النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ١٩ ٢٠١ سُورَةُ القَرْ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَّهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ استئنافٌ لبيان ما أُجمل أولاً، والصَّرْصَرُ: الباردةُ على ما روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك. وقيل: شديدةٌ الصوت. وتمامُ الكلام قد مرَّ في ((فصلت))(١). ﴿فِ يَوْمِ نَخْسٍ﴾ شؤم عليهم ﴿ُسْتَرِّ﴾ ذلك الشؤم؛ لأنَّهم بعد أنْ أُهلِكوا لم يزالوا معذَّبين في البرزخ حتى يدخلوا جهنّم يوم القيامة، والمرادُ باليوم مطلقُ الزمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيِّ أَيَّامٍ شَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَّهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]. والمشهورُ أنَّه يوم الأربعاء وكان آخرَ شوال، على معنى أنَّ ابتداءً إرسال الريح كان فيه، فلا يُنافي آيتَي ((فصلت)) و((الحاقة)). وجوِّز كونُ ((مستمر)) صفةً ((يوم))، أي: في يوم استمرَّ عليهم حتى أهلكهم، أو شمل كبيرَهم وصغيرهم حتى لم يُبقِ (٢) منهم نسمةً، على أنَّ الاستمرار بحسب الزمان أو بحسب الأشخاص والأفراد، لكن على الأولِ لا بدَّ من تجوُّزٍ بإرادة استمرارٍ نَحْسِه، أو بجعل اليوم بمعنى مطلقِ الزمان، لأنَّ اليوم الواحد لم يستمرَّ، فتدبر. وجوِّز كون ((مستمر)) بمعنى محكم، وكونُه بمعنى شديد المرارة، وهو مجازٌ عن بشاعته وشدَّةِ هوله، إذ لا طعمَ له. وجوِّز كونه بدلاً، أو عطف بيان، وهو كما ترى. وقرأ الحسن: ((يومٍ نَحِسٍ)) بتنوين ((يوم) وكسر حاء ((نحس))(٣)، وجعله صفةً لـ ((یوم))، فیتعیَّن کون ((مستمر)) صفةً ثانیةً له. وأيَّد بعضُهم بالآية ما أخرجه وكيع في ((الغرر)) وابن مردويه والخطيب البغدادي عن ابن عباس مرفوعاً: ((آخرُ أربعاء في الشهر يومُ نحسٍ مستمرٌ)) (٤) وأخذ بذلك (١) آية (١٦) منها . (٢) في (م): تبق. (٣) المحرر الوجيز ٢١٦/٥، والبحر المحيط ١٧٩/٨. (٤) تاريخ بغداد ١٤/ ٤٠٥، وعزاه لوكيع وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٣٥/٦، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في الموضوعات ٤٦/٣ (٧١٧). سُوَةُ القَمُ ٢٠٢ الآية : ١٩ كثيرٌ من الناس فتَطَيِّروا منه وتركوا السَّعْيَ لمصالحهم فيه، ويقولون له: أربعاءُ لا تدور، وعليه قوله: لقاؤُك للمبكّر فألُ سوءِ ووجهُك أربعاءٌ لا تدورُ(١) وذلك مما لا ينبغي، والحديثُ المذكور في سنده: مَسْلَمة بن الصلت، قال أبو حاتم: متروك(٢). وجزم ابن الجوزي بوضعه(٣). وقال ابنُ رجب: حديثٌ لا يصحُّ ورفعُه غير متفق عليه، فقد رواه الطُيُوري من طريق آخر موقوفاً على ابن عباس. وقال السخاوي: طرقُه كلُّها واهيةٌ (٤). وضعَّفوا أيضاً خبر الطبراني: ((يوم الأربعاء يوم نحس مستمر))(٥). والآية قد علمتَ معناها . وجاء في الأخبار والآثار ما يُشعرُ بمدحه، ففي ((منهاج)) الحليمي، و((شعب) البيهقي: أنَّ الدعاء يُستجابُ يوم الأربعاء بُعيدَ الزوال(٦). وذكر برهان الإسلام في ((تعليم المتعلم)) عن صاحب ((الهداية)): أنَّه ما بُدِئ شيءٌ يومَ الأربعاء إلا وتمَّ، وهو يوم خلقَ الله تعالى فيه النورَ، فلذلك كان جمعٌ من (١) البيت لمحمد بن حازم الباهلي كما في محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ٦٦٣/١، وهو دون نسبة في ثمار القلوب ٦٥٠/١، وحاشية الشهاب ١٢٤/٨، وجاء في ثمار القلوب: یوم، بدل: فأل. (٢) الجرح والتعديل ٢٦٩/٨، والموضوعات ٤٨/٣. (٣) الموضوعات ٤٦/٣-٤٨. (٤) المقاصد الحسنة ص ٤٨٠. (٥) المعجم الأوسط (٧٩٧) عن جابر ربه، وضعفه المناوي في فيض القدير ١/ ٤٧ وما سينقله المصنف من أقوال منه. (٦) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٥٣٦/١، وشعب الإيمان للبيهقي ٤٦/٢، والكلام من فيض القدير ٤٦/١، وأخرج أحمد (١٤٥٦٣) من حديث جابر له: أن النبي ◌َّ دعا في مسجد الفتح ثلاثاً يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فُعُرِفَ البشرُ في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمرٌ مهمٌّ غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعوا بها فأعرف الإجابة. وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند . الآية : ١٩ ٢٠٣ سُورَةُ القَرْ المشايخ يتحرَّون ابتداءَ الجلوس للتدريس فيه (١). واستحبَّ بعضُهم غرسَ الأشجار فيه لخبر ابن حبان والديلمي عن جابر مرفوعاً: ((مَن غرسَ الأشجار يومَ الأربعاء وقال: سبحانَ الباعثِ الوارثِ آتته أُكُلَها))(٢). نعم جاءت أخبارٌ وآثار تُشعر بخلاف ذلك، ففي ((الفردوس)) عن عائشة مرفوعاً: ((لولا أنْ تكره أمتي لأمرتُها أنْ لا يسافروا يومَ الأربعاء، وأَحبُّ الأيامِ إليَّ الشخوص فيها يوم الخميس))(٣) وهو غيرُ معلوم الصحة عندي. وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس، وابنُ عدي وتمامٌ في ((فوائده)) عن أبي سعيد مرفوعاً : ((يومُ السبتِ يومُ مكرٍ وخديعة، ويوم الأحد يومُ غَرْسٍ وبناء، ويومُ الاثنين يومُ سَفَر وطلب رزق، ويومُ الثلاثاء يومُ حديدٍ وبأس، ويومُ الأربعاء لا أخذٌ ولا عطاء، ويوم الخميس يومُ طلب الحوائج والدخول على السلطان، والجمعةُ يومُ خطبة ونكاح))(٤)، وتعقّبه السخاويُّ بأنَّ سنده ضعيف(٥). وروى ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً، وخرَّجه الحاكم من طريقَين آخرين: ((لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء))(٦). (١) فيض القدير ٤٦/١، وحديث خَلْقِ الله النورَ يوم الأربعاء أخرجه مسلم (٢٧٨٩) من حديث أبي هريرة څ. (٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٠، والفردوس ٤٧٨/٣، وفي إسناده العباس بن الوليد بن بكار الضبي؛ قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال الدارقطني: كذاب. المجروحين ٢/ ١٩٠، والميزان ٣٨٢/٢. (٣) لم نقف عليه في الفردوس، ونقله المصنف من فيض القدير ٤٦/١. (٤) مسند أبي يعلى (٢٦١٢) موقوفاً، وفوائد تمام (٧٨١ - الروض البسام)، وعزاه لابن عدي المناوي في فيض القدير ٤٦/١. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٥/٤ عن حديث ابن عباس: فيه يحيى بن العلاء وهو متروك. وحديث أبي سعيد فيه سلام بن سليمان، قال عنه أبو حاتم كما في الميزان ١٧٨/٢: ليس بالقوي. وقال ابن عدي في الكامل ١١٥٦/٣ : وهو عندي منكر الحديث. وضعفه ابن عراق في تنزيه الشريعة ٢/ ٥٤ . (٥) المقاصد الحسنة ص ٤٨٠، والكلام من فيض القدير ٤٦/١. (٦) سنن ابن ماجه (٣٤٨٧) و(٣٤٨٨)، والمستدرك ٢١١/٤. وذكره ابن الجوزي في سُورَةُ الْقَبْ ٢٠٤ الآية : ١٩ وفي بعض الآثار النهيُ عن قصِّ الأظفار يومَ الأربعاء، وأنَّه يورث البرصَ. وكرِه بعضُهم عيادةَ المرضَى فيه، وعليه قيل: لم يُؤتَ في الأربعاء مريضٌ إلا دفنَّاه في الخميسِ(١) وحُكي عن بعضِهم أنَّه قال لأخيه: اخْرُجْ معي في حاجة. فقال: هو الأربعاء. قال: فيه وُلِدَ يُونس. قال: لا جَرَم قد بانَت له بركتُه في انِّساعِ موضعِه وحُسن كسوته حتى خلَّصَه الله تعالى. قال: وفيه وُلد يوسف عليه السلام. قال: فما أحسن ما فعل إخوتُه حتى طالَ حبسُه وغربته. قال: وفيه نُصر المصطفَى وَّهِ يومَ الأحزاب. قال: أجل لكنْ بعد أنْ زاغَت الأبصارُ، وبلغت القلوبُ الحناجر. ونقل المناوي(٢) عن ((البحر)) أنَّ إخباره عليه الصلاة والسلام عن نحوسة آخر أربعاء في الشهر [ليس] من باب التطيُّرِ ضرورةً أنَّه(٣) ليس من الدِّين، بل فعل الجاهلية، ولا مبنيٌّ على قول المنجِّمين أنَّه يوم عطارد، وهو نحسٌ مع النحوس، سعدٌ مع السعود، فإنَّه قولٌ باطل. ويجوزُ أنْ يكونَ من باب التخويف والتحذير، أي: احذرُوا ذلك اليومَ لِمَا نزل فيه من العذاب وكان فيه من الهلاك، وجدِّدوا فيه لله تعالى توبةً خوفاً أن يلحقَكم فيه بؤسٌ كما وقع لمن قبلكم(٤)، وهذا كما قال حين أتى الحِجْر: ((لا تدخُلُوا على هؤلاء المعذَّبينَ إلا أنْ تكونوا باكين)»(٥)، إلى غير ذلك. وحكي أيضاً عن بعضهم أنَّه قال: التطيُّر مكروه كراهةً شرعيةً، إلا أنْ الشرع أباحَ لمن أصابَه في آخِرِ أربعاءَ شيءٌ في مصالحه أنْ يَدَعَ التصرف فيه، لا على جهة = الموضوعات ٤٦/٣ مع غيره من أحاديث ذمِّ الأربعاء، وقال: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله له. (١) فيض القدير ٤٦/١، وكشف الخفاء ١٣/١. (٢) في فيض القدير ٤٥/١ بنحوه، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٣) أي: التطیُّر. (٤) في (م): قبلهم. (٥) أخرجه أحمد (٥٢٢٥)، والبخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر رض ـها . الآية : ١٩ ٢٠٥ سُورَةُ القَرُ التطيُّر واعتقادِ أنَّه يضرُّ أو ينفع بغير إذن الله تعالى بل على جهة اعتقادِ إباحة الإمساك فيه لِمَا كرهَته النفس لا اقتفاءً للتطير ولكن إثباتاً للرخصة في التوقِّي فيه لمن يشاء، مع وجوب اعتقادِ أنَّ شيئاً لا يضرُّ شيئاً. ونَقَل عن الحليمي أنَّه قال: عَلِمنا ببيان الشريعةِ أنَّ مِن الأيام نحساً، ويقابلُ النحسَ السعدُ، وإذا ثبتَ الأولُ ثبتَ الثاني أيضاً، فالأيامُ منها نحسٌ ومنها سعدٌ، كالأشخاص منهم شقيٍّ ومنهم سعيد، لكنَّ زَعْمَ أنَّ الأيامَ والكواكبَ تَنحسُ أو تُسعِدُ باختيارها أوقاتاً وأشخاصاً باطلٌ، والقولُ إنَّ الكواكب قد تكون أسباباً للحَسَن والقبيح والخير والشر، والكلُّ فعلُ الله تعالى وحدَه، مما لا بأسَ به. ثم قال المناوي: والحاصل أنَّ توقّ الأربعاء على جهة الطَّيَرَة وظنِّ اعتقادِ المنجِّمين حرامٌ شديدُ التحريم، إذ الأيامُ كلُّها لله تعالى، لا تنفعُ ولا تضرُّ بذاتها، وبدون ذلك لا ضيرَ ولا محذورَ فيه؛ ومَن تطيَّر حاقَت به نحوستُه، ومَن أيقنَ بأنَّه لا يضرُّ ولا ينفعُ إلا الله عز وجل لم يؤثِّر فيه شيءٌ من ذلك كما قيل: على مُتطيِّرٍ وهو الثُّبُور(١) تَعلَّم أنَّه لا طيرَ إلا انتھی . وأقولُ: كلُّ الأيام سواءٌ ولا اختصاصَ لذلك بيوم الأربعاء، وما مِن ساعةٍ من الساعات إلا وهي سعدٌ على شخص نحسٌ على آخر باعتبار ما يُحدِثُ الله تعالى فيها من الملائم والمنافر والخير والشر، فكلُّ يوم من الأيام يتَّصفُ بالأمرَين لاختلاف الاعتبار، وإن استُنحِسَ يومُ الأربعاء لوقوع حادثٍ فيه فليُسْتَنْحَس كلُّ يومٍ فما أُوْلِجَ الليلُ في النهار والنهارُ في الليل إلا الإيلادٍ الحوادثِ، وقد قيل: ألا إنَّما الأيامُ أبناءُ واحدٍ وهذي الليالي كلُّها أخواتُ(٢) (١) البيت لزَبَّان بن سيار كما في البيان والتبيين ٣٠٤/٣-٣٠٥، والحيوان ٤٤٧/٣ و٥٥٥/٥، وشرح أبيات إصلاح المنطق ص ٥٧٨ . (٢) البيت لأبي العلاء المعري، وسلف ١/ ١٠٠. سُورَةُ القَمْ ٢٠٦ الآية : ١٩ وقد حُكي أنَّه صبَّح ثمودَ العذابُ يومَ الأحد، وورد في الأثر - ولا أظنُّه يصحُّ -: ((نعوذُ بالله تعالى مِن يوم الأحد، فإنَّ له حدًّا أحدٌ من السيف)»(١) ولو صحَّ فلعله في أَحَدٍ مخصوصٍٍ عُلم بالوحي ما يحدُث فيه. وزَعْمُ بعضِهم أنَّ من المجرَّب الذي لم يُخطئ(٢) قظُ أنَّه متى كان اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأحد وفُعِل فيه شيءٌ لم يتمَّ = غيرُ مسلّم. وورد في ((الفردوس)) من حديث ابن مسعود: ((خَلَق الله تعالى الأمراضَ يوم الثلاثاء، وفيه أنزَلَ إبليس إلى الأرض، وفيه خلَقَ جهنَّم، وفيه سلط الله تعالى ملَكَ الموت على أرواح بني آدم، وفيه قتل قابيلُ هابيلَ، وفيه توفي موسى وهارون عليهما السلام، وفيه ابتلي أيوب)) الحديث(٣)، وهو إنْ صَّ لا يدلُّ على نُحُوسَتِهِ، غايتُهُ أنَّه وقع فيه ما وقَعَ، وقد وقع فيه غيرُ ذلك مما هو خير، ففي رواية مسلم: ((خَلَقَ التِّقْن - أي: ما يقومُ به المعاش - يوم الثلاثاء)»(٤)، وإذا تتبّعتَ التورايخَ وقفتَ على حوادثَ عظيمةٍ في سائر الأيام، ويكفي في هذا الباب أنَّ حادثةَ عادٍ استوعَبت أيام الأسبوع فقد قال سبحانه: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَّةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) فإِنْ كانت النحوسةُ لذلك فقل لي أيّ يومٍ من الأسبوع خلا منها؟! (١) فيض القدير ٤٦/١. (٢) في الأصل و(م): لم يخط. (٣) لم نقف عليه في الفردوس، وعزاه له ابن عراق في تنزيه الشريعة ٦٥/٢ وقال: فيه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله، وعنه عبد الرحيم بن حبيب. اهـ. قلنا: وإسماعيل بن يحيى قال عنه الأزدي: ركن من أركان الكذب، لا تحل الرواية عنه. وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم: كذاب. وعبد الرحيم بن حبيب قال عنه يحيى: ليس بشيء. وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من خمس مئة حديث على رسول الله وَله. الميزان ٢٥٣/١، و٦٠٣/٢. (٤) لم نقف عليه في صحيح مسلم، وهو عند النسائي في الكبرى (١١٣٢٨) من حديث أبي هريرة والذي في صحيح مسلم (٢٧٨٩) من حديث أبي هريرة : ((وخلق المكروه يوم الثلاثاء)». قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٣٤٢/٧: وقد ذكر هذا الحديث ثابت [بن قاسم] في كتابه، وقال فيه: ((وخلق التقن يوم الثلاثاء)) بدل: ((المكروه)). اهـ. قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٣٣/١٧: ولا خلاف بين الروايتين فكلاهما خلق يوم الثلاثاء. الآية : ٢٠ ٢٠٧ سُورَةُ القَمرُ ومثلُ أمرِ النحوسةِ فيما أرَى أمرُ تخصيصٍ كلٌّ يومٍ بعمل، كما يزعمُه كثيرٌ من الناس، ويذكرون في ذلك أبياتاً نسبها الحافظ الدمياطي لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وهي : لصيدٍ إنْ أردتَ بلا امتراء فنعمَ اليومُ يومُ السبت حقّاً تبدَّى الله في خلق السماء وفي الأحد البناء لأنَّ فيه سترجعُ بالنجاح وبالثراء وفي الاثنين إنْ سافرتَ فيه ففي ساعاته مرقُ الدماء ومَن يُرد الحجامةَ فالثلاثا فنعمَ اليومُ يومُ الأربعاء وإنْ شرب امرؤٌ يوماً دواءً فـإنَّ الله يأذنُ بالقضاء وفي يوم الخميس قضاءُ حاجٍ ولَذَّاتُ الرجال مع النساء نبيٍّ أو وصيُّ الأنبياء(١) وفي الجُمُعَات تزويجٌ وعرسٌ وهذا العلمُ لا يدريه إلا ولا أظنُّها تصحُّ. وقصارى ما أقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا دخل في ذلك لوقتٍ ولا لغيره، نعم لبعض الأوقات شرفٌ لا يُنكرُ، کیوم الجمعة، وشهر رمضانَ، وغير ذلك، ولبعضها عكسُ ذلك كالأوقات التي تكره فيها الصلاة، لكن هذا أمرٌ ومحلُّ النزاع أمرٌ، فاحفظ ذاك والله تعالى يتولَّى هُداك. وقوله تعالى: ﴿َتَزِعُ النَّاسَ﴾ يجوزُ أنْ يكونَ صفةً للريح وأن يكونَ حالاً منها؛ لأنَّها وُصِفَت فقَرُبَت من المعرفة، وجوِّز أن يكونَ مستأنفاً، وجيء بـ ((الناس)) دون ضمير ((عاد)) قيل: ليشمل ذكورَهم وإناثهم. (١) فيض القدير ٤٧/١، وتنزيه الشريعة ٥٤/٢، والدمياطي هو عبد المؤمن بن خلف، شرف الدين، ولد في دمياط وتفقه فيها، وقرأ السبع على الكمال الضرير، ولازم الحافظ المنذري سنين، روى عنه من تلاميذه المِزِّي والسبكي، له مصنفات نفيسة منها السيرة النبوية. شذرات الذهب ٢٣/٨ . والأبيات في ديوان ابن الرومي ١٣٦/١ دون الأخير، والبيت الذي قبل الأخير بلفظ: ويوم الجمعة التنعيمُ فيه وتزويج الرجال مع النساء سُورَةُ الْقَبْ ٢٠٨ الآية : ٢١ - ٢٣ والنَّزْعِ: القلعُ، روي أنَّهم دخلوا الشعابَ والحُفَر وتمسّك بعضُهم ببعضٍ فقلعَتهم الريحُ وصرعتهم موتَی. ﴿كَهُمْ أَعْبَازُ نَعْلٍ مُنفَعِرٍ﴾ أي: منقلع عن مغارسه، ساقط على الأرض، وقيل: شُبِّهوا بأعجاز النخل وهي أصولُها بلا فَروع؛ لأنَّ الريح كانت تقلَعُ رؤوسَهم فتبقى أجساداً وجثثاً بلا رؤوس، ويزيد هذا التشبيه حُسناً أنَّهم كانوا ذوي جُثَثٍ عظام طوالٍ، و((النخل)) اسمُ جنسٍ يذكّر نظراً للَّفظ كما هنا، ويؤنَّث نظراً للمعنى كما في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَارِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] واعتبار كلٍّ في كلٍّ من الموضعَين للفاصلة، والجملةُ التشبيهية حالٌ من ((الناس)) وهي حال مقدَّرة. وقال الطبري: في الكلام حذفٌ، والتقديرُ: فتركَتهم كأنَّهم .. إلخ(١)، فالكاف على ما في ((البحر)) في موضع نصبٍ بالمحذوف(٢). وليس بذاك. وقرأ أبو نهيك: ((أعجُزُ))(٣) على وزن ((أفعل)) نحو: ضَبُع وأَضبُع. وقوله تعالى: ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴾﴾ تهويلٌ لهما وتعجيبٌ من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيه شائبة تكرارٍ مع ما تقدَّم. وقيل: إنَّ الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، و (كان)) للمشاكلة، أو للدلالة على تحقُّقه، على عادته سبحانه في إخباره. وتُعقّبَ بأنَّه يأباه ترتيبُ الثاني على العذاب الدنيوي. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ ٢٢ الكلامُ فيه کالذي مرَّ. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّدُرِ ﴾﴾ بالرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنَّ تكذيبَ أحدِهم وهو صالح عليه السلام هنا تكذيبٌ للكلِّ؛ لاتِّفاقهم على أصول الشرائع، وجوِّز أن يكون مصدراً أو جمعاً له، وأن يكون جمع ((نذر)) بمعنى المنذَر منه، فلا تغفل. (١) تفسير الطبري ١٣٨/٢٢. (٢) البحر المحيط ١٧٩/٨. (٣) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والبحر المحيط ١٧٩/٨. الآية : ٢٤ ٢٠٩ سُوَرَّةُ القَرْ ﴿فَقَالُواْ أَبَتَرً مِّنَا﴾ أي: كائناً من جنسنا، على أنَّ الجارَّ والمجرور في موضع الصفة لـ ((بشراً))، وانتصابه بفعل يفسره ((نَّبع)) بعدُ، أي: أنتَّبع بشراً ﴿وَاحِدًا﴾ أي: منفرداً لا تَبَعَ له، أو واحداً من آحادهم لا من أشرافهم، كما يُفهَم من التنكير الدالِ على عدم التعيين، وهو صفةٌ أخرى لـ ((بشر))، وتأخيرُه مع إفراده عن الصفة الأولى مع كونها شبه الجملةِ للتنبيه على أنَّ كلَّ من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتِّباع، ولو قُدِّم عليها لفاتَ هذا التنبيهُ. وقرأ أبو السمال فيما ذكر الهذلي في كتابه ((الكامل)) وأبو عمرو الداني: ((أبشرٌ منَّا واحدٌ)) برفعهما (١) على أنَّ: ((بشرٌ) مبتدأ، وما بعدُ صفته، وقوله تعالى: ﴿نَّعُهُ﴾ خبرُه. ونقل ابن خالويه وصاحب ((اللوامح)) وابن عطية عن أبي السمال رَفْعَ ((بشر)) ونَصْبَ ((واحداً)) وخرَّج ذلك ابنُ عطية على أنَّ رفْعَ ((بَشَرٌ)) إما على إضمار فعلٍ مبنيٌّ للمفعول، والتقدير: أيُنَّأُ بشرٌ، وإما على الابتداء، والخبر جملةُ (نتَّبعه))، ونَصْبَ ((واحداً)) على الحال إما من ضمير النصب في ((نتَّبعه)) وإما من الضمير المستقر في (منا)). وخرّج صاحبُ ((اللوامح)) نَصْبَ ((واحداً)) على هذا أيضاً، وأما رفعُ ((بشر)) فخرَّجه على الابتداء وإضمار الخبر، أي: أبشرٌ منَّا يُبعَثُ إلينا أو يُرسَل، أو نحوهما(٢)، وتقدُّم الاستفهام ◌ُرجِّح تقدیرَ فعلٍ یرفع به. ﴿إِنَّ إِذَا﴾ أي: إذا اتَّبعنا بشراً منَّا واحداً ﴿لَفِى مَلَلٍ﴾ عظيمٍ عن الحقِّ ﴿وسُمُرٍ﴾ أي: نیران، جمع سعیر. وروي أنَّ صالحاً عليه السلام كان يقول لهم: إنْ لم تتَّعوني كنتُم في ضلال عن الحقِّ وسُعُر، فعكَسُوا عليه لغايةِ عتوِّهم فقالوا: إن اتَّبعناك كنَّا إذاً كما تقول. فالكلامُ من باب التعكيس والقولِ بالموجب، وجمعُ السعير باعتبار الدَّرَكات، أو للمبالغة، وروي عن ابن عباس ما يحتملُ ما قلنا، فإنَّه قال: أي: لفي بُعدٍ عن الحقِّ وعذابٍ. (١) المحرر الوجيز ٢١٧/٥، والبحر المحيط ١٧٩/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحرر الوجيز ٢١٧/٥، والبحر المحيط ١٧٩/٨ -١٨٠. سُورَةُ الْقَبْ ٢١٠ الآية : ٢٥ - ٢٦ وفي رواية أخرى عنه تفسيرُ السُّعُر بالجنون على أنَّه اسمٌ مفرَدٌ بمعنى ذلك، يقال: ناقةٌ مسعورة: إذا كانت تفرطُ في سيرها كأنَّها مجنونة؛ قال الشاعر: كأنَّ بها سُعراً إذا العيسُ هزَّها ذَمِيلٌ وإرخاءٌ من السَّيرِ مُشْعبُ (١) والأولُ أوجه وأفصحُ. ﴿لَْفِىَ الذِّكْرُ عَيْهِ مِنْ بَيْنِنَ﴾ أي: أأُنزِلَ عليه الوحيُّ من بيننا وفينا مَن هو أحقُّ منه بذلك، والتعبيرُ بـ ((أُلقي)) دون ((أنزل)) قيل: لأنَّه يتضمَّن العجلة في الفعل. ﴿بَّ هُوَ كَذَّبُ أَشِرٌ﴾ أي: شديدُ البَطَر، وهو على ما قاله الراغب: دَهَشٌ يعتري مِن سوء احتمالِ النعمة وقِلَّةِ القيام بحقِّها ووضعِها إلى غير وجهها، ويقاربُه الطَّرَبُ وهو خِفَّةٌ أكثر ما تعتري من الفرح(٢). ومرادُهم: ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا، حملَه شدَّةُ بَطَره وطلبُه التعظيم علينا على ادِّعاء ذلك. وقرأ قتادة وأبو قلابة: ((بل هو الكذَّاب الأشَرُّ) بلام التعريف فيهما وبفتح الشين وشدّ الراء(٣)، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما في ذلك. حکایةٌ لِما قاله سبحانه وقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ وتعالى لصالح عليه السلام وعداً(٤) له ووعيداً لقومه، والسين لتقريب مضمونٍ الجملة وتأكيده، والمرادُ بالغَدِ وقتُ نزولِ العذاب الدنيوي بهم، وقيل: يومُ القيامة، فهو لمطلق الزمان المستقبل، وعبَّر به لتقريبه، وعليه قول الطرماح: وقبل اضطرابِ النفس بينَ الجوانحِ أَا عَلِّلاني قبل نَوحِ النَّوائح إذا راحَ أصحابي ولستُ برائحٍ(٥) وقبل غَدٍ يا لَهْفَ نفسي على غَدٍ (١) الكشاف ٣٩/٤، وتفسير