النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٤٣ - ٤٤ ١٦١ سُورَةُ الْنَخَيْ، وأخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَلجر: ((تفكّروا في خَلْق الله ولا تَفَكَّروا في الله فتهلَكُوا))(١). واستدلَّ بذلك مَن قال باستحالةِ معرفتِهِ عز وجل بالكُنْه، والبحثُ في ذلك طويلٌ، وأكثرُ الأدلة النقلية على عدم الوقوع. وقرأ أبو السمال: ((وإنَّ) بالكسر هنا وفيما بعد، على أنَّ الجملَ منقطعةٌ عما قبلها، فلا تكون مما في الصحف(٢). ، خَلَق فِعْلَي الضَّحك والبُكاء، وقال الزمخشريُّ: ﴿وَأَنَّهُ, هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَ ﴾ خَلَق قوَّتَي الضَّحك والبكاءِ(٣). وفيه دسيسةُ اعتزالٍ. وقال الطيبي: المرادُ: خَلَق السرورَ والحُزْن، أو ما يَسرُّ ويُحزن من الأعمال الصالحة والطالحة، ولذا قُرِنَ بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ, هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ( وعليه فهو ٤٤ مجازٌ، ولا يخفَى أنَّ الحقيقةَ أيضاً تُناسبُ الإماتَةَ والإحياءَ، لاسيما والموتُ يعقبُهُ البكاءُ غالباً، والإحياء عند الولادِ الضحك، وما أحسنَ قوله: وَلَدْكَ أُمُّك يا ابنَ آدَمَ باكياً والناسُ حولَك يضحكون سروراً في يوم مَوتِكَ ضاحكاً مسروراً (٤) فاجْهَدْ لنفسكَ أَنْ تكونَ إذا بگوا وقال مجاهد والكلبي: أضحَكَ أهل الجنة، وأبكى أهلَ النار. وقيل: أضحَكَ الأرضَ بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. = وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكسبه قوةً ومعناه صحيح، وفي صحيح مسلم [برقم: (١٣٤): (٢١٢)] عن أبي هريرة ◌ُه عن النبي وَ ل﴾ قال: ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا، خلقَ اللهُ الخلقَ، فمَن خلقَ الله؟ فمن وجد مِن ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله)). اهـ. (١) العظمة (٤)، وفيه سيف بن محمد الكوفي ابن أخت سفيان، قال الحافظ في التقريب: كذبوه. (٢) البحر المحيط ٨/ ١٦٨. (٣) الكشاف ٤/ ٣٤. (٤) الكشكول للعاملي ١٣٢/٢ دون نسبة، وهما في تفسير القرطبي ٣١٧/٢ بنحوهما. سُورَةُ الْنَجَيْ ١٦٢ الآية : ٤٥ - ٤٨ وتقديمُ الضمير وتكريرُ الإسناد للحصر، أي: إنَّه تعالى فَعَل ذلك لا غيرُه سبحانه، وكذا في ((أنَّه هو أماتَ وأحيا)) فلا يقدِرُ على الإماتة والإحياء غيرُه عز وجل، والقاتلُ إنَّما ينقُضُ البنيةَ الإنسانيةَ ويفرِّقُ أجزاءها، والموتُ الحاصلُ بذلك فعلُ الله تعالى على سبيل العادة في مثله، فلا إشكالَ في الحصر. من نوع الإنسانِ وغيرِه من أنواع ٤٥ ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَآلأُنْنَى الحيوانات، ولم يذكر الضمير على طَرْز ما تقدَّم؛ لأنَّه لا يتوهّم نسبةٌ خَلْق الزوجين إلى غيره عز وجل. أي: تُدفَق في الرحم يقال: أَمنَى الرجلُ ومَنَّى بمعنَى، ٤٦٦ ﴿مِن تُلَفَةٍ إِذَا تُمْفَ وقال الأخفشُ: أي: تُقدَّر، يقال: مَنَى لك الماني، أي: قدَّر لك المقدِّر(١). ومنه المَنَا الذي يُوزَن به فيما قيل، والمَنَّة وهي الأجل المقدَّر للحيوان. ١﴾ أي: الإحياءَ بعد الإماتةِ وفاءً بوعده جل شأنه، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ اَلَّقْأَةَ الْأُخْرَى وفي ((البحر)): لمَّا كانت هذه النشأةُ يُنكرها الكفَّارُ بُولِغَ بقوله تعالى: (عَّهِ) كأنَّه تعالى أَوجَب ذلك على نفسه(٢). وفي ((الكشاف)): قال سبحانه: (عَيْهِ) لأنَّها واجبةٌ في الحكمة ليجازي على الإحسان والإساءة (٣). وفيه مع كونه على طريق الاعتزال نظرٌ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((النشاءة)) بالمدِّ(٤)، وهي أيضاً مصدر نَشَأَه الثلاثي. ﴿وَأَنَّهُ, هُوَ أَغْفَى وَأَقْنَى (®﴾ وأعطَى القِنْيَة، وهو ما يبقَى ويدومُ من الأموال ببقاء نفسِه أو أصله، كالرياض والحيوان والبناء، وإفرادُ ذلك بالذكر مع دخوله في قوله تعالى: (أَغْفَ) لأنَّ القنية أَنْفَسُ الأموال وأشرفُها، وفي ((البحر)): يقال: قنيتُ المال، أي: كسبتُه. ويُعدَّى أيضاً بالهمزة والتضعيف فيقال: أَقْتَاهُ الله تعالى مالاً، وقَنَّاه الله تعالى مالاً، وقال الشاعر: (١) البحر المحيط ١٦٨/٨ . (٢) البحر المحيط ١٦٨/٨. (٣) الكشاف ٣٤/٤. (٤) التيسير ص ١٧٣، والنشر ١ / ٤٦٠ . الآية : ٤٩ ١٦٣ سُورَةُ الْبَحَيْ كم مِن غنيٌّ أصابَ الدهرُ ثروتَه ومِن فقيرٍ يُقَنَّى بعدَ إقلالِ أي: يُقْنَّى المالَ(١). وعن ابن عباس: ((أغْنَى)): مَوَّلَ، و((أَقْنَى)): أَرْضَى. وهو بهذا المعنى مجازٌ من القنية، قال الراغب: وتحقيقُ ذلك أنَّه جَعَل له قِنْيةً مِن الرضا والطاعة، وذلك أعظمُ القنائن(٢). ولله تعالى درُّ مَن قال: هل هي إلا مدةٌ وتَنْقضي ما يغلبُ الأيامَ إلا مَن رَضِي (٣) وعن ابن زيد والأخفش: ((أقنى)) أفقر. ووُجِّهَ بأنَّهما جَعَلا الهمزةَ فيه للسلب والإزالة، كما في ((أشكى)). وقيل: إنَّهما جعلا ((أَقْنَى)) بمعنى: جعل له الرضا والصبرَ قِنْيَةً، كنايةً عن ذلك، ليظهرَ فيه الطباقُ كما في (أمات وأحيا)) و((أضحك وأبكى)). وفسَّره بـ ((أفقر)) أيضاً الحضرميُّ، إلا أنَّه ـ كما أخرج عنه ابنُ جرير وأبو الشيخ - قال: أغنَى نفسَه