ المعنى: ما يكونُ شيءٌ من النجوى(٤). واختار في ((الكشف)) الثاني، فقال: هو الوجه؛ لأنَّ المؤنَّكَ وحدهُ لم يُجْعَلْ فاعلاً لفظاً؛ لوجود ((من))، ولا معنّى؛ لأنَّ المعنى: شيءٌ منها، فالتذكيرُ هو الوجهُ لفظاً ومعنّى، وهو قراءةُ العامة. انتهى. وإلى نحوه يشير كلامُ صاحب ((اللوامح)) وصرَّحَ بأنَّ الأكثرَ في هذا الباب التذکیر، وتعقّبه أبو حيان بالمنع، وأنَّ الأكثرَ التأنيثُ، وأنه القياس؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْثِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤]، ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ [الحجر: ٥](٥)، فتأمل. وقوله سبحانه: ﴿إِلَّ هُوَ رَايِعُهُمْ﴾ استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، والرابعُ - لإضافته إلى غير مماثله هنا - بمعنى الجاعل المصيِّرِ لهم أربعةً، أي: ما يكونون في حالٍ من الأحوالِ إلا في حال تصيير الله تعالى لهم أربعة، حيث إنه عزَّ وجلَّ يطَّلعُ أيضاً على نجواهم، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾ أي: ولا نجوى خمسة ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ﴾ أي: ولا نجوى أدنى ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أي: مما ذُكر كالاثنين والأربعة ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ كالسِّنَّة وما فوقها ﴿إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعلم ما يجري بينهم ﴿أَيْنَ مَا (١) القاموس (نجو). (٢) مفردات الراغب (نجو). (٣) النشر ٣٨٥/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٢٣٤/٨. (٤) الكشاف ٤/ ٧٣. (٥) البحر المحيط ٢٣٥/٨. الآية : ٧ ٥٠٧ سُورَةُ المَجَادلةِ كَانُواْ﴾ من الأماكن، ولو كانوا في بطن الأرض، فإنَّ عِلْمهُ تعالى بالأشياء ليس لقربٍ مكانيٍّ حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قُرْباً وبُعْداً. وفي الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة وجهان: أحدهما: أنَّ قوماً من المنافقين تخلَّفوا للتناجي مغايظةً للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثةٌ ولا خمسةٌ كما ترونهم يتناجون كذلك، ولا أدنى من عددهم، ولا أكثر إلا والله تعالى معهم يعلم ما يقولون، فالآيةُ تعريضٌ بالواقع على هذا، وقد روي عن ابن عباس أنها نزلتْ في ربيعة وحبيب ابني عمرو، وصفوان بن أمية، كانوا يوماً يتحدّثون فقال أحدهم: أترى أنَّ الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، وقال الثالث: إنْ كان يعلمُ بعضاً فهو يعلمه كلَّه. أي: لأنَّ مَنْ عَلِمَ بعضَ الأشياء بغير سببٍ فقد علمها كلَّها؛ لأنَّ كونه عالماً بغير سببٍ ثابتٌ له مع كلِّ معلوم. والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادةُ من أعداد أهل النجوى، والجالسين في خَلوةٍ للشورى، والمنتدبون لذلك إنما هم طائفةٌ مجتباةٌ من أُولي الأحلام والُّهى، وأولُ عددهم الاثنان فصاعداً، إلى خمسةٍ إلى ستةٍ إلى ما اقتضته الحال، وحَكّمَ به الاستصواب، فذكر عزَّ وجل الثلاثةَ والخمسةَ، وقال سبحانه: (وَلَّ أَدْفَ مِن ذَلِكَ) فدلَّ على الاثنين والأربعة، وقال تعالى: (وَلَّ أَكْثَرَ) فدلَّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه، كذا في ((الكشاف))(١). وفي ((الكشف)) في خلاصة الوجه الثاني أنه خصَّ العددان على المعتاد من عدد أهل النجوى، فإنهم قليلو العدد غالباً، فلَزِمَ أن يخصَّ بالذكر نحو الثلاثة والأربعة إلى الثمانية والتسعة، فأُوثر الثلاثةُ ليكون قوله تعالى: (وَلَآ أَدْفَ مِن ذَلِكَ) دالًّا على ما تحتها؛ إذ لو أُوثر الأربعةُ والستةُ مثلاً، كان الأدنى الثلاثة دون الاثنين، إلا على التوسع، ولَمًّا أُوثرت جِيءَ بالخمسة لتناسِبَ الوِتْرَين، وكان الأمرُ دائراً بين الثلاثة والخمسة، (١) ٤/ ٧٣-٧٤. سُورَةُ الجَادلةِ ٥٠٨ الآية : ٧ والأربعة والستة، فأوثرا بالتصريح لذلك، ولأنه تعالى وترٌ يُحبُّ الوتر(١). انتهى. وقد يقال: إنَّ التناجي يكونُ في الغالب للشورى، وهي لا تكونُ إلا بين عددٍ، وأهلُها قليلو العدد غالباً، والأليقُ أن يكونوا(٢) وتراً من الأعداد كالثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة، ليتحقَّقَ عند الاختلاف طرفٌ يترجَّحُ بالزيادة على الطرف الآخر، فيرجعُ إليه دونه، كما هو العادةُ اليومَ عند اختلاف أهل الشورى. وجَعْلُ عمر ◌َّهِ الشورى في ستةٍ لانحصار الأمر فيهم، كما يدلُّ عليه قوله لهم: نظرتُ فوجدتكم رؤساءَ الناس وقادتهم، ولا يكونُ هذا الأمر إلا فيكم، وقد قُبض رسول الله وَّه وهو عنكم راضٍ. ومع هذا أمرَ ابنه عبد الله تَُّّه أن يحضرَ معهم وإن لم يكن له من أمرٍ الخلافة شيءٌ (٣). فدارَ الأمر بعد اعتبار ما ذُكِرَ من وترية العدد وقِلَّته بين الثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة، فاختيرتِ الثلاثة؛ لأنها أولُ الأوتار العددية، وإذا ضُربتْ في نفسها حَصَلَ منتهاها من الآحاد، ولا يخلو منها اعتبارُ كلِّ ممكنٍ، حتى إنَّ المطالبَ الفكريةَ للمتناجين مثلاً لا تتمُّ بدون ثلاثة أشياء: الموضوع والمحمول والحدُّ الأوسط، بل القضيةُ التي يُتناجى لها لا بدَّ فيها من ثلاثة أجزاء. والخمسةُ؛ لأنها عددٌ دائرٌ لا تنعدمُ بالضرب في نفسها، وكذا بضَرْبِ الحاصل في نفسه إلى ما لا يتناهى، فلها شَبَةٌ بالثلاثة من حيث إنها دائرةٌ مع مراتب الضرب لا تنعدمُ أصلاً، كما أنَّ الثلاثةَ دائرةٌ مع اعتبارات الممكن لا تنعدمُ أصلاً، ومع ذلك هي عددُ المشاعر التي يُحتاجُ إليها في التناجي، وكذا عددُ الحواسِّ الظاهرة، ويدخلُ ما عداهما في عموم قوله تعالى: (وَلََّ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) ولا يدخلُ في العموم الواحد؛ لأنَّ التناجي للمشاورة لا بدَّ فيه من اثنين فأكثر، ومَنْ أَدخله لم يعتبرِ التناجي لها، (١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧)، وأحمد (٨١٤٦) عن أبي هريرة ◌ُه عن النبي وَّ قال: «لله تسعة وتسعون اسماً، من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر، یحب الوتر)). (٢) في (م): يكون. (٣) ينظر تاريخ الطبري ٤/ ١٩٢. الآية : ٧ ٥٠٩ سُورَةُ المُجَادلةِ ولا يضرُّ دخولُ الأشفاع فيه؛ لأنَّ أَلْيقية كون المتناجين وتراً إنما كانت نكتة للتصريح بالعددين السابقين، ولا تأبى تحقَّقَ النجوى في الأشفاع كما لا يخفى. وادَّعى ابن سراقة أنَّ النجوى مختصَّةٌ بما كان بين أكثر من اثنين، وأنَّ ما يكونُ بين اثنين يُسمَّى سِراراً. وقال ابن عيسى: كلُّ سِرارٍ نجوى. وفي الآية لطائفُ وأسرارٌ لا يعقلها إلا العالمون، فليتأمل. وقرأ ابنُ أبي عبلة: ((ثلاثةً)) و((خمسةً)) بالنَّصب على الحال(١) بإضمار: يتناجون، يدلُّ عليه نجوى، أو على تأويل نجوى بمتناجين، ونصبُهما من المستكنِّ فيه. وفي مصحف عبد الله: ((إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم ولا خمسة إلا الله سادسهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا))(٢). وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب: ((ولا أكثرُ)) بالرفع (٣)، قال الزمخشري: على أنه معطوفٌ على محلِّ ((لا أدنى)) كقولك: لا حولَ ولا قوَّةٌ إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة، ويجوزُ أن يعتبر (أدنى)) مرفوعاً على هذه القراءةِ، وَرَفْعُهما على الابتداء، والجملةُ التي بعد (إلا)) هي الخبر، أو على العَظْفِ على محلِّ ((من نجوى)) كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثرُ إلا هو معهم. و((أكثر)) على قراءة الجمهور يحتملُ أن يكونَ مجروراً بالفتح معطوفاً على لفظ ((نجوى)) كأنه قيل: ما يكونُ من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وأن يكون مفتوحاً؛ لأنَّ ((لا)) لنفي الجنس(٤). وقرأ كلٌّ من الحسن ويعقوب أيضاً، ومجاهدٌ والخليل بن أحمد: ((ولا أكبرُ)) بالباء الموحدة والرفع(٥)، وهو على ما سمعت. يُنْتِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ﴾ تفضيحاً لهم وإظهاراً لما يُوجب عذابهم. (١) الكشاف ٧٣/٤، والبحر المحيط ٢٣٥/٨. (٢) الكشاف ٧٤/٤، والمحرر الوجيز ٢٧٦/٥. (٣) الكشاف ٤/ ٧٤. (٤) الكشاف ٧٤/٤، والبحر ٢٣٥/٨، وقراءة يعقوب في النشر ٣٨٥/٢. (٥) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٧٦/٥، والبحر ٢٣٥/٨. سُورَةُ الجَادلةِ ٥١٠ الآية : ٨ وقُرئ: ((يُنِئُهم)) بالتخفيف والهمز (١). وقرأ زيدُ بن عليٍّ بالتخفيف وتَرْك الهمز وكَسْر الهاء(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لأنَّ نسبةَ ذاته المقتضي للعلم إلى الكلِّ على السواء. وقد بدأ الله تعالى في هذه الآيات بالعلم حيث قال سبحانه: ((ألم تر أن الله يعلم)) إلخ، وخَتَمَ جلَّ وعلا بالعلم أيضاً حيث قال الله تعالى: ((إن الله)) إلخ، ومن هنا قال معظم السلف فيما ذكر في البين من قوله عزَّ وجلَّ: ((رابعهم)) و((سادسهم)) و(معهم)): إنَّ المرادَ به كونه تعالى كذلك بحَسَبِ العلم، مع أنهم الذين لا يُؤوِّلون، وكأنهم لم يَعُدُّوا ذلك تأويلاً؛ لغايةٍ ظهوره واحتفافه بما يدلُّ عليه دلالةً لا خَفاء فيها، ويُعلم من هذا أنَّ ما شاع من أنَّ السلفَ لا يُؤْوِّلون ليس على إطلاقه. ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ قال ابن عباس. نزلتْ في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون دون المؤمنين وينظرون إليهم، ويتغامزون بأعينهم عليهم، يوهمونهم عن أقاربهم أنهم أصابهم شرٌّ، فلا يزالون كذلك حتى تَقْدُمَ أقاربهم، فلما كَثُرَ ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول اَّهِ، فنهاهم أن يتناجوا دون المؤمنين، فعادوا لمثل فعلهم(٣). : وقال مجاهد: نزلت في اليهود. وقال ابن السائب: في المنافقين. والخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام، والهمزة للتعجيب من حالهم، وصيغةُ المضارع للدلالة على تكرُّر عَوْدهم وتجدُّده، واستحضار صورته العجيبة، وقوله تعالى: ﴿وَيَنَجَوّنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عليه، داخلٌ في حكمه، أي: ويتناجون بما هو إثمٌّ في نفسه ووبالٌ عليهم وتعدٍّ على المؤمنين وتواصٍ بمخالفة الرسول وَ*، وذِكْرُهُ عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجُّهَيْن إليه (٤) وَله؛ لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم. (١) الكشاف ٧٤/٤، والبحر المحيط ٢٣٥/٨. (٢) أي: يُنِهِم. البحر المحيط ٢٣٥/٨. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٣٦. (٤) في (م): وإليه. والمثبت من الأصل، وتفسير أبي السعود ٢١٩/٨ والكلام منه. الآية : ٨ ٥١١ سُورَةُ الجَادلةِ وقرأ حمزةُ وطلحةُ والأعمشُ ويحيى بن وثَّاب ورُويس: ((ويَنْتَجُون)) بنونٍ ساكنةٍ بعد الياء، وضَمِّ الجيم، مضارع انتجى(١). وقرأ أبو حيوة: ((العِدوان)) بكسر العين حيثُ وقع(٢). وقرئ: ((معصيات)) بالجمع، ونُسبتْ فيما بعدُ إلى الضحاك(٣). ﴿وَإِذَا ◌َءُوَ حَيَّكَ بِمَا لَمْ بُّكَ بِهِ اَللَّهُ﴾ صَحَّ من رواية البخاريِّ ومسلم(٤) وغيرهما عن عائشة أنَّ ناساً من اليهود دخلوا على رسول الله وَ له فقالوا: السَّامُ عليك يا أبا القاسم. فقال عليه الصلاة والسلام: ((وعليكم)) قالت عائشة: وقلتُ: عليكم السَّامُ، ولَعَنَكُمُ الله وغَضِبَ عليكم. وفي روايةٍ: عليكم السَّامُ والذَّام واللَّعنة. فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا عائشة، إنَّ الله لا يُحبُّ الفاحشَ ولا المتفخِّش)) فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السَّام؟! فقال ◌ِّهِ: ((أو ما سمعتِ أقول: وعليكم))؟! فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوَكَ) الآية. وأخرج أحمد والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) بسندٍ جيدٍ عن عبد الله بن عمر ◌ًُّا أنَّ اليهودَ كانوا يقولون لرسول الله وَِّ: سامٌ عليك. يريدونَ بذلك شَتْمَهُ، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يُعذّبنا الله بما نقول. فنزلت هذه الآية: (وَإِذَا جَاءُوَكَ) إلخ(٥). والسَّامِ: قال ابن الأثير: المشهورُ فيه تَرْكُ الهمز، ويَعنون به الموت. وجاء في روايةٍ مهموزاً، ومعناه: أنكم تسأمون دينكم(٦). وصرَّح الخفاجيُّ بأنه بمعنى الموت عبرانيّ(٧)، ولم يذكر فيه الهمزَ وتَركه. (١) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٥/٢ عن حمزة ورويس، والكلام من البحر المحيط ٢٣٦/٨. (٢) الكشاف ٧٤/٤، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. (٣) المحرر الوجيز ٢٧٧/٥، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. (٤) البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥). وهو