القرطبي ٩١/٢٠، والبحر المحيط ١٨٠/٨ دون نسبة، والذَّميل: ضرب من سير الإبل، قال أبو عبيد: فإذا ارتفع السير عن العَنَّق قليلاً فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل ثم الرسيم. اللسان (ذمل). (٢) مفردات الراغب (أشر) و(بطر). (٣) البحر ٨/ ١٨٠، والدر المصون ١٤٠/١٠. (٤) في الأصل: ووعداً. (٥) البحر المحيط ٨/ ١٨٠، ولم نقف عليهما في ديوانه، وعزاهما المرزوقيُّ في شرح الحماسية الآية : ٢٦ ٢١١ سُورَةُ القَمَرُ أي: سيعلمون البتّة عن قريبٍ من الكذابُ الأشر، الذي حَمَله أشَرُهُ وبَطَرُه على ما حمله، أصالحٌ أم مَن كذَّبه، والمراد: سيعلمون أنَّهم هم الكذَّابون الأَشِرُون، لكن أُوردَ ذلك مورد الإبهام إيماءً إلى أنَّه مما لا يكاد يخفَى، ونحوه قول الشاعر: أيِّيْ وأيُّكَ فارسُ الأحزابِ(١) فَلَئِن لقيتُكَ خالِيَيْن لتعلَمَنَّ وقرأ ابن عامر وحمزة وطلحة وابن وثاب والأعمش: ((ستعلمون)) بتاء الخطاب(٢) على حكايةِ ما قال لهم صالحٌ مجيباً لهم، وفي («الكشاف)): أو هو كلامٌ على سبيل الالتفات(٣). قال صاحب ((الكشف)): أي: هو كلام الله تعالى لقوم ثمودَ على سبيل الالتفاتِ إليهم، إما في خطابه تعالى لرسولنا وَّر، وهو نظيرُ ما حكاه سبحانه عن شعيب: ﴿فَنَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَمْنُكُمْ﴾ [الأعراف: ٩٣] بعد ما استُؤْصِلُوا هلاكاً، وهو من بليغ الكلام، فيه دلالةٌ على أنَّهم أحقّاء بهذا الوعيد وكأنَّهم حضورٌ في المجلس حَوَّل إليهم الوجْهَ لينعي عليهم جناياتهم، وإما في خطابه عز وجل لصالح عليه السلام، والمنزَّلُ حكايةُ ذلك الكلام المشتمل على الالتفات. وعلى التقديرَين لا إشكالَ فيه كما تُؤُهِّم، ولفظُ الزمخشريِّ على الأول أدلُّ وهو أبلغ. انتھی. ومَن التفت إلى ما قاله الجمهور في الالتفات لا أظنُّه تسكنُ نفسُه بما ذكر فتأمل. وقرأ مجاهد فيما ذكره صاحب ((اللوامح)) وأبو قيس الأودي: ((الأُشُرُ)) بثلاث ضمات وتخفيف الراء(٤)، ويقال: أَشِرٌ وأُشُرٌ كحذِر وحُذُر، فضمة الشين لغةٌ، وضُّ الهمزة تَبَعُ لها . = ١٢٦٦/٣، والبصري في الحماسة البصرية ١/ ٢٨١ والقرطبي ٩٤/٢٠ لأبي الطَّمَحان القينيّ، ونسبهما ابن عبد ربه في العقد الفريد ٢٤٨/٣ إلى هدية العذري. (١) المحتسب ٢٥٤/١، ومشكل إعراب القرآن ٤٨٤/٢، والبحر المحيط ١٨١/٨. (٢) قراءة ابن عامر وحمزة في التيسير ص ٢٠٦، والنشر ٢/ ٣٨٠، وقراءة طلحة وابن وثاب والأعمش في المحرر الوجيز ٢١٧/٥، والبحر المحيط ١٨٠/٨. (٣) الكشاف ٣٩/٤. (٤) البحر المحيط ٨/ ١٨٠، وحاشية الشهاب ١٢٥/٨. حـ سُورَةُ الْقَهُ ٢١٢ الآية : ٢٧ - ٢٨ وحكى الكسائي عن مجاهد ضمَّ الشين دون الهمزة فهو كنَدُس(١). وقرأ أبو حيوة: ((الأَشَرُّ) أفعل تفضيل، أي: الأبلغُ في الشرارةِ، وكذا قرأ قتادة وأبو قلابة أيضاً (٢)، وهو قليلُ الاستعمال وإنْ كان على الأصل كالأَخْيَرِ في قول رؤبة : بلالُ خَيرُ الناسِ وابن الأَخْيَرِ (٣) وقال أبو حاتم: لا تكادُ العرب تتكلَّمُ بالأَخْيَرِ والأَشَرِّ إلا في ضرورة الشعر. وأنشد البيت. وقال الجوهري: لا يقال ((الأَشَرُّ)) إلا في لغة رديئة(٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾ إلخ استئنافٌ مسوقٌ لبيان مبادي الموعود على ما هو الظاهر، وبه يتعيَّن كونُ المرادِ بالغد وقتَ نزول العذاب الدنيويِّ بهم دون يوم القيامة، والإرسالُ حقيقةٌ في البعث، وقد جُعِلَ هنا كنايةً عن الإخراج، وأُريدَ المعنى الحقيقيُّ معه كما أومأ إليه بعضُ الأجلَّة، أي: إنَّا مخرجُو الناقةِ التي سألوها من الهَضْبة وباعثوها ﴿فِنَةٌ لَّهُمْ﴾ امتحاناً. وجوِّز إبقاؤها على معناها المعروف. ﴿فَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم وتبصَّر ما هم فاعلون ﴿وَأَصْطَيِرْ﴾ على أذاهم ولا تَعجّل حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى. ﴿وَنَّهُمْ أَنَّ الْمَةَ﴾، وأخبرهم بأنَّ ماء البئر التي لهم ﴿قِسْمَةٌ يَّهُمْ﴾ مقسومٌ، لها يومٌ ولهم يوم، و((بينهم)) لتغليب العقلاء، وقرأ معاذ عن أبي عمرو: ((قَسْمٌ)) بفتح القاف(٥) . ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ نصيبٍ وحصَّة منه ﴿تُخَضَرُ﴾ يحضُره صاحبُه في نوبته، فتحضُر الناقةُ (١) المحتسب ٢٩٩/٢، والبحر المحيط ١٨٠/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٩/٢، والبحر المحيط ١٨٠/٨. (٣) المحتسب ٢٩٩/٢، وتفسير القرطبي ٩٤/٢٠، والبحر المحيط ١٨٠/٨، وليس في ديوانه. (٤) الصحاح (شرر). (٥) البحر المحيط ١٨١/٨، وهي خلاف المشهور عن أبي عمرو. الآية : ٢٩ - ٣١ ٢١٣ سُورَةُ القَمْ تارةً ويحضرونه أخرى، وقيل: يتحوَّل عنه غيرُ صاحبه، مِن حَضَر عن كذا: تحوَّل عنه . وقيل: يُمنع عنه غيرُ صاحبه، مجازٌ عن الحَظْر - بالظاء - بمعنى المنع بعلاقة السببية، فإنّه مسبّبٌ عن حضور صاحبه في نوبته. وهو كما ترى. وقيل: يحضرون الماءَ في نوبتهم واللبنَ في نوبتها، والمعنى: كلُّ شِرْبٍ من الماء واللبن تحضرونه أنتم. ﴿َادَوْا﴾ أي: فأرسلنا الناقةَ وكانوا على هذه الوتيرةِ من القسمة، فملُّوا ذلك وعزموا على عَقْر الناقة ((فنادَوا)) لعَقْرها ﴿صَاحَةٌ﴾ وهو قُدار(١) بن سالف أُحْيمِرُ ثمودَ وكان أَجرأَهم ﴿فَعَالَى﴾ العقر، أي: فاجترأ على تعاطيه مع عظمه غيرَ مُكترثٍ به ﴿فَعَفَرَ﴾ فأحدَثَ العقر بالناقة، وجوِّزْ أنْ يكونَ المرادُ: فتعاطى الناقةً فعقرها، أو فتعاطى السيفَ فقتلَها، وعلى كلِّ فمفعولُ ((تعاطى)) محذوفٌ والتفريع لا غبار عليه. وقيل: ((تعاطى)) منزَّلُ منزلةَ اللازم على أنَّ معناه: أَحدَث ماهية التعاطي، وقوله تعالى: (فَقَرَ) تفسيرٌ له لا متفرِّع عليه. ولا يَخْفَى ركاكتُه. والتعاطي: التناولُ مطلقاً على ما يُفهَم من كلام غيرٍ واحدٍ، وزاد بعضُهم قيدَ: بتكلّفٍ، ونسبةُ العقر إليهم في قوله تعالى: (فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ) لأنَّهم كانوا راضين به. ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ ﴾﴾ الكلامُ فيه كالذي تقدَّم. وَإِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً﴾ هي صيحةُ جبريل عليه السلام، صاحَ صباحَ يوم الأحد - كما حكى المناوي عن الزمخشريٌّ(٢) - في طرف منازلهم ﴿فَكَانُوا﴾ أي: فصاروا ﴿كَهَشِيرِ الْمُخَظِرِ﴾ أي: كالشجر اليابس الذي يجمعُه صاحبُ الحظيرة لماشيته فى الشتاء. (١) في هامش الأصل: بوزن (فُعال)) بالضم. اهـ. (٢) فيض القدير ٤٦/١. سُورَةُ الْقَهْ ٢١٤ الآية : ٣٢ - ٣٤ وفي ((البحر)): الهشيمُ ما تفتَّت وتهشَم من الشجر، و((المحتظِر)) الذي يَعْمَلُ الحظيرةَ، فإنَّه يتفتَّت منه حالةَ العمل ويتساقط أجزاءٌ مما يَعمَل به، أو يكون الهشيمُ ما يبِسَ من الحظيرة بطول الزمانِ تطؤُه البهائمُ فيتهشَّم (١). وتُعقِّب هذا بأنَّ الأظهرَ عليه: كهشيم الحظيرة. والحظيرةُ الزريبة التي تصنعُها العربُ وأهل البوادي للمواشي والسُّكنَى من الأغصان والشجر المورق والقصب، من الحَظْر وهو المنع. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء وعمرو بن عبيد: ((المحتَظَر)) بفتح الظاء (٢)، على أنَّه اسمُ مكان، والمراد به الحظيرةُ نفسُها، أو هو اسمُ مفعول قيل: ويقدَّر له موصوفٌ، أي: كهشيم الحائط المحتَظَر، أو لا يقدَّر على أنَّ ((المحتظَر)) الزريبة نفسُها كما سمعت. وجوِّز أنْ يكونَ مصدراً، أي: كهشيم الاحتظارِ، أي: ما تفتَّتَ حالةَ الاحتظار. ﴿وَلَقَدْ يَنَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ تُذَّكِرِ (ج) كما مرَّ. ٤﴾ على قياس النظير السابق ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ®ـ مَلَكاً - على ما قيل - يحصبُهم، أي: يرميهم بالحَصْباء والحجارة، أو هو اسمٌ للريح التي تحصب، ولم يُرَدْ بها الحدوث كما في: ناقةٌ ضامرٌ، وهو وَجْهُ التذكير. وقال ابن عباس: هو ما حُصِبُوا به من السماء من الحجارة في الريح، وعليه قول الفرزدق : مُستقبلينَ شمالَ الشامِ تضربُنا بحاصِبٍ كنّديفِ القُطنِ منثُور (٣) ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ خاصَّتَه المؤمنين به، وقيل: آلُّه: ابنتاه ﴿نَُّّتَهُم بِسَحَرٍ﴾ أي: في (سحر))، وهو آخِرُ الليل، وقيل: السُّدس الأخيرُ منه، وقال الراغب: السَّحَرُ والسَّحَرَةُ اختلاطُ ظلامِ آخِرِ الليل بصفاء النهارِ، وجُعِل اسماً لذلك الوقت(٤). (١) البحر المحيط ١٨١/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحتسب ٢٩٩/٢، والمحرر الوجيز ٢١٨/٥، والبحر المحيط ٨/ ١٨١. (٣) ديوان الفرزدق ٢١٣/١. (٤) مفردات الراغب (سحر). الآية : ٣٥ - ٣٧ ٢١٥ سُورَةُ القَمَرْ ويجوزُ كونُ الباء للملابسة، والجارُّ والمجرور في موضع الحال، أي: ملتبسين ((بسحر» داخلین فیه. ﴿يِّعْمَةٌ مِنْ عِندِنَّْ﴾ أي: إنعاماً منَّا، وهو علةٌ لـ ((نجينا))، ويجوز نصبُهُ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أو بـ ((نَجَّينا)) لأنَّ النتيجةَ إنعامٌ، فهو ك : قعدتُ جلوساً. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الجزاءِ العجيب ﴿نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ نعمتَنا بالإيمان والطاعة. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ لوظٌ عليه السلام ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أَخْذَتَنا الشديدةَ بالعذاب، وجوِّز أنْ يُرادَ بها نفسُ العذاب ﴿فَتَمَارَوَا﴾ فكذَّبوا ﴿يَنُّذُرِ﴾ متشاكين، فالفعل مضمَّنٌ معنی التکذیب، ولولاه تعدَّی بـ ((في)). ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ صرفُوه عن رأيه فيهم وطلبوا الفجورَ بهم، وهذا من إسناد ما للبعض للجميع لرضاهم به. ﴿فَطَمَسْئَا أَعْيُّنَهُمْ﴾ أي: أزَلْنا أثرها، وذلك بمسحها وتسويتها كسائر الوجه، وهو كما قال أبو عبيدة (١)؛ وروي أنَّ جبريل عليه السلام استأذنَ ربَّه سبحانه في عقوبتهم ليلةً جاؤوا وعالجوا الباب ليدخلوا عليهم، فصفَقَهم بجناحه فتركهم عمياناً يتردّدون لا يهتدون إلى طريق خروجهم حتى أخرجَهم لوط عليه السلام. وقال ابن عباس والضحاك: إنما حَجَب إدراكهم فدخلوا المنزلَ ولم يروا شيئاً، فجعل ذلك کالطَّمس فعبَّر به عنه. وقرأ ابن مقسم: ((فطمَّسنا)) بتشديد الميم(٢) للتكثير في المفعول. ٣٩ أي: فقلنا لهم ذلك على ألسنة الملائكةِ عليهم ﴿فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ ( السلام، فالقولُ في الحقيقة لهم وأُسنِدَ إليه تعالى مجازاً لأنَّه سبحانه الآمرُ، أو القائل ظاهرُ الحال فلا قولَ وإنما هو تمثيل، والمرادُ بالعذاب الطمسُ وهو من جملة ما أُنذروه. (١) مجاز القرآن ٢٤١/٢، والبحر المحيط ١٨٢/٨. (٢) البحر المحيط ٨/ ١٨٢. سُورَةُ القَرْ ٢١٦ الآية : ٣٨ - ٤٢ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً﴾ أول النهار وهي أخصُّ من الصباح، فليس في ذكرها بعدَه زيادةٌ، وكان ذلك أولَ شروق الشمس. وقرأ زيد بن علي: ((بكرةَ)) غير مصروفةٍ (١) للعلمية والتأنيث، على أنَّ المرادّ بها أولُ نهارٍ مخصوص. ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾ يستقرُّ بهم ويدومُ حتى يُسْلِمهم إلى النار، أو لا يُدفَع عنهم، أو يبلغُ غايتَه. ﴿فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ ◌َـ حكاية لِمَا قيل لهم بعد التصبيح (٢) من جهته تعالى تشديداً للعذاب، أو هو تمثيلٌ. ﴿ وَلَقَدْ يَشَرْنَا الْقُرَّانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَكِرٍ ﴾﴾ تقدَّم ما فيه من الكلام. صُدِّرَت قصتُهم بالتوكيد القَسَمي لإبراز كمال ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾﴾ الاعتناء بشأنها لغاية عِظَم ما فيها من الآيات وكثرتها، وهولِ ما لاقوه من العذاب وقوة إيجابها للاتِّعاظ، والاكتفاءُ بذكر ((آل فرعون)) للعلم بأنَّ نفسَه أولى بذلك فإنَّه رأسُ الطغيان ومُدَّعي الألوهية، والقول بأنَّه إشارةٌ إلى إسلامه مما لا يلتفَتُ إليه. و ((النُّذُر)) إنْ كان جمعَ نذير بمعنى الإنذار فالأمر ظاهر، وكذا إنْ كان مصدراً، وأما إنْ كان جمعَ نذير بمعنى المنذِر فالمرادُ به موسى وهارونُ وغيرُهما، لأنَّهما عرَضًا عليهم ما أَنذر به المرسلون، أي: وبالله تعالى لقد جاءهم المنذِرُون، أو الإنذاراتُ، أو الإنذارُ. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِّهَا﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية مجيء النذر، كأنَّه قيل: فماذا فعل آل فرعونَ حينئذ؟ فقيل: كذّبوا بجميع آياتنا وهي آياتُ الأنبياء كلِّهم عليهم السلام، فإنَّ تكذيبَ البعضِ تكذيبٌ للكلِّ، أو هي الآياتُ التسعُ. (١) المصدر السابق. (٢) في (م): التصحيح. الآية : ٤٣ ٢١٧ سُورَةُ القَرْ وجوَّز الواحدي أنْ يُراد بـ ((النذر)) نفسُ الآيات فقوله سبحانه: (بِثَايَتِنَا) من إقامة الظاهر مقامَ الضمير والأصلُ: كذَّبوا بها . وزعمَ بعضُ غلاةِ الشيعة وهم المسمَّون بالكشفية في زماننا أنَّ المراد بالآيات كلِّها عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فإنَّه الإمامُ المبينُ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْتَهُ فِىَ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وأنَّه كرم الله تعالى وجهه ظهر مع موسى عليه السلام لفرعونَ وقومه فلم يؤمنوا. وهذا من الهَذَيان بمكان، نسأل الله تعالى العفوَ والعافية. ﴿فَخَذْتَهُ﴾ أي: آلَ فرعون. وزعم بعضٌ أنَّ ضمير ((كذَّبوا)) وضمير ((أخذناهم)) عائدان على جميع مَن تقدَّم ذكره من الأمم وتمَّ الكلامُ عند قوله تعالى: (النُّذُرُ)، وليس بشيء. والفاء للتفريع، أي: فأخذناهم وقَهْرناهم لأجل تكذيبهم ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالب ﴿مُقْنَدِرٍ﴾ لا يعجزه شيء، ونصب ((أَخْذَ)) على المصدرية لا على قَصْدِ التشبيه. ﴿أَكُفَارُكُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَكُ﴾ أي: الكفارِ المعدودين، قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وآلٍ فرعون، والمرادُ الخيرية باعتبار الدنيا وزينتها ككثرة القوة والشدة ووفورِ العدد والعُدَّة، أو باعتبارِ لينِ الشَّكيمةِ في الكفر بأنْ يكونَ الكفار المحدَّث عنهم بالخيرية أقلَّ عناداً وأقربَ طاعةً وانقياداً، وظاهرُ كلام كثيرٍ: أنَّ الخطابَ هنا عامٌّ للمسلمين وغيرهم، حيث قالوا(١): ((أكفَّارُكم)) يا معشرَ العرب ((خيرٌ)) إلخ. والاستفهامُ إنكاريٌّ في معنى النفي، فكأنَّه قيل: ما كفَّاركم خيرٌ من أولئكم الكفار المعدودين، بأن يكونوا أكثرَ منهم قوةً وشدَّةً وأوفرَ عدداً وعُدَّةً، أو بأن يكونوا ألينَ شكيمةً في الكفر والعصيان والضلال والطغيان، بل هم دونَهم في القوة وما أشبهها من زينة الدنيا، أو أسوأ حالاً منهم في الكفر، وقد أصابَ مَن هو خيرٌ ما أصاب، فكيف يطمعون هم في أنْ لا يصيْبَهم نحو ذلك، وكذا قيل في الخطاب في قوله (١) يعني به الكثير الوارد في قوله: وظاهر كلام كثير أن الخطاب ... ، وينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٨/ ١٢٧، وتفسير أبي السعود ١٧٣/٨ . الآية : ٤٤ ٢١٨ سُورَةُ القَة تعالى: ﴿َْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ﴾ وجُعل بتقدير: أم لكفاركم، وهو إضرابٌ وانتقالٌ إلى تبكيت(١) آخرَ، فكأنَّه قيل: بل ألكفاركم براءةٌ وأمنٌ من تَبعات ما يعملون من الكفر والمعاصي وغوائلها في الكتب السماوية، فلذلك يُصرُّون على ما هم عليه ولا يخافون. واختار بعضُهم في هذا أنَّه خاصٌّ بالكفار، وقالوا في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ثَمْنُ جَمِيعُ مُنَصِرُ ﴾﴾ إنَّه إضرابٌ من التبكيت المذكور إلى تبكيت آخرَ بطريقٍ الالتفات، للإيذان بإفضاء حالهم إلى الإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكايةٍ قبائحهم لغيرهم، أي: بل أيقولون واثقينَ بشَوْكتهم نحن جماعةٌ أمرُنا مجتمعٌ لا يُرام ولا