النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ٣٠
٢٦١
سُورَةُ الَمن
ويُفني آخرين، ويأتي بأحوال ويذهبُ بأحوال حسبما تقتضيه مشيئتُه عز وجل المبنيَّةُ
على الِكَم البالغة، وأخرج البخاري في ((تاريخه)) وابن ماجه وابن حبان وجماعة
عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ أنَّه قال في هذه الآية: ((من شأنه أنْ يَغفرَ ذنبًا ويُفرِّجَ
کربًا، ويرفعَ قومًا ويضعَ آخرين)) زاد البزار: ((ويُجيب داعيًا))(١).
وقيل: إنَّ لله تعالى في كلِّ يومٍ ثلاثَ عساكر، عسكرٌ مِن الأصلاب إلى
الأرحام، وعسكرٌ من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرٌ من الدنيا إلى القبور، والظاهر
أنَّ المراد بيانُ كثرةٍ شؤونه تعالى في الدنيا، فـ ((كلُّ يوم)) على معنى: كل وقتٍ من
أوقات الدنيا .
وقال ابن عيينة: الدهرُ عند الله تعالى يومان: أحدُهما اليوم الذي هو مدةُ
الدنيا، فشأنُه فيه الأمرُ والنهيُ والإماتة والإحياء، وثانيهما اليومُ الذي هو يوم
القيامة، فشأنُه سبحانه فيه الجزاءُ والحسابُ.
وعن مقاتل: إنَّ الآية نزلَت في اليهود قالوا: إنَّ الله تعالى لا يقضي يومَ السبتِ
شيئًا. فَرَدَّ عز وجل عليهم بذلك.
وسألَ عبد الله بنُ طاهر الحسينَ بنَ الفضل عن الجمع بين هذه الآية وما صحَّ من
أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة فقال: شؤونٌ يُيديها لا شؤونٌ يَبْتَدِيها .
وانتصَب ((كلَّ يوم)) على الظرف، والعاملُ فيه هو العاملُ في قوله تعالى: (فِ
شَأْنٍ)، وهو ((ثابت)) المحذوف، فكأنَّه قيل: هو ثابتٌ في شأن كل يومٍ .
﴿فَأَتِ ءَالَِّ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿﴾ مما يُسْعِفُ به سؤالُكما وما يُخرج لكما ويُيديه(٢)
من مكمن العدم حينًا فحينًا .
(١) سنن ابن ماجه (٢٠٢)، وصحيح ابن حبان (٦٨٩)، ولم أقف عليه في تاريخ البخاري،
وعزاه له ابن حجر في تغليق التعليق ٣٣٢/٤، والفتح ٦٢٣/٨، وذكره البخاري في صحيحه
موقوفًا على أبي الدرداء بصيغة الجزم قبل الحديث (٤٨٧٨). ورواية البزار في كشف
الأستار (٢٢٦٨) من حديث ابن عمر
(٢) في (م): بيديه.

٢٦٢
الآية : ٣١
﴿َسَنَفْرُ لَكُمْ﴾ الفراغُ في اللغة يقتضي سابقَة شغلٍ، والفراغُ للشيء يقتضي
لاحقيَّته أيضًا، والله سبحانه لا يشغلُه شأنٌ، فجعل انتهاءَ الشؤون المشارِ إليها بقوله
تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنِ) يومَ القيامة إلى واحدٍ هو جزاء المكلَّفين فراغًا لهم على
سبيل التمثيل؛ لأنَّ مَن ترك أشغاله إلى شغل واحدٍ يقال: فرغ له وإليه، فشُبِّه حالُ
هؤلاء وأخذُه تعالى في جزائهم فحسب بحال مَن فرغ له، وجازَت الاستعارة
التصريحيةُ التبعية في ((سنفرغ)) - بأن يكون المرادُ: سنأخذُ في جزائكم
فقط - لاشتراك(١) الأخذ في الجزاء فقط، والفراغ عن جميع المهامِّ إلى واحد في
أنَّ المعنيَّ به ذلك الواحد.
وقيل: المراد التوقّر في الانتقام والنكاية، وذلك أنَّ الفراغ للشيء يُستعملُ
في التهديد كثيرًا، كأنَّه فرغ عن كل شيءٍ لأجله، فلم يبقَ له شُغلٌ غيره، فيدلُّ
على التوقُّر المذكور، وهو كنايةٌ فيمَن يصحُّ عليه، ومجازٌ في غيره كالذي نحن
فيه، ولعل مرادَ ابن عباس والضحاك بقولهما كما أخرج ابن جرير عنهما: هذا
وعيدٌ من الله تعالى لعباده(٢). ما ذكر، والخطابُ عليه قيل: للمجرمين، وتُعقّب
بأنَّ النداء الآتي يأباه، نعم المقصودُ بالتهديد هم، وقيل: لا مانعَ من تهديد
الجميع.
ثم إنَّ هذا التهديد إنَّما هو بما يكون يوم القيامة، وقولُ ابن عطية: يحتمل أنْ
يكون ذلك توعدًا بعذاب الدنيا(٣). مما لا يكاد يُلتَفَت إليه.
وقيل: إنَّ فَرَغ يكونُ بمعنى قصَدَ، واستدلّ عليه بما أنشده ابن الأنباري
لجرير:
أَلَانَ وقَد فرغتُ إلى نُميرٍ فهذا حين كنتُ لهمْ عذابًا(٤)
(١) في (م): الاشتراك، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٣٥/٨، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٢١٦/٢٢-٢١٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٠/٥.
(٤) لم نقف عليه في ديوان جرير، ونُسبَ إلى جرير كما في الحجة للفارسي ٢٤٩/٦، وتفسير
القرطبي ١٣٦/٢٠، والبحر المحيط ١٩٤/٨، والكلام منه.