عند أحمد (٢٥٩٢٤). (٥) الدر المنثور ٦/ ١٨٤، وأحمد (٧٠٦١)، وشعب الإيمان (٩١٠٠) وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لا من حديث ابن عمر كما ذكر المصنّف. (٦) النهاية (سئم) وينظر في رواية الهمز وتركه فتح الباري ٤٢/١١. (٧) حاشية الشهاب ٨/ ١٧٠ . سُورَةُ المُجَادْلَةِ ٥١٢ الآية : ٨ وقال الطبرسيُّ: مَنْ قال: السام: الموت، فهو من سأم الحياة بذهابها(١). وهذا إرجاعٌ له إلى المهموز. وجَعَلَ البيضاويُّ(٢) من التحية التي لم يُحيِّهِ بها الله تعالى تحيَّتهم له عليه الصلاة والسلام بـ: أنعِمْ صباحاً، وهي تحيةُ الجاهلية كـ : عِمْ صباحاً، ولم نقفْ على أثرٍ في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: فيما بينهم، وجُوِّزَ إبقاؤه على ظاهره ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: هلّا يُعذِّبنا الله تعالى بسبب ذلك لو كان محمدٌ وَل نبيًّا، أي: لو كان نبيًّا عذَّبنا الله تعالى بسبب ما نقول من التحية = أوفق بالأول؛ لأنَّ أَنعِمْ صباحاً، دعاءٌ بخيرٍ، والعدولُ إليه عن تحية الإسلام التي حيّا الله تعالى بها رسوله وَّله، وأشير إليها بقوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]، ﴿وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّ﴾ [النمل: ٥٩] وما جاء في التشهد: ((السلام عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته))(٣) = ليس فيه كثيرُ إثم يُتوقَّعُ معه التعذيبُ الدنيويُّ، حتى إنهم يقولون ذلك إذا لم يُعذَّبوا، اللهم إلا إذاَ انضمَّ إليه أنهم قصدوا بذلك تَحقيراً وإعلاناً بعدم الاكتراث، ولعلَّ قائل ذلك هم المنافقون من المشركين، وهو أظهرُ من كون قائله اليهود، وحُكْمُ التحية به اليوم أنها خلافُ السنة، والقولُ بالكراهة غیرُ بعید. وفي ((تحفة المحتاج))(٤): لا يستحقُّ مبتدئٌّ بنحو: صبّحك الله بالخير، أو: قوَّاك الله، جواباً، ودعاؤه له في نظيره حَسَنٌ، إلا أن يقصدَ بإهماله له تأديبه لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السلام. انتهى. و: أَنْعِمْ صباحاً، نحو: صبَّحك الله بالخير، غايةُ ما في الباب أنه دعاءٌ كان يُستعملُ تحية في الجاهلية، نعم تحيَّتُهم به له عليه الصلاة والسلام على الوجه الذي قصدوه حرامٌ بلا خلاف. (١) مجمع البيان ١٢/٢٨ . (٢) في تفسيره ٥/ ١٢٢ . (٣) أخرجه أحمد (٣٦٢٢)، والبخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) (٥٨) من حديث ابن مسعود (٤) ٢٢٩/٩. عنه الآية : ٩ - ١٠ ٥١٣ سُورَةُ الجَادلةِ ﴿حَسْبُهُمْ جَهَُّ﴾ عذاباً ﴿يَصْلَوْنَهًا﴾ يدخلونها، أو يقاسون حَرَّها، أو يصطلون بها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: جهنم. وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجُِّمْ﴾ في أنديتكم وفي خلواتكم ﴿فَلَا تَنَجَوْأْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: كما يفعله المنافقون، فالخطاب للخُلَّصِ تعريضاً بالمنافقين، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لهم، وسُمُّوا مؤمنين باعتبار ظاهر أحوالهم. وقرأ الكوفيون والأعمش وأبو حيوة ورويس: ((فلا تنتجوا)) (١) مضارعُ انتجى، وقرأ ابنُ محيصن: ((فلا تّناجوا)» بإدغام التاء في التاء(٢)، وقُرئ بحَذْفِ إحداهما(٣). ﴿وَتَجَّأْ بِلْبِرِ وَالنَّقْوَى﴾ بما يتضمَّنُ خيرَ المؤمنين، والاتقاء عن معصية الرسول الَّله . ﴿وَتَّقُواْ﴾ فيما تأتون وما تذرون ﴿اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ﴾ وحده لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً ﴿تُحْتَرُونَ﴾ فيجازيكم على ذلك. ﴿إِنَّمَا النَّجْرَى﴾ المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان والمعصية ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ لا من غيره، باعتبار أنه هو المزيِّنُ لها والحاملُ عليها، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ خبرٌ آخر، أي: إنما هي لِيَحْزُنَ المؤمنين بتوقُّمهم أنها في نكبة أصابتهم. وقرئ: ((لِيَحْزَنَ)) بفتح الياء والزاي(٤)، فـ ((الذين)) فاعلٌ. ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ﴾ أي: ليس الشيطان أو التناجي بضارِّ المؤمنين ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء أو شيئاً من الضرر ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ أي: إلا بإرادته ومشيئته عزَّ وجلَّ، وذلك بأن يقضيَ سبحانه الموت أو الغلبةَ على أقاربهم ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ولا يبالوا بنجواهم. (١) النشر ٣٨٥/٢ عن رويس، والكلام من البحر المحيط ٢٣٦/٨. (٢) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٧٧/٥، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. (٣) ونسبت لابن محيصن أيضاً، كما في المحرر الوجيز ٥/ ٢٧٧ . (٤) الكشاف ٧٥/٤، والمحرر الوجيز ٢٧٨/٥، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. سُورَةُ الجَادلةِ ٥١٤ الآية : ١١ وحاصله أنَّ ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين، إنْ وَقَعَ فبإرادة الله تعالی ومشيئته، لا دخل لهم فيه، فلا یکترثِ المؤمنون بتناجیھم، ولیتوگّلوا على الله عزَّ وجلَّ ولا يحزنوا منه، فهذا الكلامُ لإزالة حُزْنهم، ومنه ضُعِّفَ ما أشار إليه الزمخشريُّ من جواز أن يرجعَ ضميرُ ((ليس بضارِّهم)) للحُزْن(١)، وأجيب بأنَّ المقصودَ يحصل عليه أيضاً، فإنه إذا قيل: إنَّ هذا الحزنَ لا يَضرُّهم إلا بإرادة الله تعالی، اندفعَ حُزْنھم. هذا، ومن الغريب ما قيل: إنَّ الآيةَ نازلةٌ في المنامات التي يراها المؤمنُ في النوم تسوءُهُ ویحزنُ منها، فكأنها نجوی یُناجی بھا. وهذا ـ على ما فيه - لا يناسبُ السباقَ والسِّیاق كما لا يخفى. ثم إنَّ التناجي بين المؤمنين قد يكونُ منهيًّا عنه، فقد أخرج البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ وأبو داود(٢) عن ابن مسعود أنَّ رسول الله وَلِّ قال: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دونَ الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أنَّ ذلك يُحزنه)). ومثل التناجي في ذلك أن يتكلّم اثنان بحضور ثالثٍ بلُغةٍ لا يفهمها الثالث، إن کان يحزنه ذلك. ولَمَّا نهى سبحانه عن التناجي والسِّرار، علم منه الجلوس مع الملأ، فذكرَ جلَّ وعلا آدابه بعده بقوله عزَّ من قائل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ﴾ إلخ. أو: لما نهى عزَّ وجلَّ عمَّا هو سببٌ للتباغض والتنافر، أَمَرَ سبحانه بما هو سببٌ للتوادِّ والتوافق، أي: إذا قال لكم قائلٌ كائناً مَنْ كان: توسَّعوا، فليفسخ بعضُكم عن بعضٍ في المجالس، ولا تتضامُوا فيها، من قولهم: افسخْ عني، أي: تَنَخَّ، والظاهرُ تعلُّق ((في المجالس)) بـ ((تفسَّحوا))، وقيل: متعلِّقٌ بـ ((قيل)). وقرأ الحسن وداود بنُ أبي هندٍ وقتادة وعيسى: ((تفاسَحُوا))(٣)، وقرأ الأخيران (١) ينظر الكشاف ٤/ ٧٥. (٢) صحيح البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤)، والترمذي (٢٨٢٥)، وأبو داود (٤٨٥١). (٣) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحتسب ٣١٥/٢، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. الآية : ١١ ٥١٥ سُورَةُ المجادلةِ وعاصم: ((في المجالس))(١)، والجمهور: ((في المجلس)» بالإفراد (٢)، فقيل: على إرادة الجنس؛ لقراءة الجمع. وقيل: على إرادة العهد، والمراد به مجلسه وَلخير، والجمع لتَعدُّده باعتبار مَنْ يجلسُ معه عليه الصلاة والسلام، فإنَّ لكلِّ أحدٍ منهم مجلساً. وفي أخبار سبب النزول ما يؤيد كلًّا، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان: كان ◌َّهِ يومَ جمعةٍ في الصُّفَّة، وفي المكان ضِيْقٌ، وكان عليه الصلاة والسلام يُكرِمُ أهلَ بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء ناسٌ من أهل بدرٍ منهم ثابتُ بن قيس بن شماس، وقد سُبقوا إلى المجالس، فقاموا حِيالَ رسول الله القيم فقالوا: السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته، فردَّ النبيُّ وَِّ، ثم سَلَّموا على القوم، فردُّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يُوسَّعَ لهم، فلم يفسحوا لهم، فَشَقَّ ذلك على رسول الله وَّهِ، فقال لبعضٍ مَنْ حوله: ((قم يا فلان ويا فلان)) فَأَقام نفراً مقدارَ مَنْ قَدِمَ، فَشَقَّ ذلك عليهم، وعُرفتْ كراهيته في وجوههم، وقال