النص المفهرس

صفحات 41-60

الآية : ٤٥ - ٤٧
٤١
سُورَةُ اللَّارِفَاتِ
! أُسْتَطَعُوا مِن قِيَارٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]
وقيل: هو من قولهم: ما يقومُ فلانٌ بكذا، إذا عَجَز عن دَفْعه، وروي ذلك عن
قتادة، فهو معنَى مجازيٌّ، أو كنايةٌ شاعت حتى التحقَت بالحقيقة ﴿وَمَا كَانُواْ
مُنْتَصِرِينَ﴾ بغيرهم كما لم يتمنَّعوا بأنفسهم.
﴿وَقَوْمَ نُوْجٌ﴾ أي: وأهلكنا قومَ، فإنَّ ما قبله يدلُّ عليه، أو: واذكر، وقيل:
عطف على الضمير في ((فأخذَتْهم))، وقيل: في ((فنبذناهم)) لأنَّ معنى كلِّ
فأهلكناهم، وهو كما ترى.
وجوِّز أنْ يكونَ عطفاً على محلِّ ((وفي عادٍ) أو ((وفي ثمود)) وأُيِّدَ بقراءة عبد الله
وأبي عمرو وحمزة والكسائي: ((وقومٍ)) بالجرِّ(١).
وقرأ عبدُ الوارث ومحبوب والأصمعيُّ عن أبي عمرو وأبو السمال وابن
مقسم: ((وقومُ)) بالرفع(٢)، والظاهرُ أنَّه على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ، أي:
أهلكناهم.
﴿مِنْ قَّلٌّ﴾ أي: من قبل هؤلاء المهلَكين.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ خارجين عن الحدود فيما كانوا فيه من الكفر
والمعاصي.
﴿وَالسَّمَ﴾ أي: وبنينا السماء ﴿بَيَْهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوةٍ، قاله ابن عباس
ومجاهد وقتادة، ومثله الآد(٣)، وليس جمع ((يد)) وجوَّزه الإمام(٤)، وإنْ صحَّت
التورية به .
(١) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي في التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، وهي قراءة خلف
من العشرة، وقراءة عبد الله هي: ((وفي قوم)) كما في معاني القرآن للفراء ٨٨/٣، والكشاف
١٩/٤، والبحر ٨/ ١٤١، والدر المصون ١٠/ ٥٧.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٤١.
(٣) الآدُ: الصلب والقوة. القاموس (آد).
(٤) في مفاتيح الغيب ٢٢٦/٢٨-٢٢٧.

سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
٤٢
الآية : ٤٨ - ٤٩
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لقادرون، من الوُسْع بمعنى الطاقة، فالجملةُ تذييلٌ إثباتاً
لسعَة قُدرته عز وجل كلَّ شيءٍ فضلاً عن السماء، وفيه رمزٌ إلى التعريض الذي في
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وعن الحسن: (لموسعون)) الرزق بالمطر. وكأنَّه أَخذَه مِن أنَّ المساقَ مساقُ
الامتنان بذلك على العباد لا إظهارُ القدرة، فكأنَّه أُشيرَ في قوله تعالى: (وَالسَّمَآءَ بَنِينَهَا
بِأَيْدٍ) إلى ما تقدَّم من قوله سبحانه: (وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) على بعض الأقوال، فناسب أنْ
يُتمَّمَ بقوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) مبالغةً في المنِّ، ولا يحتاج أنْ يفسر ((الأيد))
بالإنعام على هذا القول؛ لأنَّه يتمُّ المقصود دونه، واليدُ بمعنى النعمة لا الإنعام.
وقيل: أي: لموسعوها بحيث إنَّ الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء
بالنسبة إليها كحلقة في فلاة.
وقيل: أي: لجاعلون بينها وبين الأرض سِعةً، والمرادُ السعةُ المكانية، وفيه
على القولَين تتميمٌ أيضاً.
﴿وَالْأَرْضَ﴾ أي: وفرشنا الأرض ﴿فَرَشْتَهَا﴾ أي: مهدناها وبسطناها لتستقرُّوا
عليها، ولا يُنافي ذلك شبهها للكرة على ما يزعمُهُ فلاسفة العصر.
﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ أي: نحن، وقرأ أبو السمال ومجاهد وابن مقسم برفع
(السماء)) ورفع ((الأرض))(١) على أنَّهما مبتدآن وما بعدهما خبرٌ لهما.
﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: من كلِّ جنسٍ من الحيوان ﴿فَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ نوعَين ذكراً
وأنثى، قاله ابن زيد وغيره. وقال مجاهد: هذا إشارةٌ إلى المتضادَّات والمتقابلات
كالليل والنهار، والشقوة والسعادة، والهدى والضلال، والسماء والأرض، والسواد
والبياض، والصحة والمرض، إلى غير ذلك، ورجَّحه الطبريُّ بأنَّه أدلُّ على
القدرة(٢).
(١) البحر المحيط ٨/ ١٤٢.
(٢) تفسير الطبري ٥٤٨/٢١ .

