النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ٢٩
١٤١
سُورَةُ الْنَجَيِ
يُريه، وإنما هو منَّا تكلفٌ وظنّ (وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الِّْ شَيْئًا) (١) = هو أحدُ أدلتهم
على إبطال القياس أيضاً .
وقد حكى الآمدي في ((الإحكام)) نحوه عن ابن عمر چًا، فقال: قال ابن عمر:
اتَّهِموا الرأيَ على الدّين، فإنَّ الرأيَ منَّا تكلُّفٌ وظنّ (وَإِنَّ الََّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحِّ شَيْئً).
وأجابَ عنه بأنَّ غايتَه الدلالةُ على احتمال الخطأ فيه، وليس فيه ما يدلُّ على
إيطاله، وأنَّ المرادَ بقوله: ((وإنَّ الظَّ)» إلخ استعمالُ الظنِّ في مواضع اليقين، وليس
المرادُ به إبطالَ الظنِّ، بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة. ويقال نحوُ هذا
في كلام عمرَ ظُبه، وقد ذكر جملةً من الآثار استَدلَّ بها المبطلُ على ما زعمَه
وردّها كلَّها، فمَن أراد ذلك فليراجعه(٢).
﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: عنهم، ووضع الموصول موضعَ ضميرهم،
للتوسُّل به إلى وصفهم بما في حيِّز صلتِهِ من الأوصاف القبيحة، وتعليلِ الحُكْمِ
بها، أي: فأعرِضْ عمَّن أعَرضَ عن ذكرنا المفيدِ للعلم الحقِّ، وهو القرآنُ العظيم،
المنطوي على بيان الاعتقادات الحقَّة، المشتملُ على علوم الأوَّلين والآخِرِين،
المذكِّرُ للآخرة وما فيها من الأمور المرغوبِ فيها والمرهوبِ عنها. والمرادُ
بالإعراض عنه تركُ الأخذ بما فيه وعدمُ الاعتناء به.
وقيل: المرادُ بالذكر الرسولُ وَل﴿ وبالإعراض عنه تركُ الأخذ بما جاء به.
وقيل: المراد به الإيمان.
وقيل: هو على ظاهره والإعراضُ عنه كنايةٌ عن الغفلة عنه عز وجل.
﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ﴾ راضياً بها قاصراً نظَرَه عليها، جاهداً فيما يُصلِحُها،
كالنضر بن الحارث والوليد بن المغيرة، والمرادُ من الأمر المذكور النهيُّ عن
المبالغة في الحرص على هداهم، كأنَّ قيل: لا تبالغ في الحرص على هدى مَن
تولَّى عن ذكرنا، وانهمَك في الدنيا بحيث كانت منتَهَى هِمَّتِهِ وقُصارَى سعيه.
(١) الدر المنثور ٦/ ١٢٧.
(٢) ينظر الإحكام للآمدي ٤٨/٤ وما بعد.

سُورَةُ الْنَخَيْ
١٤٢
الآية : ٣٠ - ٣١
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: أمرُ الحياة الدنيا المفهومُ من الكلام، ولذا ذكّر
اسم الإشارة، وقيل: أي: ما أدّاهم إلى ما هم فيه من التولِّي وقصر الإرادة على
الحياة الدنيا .
وقيل: ((ذلك)) إشارةٌ إلى الظنِّ الذي يتّبعونه. وقيل: إلى جَعْلِهِم الملائكةَ
بنات الله سبحانه. وكلا القولَين كما ترى.
﴿مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِمَّ﴾ أي: منتَهَى علمهم لا عِلْمَ لهم فوقَه، اعتراضٌ مقرِّرٌ
لمضمون ما قبلها مِن قَصْر الإرادة على الحياة الدنيا. والمرادُ بالعلم مطلَقُ الإدراك
المنتظِم للظنِّ الفاسد، وضميرُ ((مبلغهم)) لـ ((مَن))، وجُمع باعتبار معناه، كما أنَّ
إفرادَه قبلُ باعتبار لفظِهِ.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى﴾ تعليلٌ
للأمر بالإعراض، وتكرير قوله تعالى: ((هو أعلم)) لزيادة التقرير والإيذانِ بكمال
تباينِ المعلومَين، والمرادُ بـ ((مَن ضل)): مَن أصرّ على الضلال ولم يرجع إلى الهدى
أصلاً، و(بمَن اهتدَى)): من شأنه الاهتداءُ في الجملة، أي: هو جل شأنه المبالغُ
في العلم بمَن لا يرْعَوي عن الضلال أبداً، وبمن يقبلُ الاهتداء في الجملة، لا غيرُه
سبحانه، فلا تُتْعب نفسَك في دعوتهم ولا تبالغ في الحرص عليها، فإنَّهم من القبيل
الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ أي: له ذلك على الوجه
الأتمِّ، أي: خَلْقاً ومُلْكاً، لا لغيره عز وجل أصلاً، لا استقلالاً ولا اشتراكاً،
ويُشعر بفعلٍ يتعلَّق به قوله تعالى: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: خَلَق ما فيهما
ليجزِيّ الضالِّين بعقاب ما عملوا من الضلال، الذي عبّر عنه بالإساءة بياناً لحاله،
أو بمثل ما عملوا، أو بسبب ما عملوا، على أنَّ الباء صلةُ الجزاء بتقدير مضافٍ أو
للسببية بلا تقدير ﴿وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ أي: اهتدوا ﴿يَالمُسْنَى﴾ أي: بالمثوبة الحسنى
التي هي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم، أو بسبب الأعمال الحسنى، تكميلٌ لِمَا
قَبْلُ؛ لأنَّه سبحانه لمَّا أمره عليه الصلاة والسلام بالإعراض نَفَى توهُم أنَّ ذلك
لأنَّھم یُترَکون سُدّى.

