النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٧٦ ٣٠١ سُوَّةُ الَّحْمنَّ الإنس فهنَّ أجلُّ قدرًا وأحسنُ منظرًا من الحور المقصورات في الخيام، بناءً على أنَّهنَّ المخلوقات في الجنة، فقد جاء من حديث أمِّ سلمة: قلتُ يا رسول الله: أنساءُ الدنيا أفضلُ أم الحورُ العينُ؟ قال: ((نساءُ الدنيا أفضلُ من الحورِ العين كَفَضْلِ الظهارة على البطانة))، قلتُ: يا رسولَ الله، وبمَ ذاك؟ قال: ((بصلاتهنَّ وصيامهنَّ وعبادتهنَّ أَلبسَ اللهُ وجوهَهنَّ النورَ، وأجسادَهنَّ الحريرَ، بيضُ الوجوه خُضر الثياب صُفر الحلي، مجامرهنَّ الدرُّ وأمشاطهنَّ الذهبُ، يَقُلْنَ: ألا نحنُ الخالداتُ فلا نموتُ أبدًا، ألا ونحنُ الناعماتُ فلا نبأسُ أبدًا، طوبَى لمن كنَّا له وكان لنا))(١)، إلى غيره من الأخبار ويكون هذا مؤيِّدًا للقول بتفضيل الجنتين الأُولَيين على الأخيرَتَين، ولعله إنَّما قدَّم سبحانه ذكرَ الاتِّكاء أولًا على ذكر النساء؛ لأنَّه عز وجل ذكر في صدر الآية الخوفَ حيث قال سبحانه: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ. جََّانِ) فناسب التعجيلَ بذكر ما يُشعر بزواله إشعارًا ظاهرًا، وهو الاتكاء، فإنَّه من شأن الآمنين، وأخّر سبحانه ذكرَه ثانيًا عن ذكرهنَّ لعدم ما يستدعي التقديمَ، وكونه مما يكون للرجل عادة بعد فراغ ذِهنه عمَّا يحتاجُه المنزلُ من طعام وشرابٍ وقَينة تكونُ فيه، وإذا قلنا: إنَّ الحورَ كالجواري في المنزل كان أمرُ التقديم والتأخير أوقع. وقال الإمامُ في ذلك: إنَّ أهل الجنةِ ليس عليهم تَعَبُ وحركة، فهم متنعِّمون دائمًا، لكنَّ الناسَ في الدنيا على أقسام: منهم مَن يجتمعُ مع أهله اجتماعَ مستوفٍ، وعند قضاء وَطَرَه يغتسلُ وينتشر في الأرض للكَسْب، ومنهم مَن يكون متردِّدًا في طلب الكسب، وعند تحصيله يرجعُ إلى أهله ويستريحُ عما لحقَه من تَعَب قبل قضاء الوَطَر أو بعده، فالله عز وجل قال في أهل الجنة: متكئون قبل اجتماعهم بأهاليهم، متكئون بعد الاجتماعِ، ليعلم أنَّهم دائمون على السكون (٢). ولا يخفَى أنَّ هذا على ما فيه لا يحسمُ السؤالَ، إذ لقائلٍ أنْ يقولَ: لِمَ لَمْ يعكس أمرَ التقديم والتأخير في الموضعَين، مع أنَّه يتضمَّنُ الإشارة إلى ذلك أيضًا، (١) قطعة من حديث أم سلمة عند الطبراني ٣٦٧/٢٣، وقد سلف ص٢٩٢ من هذا الجزء. (٢) مفاتيح الغيب ١٣٥/٢٩ . سُوَدَّة الخَمِنّ ٣٠٢ الآية : ٧٧ - ٧٨ ثم ذكر في ذلك وجهًا ثانيًا، وهو على ما فيه مبنيٌّ على ما لا مستندَ له فيه من الآثار، فتدبّر. ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تَكَذِّبَانِ وقوله عز وجل: ﴿فَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ﴾ تنزيهٌ وتقديسٌ له تعالى، فيه تقريرٌ لِمَا ذكر في هذه السورة الكريمةِ من آلائه جلَّ شأنه الفائضةِ على الأنام، فـ ((تبارك)) بمعنى: تعالى؛ لأنَّه يكونُ بمعناه وهو أنسبُ بالوصف الآتي، وقد وردَ في الأحاديث: ((تعالى اسمه))(١)، أي: تعالى اسمُه الجليل الذي من جملته ما صُدِّرت به السورة من اسم ((الرحمن)) المنبئ عن إفاضةِ الآلاء المفصّلة، وارتفَعَ مما لا يليقُ بشأنه من الأمور التي من جملتها جحودُ نعمائه وتكذيبُها، وإذا كان حالُ اسمه تعالى بملابسة دلالته عليه سبحانه كذلك فما ظُّك بذاته الأقدس الأعلى؟! وقيل: الاسمُ بمعنى الصفة؛ لأنَّها علامة على موصوفها . وقيل: هو مُقحَمِّ کما في قول من قال: ثم اسمُ السلام عليكما(٢) وقيل: هو بمعنى المسمَّى. وزعم بعضُهم أنَّ الأنسبَ بما قُصِدَ من هذه السورة الكريمة - وهو تعدُّد الآلاء والنعم - تفسير ((تبارك)» بـ: كَثُرت خيراته، ثم إنَّه لا بُعْدَ في إسناده بهذا المعنى لاسمه تعالى، إذ به يُستمطر فيغاث ويستنصر فيعان. وقوله سبحانه: ﴿ذِى الْمَلَلِ وَالْإِكْرَاءِ﴾ صفةٌ للرب، ووُصِفَ جل وعلا بذلك (١) جزء من حديث أخرجه الحارث في مسنده (١٠٢٤ - زوائد) عن أنس به أن أبا طلحة قرأ هذه الآية ﴿أَنفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فقال: ما أرى ربنا تعالى اسمه إلا يستنفرنا شبابًا وشيوخًا جهزوني ... (٢) قطعة من بيت للبيد، وهو في ديوانه ص ٢١٤، وسلف ٤٥٦/١١، وتمامه: إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما ومَن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر سُورَّة الّمنّ ٣٠٣ التفسير الإشاري تكميلًا لما ذكر من التنزيه والتقرير، وقرأ ابن عامر وأهل الشام: ((ذو)) بالرفع(١) على أنَّه وصفٌ للاسم، ووصفُه بـ ((الجلال والإكرام)) بمعنى التكريم واضحٌ. هذا ومن باب الإشارة في بعض الآيات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ إشارةٌ إلى ما أودعَهَ سبحانه في الأرواح الطيبة القدسيةِ من العلوم الحقَّانية والإجمالية(٢) عند استوائه عز وجل على عرش الرحمانية. ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ الكاملَ الجامعَ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وهو تفصيلُ تلك العلومِ الإجمالية ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ﴿٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. ﴿الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ يشيرُ إلى شمس النبوة وقمرِ الولايةِ الدائرتَين في فلك وجود الإنسان بحساب التجلّيات ومراتبِ الاستعدادات، ﴿وَالنَّجْمُ﴾ القوى السُّفلية ﴿وَالشَّجَرُ﴾ الاستعداداتُ العلويةُ ﴿يَسْجُدَانِ﴾ يتذلَّلان بين يديه تعالى عند الرجوع إليه سبحانه . ﴿وَالسَّمَاةَ﴾ سماء القوى الإلهية القدسية ﴿رَفَّعَهَا﴾ فوقَ أرض البشرية ﴿وَوَضَعَ اُلْمِيزَانَ﴾ القوة المميزة ﴿أَلَّا تَظْفَوْاْ فِى الْمِيزَانِ﴾ لا تَتَجاوزُوا عند أَخْذ الحظوظِ السفلية وإعطاءِ الحقوقِ العلوية. وجوِّز أنْ يكونَ («الميزان)) الشريعةَ المطهرة، فإنَّها ميزانٌ يُعرَف به الكاملُ من الناقص. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ أرض البشرية ﴿وَضَعَهَا﴾ بسطها وفَرَشها ﴿لِلْأَنَامِ﴾ للقوى الإنسانية فِيهَا فَكِهَةٌ﴾ من فواكه معرفةِ الصفات الفعلية ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ﴾ وهي الشجرة الإنسانية التي هي المظهرُ الأعظمُ وذات أطوار، كلُّ طَوْرٍ مستورٌ بطورٍ آخرَ. ﴿وَالَبُّ﴾ هو حَبُّ الحبِّ المبذور في مزارع القلوب السليمة من الدَّغل ﴿ذُو (١) التيسير ص٢٠٧، والنشر ٢٨٢/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٧/٥. (٢) في (م): الحقانية الإجمالية. سُوَدَّةُ الَمّ ٣٠٤ التفسير الإشاري اَلْعَصْفِ﴾ أوراق المكاشفات ﴿وَاَلرَّيْجَانُ﴾ ريحان المشاهدة. ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ﴾ ربُّ مشرق شمسِ النبوة ومَشرقٍ قمرِ الولاية في العالم الجسماني، وربُّ مغربهما في العالم الروحاني. ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ﴾ بحرَ سماء القوى العلويةِ، وبحر أرضٍ القوى السفلية ﴿يَلْنَقِيَانِ * بَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجزُ القلب ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ أنواعُ أنوارِ الأسرار ونيران الأشواق. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْنُشَاتُ﴾ سُفُن الخواطر المسخّرة في بحر الإنسان. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ما شمَّ رائحة الوجود ﴿وَيَبْقَى رَبْهُ رَيِّكَ﴾ الجهة التي تليه سبحانه، وهي شؤوناتُه عز وجل ﴿ذُو الْجَلِ﴾ أي: الاستغناء التامِّ عن جميع المظاهر ﴿وَآلْإِكْرَامِ﴾ الفيض العام، يفيضُ على القوابل حسبما استعدَّت له وسألته بلسان حالها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَسْثَلُهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلخ. واستَدَلَّ الشيخُ الأكبر محيي الدين(١) قُدِّس سرُّه بقوله سبحانه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍ﴾ على شرف التلوُّن، وكذا استدلَّ به على عدم بقاءِ الجوهر آنّين، وعلى هذا الطّرْز ما قيل في الآيات بعد. وذكر بعضُ أهل العلم أنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا بُّكَذِّبَانِ﴾ قد ذكر إحدَى وثلاثينَ مرةً، ثمانيةً منها عقيبَ تعدادِ عجائتٍ خلقه تعالى، وذِكْرِ المبدأ والمعاد؛ وسبعةً عقيب ذكر ما يُشعرُ بالنار وأهوالها على عدد أبواب جهنم؛ وثمانية في وصف الجنَّتَين الأُولَيين، ومثلُها في وصف الجنتين اللَّتَين دونهما، على عدد أبواب الجنة، فكأنَّه أشير بذلك إلى أنَّ مَن اعتقَدَ الثمانية الأُولى وعمل بموجبها استحقَّ كلتا الجنتين من الله تعالى، ووقاه جهنّم ذات الأبواب السبعة. والله تعالى أعلم بإشارات كتابه، وحقائقٍ خطابه، ودقائق كلامه، التي لا تُحيطُ بها الأفهام، وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام. (١) ينظر تفسيره ٢٨٧/٢. : سُوَرَةُ الوَاقِعَةِ مكية كما أخرجَه البيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرُه عن ابن عباس(١)، وابن مردويه عن ابن الزبير(٢). وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ٣٩ واستثنَى بعضُهم قولَه تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ كما حكاه في ((الإتقان)) وكذا استثنى قوله سبحانه: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ إلى ﴿ِتُكَذِّبُونَ﴾ لِمَا أخرجَه مسلم في سبب نزوله(٣)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ٤٠ ٧٥ وفي ((مجمع البيان)) حكايةُ استثناءٍ قولِه تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ عن ابن عباس وقتادة(٤). وعددُ آيِها تسعٌ وتسعون في الحجازي والشامي، وسبعٌ وتسعون في البصري، وستٌّ وتسعون في الكوفي، وتفصيلُ ذلك فيما أُعدَّ لِمثله. وهي وسورةُ الرحمن متواخيةٌ في أنَّ في كلٌّ منهما وصفُ القيامة والجنة والنار، وقال في ((البحر)): مناسبتُها لِمَا قبلها أنَّه تضمَّن العذاب للمجرمين والنعيم للمؤمنين، وفاضَلَ سبحانه بين جنَّتَي بعضِ المؤمنين وجئَّتَي بعضٍ آخَرَ منهم، فانقسَم المكلَّفون بذلك إلى كافرٍ، ومؤمنٍ فاضلٍ، ومؤمنٍ مفضول؛ وعلى هذا جاء ابتداءُ هذه السورة من كونهم أصحابَ ميمنةٍ، وأصحابَ مشأمة، وسابقين(٥). (١) دلائل النبوة ١٤٤/٧، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٧). (٢) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٣/٦. (٣) الإتقان ١/ ٥١، وسيأتي عند تفسير الآية. (٤) مجمع البيان ١٠٩/٢٥ . (٥) البحر المحيط ٢٠٢/٨. ٣٠٦ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ وقال بعضُ الأجلة: انظر إلى اتّصال قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ بقوله سبحانه: (فَإِذَا أَنشَقَّتِ السَّمَاءُ) وأنَّه اقتصر في ((الرحمن)) على ذكر انشقاقِ السماء، وفي ((الواقعة)) على ذكر رجِّ الأرض، فكأنَّ السورتَين لتلازُمِهما واتِّحادهما سورةٌ واحدة، فذُكِرَ في كلِّ شيءٌ، وقد عكس الترتيبَ فذكر في أول هذه ما في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، فافتَتَح في سورة الرحمن بذكر القرآن، ثم ذِكْر الشمسِ والقمر، ثم ذكر النبات، ثم خَلْقِ الإنسان والجانِّ، ثم صفةِ يوم القيامة، ثم صفةِ النار، ثم صفة الجنة؛ وهذه ابتداؤُها بذكر القيامة، ثم صفةِ الجنة، ثم صفةٍ النار؛ ثم خَلْقِ الإنسان، ثم النباتِ، ثم الماءِ، ثم النارِ، ثم ذُكرَت النجومُ ولم تذكر في ((الرحمن))، كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر الميزان، فكانت هذه كالمقابلة لتلك، وكالمتضمنة لردِّ العجز على الصدر. وجاء في فضلها آثار، أخرج أبو عبيد في ((فضائله)) وابن الضريس والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن ابن مسعود قال: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((مَن قرأ سورةَ الواقعةِ كلَّ ليلةٍ لم تُصبه فاقةٌ أبدًا))(١). وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس نحوه مرفوعًا(٢). وأخرج ابن مردويه عن أنس عن رسول الله وَّ﴿ قال: ((سورةُ الواقعة سورةٌ الغِنَی فاقرؤوها وعلموها أولادكم»(٣). (١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص١٣٨، وفضائل القرآن لابن الضريس (٢٢٦)، ومسند الحارث ٧٢٩/٢ (٧٢١)، وشعب الإيمان (٢٤٩٩) و(٢٥٠٠)، وعزاه لابن مردويه وأبي يعلى السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٣/٦، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل ١١٢/١. وفي إسناده السري بن يحيى، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٦٣: اختلف أصحاب السري، هل شيخه شجاع أو أبو شجاع، واختلفوا في شيخ شجاع، هل هو أبو فاطمة أو أبو ظبية، ثم اختلفوا في ضبط أبي ظبية، فعند الدارقطني بالطاء المهملة بعدها تحتانية ثم موحدة، وأنه عيسى بن سليمان الجرجاني، وأن روايته عن ابن مسعود منقطعة ... وعند البيهقي أنه بالمعجمة بعدها موحدة ثم تحتانية، وأنه مجهول، وقال أحمد ابن حنبل: هذا حديث منكر وشجاع لا أعرفه. اهـ. (٢) تاريخ دمشق ٤٤٤/٣٦. (٣) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٦/ ١٥٣. الآية : ١ ٣٠٧ سُورَةُ الوَاقِعَةِ، وأخرج الديلمي عنه مرفوعًا: ((عَلِّموا نساءكم سورةَ الواقعة، فإنَّها سورةُ الغِنَى))(١). بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَّعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾﴾ أي: إذا حدثَت القيامةُ، على أنَّ ((وقعت)) بمعنى حدثَت، و((الواقعة)) علمٌ بالغلبة أو منقول للقيامة، وصرَّح ابن عباس بأنَّها من أسمائها، وسمِّيَت بذلك للإيذان بتحقُّق وقوعها لا محالةَ، كأنَّها واقعةٌ في نفسها(٢) مع قَطْع النظر عن الوقوع الواقع في حيز الشَّرط، فليس الإسناد كما في: جاءني جاءٍ، فإنَّه لغوٌ لدلالة كلٌّ فعلٍ على فاعل له غير معيّن. وقال الضحاك: ((الواقعة)) الصيحةُ، وهي النفخةُ في الصُّوْر. وقيل: ((الواقعة)) صخرةُ بيتِ المقدس تقعُ يوم القيامة. وليس بشيءٍ. و((إذا)) ظرفٌ متضمّنٌّ معنى الشرط على ما هو الظاهر، والعاملُ فيها عند أبي حيان الفعلُ بعدها(٣)، فهي عنده في موضع نصب بـ ((وَقَعت)) كسائر أسماء الشرط، وليست مضافةً إلى الجملة. والجمهورُ على إضافتها؛ فقيل: هي هنا قد سُلَبَت الظرفية ووقعت مفعولًا به لـ : اذكُر، محذوفًا . وقيل: لم تُسلَب ذلك وهي منصوبةٌ بـ ((ليس))، وصنيع الزمخشريِّ يُشعرُ باختياره(٤). وقيل: بمحذوف، وهو الجوابُ، أي: إذا وَقَعت الواقعةُ كان كيت وكيت. (١) الفردوس بمأثور الخطاب ٣/ ١٠ (٤٠٠٥). (٢) في الأصل: بنفسها. (٣) البحر المحيط ٢٠٢/٨. (٤) الكشاف ٤/ ٥١ . سُورَةُ الوَاقِعَةِ، ٣٠٨ الآية : ٢ قال في ((الكشف)): هذا الوجه العربي الجزل، فالنصبُ بإضمار ((اذكر)) إنما كثُر في ((إذ))، وبـ ((ليس)) إنَّما يصحُّ إذا جعلت لمجرَّد الظرفية، وإلا لوجَبَ الفاءُ في («لیس)). وأبو حيان تعقّب النصبَ بـ ((ليس)) بأنَّه لا يذهب إليه نحويٌّ؛ لأنَّ ((ليس)) في النفي كـ (ما)) وهي لا تعمل، فكذا ((ليس)) فإنَّها مسلوبةُ الدلالة على الحدث والزمان، والقولُ بأنَّها فعلٌ [هو] على سبيل المجاز، والعاملُ في الظرف إنَّما هو ما يقعُ فيه من الحدث، فحيث لا حدَثَ فيها لا عمَلَ لها فيه. ثم ذَكَر نحوَ ما ذَكَرَ صاحبُ ((الكشف)) من وجوب الفاء في ((ليس)) إذا لم تجرَّد عن الشرطية (١). واعتُرِضَ دعواه أنَّ ((ما)) لا تعمل، بأنَّهم صرَّحوا بجواز تعلُّق الظرف بها لتأويلها بـ ((انتفى»، وأنَّه يكفي له رائحةُ الفعل، ويقاسُ عليها في ذلك ((ليس))، وكذا دعوى وجوبِ الفاء في ((ليس)) إذا لم تُجرَّد ((إذا)) عن الشرطية بأنَّ لزومَ الفاء مع الأفعال الجامدةِ إنما هو في جواب ((إنْ)) الشرطية لعملها كما صرَّحوا به. وأما ((إذا)) فدخول الفاء في جوابها على خلاف الأصل. وسيأتي إن شاء الله تعالى فيها قولان آخران. وبعد القيل والقال الأَولَى كونُ العامل محذوفًا، وهو الجوابُ كما سمعتَ، وفي إبهامه تهويلٌ وتفخيم لأمر الواقعة. وقوله تعالى: ﴿لَسَ لِوَقْعِهَا كَاذِبَةٌ ﴾﴾ إما اعتراضٌ يؤكد تحقّق(٢) الوقوع، أو حالٌ من ((الواقعة)) كما قال ابنُ عطية(٣). و((كاذبة)) اسمُ فاعل وَقَع صفةً لموصوف محذوفٍ، أي: نفس، وقيل: مقالة. والأولُ أَولَى؛ لأنَّ وَصْف الشخص بالكذب أکثرُ من وصف الخبر به. والوقعة(٤): السقطةُ القوية، وشاعَت في وقوع الأمر العظيم، وقد تُخَصُّ بالحرب ولذا عبّر بها هنا، واللام للتَّوقيت مثلُها في قولك: كتبتُه لخمسٍٍ خَلَون، (١) البحر المحيط ٢٠٢/٨، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في (م): تحقيق. