النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ٢٢
٤٤١
سُورَةُ الحَدِد
وقيل: المرادُ بالعرض البسطةُ، ولذا وُصف به الدعاء ونحوه مما ليس من ذوي
الأبعاد. وتقدَّم قولٌ آخرُ في تفسير نظير الآية من سورة آل عمران(١).
وتقديمُ المغفرة على الجنة لتقدُّم التخلية على التحلية.
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ،﴾ أي: هُيِّئَت لهم. واستُدلَّ بذلك على أنَّ
الجنة موجودةٌ الآن لقوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ﴾ بصيغة الماضي، والتأويلُ خلافُ الظاهر،
وقد صُرِّح بخلافه في الأحاديث الصحيحة (٢)، وتمامُ الكلام في علم الكلام.
وعلى أنَّ الإيمان وحدَه كافٍ في استحقاق الجنةِ؛ لذكره وحده فيما في حيِّز
ما يُشعر بعلَّة الإعداد، وإدخالُ العمل في الإيمان المعدَّى بالباء غيرُ مسلّم.
كذا قالوا، ومتى أُريدَ بـ ((الذين آمنوا)) المذكورين مَن لهم درجةٌ في الإيمان يُعتَّدُّ
بها، وقيل: بأنَّها لا تحصلُ بدون الأعمالِ الصالحة على ما سمعته منَّا
قريباً = انخدَشَ الاستدلالُ الثاني في الجملة كما لا يخفى.
وذكر النيسابوري في وجه التعبير هنا بـ ((سابقوا)) وفي آية ((آل عمران))
بـ ((سارعوا))، وبـ ((السماء)) هنا، وبـ ((السماوات)) هناك، وبـ ((كعَرْض)) هنا وبـ ((عرض))
بدون أداة تشبيه ثَمَّ = كلاماً مبنيًّا على أنَّ المراد بالمتقين هناك السابقون المقرَّبون،
وبـ ((الذين آمنوا)) هنا مَن هم دون أولئك حالاً (٣). فتأمل.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي وعد من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ عطاؤُه الغيرُ الواجب
عليه ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ إيتاءَه ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فلا يَبعُدُ منه عز وجل
التفضُّلُ بذلك على مَن يشاءُ وإنْ عظم قدرُه، فالجملةُ تذييلٌ لإثبات ما ذُيِّل بها .
﴿مَآ أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ﴾ أي: نائبةٍ أيِّ نائبة، وأصلها في الرمية، وهي مِن أصابَ
السهمُ: إذا وصَلَ إلى المرمى بالصواب، ثم خُصَّت بها. وزعم بعضُهم أنَّها لغةً
عامةٌ في الشرِّ والخير، وعُرفاً خاصةٌ بالشر.
(١) آية رقم (١٣٣).
(٢) ينظر صحيح مسلم، كتاب الجنة ونعيمها وأهلها.
(٣) غرائب القرآن ٢٧/ ١٠٠.
١٠٠

سُورَةُ الحَدِ
٤٤٢
الآية : ٢٢
و (مِنْ)) مزيدة للتأكيد، و((أصاب)) جاء في الشرِّ كما هنا، وفي الخير كقوله
تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلُ مِّنَ الَِّ﴾ [النساء: ٧٣] وذكر بعضُهم أنَّه يستعمل في الخير
اعتباراً بالصَّوْب، أي: بالمطر، وفي الشرِّ اعتباراً بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان
إلى أصل، وتذكير الفعل في مثل ذلك جائزٌ كتأنيثه، وعليه قوله تعالى: ﴿مَّا تَسْبِقُ
مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ [الحجر: ٥].
والكلامُ على العموم لجميع الشرور، أي: مصيبةٍ أيِّ مصيبة ﴿فِى الْأَرْضِ﴾
كجَذْب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها ﴿وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾ كمرض وآفة
كالجرح والكسر ﴿إِلَّ فِ كِتَبٍ﴾ أي: إلا مكتوبة مُثبتة في اللوح المحفوظ،
وقيل: في علم الله عز وجل.
﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَهَا﴾ أي: نخلقَها، والضمير على ما روي عن ابن عباس وقتادة
والحسن وجماعة للأنفس، وقيل: للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة؛
لأنَّها هي المحدَّثُ عنها، وذكرُ الأرض والأنفس إنَّما هو على سبيل ذِكْر محلِّها،
وذكر المهدوي جوازَ عَوْده على جميع ما ذكر (١). وقال جماعة: يعودُ على
المخلوقات وإنْ لم يَجْرِ لها ذکرٌ.
وقيل: المرادُ بالمصيبة هنا الحوادث من خير وشرِّ. وهو خلافُ الظاهر من
استعمال المصيبة، إلا أنَّ فيما بعد نوعَ تأییدٍ له.
وأَيَّامًا كان فـ ((في الأرض)) متعلِّق بمحذوف مرفوع أو مجرورٍ صفة لـ ((مصيبة))
على الموضع أو على اللفظ، وجوِّز أن يكونَ ظرفاً لـ ((أصاب)) أو للمصيبة، قيل:
وإنما قُيِّدَت المصيبةُ بكونها في الأرض والأنفس؛ لأنَّ الحوادث المطلقةَ كلَّها
ليسَت مكتوبةً في اللوح؛ لأنَّها غيرُ متناهية واللوحُ متناهٍ، وهو لا يكون ظرفاً لغير
المتناهي، ولذا جاء: ((جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة))(٢).
وفي الآية تخصيصٌ آخر، وهو أنَّه سبحانه لم يذكر أحوالَ أهل السماوات لعدم
(١) البحر المحيط ٢٢٥/٨.
(٢) جزء من حديث أخرجه أحمد (٢٨٠٣) عن ابن عباس دون لفظ: ((إلى يوم القيامة)).