الآية : ٣٢
١٤٣
سُوَّةُ النَخَيْ
وفي العدول عن ضمير ربك إلى الاسم الجامع ما يُنبئُ عن زيادة القدرة، وأنَّ
الكلامَ مسوقٌ لوعيد المعرضين، وأنَّ تسويةَ هذا المُلْك العظيم لهذه الحكمة، فلا بدَّ
من ضالّ ومهتدٍ، ومن أنْ يلقَى كلٌّ ما يستحقُّه. وفيه أنَّه وَلَه يلقَى الحسنى جزاءً
لتبليغه، وهم يلقون السُّواَى جزاءً لتكذيبهم.
وكرَّر فعلَ الجزاء لإبراز كمالِ الاعتناء به، والتنبيهِ على تباين الجزاءَين.
وجوِّز أنْ يكونَ معنى ((فأعرِضْ)) إلخ: لا تقابلهم بصنيعهم وَكِلْهم إلى ربك، إنَّه
أعلمُ بك وبهم، فيجزي كلَّ ما يستحقُّه، ولا يخفَى ما في العدول عن الضميرَين في
(مَن ضَلَّ) و((بمَن اهتدَى))، وجُعِلَ قوله تعالى: ((ليجزِيَ)) على هذا متعلِّقاً بما يدلُّ
عليه قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) إلخ، أي: ميَّز الضالَّ عن المهتدي وحَفِظ
أحوالَهم ليجزي .. إلخ، وقوله سبحانه: (وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) جملةٌ معترضةٌ
تؤكِّدُ حديثَ أنَّهم يُجزَون البتة ولا يُهمَلُون، كأنَّه قيل: هو سبحانه أعلمُ بهم، وهم
تحت مُلْكه وقدرته، وجوِّز على ذلك المعنى أنْ يتعلَّق ((ليجزيَ)) بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ
مَا فِى السَّمَوَتِ) كما تقدَّم على تأكيد أمرٍ الوعيد، أي: هو أعلمُ بهم، وإنما سوَّى
هذا المُلْكَ للجزاء. ورجح بعضُهم ذلك المعنى بالوجهين المذكورين على ما مرَّ.
وجوِّز في جملة (لله ما في السماوات)) كونُها حالاً من فاعل ((أعلم)) سواء كان
بمعنى: عالم، أو لا، وفي ((ليجزِيَ)) تعلُّقُه بـ ((ضَلِّ)) و((اهتدَى)) على أنَّ اللام
للعاقبة، أي: هو تعالى أعلمُ بمَن ضَلَّ ليؤول أمرُه إلى أنْ يجزيَه اللهُ تعالى بعمله،
وبمَن اهتدَى ليؤول أمرُه إلى أنْ يجزيَه بالحسنى. ولا يخفى بُعْدُه، وأَبعدُ منه
بمراحلَ تعلُّقُه بقوله سبحانه: (لَا تُغْنِ شَفَعَهُهُمْ) كما ذكره مكِّي(١).
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((لنجزي)) ((ونجزي)) بالنون فيهما(٢).
﴿الَّذِينَ يَجْتَلِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ﴾ بدلٌ من الموصول(٣) الثاني، وصيغةُ الاستقبال في
(١) في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٩٤.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٦٤ .
(٣) في الأصل: الموصوف، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٦٢/٨.

سُورَةُ النَجَيْ
١٤٤
الآية : ٣٢
صلته للدلالة على تجدُّد الاجتنابِ واستمرارِهِ، أو بيانٌ، أو نعتٌ، أو منصوبٌ على
المدح، أو مرفوعٌ على أنَّه خبرُ محذوفٍ.
و (الإثم)): الفعل المبطئ عن الثواب وهو الذنبُ. وكبائرُه ما يكبر عقابُه.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ((كبيرَ الإثم)) (١) على إرادة الجنس أو الشرك.
و﴿الفواحش﴾: ما عظُمَ قُبحُه من الكبائر، فعَطْفُه على ما تقدَّم من عطف
الخاصِّ على العامّ. وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان.
﴿إِلَّا الَّ﴾ ما صَغُرَ من الذنوب، وأصلُه ما قلَّ قَدْرُه، ومنه لِمَّةُ الشَّعر؛ لأنَّها
دون الوَقْرَة، وفسَّره أبو سعيد الخدري بالنظرة والغمزة والقُبلة، وهو من باب
التمثيل.
وقيل: معناه: الدنوُّ من الشيء دون ارتكابٍ له، من أَلْمَمْتُ بكذا، أي: نزلتُ
به وقاربتُه من غير مواقعةٍ، وعليه قولُ الرَّاني: هو الهمُّ بالذنب وحديثُ النفس
دون أنْ يواقع. وقول ابن المسيب: ما خطَرَ على القلب.
وعن ابن عباس وابن زيد: هو ما أَلَمُّوا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية
قبل الإسلام. والآية نزلَت لقول الكفار للمسلمين: قد كنتُم بالأمس تعملون
أعمالَنا، فهي مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ﴾
[النساء: ٢٣] على ما في ((البحر))(٢).
وقيل: هو مطلَق الذنب.
وفي روايةٍ عن ابن عباس: أنَّه ما يلمُّ به المرء في الحين من الذنوب ثم يتوبُ.
والمعظمُ على تفسيره بالصغائر.
والاستثناء منقطعٌ، وقيل: إنَّه لا استثناء فيه أصلاً، و((إلا)) صفةٌ بمعنى: ((غير))،
إما لجعل المضافِ إلى المعرَّف باللام الجنسية أعني ((كبائر الإثم)) في حكم النكرة،
(١) التيسير ص ١٩٥، والنشر ٣٦٧/٢.
(٢) ١٦٤/٨، وذكر سبب النزول أيضاً أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢٩٣/٣، وابن عطية في
المحرر الوجيز ٢٠٤/٥.

الآية : ٣٢
١٤٥
سُورَةُ الْنَجَيْ
أو لأنَّ ((غير)) و((إلا)) التي بمعناها قد يتعرَّفان بالإضافة كما في ﴿ِغَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾
[الفاتحة: ٧].
وتعقّبه بعضُهم بأنَّ شرط جوازٍ وقوع ((إلا)) صفةً كونُها تابعةً لجمع منگِّر غیرِ
محصور، ولم يوجد هنا .
ورُدَّ بأنَّ هذا ما ذهب إليه ابنُ الحاجب، وسيبويه يَرَى جواز وقوعها صفةً مع
جواز الاستثناء، فهو لا يشترطُ ذلك، وتَبِعَه أكثرُ المتأخّرين(١)، نعم كونُها هنا صفةً
خلاف الظاهر، ولا داعي إلى ارتكابه.
والآيةُ عند الأكثرين دليلٌ على أنَّ المعاصي منها كبائرُ ومنها صغائر، وأنكر
جماعةٌ من الأئمة هذا الانقسامَ وقالوا: سائرُ المعاصي كبائر، منهم الأستاذ
أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمَين في
((الإرشاد))(٢)، وتقيُّ الدين السُّبكي، وابنُ القشيري في ((المرشد))، بل حكاه ابنُ
فورَك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره فقال: معاصي الله تعالى كلَّها عندنا كبائر،
وإنما يقال لبعضها صغيرةٌ وكبيرةٌ بالإضافة، وحَكَى الانقسام عند المعتزلة، وقال:
إنَّه ليس بصحيح.
وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكنُ أنْ يقالَ في معصيةٍ إنَّها صغيرةٌ إلا على
معنى أنَّها تَصغُرُ باجتناب الكبائر، ويوافق ذلك ما رواه الطبراني عن ابن عباس - لكنَّه
منقطعٌ - أنَّه ذُكِرَ عنده الكبائر فقال: كلُّ ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرةٌ(٣). وفي
(١) حاشية الشهاب ١١٥/٨.
(٢) ص ٣٢٨، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر الهيتمي في الزواجر ص ٤، والكلام
منه .
(٣) المعجم الكبير ١٨/(٢٩٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٣/١: رجاله ثقات إلا أن
الحسن مدلس وعنعنه.
وأخرجه الطبري ٦/ ٦٥٠، والبيهقي في الشعب (٢٩٢) و(٧١٥٠)، من طريق ابن سيرين عن
ابن عباس، وإسناده منقطع، فإن محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس فيما قاله علي بن
المديني وأحمد كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٥٠ .
1