الآية : ٥٠ - ٥١
٤٣
سُورَةُ الدَّارَاتِ
وقيل: أُرِيدَ بالجنس المنطقي، وأقلُّ ما يكون تحتَه نوعان، فخلَقَ سبحانه من
الجوهرَ مثلاً الماديَّ والمجرَّد، ومن الماديِّ الناميَ والجامد، ومن النامي المدْرِك
والنبات، ومن المدرك الصامت والناطق، وهو كما تَرَى.
﴿لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ﴾ أي: فَعَلْنا ذلك كلَّه كي تتذكّروا فتعرِفُوا أنَّه عز وجل الربُّ
القادرُ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ، فتعملوا بمقتضاه ولا تعبدوا ما سواه.
وقيل: خَلَقْنا ذلك كي تتذكروا فتعلموا أنَّ التعدُّد من خواصِ الممكِّنَات وأنَّ
الواجبَ بالذات سبحانه لا يقبلُ التعدُّد والانقسام.
وقيل: المرادُ التذكُّر بجميع ما ذُكِرَ لأمرٍ الحشر والنشر؛ لأنَّ مَن قدر على
إيجاد ذلك فهو قادرٌ على إعادة الأموات يوم القيامة. وله وجهٌ.
وقرأ أُبيِّ: ((تتذكرون)) بتاءين وتخفيف الذال(١).
﴿فَفِرُّواْ إِلَى اَللَّهِ﴾ تفريعٌ على قوله سبحانه: (لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ) وهو تمثيلٌ للاعتصام
به سبحانه وتعالى وبتوحيده عز وجل، والمعنى: قل يا محمد: ففِرُّوا إلى الله
لمكانٍ ﴿إِنَّ لَكُم مِّنْهُ﴾ أي: من عقابه تعالى المعدِّ لمن لم يَفِرَّ إليه سبحانه ولم
يُوحِّده ﴿نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ بَيَّن كونَه مُنذِراً من الله سبحانه بالمعجزات، أو (مبين)) ما يجبُ
أنْ يُحذر عنه.
﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ﴾ عطف على الأمر، وهو نهيٌ عن الإشراك
صريحاً على نحو: وحِّدُوه ولا تشركوا. ومن الأذكار المأثورة: ((لا إله إلا الله
وحده لا شريك له))(٢).
وكرَّر قوله تعالى: ﴿إِّ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ لاتِّصال الأولِ بالأمر واتصال هذا
بالنهي، والغرضُ من كلِّ ذلك الحثُّ على التوحيد والمبالغةُ في النصيحة.
(١) المحرر الوجيز ١٨١/٥، والبحر المحيط ١٤٢/٨.
(٢) أخرجه أحمد (١٨١٩٢)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن
شعبة ظه، وأخرجه أحمد (٢٢٦٧٣)، والبخاري (١١٥٤) من حديث عبادة بن
الصامت قلبه .

سُورَةُ اللَّارَاتِ
٤٤
الآية : ٥٢
وقيل: إنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ الأمرُ بالإيمان وملازمة الطاعة،
وذَكَر ((ولا تجعلوا)) إلخ إفراداً لأعظم ما يجبُ أنْ يفرَّ منه، و((إنِّي لكم)) إلخ الأول .
مرتَّبٌ على ترك الإيمان والطاعة، والثاني على الإشراك، فهما متغايران لتغاير
ما ترتَب كلٌّ منهما عليه ووقع تعليلاً له. ولا يخلو عن كَدَر.
وقال الزمخشري في الآية: فِرُّوا إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه، ووحِّدُوا
ولا تشركوا به، وكرّر ((إِنِّي لكم)) إلخ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليُعلَمَ
أنَّ الإيمان لا ينفعُ إلا مع العمل، كما أنَّ العمل لا ينفعُ إلا مع الإيمان وأنَّه لا يفوزُ
عند الله تعالى إلا الجامع بينهما (١). انتهى.
وفيه أنَّه لا دلالة في الآية على ذلك بوجهٍ، ثم تفسيرُ الفرار إلى الله بما فسَّره
أيضاً لينطبقَ على العمل وحده غيرُ مسلَّم، على أنَّه لو سُلِّم الإنذار بترك العملِ فمن
أين يلزمُ عدمُ النفع، وأهل السنَّة لا يُنازعون في وقوع الإنذار بارتكاب المعصية،
فالمنساقُ إلى الذِّهن على تقدير كونِ المرادِ بالفرار إلى الله تعالى العبادةَ أنَّه تعالى
أمَر بها أولاً، وتوَّد تاركها بالوعيد المعروفِ له في الشرع، وهو العذابُ دون
خلود، ونهى جل شأنه ثانياً أنْ يُشرك بعبادته سبحانه غيرُه، وتوعَّد المشركَ بالوعيد
المعروف له وهو الخلودُ، وعلى هذا يكون الوعيدان متغايرَين، وتكونُ الآية في
تقديم الأمر على النهي فيها نظيرَ قوله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
صَلًِّا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وأين هذا مما ذكره الزمخشريُّ، عامله الله تعالى
بعدله؟
كَذَلِكَ﴾ أي: الأمرُ مثلُ ذلك، تقريرٌ وتوكيدٌ على ما مرَّ غير مرَّة، ومِن فصل
الخطاب، لأنَّه لمَّا أراد سبحانه أنْ يستأنفَ قصةً قولهم المختلفِ في الرسول وَّه
بعد أنْ تقدَّمت عموماً أو خصوصاً في قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ) وكان قد
توسَّط ما توسط، قال سبحانه: الأمر كذلك، أي: مثل ما يُذكَر ویأتیك خبرُه،
(١) الكشاف ٢٠/٤.