الآية : ٣١
٢٦٣
سُورَةُ الَّحْمنُ
أي: قصدتُ، وأنشد النحاس :
فَرُغتُ إلى العبد المقيَّد في الحِجْلِ(١)
وفي الحديث: ((لأتفرَّغَنَّ لك يا خبيثُ))(٢) قاله ◌َِّ مخاطبًا به أَزَبَّ العَقَبَةِ يوم
بيعتها، أي: لأقصدنَّ إبطالَ أمرِكَ، ونُقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء(٣)،
والظاهرُ أنَّهم حملوا ما في الآية على ذلك، فالمرادُ حينئذٍ تعلُّق الإرادة تعلُّقًا
تنجیزیًّا بجزائهم.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي: ((سيَفْرُغ)) بياء الغيبة(٤).
وقرأ قتادة والأعرج: ((سنَفرَغُ)) بنون العظمة وفتح الراء(٥) مضارع فَرِغَ بكسرها
وهو لغة تميم، كما أنَّ ((سنَفْرُغُ)) في قراءة الجمهور مضارع فَرَغَ بفتحها لغة
الحجاز.
وقرأ أبو السمال وعيسى: ((سَنِفْرَغُ)) بكسر النون وفتح الراء (٦)، وهي - على
ما قال أبو حاتم - لغةُ سُفلَی مضر.
وقرأ الأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما وابن أبي عبلة والزعفراني: ((سيُفْرَغُ)»
بضم الياء وفتح الراء (٧) مبنيًّا للمفعول.
(١) البحر المحيط ١٩٤/٨، والبيت لجرير، وهو في شرح ديوانه ٩٥٢/٢، وصدره: ولمَّا اتقى
القين العراقي باسْتِهِ، والقين العراقي هو البعيث، كما ذكر شارح الديوان.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٧٩٨)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٥٤٢)، والطبراني في الكبير ١٩/(١٧٥)
عن كعب بن مالك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٤٥: ورجال أحمد رجال الصحيح غير
ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. اهـ. وأزبَّ العقبة: اسم شيطان كان بالعقبة.
(٣) في معاني القرآن ١١٦/٣، والبحر المحيط ١٩٤/٨، والكلام منه.
(٤) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٨١/٢، وهي قراءة خلف، وقراءة
أبي حيوة وزيد بن علي في البحر المحيط ١٩٤/٨.
(٥) القراءات الشاذة ص١٤٩، والمحتسب ٣٠٤/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٠/٥، والبحر المحيط
٨/ ١٩٤.
(٦) القراءات الشاذة ص١٤٩، والمحتسب ٣٠٤/٢، والبحر المحيط ١٩٤/٨.
(٧) المحتسب ٣٠٤/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٠/٥، والبحر المحيط ١٩٤/٨.

سُوَدَّةُ الَمن
٢٦٤
الآية : ٣٢ - ٣٣
وقرأ عيسى أيضًا: ((سنَفْرِغُ)) بفتح النون وكسر الراء (١)، والأعرج أيضًا:
(سَيَفْرَغ)) بفتح الياء والراء (٢) وهي لغة.
وقرئ: ((سأَفرغ)) بهمزة المتكلّم وحدَه، وقرأ أبيّ: ((سَنَفْرُُ إليكم)) عدَّاه
بـ ((إلى))(٣)؛ فقيل: للحَمْل على القصد، أو لتضمينه معناه، أي: سنفرُغ قاصدين
إلیکم.
﴿أَيُّهَ النَّقَلَانِ﴾ هما الإنس والجنُّ، من ثِقَل الدابَّة، وهو ما يُحمَل عليها،
جُعلَت الأرض كالحمولة والإنس والجنُّ ثقلاها، وما سواهما على هذا كالعلاوة،
وقال غيرُ واحدٍ: سُمِّيا بذلك لثِقَلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهما وقَدْرِهما
وعِظَم شأنهما. ويقال لكل عظيم القَدْرِ مما يُتنافسُ فيه: ثقل، ومنه قوله ◌َّ: ((إني
تارٌ فيكم الثقلين كتابَ الله وعترتي))(٤).
وقيل: سُمِّيا بذلك لأنَّهما مُثقَلَان بالتكليف. وعن الحسن: لثِقَلهما بالذنوب.
﴿فَبِأَِّّ ءَالَاءِ رَيْكُمَا تُكَذِّبَانِ
التي من جملتها التنبيهُ على ما ستَلقَونه يوم القيامة
٣٢
للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب.
﴿يَمَعْثَرَ أَلِْنِّ وَالْإِنسِ﴾ هما الثقلان خُوطبا باسم جنسِهما لزيادة التقرير؛ ولأنَّ
الجنَّ مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقَّة فخوطِبوا بما يُنبئُ عن ذلك، لبيان أنَّ
قدرتَهم لا تفي بما كُلِّفوه، وكأنَّه لمَّا ذكر سبحانه أنَّه مُجازٍ للعباد لا محالةَ عقَّب عز
وجل ذلك ببيان أنَّهم لا يقدرون على الخلاص من جزائه وعقابه إذا أراده، فقال
سبحانه: (يَمَعْشَرَ أَلِنِّ وَالْإِنسِ) ﴿إِنِ أَسْتَطَعْتُمْ﴾ إنْ قدرتُم، وأصلُ الاستطاعة طلبُ
طواعية الفعل وتَأَتِّيه ﴿أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنْ تخرجُوا من جوانب
السماوات والأرضِ هاربين من الله تعالى فارِّين من قضائه سبحانه ﴿فَأَنفُذُواْ﴾
(١) المحرر الوجيز ٥/ ٢٣٠، والبحر ١٩٤/٨.
(٢) المحتسب ٣٠٤/٢، وتفسير القرطبي ١٣٧/٢٠-١٣٨، والبحر المحيط ١٩٤/٨.
(٣) القراءتان في الكشاف ٤/ ٤٧ .
(٤) أخرجه بنحوه أحمد (١٩٢٨٥)، ومسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم، وأحمد
(١١١٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وتقدم ٣٢١/٧، و٢٢٧/٢٢.

الآية : ٣٤
٢٦٥
سُوَدَّةُ الْحَمَّ
فاخرجوا منها وخلِّصوا أنفسكم من عقابه عز وجل، والأمر للتعجيز ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾
لا تقدرون على النفوذ ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: بقوة وقهر، وأنتم عن ذلك بمعزل وألفٍ
ألفٍ منزل.
روي أنَّ الملائكة عليهم السلام ينزلون يومَ القيامة فيُحيطون بجميع الخلائق،
فإذا رآهم الجنُّ والإنسُ هربوا، فلا يأتون وجهًا إلا وجدوا الملائكةَ أحاطت به(١).
وقيل: هذا أمرٌ يكون في الدنيا، قال الضحاك: بينما الناس في أسواقهم
انفتَحت السماء ونزلَت الملائكةُ فتهرُب الجنُّ والإنسُ فتحدق بهم الملائكة، وذلك
قبيل قيام الساعة(٢).
وقيل: المرادُ إن استطعتُم الفرارَ من الموت ففرُّوا.
وقيل: المعنى: إنْ قدرتُم أنْ تنفذُوا لتعلموا ما(٣) في السماوات والأرض
فانفذُوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببيِّنةٍ وحُجَّةٍ نَصَبها الله تعالى،
فتعرجون عليها بأفكاركم. وروي ما يقاربُه عن ابن عباس، والأنسبُ بالمقام
لا یخفَی.
وقرأ زيد بن علي: ((إن استطعتُما))(٤) رعايةً للنَّوعَين، وإنْ كان تحت كلِّ أفرادٌ
كثيرةٌ، والجمع لرعاية تلك الكثرة، وقد جاء كلٌّ في الفصيح نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن
طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]
﴿فَبِأَتِّ ءَالَِّ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ جَ﴾ أي: من التنبيه والتحذير والمساهلةِ والعفوِ مع
كمال القدرة على العقوبة، وقيل: على الوجه الأخيرِ فيما تقدَّم، أي: مما نصب
سبحانه من المصاعد العقلية والمعارجِ النقلية، فتنفذون بها إلى ما فوق السماوات
العُلَا.
(١) أخرجه الطبري ٢١٧/٢٢-٢١٨ مطولاً عن الضحاك.
(٢) ذكره القرطبي ١٣٩/٢٠ نقلاً عن النحاس.
(٣) في (م): بما.
(٤) البحر المحيط ١٩٤/٨.

سُوَدَّةُ الْمُنّ
٢٦٦
الآية : ٣٥
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُنَا﴾ استئنافٌ في جواب سؤالٍ مقدَّر عن الداعي للفرار أو
عما يُصيبُهم، أي: يُصَبُّ عليكما ﴿شُوَِّطٌ﴾ هو اللهبُ الخالصُ كما رُوي عن ابن
عباس، وأنشد علیه أبو حیان قولَ حسان:
هجرتُكَ فاختَضَعْتَ لنا بِذُلِّ
بقافيةٍ تَأَجَّحُ كالشُّواظِ(١)
وقيل: اللهبُ المختلط بالدُّخان، وقال مجاهد: اللهب الأحمرُ المنقطع،
وقيل: اللهب الأخضرُ، وقال الضحاك: الدخان الذي يخرجُ من اللهب، وقيل:
هو النارُ والدخانُ جميعًا .
وقرأ عيسى وابن كثير وشبل: ((شِوَاظ)) بكسر الشين(٢).
﴿مِنْ ثَّارٍ﴾ متعلِّقٌ بـ ((يُرسَل)) أو بمضمَر هو صفة لـ ((شُواظ))، و((مِن)) ابتدائية،
أي: كائن من نار، والتنوين للتفخيم.
﴿وَثُمَاسُ﴾ هو الدخانُ الذي لا لهبَ فيه كما قال ابن عباس لنافع بن الأزرق،
وأنشدَ له قولَ الأعشى، أو النابغة الجعدي:
تُضيء كضوءِ السراج السَّليـ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيه نُحَاسَا(٣)
وروي عنه أيضًا وعن مجاهد أنَّه الصُّفر المعروف، أي: يُصَبُّ على رؤوسكما
(١) البحر المحيط ١٨٥/٨، والبيت في ديوان حسان بلفظ:
مُجَلِلةً تُعَمِّمه شنارًا مضرَّمة تأجَّج كالشُّواظ
(٢) قراءة ابن كثير في التيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٨١/٢، وقراءة عيسى وشبل في البحر المحيط
١٩٥/٨.
(٣) نُسب للأعشى في المحرر الوجيز ٢٣١/٥، والدر المصون ١٧٢/١٠، واللباب ١٨٥/٨،
وحاشية الشهاب ١٣٥/٨، ولم نقف عليه في ديوانه.
ونسب للنابغة الجعدي في مجاز القرآن ١٤٥/٢، وغريب القرآن ص ٤٣٨، والشعر والشعراء
٢٩٦/١، والقرطبي ١٤٣/٢٠، والبحر المحيط ١٨٥/٨، وخزانة الأدب ٢٣٧/٥، وهو
في ديوانه ص ٨١. والخبر أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٩٧)، والسيوطي في الإتقان
٣٨٨/١، وجاء في بعض المصادر: سراج، بدل: السراج.
والسليط: الزيت عند عامة العرب، وهو دهن السمسم عند أهل اليمن. اللسان (سلط).

الآية : ٣٥
٢٦٧
سُوَّةُ الْمُنّ
صُفرٌ مذابٌ، والراغبُ فسِّره باللهب بلا دخان ثم قال: وذلك لشَبَهِهِ في اللون
بالنحاس(١).
وقرأ ابن أبي إسحاق والنخعي وابن كثير وأبو عمرو: ((ونحاسٍ)) بالجرِّ(٢) على
أنَّه عطفٌ على ((نار))، وقيل: على (شُواظٍ)) وجُرَّ للجوار فلا تغفل.
وقرأ الكلبي وطلحة ومجاهد بالجرِّ أيضًا لكنَّهم كسروا النون(٣) وهو لغة
فيه .
وقرأ ابن جندب(٤): ((ونَحْسٌ))(٥) کما تقول: یوم نحس.
وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة وابن أبي إسحاق أيضًا: ((ونَحُسُّ)) مضارعًا (٦)،
وماضيه حَسَّه، أي: قتله، أي: ونقتل بالعذاب. وعن ابن أبي إسحاق أيضًا:
((ونحس))(٧) بالحركات الثلاث في الحاء على التخيير. وحنظلة بن عثمان:
((ونَحسٍ)) بفتح النون وكسر السين(٨)، والحسن وإسماعيل: ((ونُحُسٍ)) بضمتين
والكسر(٩)، وهو جمع نحاس كلحاف ولُهُف.
(١) مفردات الراغب (نحس).
(٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في التيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٨١/٢، وهي رواية رويس عن
يعقوب، وقراءة ابن أبي إسحاق والنخعي في المحرر الوجيز ٢٣١/٥، والبحر المحيط
٨/ ١٩٥.
(٣) القراءات الشاذة ص١٤٩، وإعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤، والمحرر الوجيز ٢٣١/٥،
والبحر المحيط ١٩٥/٨.
(٤) هو مسلم بن جندب، وقراءته في إعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤، والمحرر الوجيز ٢٣١/٥،
وتفسير القرطبي ١٤٢/٢٠، والدر المصون ١٧٢/١٠، وتصحف اسمه في الأصل و(م)
ومطبوع البحر ١٩٥/٨ إلى: ابن جبير.
(٥) البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٦) القراءات الشاذة ص١٤٩، والمحتسب ٣٠٤/٢، والبحر المحيط ١٩٥/٨.
(٧) البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٨) القراءات الشاذة ص١٤٩ وسماه: حنظلة بن يعمر، والقرطبي ١٤٢/٢٠ وسماه حنظلة بن
مرة بن النعمان الأنصاري، والبحر المحيط ١٩٥/٨ وسماه حنظلة بن النعمان.
(٩) القرطبي ٢/ ١٤٢، والبحر المحيط ١٩٥/٨.

سُودَة الآمن
٢٦٨
الآية : ٣٦ - ٣٧
وقرأ زيد بن علي: ((نرسل)) بالنون ((شواظًا)) بالنصب ((ونحاسًا)) كذلك عطفًا
على ((شواظًا))(١).
﴿فَلَ تَنَصِرَانِ﴾ فلا تمتنعان وهذا عند الضحاك في الدنيا أيضًا، أخرج ابن
أبي شيبة عنه أنَّه قال في الآية: تخرجُ نارٌ من قِبَلِ المغرب تحشُرُ الناسَ، حتى إنَّها
لتحشر القردَةَ والخنازيرَ، تبيتُ معهم حيث باتوا وتقيلُ حيث قالوا (٢).
وقال في ((البحر)): المرادُ تعجيز الجنِّ والإنس، أي: أنتما بحالٍ مَن يُرسَل
عليه هذا، فلا يقدرُ على الامتناع مما يُرسَل عليه(٣).
﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ فإنَّ التهديدَ لطفٌ(٤)، والتمييزُ بين المطيعِ
والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار من عداد الآلاء.
◌ِفَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ أي: انصدَعَت يوم القيامة، وحديثُ امتناع الخرق حديثُ
خرافة، ومثلُه ما يقوله أهل الهيئة اليوم في السماء، على أنَّ الانشقاق فيها على
زعمهم أيضًا متصوَّر.
﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ أي: كالوردة في الحُمرَة، والمراد بها النَّور المعروف؛ قاله
الزجاج(٥) وقتادة.
وقال ابن عباس وأبو صالح: كانت مثلَ لونِ الفرس الوَرْدِ. والظاهرُ أنَّ
مرادهما : كانت حمراء.
وقال الفراء: أُريدَ لونُ الفرس الورد، يكونُ في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء
إلى الحُمرَة، وفي اشتداد البرد إلى الغُبْرة، فشُبِّه تلوُّن السماء بتلوُّن الورد من
الخيل(٦). وروي هذا عن الكلبي أيضًا.
(١) البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٥/ ٧٨.
(٣) البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٤) إذ به ينزجر الشخص عن المعاصي فيفوز بالنعيم المقيم. حاشية الشهاب ١٣٦/٨.
(٥) ينظر معاني القرآن ١٠١/٥، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٦) معاني القرآن للفراء ١١٧/٣، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ١٩٥/٨.

الآية : ٣٧
٢٦٩
سُورَةُ الَمنَ
وقال أبو الجوزاء: وردة صفراء. والمعوَّل عليه إرادةُ الحُمرَة.
ونصب ((وردةً) على أنَّه خبر ((كان))، وفي الكلام تشبيهٌ بليغٌ، وقرأ عبيد بن
عمير: ((وردةٌ)) بالرفع (١) على أنَّ ((كان)) تامّة، أي: فحصلت سماءٌ وردةٌ، فيكون من
باب التجريد؛ لأنَّه بمعنى: كانت منها - أو فيها - سماء وردةٌ، مع أنَّ المقصودَ أنَّها
نفسها كذلك، فهو كقول قتادة بن مسلمة:
فَلَئِنْ بقيتُ لأَرْحلَنَّ بغزوةٍ
نحوَ المغانمِ أو يموتَ كريمٌ (٢)
حیث عنی بالکریم نفسه.
وقوله تعالى: ﴿كَالذِّهَانِ﴾ خبرٌ ثانٍ لـ ((كانت))، أو نعت لـ ((وردة))، أو حال من
اسم ((كانت)) على رأي مَن أجازه، أي: كدهن الزيت، كما قال تعالى: ﴿كَأَلْهُلِ﴾
[المعارج: ٨] وهو دَرْديُّ الزيت، وهو إما جمع دُهْن كقُرْط وقِراط، أو اسمٌ لِمَا يُدهَنُ
به كالحزام والإدام، وعليه قوله في وَصْف عينَين كثيرتي التذارف:
فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَان(٣)
كأنَّهما مزادَتًا متعجِّلٍ
وهو الدهن أيضًا إلا أنَّه أخصُّ؛ لأنَّه الدهن باعتبار إشرابه الشيءَ، ووجهُ الشبه
الذوبان، وهو في السماء على ما قيل من حرارة جهنّم، وكذا الحُمرة، وقيل:
اللَّمَعَان.
وقال الحسن: أي: كالدهان المختلفةِ؛ لأنَّها تتلوَّن ألوانًا .
وقال ابن عباس: ((الدهان)»: الأديمُ الأحمرُ؛ ومنه قولُ الأعشى:
وأَجْرَدَ من كِرام الخيلِ طِرْفٍ كأنَّ على شواكله دِهَانا (٤)
(١) البحر المحيط ١٩٥/٥.
(٢) معاهد التنصيص ١٤/٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢/ ٧٧٠، وهو دون نسبة في
البحر المحيط ١٩٥/٨.
وفي هامش الأصل: تحوي الغنائم في رواية، أي: تحوز. اهـ.
(٣) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٨٨، وفيه: تسلقا، بدل: تدهنا.
(٤) ديوان الأعشى ٢٣٧، واللسان (دهن)، والبحر المحيط ١٩٥/٨.

سُورَةُ الَمِنّ
٢٧٠
الآية : ٣٨ - ٣٩
وهو مفردٌ أو جمع، واستُدلَّ للثاني بقوله:
بموسم بَدْرٍ أو بسوقٍ مُكاظٍ(١)
تبعنَ الدهانَ الحُمرَ كلَّ عشيَّةٍ
و((إذا)) شرطيةٌ جوابُها مقدَّر، أي: كان ما كان مما لا تُطيقه قوةُ البيان، أو:
وجدتَ أمرًا هائلًا، أو: رأيتَ ما يُذهل الناظرين، وهو الناصب لـ ((إذا)) ولهذا كان
مفرَّعًا ومسبّبًا عما قبله؛ لأنَّ في إرسال الشُّوَاظ ما هو سببٌ لحدوث أمرٍ هائلٍ، أو
رؤيته في ذلك الوقت.
فإنَّ الإخبار بنحو ما ذكر مما يزجُرُ عن الشرِّ،
٣٨
﴿فَأَِ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فهو لطفٌ أيُّ لطفٍ، ونعمةٌ أيُّ نعمة.
﴿فَهِدٍ﴾ أي: يوم إذ تنشقُّ السماء حسبما ذكر ﴿لَّا يُكَلُ عَنَ ذَلِهِ إِسْ وَلَا
جَانٌّ﴾ لأنَّهم يُعرفون بسيماهم وهذا في موقف، وما دلَّ على السؤال من نحو قوله
تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَسْثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] في موقف آخر قاله عكرمة
وقتادة. وموقفُ السؤال على ما قيل عند الحساب، وتركُ السؤال عند الخروج من
القبور، وقال ابن عباس: حيث ذكر السؤال فهو سؤالُ توبيخٍ وتقرير، وحيث نفي
فهو استخبارٌ محضّ عن الذنب، وقيل: المنفيُّ هو السؤالُ عن الذنب نفسِه،
والمثبتُ هو السؤال عن الباعث عليه، وأنت تعلم أنَّ في الآيات ما يدلُّ على
السؤال عن نفس الذنب.
وحكى الطبرسي عن الرضا وظه: أنَّ مَن اعتقدَ الحقَّ ثم أذنبَ ولم يتب ◌ُذِّب
في البرزخ، ويخرجُ يوم القيامة وليس له ذنبٌ يُسألُ عنه(٢). ولعمري إنَّ الرضا لم
يقل ذلك، وحملُ الآية عليه مما لا يلتفَتُ إليه بعين الرضا كما لا يخفَى.
وضمير ((ذنبه)) للإنس وهو متقدّمٌ رتبةً؛ لأنَّه نائبٌ عن الفاعل، وإفرادُه باعتبار
اللفظ، وقيل: لِمَا أنَّ المراد فردٌ من الإنس، كأنَّه قيل: لا يسأل عن ذنبه إنسيّ
ولا جنِّيٌّ.
(١) المحرر الوجيز ٢٣١/٥-٢٣٢، والبحر المحيط ١٨٥/٨، واللباب ٣٣٥/١٨.
(٢) مجمع البيان ٩٨/٢٧.