سُورَةُ الْنَجَيْ
١٤٦
الآية : ٣٢
رواية: كلُّ شيءٍ عُصِيَ اللهُ تعالى فيه فهو كبيرةٌ(١).
والجمهورُ على الانقسام؛ قيل(٢): ولا خلافَ في المعنى، وإنما الخلافُ في
التسمية والإطلاق؛ لإجماع الكلِّ على أنَّ مِن المعاصي ما يقدحُ في العدالة، ومنها
ما لا يقدحُ فيها، وإنَّما الأَوَّلُون فرُّوا من التسمية، فكرهوا تسميةَ معصيةِ الله تعالى
صغيرةً نظراً إلى عظمة الله عز وجل، وشدَّةٍ عقابه سبحانه، وإجلالاً له جل شأنُه
عن تسمية معصيتهٍ صغيرةً؛ لأنَّها بالنظر إلى باهر عظمتِهِ كبيرةٌ أيُّ كبيرةٍ، ولم ينظر
الجمهورُ إلى ذلك؛ لأنَّه معلومٌ، وقسَّموها إلى ما ذُكِرَ لظواهر الآيات والأحاديث،
ولذلك قال الغزاليُّ: لا يليقُ إنكارُ الفرق بينَ الكبائر والصغائر، وقد عُرِفَتَا من
مدارك الشرع(٣) .
ثم القائلون بالفَرْق اختلفوا في حدِّ الكبيرة فقيل: هي ما لَحِقَ صاحبَها عليها
بخصوصها وعيدٌ شديدٌ بنصِّ كتابٍ أو سنةٍ. وهي عبارةٌ كثيرٍ من الفقهاء.
وقيل: كلُّ معصيةٍ أوجبَت الحدَّ. وبه قال البغوي وغيرُه، والأولُ أوفقُ بِمَا (٤)
ذكروه في تفصيل الكبائر، إذ عدُّوا الغيبةَ والنميمةَ والعقوقَ وغيرَ ذلك منها،
ولا حدَّ فيه، فهو أصُّ من الثاني وإنْ قال الرافعيُّ: إنَّهم إلى ترجيحه أَمْيَلُ. وقد
يقال: يَرِدُ على الأول أيضاً أنَّهم عدُّوا من الكبائر ما لم يَرِد فيه بخصوصه وعيدٌ
شدیدٌ.
وقيل: هي كلُّ ما نصَّ الكتابُ على تحريمه، أو وَجَب في جنسه حدٍّ، وتركُ
فريضةٍ تجبُ فوراً، والكذبُ في الشهادة والروايةِ واليمين، زاد الهروي وشريح:
وكلُّ قولٍ خالفَ الإجماع العامَّ.
(١) أخرجها الطبري ٦/ ٦٥٢ من طريق عبد الله بن معدان، عن أبي الوليد، عن ابن عباس،
وعبد الله بن معدان قال عنه الأزدي كما في اللسان ٣٦٥/٣: متروك الحديث، وإسناده ليس
بالقائم.
(٢) القائل هو ابن حجر الهيتمي.
(٣) ينظر إحياء علوم الدين ١٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر الهيتمي في الزواجر
ص ٤.
(٤) في الأصل و(م): لما، والمثبت من الزواجر.

الآية : ٣٢
١٤٧
سُورَةُ النَّجَيِ
وقيل: كلُّ جريمةٍ تُؤذن بقلَّة اكتراثٍ مرتكبها بالدِّين ورقَّة الديانةِ، وهو المحكيُّ
عن إمام الحرمين(١)، ورجَّحه جمعٌ لِمَا فيه من حسنِ الضبط.
وتُعقّبَ بأنَّه بظاهره يتناول صغيرةَ الخِسَّةِ، والإمامُ - كما قال الأَذْرَعي - إنما
ضبَطَ به ما يُبطل العدالةَ من المعاصي الشاملةِ لذلك، لا الكبيرة فقط، نعم هو
أشملُ من التعريفَين الأوَّلَين.
وقيل: هي ما أوجَبَ الحدَّ أو توجَّه إليه الوعيدُ، ذكره الماوردي في
((حاویە))(٢) .
وقيل: كلُّ محرَّمٍ لعينه منهيٍّ عنه لمعنى في نفسه، فإنْ فَعَلَه على وجهٍ يجمع
وجهَين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشةً، فالزنى كبيرةٌ، وبحليلة الجارِ فاحشةٌ،
والصغيرةُ تَعاطي ما تَنقُصُ رتبتُه عن رتبته المنصوص عليه، أو تعاطیه على وجهٍ دون
المنصوص عليه، فإنْ تعَاطَاه على وجهٍ يجمَعُ وجهَين أو أكثرَ من التحريم كان
كبيرةً، فالقُبْلةُ واللَّمسُ والمفاخَذة صغيرةٌ، ومع حليلة الجار كبيرةٌ، كذا نقَلَه ابنُ
الرفعة وغيرُه عن القاضي حسين عن الحليمي.
وقيل: هي كلُّ فعلٍ نصَّ الكتابُ على تحريمه، أي: بلفظ التحريم، وهو أربعةُ
أشياءَ: أكلُ الميتةِ، ولحم الخنزير، ومال اليتيم، والفرارُ من الزَّحف، ورُدَّ بمنع
الحصر .
وقيل: إنَّها كلُّ ذنبٍ قُرِنَ به حدٍّ أو وعيدٌ أو لعنٌّ بنصِّ كتابٍ أو سنةٍ، أو عُلِمَ
أنَّ مفسدتَه كمفسدة ما قُرِنَ به ذلك أو أكثر، أو أَشعرَ بتهاون مرتكبه في دينه إشعاراً
صغَّر الكبائرَ المنصوصَ عليها بذلك، كما لو قَتَلَ مَن يعتقدُه معصوماً فظهَرَ أنَّه
مستحِقٌّ لدمه، أو وَطِئ امرأةً ظاناً أنَّه زانٍ بها، فإذا هي زوجتُه أو أمتُه، وإليه ذهب
شيخ الإسلام البارزي وقال: هو التحقيق.
وقيل غير ذلك.
(١) في الإرشاد ص ٣٢٩.
(٢) في الأصل و(م): فتاويه، والمثبت من الزواجر، وهو الصواب، والكلام في الحاوي
للماوردي ١٤٩/١٧ .

سُوَرَّةُ الْفَحَيْ
١٤٨
الآية : ٣٢
واعتمد الواحدي أنَّها لا حدَّ لها يحصُرُها فقال: الصحيحُ أنَّ الكبيرةَ ليس لها
حدٍّ يعرِفُها العبادُ به، وإلا لاقْتَحَم الناسُ الصغائرَ واستباحوها، ولكنَّ الله تعالى
أخفَى ذلك عنهم ليجتهدوا في اجتناب المنهيِّ عنه رجاءَ أنْ تُجتَنَبَ الكبائرُ، ونظيرُ
ذلك إخفاءُ الاسم الأعْظَم، والصلاةِ الوسطى، وليلةِ القدر، وساعةِ الإجابة.
وقال العلامة ابن حجر الهيتَمي(١): كلُّ ما ذُكِرَ من الحدود إنما قُصِدَ به
التقريب فقط، وإلا فهي ليسَت بحدودٍ جامعة، وكيف يمكنُ ضبطُ ما لا مطمَعَ في
ضبطه؟
وذهبَ جمعٌ إلى تعريفها بالعدِّ؛ فعن ابن عباس أنَّها ما ذكره الله تعالى في أول
سورة النساء إلى قوله سبحانه: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١].
وقيل: هي سبعٌ، وروي ذلك عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وعطاء وعبيد بن
عمير، واستدلَّ له بما في الصحيحين: ((اجْتَنبوا السَّبعَ الموبقات: الإشراكَ بالله
تعالى، والسِّحرَ، وقَتْلَ النفسِ التي حرَّمَ اللهُ تعالى إلا بالحقِّ، وأكلَ مال اليتيم،
وأكلَ الرِّبا، والتولِّي يوم الزحفِ، وقَذْفَ المحصَنات الغافلاتِ المؤمناتِ))(٢).
وقيل: خمْسَ عشرةَ، وقيل: أربعَ عشرة، وقيل: أربع، وعن ابن مسعود:
ثلاث. وفي رواية أخرى: عشرة.
وقال شيخُ الإسلام العلائي: المنصوصُ عليه في الأحاديث أنَّه كبيرةٌ خمسٌ
وعشرون، وتعقّبه ابنُ حجر بزيادةٍ على ذلك(٣)، وقال أبو طالب المكي: هي سبعَ
عشرةً؛ أربعٌ في القلب: الشركُ، والإصرار على المعصية، والقنوطُ، والأمنُ من
المكر، وأربعٌ في اللسان: القذفُ، وشهادةُ الزور، والسحرُ وهو كلُّ كلامٍ يُغيِّرُ
الإنسانَ أو شيئاً من أعضائه، واليمينُ الغموس وهي التي تُبطل بها حقّاً أوّ تُثْبتُ
بها باطلاً، وثلاثٌ في البطن: أكلُ مالِ اليتيمِ ظُلماً، وأكلُ الربا، وشُرْب كلِّ
(١) في الزواجر ص ٧.
(٢) صحيح البخاري (٢٧٦٦)، وصحيح مسلم (٨٩) من حديث أبي هريرة
(٣) الزواجر ص ٨.
ـّه .