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٨/٥. (٤) في (م): الواقعة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٨/ ١٤٠، والكلام منه. الآية : ٢ ٣٠٩ سُؤَدَّةُ الْوَاقِعَةِ أي: لا يكون حين وقوعِها نفسٌ كاذبةٌ، على معنى: تَكْذِبُ على الله تعالى وتَكْذِبُ في تكذيبه سبحانه وتعالى في خبره بها، وإيضاحُه: أنَّ منكرَ الساعة الآن مكذِّبٌ له تعالى في أنَّها تقعُ، وهو كاذبٌ في تكذيبه سبحانه؛ لأنَّه خبرٌ على خلاف الواقع، وحين تقعُ لا يبقَى كاذبًا مكذِّبًا، بل صادقًا مصدِّقًا. وقيل: على معنى: ليس في وقت وقوعها نفسٌ كاذبةٌ في شيءٍ من الأشياء، ولا يخفى أنَّ صحته مبنيةٌ على القول بأنَّه لا يصدر من أحد كذِبٌ يوم القيامة؛ وأنَّ قولهم: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مجابٌ عنه بما هو مذكورٌ في محلِّهِ. أو اللام على حقيقتها، و((كاذبة)) صفة لذلك المحذوف أيضًا، أي: ليس لوقعتها نفسٌ كاذبةٌ، بمعنى: لا يُنكرُ وقوعَها أحدٌ ولا يقولُ للساعة: لم تكوني؛ لأنَّ الكونَ قد تحقَّق، كما يقولُ لها في الدنيا بلسان القول أو الفعل؛ لأنَّ مَن اغتَرَّ بزخارفِ الدنيا فقد كذَّب الساعة في وَقْعتها بلسان الحال: لن تكوني، وهذا کما تقول لمخاطبك: ليس لنا ملك، ولمعروفك كاذب، أي: لا یکذبك أحدٌ، فيقول: إنَّه غيرُ واقع، وفيه استعارةٌ تمثيليةٌ؛ لأنَّ الساعةَ لا تصلُح مخاطبًا إلا على ذلك، إما على سبيل التخييل من باب: لو قيل للشحم أين تذهب؟ وهو الأظهرُ، وإما على التحقيق. وجُوِّز كونُ ((كاذبة)) من قولهم: كذبَت نفسُه وكذبته: إذا منَّته الأمانيَّ، وقرَّبت له الأُمورَ البعيدة، وشجَّعَته على مباشرة الخَطْبِ العظيم، واللام قيل: على حقيقتها أيضًا، أي: ليس لها إذا وقعَت نفسٌ تحدِّثُ صاحبَها بإطاقة شدَّتها واحتمالها وتُغريه عليها. وفي ((الكشف)): إنَّ اللام على هذا الوجه للتوقيت كما على الوجه الأول. وجوِّز أيضًا كون ((كاذبة)) مصدرًا بمعنى التكذيب، وهو التثبيط، وأمرُ اللام ظاهرٌ، أي: ليس لوقعتها ارتدادٌ ورجعةٌ، كالحملة الصادقة من ذي سطوةٍ قاهرة؛ وروي نحوه عن الحسن وقتادة، وذكر أنَّ حقيقةَ التكذيب بهذا المعنى راجعةٌ إلى تكذيب النفس في كذبها وإغرائها وتشجيعها، وأنشد على ذلك لزهير: سُورَةُ الْوَاقِعَةِّ ٣١٠ الآية : ٣ ما اللَّيتُ كَذَّبَ عن أقرانِهِ صَدَقا(١) ليثٌ بِعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ويجوزُ جعلُ الكاذبة بمعنى الكذب على معنى: ليس للوقعة كذب، بل هي وقعةٌ صادقةٌ لا تطاق، على نحو: حملة صادقة، وحملة لها صادق(٢)، أو على معنى: ليس هي في وقت وقوعها كذب؛ لأنَّه حقٌّ لا شبهةَ فيه. ولعلَّ ما ذكر أظهرُ مما تقدَّم، وإنْ رُوي نحوه عمَّن سمعتَ. نعم قيل عليهما: إنَّ مجيء المصدر على زِنَةِ الفاعل نادرٌ. خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي خافضةٌ وقولُه عز وجل: ﴿خَافِظَةٌ رَِّعَةُ ® لأقوامٍ رافعةٌ لآخرين كما قال ابن عباس، وأخرجَه عنه جماعةٌ(٣)، والجملة تقريرٌ لعظمتها وتهويلٌ لأمرها، فإنَّ الوقائع العظام شأنُها الخفضُ والرفعُ كما يُشاهَد في تبدُّل الدول وظهور الفتن من ذُلِّ الأعزةِ وعزِّ الأذلةِ. وتقديمُ الخفض على الرفع لتشديد التهويل، أو بيانٌ لِمَا يكون يومئذ من حطّ الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى درجات الجنات، وعلى هذا قولُ عمرَ ◌َُله: خفَضَت أعداءَ الله تعالى إلى النار ورفعَت أولياءَه إلى الجنة. أو بيانٌ لِمَا يكونُ من ذلك ومن إزالة الأجرامِ عن مقارِّها، ونَثْرِ الكواكبِ، وتسييرِ الجبال في الجوِّ كالسحاب. والضحاك بعد أنْ فسَّر ((الواقعةَ)) بالصيحةِ قال: ((خافضةٌ)) تخفِضُ قوَّتها لتُسمِعَ الأدنَى، ((رافعة)) ترفعها لتسمِعَ الأقصَى، وروي ذلك أيضًا عن ابن عباس وعكرمة. وقدَّر أبو علي المبتدأ مقرونًا بالفاء، أي: فهي خافضةٌ، وجعلَ الجملةَ جواب (إذا)) فكأنَّه قيل: إذا وقَعَت الواقعةُ خفَضَت قومًا ورفَعَت آخرين. وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم (١) ديوان زهير ص٤٥، والكشاف ٥١/٤، و(عَثَّر) بلدٌ في اليمن. معجم البلدان ٤/ ٨٤. (٢) في هامش الأصل: أي: صدق. اهـ. (٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة ٣٧٢/١٣، وعزاه في الدر المنثور ١٥٣/٣ أيضاً لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه .. الآية : ٤ - ٥ ٣١١ سُورَةُ الوَاقِعَةِ والزعفراني واليزيدي في اختياره: ((خافضةً رافعةً)) بنصبهما (١)، ووجهُهُ أنْ يُجعَلا حالَين عن ((الواقعة)) على أنَّ ((ليس لوقعتها