سبحانه، وأفقَرَ الخلائقَ إليه عز وجل (٤). والظاهرُ على تقدير اعتبارِ المفعول في جميع الأفعال المتقدِّمةِ أنْ يكونَ من المحدَثات الصالحة لتعلُّقِ الفعل، وعندي أنَّ أغنَى سبحانه نفسَه، كـ : أَوْجَد جل شأنه نفسَه، لا يخلو عن سماجةٍ وإيهامٍ محذورٍ، وإنما لم يُذكَرُ مفعولٌ لأنَّ القَصْدَ إلى الفعل نفسِه. ﴾ هي ((الشِّعرَى)) العَبُور بفتح العين المهملة والباء ٤٩ ﴿وَأَنَّهُ, هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى الموحدة والراء المهملة بعد الواو، وتقال: ((الشِّعرَى)) أيضاً على الغُمَيْصاء بغينٍ معجمة مضمومة، وميم مفتوحة، بعدها ياءٌ مثناةٌ تحتية، وصادٌ مهملة ومدٌّ . والأُولَى في الجوزاء، وإنما قيل لها: العَبُور؛ لأنَّها عَبَرَت المجرَّة فلقِيَتْ (١) البحر ١٦٨/٨، والبيت في المحرر الوجيز ٢٠٧/٥، واللباب ٢١٥/١٨. (٢) مفردات الراغب (قني). (٣) نفحة الريحانة ١/ ٥٥١. (٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٨٤، والعظمة (١٧٦). سُؤَدَّةُ الْنَجَمِ ١٦٤ الآية : ٤٩ سُهيلاً؛ ولأنَّها تراه إذا طَلَع كأنَّها ستعبُرُ، وتُسمَّى أيضاً كَلْب الجبار؛ لأنَّها تَتْبع الجوزاء المسماة بالجبار كما يَتْبعُ الكلبُ الصائدَ أو الصيدَ. والثانية في ذراع الأسد المبسوطة، وإنَّما قيل لها الغُمَيْصاء؛ لأنَّها بكَتْ مِن فراق سُهيل، فغُمِصَت عينُها، والغَمْصُ ما سال من الرَّمَص، وهو وسخٌ أبيضُ يجتمع في المُوق، وذلك مِن زَعْم العرب أنَّهما أختا سهيل. وفي ((القاموس)): من أحاديثهم: أنَّ الشِّعرَى العَبُور قطَعَت المجرَّة فسُمِّيت عَبُوراً، وبَكَت الأخرى على إثْرها حتى غَمصَت، ويقال لها: الغَمُوصُ أيضاً(١). وقيل: زعموا أنَّ سهيلاً والشِّعرى كانا زوجَين، فانحدَرَ سهيل وصارَ يمانيّاً، فاتَّبعه الشِّعرَى فعَبَرت المجرةَ، فسمِّيت العَبُور، وأقامَت الغُمَيْصاء وسمِّيت بذلك لأنَّها دون الأولى ضياءً، وكلُّ ذلك من تخيُّلاتهم الكاذبة التي لا حقيقةً لها . والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف العَبُور؛ لأنَّها أكبرُ جرماً وأكثرُ ضياء، وهي التي عُبدَت من دون الله سبحانه في الجاهلية. قال السدي: عبدتها حِميرُ وخُزاعة. وقال غيره: أوَّلُ مَن عبدَها أبو كبشة رجلٌ من خزاعة، أو هو سيدُهم واسمُه: وَحْزُ(٢) بن غالب، وكان المشركون يقولون للنبيِّ ◌َّهِ: ابنُ أبي كبشة، شبَّهوه به لمخالفته قومَه في عبادة الأصنام. وذكر بعضُهم أنَّه أحدُ أجداده عليه الصلاة والسلام مِن قبل أُمِّه، وأنَّهم كانوا يزعمون أنَّ كلَّ صفةٍ في المرء تسري إليه من أحد أصوله، فيقولون: نزَعَ إليه عرقُ كذا، وعرقُ الخال نزاع. وقيل: هو كنيةُ وَهْب بنِ عبد مناف جدِّه وَّهِ مِن قِبَلِ أمِّه، وقولهم له عليه الصلاة والسلام ذلك على ما يقتضيه ظاهرُ ((القاموس))(٣) لأنَّه وَّهِ فِي الشَّبه الخَلْقي دون المخالفة( *. (١) القاموس المحيط (غمص). (٢) كذا في الأصل و(م)، وفي المؤتلف والمختلف للدارقطني ٢٢٩١/٤: وَجْز. (٣) مادة (كبش). الآية : ٥٠ ١٦٥ سُورَةُ الْنَجَيْ، وقيل: كنيةُ زوجٍ حليمةَ السعدية مرضعتِهِ عليه الصلاة والسلام. وقيل: كنيةُ عمِّ ولدها (١). ولكونها عُبِدَت من دونه عز وجل خُصَّت بالذكر، ليكون ذلك تجهيلاً لهم بجعل المربوب ربّاً، ولمزيد الاعتناء بذلك جيء بالجملة على ما نطَقَ به النظمُ الجليل. ومن العرب مَن كان يُعظّمها ويعتقدُ تأثيرَها في العالم، ويزعمون أنَّها تقطعُ السماء عرضاً، وسائرُ النجوم تقطعها طولاً، ويتكلَّمون على المغيبات عند طلوعها، ففي قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) إشارةٌ إلى نَفْي تأثيرها . ﴿وَأَنَُّ أَهْلَكَ عَادًا أَلْأُولَى ﴾﴾ أي: القدماء لأنَّهم أُوْلَى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح کما قاله ابن زيد والجمهور. وقال الطبري: وُصِفَت بالأولى لأنَّ في القبائل عاداً أخرى، وهي قبيلةٌ كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لُقَيْم بن هزَّال(٢). وقال المبرد: عادٌّ الأخرى هي ثمود(٣). وقيل: الجبّارون. وقيل: عادٌ الأُولَى وَلَدُ عادٍ بن إِرَم بنِ عوف بن سام بن نوح، وعادٌ الأخرى من ولد عاد الأولى. وفي ((الكشاف)): الأولى قومُ هودٍ، والأخرى إِرَمُ. والله تعالى أعلم، وجوَّز أنْ يُرادَ بالأولى المتقدِّمون الأشراف(٤). وقرأ قومٌ: ((عاداً الولى)) بحذف الهمزة ونقل ضمها إلى اللام قبلها(٥). (١) ينظر الخلاف في ذلك في الروض الأنف ٢٢٨/٢، وفتح الباري ٤٠/١، والقاموس (کبش). (٢) تفسير الطبري ٨٧/٢٢-٨٨. (٣) البحر المحيط ١٦٩/٨. (٤) الكشاف ٤/ ٣٤. (٥) البحر المحيط ١٦٩/٨. سُورَةُ الَحَيْ ١٦٦ الآية : ٥١ وقرأ نافع وأبو عمرو: ((عاداً لَّوَلَى)) بإدغام التنوين في اللام المنقول إليها حركةٌ الهمزة المحذوفة (١)، وعاب هذه القراءةَ المازنيُّ والمبرد، وقالت العرب في الابتداء بعد النقل: الحَمْرَ، ولَحْمَر، فهذه القراءة جاءت على لَحْمَر، فلا عيبَ فيها(٢). وأتى قالون بعد ضمَّةِ اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو(٣) كما في قوله: أَحَبُّ المؤقدَين إليَّ مؤسى(٤) وكما قرأ بعضهم: ((على سؤقه)(٥) وفيه شذوذ. وفي