الآية : ٣٢
١٤٩
سُورَةُ الْنَجَيْ
مسكرٍ، واثنان في الفرج: الزنى، واللواط، واثنتان في اليد: القتلةُ والسرقةُ،
وواحدةٌ في الرجل: الفرارُ من الزحف، وواحدةٌ في جميع الجسد عقوقُ
الوالدين. وفيه ما فيه.
وروى الطبرانيُّ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّ رجلاً قال له: كم
الكبائر، سبعٌ هي؟ فقال: هي إلى سبع مئة أقربُ منها إلى سبعٍ، غيرَ أنَّه لا كبيرةَ
مع الاستغفار ولا صغيرةً مع الإصرار(١).
وقد ألَّفَ فيها غيرُ واحدٍ من العلماء، وفي كتاب ((الزواجر)) تأليف العلامة ابن
حجر ما فيه كفايةٌ فليراجَع (٢)، والله تعالى الموفِّقُ، وإنا لنستغفرُه ونتوبُ إليه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَيِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ حيث يَغفرُ الصغائرَ باجتناب الكبائرِ، فالجملةُ تعليلٌ
لاستثناء اللَّمَم، وتنبيهٌ على أنَّ إخراجَه عن حكم المؤاخذةِ ليس لخلوّه عن الذنب
في نفسه، بل لسعةِ المغفرةِ الربانية.
وجوِّزَ أنْ يكونَ المعنى: له سبحانه أنْ يغفرَ لمن يشاء من المؤمنين ما يشاءُ من
الذنوب صغيرِها وكبيرِها، ولعلَّ تعقيبَ وعيدِ المسيئين ووَعْد المحسنين بذلك حينئذٍ
لئلا ييأسَ صاحبُ الكبيرة من رحمته تعالى، ولا يتوهّمَ وجوبَ العقاب عليه عز
وجل.
وزَعْمُ بعضٍ جوازَ كونِ الموصول مبتداً، وهذه الجملةُ خبره، والرابطُ
محذوفٌ، أي: واسعُ المغفرة لهم، ليس بشيء كما لا يخفى.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أي: بأحوالكم من كلِّ أحدٍ ﴿إِذْ أَنشَأَكُ﴾ في ضمن إنشاءِ أبيكم
آدَمَ عليه السلام ﴿مِّنَ الْأَرْضِ﴾ إنشاءً إجماليّاً حسبما مرَّ تحقيقُه.
وقيل: إنشاؤهم من الأرض باعتبار أنَّ المنيَّ الذي يتكوَّنون منه من الأغذية
التي منشؤُها من الأرض.
(١) لم نقف عليه عند الطبراني، وأخرجه الطبري ٦/ ٦٥١، وابن أبي حاتم ٣/ ٩٣٤.
(٢) ينظر الزواجر ص ٣ وما بعدها، وجميع ما سبق نقله المصنف عنه.

سُورَةُ الْنَجَم
١٥٠
الآية : ٣٢
وأيّاً ما كان فـ ((إذ)) ظرفٌ لـ ((أعلم)) وهو على بابه من التفضيل. وقال مكي: هو
بمعنى عالم(١)، إذ تعلَّقُ علمِه تعالى بأحوالهم في ذلك الوقت لا مشاركَ له تعالى
فيه. وتُعقِّب بأنَّه قد يتعلَّق علمُ مَن أطلَعَه الله تعالى مِن الملائكة عليه. وقيل: ((إذ))
منصوبٌ بمحذوفٍ، والتقدير: اذكروا إذ أنشأكم. وهو كما ترى.
﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ ووقت كونكم أجنَّةٌ ﴿فِى بُطُونِ أُنَّهَتِكُمْ﴾ على أطوارٍ مختلفةٍ
مترتِّبةٍ لا يخفى عليه سبحانه حالٌ من أحوالكم، وعملٌ من أعمالكم التي من
جملتها اللَّمَم الذي لولا المغفرةُ الواسعةُ لأصابكم وبالُه، فالجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ
لِمَا قبلَها، وذكر ((في بطون أمهاتكم)) مع أنَّ الجنينَ ما كان في البطن للإشارة إلى
الأطوار كما أشرنا إليه، وقيل: لتأكيد شأنِ العلم؛ لِمَا أنَّ بَطْنَ الأَمِّ في غاية
الظلمة .
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لترتيب النهي عن تزكية النفس على
ما سبَقَ، من أنَّ عدمَ المؤاخذةِ باللَّمَم ليس لعدم كونِهِ من قبيل الذنوب، بل لمحضٍ
مغفرتِهِ تعالى مع علمه سبحانه بصدوره عنكم، أي: إذا كان الأمرُ كذلك فلا تُثُنُوا
على أنفسكم بالطهارة عن المعاصي بالكلِّية، أو بزكاء العمل وزيادةِ الخير، بل
اشكرُوا الله تعالی علی فضله ومغفرته جل شأنه.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اَنَّقَ﴾ المعاصيَ جميعاً، وهو استئنافٌ مقرِّرٌ للنهي، ومشعرٌ بأنَّ
فيهم مَن يَتَّقيها بأسرها كذا في ((الإرشاد))(٢). وقيل: اتَّقى الشركَ. وقيل: اثَّقى شيئاً
من المعاصي.
والآية نزلَت على ما قيل: في قومٍ من المؤمنين كانوا يعملون أعمالاً حسنةً ثم
يقولون: صلاتُنا وصيامنا وحُنا، وهذا مذمومٌ منهيٌّ عنه إذا كان بطريق الإعجاب
أو الرياء، أمَّا إذا لم يكن كذلك فلابأسَ به، ولا يُعَدُّ فاعلُه من المزكِّين أنفسَهم،
ولذا قيل: المسرَّةُ بالطاعة طاعةٌ، وذِكْرُها شكرٌ.
(١) مشكل إعراب القرآن ٦٩٣/٢.
(٢) إرشاد العقل السليم ١٦٢/٨.