الآية : ٢٢
٤٤٣
سُؤَدَّةُ الحَدِد
تعلُّق الغرضِ بذلك مع قلَّة المصائب في أهلها، بل لا يكادُ يُصيبهم سوى مصيبة
الموت.
وما ذكره في وجه التخصيص الأول لا يتمُّ إذا أُريدَ بالكتاب علمُه سبحانه،
أو قيل(١): بأنَّ كتابة الحوادثِ فيه على نحو كتابتها في القرآن العظيم، بناءً على
ما يقولون: إنَّه ما مِن شيءٍ إلا ويمكنُ استخراجُه منه، حتى أسماء الملوك
ومُدَدهم وما يقعُ منهم. ولو قيل في وجهه: إنَّ الأوفقَ بما تقدَّم من شرح حالٍ
الحياة الدنيا إنَّما هو ذكر المصائب الدنيوية، فلذا خُصَّت بالذكر، لكان تامًّا
مطلقاً .
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: إثباتها في الكتاب ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لا غيره سبحانه ﴿يَسِيرٌ﴾
الاستغنائه تعالى فيه عن العُدَّة والمُدَّة، وإِنْ أُريد بذلك تحقُّقها في علمه جل شأنه،
فیُسْره لأنَّه من مقتضيات ذاته عز وجل.
وفي الآية رَدٌّ على هشام بن الحكم الزاعم أنَّه سبحانه لا يعلم الحوادثَ قبل
وقوعها. وفي ((الإكليل)): إنَّ فيها ردًّا على القدرية(٢). وجاء ذلك في خبر مرفوع،
أخرج الديلمي عن سليم بن جابر الهجيمي(٣) قال: قال رسول اللهِ وَّرِ: ((سيُفْتَحُ
على أمتي بابٌ من القَدَر في آخر الزمانِ لا يسدُّه شيءٌ، يكفيكم منه أنْ تَلقَوه بهذه
الآية: (مَآ أَسَابَ مِن تُصِيبَةٍ)) الآية(٤).
(١) في (م): وقیل، بدل: أو قيل.
(٢) الإكليل في استنباط التنزيل ص٢٥٥ .
(٣) في الأصل و(م): الجهيمي، وفي مطبوع الدر المنثور ١٧٧/٦ (والكلام منه): النجيمي،
والصواب ما أثبتناه، ويقال في اسمه أيضاً: جابر بن سليم، وهو صحابي له أحاديث كما في
التقريب، ولكن ذكره في هذا الحديث وهم، والصواب أنه من رواية سليمان بن حفص عن
النبي * مرسلاً، كما في تهذيب الكمال ٣٩٣/١١، وينظر التعليق الذي بعده.
(٤) الفردوس بمأثور الخطاب ٣٢٢/٢، وتهذيب الكمال ٣٩٣/١١، ووقع في الفردوس:
سليم بن حفص، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٠١٦)،
وفيه سليمان بن جعفر، وذكر فيه الآية (٤٢) من سورة الزمر بدل هذه الآية. والحديث مع
إرساله إسناده ضعيف بجهالة سليمان بن حفص كما ذكر الحافظ في التقريب.
٠

سُورَةُ الحَدِ
٤٤٤
الآية : ٢٣
وأخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبي حسان أنَّ رجلَين دخلا على
عائشة ◌َؤُها فقالا: إنَّ أبا هريرة يُحدِّثُ أنَّ نبيَّ اللهِوَّهِ كان يقول: ((إنَّما الطَّرَةُ في
المرأةِ والدَّابةِ والدار)) فقالت: والذي أنزلَ القرآنَ على أبي القاسم ◌َّ ما هكذا كان
يقول، ولكنْ كان رسول الله وََّ يقول: ((كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: إنَّما الطَّرَةُ في
المرأة والدَّابة والدار))، ثم قرأت: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ) الآية(١).
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ أي: أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا ﴿عَ مَا فَاتَكُمْ﴾ من نِعَم
الدنيا ﴿وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي: أعطاكم(٢) الله تعالى منها، فإنَّ مَن علم أنَّ
الكلَّ مقدَّرٌ، يفوتُ ما قدِّرَ فواتُه، ويأتي ما قُدِّر إتيانُه لا محالةَ لا يعظُمُ جزعُه على
ما فات، ولا فرحُه بما هو آتٍ، وعلم كونَ الكلِّ مقدَّراً، مع أنَّ المذكور سابقاً
المصائبُ دون النِّعم وغيرها؛ لأنَّه لا قائلَ بالفرق، وليس في النظم الكريم
اكتفاءُ(٣) كما تُوهِّم، نعم إنْ حملت المصيبة على الحوادث من خيرٍ وشرِّ كان أمرٌ
العلم أوضحَ كما لا يخفَى.
وترك التعادل بين الفعلَين في الصِّلتَين حيث لم يُسندا إلى شيءٍ واحد بل أُسنِدَ
الأولُ إلى ضمير الموصول والثاني إلى ضميره تعالى؛ لأنَّ الفواتَ والعدمَ ذاتيٌّ
للأشياء، فلو خُلِّيَت ونفسها لم تَبْقَ، بخلاف حصولها وبقائها؛ فإنَّه لا بدَّ من
استنادهما إليه عز وجل كما حُقِّق في موضعه، وعليه قول الشاعر:
فلا تُتْبِع الماضي سُؤَالَك لِمْ مَضَى وعرِّجْ على الباقي وسائلْهُ لِمْ بَقي(٤)
ومِثْلُ هذه القراءةِ قراءةُ عبد الله: ((أُوتِيتُم)) مبنيًّا للمفعول(٥)، أي: أُعطِيتُم.
(١) المسند (٢٦٠٣٤) و(٢٦٠٨٨)، والمستدرك ٤٧٩/٢.
(٢) في (م): أعطاكموه.
(٣) هو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازمٌ وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة،
كقوله: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وخصص الحَرّ لأن العرب
كانت بلادهم حارة، فالوقاية من الحَرِّ عندهم أهمّ. الإتقان ٢/ ٨٣٠.
(٤) البيت للبحتري، وهو في ديوانه ١٥٤٩/٣، وسلف ٣٠/١٧.
(٥) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٦٨/٥، والبحر المحيط ٢٢٥/٨.

الآية : ٢٤
٤٤٥
سُورَةُ الحَدِ
وقرأ أبو عمرو: ((أتاكم)) من الإتيان(١)، أي: جاءكم، وعليها بين الفعلَين
تعادل.
والمرادُ نَفْي الحزن المخرج إلى ما يَذْهَل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله
تعالى ورجاءِ ثوابِ الصابرين، ونَفْي الفرح المُطفِي المُلهي عن الشكر، وأما الحزنُ
الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرورُ بنعمة الله تعالى والاعتداد
بها مع الشكر فلا بأس بهما .
أخرج جماعةٌ منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: ليس
أحدٌ إلا وهو يحزَن ويفرَحِ، ولكنْ مَن أصابته مصيبةٌ جعلها صبراً، ومَن أصابه خيرٌ
جعله شكراً (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ تذييلٌ يُفيدُ أنَّ الفرحَ المذمومَ هو
الموجب للبطرِ والاختيال، والمختال: المتكبِّر عن تخیُّل فضیلةٍ تراءت له من
نفسه، والفخورُ: المباهي في الأشياء الخارجةِ عن المرءِ كالمال والجاه. وذكر
بعضهم أنَّ الاختيال في الفعل، والفخر فيه وفي غيره.
والمرادُ مِن ((لا يحبُّ)): يُبْغِضُ، إذ لا واسطةَ بين الحبِّ والبغضِ في حقِّه عز
وجل، وأُوٌّلا بالإثابة والتعذيب، ومذهبُ السلف تركُ التأويل مع التنزيه، ومَن
لا يحبُّ كلَّ مختال لا يحبُّ كلَّ فَرْدٍ من ذلك، لا أنَّه لا يحبُّ البعضَ دون
البعض، ويُرَدُّ بذلك على الشيخ عبد القاهر في قوله(٣): إذا تأمَّلنا وجدنا إدخالَ كلِّ
في حيِّز النفي لا يصلحُ إلا حيث يُراد أنَّ بعضاً كان وبعضاً لم يكن، نعم إنَّ هذا
الحكم أكثريٌّ لا كلِّي.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُغْلِ﴾ بدلٌ من ((كلّ مختالٍ)) بدلَ
كلٍّ من كل، فإنَّ المختال بالمال يضِنُّ به غالباً ويأمرُ غيرَه بذلك، والظاهرُ أنَّ
المرادَ أنَّهم يأمرون حقيقةً، وقيل: كانوا قدوةً فكأنَّهم يأمرون.
(١) التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢.
(٢) المستدرك ٤٧٩/٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٣٧٣/١٣-٣٧٤، والطبري ٤٢١/٢٢.
(٣) في دلائل الإعجاز ص٢٨٣-٢٨٤ بنحوه.