المنافقون: ما عَدَلَ بإقامة مَنْ أَخَذَ مجلسه وأَحَبَّ قُرْبه لمن تأخّر عن الحضور. فأنزل الله تعالى هذه الآية: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ(٣)، وكان ذلك ممن لم يفسخ تنافساً في القُرْب من رسول الله وَلّه ورغبةً فيه، ولا تكادُ نفسٌ تُؤْثِر غيرها بذلك. وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان الصحابةُ يتشاخُّون في مجالس القتال إذا اصطفُّوا للحرب، فلا يُوسِّعُ بعضُهم لبعضٍ رغبةً في الشهادة، فنزلت: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْأ) إلخ(٤). والأكثرونَ على أنها نزلتْ لِمَا كان عليه المؤمنون من التضامِّ في مجلسهِ وَّه والضِّنَّة بالقرب منه، وترك التفسُّخ لِمُقْبلٍ. وأيًّا ما كان فالحُكْمُ مُطَّردٌ في مجلسه عليه الصلاة والسلام ومصافِّ القتال وغير ذلك. وقرئ: ((في المجلس)) بفَتْح اللام(٥)، فإما أن يُرادَ به ما أُريد بالمكسور، (١) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٥/٢ عن عاصم، والكلام من البحر ٢٣٦/٨. (٢) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٥/٢. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٤٣/١٠-٣٣٤٤. (٤) البحر المحيط ٢٣٦/٨. (٥) الكشاف ٧٥/٤، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. سُورَةُ المُجَادلة ٥١٦ الآية : ١١ والفتحُ شاةٍّ في الاستعمال، وإما أن يُراد به المصدر، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((تفسحوا))، أي: إذا قيل لكم توسَّعوا في جلوسكم ولا تضايقوا فيه. ﴿فَفْسَحُواْ يَفْسَجِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في صدوركم، أو في رزقكم. أقوالٌ. وقال بعضهم: المراد: يفسح سبحانه لكم في كلِّ ما تريدون الفَسْحَ فيه، أي: مما ذُكر وغيره، وأنت تعلمُ أنَّ الفَسْحَ يختلفُ المرادُ منه باختلاف متعلّقاته كالمنازل والرزق والصَّدْر، فلا تغفل. ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا﴾ أي: انهضوا للتوسعة على المقبلين ﴿فَانشُزُوا﴾ فانهضوا ولا تتثَّطوا، وأصله من النَّشْز: وهو المرتفع من الأرض، فإنَّ مُريد التوسعة على المقبل يرتفعُ إلى فوق، فيتَّسعُ الموضع، أو لأنَّ النهوضَ نفسه ارتفاع. قال الحسن وقتادة والضحاك: المعنى: إذا دعيتم إلى قتالٍ أو صلاةٍ أو طاعةٍ فأجيبوا. وقيل: إذا دُعيتم إلى القيام عن مجلس النبيِّ وَلّر فقوموا، وهذا لأنه عليه الصلاة والسلام كان يُؤثر أحياناً الانفرادَ في أَمْرِ الإسلام، أو لأداء وظائفَ تخصُّهُ وَِّ لا تتأَتَّى أو لا تکملُ بدون الانفراد. وعُمِّمَ الحكم فقيل: إذا قال صاحب مجلسٍ لمن في مجلسه: قوموا. ينبغي أن يُجاب، وفِعْلُ ذلك لحاجةٍ إذا لم يترتَّبْ عليه مفسدةٌ أعظمُ منها مما لا نزاع في جوازه، نعم لا ينبغي لقادم أن يُقيم أحداً ليجلسَ في مجلسه، فقد أخرج مالكٌ والبخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ عن ابن عمر ◌َّ أنَّ رسول الله وَ ◌ّر قال: ((لا يُقيمُ الرجلُ الرجلَ من مجلسه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا))(١). وقرأ الحسنُ والأعمشُ وطلحةُ وجمعٌ من السبعة: ((انشِزوا فانشِزوا)) بكَسْر الشين فيهما( . ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ﴾ جوابُ الأمر، كأنه قيل: إن تنشزوا يرفع عزَّ وجلَّ (١) البخاري (٦٢٧٠)، ومسلم (٢١٧٧): (٢٨)، والترمذي (٢٧٤٩)، ولم نقف عليه عند مالك، وهو عند أحمد (٤٦٥٩). (٢) التيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٥/٢، والبحر المحيط ٢٣٧/٨. وجاء في (م): منهما. الآية : ١١ ٥١٧ سُورَةُ المُجَادلة المؤمنين منكم في الآخرة جزاءً للامتثال ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ الشرعيَّ ﴿دَرَحَتٍ﴾ أي: كثيرةً جليلةً كما يُشعر به المقام، وعَظْفُ ((الذين أوتوا العلم)) على ((الذين آمنوا)» من عَطْفِ الخاصِّ على العام؛ تعظيماً لهم بَعدِّهم كأنهم جنسٌ آخر، ولذا أُعيد الموصولُ في النَّظْم الكريم، وقد أخرج الترمذيُّ وأبو داود والدارميُّ عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((فَضْلُ العالم على العابد، كَفَضْل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»(١). وأخرج الدارمي(٢) عن عمر بن كثير عن الحسن قال: قال رسول الله وَله: ((من جاءه الموتُ وهو يطلبُ العلم ليحيي به الإسلامَ، فبينه وبين النبيين درجة)). وعنه ◌ٌَّ: «بين العالم والعابد مئة درجة، بين كلِّ درجتين حُضْرُ الجواد المضمر سبعين سنة))(٣). وعنه عليه الصلاة والسلام: ((يشفعُ يومَ القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء))(٤) فَأَعْظِمْ بمرتبةٍ بين النبوّة والشهادة، بشهادة الصادق المصدوق وَّله. وعن ابن عباس: خُيِّر سليمان عليه السلام بين العلم والملك والمال، فاختارَ العلم، فأعطاه الله تعالى الملك والمال تبعاً له(٥). (١) الترمذي (٢٦٨٢)، وأبو داود (٣٦٤١)، والدارمي ١١٠/١. (٢) في سننه ١١٢/١ مرسلاً. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٤٥٣/٤ من طريق عبد الله بن محرر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ته، وقال: وهذا بهذا الإسناد منكر، لا أعلم يرويه عن الزهري إلا ابن محرر ومحمد بن عبد الملك، وجميعاً ضعيفان. وذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٢٩) أن ابن عون رواه عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: ومَنْ دون ابن عون لا يحتج به. وحُضْر الفرس: العَدْو. النهاية (حضر). (٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٣) من حديث عثمان بن عفان ظه. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٦٥ : رواه ابن ماجه وأبو يعلى والعقيلي والبيهقي في الشعب من حديث عثمان، وفيه: عنبسة بن عبد الرحمن، وهو متروك. (٥) ذكره الديلمي في الفردوس ١٩٢/٢، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٧٥/٢٢ عن ابن عباس مرفوعاً. سُورَةُ الجَادلةِ ٥١٨ الآية : ١١ عن الأحنف: كاد العلماء يكونون أرباباً، وكلُّ عِزِّ لم يُوّدْ بعلمٍ فإلى ذُلِّ ما يصير. وعن بعض الحكماء: ليت شعري أيّ شيءٍ أدرك مَنْ فاته العلم؟ وأيُّ شيءٍ فاته مَنْ أدرك العلم؟ والدالُّ على فَضْل العلم والعلماء أكثرُ من أن يحصى، وأرجی حديثٍ عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في ((مسنده) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّه: ((يجمعُ الله تعالى العلماءَ يومَ القيامة فيقول: إني لم أَجعلْ حكمتي في قلوبكم إلا وأنا أُريد بكم الخير، اذهبوا إلى الجنة فقد غفرتُ لكم على ما كان منكم))(١). وذكر العارف إلياس الكوراني أنه أحد الأحاديث المسلسلة بالأولية. ودلالة الآية على فَضْلهم ظاهرةٌ، بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: ما خَصَّ الله تعالى العلماءَ في شيءٍ من القرآن ما خَصَّهم في هذه الآية، فَضَّلَ الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات(٢). وجَعَل بعضُهم العَظْفَ عليه للتغاير بالذات بحَمْل ((الذين آمنوا)) على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم. وفي روايةٍ أخرى عنه: يا أيها الذين آمنوا افهموا معنى هذه الآية، ولترغُّبكم في العلم، فإنَّ الله تعالى يرفعُ المؤمنَ العالِمَ فوقَ الذي لا يعلم. وادَّعى بعضهم أنَّ في كلامه ◌َه إشارةً إلى أنَّ ((الذين أوتوا)) معمولٌ لفعلٍ محذوف، والعَظْفُ من عَظْفِ الجمل، أي: ويرفع الله تعالى الذين أوتوا العلمَ خاصةً درجات، ونحوه كلامُ ابن عباس، فقد أخرج عنه ابن المنذر والبيهقيُّ في ((المدخل)) والحاكم وصحَّحه أنه قال في الآية: يرفعُ الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات(٣). وقال بعض المحققين: لا حاجةً إلى تقدير العامل، والمعنى على ذلك من غير تقدير. واختار الطيبيُّ التقديرَ، وجَعَلَ الدرجات معمولاً لذلك المقدَّر، وقال: (١) مسند أبي حنيفة ص ٣٩. (٢) الدر المنثور ١٨٥/٦ . (٣) الدر المنثور ٦/ ١٨٥، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص٢٤٧، والمستدرك ٤٨١/٢. الآية : ١١ ٥١٩ سُورَةُ الجَادلةِ يُضمَرُ المذكور أحطّ منه مما يناسب المقامَ نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنَّصر وحُسْنِ الذكر، أو يرفعهم في الآخرة بالإيواء إلى ما يليق(١) بهم من غُرَفِ الجنات، ويرفع الذين أوتوا العلم درجاتٍ تعظيماً لهم. وجُوِّزَ كونُ المراد بالموصولَيْن