النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ١٧ - ١٨ ١٢١ سُؤَدَّةُ النَحَيْ استحضاراً لصورتها البديعة، وجوِّز أنْ يكونَ للإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدُّد. وورَدَ في بعض الأخبار تعيينُ هذا الغاشي، فعن الحسن: غَشِيَها نورُ ربِّ العزة جلَّ شأنُه فاستنارَت. ونحوُه ما روي عن أبي هريرةَ: يَغْشاها نورُ الخَلَّاق سبحانه. وعن ابن عباسٍ: غَشِيَها ربُّ العزة عز وجل، وهو من المتشابه. وقال ابنُ مسعود ومجاهد وإبراهيم: يغشاها جرادٌ من ذهب. وروي عن مجاهد: أنَّ ذلك تبدُّل أغصانها لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً . وأخرج عبدُ بن حميد عن سلمةَ قال: استأذنَت الملائكةُ الربَّ تبارك وتعالى أنْ ينظروا إلى النبيِّ وَه، فَأَذِنَ لهم، فغَشِيَت الملائكةُ السِّدرةَ لينظروا إليه عليه الصلاة (١) والسلام(١) . وفي حديث: ((رَأَيتُ على كلِّ ورقةٍ مِن وَرَقها ملكاً قائماً يُسبِّحُ الله تعالى))(٢). وقيل: يغشاها رَفْرَفٌ مِن طيرٍ خُضْرٍ، والإبهامُ على هذا كلِّه على نحو ما تقدَّم. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ أي: ما مالَ بصَرُ رسول اللهِنَّه عما رآه ﴿وَمَا كَنَى﴾ وما تجاوَزَه، بل أثبتَهُ إثباتاً صحيحاً مستيقناً، وهذا تحقيقٌ للأمر ونَفْي للرَّیب عنه، أو: ما عدَلَ عن رؤية العجائبِ التي أُمِرَ برؤيتها وما جاوَزَها إلى ما لم يُؤمَر برؤيته. أي: والله لقد رأی الآیاتِ الکبری من آیاته ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُبْرَ (® تعالى، وعجائبِهِ الملكية والملكوتية ليلة المعراج، فـ ((الكبرى)» صفةٌ موصوفٍ محذوفٍ مفعول لـ ((رأى)) أُقيمَت مقامَه بعد حذفه، وقدِّر مجموعاً ليطابِقَ الواقع. وجوِّز أنْ تكونَ ((الكبرى)) صفة المذكورِ على معنى: ولقد رَأَى بعضاً من الآيات الكبرى، ورجّح الأولُ بأنَّ المقامَ يقتضي التعظيمَ والمبالغة، فينبغي أنْ (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦. (٢) أخرجه الطبري ٤٢/٢٢ عن عبد الرحمن بن زيد يرفعه إلى النبي ◌َّ، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٦٠-١٦١: وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل. سُورَةُ الْنَجَيْ ١٢٢ الآية : ١٨ يُصرَّح بأنَّ المَرئيَّ الآياتُ الكبرى، وجوِّزت الوصفيةُ المذكورةُ مع كون ((مِن)) مزيدةً، وأنت تعلم أنَّ زيادةَ ((مِن)) في الإثبات ليس مُجمَعاً على جوازه. وجاء في بعض الأخبار تعيينُ ما رأى عليه الصلاة والسلام، أخرج البخاريُّ وابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن مسعود أنَّه قال في الآية: رأَى رَفْرفاً أخضرَ من الجنة قد سَدَّ الأفق(١). وعن ابن زيد: رَأَى جبريل عليه السلام في الصورة التي هو بها. والذي ينبغي أنْ لا يُحمَلَ ذلك على الحصر كما لا يخفى، فقد رَأَى عليه الصلاة والسلام آيَاتٍ كُبْرَى ليلة المعراج لا تُحصَى، ولا تكادُ تُستقصَی. هذا وفي الآيات أقوالٌ غيرُ ما تقدَّم، فعن الحسن: أنَّ (شديد القُوى)) هو الله تعالى، وجمع ((القُرى)) للتعظيم، ويُفسَّر ((ذو مِرَّة)) عليه بذي حكمةٍ ونحوه مما يليقُ أنْ يكونَ وصفاً له عز وجل. وجعل أبو حيان الضميرَين في قوله تعالى: (فَأَسْتَوَى ﴾ وَهُوَ بِلْأُفُقِّ الْأَعْلَ) عليه له سبحانه أيضاً، وقال: إنَّ ذلك على معنى العظمةِ والقدرة والسلطان(٢). ولعلَّ الحسنَ يجعلُ الضمائر في قوله سبحانه: (ثُمَّ دَنَا فَدَلَ * فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ * فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى) له عز وجل أيضاً، وكذا الضميرُ المنصوب في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى) فقد كان عليه الرحمة يحلفُ بالله تعالى، لقد رأى محمدٌ ﴿ رَبَّه، وفُسِّر دنوُّه تعالى من النبيِّ وَلَّهَ بَرَفْع مكانتِهِ بَّ عنده سبحانه، وتَدلِّيه جل وعلا بجَذْبِهِ بشراشره إلى جناب(٣) القدس، ويقال لهذا الجَذْبِ: الفناءُ في الله تعالى، عند المتألِّهين، وأُريدَ بنزوله سبحانه نوعٌ مِن دنوِّه المعنوي جل شأنه. ومذهب السلف في مثل ذلك إرجاعُ عِلْمه إلى الله تعالى بعد نَفْي التشبيه. (١) صحيح البخاري (٣٢٣٣) و(٤٨٥٨)، وتفسير الطبري ٤٥/٢٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦. (٢) البحر المحيط ٨/ ١٥٧. (٣) في (م): جانب. الآية : ١٨ ١٢٣ سُوَّةُ الْنَجَيْ، وجوِّز أنْ تكونَ الضمائرُ في (١) ((دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى)) على ما روي عن الحسن للنبيِّ وَِّ، والمرادُ: ثمَّ دنا النبيُّ عليه الصلاة والسلام من ربِّه سبحانه، فكان منه عز وجل قابَ قوسين أو أدنى، والضمائرُ في ((فأوحى)) إلخ الله تعالى، وقيل: ((إلى عبده)) ولم يقل: إليه، للتفخيم، وأمرُ المتشابه قد عُلم. وذهب غيرُ واحد في قوله تعالى: (عَلََّّهُ شَدِيدُ الْقُوَى) إلى قوله سبحانه: (وَهُوَ بِلْأُفُِ الْأَعَْ) إلى أنَّه في أمر الوحي وتلقِّيه من جبريل عليه السلام على ما سمعتَ فيما تقدَّم، وفي قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَدَلََّ) إلخ إلى أنَّه في أَمْر العروجِ إلى الجناب الأقدس، ودنوِّه سبحانه منه وََّ، ورؤيتِهِ عليه الصلاة والسلام إياه جل وعلا، فالضمائرُ في ((دنا)) و((تدَّى)) و((كان)) و((أوحى)) وكذا الضمير المنصوب في ((رآه)» لله عز وجل. ويشهدُ لهذا ما في حديث أنس عند البخاري من طريق شَرِيك بن عبد الله: ((ثَّ عَلَا به فوقَ ذلك بما لا يعلَمُه إلا الله، حتى جاءَ سدرة المنتهى، ودنا الجبَّارُ ربُّ العزة، فتدلَّى حتى كان منه قابَ قوسين أو أدنى، فأوحَى إليه فيما أوحَى خمسينَ صلاةً)) الحديث(٢)، فإنَّه ظاهرٌ فيما ذكر. واستدل بذلك مُثبتُو الرؤيةِ كحبر الأمةِ ابنِ عباس ﴿ّ وغيرِهِ، وادَّعَت عائشةُ رَّا خلافَ ذلك. أخرج مسلم عن مسروق قال: كنتُ متَّكئاً عند عائشةً فقالت: يا أبا عائشةً، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدةٍ منهنَّ فقد أعظمَ على الله تعالى الفريةَ. قلت: ما هنَّ؟ قالت: مَن زَعَم أنَّ محمداً رأى ربَّه، فقد أعظمَ على الله الفرية. قال: وكنتُ متَّكئاً فجلستُ فقلت: يا أمَّ المؤمنين أَنْظِرِيني ولا تَعجَلِيني، ألم يقُل الله تعالى: ﴿وَقَدْ رَعَاهُ بِالْأُفُقِّ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]؟ فقالت: أنا أولُ هذه الأمةِ سألَ عن ذلك رسولَ الله ◌ِوَ له، فقال: ((لا، إنَّما هو جبريلُ لم أَرَه على صورتِهِ التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرَّتَين، رأيتُهُ مُنْهَِطاً من السماء سادّاً عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض)) الحديث(٣). (١) قوله: في، ليس في الأصل. (٢) صحيح البخاري (٧٥١٧)، وأخرجه مسلم (١٦٢). (٣) صحيح مسلم (١٧٧)، وأخرجه البخاري مختصراً (٣٢٣٥). سُؤَّةُ النَِّ، ١٢٤ الآية : ١٨ وفي رواية ابن مردويه من طريقٍ أُخرَى عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق: فقالت: أنا أولُ مَن سألَ رسولَ اللهِ وَّهَ عن هذا فقلتُ: يا رسولَ الله، هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: ((إنما رأيتُ جبريلَ مُنْهِطاً))(١). ولا يخفى أنَّ جوابَ رسولِ الله وَّ ظاهرٌ في أنَّ الضمير المنصوبَ في ((رآه)» ليس راجعاً إليه تعالى، بل إلى جبريل عليه السلام، وشاعَ أنَّها تَنْفي أنْ يكونَ وَلّ رأى ربَّه سبحانه مطلقاً، وتستدلُّ لذلك بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] وهو ظاهرُ ما ذكره البخاريُّ في (صحيحه) في تفسير هذه السورة(٢). وقال بعضُهم: إنَّها تَنْفي رؤيةً تدل عليها الآية التي نحن فيها، وهي التي احتجَّ بها مسروق. وحاصل ما روي عنها نَفْيُ صحة الاحتجاج بالآية المذكورة على رؤيته عليه الصلاة والسلام ربَّه سبحانه، ببيان أنَّ مَرجِعَ الضمير فيها إنَّما هو جبريلُ عليه السلام، على ما يدلُّ عليه جوابُ رسولِ اللهِ وَّهِ إِيَّاها، وحَمْلُ قوله ◌َّهِ في جوابها (ا)) على أنَّه نَفْيٌ للرؤية المخصوصة، وهي التي يُظَنُّ دلالةُ الآية عليها، ویَرجِعُ إلى نَفْي الدلالة، ولا يلزمُ مِن انتفاءِ الخاصِّ انتفاءُ المطلَق. والإنصافُ أنَّ الأخبار ظاهرةٌ في أنَّها تنفي الرؤيةَ مطلقاً، وتستدلُّ عليه بالآيتين السابقتَين. وقد أجاب عنهما مثبتو الرؤيةِ بما هو مذكورٌ في محلّه. والظاهرُ أنَّ ابن عباس لم يقُل بالرؤية إلا عن سماع، وقد أخرج عنه أحمدُ أنَّه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((رأيتُ ربِّي))(٣) ذكره الشيخُ محمد الصالحي الشامي(٤) (١) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٤. (٢) برقم (٤٨٥٥). (٣) مسند أحمد (٢٥٨٠). (٤) شمس الدين محمد الشامي، نزيل التربة البرقوقية، ألَّف السيرة النبوية التي جمعها من ألفٍ الآية : ١٨ ١٢٥ سُورَةُ الْنَجَيم : تلميذُ الحافظ السيوطيِّ في ((الآيات البينات)) وصحَّحه. ٠ وجمع بعضُهم بين قولَي ابن عباس وعائشةَ بأنَّ قولَ عائشةَ محمولٌ على نَفْي رؤيته تعالى في نوره الذي هو نورُه المنعوتُ بأنَّه لا يقوم له بصر، وقولَ ابنِ عباسٍ محمولٌ على ثبوت رؤيته تعالى في نوره الذي لا يذهبُ بالأبصار، بقرينة قوله في جواب عكرمة عن قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ): ويحَكَ ذاك إذا تجلَّى بنورِهِ الذي هو نورُه(١). وبه يظهرُ الجمعُ بين حديثَي أبي ذرٍّ، أخرج مسلم من طريق يزيد بنِ إبراهيم، عن قتادةَ، عن عبد الله بن شَقِيق، عن أبي ذرِّ قال: سألتُ رسولَ اللهِ ◌ّ هل رأيتَ ربَّك؟ قال: ((نورٌ أَنَّى أَرَاه)). ومِن طريق هشام وهَمَّام كلاهما عن قتادة عن عبد الله قال: قلتُ لأبي ذرٍّ: لو رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ لسألتُه. فقال: عن أيِّ شيءٍ كنتَ تسألُه؟ قال: كنتُ أسألُه هل رأيتَ ربك؟ فقال أبو ذرّ: قد سألتُه فقال: ((رأيتُ نوراً))(٢). فيحمل النورُ في الحديث الأول على النور القاهرِ للأبصار، بجَعْل التنوينِ للنوعية أو للتعظيم، والنورُ في الثاني على ما لا يقومُ له البصرُ، والتنوين للنوعية، وإنْ صحَّت روايةُ الأول كما حكاه أبو عبد الله المازري بلفظ: ((نُورَانِيٌّ)) بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء(٣) لم يكن اختلافٌ بينَ الحديثَين، ويكون ((نورانيٌّ)) بمعنى المنسوب إلى النور على خلاف القياس؛ ويكونُ المنسوبُ إليه هو نورُه الذي هو نورُه، والمنسوبُ هو النورُ المحمول على الحجاب حَمْلَ مواطأةٍ في حديث السبحات في قوله عليه الصلاة والسلام: ((حِجَابُه النُّورُ)) (٤)، وهو النورُ المانعُ من الإحراق الذي يقومُ له البصر. • كتاب، وله: مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك والنكت عليها، اقتضبه من نكت شيخه = السيوطي عليها وعلى