سُورَةُ الحَائِد
٤٤٦
الآية : ٢٥
أو هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين .. إلخ، أو مبتدأُ خبرُه محذوفٌ
تقديره: يُعرِضون عن الإنفاق الغنيِّ عنه الله عز وجل، ويدلُّ عليه قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ فإنَّ معناه: ومَن يُعرِض عن الإنفاق فإنَّ الله
سبحانه غنيٌّ عنه وعن إنفاقه، محمودٌ في ذاته لا يضرُّه الإعراضُ عن شكره بالتقُّب
إليه بشيءٍ من نعمه جل جلاله، وقيل: تقديره: مستغنّى عنهم، أو موعودون
بالعذاب، أو مذمومون.
وجوِّز أن يكون في موضع نصب على إضمار ((أعني))، أو على أنَّه نعتٌ لـ ((كلَّ
مختال)) فإنَّه مخصَّصٌ نوعاً مّا من التخصيص، فساغَ وصفُه بالمعرفة، وهذا ليس
بشيء، وقال ابن عطية: جوازُ مثلٍ ذلك مذهبُ الأخفش(١).
ولا يخفَى ما في الجملة من الإشعار بالتهديد لمن تولَّى.
وقرأ نافع وابن عامر: ((فإنَّ الله الغنيُّ)) بإسقاط ((هو))(٢)، وكذا في مصاحف
المدينة والشام، وهو في القراءة الأخرى ضميرُ فصلٍ، قال أبو علي(٣): ولا يَحسُنُ
أنْ يكون مبتدأً، وإلا لم(٤) يَجُز حذفُه في القراءة الثانية؛ لأنَّ ما بعدَه صالحٌ لأنْ
يكون خبراً، فلا يكونُ هناك دليلٌ على الحذف.
وهذا مبنيٌّ على وجوب توافق القراءتَين إعراباً، وليس بلازم.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ أي: من بني آدم كما هو الظاهر ﴿بِأَلْبَيِّنَتِ﴾ أي: الحجج
والمعجزات ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ﴾ أي: جنس الكتاب الشامل للكلِّ، والظرفُ
حالٌ مقدَّرةٌ منه على ما قال أبو حيان(٥)، وقيل: مقارِنةٌ، بتنزيل الاتصال منزلةً
المقارنة.
(١) المحرر الوجيز ٢٦٩/٥، والبحر المحيط ٢٢٦/٨، والكلام منه.
(٢) التيسير ص٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢، وهي أيضاً قراءة أبي جعفر.
(٣) في الحجة للقراء السبعة ٢٧٦/٦ بنحوه.
(٤) قوله: لم، مكرر في (م).
(٥) في البحر المحيط ٢٢٦/٨.

الآية : ٢٥
٤٤٧
سُؤَةُ الحَدِد
﴿وَالْمِيزَانَ﴾ الآلة المعروفة بين الناس كما قال ابن زيد وغيره، وإنزالُه إنزالُ
أسبابه ولو بعيدة، وأَمْرُ الناس باتِّخاذه مع تعلیم کیفیّته.
﴿لَقُوَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ علَّةٌ لإنزال الكتاب والميزان، والقيامُ بالقسط - أي:
بالعدل - يشملُ التسويةَ في أمور التعامل باستعمال الميزان، وفي أمور المعاد باحتذاء
الكتاب، وهو لفظً جامع مشتمِلٌ على جميع ما ينبغي الاتصاف به معاشاً ومعاداً.
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن: أي: خلقناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ
اَلْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةً أَزْوَجْ﴾ [الزمر:٦]. وهو تفسيرٌ بلازم الشيء، فإنَّ كلَّ مخلوقٍ مُنزَلٌ
باعتبار ثبوته في اللوح وتقديره موجوداً حیث ما ثبَتَ فیه.
وقال قطرب: هيَّناه لكم وأنعمنا به عليكم، مِن: نُزُل الضيف.
﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ أي: عذاب ﴿شَدِيدٌ﴾ لأنَّ آلات الحرب تُتَّخذ منه، وهذا إشارةٌ
إلى احتياج الكتاب والميزانِ إلى القائم بالسيف ليحصلَ القيامُ بالقسط، فإنَّ الظلم
من شِيم النفوس.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في معايشهم ومصالحهم، إذ ما مِن صنعةٍ
إلا والحديدُ أو ما يعمل به آلتُها؛ للإيماء إلى أنَّ القيامَ بالقسط كما يحتاجُ إلى
الوازع - وهو القائم بالسيف - يحتاجُ إلى ما به قوام التعايش ومَن يقوم بذلك أيضاً،
ليتمَّ التمدُّن المحتاج إليه النوع، وليتمَّ القيامُ بالقسط، كيف وهو شاملٌ أيضاً لِمَا
يخصُ المرءَ وحده.
والجملةُ الظرفية في موضع الحال، وقوله سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ
وَرُسُلَهُ﴾ عطفٌ على محذوف يدلُّ عليه السياق أو الحال؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للتعليل،
أي: لينفعَهم وليعلمَ الله تعالى علماً يتعلَّق به الجزاءُ مَن ينصرُهُ ورسلَه باستعمال
آلات الحرب من الحديد في مجاهدة أعدائه، والحذف للإشعار بأنَّ الثاني هو
المطلوب لذاته، وأنَّ الأولَ مقدِّمةٌ له، وجوِّز تعلُّقه بمحذوفٍ مؤشّرٍ، والواو
اعتراضية، أي: وليعلمَ .. إلخ أنزَلَه، أو مقدَّم والواو عاطفةٌ والجملةُ معطوفة على
ما قبلها، وقد حُذِفَ المعطوفُ وأُقيمَ متعلّقه مقَامَه .