الآية : ٥٢
٤٥
سُورَةُ الدَّارَات
إشارةً إلى الكلام الذي يتلوه، أعني: قوله عز وجل: ﴿مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبَّلِهِم﴾ إلى
آخره، فهو تفسيرُ ما أجمل، وهو مرادُ مَن قال: الإشارةُ إلى تكذيبهم الرسولَ عليه
الصلاة والسلام وتسميتهم إياه - وحاشاه - ساحراً ومجنوناً .
ويُعلَمُ مما ذُكِرَ أنَّ ((كذلك)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ولا يجوز نصبُه بـ ((أَتَى)) على
أنَّه صفةٌ لمصدره، والإشارةُ إلى الإتيان، أي: ما أَتَى الذين من قبلهم مِن رسولٍ
إتياناً مثل إتيانهم إلا قالوا .. إلخ؛ لأنَّ ما بعد ((ما)) النافية لا يعمل فيما قبلها على
المشهور، ولا بـ ((أتى))(١) مقدَّراً على شريطة التفسير؛ لأن ما لا يعمل لا يفسِّر
عاملاً في مثل ذلك كما صرَّح به النحاة.
وجَعْلُه معمولاً لـ ((قالوا)) والإشارةُ للقول، أي: إلا قالوا ساحر أو مجنون قولاً
مثل ذلك القول، لا يجوز أيضاً على تعشُّفه؛ لمكان ((ما)).
وضميرُ ((قبلَهم)) لقريش، أي: ما أتى الذين من قبل قريش ﴿مِّن رَّسُولٍ﴾ أي:
رسول من رُسُل الله تعالى ﴿إِلَّا قَالُواْ﴾ في حقِّه: ﴿سَلِ أَوْ بَحْنُنُ﴾ خبرُ مبتدأ
محذوفٍ، أي: هو ساحر، و((أو)) قيل: مِن الحكاية، أي: إلا قالوا: ساحرٌ،
أو: قالوا: مجنون، وهي لمنع الخُلوِّ، وليسَت من المحكي ليكونَ مقولَ كلِّ
مجموعُ ((ساحر أو مجنون)).
وفي ((البحر)): هي للتفصيل، أي: قال بعضٌ: ساحر، وقال بعضٌ: مجنون،
وقال بعضٌ: ساحرٌ ومجنون، فجمِعَ القائلون في الضمير ودلَّت ((أو)) على
التفصيل(٢). انتهى، فلا تغفل.
واستشكلَت الآية بأنَّها تدلُّ على أنَّه ما من رسول إلا كُذِّب، مع أنَّ الرسل
المقرِّرين شريعةً مَن قبلَهم كـ: يوشع عليه السلام لم يكذّبوا، وكذا آدم عليه السلام
أُرسِل ولم يُكذَّب.
(١) في (م): يأتي، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٠٠/٨.
(٢) البحر المحيط ١٤٢/٨.

سُورَةُ الدَّارَات
٤٦
الآية : ٥٢
وأجاب الإمام بقوله: لا نُسلِّم أنَّ المقرِّر رسولٌ، بل هو نبيٌّ على دين رسولٍ،
ومَن كَذَّب رسولَه فهو يُكذِّبُه أيضاً(١).
وتُعقّب بأنَّ الأخبار وكذا الآيات دالةٌ على أنَّ المقرِّرين رُسُلٌ، وأيضاً يبقَى
الاستشكال بآدم عليه السلام، وقد اعترف هو بأنَّه أُرسل ولم يكذَّب.
وأجاب بعضٌ عن الاستشكال بالمقرِّرين: بأنَّ الآية إنَّما تدلُّ على أنَّ الرسل
الذين أَتَوا مِن قبلهم كلّهم قد قيل في حقِّهم ما قيل، ولا يدخُل في عموم ذلك
المقرِّرون؛ لأنَّ المتبادر من إتيان الرسول قوماً مجيئُه إياهم مع عدم تبليغٍ غيرِه
إياهم ما أَتَى به مَن قبلَه، وذلك لم يحصُل للمقرِّر شرعَ مَن قبلَه كما لا يخفى.
وعن الاستشكال بآدم عليه السلام: بأنَّ المراد: ما أَتَى الذين مِن قبلهم من
الأمم الذين كانوا موجودين على نحو وجودٍ هؤلاء رسولٌ إلا قالوا .. إلخ، وآدم
عليه السلام لم يأتِ أمةً كذلك، إذ لم يكن حين أُرسل إلا زوجتُه حواء. ولعلَّه
أَولَى مما قيل: إن المراد: مِن رسول من بني آدم، فلا يدخل هو عليه السلام في
ذلك.
واستشكلت أيضاً بأنَّ ((إلا قالوا)) يدلُّ على أنَّهم كلّهم كُذِّبوا مع أنَّه ما مِن
رسول إلا آمن به قومٌ.
وأجاب الإمام: بأنَّ إسناد القولِ إلى ضمير الجمع على إرادةِ الكثير بل الأكثر،
وذُكر المكذِّب فقط لأنَّه الأوفقُ بغرض التسليةِ (٢).
وأَخذَ منه بعضُهم الجوابَ عن الاستشكال السابق فقال: الحكمُ باعتبار
الغالب، لا أنَّ كلَّ أمةٍ من الأمم أتاها رسولٌ فكذبته لِيَرِدَ آدمُ والمقرِّرون حيث لم
یگذَّبوا. وفيه ما فيه.
وحمل بعضُهم ((الذين مِن قبلهم)) على الكفار، ودفع به الاستشكالَين. وفيه
ما لا يخفى.
(١) مفاتيح الغيب ٢٣٠/٢٨.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٣٠/٢٨.