كاذبة)) اعتراضٌ، أو حالَين عن ((وقعتها)). أي: زلزلَت وحرِّكَت تحریکا وقوله سبحانه: ﴿إِذَا رُقَّتِ الْأَرْضُ رَجًا ) شديدًا بحيث ينهدِمُ ما فوقَها من بناء وجبلٍ، متعلِّقٌ بـ ((خافضة)) أو بـ ((رافعة)) على أنَّه من باب الإعمال، أو بدلٌ من ((إذا وقَعَت)) كما قال به غيرُ واحدٍ، وقال ابن جِنِّي(٢) وأبو الفضل الرازي(٣): ((إذا رُجَّت)) في موضع رفع على أنَّه خبرٌ للمبتدأ الذي هو ((إذا وقعت)) وليست واحدةٌ منهما شرطيةً، بل هي بمعنى: وَقْت، أي: وَقْتُ وقوعها وَقتُ رجِّ الأرض. وادَّعى ابن مالك أنَّ ((إذا)) تكون مبتدأ، واستدلَّ بهذه الآية (٤). وقال أبو حيان: هو بدل من ((إذا وقَعَت))، وجواب الشرط عندي ملفوظٌ به، وهو قولُه تعالى: (فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ) والمعنى: إذا كان كذا وكذا، فأصحابُ الميمنة ما أسعدَهم وما أعظمَ ما يجازون به، أي: إنَّ سعادتَهم وعظمَ رتبتهم(٥) عند الله عز وجلَّ تظهرُ في ذلك الوقت الشديدِ الصَّعب على العالم(٦). وفيه بعدٌ. أي: فُنَّتْ - كما قال ابن عباس ومجاهد - حتى ٥ ﴿وَبُسَتِ الْجِبَالُ بَشًا صارَت كالسَّويقِ المُلْتُوت، من بَسَّ السويق: إذا لَّه. وقيل: سيقَت وسُيِّرَت من أماكنها، من بسَّ الغَنَم: إذا ساقَها، فهو كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ لْقِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠]. (١) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحتسب ٣٠٧/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٩/٥، والبحر المحيط ٨/ ٢٠٣-٢٠٤، وجاء في هامش الأصل: قال ابن خالويه: قال الكسائي: لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأته. اهـ. (٢) في المحتسب ٣٠٧/٢-٣٠٨. (٣) كما في البحر ٢٠٤/٨، وعنه نقل المصنف. (٤) تسهيل الفوائد ص٩٤، والبحر ٢٠٤/٨. (٥) في (م): رتبهم. (٦) البحر المحيط ٢٠٤/٨. سُورَةُ الوَاقِعَةِّ ٣١٢ الآية : ٦ - ٩ وقرأ زيد بن علي: ((رَجَّت)) و((بَسَّت)) بالبناء للفاعل(١)، أي: ارتجَّت وتَفتََّت، وفي كلام هند بنت الخُسِّ تصف ناقةً بما يُستدَلُّ به على حَمْلها: عينُها هاجٌ، وصَلَاها راجٌ، وهي تمشي وتَفَاجُ(٢). ﴿فَكَانَتْ﴾ فصارت بسبب ذلك ﴿هَبَاءُ﴾ غبارًا ﴿قُثْبَثًا﴾ متفرِّقًا، والمرادُ مطلَق الغبار عند الأكثرين، وقال ابن عباس: هو ما يثورُ مع شعاع الشمس إذا دخلَت من كوَّةٍ، وفي رواية أخرى عنه أنَّه الذي يطيرُ من النار إذا اضطرمَت. وقرأ النخعي: ((مُنْبَقًّا)) بالتاء المنطوقة بنقطتين من فوق(٣)، من البَتِّ بمعنى القطع، والمرادُ به ما ذكر من البثِّ بالمثلثة. ﴿وَكُ ﴾ خطابٌ للأمة الحاضرة والأُمم السالفةِ تغليبًا كما ذهب إليه الكثير، وقال بعضُهم: خطابٌ للأمة الحاضرة فقط، والظاهرُ أنَّ ((كان)) أيضًا بمعنى ((صار)) أي: وصرتم ﴿أَزْوَجًا﴾ أي: أصنافًا ﴿ثَثَةً﴾ وكلُّ صنفٍ يكون مع صنفٍ آخرَ في الوجود أو في الذكر فهو زوجٌ، قال الراغبُ: الزوجُ يكون لكلِّ واحدٍ من القرينَين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة، ولكلٍّ قرينَين فيها وفي غيرها كالخفّ والنعلِ، ولكل ما يقترِنُ بآخرَ مماثلًا له أو مضادًّا(٤). وَأَصْحَبُ الْشِئْمَةِ مَا أَصْحَبُ وقوله تعالى: ﴿فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَّةِ اُلْشْئَمَةِ تفصيلٌ للأزواج الثلاثة مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبلَ تفصيلها، والدائرُ على ألسنتهم أنَّ ((أصحاب الميمنة)) مبتدأ، وقوله تعالى: (ما أصحاب الميمنة)) ((ما)) فيه استفهاميةٌ مبتدأ ثانٍ. و((أصحابُ)) خبرُه، والجملةُ (١) البحر المحيط ٢٠٤/٨. (٢) غريب الحديث لابن قتيبة ١٩٢/١، والكشاف ٥٢/٤، وجاء في هامش الأصل في شرح معنى تفاجّ: مِن فجَّ ما بين رجليه: فتحه. اهـ. وقولها: عينها هاج: أي: غائرة، كما في غريب الحديث، وصلاها: الصَّلَا: وَسَطُ الظّهر منَّا ومن كلٍ ذي أربع، أو ما انحدَرَ من الوَرِكَين، أو الفُرْجة بين الجاعرة والذَّنَب، أو ما عن يمين الذَّنب وشماله، وهما صَلَوان. القاموس المحيط (صلا). (٣) المحرر الوجيز ٢٣٩/٥، والقرطبي ١٨٠/٢٠، والبحر المحيط ٢٠٤/٨. (٤) مفردات الراغب (زوج). الآية : ٩ ٣١٣ سُورَةُ الوَاقِعَةِ خبر المبتدأ الأول، والرابط: الظاهرُ القائمُ مقامَ الضمير، وكذا يقالُ في قوله تعالى: (وَأَمْعَبُ المَشْعَةِ) إلخ؛ والأصلُ في الموضعَين: ما هم؟ أي: أيُّ شيءٍ هم في حالهم وصِفَتِهم، فإنَّ ((ما)) وإنْ شاعَت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة، لكنَّها قد تُطلَب بها الصفةُ والحال، كما تقول: ما زيدٌ؟ فيقال: عالمٌ أو طبيبٌ، فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخلَ في المقصود، وهو التفخيمُ في الأول والتفظيعُ في الثاني. والمرادُ تعجيبُ السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة، كأنَّه قيل: فأصحابُ الميمنة في غاية حُسْن الحال، وأصحابُ المشأمة في نهاية سوءِ الحال. وقيل: جملة ((ما أصحاب)) خبرٌ بتقدير القول على ما عُرِف في الجملة الإنشائية إذا وقَعَت خبرًا، أي: مقولٌ في حقِّهم ما أصحاب .. إلخ؟ فلا حاجةَ إلى جَعْلِه من إقامة الظاهر مقامَ الضمير. وفيه نظر. و((الميمنة)) ناحيةُ اليمين، أو اليُمن والبركة، و((المشأمة)) ناحيةُ الشمال من اليد الشؤمَى وهي الشمال، أو هي من الشُّؤْم مقابل اليُمنِ، ورُجِّح إرادة الناحية فيهما بأنَّها أوفقُ بما يأتي في التفصيل. واختلفوا في الفريقَين فقيل: أصحابُ الميمنة أصحابُ المنزلة السَّنيَّة، وأصحابُ المشأمة أصحاب المنزلةِ الدَّنيَّة، أخذًا من تيمُّنهم بالميامِن وتَشَؤُّمهم بالشمائل، كما تسمع في السانح والبارح، وهو مجازٌ شائع، وجوز أنْ يكون کنایةً. وقيل: الذين يُؤْتَون صحائِفَهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم. وقيل: الذين يُؤخَذ بهم ذاتَ اليمين إلى الجنة، والذين يُؤخَّذ بهم ذاتَ الشمال إلى النار. وقيل: أصحابُ اليُمن وأصحاب الشُّؤْمِ، فإنَّ السعداءَ ميامِين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائِيْم على أنفسهم بمعاصيهم، وروي هذا عن الحسن والربيع. سُوَّةُ الْوَاقِعَةِ ٣١٤ الآية : ١٠ ﴾ هو الصنفُ الثالث من الأزواج الثلاثةِ، ١٠ وقوله تعالى: ﴿وَالسََِّّقُونَ السَّبِقُونَ ولعلَّ تأخيرَ ذِكْرهم مع كونهم أسبقَ الأصنافِ وأقدمهم في الفضل، ليردفَ ذكرَهم ببيان محاسِنِ أحوالهم، على أنَّ إيرادهم بعنوان السَّبق مطلقًا معرِبٌ(١) عن إحرازهم قَصَب السَّبق من جميع الوجوه. واختلف في تعيينهم؛ فقيل: هم الذين سَبَقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحقِّ من غير تَلَعثُم وتوانٍ، وروي هذا عن عكرمةً ومقاتل، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزّلَت في حزقيلَ مؤمن آل فرعون، وحبيب النجَّار الذي ذكر في (يسَ))، وعليٍّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه. وكلُّ رجلٍ منهم سابق أُمَّته، وعليٌّ أفضلُهم(٢). وقيل: هم الذين سبَقُوا في حيازةِ الكمالات من العلوم اليقينية ومراتبٍ التقوى الواقعة بعد الإيمان. وقيل: هم الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّهم مُقدَّمو أهلِ الأديان. وقال ابن سيرين: هم الذين صلَّوا إلى القبلتين كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وعن ابن عباس: هم السابقون إلى الهجرة. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: هم السابقون إلى الصلوات الخمس. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن ابن عباس مرفوعًا: ((أولُ مَن يَهجُرُ إلى المسجد وآخِرُ من يخرُجُ منه))(٣). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبادة بن أبي سودة مولَى عبادةَ بنِ الصامت قال: بلغَنَا أنَّهم السابقُون إلى المساجد والخروجِ في سبيل الله عز (٤) وجل(٤). (١) في (م): معرض. (٢) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٥٤/٦. (٣) الفردوس بمأثور الخطاب ٣٤٨/٢ (٣٥٧٤)، وعزاه لأبي نعيم السيوطيُّ في الدر المنثور ٦ /١٥٤. (٤) عزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٤. الآية : ١٠ ٣١٥ سُورَةُ الوَاقِعَّةِ وعن الضحاك: هم السابقون إلى الجهاد. وعن ابن جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمالِ البرِّ. وقال كعب: هم أهلُ القرآن. وفي (البحر)): في الحديث: سئل عن السابقين فقال: ((هم الذين إذا أُعطُوا الحقَّ قَبِلُوه، وإذا سُئِلُوه بَذلُوه، وحَكَموا للناس كحُكْمهم لأنفسِهم))(١). وقيل: الناسُ ثلاثة: فرجلٌ ابتگر الخیرَ في حداثة سنُّه ثم دامَ علیه حتى خرجَ من الدنيا، فهذا هو السابق. ورجلٌ ابتكر عمرَه بالذَّنب وطوَّل الغفلةَ، ثم تراجعَ بتوبتِهِ، فهذا صاحبُ اليمين. ورجلٌ ابتكر الشرَّ في حداثة سنِّه، ثم لم يزل عليه حتى خرجَ من الدنيا، فهذا صاحب الشمال. وعن ابن كيسان: أنَّهم المسارعون إلى كل ما دعا الله تعالى إليه. ورجَّحه بعضُهم بالعموم، وجعل ما ذُكر في أكثر الأقوال من باب التمثيل. وأيَّاما كان فالشائعُ أنَّ الجملةَ مبتدأ وخبرٌ، والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرَت أحوالُهم وعُرفَت فخامتُهم، كقوله: أنا أبو النجم وشِعري شِعري(٢) وفيه من تفخيم شأنهم والإيذانِ بشيوع فَضْلهم ما لا يخفَى. وقيل: متعلّقُ السبق [الأول](٣) مخالفٌ لمتعلّق السَّبق الثاني، أي: السابقون إلى طاعة الله تعالى، السابقون إلى رحمته سبحانه، أو: السابقون إلى الخير، السابقون إلى الجنة، والتقديرُ الأولُ محكيٍّ عن صاحب ((المرشد)). وأنت تعلم أنَّ الحمل مفيدٌ بدون ذلك كما سمعتَ، بل هو أبلغُ وأنسبُ بالمقام. (١) البحر المحيط ٢٠٥/٨، والحديث أخرجه أحمد (٢٤٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية ١٦/١ و١٨٦/٢-١٨٧ عن عائشة ﴿ثقا. (٢) سلف ٢/ ٤١٧ . (٣) ما بين حاصرتين من البحر ٢٠٥/٨، والكلام فيه بنحوه. سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣١٦ الآية : ١١ مبتدأ وخبر، والجملةُ استئنافٌ وأيَّاما كان فقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ بيانيٌّ، وقيل: ((السابقون)) السابقُ مبتدأ، و((السابقون)) اللاحقُ تأكيدٌ له، وما بعدُ خبر، وليس بذاك أيضًا، لفوات مقابلة ما ذُكر لقوله تعالى: (فَأَصْحَبُ) إلخ، ولأنَّ القسمةَ لا تكونُ مستوفاةً حينئذٍ، ولفوات المبالغةِ المفهومةِ من نحو هذا التركيب على ما سمعتَ، مع أنَّهم أعني ((السابقِين)) أحقُّ بالمدح والتعجيب من حالهم من السابقَين، ولفوات ما في الاستئناف بـ ((أولئك المقربون)) من الفخامة، وإنما لم يقل: والسابقون ما السابقون، على منوال الأوَّلَين؛ لأنَّه جعل أمرًا مفروغًا مسلّمًا مستقلًّا في المدح والتعجيب. والإشارة بـ ((أولئك)) إلى السابقين وما فيه من معنى البُعد مع قُرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببُعد منزلتهم في الفضل، و((المقربون)) من القُرْبة بمعنى الحظوة، أي: أولئك الموصوفون بذلك النعت الجليل الذين أُنِيلُوا حظوةً ومكانةً عند الله تعالى. وقال غيرُ واحدٍ: المرادُ: الذين قربَت إلى العرش العظيم درجاتُھم. هذا وفي ((الإرشاد)): الذي تقتضيه جزالةُ التنزيل أنَّ قوله تعالى: (فَأَصْحَبُ الْمَيْمَةِ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وكذا قوله سبحانه: (وَأَصْحَبُ المَشَكُمَةِ) وقولُه جل شأنه: (وَالتَِّقُونَ)؛ فإنَّ المترقَّب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيانُ أَنْفَسٍ الأقسام، وأما أوصافُها وأحوالها فحقُّها أنَّ تبيَّنَ بعد ذلك بإسنادها إليها، والتقدير: أحدُها أصحابُ الميمنة، والآخرُ أصحابُ المشأمة، والثالثُ السابقون، خلا أنَّه لمَّا أُخِّرَ بيانُ أحوال القسمَين الأوَّلَين عُقِّب كلٌّ منهما بجملة معترضةٍ بين القسمَين، منبئةٍ عن ترامي أحوالهما في الخير والشرِّ إنباءً إجماليًّا مشعرًا بأنَّ لأحوال كلٍّ منهما تفصيلًا مترقَّباً، لكنْ لا على أنَّ ((ما)) الاستفهامية مبتدأ وما بعدها خبر، على ما رآه سيبويه(١) في أمثاله، بل على أنَّها خبرٌ لِمَا بعدها، فإنَّ مناط الإفادة بيانُ أنَّ أصحابَ الميمنة أمرٌ بديع - كما يفيدُه كونُ ((ما)) خبرًا - لا بيانُ أنَّ أمرًا بديعًا (١) ينظر الكتاب ١٥٧/٢-١٥٨، والدر المصون ١٩٤/١٠. الآية : ١١ ٣١٧ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ أصحاب الميمنة، كما يُفيدُه كونها مبتدأً، وكذا الحالُ في ((ما أصحاب المشأمة)»، وأما القسمُ الأخير فحيث قرن به بيان محاسنٍ أحواله لم يحتَجْ فيه إلى تقديم الأنموذَج، فقوله تعالى: (التَِّقُونَ) مبتدأ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتفخيم، و((أولئك)) مبتدأ ثانٍ، أو بدل من الأول، وما بعده خبر له، أو للثاني، والجملةُ خبرٌ للأول(١). انتهى. وقيل عليه: إنَّه ليس في جعل جملتَي الاستفهام وقوله سبحانه: (السَّيِقُونَ) أخبارًا لِمَا قبلها بيانٌ لأوصاف الأقسام وأحوالها تفصيلاً حتى يقال: حقُّها أنْ تبيَّنَ بعدَ أنفسِ الأقسام، بل فيه بيانُ الأقسام مع إشارةٍ إلى تَرامي أحوالها في الخير والشرِّ والتعجيب من ذلك. وأيضًا مقتضَى ما ذكره أنْ لا يذكر ((ما أصحاب اليمين)) و ((ما أصحاب الشمال)) في التفصيل. وتُعقّب هذا بأنَّ الذكر محتاجٌ إلى بيان نكتةٍ على الوجه الدائر على ألسنتهم، كاحتياجه إليه على هذا الوجه، ولعلَّها عليه أنَّه لمَّا عقَّب الأولَين بما يُشعرُ بأنَّ الأحوال كلٍّ تفاصيلَ مترقَّبةٌ أُعيدَ ذلك للإعلام بأنَّ الأحوال العجيبةَ هي هذه فلتُسَمع، والذي يتبادرُ للنظر الجليل ما في ((الإرشاد)) من كون ((أصحاب الميمنة)) وكذا كلٌّ من الأخيرَين خبرَ مبتدأ محذوفٍ كما سمعتَ؛ لأنَّ المتبادر بعد بيان الانقسام ذكرُ نَفْس الأقسام على أنْ تكون هي المقصودة أولًا وبالذات دون الحكم عليها وبيانِ أحوالها مطلقًا وإنْ تضمَّن ذلك ذكرَها، لكن ما ذكروه أبعدُ مغزّى، ومع هذا لا يتعيَّن على ما ذكر كونُ تَينك الجملتَين الاستفهاميتَين معترضتَين، بل يجوز أنْ يكون كلٌّ منهما صفةً لِمَا قبلها بتقدير القول، كأنَّه قيل: فأحدُها أصحابُ الميمنة المقولُ فيهم: ما أصحاب الميمنة، وكذا يقال في ((وأصحاب المشأمة)) إلخ، ويجعل أيضًا ((السابقون)) صفة لـ ((السابقون)) قبله، والتأويلُ في الوصفية كالتأويل في الخبرية، ويكون الوصفُ بذلك قائمًا مقامَ تَينك الجملتَين في المدح، والجملةُ بعدُ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كما في الوجه الشائع. (١) تفسير أبي السعود ١٩٠/٨. سُؤَدَّةُ الوَاقِعَةِ ٣١٨ الآية : ١٢ - ١٣ وما يقال: إنَّ في هذا الوجه حذفَ الموصول مع بعض أجزاءِ الصلة، يجابُ عنه بمنع كون ((أل)) في الوصف حيث لم يُرَد منه الحدوث موصولةً. فتأمل ولا تغفل. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّتِ التَّعِيمِ ﴾﴾ متعلِّقٌ بـ ((المقربون))، أو بمضمَر هو حال من ضميره، أي: كائنين في جنات النعيم، وعلى الوجهَين فيه إشارةٌ إلى أنَّ قُربَهم محضُ لذَّةٍ وراحة، لا كقُرب خواصِ الملِك القائمين بأشغاله عنده، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شُغلَ لهم ولا يَرِدُ عليهم أمرٌ أو نهيٌّ، ولذا قيل: ((في جنات النعيم)) دون: جنات الخلود، ونحوه. وقيل: خبرٌ ثانٍ لاسم الإشارة. وتُعقّب بأنَّ الإخبار بكونهم فيها بعدَ الإخبار بكونهم مقرَّبين ليس فيه مزيدُ مزية. وأُجيبَ بأنَّ الإخبارَ الأولَ للإشارة إلى اللذّة الروحانيةِ، والإخبار الثاني للإشارة إلى اللذة الجسمانية. وقرأ طلحة في: ((جنة النعيم)) بالإفراد(١). خبرُ مبتدأ مقدَّرٍ، أي: هم ثلَّةٌ .. إلخ، وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وجوِّز كونُه مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: منهم، أو خبرًا أولًا أو ثانيًا لـ ((أولئك)). وجوَّز أبو