الآية : ٣٢
١٥١
سُوَّةُ النَجَيْ
ولا فرقَ في التزكية بين أنْ تكونَ عبارةً وأنْ تكونَ إشارةً، وعُدَّ منها التسميةُ
بنحو برَّة. أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن مردويه وابن سعد عن زينبَ بنتِ
أبي سلمة أنَّها سُمِّيَت برَّةً، فقال رسول الله وَّهِ: ((لا تزُّوا أنفسَكم الله أعلمُ بأهل
البرِّ منكم، سَمُّوها زينب))(١)، وكذا غيَّر عليه الصلاة والسلام إلى ذلك اسم برَّةً
بنتِ جحش(٢)، وتغييرُ مثل ذلك مستحَبٌّ، وكذا ما يُوقِعُ نَفْيُهُ بعضَ الناس في شيءٍ
من الطَّرة كـ : بركة ويَسار، والنهيُ عن التسمية به للتنزيه، وقوله ◌َچ كما روى
جابر: ((إِنْ عِشْتُ إنْ شاء الله أَنهى أمتي أنْ يُسَمُّوا نافعاً وأفلَحَ وبَرَكة)»(٣) محمولٌ
كما قال النووي على إرادةٍ: أنهَى نَهيَ تحريم(٤).
والظاهرُ أنَّ كراهةَ ما يُشعرُ بالتزكية مخصوصةٌ بما إذا كان الإشعار قويّاً، كما إذا
كان الاسمُ قبل النقل ظاهرَ الدلالة على التزكية مستعمَلاً فيها، فلا كراهةً في
التسمية بما يُشعرُ بالمدح إذا لم يكن كذلك كسعيد وحَسَن، وقد كان لعمرَ ◌َله ابنةٌ
يقال لها: عاصية، فسمَّاها رسول الله وَليل جميلة(٥)، كذا قيل.
والمقامُ بعدُ لا يخلو عن بحث فليراجَع.
وقيل: معنى ((لا تزكوا أنفسكم)): لا يُزكي بعضكم بعضاً، والمرادُ النهيُّ عن
تزكية السمعةِ أو المدح للدنيا، أو تزكيةٍ على سبيل القطع، وأما التزكيةُ لإثبات
الحقوق ونحوه فهي جائزةٌ.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ الآية نزلت في اليهود، أخرج الواحدي وابن المنذر
وغيرُهما عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهودُ إذا هلَكَ لهم صبيٍّ
(١) مسند أحمد (٩٥٦٠)، وصحيح مسلم (٢١٤٢)، وسنن أبي داود (٤٩٥٣)، وطبقات ابن
سعد ٨/ ٤٦١، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢٨/٦. وهو عند أحمد من
حديث أبي هريرة به، وعند الباقين من حديث زينب، وأخرجه من حديث أبي هريرة أيضاً
البخاري (٦١٩٢).
(٢) قطعة من حديث زينب بنت أبي سلمة عند مسلم (٢١٤٢): (١٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠)، واللفظ له.
(٤) شرح صحيح مسلم ١٤/ ١١٩ .
(٥) أخرجه مسلم (٢١٣٩) من حديث ابن عمر رقـ

سُورَةُ الْنَجَيْرِ
١٥٢
الآية : ٣٣ - ٣٥
صغيرٌ قالوا: هو صدِّيقٌ. فبلغ ذلك النبيَّ وَّهِ فقال: ((كذَبت يهودُ، ما مِن نسمةٍ
يخلُقها الله تعالى في بطن أمِّها إلا يعلمُ سعادتَها أو شقاوتَها)) فأنزل الله سبحانه عند
ذلك (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) الآية (١).
﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى
أي: عن اتباع الحقِّ والثبات عليه ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي:
F
شيئاً قليلاً، أو إعطاءً قليلاً ﴿وَأَكْدَىَّ﴾ أي: قطَعَ العطاء، من قولهم: حَفَر فأكدَى:
إذا بلَغَ إلى كُديةٍ، أي: صلابةٍ في الأرض فلم يُمكنه الحفر.
قال مجاهد وابن زيد: نزلَت في الوليد بن المغيرة، كان قد سمعَ قراءةً
رسول الله وَله، وجلَسَ إليه ووَعَظه فقرب من الإسلام، وطمِعَ فيه رسولُ اللهِ وَّله
ثم إنَّه عاتَبَه رجلٌ من المشركين، وقال له: أَتَتْرُكُ ملَّة آبائك؟! ارجِعْ إلى دينك
واثبُتْ عليه، وأنا أتحمَّل عنك كلَّ شيءٍ تخافُه في الآخرة، لكن على أنْ تُعطيَني
كذا وكذا من المال، فوافَقَه الوليدُ على ذلك، ورجع عمَّا هَمَّ به من الإسلام وضلَّ
ضلالاً بعيداً، وأعطَى بعضَ المال لذلك الرجل ثمَّ أمسك عنه وشحَ(٢).
وقال الضحاك: هو النضر بن الحارث أعطى خمسَ قلائصَ لفقيرٍ من
المهاجرين حتى ارتَّد عن دينه وضَمِن له أنْ يَحمِل عنه مأثمَ رجوعِهِ.
وقال السدي: نزلَت في العاص بن وائل السَّهمي، كان يوافقُ النبيَّ ◌َّ في
بعض الأمور.
وقال محمد بن كعب: في أبي جهل؛ قال: والله ما يأمرُ محمدٌ إلا بمكارم
الأخلاق.
والأوَّلُ هو الأشهرُ الأنسبُ لِمَا بعده من قوله سبحانه: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ إلى
آخره، وأمَّا ما في ((الكشاف)): من أنَّها نزلَت في عثمان بن عفان ظُه، كان يُعطي
مالَه في الخير فقال له عبد الله بنُ سعد بن أبي سَرْحٍ: يُوشك أنْ لا يبقَى لك شيءٌ.
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٢٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٢٨/٦.
وأخرجه الطبراني في الكبير (١٣٦٨).
(٢) أخرجه الطبري ٧١/٢٢-٧٢، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٢٣ .