الآية : ٥٣ - ٥٥
٤٧
سُوَّةُ الدَّارَاتِ
فتأمل جميع ذلك، ولا تظنَّ انحصارَ الجواب فيما سمعتَ، فَأَمْعِنِ النظر واللهُ
تعالى الهادي لأحسن المسالك.
﴿أَنَوَاصَوْاْ بٍِ﴾ تعجيبٌ من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، أي: كأنَّ
الأوَّلين والآخرين منهم أَوصَى بعضُهم بعضاً بهذا القول، حتى قالوه جميعاً، وقيل:
إنكارٌ للتواصي، أي: ما تواصوا به.
﴿بَّ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ إضرابٌ عن أنَّ التواصي جامعُهم إلى أنَّ الجامعَ لهم على
ذلك القولِ مشاركتُهم في الطغيان الحامل عليه.
﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرِضْ عن جدالهم، فقد كَرَّرْتَ عليهم الدعوة، ولم تألُ جهداً
في البيان، فَأَبَوا إلا إباءً وعناداً ﴿فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ على التولِّي بعد ما بذلْتَ
المجهودَ وجاوزَت في الإبلاغ كلَّ حدٍّ معهود.
﴿وَذَكِّرْ﴾ دُمْ(١) على فعل التذكير والموعظة ولا تَذَعْ ذلك؛ فالأمرُ بالتذكير
للدوام عليه، والفعلُ منزَّلٌ منزلَة اللازم. وجوِّز أنْ يكون المفعولُ محذوفاً، أي:
فذگِّرهم، وخُذِف لظهور الأمر.
﴿فَإِنَّ الذِّكْرَىْ تَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين قَدَّر الله تعالى إيمانَهم، أو المؤمنين
بالفعل، فإنها تزيدُهم بصيرةً وقوةً في اليقين، وفي ((البحر))(٢): يدلُّ ظاهرُ الآية على
الموادعة، وهي منسوخةٌ بآية السيف.
وأخرج أبو داود في ((ناسخه)) وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: (فَوَلَّ
عَنْهُمْ) إلخ، قال: أَمَره الله تعالى أنْ يتولَّى عنهم ليعذِّبَهم وعَذَر محمداً وَِّ، ثم قال
سبحانه: (وَذَكِّرْ) إلخ فنسخَتها(٣) .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في ((الشعب)) والضياء في ((المختارة))
وجماعة من طريق مجاهد عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: لمَّا نزلت: (فَوَلَ عَنْهُمْ
(١) في (م): ادم.
(٢) ١٤٣/٨.
(٣) الدر المنثور ١١٦/٦.

سُورَةُ الدَّارِفَاتِ
٤٨
الآية : ٥٦
فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ) لم يبقَ منَّا أحدٌ إلا أيقنَ بالهلكة، إذ أُمر النبيُّ وَّهِ أنْ يتولَّى عنَّا،
فنزلت: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَ نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) فطابت أنفسُنا(١).
وعن قتادة: أنَّهم ظنُّوا أنَّ الوحيَ قد انقَطع، وأنَّ العذاب قد حضَر فأنزل الله
تعالى: (وَذَكِرٌ) إلخ.
استئنافٌ مؤكِّد للأمر، مقرِّرٌ
٥٦
﴿وَمَا خَلَفْتُ اَلِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
لمضمون تعليله، فإنَّ خَلْقَهم لِمَا ذَكَر سبحانه وتعالى مما يدعوه بَّهُ إلى
تذكيرهم، ويُوجب عليهم التذكُّر والاتِّعاظَ، ولعل تقديم الجنِّ في الذكر لتقدُّم
خَلْقِهم على خَلْق الإنس في الوجود، والظاهرُ أنَّ المراد مَن يُقابَلون بهم
وبالملائكة عليهم السلام، ولم يُذكَر هؤلاء قيل: لأنَّ الأمر فيهم مسلَّمٌ، أو لأنَّ
الآيةَ سيقَت لبيان صَنيع المكذِّبين، حيث تركوا عبادةَ الله تعالى وقد خُلِقُوا لها؛
وهذا التركُ مما لا يكون فيهم، بل هم عبادٌ مكرمون لا يستكبرون عن عبادته
عز وجل.
وقيل: لأنَّهَ بَِّ ليس مبعوثاً إليهم، فليس ذكرُهم في هذا الحكم مما يدعوه عليه
الصلاة والسلام إلى تذكيرهم. وأنت تعلم أنَّ الأصحَّ عمومُ البعثة، فالأَولى ما قيل
بدله، لاستغنائهم عن التذكير والموعظة.
وقيل: المرادُ بـ ((الجنِّ)) ما يتناولهم؛ لأنَّه من الاستتار، وهم مستترون عن
الإنس. وقيل: لا يصحُّ ذكرهم في حيِّز الخلق؛ لأنَّهم كالأرواح من عالم الأمرِ
المقابلِ لعالم الخلق، وقد أُشير إليهما بقوله تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَآلْأَمْ﴾
[الأعراف: ٥٤]. ورُدَّ بقوله سبحانه: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] و((له الخلق
والأمر)) ليس كما ظنَّ.
والعبادة غايةُ التذلُّل، والظاهرُ أنَّ المراد بها ما كانت بالاختيار دون التي
بالتسخير الثابتةِ لجميع المخلوقات، وهي الدلالة المنِّهة على كونها مخلوقةً، وأنَّها
(١) تفسير الطبري ٥٥٥/٢١، وشعب الإيمان (١٧٥٠)، والأحاديث المختارة (٧١٤)، وعزاه
لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١١٦/٦ .