سُورَةُ الحَدِ
٤٤٨
الآية : ٢٥
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبٍ﴾ حالٌ من فاعل ((ينصرُ))، أو من مفعوله، أي: غائباً
منهم، أو غائبين منه.
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ جِيءَ به تحقيقاً للحقِّ
وتنبيهاً على أنَّ تكليفَهم الجهادَ وتعريضَهم للقتال ليس لحاجته سبحانه في إعلاء
كلمته وإظهارٍ دينه إلى نصرتهم، بل إنَّما هو لينتفعوا به ويصلُوا بامتثال الأمر فيه إلى
الثواب، وإلا فهو جل وعلا غنيٌّ بقدرته وعزَّته عنهم في كلِّ ما يُريد.
هذا وذهب الزمخشريُّ(١) إلى أنَّ المرادَ بالرسل رُسلُ الملائكة عليهم السلام،
أي: أرسلناهم إلى الأنبياء عليهم السلام، وفَسَّر ((البينات)) كما فسَّرنا؛ بناءً على أنَّ (٢)
الملائكة ترسَل بالمعجزات كإرسالها بالحجج لتخبر بأنَّها معجزاتٌ، وإلا فكان الظاهرُ
الاقتصارَ على الحُجَجِ، وإنزالُ الكتاب - أي: الوحي - مع أولئك الرسل ظاهر، وإنزال
الميزان بمعنى الآلة عنده على حقيقته، قال: روي أنَّ جبريل عليه السلام نزَلَ بالميزان
فدفَعَه إلى نوح عليه السلام وقال: مُرْ قومك يَزِنوا به. وفسَّرَه كثيرٌ بالعدل.
وعن ابن عباس في إنزال الحديد: نَزَل مع آدم عليه السلام المِيْقَعة والسِّنْدَان
والكَلْبَتَان. وروي أنَّه نزَلَ ومعه المَرُّ والمِسْحَاةُ(٣)، وقيل: نَزَل ومعه خمسةُ أشياء
من الحديد: السِّنْدان والكَلْبتان والإبرة والمِطْرقة والمِيْقَعة، وفُسِّرَت بالمِسَنِّ،
وتجيء بمعنى المِظْرَقة أو العُظَيمة منها، وقيل: ما تُحَدُّ به الرَّحَى، وفي حديث ابن
عباس: نزل آدم عليه السلام من الجنة بالباسنة(٤)، وهي آلات الصناع، وقيل: سكةُ
الحرث، وليس بعربيٍّ مَحْض. والله تعالى أعلم.
واستظهر أبو حيان كون: ((ليقومَ الناسُ بالقسط)) علَّةً لإنزال الميزان فقط،
وجوَّز ما ذكرناه(٥)، وهو الأولى فيما أرى.
(١) في الكشاف ٦٦/٤ .
(٢) قوله: أن، ساقط من (م).
(٣) المَرُّ بالفتح: الحبل، والمسحاة كالمجرفة إلا أنها من حديد. الصحاح (مرَّ) و(سحا).
(٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (بَسَنَ)، وما سيأتي من شرحه منقول منه.
(٥) البحر المحيط ٢٢٦/٨.

الآية : ٢٦ - ٢٧
٤٤٩
سُورَةُ الحَدِ
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْزَهِيَمَ﴾ نوعُ تفصيلٍ لِمَا أُجمِلَ في قوله تعالى:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا) وتكريرُ القسم لإظهار مزيدِ الاعتناء بالأمر، أي: وبالله لقد
أرسلنا نوحاً وإبراهيم.
﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ﴾ بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب،
وقال ابن عباس: الكتاب الخطّ بالقلم.
وفي مصحف عبد الله: ((والنبية)) مكتوبة بالياء عوض الواو(١).
﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من الذرية؛ وقيل: أي من المرسَل إليهم المدلول عليهم بذكر
الإرسال والمرسلين ﴿مُهْتَّدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ خارجون عن الطريق المستقيم،
ولم يقل: ومنهم ضالٌّ، مع أنَّه أظهرُ في المقابلة؛ لأنَّ ما عليه النظم الكريم أبلغُ
في الذمِّ؛ لأنَّ الخروجَ عن الطريق المستقيمِ بعد الوصول بالتمكّن منه ومعرفته أبلغُ
من الضلال عنه، ولإيذانه بغَلَبة أهل الضلال على غيرهم.
◌ْ قَفَّتِّنَا عَلَىْ ءَاتَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ أي: أرسلنا بعدَهم رسولاً بعد رسولٍ. وأصلُ
التقفية: جَعْلُ الشيء خلف القَفَا، وضميرُ (آثارهم)) لنوح وإبراهيم ومَن أُرسِلا إليهم
مِن قومهما .
وقيل: لمن عاصَرَهما من الرسل عليهم السلام. واعترض بأنَّه لو عاصر رسولٌ
نوحاً، فإما أنْ يُرسَل إلى قومه، كهارون مع موسى عليهما السلام، أو إلى غيرهم،
كلوط مع إبراهيم عليهما السلام، ولا مجالَ للأول لمخالفته للواقع، ولا إلى الثاني
إذ ليس على الأرض قومٌ غيره. وأُجيبَ بأنَّ ذاك توجيهٌ لجمع الضمير، وكونُ لوطٍ
مع إبراهیم کافٍ فيه.
وقيل: للذرية. وفيه أنَّ الرسُلَ المقفَّى بهم من الذرية، فلو عاد الضميرُ عليهم
لزم أنَّهم غيرُهم، أو اتحادُ المقفَّى والمقفَّى به، وتخصيصُ الذرية مرجعٍ الضمير
بالأوائل منهم خلافُ الظاهر من غير قرينةٍ تدلُّ عليه.
﴿وَقَّفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾ جعلناه بعد، وحاصلُ المعنى: أرسلنا رسولاً بعد
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٣، وينظر معاني القرآن للفراء ١٣٦/٣ -١٣٧.
:

سُؤَدَّةُ الحَدِد
٤٥٠
الآية : ٢٧
رسولٍ حتى انتهى الإرسالُ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام.
﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ﴾ بأنْ أوحيناه إليه، وليس هو الذي بين أيدي النصارى
اليوم، أعني المشتمل على قصة ولادتِهِ، وقصة صَلْبه المفتراة.
وقرأ الحسنُ: ((الأنجيل)) بفتح الهمزة(١)، قال أبو الفتح: وهو مثالٌ لا نظيرَ
له (٢). قال الزمخشري(٣): وأمرُه أهونُ من أمر («البَرْطيل)» - بفتح الباء والكسرُ
أشهرُ، وهو حجرٌ مستطيل، واستعمالُه في الرشوة مولَّد مأخوذٌ منه بنوع تجوُّزٍ - لأنَّه
عجمي وهذا عربي(٤)، وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم.
وزعم بعضٌّ أنَّ لفظ ((الإنجيل)) عربيٍّ من نَجِلْتُ بمعنى استخرجتُ، لاستخراج
الأحكام منه .
﴿وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبِ الَّذِينَ أَتَّعُوُهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً﴾ أي: خَلَقْنا، أو: صيَّرنا، فـ ((في
قلوب)) في موضع المفعول الثاني، وأيَّاما كان فالمرادُ: جعلنا ذلك في قلوبهم فهم
يرأفُ بعضُهم ببعض ويرحمُ بعضُهم بعضاً، ونظيرُه في شأن أصحابِ النبي ◌َّ:
﴿رَُةُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
والرأفة في المشهور الرحمةُ، وقال بعضُ الأفاضل: إنها إذا ذُكرَت معها يُراد
بالرأفة ما فيه دَرْءُ الشّرِّ ورأبُ الصدع، وبالرحمة ما فيه جَلبُ الخير، ولذا ترى في
الأغلب تقديمَ الرأفةِ على الرحمة، وذلك لأنَّ دَرْءَ المفاسد أهمُّ من جلب
المصالح. وقرئ: ((رآفة)) على فعالة كشجاعة(٥).
(١) المحتسب ٣١٣/٢، والبحر المحيط ٢٢٨/٨.
(٢) المحتسب ٣١٣/٢.
(٣) في الكشاف ٦٧/٤، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٨/ ١٦٣.
(٤) يعني أن البِرطيل بكسر الباء عربي، ففتح فائه - أي: الباء - إذا سمع فيه غيرُ هَيِّنٍ؛ لأن
فَعْليلاً بالفتح ليس من أبنية العرب، فالعدول فيه عن سَنَنِ ألفاظهم غير سهل، بخلاف
إنجيل فإنه أعجمي على الصحيح المشهور، فالعدول فيه عن أوزانهم سهل. حاشية
الشهاب ٨/ ١٦٣.
(٥) البحر المحيط ٢٢٨/٨.