الشذور، والآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسماوات. (ت ٩٤٢ هـ). شذرات الذهب ٣٥٣/١٠. (١) أخرجه الترمذي (٣٢٧٩) وقال: هذا حديث حسن غريب. (٢) صحيح مسلم (١٧٨): (٢٩١)، و(١٧٨): (٢٩٢). (٣) المعلم بفوائد مسلم المازري ٢٢٣/١-٢٢٤. وينظر إكمال المعلم للقاضي عياض ٥٣٣/١. (٤) أخرجه أحمد (١٩٦٣٢)، ومسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري سُؤَدَّةُ الْنَجَيْ ١٢٦ الآية : ١٨ ثم إنَّ القائلين بالرؤية اختلفُوا، فمنهم مَن قال: إنَّه عليه الصلاة والسلام رأى ربَّه سبحانه بعَيْنِهِ، ورَوَى ذلك ابنُ مردويه عن ابن عباس(١)، وهو مرويٌّ أيضاً عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد ابن حنبل(٢). ومنهم مَن قال: رآه عز وجل بقلبه، ورُوي ذلك عن أبي ذرِّ، أخرج النسائي عنه أنَّه قال: رأى رسول الله وَّهِ رَبَّه بقلبه ولم يَرَهُ ببصره(٣). وكذا رُوي عن محمد بن كعب القرظي، بل أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه [عن بعض أصحاب النبي ◌َلَو] أنَّه قال: قالوا: يا رسول الله، رأيتَ ربك؟ قال: ((رأيتُه بفؤادي مرَّتين ولم أَرَهُ بعيني)) ثم قرأ: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ) (٤). وفي حديثٍ عن ابن عباس يرفعُه: ((فجَعَلَ نورَ بَصَري في فؤادي فنظرتُ إليه بفؤادي))(٥) (١) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢٤/٦ وينظر التعليق الذي بعده. (٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥٠٩/٦- ٥١٠: الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد ... ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله وَّ ه: هل رأيت ربك؟ فقال: ((نور أنَّى أراه)»، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ، مِنْ ءَايَئِنَآ﴾ ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: ﴿أَفَتُوْنَهُ, عَلَى مَا يَرَىُ ﴿4﴾، ﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَى ﴾﴾ ولو كان رآه بعينه لكان ذکر ذلك أولى. وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد رَّ ة خاصة، واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً كما يرون الشمس والقمر. اهـ. (٣) السنن الكبرى (١١٤٧٢). (٤) عزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٢٥/٦، وأخرجه الطبري ١٩/٢٢ وما بين حاصرتين منهما . (٥) أخرجه الطبري ٢٣/٢٢، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: إسناده ضعيف. الآية : ١٨ ١٢٧ سُورَةُ النَجَيْ وكأنَّ التقدير في الآية على هذا: ما كذَبَ الفؤادُ فيما رأى. ومنهم مَن ذهَبَ إلى أنَّ إحدَى الرؤيَتَين كانت بالعين، والأُخرى بالفؤاد، وهي روايةٌ عن ابن عباس، أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنَّه قال: إنَّ محمداً وَّهِ رَأَى ربَّه عز وجل مرَّتَين مرَّةً ببصره ومرةً بفؤاده(١) . ونقل القاضي عياض عن بعض مشايخه أنَّه توقَّفَ، أي: في الرؤية بالعين، وقال: إنَّه ليس عليه دليلٌ واضحٌ(٢). قال في ((الكشف)): لأنَّ الروايات مصرِّحةٌ بالرؤية أما أنَّها بالعين فلا، وعن الإمام أحمد أنَّه كان يقول إذا سُئل عن الرؤية: رآه رآه. حتى ينقطعَ نفسُه، ولا يزيدُ على ذلك، وكأنّه لم يثبت عنده ما ذكرناه. واختلف فيما يقتضيه ظاهرُ النَّظم الجليل، فجَزَم صاحبُ ((الكشف)) بأنَّه ما عليه الأكثرون مِن أنَّ الدنوَّ والتدلِّي مقسّم ما بين النبيِّ وجبريل صلاة الله تعالى وسلامه عليهما، أي: وأنَّ المرئيَّ هو جبريلُ عليه السلام، وإذا صحَّ خبرُ جوابه عليه الصلاة والسلام لعائشةَ ﴿ّا لم يكن لأحدٍ محيصٌ عن القول به. وقال العلامةُ الطيبي: الذي يقتضيه النظمُ إجراءُ الكلام إلى قوله تعالى: (وَهُوَ يِلْأُمُّ الْأَعَْ) على أمر الوحي وتلقِّيه من المَلَك ورفع شُبَه الخصوم، ومن قوله سبحانه: (ثُمَّ دَنَا فَدَلََّ) إلى قوله سبحانه: (مِنْ ءَايَتِ رَيِّدِ الْكُرَّ) على أمر العروجِ إلى الجناب الأقدَسِ، ثم قال: ولا يخفى على كلِّ ذي لُبِّ إباءُ مقام ((فأوحى)) الحملَ على أنَّ جبريلَ أَوحَى إلى عبد الله ((ما أوحى))، إذ لا يذوقُ منه أربابُ القلوب إلا معنى المناغاة بين المتَسارَّين، وما يضيقُ عنه بساطُ الوهم ولا يُطيقُه نطاقُ الفهم. وكلمةُ ((ثم)) على هذا للتراخي الرُّتْبي، والفرقُ بين الوحْيَيْن أنَّ أحدَهما وَحْيٌّ بواسطة وتعليم، والآخَرُ بغير واسطةٍ بجهة التكريم، (١) المعجم الكبير (١٢٥٦٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢/٦، وفي إسناده مجالد بن سعيد، قال عنه ابن حجر في التقريب: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. (٢) إكمال المعلم للقاضي عياض ٥٢٧/١، وشرح مسلم للنووي ٤/٣. سُورَةُ النَجَيْ ١٢٨ الآية : ١٨ [الصافات: ١٦٤ ] فيحصل عنه(١) عنده الترقِّي من مقام ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ إلى مَخْدَع (قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ). وعن جعفر الصادق عليه الرضا أنَّه قال: لمَّا قَرُبَ الحبيبُ غايةَ القرب نالَته غايةُ الهيبة، فلاطفَه الحقُّ سبحانه بغاية اللطف؛ لأنَّه لا تُتَحمَّل غايةُ الهيبةِ إلا بغاية اللطف، وذلك قوله تعالى: (فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى) أي: كان ما كان وجَرَى ما جَرَى، قال الحبيبُ للحبيب ما يقول الحبيبُ لحبيبه، وألطفَ به إلطافَ الحبيب