الآية : ٥٦
٤٩
سُورَةُ الزَّارِيَاتِ
خَلْقُ فاعلٍ حكيم، ويعبَّر عنها بالسجود كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
و((أل)) في ((الجن)) و((الإنس)) على المشهور للاستغراق.
واللامُ قيل: للغاية، والعبادة وإنْ لم تكن غايةً مطلوبة من الخلق، لقيام الدليل
على أنَّه عز وجل لم يخلق الجنَّ والإنس لأجلها، أي: لإرادتها منهم، إذ لو
أرادها سبحانه منهم لم يتخلَّف ذلك، لاستلزام الإرادة الإلهية للمراد، كما بُيِّن في
الأصول، مع أنَّ التخلُّفَ محقَّقٌ بالمشاهدة، وأيضاً ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا
لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يدلُّ على إرادة المعاصي من الكثير
ليستحِقُّوا بها جهنَّم فَيُنافي إرادةَ العبادةِ، لكن لمَّا كان خلقُهم على حالةٍ صالحة
للعبادة مستعدَّةٍ لها، حيث رَّب سبحانه فيهم عقولاً وجعل لهم حواسَّ ظاهرةً
وباطنةً، إلى غير ذلك من وجوه الاستعداد، جَعَل خلْقَهم مغيّاً بها، مبالغةً بتشبيه
المعدِّ له الشيءُ بالغاية، ومثلُه شائعٌ في العرف، ألا تراهم يقولون للقويِّ جسمُه:
هو مخلوقٌ للمصارعة، وللبقر: هي مخلوقٌ للحرث.
وفي ((الكشف)): إنَّ أفعالَه تعالى تَنساقُ إلى الغايات الكمالية، واللامُ فيها
موضوعُها ذلك، وأما الإرادة فليسَت من مقتضَى اللام إلا إذا عُلِمَ أنَّ الباعث
مطلوبٌ في نفسه، وعلى هذا لا يُحتاجُ إلى تأويلٍ، فإنَّهم خُلِقُوا بحيث يتأتّى
منهم العبادة، وهُدُوا إليها، وجُعِلَت تلك غايةً كماليةً لخلقهم، وتعوُّقُ بعضِهم
عن الوصول إليها لا يمنعُ كونَ الغاية غايةً، وهذا معنًى مكشوفٌ. انتهى،
فتأمل.
وقيل: المرادُ بالعبادة التذلَّلُ والخضوع بالتسخير، وظاهرٌ أنَّ الكلَّ عابدون إیاه
تعالى بذلك المعنى، لا فرقَ بين مؤمنٍ وكافر، وبِّ وفاجر.
ونحوُه ما قيل: المعنى: ما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا لِيَذِلُّوا لقضائي.
وقيل: المعنى: ما خلقتُهم إلا ليكونوا عباداً لي، ويرادُ بالعبد العبدُ بالإيجاد،
وعمومُ الوصف عليه ظاهرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َتِ

سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
٥٠
الآية : ٥٦
اُلَّهَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] لكن قيل عليه: إنَّ عَبَدَ بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في
شيءٍ.
وقيل: العبادةُ بمعنى التوحيد بناءً على ما روي عن ابن عباس أنَّ كلَّ عبادةٍ في
القرآن فهو توحيدٌ، فالكلُّ يوحِّدونَه تعالى في الآخرة، أما توحيدُ المؤمنِ في الدنيا
هناك فظاهرٌ، وأما توحيدُ المشرك فيدُّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّآ أَنْ
قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وعليه قولُ مَن قال: لا يدخلُ النار كافرٌ.
أو المراد كما قال الكلبي: إنَّ المؤمن يُوحِّدُه في الشدّة والرخاء، والكافر
يوحِّدُه سبحانه في الشدَّةِ والبلاء دونَ النعمةِ والرخاءِ، كما قال عز وجل: ﴿فَإِذَا
رَحِكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ولا يخفَى بُعْدُ ذلك عن
الظاهر والسياق.
ونُقِل عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس ظًَّا: ما خلقتُهم إلا لآمرَهم
وأدعوهم للعبادة. فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّه﴾ [البينة: ٥] فذكر
العبادة المسبََّةِ شرعاً عن الأمر أو اللازمة له، وأُريدَ سببها أو ملزومها فهو مجازٌ
مرسل، وأنت تعلم أنَّ أمرَ كلٍّ مِن أفراد الجنّ وكلٌّ مِن أفراد الإنس غيرُ متحقِّق،
لاسيَّما إذا كان غيرُ المكلَّفين كالأطفال الذين يموتون قبل زمانِ التكليف داخلين في
العموم.
وقال مجاهد: إنَّ معنى ((ليعبدون)): ليعرفون، وهو مجازٌ مرسَل أيضاً من إطلاق
اسمِ السبب على المسبَّب على ما في ((الإرشاد))، ولعل السرَّ فيه التنبيهُ على أنَّ المعتبر
هي المعرفةُ الحاصلةُ بعبادته تعالى، لا ما يحصُل بغيرها كمعرفةِ الفلاسفة(١).
وقيل وهو حَسَنٌ: لأنَّهم لو لم يخلقهم عز وجل لم يُعرَف وجودُه وتوحيدُه
سبحانه وتعالى، وقد جاء: ((كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أنْ أُعرفَ، فخلقْتُ الخلقَ
لأُعرفَ))(٢).
(١) إرشاد العقل السليم ١٤٥/٨.
(٢) لا أصل له، وسلف ١٩٩/١، ١٥٤/٤.