حرف أبيٍّ: ((عاد)) غير مصروف (٦) للعَلَمية والتأنيث، ومَن صَرَفه فباعتبار الحيِّ، أو عامَلَه معاملةَ هند لكونه ثلاثيًّا ساكن الوسط. ﴿وَتَهُودَا﴾ عطف على ((عاداً)) ولا يجوز أنْ يكونَ مفعولاً لـ ((أبقى)) في قوله تعالى: ﴿فَآَ أَبَقَ﴾ لأنَّ ((ما)) النافية لها صدرُ الكلام، والفاءُ ـ على ما قيل - مانعةٌ أيضاً، فلا يتقدَّمُ معمولُ ما بعدَها. وقيل: هو معمول لـ ((أهلك)) مقدَّر. ولا حاجةَ إليه. (١) التيسير ص ٢٠٤، والنشر ١/ ٤١٠، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب. (٢) ذكر السمين في الدر المصون ١١٠/١٠ في هذه المسألة كلاماً مفيداً، ولا بأس بذكره للتوضيح، قال: وأما قراءة مَن أدغم التنوين في لام التعريف - وهما نافع وأبو عمرو - فوَجْهُه الاعتدادُ بحركة النقل، وذلك أن من العرب مَن إذا نَقَل حركة الهمزة إلى ساكنٍ قبلها - كـ: لام التعريف ـ عامَلَها معاملتَها ساكنةٌ، ولا يَعْتَدُّ بحركة النقل، فيكسِرُ الساكن الواقع قبلها، ولا يُدغم فيها التنوين، ويأتي قبلها بهمزة الوصل، فيقول: لم يذهبٍ لَحْمَر، و: رأيت زياداً لَعْجم، من غير إدغام التنوين، والَحْمَر والَعْجَم بهمزة الوصل؛ لأن اللام في حُكْم السكون، وهذه هي اللغة المشهورة. ومنهم مَن يَعتذُّ بها، فلا يكسِرُ الساكن الأول، ولا يأتي بهمزة الوصل، ويدغم التنوين في لام التعريف، فيقول: لم يذهبْ لَحْمر، بسكون الباء، ولَحْمَر ولَعْجَم من غير همز، وزياد لَّعجم بتشديد اللام، وعلى هذه اللغة جاءت هذه القراءة. (٣) التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٤١٠/١. (٤) البيت لجرير كما في المحتسب ٤٧/١، والخصائص ١٧٥/٢، والمحرر الوجيز ٢٠٨/٥، وشرح أبيات المغني للبغدادي ٧٨/٨، ودون نسبة في الحجة للفارسي ٢٣٩/١، والبحر ١٦٩/٨، وفي المصادر عدا الحجة والبحر: لحب، بدل: أحب. (٥) وهو قنبل عن ابن كثير كما في التيسير ص ١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢، وسلفت القراءة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. (٦) البحر المحيط ١٦٩/٨ . الآية : ٥٢ - ٥٣ ١٦٧ سُورَةُ النَّحَيِ وقرأ عاصم وحمزة: ((ثمود)) بلا تنوين، ويقفان بغير ألف (١). والباقون بالتنوين ويقفون بالألف. والظاهر أنَّ متعلق ((أبقى)) يرجعُ إلى ((عاد) و((ثمود)» معاً، أي: فما أبقَى عليهم، أي: أخذَهم بذنوبهم، وقيل: أي: ما أبقى منهم أحداً، والمراد: ما أبقى من كفارهم. ﴿َقَوْمَ نُوحٍ﴾ عطف على ((عاداً) أيضاً ﴿مِّن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل إهلاك عادٍ وثمودَ، وصرَّح بالقَبْلية لأنَّ نوحاً عليه السلام آدمُ الثاني، وقومه أولُ الطاغين والهالكين. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَمْغَى﴾ أي: من الفريقين حيث كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكاد يتحرك، وكان الرجلُ منهم يأخذُ بيد ابنه يتمشَى به إليه يُحذِّره منه ويقول: يا بنيَّ إنَّ أبي مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ، فإياك أنْ تُصَدِّقه. فيموت الكبيرُ على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه، ولم يتأثَّروا من دعائه وقد دعاهم ألفَ سنة إلا خمسين عاماً. وقيل: ضمير ((إنهم)) يعودُ على جميع مَن تقدَّم: ((عاد)) و((ثمود)) و((قوم نوح)) أي: كانوا أظلمَ من قريش وأطغى منهم، وفيه من التسلية للنبيِّ عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى. و((هم)) يجوز أنْ يكونَ تأكيداً للضمير المنصوب، ويجوز أنْ يكونَ فصلاً؛ لأنَّه واقعٌ بين معرفة وأَفعَلَ التفضيل، وحذفُ المفضول مع الواقع خبراً لـ ((كان)) لأنَّه جارٍ مجرى خبرِ المبتدأ، وحذفُه فصيحٌ فيه، فكذلك في خبر ((كان)). ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ﴾ هي قُرى قوم لوطِ، سمِّيت بذلك لأنَّها انتفَكَت بأهلها، أي: انقلَبَت بهم، ومنه الإفكُ لأنَّ قَلبُ الحقِّ، وجوِّز أنْ يُراد بـ ((المؤتفكة)) كلُّ ما انقلَبَت مساكنُهُ ودَثَرَت أماكنُه. وقرأ الحسن: ((والمؤتفكات)) جمعاً(٢). (١) التيسير ص ٢٠٥، والنشر ٢٨٩/٢، وهي قراءة يعقوب. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٩/٥، والبحر المحيط ١٧٠/٨. سُورَةُ النَّجَيْ ١٦٨ الآية : ٥٤ - ٥٦ ﴿أَهْوَى﴾ أي: أسقطها إلى الأرض بعد أنْ رفَعَها على جناح جبريل عليه السلام إلى السماء، وقال المبرِّد: جعلها تهوي(١). والظاهر أنَّ(أهوى)) ناصبٌ للمؤتفكة، وأُخِّر العاملُ لكونه فاصلةً، وجوِّز أنْ يكونَ ((المؤتفكة)) معطوفاً على ما قبله، و((أهوى)) مع فاعله جملةً في موضع الحال بتقدير ((قد)) أو بدونه توضِّح كيفيةَ إهلاكهم. فيه تهويلٌ للعذاب وتعميمٌ لِمَا أصابهم منه؛ لأنَّ ﴿فَفَشَّنْهَا مَا غَشَى (@) الموصولَ من صيغ العموم، والتضعيف في ((غشًّاها)) يحتملُ أنْ يكونَ للتعدية فيكون (ما)) مفعولاً ثانياً، والفاعل ضميرُه تعالى، ويحتملُ أنْ يكون للتكثير والمبالغة فـ ((ما)) هي الفاعل. تَتَشكَّكُ، والتفاعل هنا مجرَّدٌ عن التعدُّد في الفاعل ﴿فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى ٥٥ والمفعول للمبالغة في الفعل، وقيل: إنَّ فعلَ الثَّماري للواحد باعتبار تعدُّد متعلّقه، وهو الآلاء المتمارَى فيها، والخطاب قيل: لرسول الله وَّ على أنَّه من باب الإلهاب والتعريض بالغير، وقيل: للإنسان على الإطلاق، وهو أظهرُ، والاستفهام للإنكار. و((الآلاء)) جمعُ إلَى (٢): النِّعَم، والمرادُ بها ما عُدَّ في الآيات قبلُ، وسمَّى الكلَّ بذلك مع أنَّ منه نِقَماً، لِمَا في النقم من العِبَر والمواعظ للمعتبرين والانتفاع للأنبياء والمؤمنين، فهي نِعَمُ بذلك الاعتبار أيضاً. وقيل: التعبير بـ ((الآلاء)) للتغليب. وتُعقِّب بأنَّ المقامَ غيرُ مناسبٍ له. وقرأ يعقوب وابن محيصن: ((ربك تَّمارى)) بتاءٍ مشدّدةٍ(٣) . ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَ ﴾﴾ الإشارةُ إلى القرآن، وقال أبو مالك: إلى الأخبار عن الأمم، أو الإشارةُ إلى الرسولِ وَله. و((النذيرُ)) يجيءُ مصدراً ووَصْفاً، (١) البحر المحيط ٨/ ١٧٠. (٢) وتجمع أيضاً على: أَلَّى وإِلِيٍ. إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/٤. (٣) قراءة يعقوب في النشر ٣٠٠/١، والكلام من البحر ١٧٠/٨. الآية : ٥٧ - ٥٨ ١٦٩ سُؤَدَّةُ الْنَجَيِ و((النذر)) جمعُه مطلقاً، وكلٌّ من الأمرَين محتملٌ هنا، ووَصْفُ ((النذر)) جمعاً للوَصْفِ بـ ((الأُولى)) على تأويل الفرقة أو الجماعة، واختير على غيره رعايةً للفاصلة، وأيّاً ما كان فالمرادُ: هذا نذير من جنس النُّذُر الأُولى. وفي ((الكشف)): أنَّ قولَه تعالى: (هَذَا نَذِيرٌ) إلخ فذلكةٌ للكلام إما لِمَا عدَّد من المشتمل عليه الصحف، وإما لجميع الكلام من مفتَتَح السورة. فتدبر ولا تغفل. ﴿أَزِفَتِ اْأَزِفَةُ ®﴾ أي: قربَت الساعة الموصوفةُ بالقرب في غير آية من القرآن، فـ ((أل)) في ((الازفة)) للعهد (١) لا للجنس. وقيل: ((الآزفة)) عَلَمُ بالغلبة للساعة هنا. وقيل: لابأسَ بإرادة الجنس، ووصف القريب بالقرب للمبالغة. ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله تعالى، أو: إلا الله عز وجل ﴿كَثِفَةٌ﴾ نفسٌ قادرةٌ على كشفها إذا وقَعَت، لكنَّه سبحانه لا يكشِفُها؛ والمرادُ بالكشف الإزالة، وقريبٌ من هذا ما روي عن قتادة وعطاء والضحاك، أي: إذا غَشِيَت الخلْقَ أهوالُها وشدائدُها لم يكشِفْها ولم يَرُدَّها عنهم أحدٌ. أو: ليس لها الآن نفسٌ كاشفةٌ، أي: مزيلةٌ للخوف منها، فإنَّه باقٍ إلى أنْ يأتيَ الله سبحانه بها، وهو مرادُ الزمخشري بقوله: أو: ليس لها الآن نفسٌ كاشفةٌ بالتأخير(٢). وقيل: معناه: لو وقَعَت الآن لم يردّها إلى وقتها أحدٌ إلا الله تعالى. فالكشف بمعنى التأخير، وهو إزالةٌ مخصوصةٌ. وقال الطبري والزجَّاج: المعنى: ليس لها من دون الله تعالى نفسٌ كاشفةٌ تكشِفُ وقتَ وقوعها وتُبيِّنُه؛ لأنَّها من أخفَى المُغَيَّبات(٣). فالكشفُ بمعنى التبيين، والآيةُ كقوله تعالى: ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. (١) في (م): كاللعهد. (٢) الكشاف ٤/ ٣٥. (٣) بنحوه في تفسير الطبري ٩٥/٢٢-٩٦، ومعاني القرآن للزجاج ٧٨/٥، وينظر البحر المحيط ٨/ ١٧٠. سُورَةُ الْنَخَيْ، ١٧٠ الآية : ٥٩ - ٦١ والتاء في ((كاشفة)) على جميع الأوجه للتأنيث، وهو التأنيث الموصوفٍ المحذوف كما سمعتَ، وبعضُهم يُقدِّر الموصوفَ ((حالٌ))(١)، والأول أَوْلَى. وجوِّز أنْ تكونَ للمبالغة مثلها في علَّامة. وتُعقّب بأنَّ المقام يأباه؛ لإيهامه ثبوت أصل الكشف لغيره عز وجل، وفيه نظر. وقال الرمَّاني وجماعة: يحتملُ أنْ يكون ((كاشفة)) مصدراً كالعافية، وخائنة الأعين، أي: ليس لها گَشْفٌ من دون الله تعالی. ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي القرآن ﴿تَتْجَبُونَ﴾ إنكاراً ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً مع كونه أبعدَ شيءٍ من ذلك ﴿وَلَا نَكُونَ﴾ حُزْناً على ما فرَّطتُم في شأنه، وخوفاً من أنْ يحيقَ بکم ما حاق بالأُمم المذكورة ﴿وآنثم سیدُونَ ®﴾ أي: لا هون، کما روي عن ابن عباس جواباً لنافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول هزيلة بنت بكرٍ وهي تبكي قومَ عاد: ولم يُبدُوا جُحودا ليت عاداً قبلُوا الحقَّ ثم دَعْ عنك السُّمُودا(٢) قيل قُمْ فانظُرْ إليهم وفي رواية أنَّه ◌َبهِ سئل عن السُّمود، فقال: البَرْطَمَة. وهي رفعُ الرأس تكبُّراً، أي: وأنتم رافعون رؤوسَكم تكبِّراً، وروي تفسيرُه بالبرطمة عن مجاهد أيضاً. وقال الراغبُ: السَّامدُ: اللَّهي الرافعُ رأسَه، مِن سَمَدَ البعيرُ في سيره: إذا رَفَع رأسه(٣). وقال أبو عبيدة: السُّمود: الغناء بلغة حِمْيَر؛ يقولون: يا جاريةُ اسمُدي لنا، أي: غنِّي لنا (٤). وروي نحوُه عن عكرمةَ، وأخرج عبد الرزاق والبزار وابن جرير والبيهقي في ((سننه)) وجماعة عن ابن عباس أنَّه قال: هو الغناء باليمانية، وكانوا إذا (١) في (م): حالاً. (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١٣٢/٦ للطستي والطبراني، وأخرجه في الإتقان ٣٨٨/١. (٣) مفردات الراغب (سمد). (٤) البحر المحيط ٨/ ١٥٥. الآية : ٦١ ١٧١ سُورَةُ الْنَجَة سمعوا القرآنَ غنَّوا تشاغُلاً عنه(١). وقيل: يفعلون ذلك ليشغلوا الناسَ عن استماعه. والجملةُ الاسمية على جميع ذلك حالٌ من فاعل ((لا تبكون))، ومضمونها قيدٌ للنفي، والإنكار متوجّهُ إلى