النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سُوَرَّةُ الْتُورٌ التفسير الإشاري ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: يخوضون في غمرات البحر اللُّجِّي الدنيوي، ويلعبون فيها بزَبَدِها الباطل ومتاعها القليل، ويكذِّبون المستخلَصين عن الأكدار المتحلِّين بالأنوار إذا (١) أنذروهم أنَّ المتقين هم أضداد أولئك. ﴿فَكِهِينَ بِمَآ ءَانَنُهُمْ رَبُّعُ﴾ مما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ وهو عذابُ الحجاب ﴿كُواْ﴾ من ثمرات المعارفِ المختصّة باللطيفة النفسية ﴿وَأَشْرَبُوا﴾ من مياه العيون المختصّة باللطيفة القلبية . ﴿وَسَِّّعْ بِحَيْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ أي: مقام العبودية ﴿وَمِنَ الَّلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: عند نزول السكينة عليك ﴿وَإِذْبَرَ النُّجُومِ﴾ أي: عند ظهور نورِ شمس الوَجْه، وتسبيحُه سبحانه عند ذلك بالاحتراز عن إثبات وجودٍ غيرٍ وجوده تعالى الحقِّ، فإنَّ إثباتَ ذلك شركٌ مطلَقٌ في ذلك المقام، أعاذنا الله تعالى وإياكم من الشرك بحرمة الحبيب عليه الصلاة والسلام. (١) في (م): إذ. سُرٌ وَالنَّجْمِ وتُسمَّى أيضاً سورة النجم بدون واو، وهي مكية على الإطلاق، وفي ((الإتقان)): الآيات استثني منها (الَّذِينَ يَجْتِبُونَ) إلى (اتَّقَ)، وقيل: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى تَوَلَى التسع(١). ومن الغريب حكايةُ الطبرسي عن الحسن أنَّها مدنية(٢). ولا أرى صحة ذلك عنه أصلاً . وأيُها اثنتان وستون آية في الكوفي، وإحدى وستون في غيره(٣). وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أولُ سورةٍ أعلنَ النبيُّ وَّه بقراءتها ، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون(٤). وأخرج البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائي عنه قال: أولُ سورةٍ أُنزلَت فيها سجدة ((والنجم)) فسجد رسولُ الله ◌َّهِ وسجَدَ الناس كلُّهم إلا رجلاً رأيتُه أخذَ كفّاً من تراب فسجَدَ عليه، فرأيتُه بعد ذلك قُتِل كافراً (٥). وهو أمية بن خلف. وفي ((البحر)) أنَّه عليه الصلاة والسلام سجَدَ وسجَدَ معه المؤمنون والمشركون (١) الإتقان ١/ ٥٠. (٢) مجمع البيان ٣٩/٢٧. (٣) جاء في هامش الأصل: الاختلاف في قوله تعالى: ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ﴾، ﴿إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾. (٤) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ . (٥) صحيح البخاري (١٠٧٠)، وصحيح مسلم (٥٧٦)، وسنن أبي داود (١٤٠٦)، وسنن النسائي (المجتبى ١٦٠/٢)، وهو عند أحمد (٣٦٨٢). ١٠٣ سُوَّةُ الْنَجَيْ والجنُّ والإنسُ غيرَ أبي لهبٍ، فإنَّه رَفَع حفنةً من تراب وقال: يكفي هذا(١). فيحتمل أنه وأميةَ فَعَلَا كذلك. وهي شديدةُ المناسبة لِمَا قبلها، فإنَّ ((الطورَ)) خُتِمَت بقوله تعالى: (وَإِذْبَرّ النُّجُومِ) وافتُتِحَت هذه بقوله سبحانه: (وَالنَّجْرِ). وأيضاً في مفتتحها ما يؤكّدُ ردَّ الكفرة فيما نسبوه إليه وَله من التقوُّل والشعر والكهانة والجنون. وذكر أبو حيان أنَّ سبب نزولها قولُ المشركين: إنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام يختلقُ القرآن(٢). وذكر الجلال السيوطي(٣) في وجه مناسبتها: أنَّ الطور فيها ذكرُ ذريةٍ المؤمنين وأنَّهم تَبَعٌ لآبائهم، وهذه فيها ذكرُ ذرية اليهود في قوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُرْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُنَّهَيْكُمْ) الآية؛ فقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني(٤) وأبو نعيم في ((المعرفة)) والواحدي عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهودُ إذا هلَكَ لهم صبيٍّ صغيرٌ قالوا هو صدِّيق، فبلَغَ ذلك النبيَّ وَّهِ فقال: ((كذَبت يهودُ، ما مِن نَسَمةٍ يخلُقُها الله في بَطْن أُمِّها إلا أنَّه شَقِيٍّ أو سعيد)) فأنزل الله تعالى عند ذلك: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُؤْ) الآية كلَّها (٥)، وأنَّه تعالى لمَّا قال هناك في المؤمنين: ﴿أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِيَِّهُمْ﴾ [الطور: ٢١] إلخ قال سبحانه هنا في الكفار، أو في الكبار(٦): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] خلاف ما دخل (٧) في المؤمنين الصغار، ثم قال: وهذا وجهٌ بديعٌ في المناسبة من وادي التضادٍّ. (١) البحر المحيط ٨/ ١٥٧. (٢) المصدر السابق. (٣) في تناسق الدرر ص ٨٠. (٤) في الأصل و(م): والطبري، والصواب ما أثبتناه، وينظر التعليق الآتي. (٥) المعجم الكبير للطبراني (١٣٦٨)، ومعرفة الصحابة (١٣٣٤)، وأسباب النزول للواحدي ص٤٢٢، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٢٨/٦، وفي تناسق الدرر ص ٨٠، والكلام منه. (٦) في مطبوع تناسق الدرر: أو في بني الكفار، بدل: أو في الكبار. (٧) في