الآية : ٢٧
٤٥١
سُورَةُ الحَدِك
﴿وَرَهْبَاِيَةٌ﴾ منصوبٌ بفعل مضمَر يُفسِّره الظاهرُ، أي: وابتدعوا رهبانيةً
ابْتَدَعُوهَا﴾ فهو من باب الاشتغال.
واعترض بأنَّه يُشتَرَط فيه - كما قال ابن الشجري وأبو حيان(١) - أن يكونَ
الاسمُ السابقُ مختصًّا يجوزُ وقوعُه مبتداً، والمذكور نكرة لا مسوِّغَ لها من
مسوِّغات الابتداء.
ورُدَّ بأنَّه على فرض تسليم هذا الشرطِ الاسمُ هنا موصوفٌ معنًى بما يُؤْخَذ من
تنوين التعظيم، كما قيل في قولهم: شَرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ(٢). ومما يدلُّ عليه من النسبة
كما ستسمعه إن شاء الله تعالى.
أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة ((ابتدعوها)» في موضع الصفة،
والكلامُ على حذف مضافٍ، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفةً ورحمةً وحبَّ رهبانيةٍ
مُبْتَدَعةٍ لهم.
وبعضُهم جعله معطوفاً على ما ذكر ولم يتعرَّض للحذف، وقال: الرَّهبانيةُ من
أفعال العباد؛ لأنَّها المبالغةُ في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصلُ
معناها: الفعلةُ المنسوبة إلى الرَّهْبَان وهو الخائفُ، فَعْلان مِن: رَهِب، كـ: خَشْيَان
من خَشِي، وأفعالُ العباد يتعلَّق بها جَعْلُ الله تعالى عند أهل الحقِّ، وهي في عين
كونها مخلوقةً له تعالى مكتسبةً للعبد.
والزمخشريُّ جوَّز العطفَ المذكور وفسَّر الجعل بالتوفيق، كأنَّه قيل:
وفَّقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرَّهبانية واستحداثها(٣)، بناءً على مذهبه أنَّ
الرهبانيةَ فعلُ العبد المخلوق له باختياره، وفائدة ((في قلوب)) على هذا التصويرُ
على ما قيل.
(١) البحر المحيط ٢٢٨/٨ وكلامه عن ابن الشجري نقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٦٣/٨.
(٢) مثل يضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله، أهرَّه: إذا حمله على الهَرِيْر، والهريرُ: صوت
الكلب دون نباحه من قلة صبره على البرد. مجمع الأمثال ١/ ٣٧٠، والقاموس المحيط
(هرَّ).
(٣) الكشاف ٦٨/٤ .

سُوَدَّةُ الحَدِة
٤٥٢
الآية : ٢٧
ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر، لكن الإنصاف أنَّه
لا يحسُنُ العطفُ بدون هذا التأويل، أو اعتبارِ حذفِ المضاف وإقامة المضاف إليه
مقامَه على ما تقدَّم، أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوبِ كالخوف المفرِط
المقتضي للغلوِّ في التعبُّد، ويُرتكب نوعُ تجوُّز في ((ابتدعوها)) وما بعده، كأنْ يكونَ
المرادُ ابتداعَ أعمالها وآثارِها، أو ارتكاب استخدامٍ(١) في الكلام بأنْ يُعتَبَرَ للَّهبانية
معنيان: الخوفُ المفرط مثلاً ويراد في ((جعلنا في قلوبهم رهبانيةً))، والأعمالُ
التعبدية الشاقَّة كرفْضٍ الدنيا وشهواتها من النساء وغيرِهنَّ، ويُراد في ((ابتدعوها))
وما بعدَه، وليس الداعي للتأويل الاعتزالُ، بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية
ليسَت مما تُجعَل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل.
وقرئ: ((رُهبانية)) بضم الراء (٢)، وهي منسوبةٌ إلى الرُّهبان بالضم، وهو كما قال
الراغب(٣): يكونُ واحداً وجمعاً، فالنسبة إليه باعتبار كونه واحداً. ومَن ظنَّ
اختصاصَ المضموم بالجمع قال: إنَّه لمَّا اختصَّ بطائفة مخصوصةٍ أُعطي حُكم
العَلَم، فنِسْبتُه إليه كما قالوا في أنصار وأنصاري، أو أنَّ النسبةَ إلى رَهبان المفتوح،
وضَمُّ الراء في المنسوب من تغييرات النَّسَب كما في دُهْري بضم الدال.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ، وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ
رِضْوَنِ اللَّهِ﴾ استثناءٌ منقطع، أي: ما فرضناها نحن عليهم رأساً ولكنَّهم(٤) ابتدَعُوها
وألزموا أنفسَهم بها ابتغاءَ رضوان الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: ما حافظوا عليها حقَّ المحافظة،
ذٌّ لهم من حيث إنَّ ذلك كالنَّذر، وهو عهدٌ مع الله تعالى يجب رعايتُه لا سيما إذا
قُصِد به رضاه عز وجل. واستُدلَّ بذلك على أنَّ مَن اعتاد تطوُّعاً كُره له تركُه.
(١) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى
الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.
(٢) الكشاف ٦٧/٤، والبحر المحيط ٢٢٨/٨.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (رهب).
(٤) في (م): ولكن.

الآية : ٢٧
٤٥٣
سُورَةُ الحَدِك
وجوِّز أنْ يكون قولُه تعالى: (مَا كَنَبْنَهَا) إلخ صفةً أخرى لـ ((رهبانية)) والنفي
متوجّهٌ إلى قيد الفعل لا نفسه، كما في الوجه الأول، وقوله سبحانه: (إِلَّا
أَبْتِغَاءُ) إلخ استثناءٌ متصلٌ من أعمِّ العلل، أي: ما قضيناها عليهم بأنْ جعلناهم
يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوانَ الله تعالى ويَستحِقُوا بها الثواب،
ومن ضرورة ذلك أنْ يحافظوا عليها ويُراعوها حقَّ رعايتها، فما رَعَوها(١) كذلك.
والوجهُ الأول مرويٌّ عن قتادة وجماعة، وهذا مرويٌّ عن مجاهد، ولا مخالفةً عليه
بين ((ابتدعوها)) و((ما كتبناها عليهم)) إلخ - حيثُ إنَّ الأولَ يقتضي أنَّهم لم يُؤمَروا بها
أصلاً، والثاني يقتضي أنَّهم أُمِروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى - لِمَا أشرنا إليه من
معنى ((ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء)» إلخ.
ودفع بعضُهم المخالفةَ بأنْ يقال: الأمرُ وقَعَ بعد ابتداعها، أو يُؤوَّل ((ابتدعوها))
بأنَّهم أولُ مَن فعلها بعد الأمر، ويؤيِّد ما ذكره في الدفع أولاً ما أخرجه أبو داود
وأبو يعلى والضياء عن أنس أنَّ رسول الله وَّه قال: ((لا تُشدِّدُوا على أنفسِكم فُيُشَدَّدَ
عليكم، فإنَّ قوماً شدَّدُوا على أنفسِهم فشُدِّدَ عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامعِ
والدِّيَارَات (وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ))(٢) يعني الآية.
والظاهرُ أنَّ ضميرَ ((فما رَعَوها)) لأولئك الذين ابتدعوا الرَّهبانيةَ، والمراد
نفيُ وقوعِ الرعاية من كلِّهم، على أنَّ المعنى: فما رعاها كلُّهم بل بعضُهم،
وليس المرادُ بالموصول فيما سبق أشخاصاً بأعيانهم، بل المراد به ما يعمُّ
النصارى إلى زمان الإسلام، ولا يضرُّ في ذلك أنَّ أصل الابتداع كان من قومٍ
مخصوصين؛ لأنَّ إسنادَه على نحو الإسناد في: بنو تميم قتلوا زيداً، والقاتل
بعضُهم.
وقال الضحاك وغيره: الضمير في ((فما رعوها)) للأخلاف الذين جاؤوا بعد
المبتدعين. والأول أوفقُ بالصناعة.
(١) في الأصل: راعوها.
(٢) سنن أبي داود (٤٩٠٤)، ومسند أبي يعلى (٣٦٩٤)، والأحاديث المختارة ٦/ ١٧٣ -١٧٤
(٢١٧٨).