الآية : ٣٦ - ٣٧
١٥٣
سُورَةُ النَّجَيش
فقال عثمان: إنَّ لي ذُنُوباً وخطايا، وإنِّي أطلبُ بما أصنعُ رضا الله تعالى، وأرجُو
عفوَه. فقال عبد الله: أعطني ناقتَكَ برحْلِها وأنا أحملُ عنك ذُنوبَك كلَّها. فأعطاه
وأشهَدَ عليه وأمسَكَ عن العطاء (١) = فباطلٌ كما قال ابن عطية، ولا أصل له،
وعثمانُ رَّهِ منزَّةٌ عن مثل ذلك(٢).
و((أفرأيتَ)) هنا على ما في ((البحر)) بمعنى: أخبرني، ومفعولُها الأولُ
الموصول، والثاني الجملةُ الاستفهامية(٣) .
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَرَّ﴾ للتسبُّب عما قبلَه، أي: أعندَه علمٌ بالأمور
الغيبية فهو بسبب ذلك يعلمُ أنَّ صاحبه يتحمّل عنه يومَ القيامة ما يخافُه، وقيل: یری
أنَّ ما سمعَه من القرآن باطلٌ.
وقال الكلبي: المعنى: أَأُنْزِل عليه قرآنٌ فرأى أنَّ ما صنعَه حقٌّ.
وأيًّا ما كان فـ ((يرى)) من الرؤية القلبية، وجوِّز أنْ تكونَ من الرؤيةِ البصرية،
أي: فهو يُبصرُ ما خفي عن غيره مما هو غيبٌ.
﴿أَ لَمْ يُبَأْ﴾ أي: بل ألم يُخَّر ﴿بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى﴾ وهي التوراة ﴿وَإِتْرَاهِيمَ﴾
وبما في صحف إبراهيم التي نزلَت عليه ﴿الَّذِى وَلَّ﴾ أي: وَقَّرَ (٤) وأتمَّ ما أُمِرَ به،
أو بالغ في الوفاء بما عاهدَ عليه الله تعالى.
وقال ابن عباس: وفَّى بسهام الإسلام كلِّها، ولم يوفِّها أحدٌ غيرُه، وهي ثلاثون
سهماً، منها عشرةٌ في ((براءة)): ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾
الآيات [التوبة: ١١١- ١١٢]، وعشرةٌ في ((الأحزاب)): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾
الآيات [الأحزاب: ٣٥]، وستٌّ في ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ الآيات التي في أولها،
وأربعٌ في سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الذِينِ﴾ الآيات [٢٦ وما بعدها].
(١) الكشاف ٤/ ٣٣.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٥/٥.
(٣) البحر المحيط ١٦٧/٨.
(٤) من التوفير وهو التكثير، فتكثيره لفِعْلِه وأمرِ الغير به، أو لمبالغته في كيفيته. حاشية الشهاب
١١٦/٨.

سُورَةُ الْنَجَيْ
١٥٤
الآية : ٣٨
وفي حديثٍ ضعيف عن أبي أمامة يرفعُه: ((وَفَّى بأربع ركعاتٍ كان يُصلِّيهنَّ في
كلِّ يومٍ)) (١) وفي روايةٍ: ((يصلِّيهنَّ أوَّلَ النهارَ))(٢).
وأخرج أحمدُ من حديث معاذ بن أنس مرفوعاً أيضاً: ((ألا أخبركم لِمَ سمَّى اللهُ
تعالى إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ إنَّه كان يقول كلَّما أصبحَ وأمسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية [الروم: ١٧]))(٣).
وقال عكرمة: ((وَى)) بتبليغ هذه العشرة (أَلَّا نَزِرُ) إلى آخره. وقيل وقيل.
والأَوْلى العمومُ، وهو مرويٌّ عن الحسن قال: ما أَمَره الله تعالى بشيءٍ إلا وقَی
به. وتخصيصُه عليه السلام بهذا الوصْفِ لاحتماله ما لا يحتملُه غيرُه، وفي قصة
الذبح ما فيه كفاية.
وخُصَ هذان النبيَّان عليهما السلام بالذكر قيل: لأنَّه فيما بين نوحٍ وإبراهِيمَ
كانوا يأخذون الرجلَ بابنه وبأبيه وعمِّه وخاله، والزوجَ بامرأته، والعبدَ بسيدِهِ، فَأَوَّلُ
من خالَفَهم إبراهيمُ، وقرَّر ذلك موسى، ولم يأتِ قبلَه مقرِّرٌ مثله عليه السلام،
وتقديمُهُ لِمَا أنَّ صُحِفَه أشهرُ عندهم وأكثر.
وقرأ أبو أمامة الباهلي وسعيد بن جبير وأبو مالك الغفاري وابن السميفع
وزيد بن علي: ((وَفَى)) بتخفيف الغاء(٤).
أي: أنَّه لا تحملُ نفسٌ مِن شأنها الحملُ حمْلَ
﴿أَّا نَزْرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى
٣٨
نفسٍ أُخرى، على أنَّ ((أن)) هي المخفَّفة من الثقيلة، وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها
محذوفٌ، والجملةُ المنفيةُ خبرُها، ومحلُّ الجملة الجرُّ على أنَّها بدلٌ من «ما في
(١) أخرجه الدوري في جزء قراءات النبي (١٠٩)، والطبري ٧٨/٢٢ من طريق جعفر بن الزبير،
عن القاسم، عن أبي أمامة به، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: رواه ابن جرير
من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف.
(٢) أخرجها البغوي ٤/ ٢٥٤ بالإسناد المذكور.
(٣) مسند أحمد (١٥٦٢٤).
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٤/٢، والمحرر الوجيز ٢٠٦/٥، والبحر
المحيط ١٦٧/٨ .

الآية : ٣٩
١٥٥
سُؤَدَّةُ النَخَيْ،
صُحف موسى))، أو الرفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والاستئنافُ بيانيٌّ، كأنَّه
قيل: ما في صحفهما؟ فقيل: هو أن لا تزر .. إلخ، والمعنى أنَّه لا يؤاخَذُ أحدٌ
بذنب غيرِه ليتخلَّصَ الثاني عن عقابه، ولا يقدحُ في ذلك قوله ◌َّ: ((مَن سَنَّ سنةً
سيِّئةً فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))(١) فإنَّ ذلك وزْرُ الإضلال
الذي هو وِزْرُه لا وزْرُ غیره.
بيانٌ لعدم إثابة الإنسان بعمل
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (®)
غيرِهِ إِثْر بيان عدم مؤاخذتِه بذنب غيره، و((أنْ)) كأختها السابقة، و((ما)) مصدرية،
وجوِّز كونُها موصولةً، أي: ليس له إلا سعيُهُ، أو إلا الذي سَعَى به وفَعَلَه.
واستشكل بأنَّه وردَت أخبارٌ صحيحة بنفع الصدقةِ عن الميِّت، منها ما أخرجه
مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة أنَّ رجلاً قال لرسول الله وَّةٍ: إنَّ
أُمِّي افتُلِتَت نفسُها، وأظنُّها لو تكلَّمَت تصدَّقَت، فهل لها أجرٌ إنْ تصدَّقْتُ عنها؟
قال: ((نعم))(٢).
وكذا بنفع الحجِّ، أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: أتَى
رجلٌ النبيَّ وَِّ فقال: إنَّ أُختي نذَرَت لأن تحجَّ، وإنَّها ماتَت؟ فقال النبي عليه
الصلاة والسلام: (لو كان عليها دينٌ أكنتَ قاضيَهُ))؟ قال: نعم. قال: ((فحقُّ الله
أحق بالقضاء))(٣).
وأُجِيبَ بأنَّ الغير لمَّا نَوَى ذلك الفعلَ له صارَ بمنزلة الوكيل عنه، القائم مقامَه
شرعاً، فكأنَّه بسعيه، وهذا لا يتأتَّى إلا بطريق عمومِ المجاز، أو الجمع بين الحقيقة
والمجاز عند مَن يُجوِّزُه.
وأُجيبَ أيضاً بأنَّ سَعْيَ غيره لمَّا لم ينفعْهُ إلا مبنيّاً على سَعْي نفسِه مِن الإيمان،
فكأنَّه سعيُه، ودلَّ على بنائه على ذلك ما أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه
(١) سلف ٢٨٢/٢٢.
(٢) صحيح البخاري (١٣٨٨)، وصحيح مسلم (١٠٠٤)، وسنن أبي داود (٢٨٨١)، وسنن
النسائي ٦/ ٢٥٠.
(٣) الخبر بنحوه في صحيح البخاري (٦٦٩٩)، وسنن النسائي ١١٦/٥، ولم نقف عليه عند مسلم.