الآية : ٤٠ - ٤١
٢٧١
سُوَّةُ الَمنّ
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ((ولا جأن)) بالهمز (١) فرارًا من التقاء الساكنَين،
يقال فيه نحو ما سمعت في
وإنْ كان على حدِّه. ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِبَانِ
سابقه.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِمَهُمْ﴾ استئنافٌ يجري مجرَى التعليل لانتفاء السؤال،
و(«المجرمون» قيل: مِن وَضْعِ الظاهر موضعَ الضميرِ للإشارة إلى أنَّ المراد بعض
مِن الإنس وبعضٌ من الجنِّ، وهم المجرمون، فيكون ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْئَلُ
عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
و(سيماهم)) على ما روي عن الحسن: سوادُ الوجوه وزرقةُ العيون. وقيل:
ما يعلوهم من الكآبة والحزن. وجوِّز أنْ تكونَ أمورًا أُخرَ كالعمى والبكم والصمم.
وقرأ حماد بن [أبي] سليمان: ((بسيمائهم))(٢).
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّصِ﴾ جمع ناصية وهي مقدَّم الرأس ﴿وَالْأَقْدَاعِ﴾ جمع قَدَم وهي قَدَمُ
الرجل المعروفة، والباء للآلة مثلها في: أخذتُ بخطام الدابة، والجارُّ والمجرور
نائبُ الفاعل، وقال أبو حيان: إنَّ الباء للتعدية والفعل مضمَّنٌ ما يُعدَّى بها، أي:
فُيُسْحَبُ بالنواصي .. إلخ(٣). وفيه بحثٌ.
وظاهرُ كلام غير واحد أنَّ ((أل)) عوضٌ عن المضاف إليه الضمير، أي:
بنواصيهم وأقدامهم، ونصَّ عليه أبو حيان فقال: ((أل)) فيهما عوضٌ عن الضمير
على مذهب الكوفيين، والضميرُ محذوفٌ على مذهب البصريين، أي: بالنواصي
والأقدام منهم(٤). وأنت تعلم أنَّ الخلافَ بين أهل البلدَين فيما إذا احتيجَ إلى
الضمير للربط، ولا احتياجَ إليه هنا، نعم المعنى على الضمير.
وكيفيةُ هذا الأخذ على ما روي عن الضحاك أنْ يَجمَعِ المَلَكُ بين ناصيةٍ
أحدِهم وقدمَيه في سلسلة من وراء ظهره، ثم يكسرُ ظهرَه ويلقيه في النار.
(١) القراءات الشاذة ص١٤٩ - ١٥٠، والمحتسب ٣٠٥/٢، والبحر المحيط ١٩٥/٨- ١٩٦.
(٢) البحر المحيط ١٩٦/٨، والدر المصون ١٧٥/١٠، وما بين حاصرتين منهما.
(٣) البحر المحيط ١٩٦/٨.
(٤) المصدر السابق.

سُوَدَّة الخَمَّ
٢٧٢
الآية : ٤٢ - ٤٤
وقيل: تأخذُ الملائكة عليهم السلام بعضَهم سحبًا بالناصية، وبعضًا(١) سحبًا
بالقَدَم.
وقيل: تسحبهم الملائكةُ عليهم السلام تارةً بأخذ النواصي وتارةً بأخذ الأقدام،
فالواو بمعنى ((أو)) التي للتقسيم. وهو خلاف الظاهر.
وإبهامُ الفاعل لأنَّه كالمتعيِّن، وقيل: للرمز إلى عظمته فقد أخرج ابن مردويه
والضياء المقدسي في ((صفة النار)) عن أنس قال: سمعتُ رسول الله وَلل يقول:
(والذي نَفْسي بيده لقد خُلِقَت ملائكةُ جهَّم قبل أنْ تُخلَق جهتَّمُ بألف عام، فهم كلَّ
يومٍ يزدادون قوةً إلى قوتهم حتى يقبضوا على مَن قبضُوا بالنواصي والأقدام»(٢).
﴿َأَتِّ ءَالَاءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾﴾ يقال فيه نحو ما تقدم.
مقولُ قول مقدٍَّ معطوف
٤٣
وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَُّ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُبِمُونَ
على قوله تعالى: (فَيُؤْخَذُ) إلخ، أي: ويقال هذه .. إلخ، أو مستأنف في جواب:
ماذا يقال لهم؟ لأنَّه مظنةٌ للتوبيخ والتقريع، أو حال من أصحاب النواصي بناءً على
أنَّ التقدير(٣): نواصيهم أو النواصي منهم، وما في البين اعتراضٌ على الأول
والأخير، وكأنَّ أصل ((التي يكذب بها المجرمون)): التي كذّبتم بها، فعدل عنه لِمَا
ذكر للدلالة على استمرار ذلك، وبيانٌ لوجه توبيخهم وعلَّته.
﴿يَطُولُونَ بَيْنَهَا﴾ أي: يتردّدون بين نارها ﴿وَبَيْنَ حِيمٍ﴾ ماء حارِّ ﴿مَازٍ﴾ متناهٍ إناهُ
وطبخُه، بالغ في الحرارة أقصاها، قال قتادة: الحميمُ يغلي منذ خلق الله تعالى
جهنّم، والمجرم يعاقب (٤) بين تَصليةِ النار وشُربِ الحميم.
وقيل: يحرقون في النار ويُصبُّ على رؤوسهم الحميمُ.
وقيل: إذا استغاثوا من النار ◌ُعلَ غياتُهم الحميمَ .
(١) في (م): وبعضهم.
(٢) عزاه لابن مردويه والضياء المقدسي في صفة النار السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٥.
(٣) في الأصل: التقرير.
(٤) في (م): ويعاقب.