سُورَةُ الحَدِ
٤٥٤
الآية : ٢٧
والمراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ﴾: الذين آمنوا
إيماناً صحيحاً، وهو لمن أدركَ وقتَ النبيِّ وَّر الإيمان به عليه الصلاة والسلام،
أي: فآتينا الذين آمنوا منهم إيماناً صحيحاً بعد رعاية رهبانيتهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ أي:
ما يختصُّ بهم من الأجر، وهو الأجرُ على ما سلَفَ منهم، والأجر على الإيمان
به عليه الصلاة والسلام، وليس المرادُ بهم الذين بقوا على رعاية الرهبانية إلى
زمان البعثة ولم يؤمنوا؛ لأنَّ رعايتها لَغْوٌ محضّ وكفرٌ بَحْتٌ، وإنما لها استتباعُ
الأجر
ويجوز أنْ يقال: إنَّ الذين لم يَرعَوا الرهبانيةَ حقَّ رعايتها هم الذين كذبوه عليه
الصلاة والسلام، قال الزجَّاج: قوله تعالى: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) على ضربين:
أحدُهما أنْ يكونوا قصَّروا فيما ألزمُوه أنفسَهم، والآخرُ - وهو الأجودُ - أنْ يكونوا
حينَ بُعِثَ النبيُّ وَّ﴿ ولم يؤمنوا، فكانوا تاركين لطاعةِ الله تعالى، فما رَعَوا تلك
الرهبانية، ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ) إلخ(١). انتهى، فحَمَل
(الذين آمنوا)) على مَن أدرك وقتَه عليه الصلاة والسلام منهم وآمن به وَّهِ،
والفاسقين في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ على الذين لم يؤمنوا به ◌ِِّ،
ومقتضَى حمل (الذين آمنوا)) على ما سمعتَ أولاً حَمْلُه على الأعمِّ الشامل لمن
خرَجَ عن اتِّباع عيسى عليه السلام من قبل.
وحملُ الفريقَين على مَن مضى مِن المُراعِين لحقوق الرهبانيةِ قبل النَّسخ،
والمخلِّين بها إذ ذاك بالتثليث والقولِ بالاتحاد وقصد السمعة ونحو ذلك، من غير
تعرُّضٍ لإيمانهم برسول الله وَّرَ وكفرِهم به = مما لا يُساعدُه المقام.
وفي الآثار ما يأباه ففي حديث طويل أخرجه جماعةٌ منهم الحاكم وصححه
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) من طرق عن ابن مسعود: ((اختلفَ مَن كان قبلَنا على
ثنتين وسبعين فرقةً، نجا منه ثلاثٌ وهلك سائرُها، فرقة آزتِ الملوك(٢) وقاتلتهم
(١) معاني القرآن للزجاج ١٣٠/٥.
(٢) أي: قاومتهم، يقال: فلان إزاءٌ لفلان: إذا كان مقاوماً له. تهذيب اللغة ١٩٤/١٣، والنهاية
واللسان (أزي)، ووقع في الأصل و(م): وازت.

الآية : ٢٧
٤٥٥
سُورَةُ الحَائِد
على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقةٌ بمؤازاة الملوك، فأقاموا
بين ظهرَانَي قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلَهم الملوك ونشَرَتهم
بالمناشر، وفرقةٌ لم تكن لهم طاقةٌ بمؤازاة الملوكِ ولا بالمقام معهم، فساحوا في
الجبال وترقّبوا فيها، وهم الذين قال الله: (وَرَهْبَانِيَّةُ ابْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا
أَبْتِغَاءُ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُّ) الذين آمنوا
بي وصدقوني (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ) الذين جَحَدوا بي وكفروا بي))(١)، وهذا الخبرُ
يؤيِّدُ ما استجودَه الزجَّاجُ، ويُعلم منه أيضاً سببُ ابتداع الرهبانية.
وليس في الآية ما يدلُّ على ذمِّ البدعة مطلقاً، والذي تدلُّ عليه ظاهراً ذُّ عدم
رعاية ما التزموه، وتفصيل الكلام في البدعة ما ذكره الإمام محيي الدين النووي في
(شرح صحيح مسلم): قال العلماء: البدعة خمسةُ أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة
ومكروهة ومباحة؛ فمن الواجبة تعلُّمُ أدلة المتكلِّمين للردّ على الملاحدة والمبتدعين
وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيفُ كتب العلم وبناء المدارس والربطِ وغير ذلك،
ومن المباحة التبسُّط(٢) في ألوان الأطعمة وغيرِ ذلك، والحرام والمكروه ظاهران،
فَعُلِمَ أنَّ قولَهَِّ: ((كلُّ بدعةٍ ضلالة)) من العامِّ المخصوص(٣).
وقال صاحب ((جامع الأصول)): الابتداعُ من المخلوقين إنْ كان في خلاف
ما أمرَ الله تعالى به ورسولُهُ وََّ فهو في حَيِّز الذمِّ والإنكار، وإن كان واقعاً تحت
عمومٍ ما ندَب الله تعالى إليه وحضَّ عليه أو رسوله بِّه فهو في حيِّز المدحِ، وإن لم
(١) المستدرك ٢/ ٤٨٠، وشعب الإيمان (٩٥١٠)، وأخرجه المروزي في السنة (٥٤)، والطبري
٤٣٠/٢٢-٤٣١، والطبراني (١٠٥٣١)، وفيه عقيل بن يحيى الجعدي، قال الذهبي في
الميزان ٨٨/٣: قال البخاري: منكر الحديث يروي عن أبي إسحاق، وتكلم فيه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني (١٠٣٥٨) من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن
عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله مرفوعاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١ :
رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف وثقه أحمد
وغيره وفيه ضعف.
(٢) في الأصل: والتبسط.
(٣) شرح مسلم ٦/ ١٥٤-١٥٥. والحديث أخرجه أحمد (١٧١٤٤) من حديث العرباض بن
سارية څ، ومسلم (٨٦٧) من حديث جابر