الآية : ٥٦
٥١
سُورَةُ الدَّارِيَات
وتُعقب بأنَّ المعرفة الصحيحةَ لم تتحقَّق في كلٍّ بل بعضٌ قد أنكر وجودَه عز
وجل كالطبيعيين اليوم، فلا بدَّ من القول السابق في توجيه التعليل، ثم الخبر بهذا
اللفظ ذكره سعد الدين سعيد الفرغاني في ((منتهى المدارك)» (١)، وذكره غيره کالشيخ
الأكبر في الباب المئة والثمانية والتسعين من الفتوحات بلفظ آخر(٢). وتعقّبه
الحفاظ فقال ابنُ تيمية(٣): إنَّه ليس من كلام النبيِّ ◌َِّ، ولا يُعَرف له سندٌ صحيحٌ
ولا ضعيف. وكذا قال الزركشي والحافظ ابن حجر(٤) وغيرهما، ومَن يَرویه من
الصوفية معترِفٌ بعدم ثُبوته نقلاً لكنْ يقول: إنَّه ثابتٌ كشفاً، وقد نصّ على ذلك
الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه في الباب المذكور، والتصحيحُ الكشفي شنشنةٌ لهم، ومع
ذلك فيه إشكالٌ معنّى، إلا أنَّه أُجيبَ عنه ثلاثة أجوبة ستأتي(٥) إن شاء الله تعالى.
وقيل: ((أل)) في ((الجن والإنس)) للعهد، والمرادُ بهم المؤمنون؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩] أي: بناء على أنَّ اللام فيها ليست للعاقبة،
ونُسِب هذا القولُ لزيد بن أسلم وسفيان، وأُيِّد بقوله تعالى قبل: (فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنَفَعُ
الْمُؤْمِنِينَ) وأَيَّده في ((البحر)) برواية ابن عباس عن رسول الله وَّهِ: ((وما خلقْتُ الجنَّ
والإنسَ من المؤمنين))(٦) ورواها بعضُهم قراءةً لابن عباس ◌َ﴾(٧).
ومن الناس مَن جعلها للجنس، وقال: يكفي في ثبوت الحكم له ثبوتُه لبعض
أفرادِه، وهو هنا المؤمنون الطائعون، وهو في المآل متَّحدٌ مع سابقه، ولا إشكال
على ذلك في جعل اللام للغاية المطلوبة حقيقةً، وكذا في جعلها للغرض عند مَن
(١) منتهى المدارك ومشتهى لبِّ كلِّ كامل وعارف وسالك، وهو شرح لتائية ابن الفارض في
التصوف لمحمد بن أحمد الشهير بسعيد الفرغاني الصوفي، المتوفى سنة (٦٩٩هـ). كشف
الظنون ٢٦٦/١ وهدية العارفين ١٣٩/٢-١٤٠.
(٢) الفتوحات المكية ٣٩٩/٢، ولفظه فيه: «كنت كنزاً لم أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت
الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني».
(٣) في مجموع الفتاوى ١٢٢/١٨، ٣٧٦.
(٤) المقاصد الحسنة ص ٣٢٧.
(٥) ص٥٩- ٦٠ من هذا الجزء.
(٦) المحرر الوجيز ١٨٣/٥، والبحر المحيط ١٤٣/٨.
(٧) تفسير البغوي ٢٣٥/٤.

سُورَةُ الدَّارَاتِ
٥٢
الآية : ٥٧
يجوِّزُ تعليلَ أفعاله تعالى بالأغراض مع بقاء الغنى الذاتي وعدم الاستكمالِ بالغير،
كما ذهب إليه كثيرٌ من السلف والمحدِّثين، وقد سمعْتُ أنَّ منهم مَن يقسمُ الإرادةَ
إلى شرعية تتعلَّق بالطاعات، وتكوينيةٍ تتعلَّق بالمعاصي وغيرها، وعليه يجوز أنْ
يبقى ((الجن والإنس)) على شمولهما للعاصين، ويقال: إنَّ العبادةَ مرادةٌ منهم أيضاً
لكن بالإرادة الشرعية إلا أنَّه لا يتمُّ إلا إذا كانت هذه الإرادةُ لا تستلزم وقوعَ
المراد، كالإرادة التفويضية القائلِ بها المعتزلة.
هذا، وإذا أحطتَ خُبراً بالأقوال في تفسير هذه الآية، هانَ عليك دفعُ ما يتراءى
من المنافاة بينها وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨-١١٩] على تقدير كونِ الإشارةِ إلى الاختلاف بالتزام بعضٍ
هاتيك الأقوال فيها .
ودَفَعه بعضُهم بكون اللام في تلك الآية للعاقبة، والذي ينساقُ إلى الذهن أنَّ
الحصر إضافيٌّ، أي: خلقتُهم للعبادة دون ضدها، أو دون طلب الرزق والإطعام،
على ما يُشير إليه كلامُ بعضهم أخذاً من تعقيب ذلك بقوله سبحانه: ﴿مَّ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن
﴾ وهو لبيان أنَّ شأنه - تعالى شأنه - مع عباده ليس كشأن
رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
السادةِ مع عبيدهم؛ لأنَّهم إنما يملكونَهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم
وأرزاقهم، ومالكُ مُلَّاكِ العبيد نَفَى - عز وجل - أنْ يكون ملكُه إياهم لذلك، فكأنَّه
قال سبحانه: ما أُريدُ أنْ أستعينَ بهم كما يستعينُ مُلَّاك العبيد بعبيدهم، فليشتغلوا
بما خُلِقُوا له من عبادتي.
وذكر الإمام فيه وجهَين: الأول: أنْ يكونَ لدفع توقُّم الحاجة مِن خَلْقهم
للعبادة، والثاني: أنْ يكونَ لتقرير كونهم مخلوقينَ لها، وبَيَّن هذا بأنَّ الفعل في
العُرف لابدَّ له من منفعة، لكن العبيد على قسمين: قسمٌ يُتَّخذُون لإظهار العظمةِ
بالمثول بين أيادي ساداتهم وتعظيمهم إياهم كعبيد الملوك، وقسمٌ يُتَّخذُون للانتفاع
بهم في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها، فكأنَّه قال سبحانه: إنِّي خلقتُهم ولابدَّ فيهم
من منفعةٍ، فليتفكروا في أنفسهم هل هم من قبيل أنْ يُطلَبَ منهم تحصيلُ رزقٍ؟
وليسوا كذلك، فما أُريدُ منهم من رزق، وهل هم ممن يُطلَب منهم إصلاحُ قوتٍ