مطبوع تناسق الدرر: ذكر، بدل: دخل. الآية : ١ ١٠٤ سُورَةُ النَخَيْ وفي صحة كون قوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) الآية نَزَل لِمَا ذُكِر نَظَرٌ عندي، وكون قوله تعالى: (أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ) في الصغار لم يتفق عليه المفسرون كما سمعتَ غير بعيدٍ، نعم مَن تأمَّل ظهر له وجوهٌ من المناسبات غير ما ذكر تأمَّل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أقسمَ سبحانه بجنسٍ النجم المعروف على ما رُوي عن ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى (4) الحسن ومعمر بن المثنى، ومنه قوله: فباتَتْ تَعُدُّ النجمَ في مُستَحِيرَةٍ سريعٍ بأيدي الآكِلين جُمُودُها(١) ومعنى ((هوى)): غَرب، وقيل: طَلَع؛ يقال: هَوَى يهوي كرمى يَرْمي، هَوِيّاً بالفتح في السقوط والغروب لمشابهتِهِ له؛ وهُوِيّاً بالضمِّ للعلوِّ والطلوع، وقيل: الهَوِيُّ بالفتح للإصعاد، والهُوِيُّ بالضم للانحدار؛ وقيل: الهوِي بالفتح والضم السقوط، ويقال: أَهْوَى بمعنى هَوَى، وفرَّق بعضُ اللغويِّين بينهما بأنَّ هَوَى إذا انقضَّ لغیر صید، وأَهوَی إذا انقضَّ له. وقال الحسن وأبو حمزة الثمالي: أقسم سبحانه بالنجوم إذا انتثرت في القيامة. وعن ابن عباس في روايةٍ: أقسمَ عز وجل بالنجوم إذا انقضَّت في إثر الشياطين. وقيل: المرادُ بـ ((النجم)) معيَّنٌ؛ فقال مجاهد وسفيان: هو الثريًّا، فإن النجم صار عَلَمَاً بالغلبة لها، ومنه قوله وَلَّ: ((إذا طَلَع النجم صباحاً ارتفعَت العاهةُ))(٢). (١) مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى ٢٣٥/٢، والبيت للراعي النميري عبيد بن حصين، وهو في ديوانه ص٩٢، قال الزجاج في معاني القرآن ٦٩/٥ بعد أن أورد البيت: يصف قدراً كثيرةَ الدسم، ومعنى تعدُّ النجم، أي: من صفاء دسمها ترى النجوم فيه، والمستحيرة: القدر، فقال: يجمد على الأيدي الدسم من كثرته. (٢) أخرجه أحمد (٨٤٩٥) من حديث أبي هريرة رظُبه، وهو حديث حسن، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند. الآية : ١ ١٠٥ سُورَةُ الْنَجَيْ وقولُ العرب: طَلَعَ النجمُ عشاءً فابتغَى الراعي كساءً. طلَعَ النجمُ غُدَيَّه فابتغَى الراعي كسيه (١). وفسِّر هوِيُّها بسقوطها مع الفجر. وقيل: هو ((الشعرى)) المرادةُ بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩]. والكهَّان يتكلمون على المغيبات عند طلوعها . وقيل: الزهرة وكانت تُعبد. وقال ابن عباس ومجاهد والفراء (٢) ومنذر بن سعيد: ((النجم)) المقدارُ النازلُ من القرآن على النبيِّ وَِّ، و((إذا هَوَى)) بمعنى: إذا نَزَل عليه مع مَلَك الوحي جبريل عليه السلام. وقال جعفر الصادق ظُله: هو النبيُّ وَّرَ، وهوِيُّه نزوله من السماء ليلة المعراج. وجوِّز على هذا أنْ يُراد بهويِّهِ صعودُه وعروجُه عليه الصلاة والسلام إلى منقطع الأَیْن. وقيل: هو الصحابةُ ﴿ وقيل: العلماءُ على إرادة الجنس، والمراد بهويِّهم قيل: عروجُهم في معارج التوفيق إلى حظائر التحقيق، وقيل: غوصُهم في بحار الأفكارِ لاستخراج دُرَر الأسرار. وأظهرُ الأقوال القولُ بأنَّ المرادَ بالنجم جنسُ النجم المعروف، فإنَّ أصلَه اسمُ جنسٍ لكلِّ كوكب، وعلى القول بالتعيين فالأظهرُ القول بأنَّه الثريا، ووراء هذَين القولَّين القولُ بأنَّ المرادَ به المقدارُ النازل من القرآن، وفي الإقسام بذلك على (١) أدب الكتاب للصولي ص١٧٨، وتهذيب اللغة ٢٩٩/١٠، ومفردات الراغب (نجم)، وتفسير الثعلبي ١٣٤/٩، والكشاف ٢٧/٤، والمحرر الوجيز ١٩٦/٥، واللسان (شكا) و(نجم)، والبحر المحيط ١٥٧/٨. وجاء في غير البحر وأدب الكتاب: شُكَيَّه، بدل: كُسَيَّه. قال الأزهري: الشكية تصغير الشكوة - وهي وعاء من أدم للماء واللبن - وذلك أن الثريا إذا طلعت هذا الوقت من الزمان هبت البوارح ورَمِضت الأرض وعطش الرعيان، فاحتاجوا إلى شكاءٍ يستقون فيها لشفاههم، ويحقنون اللبن في بعضها ليشربوه بارداً قارصاً. (٢) في معاني القرآن ٩٤/٣. سُوَّةُ الْنَخَيْ ١٠٦ الآية : ٢ نزاهته عليه الصلاة والسلام عن شائبة الضلالِ والغواية من البراعة البديعةِ وحُسْن الموقع ما لا غايةً وراءه. أما على الأوَّلَين: فلأنَّ النجم شأنُه أنْ يَهتدي به الساري إلى مسالك الدنيا، كأنَّه قيل: والنجم الذي تهتدي به السابلةُ إلى سواء السبيل ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ أي: ما عدل عن طريق الحقِّ الذي هو مسلكُ الآخرة، فهو استعارةٌ وتمثيلٌ لكونه عليه الصلاة والسلام على الصواب في أقواله وأفعاله ﴿وَمَا غَوَى﴾ أي: وما اعتقَد باطلاً قظُ؛ لأنَّ الغَيَّ الجهلُ مع اعتقادٍ فاسدٍ، وهو خلافُ الرُّشد، فيكون عطفُ هذا على (ما ضل)) مِن عَطْفِ الخاصِّ على العام اعتناءً بالاعتقاد، وإشارةً إلى أنَّه المدارُ. وأما على الثالث: فلأنَّه تنويهٌ بشأن القرآن، وتنبيهٌ على مناط اهتدائِهِ عليه الصلاة والسلام ومدارٍ رَشاده، كأنَّه قيل: وما أُنزِلَ عليك من القرآن