سُوَرَّةُ الحَدِدُ
٤٥٦
الآية : ٢٨
يكن مثالُه موجوداً كنوع من الجود والسخاءِ وفعلِ المعروف، ويعضد ذلك قولُ
عمر بن الخطاب ظُه في صلاة التراويح: نِعمَت البدعةُ هذه(١).
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ استظهر أبو حيان(٢) كونَ الخطابِ لمن آمن من أُمَّتَه ◌َّ
غير أهل الكتاب، والآثار تُؤيِّد ذلك، أخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن
عباس، وابنُ أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قالا: إنَّ أربعين من أصحاب النجاشي
قدموا على النبيِّ وَّرَ، فشهدوا معه أُحُداً، فكانت فيهم جراحاتٌ، ولم يُقْتَل منهم
أحدٌ، فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنَّا أهلُ ميسرةٍ فَأُذن
لنا نجئ بأموالنا نواسي بها المسلمين. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ مَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾
[القصص: ٥٢-٥٣-٥٤] فجعل لهم أجرَين، فلمَّا نزلَت هذه الآية قالوا: يا معشرَ
المسلمين أمَّا مَن آمن منَّا بكتابكم فله أجران، ومَن لم يُؤمن بكتابکم فله أجرٌ
كأجوركم. فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) الآية (٣)، أي: رادًّا عليهم قولهم:
ومَن لم يؤمن بكتابکم فله أجرٌ كأجوركم.
وفي ((الكشاف))(٤): إنَّ قائل ذلك مَن لم يكن آمن من أهل الكتاب، قالوه
حين سمِعُوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين، والمعنى: يا أيُّها الذين
اَنَّصفوا بالإيمان ﴿أَنَّقُوا اللَّهَ﴾ اثبُتُوا على تقواهُ عز وجل فيما نهاكم عنه ﴿وَءَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ﴾ واثبُتُوا على الإيمان برسوله الذي أرسله إليكم، وهو محمد بنحضّ، وفي
التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قَدْره عليه الصلاة
والسلام.
(١) جامع الأصول: ٢٨٠/١-٢٨١.
(٢) في البحر المحيط ٢٢٩/٨.
(٣) المعجم الأوسط (٧٦٦٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٢١: وفيه من لم أعرفه.
وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير السيوطي في الدر المنثور ١٧٨/٦، وزاد:
فزادهم النور والمغفرة، وقال: ﴿لَثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّنِ فَضْلِ اللَّهُ﴾
الآية.
(٤) ٤ / ٦٨ .

الآية : ٢٩
٤٥٧
سُودَةُ الحَدِ
﴿يُؤْتِكُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ قال أبو موسى الأشعري: ضعفَين
بلسان الحبشة. وقال غيرُ واحد: نصيبَين، والمرادُ إيتاؤهم أجرَين كمؤمني أهل
الكتاب، كأنَّه قيل: يؤتكم ما وَعَد مَن آمن من أهل الكتاب من الأجرَين لأنَّكم
مثلُهم في الإيمان بالرسل المتقدِّمين وبخاتمهم صلى الله تعالى وسلم عليهم
أجمعين، لا تُفرِّقون بين أحدٍ من رسله.
وقال الراغب: الكِفلُ الحظّ الذي فيه الكِفايةُ، كأنَّه تَكفَّل بأمره، والكِفلان
هما المرغوب فيهما بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِىِ الْآَخِرَةِ
حَسَنَّةً﴾ (١) [البقرة: ٢٠١] ولا دلالة على التخصيص.
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يوم القيامة، وهو النور المذكورُ في قوله تعالى:
(يسعى نورُهم بين أيديهم وبأيمانهم)) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سلَفَ منكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ أي: مبالغٌ في المغفرة والرحمة، فلا بِدعَ إذا فعل سبحانه ما فعل.
وقوله تعالى: ﴿ِثَلَا يَعْلَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ الَّهِ﴾ قيل:
متعلِّقٌ بمضمون الجملة الطلبية المتضمِّنةِ لمعنى الشرط؛ إذ التقدير: إنْ تَتَّقوا الله
وتُؤمنوا برسوله يُؤتِكم كذا وكذا لئلا .. إلخ، وقيل: متعلِّقٌ بالأفعال الثلاثة قبله
على التنازع، أو بمقدَّرٍ كـ: فَعَل ذلك، وأعلمهم، ونحوه. و((لا)) مزيدة مثلُها في
قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْبُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ويجوز زيادتُها مع القرينة كثيراً،
و((أنْ)) مخففة من الثقيلة واسمُها المحذوف ضميرُ أهل الكتاب، أي: أنَّهم، وقيل:
ضميرُ الشأن، وما بعد خبرُها، والجملةُ في حيِّز النصب على أنَّها مفعول ((يعلم))،
أي: ليَعلمَ أهلُ الكتاب القائلون: مَن آمن بكتابكم منَّا فله أجران، ومَن لم يؤمن
بكتابكم فله أجرٌ كأجوركم، أنَّهم لا ينالون شيئاً من فضل الله من الأجرَين
وغيرِهما، ولا يتمكّنون مِن نَيْله ما لم يؤمنوا بمحمد وََّ. وحاصلُه الإعلامُ بأنَّ
إيمانهم بنبيِّهم لا ينفعُهم شيئاً ما لم يؤمنوا بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام، فقولُهم:
مَن لم يؤمن بكتابکم فله أجرٌ، باطلٌ.
(١) مفردات الراغب (كفل).

سُورَةُ الحَدِ
٤٥٨
الآية : ٢٩
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ
بِمَا صَبُوَأ) فَخَرَ مؤمنو أهلِ الكتاب على أصحاب النبيِّ وَّر فقالوا: لنا أجران ولكم
أجرٌ، فاشتدَّ ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ) إلخ فجعل لهم سبحانه أجرَين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب(١). وقال الثعلبي:
فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ) الآية فجعل لهم أجرَين وزادَهم النور
ثم قال سبحانه: (ِثَلَا بِعْلَمَ) إلخ(٢)، وحاصلُه على هذا: ليعلموا أنَّهم ليسوا مُلَّاكَ
فضله عز وجل، فَيَزْوُوْهُ عن المؤمنين، ويَستبدُّوا به دونَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ عطف على ((أنْ لا يقدرون)) داخلٌ معه في
حيّز العلم.
وقوله سبحانه: ﴿يُؤْنِهِ مَن يَشَاءُ﴾ خبرٌ ثانٍ لـ ((أَنَّ)، أو هو الخبرُ وما قبله على
ما قيل: حالٌ لازمةٌ، أو استئنافٌ.
وقوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمون
ما قبله.
وذهب بعضٌ إلى أنَّ الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو
لمن لم يؤمن منهم بعدُ، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام
آمنوا بمحمد ◌َ ﴿، أي: اثبُتُوا على الإيمان به، أو أحدِثوا الإيمانَ به عليه الصلاة
والسلام، يؤتكم نصيبين من رحمته: نصيباً على إيمانكم بمن آمنتُم به أولاً، ونصيباً
على إيمانكم بمحمد ﴿ آخِراً، ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتابِ أنَّهم
لا ينالون شيئاً مما ينالُه المؤمنون منهم، ولا يتمكّنُون من نَيله حيثُ لم يأتوا بشرطه
الذي هو الإيمان برسوله وَّهِ. وأُيِّد ذلك بما في ((صحيح البخاري)): ((مَن كانت له
أَمَةٌ علَّمها فأحسَنَ تعليمَها، وأذَّبَها فأحسَنَ تأديبَها، وأعتَقَها وتزوَّجها، فله أجران،
وأيُّما رجلٍ مِن أهل الكتابِ آمَنَ بنبيّه وآمن بي فله أجرانٍ، وأيُّما مملوكٍ أدَّى حقَّ الله
(١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٦ /١٧٨ .
(٢) تفسير الثعلبي ٩/ ٢٥٠.