الآية : ٤٥ - ٤٦
٢٧٣
سُوَرَّةُ الَمن
وقيل: يُغْمَسون في وادٍ في جهنَّم يجتمع فيه صديدُ أهل النار فتنخلعُ أوصالُهم،
ثم يخرجون منه وقد أحدثَ الله تعالى لهم خلقًا جديدًا .
وعن الحسن أنَّه قال: ((حميم آن)): النحاس انتهى حرُّه.
وقيل: ((آن)» حاضر .
وقرأ السلمي: ((يُطَافُون))، والأعمش وطلحة وابن مقسم: ((يُطَوِّفون)) بضم الياء
وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، وقرئ: ((يَطَّوَّفون)) أي: يتطوفون(١).
هو أيضًا كما تقدَّم.
٤٥
﴿فَأَتِّ ◌َالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ
﴿وَلِمَنْ نَافَ مَقَامَ رَيِِّ﴾ إلخ شروعٌ في تعديد الآلاء التي تُفاض في الآخرة،
و((مقام)) مصدرٌ ميميٍّ بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل، أي: ولمن خاف قيامَ
ربِّه وكونَه مهيمنًا عليه مراقبًا له حافظًا لأحواله، فالقيام هنا مثله في قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وهذا مرويٌّ عن مجاهد
وقتادة، أو هو اسم مكان، والمرادُ به مكانُ وقوف الخلق في يوم القيامة
للحساب.
والإضافةُ إليه تعالى لاميَّةٌ اختصاصية، لأنَّ المُلْكَ له عز وجل وحده فيه
بحسب نفس الأمر، والظاهرُ والخلق قائمون له كما قال سبحانه: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] منتظرون ما يحُلُّ عليهم من قِبَله جل شأنه.
وزعم بعضُهم أنَّ الإضافةَ على هذا الوجه لأدنى ملابسةٍ، وليس بشيءٍ.
وقيل: المعنى: ولمن خافَ مقامه عند ربه، على أنَّ المقامَ مصدرٌ أو اسم
مكان، وهو للخائف نفسِه، وإضافته للرب لأنَّه عنده تعالى، فهي مثلها في قولهم:
شاةٌ رقودُ الحَلْبِ، وهي بمعنى ((عند)) عند الكوفيين، أي: رقودٌ عند الحلب،
وبمعنى اللام عند الجمهور كما صرح به شرَّاح ((التسهيل))، وليست لأدنى ملابسةٍ
كما زُعم أيضًا، ثم إن المراد بالعندية هنا مما لا يخفى.
(١) القراءات في المحرر الوجيز ٢٣٢/٥، والبحر المحيط ٠١٩٦/٨.

سُوَدَّة الشَّمِنَّ
٢٧٤
الآية : ٤٦
وجوّز أن يكون مقحمًا على سبيل الكناية، فالمراد: ولمن خاف ربَّه، لكن
بطريقٍ برهانيٍّ بليغ، ومثلُه قولُ الشمَّاخِ:
مقامَ الذئب كالرجل اللَّعينِ(١)
ذعرتُ به القَطا ونَفَیتُ عنه
وهو الأظهرُ على ما ذكره صاحب ((الكشف)).
والظاهرُ أنَّ المراد: ولكلٍّ فردٍ فردٍ من الخائفين ﴿ََّانِ﴾ فقيل: إحداهما منزلُه
ومحلُّ زيارةٍ أحبابه له، والأخرى منزلُ أزواجه وخَدَمِه؛ وإليه ذهب الجبائي.
وقيل: بستانان بستانٌ داخل قصره وبستانٌ خارجه.
وقيل: منزلان ينتقلُ من أحدهما إلى الآخر لتتوقَّر دواعي لَذَّته وتظهرَ ثمارُ
كرامته، وأين هذا ممن يطوف بين النار وبين حميمٍ آن؟
وجوز أن يقال: جنةٌ لعقيدته وجنةٌ لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وجنة لترك
المعاصي، أو جنةٌ يثابُ بها وأخرى يُتَفضَّل بها عليه، أو إحداهما روحانية
والأخرى جسمانية، ولا يخفى أنَّ الصفات الآتية ظاهرةٌ في الجسمانية.
وقال مقاتل: جنةُ عدنٍ وجنةُ نعیم .
وقيل: المراد: لكلِّ خائفين منكما جنتان؛ جنةٌ للخائف الإنسيِّ وجنة للخائف
الجِنِّي، فإنَّ الخطاب للفريقَين. وهذا عندي خلاف الظاهر، وفي الآثار ما يُبعدُه،
فقد أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن الحسن أنَّه كان شابٌّ على عهد [عمر بن
الخطاب] ◌َّهِ ملازمٌ للمسجد والعبادة، فعشقَتْه جاريةٌ، فأتته في خلوة فكلَّمته،
فحدَّثته نفسُه بذلك فشَهِقَ شهقةً فغشي عليه، فجاء عمّ له فحمله إلى بيته، فلمَّا أفاق
قال: يا عمّ انطلق إلى عمر فأقرئه منِّي السلام وقل له: ما جزاء مَن خاف مقام ربه؟
(١) ديوان الشماخ ص٣٢١، والأغاني ٩/ ١٦٠، والكشاف ٤٩/٤، وفيه: يريد: ونفيت عنه
الذئب.
جاء في هامش (م): ضمير (به) و(عنه) راجع إلى الماء في البيت قبله :
وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطير كالورق اللجين
وهو من قصيدةٍ للشماخ مدح بها عرابة بن أوس الخزرجي، والشاهد قوله: مقام الذئب.

الآية : ٤٦
٢٧٥
سُورَةُ الصَمن
فانطلق فأخبر عمر، وقد شهق الفتَى شهقةً أخرى فمات، فوقف عليه عمر
فقال: لك جنتان، لك جنتان(١).
والخوفُ في الأصل توقُّع مكروهٍ عند أمارةٍ مظنونةٍ أو معلومة، ويُضادُّه الأمنُ؛
قال الراغب: والخوف من الله تعالى لا يراد به ما يخطرُ بالبال من الرُّعب،
كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يُرادُ به الكفُّ عن المعاصي وتحرِّي
الطاعات، ولذلك قيل: لا يعدُّ خائفًا مَن لم يكن للذنوب تاركًا(٢). ويؤيد هذا
تفسيرُ ابن عباس ◌ِّ الخائفَ هنا - كما أخرج ابن جرير عنه - بمَن ركب طاعةً الله
تعالى وترك معصيته(٣). وقولُ مجاهد: هو الرجلُ يريد الذنبَ فيذكر الله تعالى فيدعُ
الذنب، والذي يظهرُ أنَّ ذلك تفسيرٌ باللازم.
وقد يقال: إنَّ ارتكابَ الذنبِ قد يجامع الخوف من الله تعالى، وذلك كما إذا
غلبته نفسُه ففعله خائفًا من عقابه تعالى عليه، وأُيِّد ذلك بما أخرجه أحمد والنسائي
والطبراني والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) وابن أبي شيبة وجماعة عن
أبي الدرداء: أنَّ النبيَّ وَّه قرأ هذه الآية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِ جََّانِ) فقلتُ: وإِنْ زِنَى
وإنْ سرَقَ يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام الثانية: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيَّهِ،
◌ََّانِ) فقلت: وإنْ زنَى وإن سرق؟ فقال الثالثة: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّهِ جَنَّكَانٍ) فقلت:
وإن زنَى وإن سرق؟ قال: ((نعم وإنْ رَغِم أنفُ أبي الدرداء)»(٤).
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الجريري عن أخيه قال: سمعتُ
محمد بن سعد يقرأ: ((ولمن خافَ مقامَ ربِّه جنتان وإنْ زنى وإنْ سَرَق)) فقلتُ: ليس
(١) شعب الإيمان ٤٦٨/١، وما بين حاصرتين منه، وينظر ذم الهوى لابن الجوزي
ص ٢٥٢ -٢٥٤.
(٢) مفردات الراغب (خوف).
(٣) تفسير الطبري ٢٣٥/٢٢.
(٤) مسند أحمد (٨٦٨٣)، والنسائي في الكبرى (١١٤٩٦)، ونوادر الأصول ص٧٥-٧٦،
والذي في المعجم الأوسط للطبراني (٢٩٣٢): قال رسول الله وَ ر: ((من قال لا إله إلا الله
دخل الجنة)) فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق ... ، ونسبه إلى ابن أبي شيبة السيوطيُّ
في الدر المنثور ١٤٦/٦.