سُورَةُ الْنَخَيْ
١٥٦
الآية : ٣٩
عن جده أنَّ العاص بنَ وائل نذَرَ في الجاهلية أنْ ينحرَ مئةَ بدنةٍ، وأنَّ هشاماً ابنَه
نحرَ حصَّتَه خمسين، وأنَّ عمراً سألَ النبيَّ وَّر عن ذلك فقال: ((أما أبوك فلو كان
أقرَّ بالتوحيد فصُمْتَ وتصدَّقْتَ عنه نفَعَه ذلك))(١).
وأُجيبَ بهذا عما قيل: إنَّ تَضْعيفَ الثوابِ الواردِ في الآيات يُنافي أيضاً القصْرَ
على سعيه وحده. وأنت تعلمُ ما في الجواب من النظر.
وقال بعضُ أجلَّة المحقّقين: إنَّه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعيٍّ في
حصول الانتفاع بعمل الغير، وهو يُنافي ظاهرَ الآية، فتُقيَّد بما لا يَهبُهُ العامل،
وسألَ والي خراسان عبدُ الله بنُ طاهر الحسينَ بنَ الفضل عن هذه الآية مع قوله
تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعَى،
وله بالفضل ما شاء الله تعالى. فقَبَّلَ عبدُ الله رأسَ الحسين(٢).
وقال عكرمةُ: كان هذا الحكمُ في قوم إبراهيمَ وموسى عليهما السلام، وأما
هذه الأمةُ فللإنسان منها سعيُ غيرِهِ، يدلُّ عليه حديثُ سعد بن عبادة: هل لأمِّي إذا
تطوَّعْتُ عنها؟ قال ◌َِّ: ((نعم))(٣).
وقال الربيعُ: الإنسانُ هنا الكافرُ، وأما المؤمنُ فلَه ما سعَى وما سعَى له غيرُه.
وعن ابن عباس أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِيَّهُمْ
بِإِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وقد أَخرج عنه ما يُشعرُ به أبو داود والنحاس
كلاهما في ((الناسخ))، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه (٤).
(١) مسند أحمد (٦٧٠٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٨٦/٣-٣٨٧، وأبو داود
(٢٨٨٣).
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٦/٥، وتفسير القرطبي ١٣٥/٢٠-١٣٦، والبحر المحيط ١٦٨/٨.
(٣) أخرجه بنحوه البخاري (٢٧٥٦) من حديث ابن عباس يبًا، أن سعد بن عبادة توفيت
أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها
شيء إن تصدقت به عنها، قال: ((نعم))، الحديث، ولفظ المصنف منقول من البحر
المحيط ١٦٨/٨.
(٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٥/٣-٣٦، وتفسير الطبري ٨٠/٢٢، وعزاه لأبي داود وابن
المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٠ .

الآية : ٣٩
١٥٧
سُورَةُ الْنَجَية
وتعقَّبَ أبو حيان روايةَ النسخ بأنَّها لا تصحُّ؛ لأنَّ الآيةَ خبرٌ لم تتضمَّن
تكليفاً(١)، ولا نْخَ في الأخبار. وما يُتوهّمُ جواباً من أنَّه تعالى أخبرَ في شريعة
موسى وإبراهيم عليهما السلام أنْ لا يُجعلَ الثوابُ لغير العامل، ثم جَعَلَه لمن
بعدهم من أهل شريعتنا، مرجعُه إلى تقييد الأخبارِ لا إلى النسخ، إذ حقيقتُه أنْ يُراد
المعنى، ثم مِن بعد ذلك ترتفعُ إرادتُه، وهذا تخصيصُ الإرادة بالنسبة إلى أهل
الشرائع فافهمه .
وقيل: اللام بمعنى ((على)) أي: ليس على الإنسان غيرُ سعيه. وهو بعيدٌ من
ظاهرها ومِن سياق الآية أيضاً، فإنَّها وعظٌ للذي تولَّى وأعطَى قليلاً وأكدَى.
والذي أميلُ إليه كلام الحسين، ونحوه كلامُ ابن عطية قال: والتحريرُ عندي في
هذه الآية أنَّ ملاكَ المعنى هو اللام من قوله سبحانه: (لِلْإِنسَنِ) فإذا حقَّقْت الشيءَ
الذي حَقُّ الإنسان أنْ يقول فيه: لي كذا، لم تجدْهُ إلا سعيَه، وما يكونُ من رحمةٍ
بشفاعة، أو رعايةٍ أبٍ صالحٍ، أو ابنٍ صالحٍ، أو تضعيفِ حسناتٍ، أو نحو ذلك،
فليس هو للإنسان، ولا يَسَعُه أنْ يقولَ: لَي كذا وكذا، إلا على تجوُّز وإلحاق
بما هو حقيقةٌ (٢). انتهى.
ويُعلم من مجموع ما تقدَّم أنَّ استدلال المعتزلةِ بالآية على أنَّ العبدَ إذا
جعلَ ثوابَ عمله - أيَّ عملٍ كان - لغيره لا يَنْجَعلُ ويلغُو جعلُه = غيرُ تامٍّ؛
وكذا استدلالُ الإمام الشافعيِّ بها على أنَّ ثوابَ القراءة لا تلحقُ الأمواتَ،
وهو مذهبُ الإمام مالك، بل قال الإمام ابنُ الهمام: إنَّ مالكاً والشافعيَّ
لا يقولان بوصول العباداتِ البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرها
كالصدقة والحجّ(٣).
وفي ((الأذكار)) للنووي عليه الرحمة المشهورُ من مذهب الشافعي ظُه وجماعةٍ
أنَّها لا تصلُ، وذهب أحمد بن حنبل وجماعةٌ من العلماء ومِن أصحاب الشافعيِّ
(١) البحر المحيط ١٦٨/٨.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٦/٥-٢٠٧.
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٣٠٨/٢.