الذي هو عَلَمٌ في الهداية إلى مناهج الدين ومسالك الحقِّ واليقين ما ضَلَّ عنها محمدٌ وَيهوى وما غَوَى، فهو من باب: وثنا ياكٍ إنَّها إغريضُ(١) والخطابُ لقريشٍ، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان المصاحبة لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفةِ، وإحاطتهم ◌ُخُبْراً ببراءته وَّرَ مما نُفِيَ عنه بالكلِّية، وباتِّصافه عليه الصلاة والسلام بغاية الهُدَى والرَّشاد، فإنَّ طولَ صُخْبتهم له عليه الصلاة والسلام ومشاهدتهم لمحاسن شُؤونِهِ العظيمة مقتضيةٌ لذلك حتماً، ففي ذلك تأكيدٌ لإقامة الحُجَّة عليهم. واختلف في متعلَّق ((إذا)) قال بعضُهم: فاوضْتُ جارَ الله في قوله تعالى: (وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَيئ) فقال: العاملُ فيه ما تعلَّق به الواو. فقلتُ: كيف يعملُ فعلُ الحال في المستقبل؟! وهذا لأنَّ معناه: أُقسِمُ الآن، لا: أُقْسِمُ بعد هذا. فرجع وقال: العاملُ فيه مصدرٌ محذوفٌ، والتقدير: وهُوِيُّ النجم إذا هَوَى. فعرضْتُه على بعض المشايخ فلم يستحسن قولَه الثاني. والوجْهُ تعلُّقه بـ ((أُقسمُ)) وهو قد انسلَخَ عنه معنى (١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٢٨٧/٢، وسلف ١٢/٢٢. الآية : ٢ ١٠٧ سُورَةُ النَخَيْ الاستقبال، وصار للوقت المجرَّد، ونحوُه: آتيكَ إذا احمرَّ البسرُ، أي: وقتَ احمراره. وقال عبد القاهر: إخبارُ الله تعالى بالمتوقَّع يُقامُ مقامَ الإخبار بالواقع إذ(١) لا خُلْفَ فيه، فيجري المستقبل مجرَى المحقَّق الماضي(٢). وقيل: إنَّه متعلِّق بعامل هو حالٌ من ((النجم))، وأُوردَ عليه أنَّ الزمان لا يكونُ خبراً ولا حالاً عن جُثَّة كما هنا، وأنَّ ((إذا)) للمستقبل فكيف يكونُ حالاً إلا أنْ تكون حالاً مقدَّرة، أو تُجرَّد ((إذا)) المطلَقِ الوقت، كما يُقال بصِحِّيَّة الحاليةِ إذا أفادَت معنّى معتدّاً به، فمجيءُ الزمانِ خبراً أو حالاً عن جثة ليس ممنوعاً على الإطلاق كما ذكره النحاة، أو ((النجم)) لتغيُّره طلوعاً وغروباً أَشبَهَ الحَدَثَ. والإنصافُ أنَّ جعْلَه حالاً كتعلُّقه بمصدر محذوفٍ ليس بالوجْهِ، وإنما الوجه - على ما قيل - ما سمعتَ مِن تعلُّقه بـ (أُقسمُ)) منسلخاً عنه معنى الاستقبال، وهو الذي اختاره في ((المغني))(٣). وتخصيصُ القسم بوقت الهوِيِّ ظاهرٌ على الأخير من الأقوال الثلاثة، وأمَّا على الأوَّلَين فقيل: لأنَّ النجمَ لا يهتدي به الساري عند كونه في وسط السماء، ولا يَعلمُ المشرقَ من المغرب ولا الشمال من الجنوب، وإنما يهتدي به عند هبوطِه أو صعوده، مع ما فيه من كمال المناسبةِ لِمَا سيُحْكَى من التدلِّي والدنوِّ. وقيل: لدلالته على حدوثه الدالِّ على الصانع وعظيم قدرته عز وجل، كما قال الخليل على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وسيأتي إن شاء الله تعالى آخرَ الكتاب تمامُ الكلام في تحقيق إعراب مثل هذا التركيب(٤) فلا تغفل. (١) في (م): إذا . (٢) ينظر دلائل الإعجاز ص ٢٣٠-٢٣١. (٣) مغني اللبيب ص ١٣٠، وحاشية الشهاب ١٠٩/٨. (٤) ينظر ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالتَّهَارِ إِذَا جَهَا رقم (٣- ٤). وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنهَا﴾ من سورة الشمس آية سُورَةُ الْنَجَيْ ١٠٨ الآية : ٣ - ٤ ﴿وَمَا يَطِقُ﴾ أي: النبيُّ وَّهِ؛ لتقدُّم ذكره في قوله سبحانه: (صَاحِبُكُمْ) والنُّطقُ مضمَّنٌ معنَى الصدور، فلذا عُدِّي بـ ((عن)) في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْمُوَّ﴾ وقيل: هي بمعنى الباء، وليس بذاك. أي: ما يصدرُ نطقُه فيما آتاكم به من جهته عز وجل كالقرآن، أو مِن القرآن، عن هَوَى نفسِه ورأيه أصلاً، فإنَّ المرادَ استمرارُ النَّغْي كما مرَّ مراراً في نظائره. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما الذي ينطقُ به من ذلك، أو القرآن، وكلُّ ذلك مفهومٌ من السياق ﴿إِلَّ وَتَّىٌ﴾ من الله عز وجل ﴿يُحَى﴾ يوحيه سبحانه إليه، والجملةُ صفةٌ مؤكِّدةٌ لـ ((وَحْيٌ)) رافعةٌ لاحتمال المجاز، مفيدةٌ للاستمرار التجدُّدي. وقيل: ضميرُ ((ينطقُ)) للقرآن، فالآيةُ كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِنَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] وهو خلافُ الظاهر. وقيل: المرادُ: ما يصدر نطقه عليه الصلاة والسلام مطلقاً عن هوّى، وهو عائدٌ لِمَا ينطقُ به مطلقاً أيضاً. واحتَجَّ بالآية على هذا التفسير مَن لم يَرَ الاجتهاد له عليه الصلاة والسلام كأبي عليٍّ الجبائي وابنه أبي هاشم، ووجهُ الاحتجاج أنَّ الله تعالى أَخبرَ بأنَّ جميعَ ما ينطقُ به وَحْيٌّ، وما كان عن اجتهادٍ ليس بوَحْيٍ، فليس مما ينطقُ. وأُجيبَ بأنَّ الله تعالى إذا سوَّغ له عليه الصلاة والسلام الاجتهادَ، كان الاجتهادُ وما يسند إليه وحياً لا نطقاً عن الهوى، وحاصلُه منع كبرى (١) القياس. واعترض عليه بأنَّه يلزمُ أنْ تكونَ الأحكامُ التي يستنبطُها