الآية : ٥٧
٥٣
سُؤَدَّةُ الدَّارِيَاتِ
كالطبّاخِ ومَن يقرّب الطعام؟ وليسوا كذلك، فما أُريدُ أنْ يُطعمون، فإذاً هم عبيدٌ من
القسم الأول، فينبغي أنْ لا يتركوا التعظيمَ.
والظاهرُ أنَّ المعنى: ما أُريدُ منهم مِن رزقٍ لي؛ لمكان قوله سبحانه: (وَمَا أُرِيدُ
أَن يُطْعِمُونِ) وإليه ذهب الإمام.
وذَكَر في الآية لطائفَ:
الأُولى: أنَّه سبحانه كرَّر نَفْي الإرادتين، لأنَّ السيد قد يطلبُ من
العبد التكسُّبَ له، وهو طلبُ الرزق، وقد لا يطلبُ حيث كان له مال وافرٌ، لكنَّه
يطلبُ قضاءَ حوائجه من حِفْظِ المال وإحضارِ الطعام من ماله بين يديه، فنَفْي
الإرادة الأُولَى لا يسلتزمُ نَفْيَ الإرادةِ الثانية، فكرَّر النهيَ على معنى: لا أُريدُ هذا
ولا أُريدُ ذلك.
الثانية: أنَّ ترتيبَ النَّفْيَين كما تضمَّنه النظمُ الجليل من باب الترقِّي في بيان غِناهُ
عز وجل، كأنَّه قال سبحانه: لا أَطلبُ منهم رزقاً ولا ما هو دونَ ذلك، وهو تقدیمُ
الطعام بين يدَي السيد، فإنَّ ذلك أمرٌ كثيراً ما يُطلَبُ من العبيد إذا كان التكسُّب
لا یطلبُ منهم.
الثالثة: أنَّه سبحانه قال: (مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ) دون: ما أُريدُ منهم أنْ يرزقون؛
لأنَّ التكسُّب لطَلَب العين(١) لا الفعل، وقال سبحانه: (وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) دونَ:
ما أُريدُ من طعام؛ لأنَّ ذلك للإشارة إلى الاستغناء عما يفعلُه العبد الغيرُ المأمور
بالتكسُّب كعبد وافرِ المال، والحاجة إليه للفعل نفسه.
الرابعة: أنَّه جل وعلا خصَّ الإطعامَ بالذكر؛ لأنَّ أدنى درجاتِ الاستعانةِ أنْ
يستعينَ السيدُ بعبده في تهيئة أمر الطعام، ونَفْيُ الأدنى يَتْبعُه نَفْيُ الأعلى بطريق
الأَولَى، فكأنَّه قيل: ما أُريدُ منهم من عَيْنٍ ولا عمل.
الخامسة: أنَّ ((ما)) لنَفْي الحال إلا أنَّ المرادَ به الدنيا، وتعرَّضَ له دون نَفْي
(١) في تفسير الرازي: لطلب الغنى.

سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
٥٤
الآية : ٥٧
الاستقبال؛ لأنَّ من المعلوم البَيِّن أنَّ العبدَ بعد موتِهِ لا يصلُح أنْ يُطلَب منه رزقٌ أو
إطعامٌ(١). انتهى، فتأمله.
ويُفهَم من ظاهر كلام الزمخشريِّ أنَّ المعنى: ما أُريدُ منهم من رزقٍ لي ولهم (٢).
وفي ((البحر)): ((ما أُريدُ منهم من رزق)) أي: أنْ يرزقوا أنفسَهم ولا غيرهم
(وما أُريدُ أنْ يطعمون)) أي: أُن يُطعموا خَلْقي، فهو على حذف مضافٍ، قاله ابن
عباس(٣). انتهى.
ونحوه ما قيل: المعنى: ما أُريدُ أنْ يرزقوا أحداً مِن خَلْقِي، ولا أُريدُ أنْ يطعموه.
وأسند الإطعامَ إلى نفسه سبحانه؛ لأنَّ الخلقَ كلَّهم عيالُ الله تعالى، ومن أطعمَ
عيالَ أحدٍ فكأنما أطعَمه، وفي الحديث: ((يا عبدي مرضْتُ فلم تَعُذْني، وجُعْتُ فلم
تُطعِمْني)) (٤) فإنَّه - كما يدلُّ عليه آخرُه - على معنى: مرضَ عبدي فلم تَعُدْهُ، وجاعَ
فلم تُطْعِمْهُ.
وقيل: الآيةُ مقدَّرةٌ بـ: قُلْ، فتكون بمعنى قوله سبحانه: ﴿قُل لَّآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] والغيبة فيها رعاية للحكاية، إذ في مثل ذلك يجوزُ الأمران
الغيبة والخطاب، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُقْلَبُونَ﴾
[آل عمران: ١٢](٥).
(١) مفاتيح الغيب ٢٣٤/٢٨-٢٣٥.
(٢) الكشاف ٤/ ٢١.
(٣) البحر المحيط ١٤٣/٨.
(٤) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٢٥٦٩) عن أبي هريرة له بلفظ: ((إن الله عز وجل يقول
يوم القيامة: يا ابن آدَمَ مرضْتُ فلم تَعُذْني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين.
قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتني عنده؟
يا ابن آدم اسْتَطْعَمتُك فلم تُطعِمْني. قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال:
أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تُظْعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمتَه لوجدت ذلك
عندي؟ يا ابن آدم اسْتَسْقَيتُك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟
قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقِهِ. أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)).
(٥) سلفت ٤/ ٥٢.