نَفْي البكاء ووجودِ السُّمود. وقال المبرِّد: السُّمود: الجمودُ والخشوع، كما في قوله: بمقدارٍ سَمِدْنَ له سُمودا رَمَى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ورَدَّ وجوهَهُنَّ البيضَ سودا(٢) فردَّ شعورَهنَّ السُّودَ بيضاً والجملةُ عليه حالٌ من فاعل ((تبكون)) أيضاً إلا أنَّ مضمونَها قيدٌ للمنفي، والإنكار واردٌ على نَفْي البكاء والسُّمود معاً. فلا تغفل. وفي حرف أبيٍّ وعبد الله: ((تضحكون)) بغير واو (٣). وقرأ الحسن: ((تُعجِبون تُضحِكون)) بغير واو وضمٌّ التاءَين وكسر الجيم والحاء(٤). واستُدل بالآية كما في ((أحكام القرآن)) على استحباب البكاءِ عند سماع القرآن وقراءته، أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت: (أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ) الآية بكى أصحابُ الصُّفَّة حتى جَرَت دموعُهم على خدودهم، فلمَّا سمع رسول الله وَّ﴿ حنينَهم بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يلجُ النارَ مَن بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنةَ مصرٌّ على معصيته، ولو لَمْ تُذْنِبُوا لجاءَ الله تعالى بقومٍ يُذنبون فيستغفرون فيغفرُ لهم))(٥) . (١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٥٥، والبزار (٢٢٦٤ - كشف)، وتفسير الطبري ٩٧/٢٢، والسنن الکبری للبيهقي ١٠/ ٢٢٣ . (٢) البيت اختلف في نسبته، فنسبه المرزباني في معجم الشعراء ص ١٧٧، وابن قتيبة في عيون الأخبار ٦٧/٣ إلى فضالة بن شريك، ونسبه القالي في ذيل الأمالي ١١٥/٣ إلى الكميت الأسدي، ونسبه المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ٩٤١/٢ لعبد الله بن الزبير الأسدي، وسلف ٣٥٨/٤. (٣) البحر المحيط ١٧١/٨. (٤) المصدر السابق. (٥) شعب الإيمان (٧٩٨) وقوله: ((ولو لم تذنبوا لجاء ... )) أخرجه مسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة سُوَةُ الْنَيْ ١٧٢ الآية : ٦٢ وأخرج أحمد في ((الزهد)) وابن أبي شيبة وهنَّاد وغيرهم عن صالح أبي الخليل قال: لمَّا نزلت هذه الآية (أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبِّكُونَ) ما ضحك النبيُّ وَّه بعد ذلك إلا أنْ يتبسَّم. ولفظ عبدٍ بن حميد: فما رُئيَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام ضاحكاً ولا متبسِّماً حتى ذهب من الدنيا(١). وفيه سدُّ باب الضحك عند قراءة القرآن ولو لم يكن استهزاءً، والعياذ بالله عز وجل. ﴾ الفاء لترتيب الأمر أو موجبه، على ما تقرَّر من بطلان ٦٢ فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ مقابلةِ القرآن بالتعُّب والضحك، وحَقِّيَّةٍ مقابلته بما يليقُ به، ويدلُّ على عظم شأنه، أي: وإذا كان الأمرُ كذلك فاسجدوا لله تعالى الذي أنزله واعبدوه جلَّ جلاله، وهذه آيةُ سجدةٍ عند أكثر أهل العلم، وقد سجَدَ النبيُّ بَّر عندها . أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: أولُ سورةٍ أنزلَت فيها سجدةٌ ((والنجم)) فسجَدَ رسول اللهَوَّل، وسجَدَ الناسُ كلُّهم إلا رجلاً، الحديث(٢). وأخرج ابنُ مردويه والبيهقي في ((السنن)) عن ابن عمر رضيؤًا قال: صلَّى بنا رسول الله وَّر فقرأ ((النجم)) فسجد بنا فأطال السجود(٣). وكذا عمر رظُه؛ أخرج سعيد بن منصور عن سبرة قال: صلَّى بنا عمر بنُ الخطاب الفجرَ فقرأ في الركعة الأولى سورةً يوسف، ثم قرأ في الثانية سورة النجم فسجَدَ، ثم قام فقرأ ((إذا زلزلت)) ثم ركع (٤). ولا يرى مالكٌ السجودَ هنا، واستدلَّ له بما أخرجه أحمدُ والشيخان وأبو داود (١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٣٤/١٣، والزهد لهناد ٢٧١/١ (٤٧٣)، وعزاه لأحمد في الزهد وعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٣١/٦ . (٢) صحيح البخاري (٤٨٦٣)، وصحيح مسلم (٥٧٦)، وسنن أبي داود (١٤٠٦)، وسنن النسائي (المجتبى) ١٦٠/٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢١/٦، وسلف في بداية هذه السورة. (٣) السنن الكبرى للبيهقي ١٨٢/٣، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢١/٦. (٤) عزاه لسعيد بن منصور السيوطي في الدر المنثور ١٣٢/٦. الآية : ٦٢ ١٧٣ سُورَةُ النَجَيْ، والترمذي والنسائي والطبراني وغيرهم عن زيد بن ثابت قال: قرأتُ النجمَ عند النبيِ وَّرِ فلم يسجُد فيها(١). وأُجيبَ بأنَّ الترك إنَّما يُنافي وجوبَ السجود، وليس بمجمَعِ عليه، وهو عند القائل به على التراخي في مثل ذلك على المختار، وليس في الحديث ما يدلُّ على نَفْيه بالكلِّية، فيحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام سجَدَ بَعْدُ، وكذا زيدٌ ﴿ه، نعم التأخيرُ مكروه تنزيهاً، ولعله فُعِل لبيان الجواز، أو لعذرٍ لم نطَّع عليه، وما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس من قوله: إنَّ رسول الله وَلو لم يسجد في شيءٍ من المفضَّل منذ تحوَّل إلى المدينة. نافٍ وضعيف، وكذا قوله فيما رواه أيضاً عنه: كان رسول الله ◌َ﴿ يسجد في ((النجم)) بمكة، فلمَّا هاجر إلى المدينة تركها(٢). على أنَّ الترك إنما ينافي - كما سمعتَ - الوجوبَ، والله تعالى أعلم. (١) المسند (٢١٥٩١)، وصحيح البخاري (١٠٧٢) و(١٠٧٣)، وصحيح