المجتهدون بالقياس وحياً. وأُجيبَ بأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أُوحَي إليه أنْ يجتهدَ بخلاف غيره من المجتهدین . (١) في (م): كبر، والمثبت من الأصل. ويقصد به قول المحتج: وما كان عن اجتهاد ليس بوخيٍ. وهيّ المقدمة الكبرى لاحتجاجه، والإجابة التي ذكرها الآلوسي بقوله: وأجيب بأن الله تعالى إذا ... ، هي منع المقدمة الكبرى. الآية : ٥ ١٠٩ سُورَةُ الْنَجَيْ وقال القاضي البيضاوي: إنَّه حينئذٍ بالوحي لا وحيٌّ(١). وتعقّبه صاحب ((الكشف)) بأنَّه غيرُ قادح؛ لأنَّه بمنزلة أنْ يقول الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام: متى ما ظنْتَ بكذا فهو حكمي، أي: كلُّ ما ألقيتُه في قلبك فهو مرادي، فيكونُ وحياً حقيقةً. والظاهرُ أنَّ الآيةَ واردةٌ في أمر التنزيل بخصوصه، وإنْ كان مثلُه الأحاديثَ القدسيةَ، والاستدلالُ بها على أنَّه عليه الصلاة والسلام غيرُ متعبدٍ بالوحي محوجٌ لارتكاب خلافِ الظاهر، وتكلَّفٌ في دفع نَظَرِ البيضاوي عليه الرحمة كما لا يخفَى على المنصف. ولا يبعُدُ عندي أنْ يحملَ قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَّ) على العموم، فإنَّ مَن يَرَى الاجتهادَ له عليه الصلاة والسلام کالإمام أحمد وأبي يوسف عليهما الرحمة لا يقولُ بأنَّ ما ينطقُ بِهِ وَّهِ مما أدَّى إليه اجتهادُه صادرٌ عن هوى النفسِ وشهوتها، حاشا حضرة الرسالةِ عن ذلك، وإنما يقولُ هو واسطةٌ بين ذلك وبين الوحي، ويجعلُ الضميرَ في قوله سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ) للقرآن، على أنَّ الكلام جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنَّ قيل: إذا كان شأنُه عليه الصلاة والسلام أنَّه ما ينطقُ عن الهوى، فما هذا القرآنُ الذي جاء به وخالفَ فيه ما عليه قومه، واستمالَ به قلوبَ كثيرٍ من الناس، وكثُرَت فيه الأقاويلُ؟ فقيل: ما هو إلا وحيٌّ يُوحيه اللهُ عز وجل إليه وَّه فتأمل. وفي ((الكشف)): أنَّ في قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ) مضارعاً مع قوله سبحانه: (مَا ◌َّلَّ) (وَمَا غَوَى) ما يدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام حيث لم يكن له سابقةُ غوايةٍ وضلالٍ منذ تميَّز وقَبْلَ تحنُّكه واستنبائه لم يكن له نطقٌ عن الهوى، كيف وقد تحنَّكَ ونُبِّيَ؟ وفيه حتّ لهم على أنْ يُشاهدوا منطقَه الحكيم. ﴿عَّهُ﴾ الضميرُ للرسولِ وََّ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: القرآنَ، أو (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٨/ ١١٠. سُورَةُ الْنَجَيْ ١١٠ الآية : ٦ الوحيَ. وجوَّز أبو حيان كونَ الضمير للقرآن، وأنَّ المفعول الأول محذوفٌ، أي: علَّمه الرسولَ عليه الصلاة والسلام(١). ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ هو جبريلُ عليه السلام كما قال ابن عباس وقتادة والربيع، فإنَّه الواسطةُ في إبداء الخوارق، وناهيك دليلاً على شدَّة قوته أنَّه قَلَعَ قُرَى قومٍ لوطٍ من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحمَلَها على جناحه ورَفَعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح بثمودَ صيحةً فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطُه على الأنبياء عليهم السلام وصعودُه في أسرع من رَجْعة الطرف، فهو لَعَمْرِي أسرعُ من حركة ضياء الشمس على ما قرَّروه في الحكمة الجديدة. ﴿ذُو مِرَّةِ﴾ ذو حصافَةٍ واستحكام في العقل كما قال بعضُهم، فكأنَّ الأوَّلَ وصفٌ بقوة الفعلِ، وهذا وصفٌ بقوة النظر والعقل، لكن قيل: إنَّ ذاك بيانٌ لِمَا وُضِعَ له اللفظ، فإنَّ العرب تقولُ لكلِّ قويِّ العقل والرأي: ذو مرة، مِن أَمررْتُ الحبل: إذا أحكمتَ فتلَه، وإلا فوصْفُ المَلَك بمثله غيرُ ظاهرٍ، فهو كنايةٌ عن ظهور الآثار البديعة . وعن سعيد بن المسيب: ذو حكمة؛ لأنَّ كلامَ الحكماء متينٌ. وروى الّستي أنَّ نافع بن الأزرق سألَ ابنَ عباس عنه فقال: ذو شدَّةٍ في أمر الله عز وجل. واسْتَشْهَد له(٢). وحكى الطيبي عنه أنَّه قال: ذو مَنْظرٍ حسنٍ. واستصوبه الطبريُّ(٣)، وفي معناه قول مجاهد: ذو خلق حسن. وهو في قوله ◌َّهِ: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٌّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ)) (٤) بمعنى: ذي (١) البحر المحيط ٨/ ١٥٧. (٢) ذكره عن الطستي السيوطي في الدر ٦/ ١٢٢، وأخرجه من طريقه في الإتقان ٣٩٦/١. (٣) ينظر تفسيره ١١/٢٢. (٤) أخرجه أحمد (٦٥٣٠)، والترمذي (٦٥٢)، وأبو داود (١٦٣٤) من حديث عبد الله بن عمرو چا، وقال الترمذي: حديث حسن. الآية : ٦ ١١١ سُورَةُ الَحَيْ قوةٍ. وفي ((الكشف)): إنَّ المِرَّةَ لأنَّها في الأصل تدلُّ على المَرَّة بعد المرة تدلُّ على زيادة القوة، فلا تغفل. ﴿فَأُسْتَوَى﴾ أي: فاستقامَ على صورته الحقيقيةِ التي خلَقَه الله تعالى عليها، وذلك عند حِراء في مبادئ النبوة، وكان له عليه الصلاة والسلام كما في حديث أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حُميد وجماعةٌ عن ابن مسعود: ((ست مئة جناح، كلُّ جناحٍ منها يسدُّ الأُفُقَ)) (١) فالاستواءُ هاهنا بمعنى اعتدال الشيء في ذاته كما قال الراغب(٢)، وهو المرادُ بالاستقامة، لا ضدّ الاعوجاج، ومنه استوى الثمر: إذا نَضِجَ. وفي الكلام - على ما قال الخفاجي - طيٍّ؛ لأنَّ وصفَه عليه السلام بالقوّة وبعضٍ صفات البشر يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَّهِ رآه في غير هيئتِهِ الحقيقيةِ، وهذا تفصيلٌ لجواب سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّه قيل: فهل رآه على صورته الحقيقية؟ فقيل: نعم رآه ، (٣) فاستوى .. إلخ(٣). وفي ((الإرشاد)): أنَّه عطفٌ على ((عَلَّمه)) بطريق التفسير، فإنَّه إلى قوله تعالى: (مَآ أَوْحَى) بيانٌ لكيفية التعليم(٤). وتُعقِّبَ بأنَّ الكيفيةَ غيرُ منحصرةٍ فيما ذكر، ومن هنا قيل: إنَّ الفاء للسببية، فإنَّ تشكّلَه عليه السلام بشكله يتسبَّبُ عن قوته وقدرته على الخوارق، أو عاطفة على ((علَّمه)) على معنى: علَّمه على غير صورته الأصلية، ثم استوى على صورته الأصلية. وتُعقّب بأَنَّه لا يتمُّ به التئامُ الكلام ويحسُنُ به النظام. وقيل: استوى بمعنى ارتَفَع، والعطفُ على علَّم، والمعنى: ارتفَعَ إلى السماء بعد أنْ علَّمه. وأكثرُ الآثار تقتضي ما تقدَّم. (١) مسند أحمد (٣٧٤٨)، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٢٣/٦. وأخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤) دون قوله: ((كلُّ جناحٍ منها يسدُّ الأفق)). (٢) في المفردات (سوى). (٣) حاشية الشهاب ٨/ ١١٠ . (٤) إرشاد العقل السليم ١٥٥/٨ . سُوَّةُ النَجَمِ ١١٢ الآية : ٧ - ٨ ﴾ أي: الجهةِ العليا من السماء المقابلة للناظر، وأصلُه ﴿وَهُوَ بِآلْأُفُّ الْأَعْلَى الناحيةُ، وما ذكره أهلُ الهيئة معنَى اصطلاحيٍّ، وينقسم عندهم إلى حقيقيٍّ وغيره كما فُصِّل في محلِّه، وأخرج ابنُ المنذر عن ابن عباس أنَّ المرادَ به هنا مطلعُ الشمس(١). وفي معناه قول الحسن: هو أُفُقُ المشرق. والجملةُ في موضع الحال من فاعل ((استوى))، وقال الفراء والطبري(٢): إنَّ (هو)) عطفٌ على الضمير المستتر في ((استَوَى))، وهو عائدٌ إلى النبيِ وَ لَّ، كما أنَّ ذلك عائدٌ لجبريل عليه السلام - وجوِّز العكس - والجارُّ متعلِّق بـ ((استوى)). وفيه العطفُ على الضمير المرفوع من غير فصل، وهو مذهبُ الكوفيين مع أنَّ المعنى ليس عليه عند الأكثرين. تَ﴾ أي: ثم قَرُب جبريلُ عليه السلام من النبيِّ وَّلِ ﴿فَدَلَّ﴾ فتعلَّق جبريلُ عليه - عليه الصلاة والسلام - في الهواء، ومنه: تدلَّت الثَّمرةُ، و: دلَّى رجلَيه من السرير، والدوالي: الثَّمرُ المعلَّقُ كعناقيد العنب، وأنشدوا لأبي ذؤيب يصفُ مشتار عسل : بجَرداءَ مثل الوَكْفِ يكبو غُرابُها(٣) تدَلَّى عليها بين سِبٍّ وخَيْطَةٍ ومن أسجاع ابنةِ الخُسِّ: كُنْ حَذِراً كالقِرِلَّى: إنْ رأى خيراً تدلَّى، وإنْ رأى شرّاً تَوَلَّى(٤). (١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٢٣/٦ . (٢) معاني القرآن للفراء ٩٥/٣، وتفسير الطبري ١٢/٢٢. (٣) ديوان الهذليين ص ٧٩، يصف الشاعر مشتار العسل، أراد: أنه تدلى من رأس جبل على خلية عسلٍ ليشتارها بحبل شده في وسطه، وقد أثبته في رأس جبل، بجرداء: يعني أرضاً ملساء لا تنبت شيئاً يكبو غراب الفاس عنها لصلابتها إذا حفرت، والوكف: النطع. انظر اللسان (سبب) و(وكف). (٤) المستقصى ٦٢/١، ومجمع الأمثال ٢٢٨/١، واللسان (قول). قال الزمخشري: القِرِلَّى طائر من بنات الماء صغير الجرم سريع الخطف، يرفرف على وجه الماء، ويهوي بإحدى عينيه إلى الماء والأخرى إلى الجو فَرَقاً من جارح، فإذا أبصر في الماء سمكة يستطيع الاستقلال بها انقض كالسهم المرسل فاختطفها من قعر الماء، وإن أبصر جارحاً مرَّ في الأرض. وابنة الآية : ٩ ١١٣ سُورَةُ النَجَمِ، فالمرادُ بالتدلِّيِ دنوٌّ خاصٌّ، فلا قَلْبَ ولا تأويلَ بإرادة الدنوِّ كما في ((الإيضاح))(١)، نعم إنْ جُعِلَ بمعنى التنزُّل من علوٍّ كما يُرشدُ إليه الإشتقاق كان له وجه . ﴿فَكَانَ﴾ أي: جبريلُ عليه السلام من النبيِّ وَّهِ ﴿قَابَ قَوْسَيِنِ﴾ أي: مِن قِسيِّ العرب؛ لأنَّ الإطلاق ينصرفُ إلى مُتعارَفِهِم، والقابُ وكذا القِيْبُ، والقادُ والقِيدُ، والقيس : المقدارُ. وقرأ زيد بن علي: ((قادَ))، وقرئ: ((قَيْدَ))، و((قَدْرَ))(٢). وقد جاء التقديرُ بالقوس كالرمح والذراع وغيرهما، ويقال على ما بين مَقْبِض القوسِ وسِيَتها، وهي ما عطف مِن طَرَفَيها، فلكلِّ قوسٍ قابان، وفُشِّر به هنا، قيل: وفي الكلام عليه قلبٌ، أي: فكان قابَي قوسٍ، وفي ((الكشف)): لك أنْ تقولَ: قابا قوسٍ وقابَ قوسين، واحدٌ دون قَلْبٍ. وعن مجاهد والحسن: أنَّ قاب القوس ما بينَ وَترها ومَقْبضها. ولا حاجةً إلى القلب عليه أيضاً، فإنَّ هذا على ما قال الخفاجي: إشارةٌ إلى ما كانت العرب في الجاهلية تفعلُه إذا تحالَفُوا، فإنَّهم