سُورَةُ الْنَجَيْمِ
١٥٨
الآية : ٣٩
إلى أنَّها تصل، فالاختيارُ أنْ يقولَ القارئ بعد فراغه: اللهمَّ أَوْصِلْ ثوابَ ما قرأتُه
إلى فلان(١).
والظاهرُ أنَّه إذا قال ذلك ونحوَه، كـ: وهبتُ ثوابَ ما قرأتُه لفلان، بقلبه كفَى،
وعن بعضهم اشتراطُ نيةِ النيابةِ أوَّل القراءة، وفي القلب منه شيءٌ.
ثم الظاهرُ أنَّ ذلك إذا لم تكن القراءةُ بأجرةٍ، أما إذا كانت بها كما يفعلُه أكثرُ
الناس اليومَ، فإنَّهم يُعطُون حَفَظَةَ القرآن أُجرةً ليقرؤوا لموتاهم، فيقرؤون لتلك
الأجرة، فلا يصلُ ثوابُها، إذ لا ثوابَ لها ليصلَ، لحرمةِ أخْذِ الأُجرة على قراءة
القرآن، وإنْ لم يَحرُم على تعليمه، كما حقَّقه خاتمةُ الفقهاء المحقّقين الشيخُ محمد
الأمين ابن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى(٢).
وفي ((الهداية)) من كتاب الحج عن الغير إطلاقُ صحةٍ جَعْلِ الإنسان عملَه
لغيره - ولو صلاةً وصوماً - عند أهل السنة والجماعة(٣). وفيه ما علمت مما مرّ (٤)
آنفاً .
وقال الخفاجي: هو محتاجٌ إلى التحرير، وتحريره أنَّ محلَّ الخلاف العبادةُ
البدنية، هل تَقبل النيابةَ فتسقُطَ عمَّن لزمتْهُ بفعل غيره، سواء كان بإذنه أم لا، بعدَ
حياته أم لا، فهذا وَقَع في الحجِّ كما ورد في الأحاديث الصحيحة، أما الصومُ
فلا، وما ورَدَ في حديث: ((مَن ماتَ وعليه صيامٌ صامَ عنه وليُّهُ))(٥) وكذا غيرُه من
العبادات، فقال الطحاوي: إنَّه كان في صدر الإسلام ثم نُسِخَ، وليس الكلامُ في
الفدية وإطعام الطعام، فإنَّه بدلٌ، وكذا إهداءُ الثواب سواءٌ كان بعينه أو مثله، فإنَّه
دعاء، وقبوله بفضله عز وجل كالصدقة عن الغير فاعرفه (٦). انتهى فلا تغفل.
(١) الأذكار ص ١٤٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/ ٥٥.
(٣) الهداية مع فتح القدير ٣٠٨/٢.
(٤) في (م): ما مرَّ.
(٥) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة رضيويًّا.
(٦) حاشية الشهاب ١١٧/٨، وينظر شرح مشكل الآثار للطحاوي ٦/ ١٨٠.

الآية : ٤٠ - ٤٢
١٥٩
سُؤَّةُ الْنَجَيْ
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ، سَوْفَ يُرَى ®﴾ أي: يُعرض عليه ويُكشف له يومَ القيامة في
صحيفته وميزانه، مِن أَريتُه الشيءَ، وفي ((البحر)): يراه حاضِرُو القيامة ويطَّلعون
عليه تشريفاً للمحسن وتوبيخاً للمسيء(١).
﴿ثُمَّ يُجْزَنُهُ﴾ أي: يُجزَى الإنسانُ سعيَه، يقال: جزاه الله عز وجل بعمله، وجزاهُ
على عمله، وجزاهُ عملَه، بحذف الجارِّ وإيصال الفعل؛ وقوله تعالى: ﴿اَلْجَزَآءَ
الْأَوْنَ﴾ مصدرٌ مبيِّنٌ للنوع، وإذا جاز وصفُ المجزيِّ به بـ ((الأَوْفی)) جازَ وصفُ
الحدث عن(٢) الجزاء لملابسته له، وجوِّز كونُه مفعولاً به بمعنى المجزي به،
وحينئذٍ يكونُ الفعلُ في حكم المتعدِّي إلى ثلاثة مفاعيل، ولا بأسَ لأنَّ الثاني
بالحذف والإيصال لا التوسُّع فيجيءَ فيه الخلافُ، وبعضُهم يجعلُ ((الجزاء)) منصوباً
بنزع الخافضٍ، وجوِّز أنْ يكونَ الضمير المنصوب في ((يجزاه)) للجزاء لا للسعي،
و ((الجزاءَ الأَوْفَى)) عليه عطفُ بيانٍ أو بدلٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣].
وتعقبه أبو حيان بأنَّ فيه إبدالَ الظاهر من الضمير، وهي مسألةٌ خلافيةٌ،
والصحيحُ المنعُ(٣).
أي: إنَّ انتهاءَ الخلقِ ورجوعَهم إليه تعالى لا إلى
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى
غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً، والمرادُ بذلك رجوعُهم إليه سبحانه يوم القيامة
حين يُحشَرون، ولهذا(٤) قال غيرُ واحدٍ: أي: إلى حساب ربِّك، أو إلى ثوابه
تعالى من الجنة وعقابِه من النار الانتهاءُ.
وقيل: المعنى: أنَّه عز وجل مُنتهَى الأفكار، فلا تزالُ الأفكارُ تسيرُ في بيداء
حقائقِ الأشياء وماهِياتها والإحاطة بما فيها، حتى إذا وُجِّهَت إلى حَرَم ذات الله عز
وجل وحقائقٍ صفاته سبحانه وقَفَت وحَرَنَت وانتهى سيرُها .
(١) البحر المحيط ١٦٨/٨.
(٢) في الأصل: أعني، والمثبت من (م).
(٣) البحر المحيط ١٦٨/٨.
(٤) في الأصل: ولذا.

سُورَةُ الْنَجَيْ
١٦٠
الآية : ٤٢
وأُيِّد بما أخرجه البغويُّ عن أَبيِّ بن كعب عن النبيِّ وَّ أنَّه قال في الآية:
((لا فكرةَ في الربِّ)»(١)، وأخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) عن سفيان الثوري(٢).
ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام: ((إذا ذُكِر الربُّ فانتهوا))(٣).
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس قال: مرَّ النبيُّ وَّر على قومٍ يتفكرون في الله
فقال: ((تفكّرُوا في الخلق ولا تفكّروا في الخالق، فإنَّكم لن تقدروهَ))(٤).
(١) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٥. وفي معناه ما أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث
أبي هريرة له بلفظ: ((يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: مَن خلق كذا، من خلق كذا، حتى
يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَهِ)).
(٢) العظمة (٦).
(٣) أخرجه بنحوه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣٩٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٣٥٠)
من طريق عطاء الخراساني عن أبي هريرة مرفوعاً، ورواية عطاء عن أبي هريرة مرسلة كما في
تهذيب التهذيب ١٠٨/٣.
وأخرجه ابن عدي في الكامل ١١٩٣/٣ من حديث أنس به، وفي إسناده سنان بن سعد،
ويقال سعد بن سنان، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال محمد بن سعد والنسائي: منكر
الحديث. وقال أحمد بن حنبل: روى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها، ما أعرف منها
واحداً. تهذيب التهذيب ١/ ٦٩٣.
(٤) لم نقف عليه في سنن ابن ماجه، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥) من طريق الأعمش عن
عمرو بن مرة عن رجل حدثه عن ابن عباس مرفوعاً. وإسناده ضعيف الإبهام الراوي عن ابن
عباس.
وأخرجه موقوفاً على ابن عباس أبو الشيخ في العظمة (٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٦١٨)، وسنده جيد كما قال الحافظ في الفتح ٣٨٣/١٣.
وأخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٦٣١٩)، وأبو الشيخ في العظمة (١)، والبيهقي في
الشعب (١٢٠) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً، وفي إسناده الوازع بن نافع العقيلي،
قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أحمد وابن معين:
ليس بثقة. الميزان ٣٢٧/٤.
وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية ٦٦/٦-٦٧ من حديث عبد الله بن سلام، وفي إسناده
عبد الجليل بن عطية، وهو صدوق قال البخاري عنه: ربما يهم. ينظر ميزان الاعتدال
٥٣٥/٢. وفيه أيضاً شهر بن حوشب قال الحافظ في التقريب: صدوق كثير الإرسال
والأوهام.
وقال صاحب كشف الخفاء ٣٧٢/١ بعد أن ذكر للحديث طرقاً ورواياتٍ كثيرةً:
=