مسلم (٥٧٧)، وسنن أبي داود (١٤٠٤)، وسنن الترمذي (٥٧٦)، وسنن النسائي (المجتبى) ١٦٠/٢، والمعجم الكبير (٤٨٢٩). (٢) الحديثان عزاهما لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١. سُورَةُ القَرْ وتسمَّى أيضاً ((اقترَبت))، وعن ابن عباس أنَّها تُدْعَى في التوراة ((المبيِّضة)) تبيِّصُ وجْهَ صاحبها يوم تسْوَدُّ الوجوه، أخرجه عنه البيهقي في ((شعب الإيمان)) لكن قال: إنَّه منكر (١). وهي مكيةٌ في قول الجمهور، وقيل: مما نزلَ يومَ بدر، وقال مقاتل: مكيةٌ إلا ثلاثَ آيَاتٍ (أَمْ يَقُولُونَ) إلى (وَأَمَرُّ). واقتصَرَ بعضُهم على استثناء (سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ) إلخ. ورُدَّ بما أخرجه ابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ في ((الأوسط)) وابن مردويه عن أبي هريرة قال: أنزل الله تعالى على نبيه وَّه بمكة قبل يوم بدر: ﴿سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُلُّونَ الدُّبُرَ ﴾﴾، وقال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، أيُّ جمعٍ يُهزَم؟ فلمَّا كان يوم بدرٍ وانهزَمَت قريش نظرتُ إلى رسول اللهِ وَ له في آثارهم مُصلتاً بالسيف وهو يقول: (سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُوُلُّونَ الذُّبُرَ) فكانت ليوم بدر(٢). وفي ((الدر المنثور)): أخرج البخاري عن عائشة قالت: نزَلَ على محمد ◌َّل بمكة وإني لجاريةٌ ألعبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَزُ ﴾﴾(٣)، ويُرَدُّ به وبما قبلَه ما حُكي عن مقاتل أيضاً، وقيل: إلا (إِنَّ الْنَقِينَ) الآيتين [٥٤، ٥٥]. (١) شعب الإيمان (٢٤٩٥) والحديث فيه مرفوع إلى النبي ◌َط هور. (٢) المعجم الأوسط (٩١٢١)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٣٦/٦-١٣٧، وقصة قراءة النبي وفر لها يوم بدر أخرجها البخاري (٤٨٧٧) من حديث ٠ ابن عباس (٣) صحيح البخاري (٤٨٧٦)، والدر المنثور ١٣٦/٦. الآية : ١ ١٧٥ سُورَةُ القَكرة وآيُها خمسٌ وخمسون بالإجماع، ومناسبةُ أولها لآخِرِ السورةِ التي قبلَها ظاهرةٌ، فقد قال سبحانه ثَمَّ: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] وهنا: (أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) وقال الجلالُ السيوطي: لا يخفَى ما في توالي هاتين السورتَين من حُسن التناسق؛ للتناسب في التسمية لِمَا بين ((النجم)) و((القمر)) من الملابسة، وأيضاً إنَّ هذه بعد تلك، كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان، وكالصافات بعد يس، في أنَّها تفصيلٌ لأحوالِ الأُمَم المشارِ إلى إهلاكهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا وَثَمُودَأْ فَآَ أَبْقَ ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [النجم: ٥٠] إلى قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ ٥٠ الْأُولَى ( [النجم: ٥٣]. (١) أَهْوَى﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ﴾ أي: قَرُبَت جدّاً ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾ انفصل بعضُه عن بعض وصار فرقَتَين(٢)، وذلك على عهد رسولِ الله ◌ِ﴾ قبل الهجرة بنحو خمس سنين، فقد صحَّ من رواية الشيخَين وابن جرير عن أنس: أنَّ أهل مكة سألوه عليه الصلاة والسلام أنْ يُريَهم آيةً، فأراهم القمرَ شقَّتَين حتى رأَوا حراءَ بينهما(٣). وخبرُ أبي نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس: أنَّ أحبارَ اليهودِ سألوا آيَةً فأراهم اللهُ تعالى القمرَ قد انشقَّ(٤) = لا يُعَّل عليه. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود: انشَقَّ القمرُ على عهد رسول الله رَ﴿ فرقَتَين، فرقةً على الجبل، وفرقةً دونه، فقال رسول الله وَّ: ((اشْهَدُوا))(٥). (١) تناسق الدرر ص ٨٠-٨١. (٢) جاء في هامش الأصل: فلقتين. نسخة. (٣) صحيح البخاري (٣٨٦٨)، وصحيح مسلم (٢٨٠٢)، وتفسير الطبري ١٠٥/٢٢ . (٤) دلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٠)، وفيه بشر بن الحسين، قال الدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير بن عدي. الميزان ٣١٥/١. (٥) صحيح البخاري (٣٦٣٦) و(٤٨٦٤)، وصحيح مسلم (٢٨٠٠). الآية : ١ ١٧٦ سُورَةُ الْقَبْ ومن حديثه أيضاً: انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله صل فقالت قريش: هذا سحرُ ابنٍ أبي كبشة. فقال رجلٌ: انتظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإنَّ محمداً لا يستطيعُ أنْ يسحَرَ الناسَ كلَّهم، فجاء السُّفَّار فأخبروهم بذلك. رواه أبو داود الطيالسي(١)، وفي رواية البيهقي: فسألوا السفَّار وقد قَدِموا من كلِّ وجهٍ فقالوا: رأيناه. فأنزل الله تعالى: (أَقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ)(٢). وأخرج أبو نعيم في ((الدلائل)) عن ابن عباس من وَجْهٍ ضعيف قال: اجتمع المشركون على عهد رسول الله وتلقى، منهم: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، فقالوا للنبيِّ وَله: إنْ كنتَ صادقاً فشُقَّ لنا القمرَ فرقَتَين، نصفاً على أبي قُبَيس ونصفاً على قُعَيْقِعان. فقال لهم النبيُّ ◌َّهِ: ((إنْ فعلْتُ تُؤمنوا؟)) قالوا: نعم. وكانت ليلةَ بدرٍ، فسألَ رسولُ الله وَله ربّه عز وجل أنْ يُعطيَه ما سألوا، فأمسَى القمرُ قد مَثُلَ نصفاً على أبي قُبيس ونصفاً على قُعَيْقعان، ورسول الله وَ ل# ينادي: ((يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن [أبي] الأرقم اشهدوا))(٣). والأحاديثُ الصحيحةُ في الانشقاق كثيرة، واختلف في تواتره فقيل: هو غيرُ متواتر، وفي ((شرح المواقف)) الشريفي أنَّه متواترٌ(٤)، وهو الذي اختاره العلامةُ ابنُ السبكي(٥)، قال في شرحه لمختصر ابن الحاجب: الصحيح عندي أنَّ انشقاقَ القمر (١) في الأصل و(م): أبو داود والطيالسي، وهو تصحيف. (٢) مسند الطيالسي ٣٨/١ (٢٩٥)، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٦٦/٢-٢٦٧، وأخرجه الطبري ١٠٦/٢٢-١٠٧، وأبو نعيم في الدلائل (٢١١) و(٢١٢). (٣) دلائل النبوة (٢٠٩)، وما بين حاصرتين منه، وضعفه ابن حجر في الفتح ٧/ ١٨٢. ووقع في الأصل و(م) بدل قعيقعان: قينقاع، وهو تصحيف. (٤) شرح المواقف للشريف علي بن محمد الجرجاني ٢٥٩/٨ . (٥) قاضي القضاة، أبو النصر، عبد الوهاب بن الإمام علي بن عبد الكافي الأنصاري، أخذ عن أبيه وغيره، وصنف كتباً نفيسة اشتهرت في حياته، توفي سنة (٧٧١هـ). شرح المواهب للزرقاني ١٨٠/٥، ونقل المصنف كلامه عن المواهب اللدنية للقسطلاني. الآية : ١ ١٧٧ سُوَرَّةُ القَرْ متواترٌ منصوصٌ عليه في القرآن، مرويٌّ في الصحيحين وغيرهما من طُرق شتى، بحیث لا يُمتری في تواتره. انتھی باختصار. وقد جاءت أحاديثُه في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم علي كرم الله تعالى وجهه وأنس وابن مسعود وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم(١)، نعم إنَّ منهم من لم يحضُر ذلك كابن عباس فإنَّه لم يكن مولوداً إذ ذاك، وكأنس فإنَّه كان ابنَ أربعٍ أو خمسٍ بالمدينة، وهذا لا يطعنُ في صحة الخبر كما لا يخفَى، ووقع في رواية البخاري وغيره عن ابن مسعود: كنَّا مع رسول الله وَّ بمنّى فانشقَّ القمر(٢). ولا يعارض ما صحَّ عن أنس أنَّ ذلك كان بمكةَ(٣)؛ لأنَّه لم يُصرِّح بأنَّه عليه الصلاة والسلام كان ليلتئذٍ بمكة، فالمراد أنَّ الانشقاق كان والنبيُّ ◌َّهِ إِذ ذاك مقيمٌ بمكة قبل أنْ يهاجرَ إلى المدينة. ووقع في ((نظم السيرة)) (٤) للحافظ أبي الفضل العراقي ما هو نصٍّ في وقوع الانشقاق مرَّتَيْن، وظاهرٌ في أنَّه مجمعٌ علی وقوعه کذلك حيث قال: وانشقَّ مرَّتَين بالإجماع وكأنَّ مستندَ الأول ما أخرجَه عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ((الدلائل)) من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: رأيتُ القمرَ منشقّاً شِقَّتَيْن مرَّتَين بمكة قبل مخرج النبيِّ وَّه الحديث(٥). (١) المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني ١٠٨/٥. (٢) صحيح البخاري (٣٨٦٩)، وأخرجه مسلم (٢٨٠٠) (٤٤). (٣) سلف قريباً . (٤) الدرر السنية في نظم السيرة النبوية لزين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن حسين العراقي، المتوفى سنة (٨٠٥هـ)، وهو ألفية في الرجز. وشرحها المناوي شرحاً مبسوطاً ثم لخصه وسماه الفتوحات السبحانية. كشف الظنون ٧٤٧/١. والكلام من المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني ١١٠/٥، وما سيرد من الرجز في الدرر السنية ص٥٩، وفيه: وذاك، بدل: وانشقَّ. (٥) المستدرك ٤٧١/٢، والدلائل للبيهقي ٢٦٥/٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٣٣/٦، والعلامة الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ١٠٧/٥، ولفظة امرتین) ليست في الدر المنثور. وكون الرؤية مرتين ذكر في حديث أنس به أخرجه مسلم (٢٨٠٢) (٤٦)، والترمذي (٣٢٨٦). الآية : ١ ١٧٨ سُوَّةُ الْقَر وأما الإجماعُ فغيرُ مسلَّم، وفي ((المواهب)): قال الحافظ ابن حجر: أظنُّ أنَّ قولَه: بالإجماع يتعلَّق بـ ((انشقّ)) لا بـ ((مرَّتَين)) فإنِّي لا أعلمُ مَن جزَمَ من علماء الحديث بتعدُّد الانشقاق في زمنه وَّه. ولعلَّ قائل ((مرتين)) أراد: فرقَتَين، وهذا الذي لا يتّجهُ غیرُه جمعاً بين الروايات(١). انتهى. ولا يخفَى أنَّ هذا التأويل مع بُعده لا يتسنَّى في خبر ابن مسعود المذكور آنفاً لمكان ((شِقَّتَين)) وهي بمعنى: ((فرقتين)) و((مرتين)) معاً، والذي عندي في تأويل ذلك أنَّ (مرَّتَين)) في كلام ابن مسعود قيدٌ للرؤية، وتعدُّدُها لا يقتضي تعدُّد الانشقاق، بأنْ يكونَ رآه منشقّاً فصَرَف نظره عنه ثم أعادَه، فرآه كذلك لم يتغيّر، ففيه إشارةٌ إلى أنَّها رؤيةٌ لا شبهةَ فيها، وقد فَعَل نحو ذلك الكفرةُ، أخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: انتهى أهلُ مكةَ إلى النبيِّ بَّهِ فقالوا: هل من آيةٍ نعرفُ بها أنَّك رسول الله؟ فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل لأهل مكةَ أنْ يجتمعوا هذه الليلةَ يروا آيةً. فأخبرَهم رسول الله وَّه بمقالة جبريل عليه السلام، فخرجُوا ليلةً أربعَ عشرةَ، فانشقَّ القمر نصفَين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا، فقالوا: ما هذا إلا سحرٌ. فأنزل الله تعالى: (أَقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ)(٢) فلو قال أحد هؤلاء: رأيتُ القمرَ منشقّاً ثلاثَ مراتٍ على معنى تعدُّد الرؤية صحَّ بلا غبار، ولم يقتضِ تعدُّد الانشقاق، فلْيُخَرَّجْ كلامُ ابن مسعود على هذا الطَّرْز ليُجْمَعَ بين الروايات. ثم هذا الحديث إنْ صحَّ كان دليلاً لما أشار إليه البوصيري في قوله : شُقَّ عن صَدْره وشُقَّ له البد رُ ومن شَرْط كلِّ شرط جزاءُ مِن أنَّ الشقَّ كان ليلةَ أربعة عشرةَ؛ لأنَّ البدر هو القمرُ ليلةً أربعَة عشرةَ، ويعلم من ذلك ما في قول العلامة ابن حجر الهيتمي في شرحه: ظاهرُ التعبير بالبدر دون (١) المواهب اللدنية ١١٠/٥-١١١، وقول ابن حجر في الفتح ١٨٣/٧. (٢) عزاه لأبي نعيم ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٢٩٧، والسيوطي في الدر المنثور ١٣٣/٦. الآية : ١ ١٧٩ سُورَةُ القَّرُ القمر أنَّ الشق كان ليلةً أربعة عشرة. ولم أرَ له في ذلك سلفاً، ولعلَّه أراد بالبدر مطلقَ القمر، ويؤيِّد كونَه ليلة البدر ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كَسَف القمرُ على عهد رسول اللهِ وَلّ فقالوا: سحر القمر. فنزلت (اقْتَرَتِ السَاعَةُ) إلى (مُسْتَمِرُّ) (١)، فإنَّ الكسوفَ وإنْ جازَ عادةً أنْ يكونَ ليلةَ الثالثة عشرة وليلة الخامسة عشرة إلا أنَّ الأغلبَ كونُه ليلةَ الرابعة عشرة، ولا ضرورةً إلى حمل الكسوف في هذا الخبرِ على الانشقاق، إذ لا مانعَ - كما في («البداية والنهاية))(٢) - أنْ يكونَ قد حصل للقمر مع انشقاقه كسوفٌ، نعم ذكر فيها أنَّ سياق الخبر غريب. ثم إنَّ القمر بعد انشقاقه لم تُفارق قطعتاه السماءَ، بل بقيَتًا فيها متباعدتَين تباعداً مّا لحظةً ثم انَّصلَتَا، وما يذكره بعضُ القصَّاص من أنَّه دخل في جَيْب النبيِّ وَّهِ وخرج من كُمِّه فباطلٌ لا أصل له كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير(٣)، ولعنةُ الله تعالى على مَن وضَعَه. وما في خبر أبي نعيم الذي أخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس من أنَّه انشقَّ فصارَ قمرَين أحدهما على الصفا، والآخرُ على المروة، قَدْرَ ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب(٤) = لا يعوَّل عليه، كيف وقد تضمَّن ذلك الخبر أنَّ الانشقاق وقع لطلبٍ أحبار اليهود، وأنَّ القائل ((هذا سحرٌ مستمر)) هم، وهو مخالفٌ لِمَا نطقَت به الأخبارُ الصحيحة الكثيرةُ كما لا يخفى على المتتبع. وقد شاع أنَّ النبيَّ ◌َِّ أشارَ إلى القمر بسبابته الشريفة فانشقَّ(٥). ولم أرَه في خبرٍ صحيح، والله تعالى أعلم. (١) المعجم الكبير (١١٦٤٢)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٩٩/٤ عن إسناد الطبراني: هذا إسناد جيد. (٢) ينظر البداية والنهاية ٢٩٩/٤. (٣) البداية والنهاية ٣٠٣/٤، والمواهب اللدنية ١١٣/٥. (٤) دلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٠)، وسلف قريباً. (٥) ينظر البداية والنهاية ٣٠٣/٤. سُوَدَّةُ القَرْ ١٨٠ الآية : ١ وأنكر الفلاسفةُ أصلَ الانشقاق بناءً على زعمهم استحالةَ الخرق والالتئامِ على الأجرامِ العلوية، ودليلُهم على ذلك أوهنُ من بيت العنكبوت، وقد خُرِقَ بأدنى نسمةٍ من نسمات أفكار أهل الحقِّ العلويِّين خَرْقاً لا يقبلُ الالتئامَ كما بُيِّن في موضعه . وقال بعضُ الملاحدة: لو وَقَع لِنُقِلَ متواتراً، واشترك أهلُ الأرض كلُّهم في معرفته، ولم يختصَّ بها أهلُ مكة؛ لأنَّه أمرٌ محسوسٌ مشاهَدٌ، والناسُ فيه شركاء، والطباعُ حريصةٌ على رواية الغريب ونقل ما لم يُعهَد، ولا أغربَ من انشقاقٍ هذا الجِرْمِ العظيمِ، ولم يُعهَد أصلاً في الزمن القديم، ولو كان له أصلٌ لخلِّد أيضاً في كتب التسيير والتنجيم، ولذكره أهلُ الأرصاد، فقد كانت موجودةً قبل البعثة بكثير، وإطباقُهم على تركه وإغفالِهِ مع جلالة شأنه ووضوحٍ أمره مما لا تجوِّزُه العادةُ، وأيضاً لا يُعقَلُ سببٌ لخَرْق هذا الجِرْم العظيم، وأيضاً خرقُه يوجبُ صوتاً هائلاً أشدُّ من أصوات الصواعقِ المُهلِكةِ بأضعافٍ مضاعفةٍ، لا يَبعدُ هلاكُ أكثرٍ أهل الأرض منه، وأيضاً متى خُرِقَ وصار قطعتَين ذهبَت منه قوةُ التجاذب، كالجبل إذا انشقَّ فيلزمُ بقاؤه منشقّاً، ولا أقلّ من أنْ يبقَى كذلك سنينَ كثيرةٌ(١). والجوابُ عن ذلك أنَّه وَقَع في الليل وزمان الغفلة، وكان في زمانٍ قليلٍ، ورؤيةُ القمر في بلد لا تستلزمُ رؤيته في جميع البلاد ضرورةً اختلافِ المطالع، فقد يكونُ القمرُ طالعاً على قوم غائباً عن آخرين، ومكسوفاً عند قوم غيرَ مكسوفٍ عند آخرين، والاعتناء بأمر الأرصاد لم يكن بمثابته اليوم، وغفلةُ أهلها لحظةً غيرُ مستبعَدٍ، والانشقاقُ لا تختلف به منازلُه ولا يتغيرُ به سيره، غايةُ ما في الباب أنْ يحدثَ في القطعة الشرقية قوةُ سيرٍ لتلحقَ أختَها الغربيةَ، وأيُّ مانع من أنْ يخلُقَ الله تعالى فيها من السرعة نحو ما خلق الله سبحانه في ضوء الشمس، فقد قال أهلُ الحكمة الجديدة: إنَّ بين الأرض والشمس ثلاثَ مئة ألفِ فرسخ وأربعين ألفَ (١) في هامش الأصل: وفي كتاب («البداية والنهاية)) ذَكَر غيرُ واحدٍ من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلاً بالهند مكتوباً عليه: أنه بني في هذه الليلة التي انشق القمر فيها. انتهى منه. وهو بنحوه في البداية والنهاية ٢٩٩/٤.