كانوا يُخرجون قوسَين ويَلصقون إحداهما بالأخرى فيكونُ القابُ ملاصقاً للآخر، حتى كأنَّهما ذا قابٍ واحدٍ، ثم ينزِعونهما معاً ويرمونَ بهما سهماً واحداً، فيكون ذلك إشارةً إلى أنَّ رضا أحدهم رضا الآخر وسَخَطه سخَطُه لا يمكن خلافُه. وعن ابن عباس: القوسُ هنا ذراعٌ يُقاسُ به الأطوال، وإليه ذهَبَ أبو (٣) رزين، وذكر الثعلبي: أنَّه من لغة الحجاز (٤). الخُسّ - بضم الخاء المعجمة وتشديد السين المهملة ــ اسمها هند الإيادية، وهي جاهلية قديمة، أدركت القلمَّس أحد حكام العرب في الجاهلية. خزانة الأدب ٢٦٠/١٠. (١) الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ٧٩/١. (٢) ذكر هذه القراءات الزمخشري في الكشاف ٢٨/٤ . (٣) في الأصل: ابن رزين، والمثبت من (م) والبحر المحيط ١٥٨/٨. (٤) تفسير الثعلبي ١٣٨/٩. سُورَةُ الْنَخَيْ ١١٤ الآية : ١٠ وأيًّا ما كان فالمعنى على حذف مضاف، أي: فكان ذا قاب قوسين، ونحوه قوله: فأدرَك إبقاءَ العَرَادَة ظلعُها وقد جَعَلَتْني مِن حَزيمةَ إصْبَعًا (١) فإنَّه على معنى: ذا مقدارِ إصبع، وهو القُرْب، فكأنَّه قيل: فكان قريباً منه. وجوِّز أنْ يكونَ ضمير ((كان)) للمسافة بتأويلها بالبُعد ونحوه، فلا حاجةً إلى اعتبار الحذْفِ. وليس بذاك. ﴿أَوْ أَدْنَ﴾ أي: أو أقربَ من ذلك، و((أو)) للشكِّ من جهة العباد على معنى: إذا رآه الرائي يقول: هو قاب قوسين أو أدنى، والمرادُ إفادةُ شدَّة القرب. ﴿فَوَّخَ﴾ أي: جبريل عليه السلام ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي: عبد الله وهو النبيُّ ◌َِّ، والإضمارُ - ولم يجر له تعالى ذِكرٌ - لكونه في غاية الظهور، ومثلُه كثيرٌ في الكلام، ومنه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. ﴿مَا أَوْحَى ﴾﴾ أي: الذي أوحاه، والضميرُ المستترُ لجبريل عليه السلام أيضاً، وإبهامُ الموحَى به للتفخيم، فهذا نظيرُ قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]. وقال ابن زيد (٢): الضميرُ المستتر لله عز وجل، أي: أوحَى جبريلُ إلى عبد الله ما أوحاه اللهُ إلى جبريلَ. والأوَّلُ مرويٌّ عن الحسن وهو الأحسنُ. (١) البيت للكَلْحَبة العريني هبيرة بن عبد منان العريني كما في المفضليات ص ٣٢، واللسان (حرم)، وخزانة الأدب ٣٨٨/١، ونسبه ابن يعيش في شرح المفصل للأسود بن يعفر ٣١/٣. قوله: إبقاء، هو ما تبقيه الفرس من العَدْو، إذ من عتاق الخيل ما لا تعطي ما عندها من العَذْو بل تبقي منه شيئاً إلى وقت الحاجة، يقال: فرس مبقية: إذا كانت تأتي بجري عند انقطاع جريها وقت الحاجة، والعرادة: اسم فرس الكلحبة، وقوله: ظلعها، الظلوع في الإبل بمنزلة الغَمْزِ، أي: العرج اليسير. وحزيمة: هو ابن طارق كان رئيساً لبني تغلب. يقول: فاتني حزيمة وما بيني وبينه إلا قدر إصبع، وينظر خزانة الأدب. (٢) في (م): أبو زيد، وهو خطأ، والمثبت من الأصل والبحر ١٥٨/٨، والكلام منه، وأخرجه بنحوه عن ابن زيد الطبري ٢١/٢٢. الآية : ١١ ١١٥ سُوَرَّةُ الْنَجَيْ وقيل: ضميرا(١) ((أوحَى)) الأوَّل والثاني الله تعالى، والمرادُ بالعبد جبريلُ عليه السلام. وهو كما ترى. ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ أي: فؤادُ محمدٍ وَّةِ ﴿مَا رَأَ ﴾﴾ ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام، أي: ما قال فؤادُهُ وَّوَ لَمَّا رآه ببصره: لم أَعرِفْك، ولو قال ذلك لكان كاذباً؛ لأنَّه عَرَفه بقلبه كما رآه ببصره، فهو من قولهم: كَذَب، إذا قال كذباً، فـ ((ما كَذَب)) بمعنى: ما قال الكذب. وقيل: أي: ما كذَب الفؤادُ البصَرَ فيما حكاه له من صورة جبريل عليه السلام، وما في عالم الملكوت تدرك أولاً بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر. قرأ أبو رجاء وأبو جعفر وقتادة والجحدري وخالد بن إلياس وهشام عن ابن عامر: ((ما كذَّب)) مشدّداً (٢)، أي: صدَّقه ولم يشكَّ أنَّه جبريلُ عليه السلام بصورته. وفي الآيات مِن تحقيق أمرِ الوحي ما فيها. وفي ((الكشف)): أنَّه لمَّا قال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ) أي: من عند الله تعالى (يُؤْثَى)، ذكر جل وعلا ما يصوِّر هذا المعنى ويُفصِّله ليتأكَّد أنَّه وَحْيٌّ، وأنَّه ليس من الشعر وحديث الكهان في شيءٍ، فقال تعالى: علّم صاحبكم هذا الوحيَ مَن هو على هذه الصفات. وقولُه تعالى: (فَأَسْتَوَى) وحديثُ قيامِه بصورته الحقيقية ليؤكِّدَ أنَّ ما يأتيه في صورة دِخْيَةَ هو هو، فقد رآه بصورة نفسه، وعرَفه حقَّ معرفته، فلا يشتبهُ عليه بو جه . وقوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَ) تَتْمِيمٌ لحديث نزوله إليه عليه الصلاة والسلام وإتيانه بالمنزل. (١) في (م): ضمير. (٢) قراءة أبي جعفر وهشام في التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٩/٢، وقراءة أبي رجاء وقتادة والجحدري وخالد في القراءات الشاذة ص ١٤٦، وتفسير الطبري ٢٦/٢٢، والمحرر الوجيز ١٩٨/٥، والبحر المحيط ١٥٩/٨. سُورَةُ الْنَخَيْ ١١٦ الآية : ١٢ وقوله سبحانه: (فَأَوْخٌَ) أي: جبريل ذلك الوَحْيَ الذي مرَّ أنَّه مِن عند الله تعالى إلى عبد الله، وإنما قال سبحانه: (مَآ أَوْحَى) ولم يأت بالضمير تفخيماً لشأن المنزّل، وأنَّه شيءٌ يَجِلُّ عن الوصف، فأنَّى يستجيزُ أحدٌ من نفسه أنْ يقولَ: إنَّه شعرٌ أو حدیثُ كاهن. وإيثارُ («عبده)) بَدَلَ: إليه - أي: إلى صاحبكم - لإضافة الاختصاص، وإيثارُ الضمير على الاسم العَلَم في هذا المقام لترشيحه، وأنَّه ليس عبداً إلا له عز وجل، فلا لَبْسَ؛ لشهرته بأنَّه عبد الله لا غير. وجاز أنْ يكونَ التقديرُ: فأوحى الله تعالى بسببه - أي: بسبب هذا المُعلَّم - إلى عبده، ففي الفاء دلالةٌ على هذا المعنى، وهذا وجهٌ أيضاً سدیدٌ. ثم قال سبحانه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ) على معنى أنَّه لمَّا عرَفَه وحقَّقَه لم يكذبه فؤادُه بعد ذلك ولو تصوَّر بغير تلك الصورة أنَّه جبريل، فهذا نَظْمٌ سريٌّ مرعيٍّ فيه النكتُ حقَّ الرعاية مطابقٌ للوجود، لم يعدل به عن واجب الوفاق بين البداية والنهاية. انتهى. وهو كلام نفيسٌ يُرجَّح به ما روي عن عائشة ◌ُها، وسيأتي ذلك إن شاء الله عز وجل بما له وما عليه(١) . أي: أتكذِّبونه فتجادلونه على ما يراه معاينةً، ﴿أَفَتُرُونَهُ، عَلَى مَا يَرَى فـ ((تمارونه)) عطف على محذوفٍ على ما ذهب إليه الزمخشري(٢)، مِن المراء، وهو المجادلة، واشتقاقُه من مَرَى الناقة: إذا مسحَ ظهرَها وضَرْعها لِيَخْرُجَ لَبُِّها وتدرَّ به، فشبَّه به الجدال لأنَّ كلَّا من المتجادلَين يطلبُ الوقوفَ على ما عند الآخر ليُلزِمَه الحجَّةَ، فكأنه يستخرج درَّه. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله وابن عباس والجحدري ويعقوب (١) في (م): بما له وعليه. وسيأتي ص ١٢٣ من هذا الجزء. (٢) في الكشاف ٢٩/٤. الآية : ١٣ ١١٧ سُوَّةُ الْفَجَيْ وابن سعدان وحمزة والكسائي وخلف: ((أفتَمْرُونه)) بفتح التاء وسكون الميم(١) مضارع مَريتُ، أي: جحدْتُ، يقال: مريتُه حقَّه: إذا جحدتَه، وأنشدوا لذلك قول الشاعر: لئن هَجَرْتَ أخا صِدْقٍ ومَكْرُمَةٍ لقد مَرَيْتَ أخاً ما كان يَمْرِيْكَا(٢) أو مضارع مَريتُه: إذا غلبتَه في المِراء على أنَّه من باب المغالبة، ويجوزُ حَمْل ما في البيت عليه، وعدِّي الفعلُ بـ ((على)) وكان حقُّه أنْ يُعدَّى بـ ((في)) لتضمينه(٣) معنى المغالبة، فإنَّ المجادِلَ والجاحد يقصدان بفعلهما غلبةَ الخَصْم. وقرأ عبد الله فيما حكى ابنُ خالويه، والشعبيُّ فيما ذكر شعبة: ((أفْتُمْرُونه)) بضم التاء وسكون الميم مضارع أمريتُ(٤)، قال أبو حاتم: وهو غلطٌ. والمرادُ بـ ((ما يَرَى)) ما رآه من صورة جبريل عليه السلام، وعبَّر بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية لِمَا فيها من الغَرابة، وفي ((البحر)»: جيء بصيغة المضارع وإنْ كانت الرؤية قد مضَت إشارةً إلى ما يمكن حدوثُه بعدُ(٥). وقيل: المرادُ: أفتمارُونه على ما يرى مِن الصُّور التي يظهرُ بها جبريلُ عليه السلام بعدَ ما رآه قبلُ وحقَّقه، بحيث لا يشتَبِهُ عليه بأيِّ صورةٍ ظَهَر، فالتعبير بالمضارع على ظاهره. ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ﴾ أي: رأى النبيُّ جبريلَ بَّه في صورته التي خلَقَه الله تعالى عليها ﴿َزْلَةٌ أُغْرَى﴾ أي: مرَّةً أخرى من النزول، وهي ((فَعْلَة)) من النزول، أُقيمَت مقام المرة ونُصَبَت نَصْبَها على الظرفية؛ لأنَّ أصل المرة مصدر مرَّ يمرُّ، ولشدّة اتّصال (١) قراءة يعقوب وحمزة والكسائي وخلف في التيسير ص ٢٠٤، والنشر ٣٧٩/٢، وقراءة علي كرم الله وجهه وعبد الله وابن عباس ثم وابن سعدان في المحرر الوجيز ١٩٩/٥، والبحر المحيط ١٥٩/٩. (٢) الكشاف ٢٩/٤، وتفسير القرطبي ٢٣/٢٠، والبحر المحيط ١٥٩/٨. (٣) في الأصل: لتضمنه. (٤) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والبحر المحيط ١٥٩/٨ والكلام منه. (٥) البحر المحيط ١٥٩/٨. سُورَةُ الْنَحَيْ ١١٨ الآية : ١٤ الفعل بالزمان يُعبَّر به عنه، ولم يقل: مرةً، بدَلَها ليُفيدَ أنَّ الرؤيةَ في هذه المرة كانت بنزولٍ ودنؤِّ كالرؤية في المرة الأُولَى الدالّ عليها ما مرَّ. وقال الحوفي وابنُ عطية: إنَّ ((نزلةً)) منصوبٌ على المصدرية للحال المقدَّرة، أي: نازلاً نزلةٌ(١). وجوَّز أبو البقاء كونَه منصوباً على المصدرية لـ ((رأى)) من معناه، أي: رؤيةً أُخرَى(٢). وفيه نظر. والمرادُ من الجملة القَسَمية نَفْيُ الريبة والشكِّ عن المرة الأخيرة، وكانت ليلةَ الإسراء. · هي شجرةٌ نَبِق عن يمين العرشِ في السماء السابعة ١٤ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُتَعَى ( على المشهور، وفي حديث أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم في السماء السادسة(٣)، نَبِقُها كقِلال هَجَر، وأَوراقُها مثلُ آذانِ الفيلة(٤)، يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعينَ عاماً لا يقطعُها(٥). وأخرج الحاكم وصحَّحه عن