سُودَةُ الآمن
٢٧٦
الآية : ٤٧ - ٤٨
فيه: ((وإنْ زنى وإنْ سرق)) فقال: سمعتُ أبا الدرداء ◌َُّبِهِ يقرؤُها كذلك، فأنا
أقرؤُها كذلك حتى أموت(١).
وصرَّح بعضُهم أنَّ المراد بالخوف في الآية أشدُّه، فتأمل.
وجاء في شأن هاتَين الجَتَين من حديث عياض بن غَنْم مرفوعًا: ((إنَّ عرضَ كلِّ
واحدةٍ منهما مسيرة مئة عام))(٢).
والآية على ما روي عن ابن الزبير وابن شوذب نزلت في أبي بكر(٣). وأخرج
ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ((العظمة)) عن عطاء أنَّ أبا بكر الصديق ◌ُبه ذکر ذات
يومٍ وفكّر في القيامة والموازين والجنةِ والنار وصفوفِ الملائكة وطيِّ السماوات
ونَشَّف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب فقال: وددتُ أنِّي كنتُ خَضِرًا من
هذه الخَضِر تأتي عليَّ بهيمةٌ فتأكلني، وأني لم أخلق، فنزلَت: (وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِهِ،
جَنَّثَانِ)(٤).
ذَوَتَاً أَقْتَنِ (
٤٧
﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيِّكُمَا ثُكَذِّبَانِ
صفة لـ ((جنتان)) وما بينهما اعتراضٌ
٤٨
وُسِّط بينهما تنبيهًا على أنَّ تكذيبَ كلٍّ من الموصوف والصفة موجبٌ للإنكار
والتوبيخ، وجوز أنْ يكون خبرَ مبتدأ مقدَّرٍ، أي: هما ذواتا، وأيًّا ما كان فهو تثنيةٌ
((ذات)) بمعنى صاحبة، فإنَّه إذا ثُنِّي فيه لغتان: ((ذاتا)) على لفظه وهو الأقيس،
كما يُثنَى مذكّره ((ذَوَا))، والأُخرَى ((ذواتا)) بردِّه إلى أصله، فإنَّ التثنيةَ تَرُدُّ الأشياءَ إلى
أصولها، وقد قالوا: أصلُ ((ذات)): ((ذوات)) لكن حُذفَت الواو تخفيفًا وفَرقًا بين
الواحد والجمع، ودلَّت التثنيةُ ورجوعُ الواو فيها على أصل الواحد، وليس هو تثنيةً
الجمع كما يتوهّم، وتفصيله في باب التثنية من ((شرح التسهيل)).
(١) عزاه للطبراني وابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٦/٦، وأخرجه النسائي في الكبرى
(١١٤٩٧) من طريق الجريري (وهو سعيد بن إياس) عن موسى، عن محمد بن سعد.
وموسى مجهول كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٢) عزاه السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٧/٦ لابن مردويه، ووقع فيه: عياض بن تميم، وهو
تصحیف.
(٣) القرطبي ٢٠/ ١٥٠، والبحر المحيط ١٩٦/٨.
(٤) العظمة (٥٢)، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٤٥/٦ - ١٤٦.

الآية : ٤٩ - ٥٠
٢٧٧
سُوَرَّةُ الَّمنَ
والأفنان إما جمعُ ((فنٌّ)» بمعنى النوع، ولذا استُعمل في العرف بمعنى العلم،
أي: ذواتا أنواعٍ من الأشجار والثمار، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جبير
والضحاك، وعليه قول الشاعر:
ومِن كلِّ أفنان اللذَاذةِ والصِّبًا
لهوتُ به والعيشُ أخضرُ ناضرُ(١)
وإما جمع ((فَنَن)) وهو ما دقَّ(٢) ولانَ من الأغصان، كما قال ابن الجوزي(٣)،
وقد يُفسَّر بالغصن، وحمل على التسامح. وتخصيصُها بالذكر مع أنَّها ذواتا قصب
وأوراق وثمارٍ أيضًا؛ لأنَّها هي التي تُورقُ وتُثمرُ، فمنها تمتدُّ الظلالُ، ومنها تُجَنَى
الثمارُ، ففي الوصف تذكيرٌ لهما، فكأنَّه قيل: ذواتا ثمارٍ وظلالٍ، لكن على سبيل
الكتابةِ، وهي أَخْصَرُ وأبلغُ.
وتفسيره بالأغصان على أنَّه جمع (((فَنَن)) مرويٌّ عن ابن عباس أيضًا، وأخرجه
ابن جرير عن مجاهد(٤). قال أبو حيان: وهو أَولَى لأنَّ ((أفعالًا)) في ((فَعَل) أكثرُ منه
في ((فَعْل)) بسكون العين كفرٌّ، ويُجمَع هو على فنون(٥).
﴿فَأَيِّ ،َآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ جَ فِمَا عَيْنَانِ نَِّْیَانِ ﴾﴾ صفةٌ أخرى لـ ((جنتان)) أو خبرٌ
ثانٍ للمبتدأ المقدَّر، أي: في كلٌّ منهما عينٌ تجري بالماء الزلال تسمَّى إحدى
العينين بالتسنيم، والأخرى بالسلسبيل، وروي هذا عن الحسن.
وقال عطية العوفي: ((عينان)) إحداهما من ماء غيرِ آسِن، والأخرى من خمرٍ لَذَّةِ
للشاربين.
وقيل: ((عينان)) من الماء ((تجريان)) حيث شاء صاحبُهما من الأعالي والأسافل
من جبلٍ من مسْكٍ.
(١) الكشاف ٤٩/٤، وتفسير النسفي ١٣٢/٥، والبحر المحيط ١٨٥/٨، واللباب ٣٤٤/١٨.
(٢) في الأصل: رق.
(٣) ينظر زاد المسير ١٢٠/٧، ونقله عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٣٧/٨.
(٤) تفسير الطبري ٢٤١/٢٢.
(٥) البحر المحيط ١٩٦/٨.