بحبيبه، وأسرَّ إليه ما يُسِرُّ الحبيب إلى حبيبه، فأخْفَيَا ولم يُطْلِعا على سرِّهما أحداً، وإلى نحو هذا يشير ابنُ الفارض بقوله: ولقد خلوتُ مع الحبيب وبيننا سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرى(٢) ومعظمُ الصوفية على هذا، فيقولون بدنوِّ الله عز وجل من النبيِّ وَِّ، ودنُّه منه سبحانه على الوجه اللائق، وكذا يقولون بالرؤية كذلك. وقال بعضُهم في قوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَرُ وَمَا ◌َنَى): ما زاغَ بصرُ النبيِّ وَِّ، وما التفَتَ إلى الجنة ومُزَخْرفاتها، ولا إلى الجحيم وزَفَراتها، بل كان شاخصاً إلى الحقِّ، وما طفَى عن الصراط المستقيم. وقال أبو حفص السهروردي: ((ما زاغ البصرُ)) حيث لم يتخلّف عن البصيرة ولم يتقاصر، ((وما طفَى)) لم يسبق البصرُ البصيرةَ(٣) ويتعدَّى مقامه. وقال سهل بنُ عبد الله التستري: لم يرجع رسولُ الله عليه الصلاة والسلام إلى شاهد نفسه وإلى مشاهدتها، وإنَّما كان مشاهداً لربِّه تعالى، يُشاهد ما يظهرُ عليه من الصفات التي أَوجبَت الثبوت في ذلك المحلِّ. وأرجَعَ بعضُهم الضميرَ في قوله تعالى: (وَهُوَ بِلْأُمُّ الْأَعْلَ) إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهو مُنتهى وصولِ اللطائف، وفسَّر ((سِدرةَ المنتهى)) بما يكون منتهى سيرٍ (١) قوله: عنه، ليس في الأصل. (٢) ديوان ابن الفارض ص ١٦٩، وسلف عند تفسير الآية (١٤٣) من سورة الأعراف. : (٣) في الأصل: تسبق البصيرة البصر، والمثبت من (م). الآية : ١٩ - ٢٠ ١٢٩ سُؤَّةُ الْنَجَيْ السالكين إليه، ولا يمكن لهم مجاوزتُه إلا بجذبةٍ من جذبات الحقِّ. وقالوا في «قابَ قوسين» ما قالوا. وأنا أقول برؤيته وَّهُ ربَّه سبحانه، وبدنوّه منه سبحانه على الوجه اللائق، ذهبْتَ فيما اقتضاه ظاهرُ النظم الجليلِ إلى ما قاله صاحبُ ((الكشف))، أم ذهبتَ فيه إلى ما قاله الطيبي، فتأمَّل والله تعالى الموفق. هي أصنامٌ كانت لهم، وَمَنَوَّةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴿أَفَهٌَّ الَّتَ وَالْعُزَّى فاللات كما قال قتادة: لثقيف بالطائف، وأنشدوا : وَفرَّتْ ثَقيفٌ إلى لاتِها بمُنْقَلَبِ الخائبِ الخاسرِ (١) وقال أبو عبيدة وغيرُه: كان بالكعبة(٢). وقال ابنُ زيد: كان بنخلة عند سوقٍ عُكاظ یعبدُه قریش. ورجَّح ابنُ عطية قولَ قتادة(٣)، وقال أبو حيان(٤): يمكنُ الجمعُ بأنْ يكونَ المسمَّى بذلك أصناماً فأُخبِرَ عن كلِّ صنمٍ بمكانه. والتاء فيه قيل: أصليةٌ، وهي لام الكلمة كالباء في باب، وألفه مُنقلبةٌ فيما يظهرُ من ياء؛ لأنَّ مادة ((ل ي ت)) موجودةٌ، فإنْ وُجِدَت مادةُ ((ل وت)) جازَ أنْ تكونَ مُنقلبةً من واو. وقيل: تاءُ العِوض، والأصل ◌َويَة بزِنَةٍ فَعَلَة من لَوَى؛ لأنَّهم كانوا يَلْؤُون عليه ويعتكفُون للعبادة، أو يلتوون عليه، أي: يطوفُون، فخفّف بحذف الياء وأُبدِلَت واوُهُ ألفاً، وعوِّضَ عن الياء تاءً، فصارَت كتاء أخت وبنت، ولذا وُقِفَ عليها بالتاء. (١) البيت لضرار بن الخطاب الفهري كما في سيرة ابن هشام ٤٧/١، وهو دون نسبة في المحرر الوجيز ٥/ ٢٠٠، والبحر المحيط ١٦٠/٨. (٢) مجاز القرآن ٢٣٦/٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٠/٥. (٤) في البحر المحيط ١٦٠/٨. سُورَةُ النَخَيْ، ١٣٠ الآية : ١٩ - ٢٠ وقرأ ابن عباس ومجاهد ومنصور بنُ المعتمر وأبو صالح وطلحة وأبو الجوزاء ويعقوب وابن كثير في رواية بتشديد التاء(١) على أنَّه اسمُ فاعلٍ من لكَّ يلُثُّ إذا عَجَن؛ قيل: كان رجلٌ يلُتُّ السَّويق للحاجٌّ على حَجَر، فلمَّا ماتَ عبدوا ذلك الحجَرَ إجلالاً له وسمَّوه بذلك. وعن مجاهد أنَّه كان على صخرة في الطائف يصنعُ حَيساً، ويُطعم مَن يمرُّ من الناس، فلمَّا مات عبدوه. وأخرجَ ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: أنَّه كان يلُتُّ السَّويق على الحجر، فلا يشربُ منه أحدٌ إلا سَمِنَ فعبدوه(٢). وأخرج الفاكهي عنه: أنَّه لمّا مات قال لهم عمرو بن لحي: إنَّه لم يَمُت ولكنَّه دَخَل الصخرة. فعبدوها وبنَوا عليها بيتاً(٣). وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج أنَّه قال: كان رجلٌ من ثقيف يلُتُّ السويق بالزيت، فلمَّا تُوفي جعلوا قبرَه وثئاً. وزعم الناس أنَّه عامرُ بن الّرِب أحدُ عَذْوان(٤). وقيل غير ذلك. ((والعزَّى)) لغطفان، وهي على المشهور سَمُرَةٌ بنخلةَ كما قال قتادة، وأصلُها تأنيثُ الأعزِّ، وأخرج النسائيُّ وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: لمَّا فتَحَ رسولُ اللهِ وَلّ مكة بعَثَ خالد بنَ الوليد إلى نخلةَ وكانت بها العزَّى، فأتاها خالد، وكانت ثلاثَ سَمُرات، فقطَعَ السَّمُرات وهدَمَ البيت الذي كان عليها، ثم أَتَى النبيَّ ◌َِّ فأخبره، فقال: ارجع فإنَّك لم تصنع شيئاً، فرجَعَ خالد فلمَّا أبصَرَته السَّدنة مضَوا وهم يقولون: يا عُزَّى يا عُزَّى، فأتاها فإذا امرأةٌ عُريانةٌ ناشرةٌ شعرها (١) قراءة يعقوب في النشر ٣٧٩/٢، وهي رواية رويس عنه والكلام من البحر ١٦٠/٨، والمشهور عن ابن كثير تخفيف التاء كقراءة الباقين. (٢) عزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦، وأصله عند البخاري (٤٨٥٩) بلفظ: ﴿اللَّتَ﴾ رجلاً يلُتُّ سويق الحاج. (٣) عزاه للفاكهي السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦. (٤) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦. الآية : ١٩ - ٢٠ ١٣١ سُورَةُ الْنَجَيِ تحثو الترابَ على رأسها، فجعَلَ يضربها بالسيف حتى قتَلَها، ثم رَجَع إلى رسول الله وَ﴿ فأخبره فقال عليه الصلاة والسلام: ((تلك العُزَّى))(١). وفي روايةٍ أنَّهِ بَّهِ بعَثَ إليها خالداً، فقطعها فخرجَت منها شيطانةٌ ناشرةٌ شعرَها، داعيةٌ ويلَها، واضعةٌ يدَها على رأسها، فضرَبَها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عُزُّ كُفْرَانَك لا سبحانَك إِنِّي رأيتُ الله قد أهانَكِ ورجَعَ فأخبرَ رسولَ الله وَّر، فقال عليه الصلاة والسلام: ((تلك العزَّى ولن تعبدَ أبداً))(٢) . وقال ابنُ زيد: كانت العزَّى بالطائف. وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة(٣). وأَيَّده في ((البحر)) بقول أبي سفيان في بعض الحروب للمسلمين: لنا العزَّى ولا عُزَّى لكم(٤). وذَكَر فيه أنَّه صنمٌ، وجَمَعَ بمثل ما تقدَّم. ((ومناةً)) قيل: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وعن ابن عباس: لثقيف، وعن قتادة: للأنصار بقديد، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة أيضاً (٥). واستظهر أبو حيان أنَّها ثلاثتُها كانت فيها؛ قال: لأنَّ المخاطَب في قوله تعالى: (أَفَيٌْ) قريشٌ(٦). وفيه بحث. و((مناة)) مقصورةٌ قيل: وزنُها فَعْلَة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ دماءَ النَّسائِكِ كانت تُمنَى عندها، أي: تُراقُ. (١) السنن الكبرى (١١٤٨٣)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٢٦/٦، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٩٠٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٦٣). (٢) أخرجها الواقدي في المغازي ٨٧٣/٣-٨٧٤، ومن طريقه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ١٢٧-١٢٨. (٣) مجاز القرآن ٢٣٦/٢. (٤) البحر ٨/ ١٦١، وقول المصنف الآتي: وجمع بمثل ما تقدم، أي: جمع أبو حيان بين هذه الأقوال بمثل ما جمع بين الأقوال في اللات كما سلف قريباً . (٥) مجاز القرآن ٢٣٦/٢. (٦) البحر المحيط ٨/ ١٦١. سُورَةُ الْنَجَيْ ١٣٢ الآية : ١٩ - ٢٠ وقرأ ابن كثير على ما في ((البحر)): ((منَاءَةً)) بالمدِّ والهمز (١)، كما في قوله: أَلَا هل أتى تَيْمَ بنَ عبدِ مَنّاءةٍ على النأي فيما بيننا ابنُ تَميم (٢) ووزنُها مَفْعَلَة، فالألف منقلبة عن واو كما في مقالة، والهمزةُ أصلٌ، وهي مشتَّقةٌ من النَّوء، كأنَّهم كانوا يستمطرون عندها الأنواءَ تبرُّكاً بها . والظاهرُ أنَّ (الثالثةَ الأُخرَى)) صفتان لـ ((مناة))، وهما على ما قيل: للتأكيد، فإنَّ كونَها ثالثً وأُخرَى مغايرةً لِمَا تقدَّمها معلومٌ غيرُ محتاجٍ للبيان. وقال بعضُ الأجلَّة: ((الثالثة)) للتأكيد، و((الأخرى)) للذمِّ بأنَّها متأخِّرة في الرتبة وضيعةُ المقدار. وتعقبه أبو حيان: بأنَّ ((آخر)) ومؤنَّثَهُ ((أُخرى)) لم يُوضعا لذٌّ ولا لمدحِ، وإنما يدلَّان على معنَى ((غير))(٣). والحقُّ أنَّ ذلك باعتبار المفهوم الأصلي، وهي تدلُّ على ذمِّ السابقَتين أيضاً؛ قال في ((الكشف)»: هي اسمُ ذِّ يدلُّ على وَضاعة السابقتين بوجهٍ أيضاً؛ لأنَّ ((أُخرَى)) تأنيثَ ((آخر)) تستدعي المشاركةَ مع السابق، فإذا أتَى بها لقصد التأُّر في الرتبة عملاً بمفهومها الأصلي - إذ لا يمكن العملُ بالمفهوم العُرفي؛ لأنَّ السابقتَين ليسَتَا ثالثة أيضاً - استَدْعَت المشاركة قضاءً لحقِّ التفضيل، وكأنَّه قيل: ((الأُخرَى)) في التأخّر. انتهى. وهو حَسَنٌ، وذكر في نكتة ذمِّ مناةً بهذا الذمِّ أنَّ الكفرةَ كانوا يزعُمُون أنَّها أعظمُ الثلاثة، فَأَكْذَبهم الله تعالى بذلك. وقال الإمام: ((الأُخرَى)) صفةُ ذمّ كأنَّه قال سبحانه: (وَمَنَوَةَ الثَّالِئَةَ) الذليلة، وذلك لأنَّ اللاتَ كان على صورةٍ آدميٍّ، والعزَّى صورةُ نباتٍ، ومناة صورةٌ صخرة، فالآدميُّ أشرفُ مِن النبات، والنبات أشرفُ من الجماد، فالجماد متأخِرٌ، ومناة جمادٌ فهي في أُخرَيات المراتب(٤). وأنت تعلم أنَّه لا يتأتَّى على كلِّ الأقوال. (١) البحر ١٦١/٨، وهي في التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٩/٢. (٢) البيت لهَوْبَر الحارثي كما في تفسير القرطبي ٣٧/٢٠، واللسان (منى). (٣) البحر المحيط ٨/ ١٦٢. (٤) مفاتيح الغيب ٢٩٦/٢٨. الآية : ٢١ ١٣٣ سُورَةُ النَجَيْ وقيل: ((الأُخرَى)) صفةٌ للعزّى؛ لأنَّها ثانيةُ اللات، والثانيةُ يقال لها: ((الأُخرَى))، وأُخِّرَت لموافقة رؤوس الآي. وقال الحسين بن الفضل(١): في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: والعزَّى الأُخرى ومناة الثالثة. ولَعَمري إنَّه ليس بشيءٍ. والكلامُ خطابٌ لعَبَدَةِ هذه المذكورات، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون: إنَّ الملائكة عليهم السلام وتلك المعبوداتِ الباطلة بناتُ الله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، فقيل لهم توبيخاً وتبكيتاً: ((أَفَرَأَيْتُم)) إلخ والهمزةُ للإنكار، والفاءُ لتوجيهه إلى ترتيب الرؤيةِ على ما ذكر مِن شؤون الله تعالى المنافيةِ لها غايةَ المنافاة، وهي عِلْميةٌ عند كثير، ومفعولُها الثاني على ما اختاره بعضُهم محذوفٌ لدلالة الحال عليه، فالمعنى: أعقيب ما سمعتُم من آثار كمال عظمةِ الله عز وجل في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته، وإحكام قدرته ونفاذٍ أمره، رأيتُم هذه الأصنامَ - مع غاية حقارتها - بناتِ الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ﴾﴾ توبيخٌ مبنيٌّ على ذلك التوبيخ، ومدارُه تفضيلُ جانب أنفسهم على جنابه عز وجل، حيث جعلوا له تعالى الإناثَ واختاروا لأنفسهم الذكورَ، ومناطُ الأوَّل نفسُ تلك النسبة. وقيل: المعنى: أرأيتُم هذه الأصنامَ مع حقارتها وذِلَّتها شركاءَ لله سبحانه، مع ما تقدَّم من عظمته؟ وقيل: المعنى: أخبروني عن آلهتكم، هل لها شيءٌ من القدرة والعظمة التي وُصِف بها ربُّ العزَّةِ في الآي السابقة؟ وقيل: المعنى: أظنتُم أنَّ هذه الأصنامَ التي تعبدونها تنفعُكم؟ وقيل: المعنى: أفرأيتُم هذه الأصنامَ إنْ عبدتُموها لا تنفعُكم، وإنْ تركتُموها لا تضرُّکم. (١) في الأصل و(م): الحسن بن المفضل، والمثبت من زاد المسير ٧٣/٨، وتفسير القرطبي ٣٧/٢، وهو الصواب، ووقع في مطبوع البحر ١٦٢/٨ (والكلام منه): الحسن بن الفضل. سُورَةُ النَجَِ ١٣٤ الآية : ٢٢ ولا يخفَى أنَّ قولَه تعالى: (أَلَكُمُ) إلخ لا يلتئمُ مع ما قبله على جميع هذه الأقوال التئامَه على القول السابق. وقيل: إنَّ قوله سبحانه: (أَلَكُمُ) إلخ في موضع المفعول الثاني للرؤية، وخُلوُّها عن العائد إلى المفعول الأول لِمَا أنَّ الأصلَ: أَخبروني أنَّ اللات والعزَّى ومناةً ألكم الذكر وله هنَّ، أي: تلك الأصنام، فوضعَ موضعَها الأُنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق مناط التوبيخ. وهو على تكلُّفه يقتضي اقتصارَ التوبيخِ على ترجيح جانبهم الحقير الذليل على جناب الله تعالى العزيز الجليل من غير تعرُّضٍ للتوبيخ على نسبة الولد إليه سبحانه . وفي ((الكشف)): وجه النظم الجليل أنَّه بعدما صوَّر أمرَ الوحي تصويراً تامًّاً، وحقَّقه بأنَّ ما يستمعُه وحيٍّ لا شبهةَ فيه؛ لأنَّه رأى الآتي به وعرَفَه حقَّ المعرفة، قال سبحانه: (أَفَتُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) على معنى: أتلاحونَه بعد هذه البيانات على ما يَرَى من الآيات المحقَّقة؛ لأنَّه على بيِّنَةٍ من ربِّه سبحانه هادياً مهديّاً، وأنَّى يبقَى للمِراء مجال، وقد رآه نزلةً أخرى، وعرَفَه حقَّ المعرفة، ثم قيل: ((لقد رأى مِن آيات)) إلخ تنبيهاً على أنَّ ما عُدَّ منها فهو أيضاً نَفْيٌ للضلالة والغواية، وتحقيقٌ للدراية والهداية. وقوله تعالى: ((أفرأيتُم)) عطف على ((تمارونه)) وإدخالُ الهمزة لزيادة الإنكار، والفاء لأنَّ القول بأمثاله مسبّبٌ عن الطبع والعناد وعدمِ الإصغاء الداعي الحقِّ، والمعنى: أَبَعْدَ هذا البيان تستمرُّون على ما أنتم عليه من المِرَاء، فَتَرَون اللاتَ والعزَّى ومناةَ أولاداً له تعالى ثمَّ أخسَّها، وسدَّ مسدّ المفعول الثاني قوله تعالى: (أَلَكُ) إلخ زيادةً للإنكار، فعلى هذا ليس ((أفرأيتُم)) في معنى الاستخبار، وجاز أنْ يكونَ في معناه على معنى: أفتُمارونَه فأخبروني هل لكم الذكرُ وله الأنثى؟ والقولُ مقدَّرٌ، أي: فقل لهم: أخبروني، والمعنى هو كذا تهكُّماً وتنبيهاً على أنَّه نتيجةُ مِرائهم، وأنَّ مَن كان هذا معتقدَه فهو على الضلال الذي لا ضلالَ بعدَه، ولا يبعدُ عن أمثاله نسبةُ الهادين المهديِّين إلى ما هو فيه من النقص. انتهى. وما ذكره أوَّلاً أَوْلَى، وهو ليس بالبعيد عما ذكرنا . ﴿ِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى القِسْمة المنفهمة من الجملة الاستفهامية ﴿إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَكٌ﴾ الآية : ٢٢ ١٣٥ سُورَةُ الْجَيْ أي: جائرةٌ حيث جعلتُم له سبحانه ما تستنكِفُون منه، وبذلك فَسَّر ((ضیزَى)) ابنُ عباس وقتادة، وفي معناه قولُ سفيان: منقوصةٌ، وابن زيد: مخالفةٌ، ومجاهد ومقاتل: عوجاءُ، والحسنُ: غيرُ معتدلة. والظاهرُ أنَّه صفةٌ، واختُلِفَ في يائه فقيل: منقلبةٌ عن واو، وقيل: أصليةٌ، ووَزْنُهُ فُعْلَى بضم الفاء كحُبْلى وأنثى، ثم كُسِرَت لتسلم الياء كما فُعل ذلك في بِيْض جمع أبيض، فإنَّ وزْنَه فُعْل بضم الفاء كحُمْر، ثم كُسِرَت الفاء لِمَا ذكر، ومثلُه شائع، ولم يُجعَل وزنُه فِعْلَى بالكسر ابتداءً لِمَا ذهب إليه سيبويه مِن أنَّ فِعْلَى بالكسر لم يجئ عن العرب في الصفات(١). وجعلَه بعضُهم كذلك متمسّكاً بورود ذلك؛ فقد حَكَى ثعلب: مشيةٌ حِيْكَى (٢)، ورجل كِيْصَى(٣)، وغيره: امرأةٌ عِزْهَى (٤) وامرأة سِعْلَى(٥)، ورُدَّ بأنَّه من النوادر، والحملُ على الكثير المّرد في بابه أَوْلَى، وأيضاً يمكن أن يقال في حِيْكى وكِيْصَى ما قيل في ضِيْزَى؛ ويمنع ورود عِزْهى وسِعْلى، فإنَّ المعروف عِزْهاةٌ وسِعْلاةٌ. وجوز أنْ يكونَ ((ضيزى)) فِعْلَى بالكسر ابتداءً على أنَّه مصدرٌ كذِكْرى، وَوُصِفَ به مبالغةً، ومجيءُ هذا الوصفِ في المصادر كما ذكر، والأسماء الجامدة كدِفْلَی وشِعْرَى(٦)، والجموع كحِجْلَی کثیرٌ. وقرأ ابنُ كثير: ((ضِئْزَى)) بالهمز(٧) على أنَّه مصدرٌ وُصِفَ به، وجوِّز أنْ يكونَ (١) يُنظر الكتاب ٣٦٤/٤ و٣٨٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١١٣/٨. (٢) مشية حِيْكَى: إذا كان فيها متبختراً. ينظر اللسان (حيك). (٣) رجل كِيْصَى: يأكل وحده وينزل وحده ولا يهمه غير نفسه. ينظر اللسان والقاموس (کیص). (٤) امرأة عِزْهى: والعِزْهاة كسِعْلاة: المرأة أسنَّت ونفسُها تُنازعها إلى الصِّبا. القاموس (عزه). (٥) امرأة سِعْلَى: استسعَلَت المرأة: صارت كالسِّعلاة خبثاً وسلاطةً، يقال ذلك للمرأة الصحابة البذية، السِّعلا يمد