أسماء بنت أبي بكر ◌ًِّا مرفوعاً: ((يسيرُ الراكبُ في الفَنَنِ منها مثَةً سنةٍ))(٦). والأحاديث ظاهرةٌ في أنَّها شجرةٌ نَبقِ حقيقةً، والنبات في الشاهد يكونُ ترابيّاً ومائيّاً وهوائيّاً؛ ولا يبعدُ من الله تعالى أنْ يخلُقَه في أيِّ مكانٍ شاء، وقد أخبر سبحانه عن شجرة الزقوم أنَّها تنبتُ في أصل الجحيم. وقيل: إطلاقُ السِّدرة (١) المحرر الوجيز ١٩٩/٥. (٢) إملاء ما من به الرحمن ٣٥٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ١٥٩/٨. (٣) مسند أحمد (٣٦٦٥)، وصحيح مسلم (١٧٣)، وسنن الترمذي (٣٢٧٦) من حديث عبد الله بن مسعود ضـ (٤) ينظر حديث أنس به عند أحمد (١٢٥٠٥)، ومسلم (١٦٢)، وفيه: (( ... ثم ذُهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال ... )). (٥) أخرجه الطبري ٣٨/٢٢. (٦) المستدرك ٢/ ٤٦٩، وأخرجه الترمذي (٢٥٤١) وقال: هذا حديث حسن غريب. الآية : ١٥ ١١٩ سُؤَدَّةُ الْنَجَيْ عليها مجازٌ لأنَّها تجتمعُ عندها الملائكة عليهم السلام كما يجتمعُ الناس في ظلِّ السّدرة. و((المنتهى)) اسمُ مكانٍ، وجوِّز كونُه مصدراً ميميّاً. وقيل لها ((سِدْرَة المنتهى)) لأنَّها كما أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس: إليها ينتهي علمُ كلِّ عالمٍ، وما وراءها لا يعلمه إلا الله تعالى(١). أو لأنَّها ينتهي إليها علمُ الأنبياء عليهم السلام ويعزُبُ عِلْمُهم عما وراءها. أو لأنَّها تنتهي إليها أعمالُ الخلائق، بأنْ تُعرَضَ على الله تعالى عندها. أو لأنَّها ينتهي إليها ما ينزِلُ مِن فوقها وما يصعدُ من تحتها. أو لأنَّها تنتهي إليها أرواحُ الشهداء، أو أرواحُ المؤمنين مطلقاً. أو لانتهاء مَن رُفع إليها في الكرامة. وفي ((الكشاف)): كأنَّها منتهى الجنة وآخرُها(٢). وإضافة ((سِدْرة)) إلى ((المُنتھَى)) من إضافة الشيءٍ لمحلِّه، كما في: أشجار البستان، وجوِّز أنْ تكونَ من إضافة المحلِّ إلى الحالِّ كما في قولك: كتاب الفقه. وقيل: يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بـ ((المنتهى)) اللهَ عز وجل، فالإضافةُ من إضافة المُلْك إلى المالك، أي: سِذْرة الله الذي إليه المنتهى، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَىِ ﴾﴾ وعُدَّ ذلك من باب الحذفِ والإيصال. ولا يخفى أنَّ هذا القولَ یکاد یکون المنتھی في البعد. ﴿عِنْدَهَا﴾ أي: عند السدرة، وجوِّزَ أنْ يكونَ الضميرُ للنزلة، وهو نازلٌ عن رُتبة القَبول. وجَّةُ الْوَ﴾ التي يأوي إليها المتقون يوم القيامة كما روي عن الحسن، واستُدلَّ به على أنَّ الجنةَ في السماء. وقال ابن عباس بخلافٍ عنه وقتادة: هي جنةٌ تأوي إليها أرواح الشهداء، وليست بالتي وُعِد المتقون. (١) عزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١٢٥/٦، وأخرج الطبري ٣٣/٢٢ عن كعب الأحبار، أنه حدث به ابن عباس لما سأله ابن عباس عن سدرة المنتهى. (٢) الكشاف ٢٩/٤. سُؤَّةُ النَجَيْ ١٢٠ الآية : ١٦ وقيل: هي جنةٌ تأوي إليها الملائكةُ عليهم السلام. والأول أظهرُ. والمأوى على ما نصَّ عليه الجمهور اسمُ مكانٍ، وإضافة الجنة إليه بيانية. وقيل: من إضافة الموصوفِ إلى الصفة كما في مسجد الجامع. وتعقِّب بأنَّ اسم المکان لا یوصَف به. والجملةُ حاليةٌ، وقيل: الحالُ هو الظرفُ، و((جنةُ)) مرتفعٌ به على الفاعلية. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأبو الدرداء وأبو هريرةَ وابنُ الزبير وأنسُ وزرٌّ ومحمد بنُ كعب وقتادةُ: ((جَنَّهُ)) بهاء الضمير(١)، وهو ضميرُ النبيِّ وَلَ، وجَنَّ: فعلٌ ماضٍ، أي: عندها ستَرَه إيواءُ الله تعالى وجميلُ صُنعِهِ به، أو ستَرَه المأوَى بظلاله ودَخَل فيه. على أنَّ ((المأوَى)) مصدرٌ ميميُّ، أو اسمُ مكانٍ. وجَّه بمعنى ستَرَه، قال أبو البقاء: شاذٌّ، والمستعملُ أَجنَّه (٢). ولهذا قالت عائشة خَّ وكذا جَمْعٌ من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: مَن قَرأَ به فأَجتَّه الله تعالى، أي: جعَلَه مجنوناً، أو أدخله الجَنَنَ وهو القبرُ. وأنت تعلمُ أنَّه إذا صحَّ أنَّه قرأ به الأمير كرم الله تعالى وجهه ومَن معه من أكابر الصحابة فليس لأحدٍ ردُّه من حيث الشذوذ في الاستعمال، وعائشة قد حُكيَ عنها الإجازة أيضاً(٣). متعلِّقٌ بـ ((رآه)). وقيل: بما بَعْدُ مِن الجملة ﴿إِذْ يَغْشَى السّذْرَةَ مَا يَغْشَى (49) المنفية، ولا يضرُّ التقدُّم على ((ما)) النافية؛ للتوسع في الظرف. والغَشَيانُ بمعنى التغطية والستر، ومنه الغَواشي، أو بمعنى الإتيان؛ يقال: فلانٌ يغشَى زيداً كلَّ حينٍ، أي: يأتيه. والأولُ هو الأَلْيقُ بالمقام. وفي إيهام ((ما يغشى)) من التفخيم ما لا يخفَى، فكأنَّ الغاشي أمرٌ لا يحيط به نطاقُ البيان، ولا تَسَعُه أردانُ الأذهان. وصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضية (١) القراءات الشاذة ص ١٤٦، والمحتسب ٢٩٣/٢، والمحرر الوجيز ١٩٩/٥، والبحر المحيط ١٥٩/٨. (٢) إملاء ما من به الرحمن ٣٥٧/٤. (٣) البحر ٨ /١٦٠.