سُورَةُ الَمِّ
٢٧٨
الآية : ٥١ - ٥٤
وعن ابن عباس: ((عينان)) مثل الدنيا أضعافًا مضاعفةً ((تجريان)) بالزيادة
والكرامة على أهل الجنة.
، صنفان معروفٌ
٥٢
فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةِ زَوْجَانِ
﴿وَأَتِ ءَالَاءِ رَيِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
وغريبٌ لم يعرفوه في الدنيا، أو رطبٌ ويابسٌ، ولا يقصُرُ يابسُه عن رطبه في
الفضل والطيب، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة
قال: قال ابن عباس في هذه الآية: ما في الدنيا ثمرة حلوةٌ ولا مُرَّةٌ إلا وهي في
الجنة، حتى الحنظل. ونقل هذا في ((البحر)) عن ابن عباس أيضًا بزيادة: إلا أنَّه
حلو (١)، والجملة كالجملة التي قبلها.
مُتَّكِينَ﴾ حال من قوله تعالى: (وَلِمَنْ نَافَ) وجُمع
٥٣
﴿فَأَمِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
رعايةً للمعنى بعد الإفراد رعايةً للفظ، وقيل: العاملُ محذوفٍ، أي: يتنَّمون
متکثین.
وقيل: مفعول به بتقدير: أعني.
والاتكاء من صفات المتنعِّم الدالّة على صحة الجسمِ وفراغِ القلب، والمعنى:
متكئين في منازلهم ﴿عَلَى قُرٍُ بَطَآَيُّهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ من ديباجٍ ثخينٍ. قال ابن
مسعود - كما رواه عنه جمع وصحَّحه الحاكم -: أُخبرتم بالبطائن فكيف
بالظهائر(٢).
وقيل: ظهائرها من سُندسٍ. وعن ابن جبير: من نورٍ جامد، وفي حديث: ((من
نور يتلألأ))(٣) وهو إنْ صحَّ وقف عنده.
وأخرج ابن جرير وغيرُه عن ابن عباس أنَّه قيل له: ((بطائنها من إستبرق)) فماذا
(١) البحر المحيط ١٩٦/٨، وما قبله من الدر المنثور ١٤٧/٦.
(٢) المستدرك ٢/ ٤٧٥، وأخرجه الطبري في التفسير ٢٤٣/٢٢.
(٣) قطعة من حديث طويل جدًّا ذكره السيوطي بتمامه في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث
الموضوعة ٦٢/١-٧٤ عن ابن عباس ﴿ًا، وهو حديث موضوع كما قال ابن الجوزي في
الموضوعات ٣٧٧/٣، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٧٤/١.

الآية : ٥٤
٢٧٩
سُوَدَّةُ الَّمن
الظواهر؟ قال: ذلك مما قال الله تعالى: ﴿فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾
[السجدة: ١٧] (١) .
وقال الحسن: البطائنُ هي الظهائرُ. وروي عن قتادة. وقال الفراء: قد تكونُ
البطانةُ الظّهارة والظّهارة البطانة؛ لأنَّ كلَّ منهما يكونُ وجهًا. والعرب تقول: هذا
ظهرُ السماء وهذا بطنُ السماء(٢).
والحقُّ أنَّ البطائن هنا مقابل الظهائر على الوجه المعروف.
وقرأ أبو حيوة: ((فرْش)) بسكون الراء (٣)، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك
قال: قرأ عبد الله: ((على سُررٍ وفُرُشٍ بطائنها من إستبرق))(٤).
﴿وَحَى الْجَنَّنِ﴾ أي: ما يُجنَى ويُؤْخَذ من أشجارهما من الثمار، فـ((جنى)) اسمٌ
أو صفة مشبَّهةٌ بمعنى المجنيِّ.
﴿دَانٍ﴾ قريبٌ ينالُه القائم والقاعد والمضطجع، قال ابن عباس طفيًا: تدنو
الشجرةُ حتى يجتَنِيّها وليُّ الله تعالى قائمًا وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا.
وعن مجاهد ثمارُ الجَّتين دانيةٌ إلى أفواه أربابها فيتناولونها متكئين، فإذا
اضطجعوا نزلَت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين، لا يرُدُّ أيديَهم عنها بُعدٌ
ولا شوك.
وقرأ عيسى: ((وجَنِى)) بفتح الجيم وكسر النون كأنَّه أمال النون وإن كانت
الألفُ قد حُذفَت في اللفظ، كما أمال أبو عمرو ﴿حَّ نَ اَللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ [البقرة: ٥٥]
وقرئ: ((وچِنى)) بكسر الجيم(٥)، وهو لغة فيه.
(١) تفسير الطبري ٢٤٤/٢٢ .
(٢) معاني القرآن ١١٨/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٣/٥، والقرطبي ١٥٣/٢٠، والبحر المحيط ١٩٧/٨.
(٤) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ١٤٧، ولفظه: ((متكئين على سُرر وفرش
بطائنها من رفرف من إستبرق».
(٥) القراءات في البحر المحيط ١٩٧/٨، والكلام منه وقراءة أبي عمرو سلفت في موضعها.

سُورَةُ الرَّحْمنَّ
٢٨٠
الآية : ٥٥ - ٥٦
فِنَّ﴾ أي: الجنان المدلول عليها بقوله تعالى:
۵۵
﴿فَبِأَِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَثََّانِ) فإنه يلزمُ من أنَّه لكلِّ خائفٍ جنتان تعدُّد الجنان، وكذا
على تقدير أنْ يكونَ المراد لكلِّ خائفَين من الثقلين جنتان، لاسيّما وقد تقدَّم اعتبار
الجمعية في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ﴾.
وقال الفراء: الضمير لـ ((جنتان))، والعرب تُوقعُ ضميرَ الجمع على المثنَّى(١).
ولا حاجةً إليه بعدما سمعتَ.
وقيل: الضميرُ للبيوت والقصور المفهومة من الجنَّتين، أو للجنتين باعتبار
ما فيهما مما ذُكِر.
وقيل: يعودُ على الفرش، قال أبو حيان: وهذا قولٌ حسنٌ قريبُ المأخذ(٢).
وتُعقِّب بأنَّ المناسب للفرش ((على)). وأُجيبَ بأنَّه شبَّه تمكّنَهنَّ على الفرش بتمّن
المظروفِ في الظرف، وإيثارُه للإشعار بأنَّ أكثرَ حالهنَّ الاستقرارُ عليها .
ويجوزُ أن يقال: الظرفيةُ للإشارة إلى أنَّ الفرش إذا جُلِس عليها يَنزلُ مكانُ
الجالس منها ويرتفعُ ما أحاط به، حتى يكاد يغيبُ فيها، كما يشاهدُ في فرش
الملوك المترفِّهين(٣) التي حشوها ريشَ النعام ونحوه.
وقيل: الضميرُ للآلاء المعدودة من الجنَّتَين والعينين والفاكهة والفرش والجنَى،
والمراد: معهنَّ ﴿قَصِرَّتُ اٌلَّرْفِ﴾ أي: نساءٌ يقصُرْنَ أبصارهن على أزواجهنَّ
لا ينظرْنَ إلى غيرهم، أو يقصُرْنَ طرفَ الناظر إليهنَّ عن التجاوز إلى غيرهن، قال
ابنُ رشيق في قول امرئ القيس(٤):
من الذرِّ فوقَ الأنفِ منها لأثَّرا
مِن القاصرات الظّرفِ لو دَبَّ مُحوِلٌ
أراد بالقاصرات الطرف أنَّها منكسرةُ الجفنِ، خافضةُ النظرِ، غيرُ متطلِّعةٍ لِمَا
(١) حاشية الشهاب ١٣٨/٨.
(٢) البحر المحيط ١٩٧/٨-١٩٨.
(٣) فى الأصل: المترفين.
(٤) في ديوانه ص٦٨، والكلام من حاشية الشهاب ١٣٨/٨.