واحداً، والعَظْفُ لتنزيل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات، فالمعنى: يرفع الله المؤمنين العالمين درجات، وكونُ العَظْفِ من عَظْفِ الخاصِّ على العامِّ هو الأظهر. وفي ((الانتصاف)): في الجزاء برَفْعِ الدرجات مناسبةٌ للعمل المأمور به، وهو التفسُّحُ في المجالس وتَرْكُ ما تنافسوا فيه من الجلوس في أرفعها وأقربها من النبيّ ◌َّ، فلما كان الممتثل لذلك يخفضُ نفسَهُ عمَّا يتنافس فيه من الرفعة امتثالاً وتواضعاً، جُوزيَ على تواضعه برَفْعِ الدرجات، كقوله: ((مَنْ تواضَعَ لله تعالى رَفَعَهُ الله تعالى))(٢) ثم لَمَّا عَلِمَ سبحانهَ أنَّ أهل العلم بحيثُ يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاعَ مجالسهم، خَصَّهم بالذكرِ عند الجزاء، ليسهُلَ عليهم تركُ ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعاً لله عزَّ وجلَّ(٣). وقيل: إنه تعالى خَصَّ أهل العلم ليسهلَ عليهم تركُ ما عُرفوا بالحرص عليه من رِفْعة المجالس وحُبِّهم للتصدير، وهذا من مغيّبات القرآن؛ لِمَا ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في ذلك. والخفاجيُّ(٤) أدرجَ هذا في نقل كلام صاحب ((الانتصاف))، وكلامه على ما سمعته أوفقُ بالأدب مع أهل العلم، ولا أظنَّ بـ ((الذين أوتوا العلم) المذكورين في الآية أنهم كالعلماء الذين عرَّض بهم الخفاجيُّ، نعم إنه عليه الرحمة صادقٌ فيما قال بالنسبة إلى كثيرٍ من علماء آخر الزمان، كعلماء زمانه وكعلماء زماننا، لكن كثيرٌ من هؤلاء إطلاقُ اسم العالم على أحدهم مجازٌ لا تُعرف علاقته، ومع ذلك قد (١) في (م): إلى ما لا يليق، وهو سهو من الطباعة. (٢) الحديث أخرجه أحمد (٩٠٠٨)، ومسلم (٢٥٨٨) عن أبي هريرة ظ (٣) الانتصاف ٤/ ٧٥. (٤) في حاشيته ٨/ ١٧١ . سُورَةُ المَجَادلةِ ٥٢٠ الآية : ١٢ امتلأ قلبه من حُبِّ الصَّدر، وجَعَلَ يزاحم العلماء حقيقة عليه، ولم يَدْرِ أنَّ محلّه لو أَنصف العَجُز. هذا واستدلَّ غيرُ واحدٍ بالآية على تقديم العالم ولو باهليًّا شابًّا على الجاهل ولو هاشميًّا شيخاً، وهو بناءً على ما تقدَّم من معناها لدلالتها على فضل العالم على غيره من المؤمنين، وأنَّ الله تعالى يرفعه يوم القيامة عليه، ويجعلُ منزلته فوقَ منزلته، فينبغي أن يكونَ محلُّه في مجالس الدنيا فوقَ محلِّ الجاهل. وقال الجلال السيوطيُّ في كتاب ((الأحكام)): قال قوم: معنى الآية: يرفع الله تعالى المؤمنين العلماءَ منكم درجاتٍ على غيرهم، فلذلك أَمَرَ بالتفسُّحِ من أجلهم، ففيه دليلٌ على رَفْعِ العلماء في المجالس، والتفسُّح لهم عن المجالس الرفيعة(١). انتهى. وهذا المعنى الذي نقله ظاهرٌ في أنَّ المتعاطِفَين متَّحدان بالذات، والعَظْفُ لجعل تغايرِ الصفات بمنزلة تغاير الذات، وهو احتمالٌ بعيدٌ، ويظهر منه أيضاً أنه ظنَّ رَفْعَ (يرفع)) على أنَّ الجملةَ استئنافٌ وَقَعَ جواباً عن السؤال عن عِلَّةِ الأمر السابق، مع أنَّ الأمرَ ليس كذلك، ويحتملُ أنه عَلِمَ أنه مجزومٌ في جواب الأمر، لكن لم يعتبر كون الرفع درجات جزاء (٢) الامتثال على نحو كون الفسح قبله جزاءه. فتأمله. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديدٌ لمن لم يمتثل بالأمر واستكره(٣). وقرئ: (بما يعملون)) بالياء التحتانية(٤). ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نََيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أي: إذا أردتم المناجاةَ معه عليه الصلاة والسلام لأمرٍ ما من الأمور ﴿فَقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ أي: فتصدَّقوا قبلها، وفي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ، وأصل التركيب يُستعملُ فيمن له يدان، أو مكنيةٌ بتشبيه النجوى بالإنسان، وإثبات اليدين تخييل، وفي ((بين)) ترشيحُ على ما قيل، ومعناه: قبل. وفي هذا الأمر تعظيمُ الرسول وَّه، ونفعٌ للفقراء، وتمييزٌ بين المخلص (١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٢٥٧ . (٢) تحرفت في (م) إلى: جزاءه. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير البيضاوي ١٧٢/٨: أو استكرهه. وهو أنسب بالسياق. (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٤، والبحر المحيط ٢٣٧/٨.