البقاء كونَه مبتدأ والخبرُ ((على سرر))(٢) . والثُلَّة في المشهور الجماعةُ كَثُرَت أو قلَّت، وقال الزمخشري: الأمةُ من الناس الكثيرة، وأنشد قوله: وجاءَتْ إليهمْ ثُلَّةٌ خْدَفيٌ بجيشٍ كتيَّارٍ من السَّيل مُزيد وقوله تعالى بعد: (وَقَلِلٌ) إلخ كفى به دليلًا على الكثرة(٣). انتهى، والظاهرُ أنَّه أنشد البيت شاهدًا لمعنى الكثرة في الثُلَّة، فإن كانت الباء تجريدية - وهو الظاهر - فنصٌّ، وإلا فالاستدلال عليها من أنَّ المقام مقامُ مبالغةٍ ومَدْح، وأما استدلالُه (١) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحرر الوجيز ٥/ ٢٤٠، والبحر المحيط ٢٠٥/٨. (٢) إملاء ما من به الرحمن ٣٧٥/٤. (٣) الكشاف ٤/ ٥٢-٥٣ . الآية : ١٤ ٣١٩ سُورَةُ الوَاقِعَةِ بما بعدُ فذلك لأنَّ التقابل مطلوبٌ؛ لأنَّ اللَّة لم تُوضَع للقليل بالإجماع حتى يحمل ما بعدُ على التفنُّن، بل هي إما للكثرة والاشتقاقُ عليها أدلُّ، لأنَّ الثلَّ بمعنى الصبِّ وبمعنى الهَدْم بالكُلِّية، والثّلَّة بالكسر الضأنُ الكثيرة؛ وإما المطلَقِ الجماعة كالفرقة والقطعةِ من الثل بمعنى الكسر، كأنَّها جماعة كُسِرَت من الناس وقُطِعَت منهم، إلا أنَّ الاستعمالَ غَلَب على الكثير فيها، فالمعنى: جماعة كثيرةٌ من الأوَّلين، وهم الناسُ المتقدِّمون من لَدُن آدَمَ إلى نبينا عليهما الصلاة والسلام وعلى مَن بينهما من الأنبياء العظام. ﴾ وهم الناسُ من لَدُن نبينا وَّ إلى قيام الساعة، ﴿وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ١٤ ولا يخالفُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ أمتي يَكْثُرون سائرَ الأمم)) (١) أي: يغلبونهم في الكثرة؛ لأنَّ أكثرية سابقي المتقدِّمين من سابقي هذه الأمة لا تمنعُ أكثريةَ تابعي هؤلاء من تابعي أولئك. وحاصلُ ذلك غلبةُ مجموع هذه الأمةِ كثرةً على مَن سواها، كقريةٍ فيها عشرةٌ من العلماء ومئةٌ من العوامِّ، وأُخرى فيها خمسةٌ من العلماء وألفٌ من العوام، فخواصُّ الأُولَى أكثرُ من خواصٌ الثانية، وعوامُّ الثانية ومجموعُ أهلها أضعافُ أولئك. وَثُلَّةٌ مِّنَ ٣٩ لا يقال: يأبى أكثرية تابعي هؤلاء قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَلِينَ فإنَّه في حقِّ أصحاب اليمين، وهم التابعون، وقد عبَّر في كلِّ بالثلَّة، اَلْآَخِرِينَ أي: الجماعة الكثيرة = لأنَّا نقول: لا دلالةَ في الآية على أكثر مِن وَصْف كلِّ مِن الفريقَين بالكثرة، وذلك لا يُنافي أكثريةَ أحدهما، فتحصَّل أنَّ سابقي الأمم السوالف أكثرُ من سابقي أمتنا، وتابعي أمتنا أكثرُ من تابعي الأمم، والمرادُ بالأمم ما يدخلُ فيه الأنبياء، وحينئذٍ لا يبعدُ أنْ يقال: إنَّ كثرةَ سابقي الأولين ليس إلا بأنبيائهم، فما على سابقي هذه الأمة بأس إذ أكثرُهم سابقو الأمم بضم الأنبياء عليهم السلام. (١) ذكره البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٤٢/٨، وقال المناوي في الفتح السماوي ١٠٢٢/٣: لم أقف عليه. سُورَةُ الوَاقِعَةِ ٣٢٠ الآية : ١٤ وأخرج الإمام أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلَت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَِّينَ * وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ) شقَّ ذلك على أصحاب فقال النبي ◌ُّ : رسول الله وَله، فنزلَت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (إني لأرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنة، بل أنتم نصفُ أهل الجنة - أو شطر أهل الجنة - وتقاسِمُونَهم النصفَ الثاني)»(١)، وظاهرُه أنَّه شقَّ عليهم قلَّة مَن وُصف بها، وأنَّ الآية الثانية أَزالَت ذلك ورفعته وأبدلته بالكثرة، ویدُّ على ذلك ما أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلَت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِينَ) حَزِنَ أصحابُ رسول اللهِ وَّ﴿ وقالوا: إذًا لا يكونُ من أمة محمدٍ بَّهِ إلا قليلٌ. فنزلَت فنسَخَت: (وَقَلِلٌ مِّنَ ٤٠ نصف النهار: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ الْآَخِرِينَ)(٢). وَبَى ذلك الزمخشريُّ فقال: إنَّ الرواية غيرُ صحيحةٍ لأمرَين: أحدهما: أنَّ الآية الأولَى واردةٌ في السابقين، والثانية في أصحاب اليمين. والثاني: أنَّ النسخ في الأخبار غيرُ جائز (٣)، فإذا أخبَرَ تعالى عنهم بالقلَّة لم يجز أن يخبرَ عنهم بالكثرة من ذلك الوجه . وما ذكر من عدم جواز النسخ في الأخبار، أي: في مدلولها مطلقًا هو المختار. وقيل: يجوزُ النسخُ في المتغيّر إنْ كان عن مستقبل؛ لجواز المحو لله تعالى فيما يقدِّره، والإخبار يتبعه(٤)، وعلى هذا البيضاوي(٥). وقيل: يجوز في الماضي أيضًا وعليه الإمام الرازي(٦) والآمدي. (١) مسند أحمد (٩٠٨٠)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٤. (٢) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٥٥. (٣) الكشاف ٤/ ٥٣. (٤) قوله: يتبعه، أي: المحو، أي: إذا محى الله شيئاً يلزم من ذلك أن يخبر بمحوه. حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٠ . (٥) منهاج الأصول ٥٧١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة المحلي في شرحه على جمع الجوامع ١٢٠/٢. (٦) المحصول ٣٢٦/٣، والكلام من شرح المحلي على جمع الجوامع.