يُضام، أو منتصرٌ من الأعداء لا يغلب، أو متناصرٌ ينصرُ بعضُنا بعضاً. والذي يترجَّح في نظر الفقير أنَّ الخطابَ في الموضعَين خاصٌّ على ما يقتضيه السياقُ بكفار أهل مكة أو العرب، وهو ظاهرٌ في الموضع الثاني لا يحتاجُ إلى شيء، وأما في الموضع الأول فوجهُهُ أنْ تكون الإضافة مثلَها في: الدراهم كلّها كذا، وطور سيناء، ويوم الأحد، ولم يقل: أأنتم؛ للتنصيص على كفرهم المقتضي لھلا کھم. ويجوزُ أنْ يعتبر في ((أكفَّاركم)) ضربٌ من التجريد الذي ذكروه في نحو ﴿هُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلُّدِ﴾ [فصلت: ٢٨] فكأنَّه جُرِّد منهم كفارٌ وأُضيفُوا إليهم، وفي ذلك من المبالغة ما فيه. ويجوز أن يكون هذا وجهاً للعدول عن ((أأنتم))، وربما يترجَّح به كونُ الخيريةِ المنفية باعتبار لينِ الشكيمة في الكفر، وكأنَّه لمَّا خوَّف سبحانه الكفارَ الذين كذَّبوا الآيات وأَعرضُوا عنها، وقالوا: هي سحرٌ مستمرّ، بذكر ما حلَّ بالأمم السالفة مما تبرُقُ وترعُدُ منه أساريرُ الوعيد = قال عز وجل لهم: لِمَ لا تخافون أنَّ يحلّ بكم مثلُ ما حلّ بهم، أأنتم أقلُّ كفراً وعناداً منهم، ليكون ذلك سبباً للأمن من حلول نحو عذابهم بكم، أم أعطاكم الله عز وجل براءةً من عذابه، أم أنتم أعزّ منهم (١) في (م): تنكيب. الآية : ٤٥ ٢١٩ سُورَةُ الْقَمرة منتصرون على جنود الله تعالى، وعَدَل سبحانه عن: أم أنتم جميع منتصر، إلى ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنَّ ذلك مما لا تحقّقَ له أصلاً إلا باللفظ ومَحْضٍ الدعوى التي لا يوافق عليها. فتأمل فأسرارُ كلام الله تعالى لا تتناهَى، ثم لا تعجل بالاعتراض على ما قلناه، وإنْ لم يكن لنا سلفٌ فيه حَسْبَما تتبعناه. ثَّ إنَّ (جميع)) على ما أَشيرَ إليه بمعنى الجماعة التي أمرُها مجتمعٌ، وليس من التأكيد في شيء بل هو خبرُ ((نحن))، وجوِّز أن يكون بمعنى مجتمع خبرَ مبتدأ محذوفٍ وهو: أَمرُنا، والجملةُ خبرُ ((نحن))، وأن يكون هو الخبرَ والإسنادُ مجازيٌّ. و(منتصر)) على ما سمعتَ إما بمعنى ممتنع؛ يقال: نصَرَه فانتصر، إذا منَعَه فامتنع، والمرادُ بالامتناع عدمُ المغلوبية، أو هو بمعنى منتقم من الأعداء، أو هو من النصر بمعنى العَوْن؛ والافتعالُ بمعنى التفاعل كالاختصام والتخاصُم، وكان الظاهر: منتصرون، إلا أنَّه أُفرِدَ باعتبار لفظِ الجميع، فإنَّه مفردٌ لفظاً جَمْعٌ معنّى، ورُجِّح هنا جانبُ اللفظ عكس ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] لخقَّة الإفراد مع رعاية الفاصلة، وليس في الآية رعايةُ جانبِ المعنَى أولاً، ثم رعايةُ جانب اللفظ ثانياً على عكس المشهور، وإنْ كان ذلك جائزاً على الصحيح كما لا يخفى على الخبير. وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهسم: ((أم تقولون)) بتاء الخطاب(١). وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ﴾ ردٌّ لقولهم ذلك، والسين للتأكيد، أي: يُهزَمُ جمعُهم البتّة ﴿وَيُوَلُونَ الذُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، وقد قرئ كذلك(٢)، والإفرادُ لإرادة الجنسِ الصادق على الكثير مع رعاية الفواصلِ ومشاكلةِ القرائن، أو لأنَّه في تأويل: يولِّي كلُّ واحدٍ منهم دُبُرَه، على حدٍّ: كسانا الأميرُ حلةً، مع الرعاية المذكورة أيضاً، وقد كان هذا يومَ بدر، وهو من دلائل النبوة لأنَّ الآية مكيةٌ، وقد (١) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحرر الوجيز ٢٢٠/٥، والبحر المحيط ١٨٢/٨-١٨٣. (٢) البحر المحيط ١٨٣/٨. سُورَةُ الْقَبْ ٢٢٠ الآية : ٤٦ نزلَت حيث لم يُفرَض جهادٌ ولا كان قتال، ولذا قال عمر ◌َُّه يوم نزلَت: أيُّ جمع يُهزَم؟ أي: من جموع الكفار، ولم يتعرَّض لقتال أحدٍ منهم، وقد تقدَّم الخبر(١). ومما أشرنا إليه يعلم أنَّ قولَ الطيبي: في هذه الرواية نظر؛ لأنَّ همزةَ الإنكار في ((أم يقولون)) إلخ دلَّت على أنَّ المنهزمين مَن هم، ناشئ عن الغفلة عن مراد عمر ته. وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهسم: ((سَتَهزِمُ الجمعَ)) بفتح التاء وكسر الزاي(٢) خطاباً لرسول الله وَ ل﴿ل، ونصب ((الجمعَ)) على المفعولية. وقرأ أبو حيوة أيضاً ويعقوب: ((سنَهزِم)) بالنون مفتوحة وكسر الزاي(٣) على إسناد الفعل إلى ضمير العظمة. وعن أبي حيوة وابن أبي عبلة: ((سيَهزِمُ الجمعَ)) بفتح الياء مبنيّاً للفاعل ونصب ((الجمعَ)) (٤)، أي: سيَهزمُ الله تعالى الجمعَ. وقرأ أبو حيوة وداود بن أبي سالم عن أبي عمرو: ((وتولُّون)) بتاء الخطاب(٥). ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ﴾ أي: ليس هذا تمامَ عقوبتهم بل الساعة موعدُ عذابهم وهذا من طلائعه ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾ أي: أعظم داهيةً، وهي الأمرُ المنكر الفظيع الذي لا يُهتدَى إلى الخلاص عنه ﴿وَأَمَرُّ﴾ وأشدُّ مرارةً في الذوق، وهو استعارةٌ لصعوبتها على النفس، وقيل: أقوى. وليس بذاك. وإظهار ((الساعة)) في موضع إضمارها لتربية تھویلها . (١) تقدم ص١٧٤ من هذا الجزء. (٢) البحر المحيط ١٨٣/٨. (٣) القراءات الشاذة ص ١٤٨ . (٤) المحرر الوجيز ٢٢٠/٥، والبحر المحيط ١٨٣/٨. (٥) القراءات الشاذة ص ١٤٨، والمحرر الوجيز ٢٢٠/٥، وزاد المسير ١٠٠/٨، والبحر المحيط ١٨٣/٨.