ويقصر. اللسان (سعل). (٦) الدِّفْلَى: نبتٌ مرٍّ، زهره كالورد الأحمر، وحمله كالخرنوب. وشِعْرَى: جبل عند حرة بني سليم. القاموس (دفل) و(شعر). (٧) التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٩٥/١. سُورَةُ الْنَجَيْ ١٣٦ الآية : ٢٣ وصفاً، وهو مضمومٌ عُومل معاملةَ المعتلِّ؛ لأنَّه يَؤُول إليه. وقرأ ابنُ زيد: ((ضَیْزَی)) بفتح الضاد وبالياء(١)، على أنّه كدغوی أو كسگرى، ويقال: ضُؤزى بالواو والهمز وضم الفاء، وقد حكى الكِسائي: ضَأَزَ يَضْأَزُ ضازاً بالهمز، وأنشد الأخفش : فإنْ تَنْأَ عنها تقتنِصْكَ وإنْ تَغِبْ فسهمُك مَضْؤوزٌ وأنفُكَ راغمُ(٢) والأكثرُ ((ضازَ)» بلا همزٍ كما في قول امرئ القيس: ضازَت بنو أَسٍ بحُكمِهِمُ إذ يجعلونَ الرأسَ كالذَّنبِ وأنشده ابنُ عباس على تفسيره السابق(٣). ﴿إِنْ هِىَ﴾ الضميرُ للأصنام، أي: ما الأصنامُ باعتبار الألوهية (٤) التي تدَّعونها ﴿إِلَّ أَسْمَةٌ﴾ محضةٌ ليس فيها شيءٌ ما أصلاً من معنى الأُلوهية. وقوله تعالى: ﴿سَيْتُمُوهَا﴾ صفةٌ للأسماء، وضميرُها لها لا للأصنام، والمعنى: جعلتموها أسماءً، فإنَّ التسمية نسبةٌ بين الاسم والمسمَّى، فإذا قِيْسَت إلى الاسم فمعناها: جَعله اسماً للمسمَّى، وإنْ قيسَت إلى المسمَّى فمعناها: جعله مسمَّى للاسم، وإنما اختير هاهنا المعنى الأولُ من غير تعرُّضٍ للمسمَّى، لتحقيق أنَّ تلكَ الأصنامَ التي يسمُّونها آلهةً أسماءٌ مجرَّدَةٌ ليس لها مسمَّياتٌ قطعاً، كما في قوله سبحانه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءُ﴾ الآية [يوسف: ٤٠] لا أنَّ هناك مسمياتٍ لكنَّها لا تستحقُّ التسمية. (١) نسبها أبو حيان في البحر المحيط ١٦٢/٨ لزيد بن علي. (٢) الصحاح (ضيز)، وتهذيب اللغة ٥٢/١٢، وتفسير الطبري ٥٢/٢٢، واللسان (ضيز)، والبحر المحيط ٨/ ١٦٢ . (٣) يعني: جائرة، وخبر ابن عباس أخرجه الطستي في مسائله كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٧، ومن طريقه السيوطي في الإتقان ١/ ٤١٠، وهو من جواب ابن عباس عن سؤالات نافع بن الأزرق، ولم نقف على البيت في ديوان امرئ القيس، وهو دون نسبة في تفسير القرطبي ٣٨/٢٠، والبحر المحيط ١٥٤/٨. (٤) في هامش الأصل: أي: إطلاق اسم الإلهية عليها. اهـ. الآية : ٢٣ ١٣٧ سُؤَدَةُ الْنَجَيْ وقيل: هي للأسماء الثلاثة المذكورة، حيث كانوا يُطلقونها على تلك الأصنامِ، لاعتقادهم أنَّها تستحقُّ العكوفَ على عبادتها والإعزازَ والتقرُّبَ إليها بالقرابين، وتُعقّب بأنَّه لو سلِّم دلالةُ الأسماء المذكورة على ثبوت تلك المعاني الخاصة للأصنام، فليس في سلبها عنها مزيدُ فائدة، بل إنما هي في سَلْب الأُلوهية عنها، كما هو زعمُهم المشهورُ في حقِّ جميع الأصنام على وجهٍ برهانيٍّ، فإنَّ انتفاءَ الوصف بطريق الأَولَوية، أي: ما هي شيءٌ من الأشياء إلا أسماءٌ خالية عن المسمَّيات وضعتموها ﴿أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ﴾ بمقتضى الأَهواء الباطلة. وَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ﴾ برهانٍ يتعلَّقون به. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ أي: ما يتَّبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بها ﴿إِلَّا الَّنَّ﴾ إلا توهُّمَ أنَّ ما هم عليه حقٌّ تَوَهُّماً باطلاً، فالظنُّ هنا مرادٌ به التوقُمُ وشاع استعمالُه فيه، ويُفهم من كلام الراغب أنَّ التوهّم من أفراد الظنِّ(١). ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي: والذي تشتهيه أنفسُهم الأمَّارةُ بالسوء، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ وعائدُها مقدَّر، و((أل)) في ((الأنفس)) للعهد، أو عِوَضٌ عن المضاف إليه، وجوِّز كونُ ((ما)) مصدرية، وكذا جوِّز كونُ ((أل)) للجنس، والنفسُ من حيث هي إنما تهوَى غيرَ الأفضلِ؛ لأنَّها مجبولةٌ على حبِّ الملاذِ، وإنما يسوقُها إلى حسن العاقبة العقلُ. والالتفات في ((يتبعون)) إلى الغيبة للإيذان بأنَّ تعدادَ قبائحهم اقتضَى الإعراضَ عنهم، وحكايةَ جناياتهم لغيرهم. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر: (تتبعون)) بتاء الخطاب(٢) . ﴿وَلَقَدْ جَّمَهُمْ مِّن رَّتِهِمُ الْمُدَىّ﴾ حالٌ من ضمير ((يَتَّبِعُونَ)) مقرِّرةٌ لبطلان ما هم عليه من اتباع الظنِّ والهوى، والمرادُ بـ ((الهدى)) الرسول ◌َّه، أو القرآن العظيم، على (١) مفردات الراغب (ظن). (٢) المحرر الوجيز ٢٠١/٥، وتفسير القرطبي ٣٩/٢٠، والبحر المحيط ١٦٢/٨-١٦٣. سُوَّةُ الْنَجَيْ ١٣٨ الآية : ٢٤ - ٢٦ أنَّه بمعنى الهادي، أو جعَلَه هدّى مبالغةً، أي: ما يتبعون إلا ذلك والحال لقد جاءهم من ربِّهم جلَّ شأنه ما ينبغي لهم معه تركُه واتِّباعُ سبيل الحقِّ، وحاصله: يتبعون ذلك في حال يُنافيه. وجوِّز أنْ تكونَ الجملة معترضةً، وهي أيضاً مؤكّدة لبطلان ذلك. (((أم)) منقطعة مقدَّرة بـ ((بل)) - وهي للانتقال من بيان أنَّ ٢٤ ﴿وَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَعَفَّ ما هم عليه غيرُ مستندٍ إلا إلى توقُّمهم وهوَى أنفسِهم إلى بيان أنَّ ذلك مما لا يُجدي نفعاً أصلاً - والهمزة وهي للإنكار والنفي، أي: بل ليس للإنسان كلُّ ما يتمناه وتشتهيه نفسُه، ومفادُه قيل: رفعُ الإيجاب الكلِّي، ومرجعُه إلى سالبةٍ جزئية، وإليه يُشير قول بعضهم: المرادُ نَفْي أنْ يكونَ للكفرة ما كانوا يطمعون فيه من شفاعة الآلهة والَّفَر بالحسنى