الآية : ٢٩
٤٥٩
سُورَةُ الحَدِك
تعالى وحقَّ مواليه فله أجران))(١)، ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا
قيل: الخطابُ لهم لأنَّ ملَّتهم غيرُ منسوخةٍ قبل ظهور الملةِ المحمدية ومعرفتهم
بها، فيثابُون على العمل بها حتى يجبَ عليهم الإيمانُ بالنبيِّ نَّهِ، فإذا آمنوا أُثِبُوا
أيضاً فكان لهم ثوابان.
نعم قد يُستَشكلُ بالنسبة إلى غيرهم؛ لأنَّ مِلَلَهم منسوخةٌ بملَّة عيسى عليه
السلام، والمنسوخُ لا ثوابَ في العمل به، ويجابُ بأنه لا يَبعدُ أنْ يُثابوا على
العمل بمَّتهم السابقة - وإنْ كانت منسوخةً - ببركة الإسلام.
وأجاب بعضُهم: أنَّ الإثابةَ على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيّه وإن كان منسوخَ
الشريعة، فإنَّ الإيمان بكلِّ نبيٍّ فرضٌ، سواء كان منسوخَ الشريعة أم لا .
وقيل: إنَّ((لا)) في ((لأن لا يعلم)) غيرُ مزيدةٍ، وضمير ((لا يقدرون)) للنبيِّ وَّلـ
والمؤمنين، أي: فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقدَ أهلُ الكتاب أنَّ الشأن لا يقدِرُ النبيُّ وَّل
والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى، الذي هو عبارةٌ عما أُوتُوه من سعادة
الدارَين ولا ينالونه، أو أنَّهم - أي: النبيُّ عليه الصلاة والسلام والمؤمنون -
لا يقدرون .. إلخ، على أنَّ عدم عِلْمهم بعدم قدرتهم على ذلك كنايةٌ عن علمهم
بقدرتهم عليه، فيكون قوله سبحانه: (وَأَنَّ الْفَضْلَ) إلخ معطوفاً على ((أن لا يعلم))
داخلاً معه في حيِّز التعليل دون ((أن لا يقدر))، فكأنه قيل: فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقدوا
كذا؛ ولأنَّ الفضل بيد الله، فيكونُ من عَطْف الغايةِ على الغاية بناءً على المشهور.
ولتكلُّف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظمُ المفسرين.
وقرأ حِظَّان(٢) بن عبد الله: ((لأَنْ لا يعلم)) بالإظهار(٣). وعبد الله بن مسعود
(١) صحيح البخاري (٩٧) و(٣٠١١) و(٣٤٤٦)، وأخرجه أيضاً مسلم (١٥٤)، وهو من حديث
أبي موسى الأشعري څ﴾.
(٢) في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٢٢٩/٨: خطاب، والصواب ما أثبتناه، وهو حطان بن عبد الله
الرقاشي، - ويقال: السدوسي - البصري، قرأ القرآن على أبي موسى الأشعري ﴿ه، وقرأ
عليه الحسن البصري، توفي سنة نيف وسبعين. معرفة القراء الكبار ١٣٧/١.
(٣) البحر ٢٢٩/٨، والقراءة في القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحرر الوجيز ٢٧١/٥: ((لأي

سُورَةُ الحَدِك
٤٦٠
الآية : ٢٩
وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة على اختلاف: (ليعلم))(١)، وقرأ
الجحدري أيضاً: ((وليَّعلم))(٢) على أنَّ أصله: لئن يعلم، فقُلبَت الهمزةُ ياءً لكسرة
ما قبلها، وأدغمَت النون في الياء بغير غنَّة.
وروى ابن مجاهد عن الحسن: (لَيْلَا)) مثل ليلى اسم المرأة ((يعلمُ» بالرفع (٣)،
ووُجِّه بأنَّ أصلَه: لَأنْ لا، بفتح لام الجرِّ وهي لغة، وعليه قوله:
أُريدُ لَأَنْسى ذكرَها فكأنَّما
تَمَثَّلُ ليْ ليلى بكلِّ سبيلٍ(٤)
فحذِفَت الهمزةُ اعتباطاً وأُدغِمَت النون في اللام فصار: لَلَا، فاجتمعَت
الأمثالُ وثَقُل النطقُ بها، فأبدلوا من اللام المدغمة ياءً نظير ما فعلوا في قيراط
ودينار، حيث أنَّ الأصل: قِرَّاط ودِنَّار، فأبدلوا أحدَ المثلَين فيهما ياءً للتخفيف
فصار: ((لَيْلَا))، ورفع الفعل لأنَّ (أَنْ)) هي المخفَّفة من الثقيلة لا الناصبة
للمضارع.
وروى قطرب عن الحسن أيضاً: ((لِيْلَا)) بكسر اللام(٥)، ووَجْهُه كالذي قبله
إلا أنَّ كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجرِّ.
وعن ابن عباس: ((كي يعلم))، وعنه أيضاً: ((لكيلا يعلم))(٦). وعن عبد الله وابن
جبير وعكرمة: ((لكي يعلم))(٧).
= يعلم))، وفي تفسير القرطبي ٢٧٨/٢٠، والدر المصون ٢٥٩/١٠: ((لأن يعلم)).
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والقرطبي ٢٧٩/٢٠، والبحر المحيط ٢٢٩/٨.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وهي من القراءات الشاذة ص١٥٣: ((لي يعلم))، والبحر ٢٢٩/٨:
(لينيعلم))، والدر المصون ٢٥٩/١٠: ((لينَّعلم))، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٦٨/٤
بلفظ: ((لين يعلم)) دون نسبة وقال: بإدغام النون في الياء.
(٣) البحر المحيط ٢٢٩/٨.
(٤) البيت لكُثِيِّر عزة، وهو في ديوانه ص٢٧٦، وسلف ٧/ ٨٢.
(٥) القراءات الشاذة ص١٥٣، والمحتسب ٣١٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٧١/٥، والبحر
٢٢٩/٨.
(٦) القراءتان في المحرر الوجيز ٢٧١/٥، والبحر ٢٢٩/٨.
(٧) معاني القرآن للفراء ١٣٧/٣، والمحرر الوجيز ٣٧١/٥، والبحر المحيط ٢٢٩/٨.