عند الله تعالى يوم القيامة، وما كانوا يشتهونه من نزول القرآنِ على رجل من إحدى القريتين عظيم ونحو ذلك. ويُفهَم من كلام بعضِ المحققين أنَّ المرادَ السلبُ الكلِّي، والمعنى: لا شيءَ مما يتمناه الإنسانُ مملوكاً له مختصّاً به، يتصرَّف فيه حسب إرادته، ويتضمَّن ذلك نَفْيَ أنْ يكونَ للكفرة ما ذُكِرَ وليس الإنسان خاصّاً بهم كما قيل. · تعليلٌ لانتفاء ذلك، فإنَّ اختصاصَ مِلْك ٢٥ وقوله تعالى: ﴿فَلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى أمورٍ الآخرة والأُوْلَى جميعاً به تعالى مقتضٍ لانتفاء أنْ يكونَ للإنسان أمرٌ من الأمور، بل ما شاء الله تعالى له كان وما لم يشأ لم يكن، وقدِّمَت ((الآخرة)) اهتماماً بردِّ ما هو أهمُّ أطماعهم عندهم من الفوز فيها . ولذا أردف ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا﴾ وإقناطُهم عما طَمِعوا به من شفاعة الملائكة عليهم السلام موجبٌ لإقناطهم عن شفاعة الأصنام بطريق الأولوية. و(كم)) خبريةٌ مفيدةٌ للتكثير، محلُّها الرفعُ على الابتداء، والخبرُ الجملة المنفية، وجمع الضمير في ((شفاعتُهم)) مع إفراد ((المَلَك)) باعتبار المعنى، أي: وكثيرٌ من الملائكة لا تغني شفاعتُهم عند الله تعالى شيئاً من الإغناء في وقت من الأوقات ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لهم في الشفاعة ﴿لِمَنْ الآية : ٢٧ ١٣٩ سُورَةُ النَحَيْ يَشَآءُ﴾ أن يشفعوا له ﴿وَيَرْضَى﴾ ويراه سبحانه أهلاً للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما مَن عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله تعالى بمعزل. وعنه بألف ألفٍ منزل. وجوِّز أنْ يكون المرادُ: إلا من بعد أنْ يأذنَ الله لمن يشاء من الملائكة بالشفاعة، ويراه عز وجل أهلاً لها. وأيَّاما كان فالمعنى على أنَّه إذا كان حالُ الملائكة في باب الشفاعة كما ذُكر، فما ظنُّهم بحال الأصنام؟ والكلامُ قيل: من باب : على لاحبٍ لا يهتدَى بمنارِهِ(١) فحاصلُه: لا شفاعةً لهم ولا غناءَ بدون أنْ يأذنَ الله سبحانه .. إلخ. وقيل: هو واردٌ على سبيل الفرض فلا يخالفُ قولَه تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقرأ زيد بن علي: ((شفاعته)) بإفراد الشفاعة والضمير، وابنُ مقسم: (شفاعاتهم)) بجمعهما(٢)، وهو اختيار صاحب ((الكامل)) أبي القاسم الهذلي، وأُفردَت الشفاعة في قراءة الجمهور، قال أبو حيان: لأنَّها مصدرٌ؛ ولأنَّهم لو شفع جميعُهم لواحد لم تغنِ شفاعتهم عنه شيئاً(٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ وبما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَكَةَ﴾ المنزَّهين عن سمات النقصان على الإطلاق ﴿تَسْمِيَةً آلْأُنثَ﴾، فإنَّهم كانوا يقولون: الملائكةُ بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون، و((الملائكة)) في معنى استغراق المفرد، فيكون التقديرُ: ليسمُّون كلَّ واحدٍ من الملائكة تسمية الأُنثى، أي: يسمونه بنتاً؛ لأنَّهم إذا قالوا ذلك فقد جعلوا كلَّ واحدٍ منهم بنتاً، فالكلام على وزان: كَسَانا الأميرُ حلةً، أي: كسا كلَّ واحد منَّا حلةً، (١) سلف ١/ ٤٥٧. (٢) القراءتان في البحر المحيط ١٦٣/٨. (٣) البحر المحيط ١٦٣/٨، وعنه نقل المصنف كلام أبي القاسم الهذلي. سُورَةُ النَجَيِ ١٤٠ الآية : ٢٨ والإفرادُ لعدم اللَّبس، ولذا لم يقل: تسميةً الإناث، فلا حاجةً إلى تأويل ((الأنثى)) بالإناث، ولا إلى كون المراد: الطائفة الأنثى، وما ذكر أولاً قيل: مبنيٌّ على أنَّ تسميةَ الأنثى في النظم الجليل ليس نصباً على التشبيه، وإلا فلا حاجةً إليه أيضاً. وفي تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعارٌ بأنّها في الشناعة والفظاعة واستتباعِ العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترئ عليها إلا مَن لا يؤمن بها رأساً. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَمُ بِهِ، مِنْ عِلَّمْ﴾ حالٌ من فاعل (يسمُّون)) وضميرُ ((به)) للمذكور من التسمية، وبهذا الاعتبار ذكِّر، أو باعتبار القول، أي: يسمُّونهم إناثاً، والحالُ أنَّهم لا علمَ لهم بما يقولون أصلاً . وقرأ أبيٍّ: ((بها))(١) أي: بالتسمية، أو بالملائكة. ﴿إِن يَّعُونَ﴾ أي: ما يتبعون في ذلك ﴿إِلَّ الظَّنَّ﴾ أي: التوهُّمَ الباطل ﴿وَإِنَّ الَّنَّ﴾ أي: جنسَ الظنِّ، كما يلوح به الإظهارُ في موقع الإضمار، وقيل: الإظهارُ ليستقلَّ الكلامُ استقلال المثل ﴿لَا يُغْنِىِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ من الإغناء، فإنَّ الحقَّ الذي هو عبارةٌ عن حقيقة الشيء وما هو عليه، إنما يُدرَك إدراكاً معتدّاً به إذا كان عن يقينٍ، لا عن ظنِّ وتوهُّم، فلا يعتدُّ بالظنِّ في شأن المعارف الحقيقية، أعني المطالبَ الاعتقادية التي يلزم فيها الجزمُ ولو لم يكن عن دليل، وإنما يعتدُّ به في العملیات وما يؤدِّي إليها . وفسَّر بعضهم ((الحق)) بالله عز وجل لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦٢]. واستَدلَّ بالآية مَن لم يَعتبر التقليدَ في الاعتقاديات، وفيه بحث، والظاهريةُ على إبطاله مطلقاً، وإبطالُ القياس وردُّه على أتمٍّ وجه في الأصول. وما أخرج ابن أبي حاتم عن أيوب قال: قال عمر بنُ الخطاب: احذروا هذا الرأيَ على الدّين، فإنَّما كان الرأيُ من رسول الله وَّهِ مصيباً؛ لأنَّ الله تعالى كان (١) الكشاف ٣٢/٤، وتفسير أبي السعود ١٦٠/٨.