الآية : ٥٨
٥٥
سُورَةُ الزَّارِيَات
وقيل: المرادُ: قل لهم وفي حقٌّهم، فتلائمه الغيبة في (منهم)) و((يطعمون))،
ولا ينافي ذلك قراءة: ((إنّ أنا الرزاق)) فيما بعد (١)؛ لأنَّه حينئذٍ تعليلٌ للأمر بالقول
أو الائتمار لا لعدم الإرادة، نعم لا شكّ في أنَّه قولٌ بعيدٌ جداً.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ﴾ الذي يرزقُ كلَّ مُفتَقرٍ إلى الرزق، لا غيرُه سبحانه استقلالاً
أو اشتراكاً، ويُفهَم من ذلك استغناؤُه عزَّ وجل عن الرزق.
﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ أي: القدرةِ ﴿اٌلْمَتِّينُ﴾ شديد القوة.
والجملةُ تعليلٌ لعدم الإرادة، قال الإمام: كونُه تعالى هو الرزاق ناظرٌ إلى عدم
طلبٍ الرزق؛ لأنَّ من يطلبه يكون فقيراً محتاجاً؛ وكونه عز وجل هو ذو القوة
المتين ناظرٌ إلى عدم طلب العمل المراد من قوله سبحانه: (وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) لأنَّ
مَن يطلبه يكونُ عاجزاً لا قوةَ له، فكأنَّه قيل: ما أُريدُ منهم من رزقٍ لأنِّي أنا
الرزاق، وما أُريدُ منهم من عمل؛ لأنِّي قويٌّ متينٌ. وكان الظاهر: إنِّي أنا الرزاق،
كما جاء في قراءة له وَلّ لكن التفت إلى الغيبة(٢).
والتعبيرُ بالاسم الجليل لاشتهاره بمعنى المعبودية، فيكونُ في ذلك إشعارٌ بعلَّة
الحكم، ولتخرج الآية مخرجَ المثل كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] والتعبيرُ به على القول بتقدير ((قل)) فيما تقدَّم هو الظاهر،
وتحتاجُ القراءة الأُخرى إلى ما ذكرناه آنفاً .
وآثر سبحانه ((ذو القوة)) على القوي قيل: لأنَّ في ((ذو)) - كما قال ابن حجر
الهيتمي وغيرُه -: تعظيمَ ما أُضيفَت إليه، والموصوفُ بها والمقامُ يقتضيه، ولذا
جِيْءَ بـ ((المتين)) بعدُ، ولم يُكتفَ به عن الوصف بـ ((القوة)).
وقال الإمام: لمَّا كان المقصودُ تقريرَ ما تقدَّم من عدم إرادةِ الرزق وعدمِ
(١) انظر التعليق الآتي.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٣٥/٢٨-٢٣٦، والقراءة أخرجها الدوري في جزء قراءات النبي ◌َّلون
(١٠٨)، وأبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠) وقال: حديث حسن صحيح. اهـ. وذكرها
ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٥ .

سُورَةُ اللَّارِفَاتِ
٥٦
الآية : ٥٩
الاستعانة بالغير جيءَ بوصف الرزق على صيغة المبالغة؛ لأنَّه بدونها لا يكفي في
تقرير عدم إرادة الرزق، وبوصف القوة بما لا مبالغةً فيه لكفايته في تقرير عدم
الاستعانة، فإنَّ مَن له قوةٌ دون الغاية لا يستعينُ بغيره، لكنْ لمَّا لم يَدُلَّ ((ذو القوة))
على أكثر مِن أنَّ له تعالى قوةً ما، زِيدَ الوصفُ بالمتين، وهو الذي له ثباتٌ
لا يتزلزل، ثم قال: إنَّ القويّ أبلغُ من ذي القوة، والعزة أكملُ من المتانة، وقد
قرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُ وَرُسُلَهُ.
بِالْغَيْبٍ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ) إلخ
لما اقتضى المقام ذلك(١). وقد أطال الكلامَ في هذا المقام وما أظنُّه يصفُو عن
كدر .
وقرأ ابنُ محيصن: ((الرازق)) بزنة الفاعل (٢).
وقرأ الأعمش وابن وثاب: ((المتين)) بالجرِّ(٣)، وخرِّج على أنَّه صفة ((القوة))،
وجاز ذلك مع تذكيره لتأويلها بالاقتدار، أو لكونه على زِنَة المصادر التي يستوي
فيها المذكّر والمؤنَّث، أو لإجرائه مجرى فعيل بمعنى مفعول، وأجاز أبو الفتح
أنْ يكونَ صفةً لـ ((ذو)) وجُرَّ على الجوار كقولهم: هذا جُحرُ ضَبِّ خَرِبٍ،
وضُعِّف.
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: إذا ثبتَ أنَّ الله تعالى ما خلق الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدوه،
وأنَّه سبحانه ما يريد منهم من رزقٍ، إلى آخر ما تقدَّم، فإنَّ للذين ظلموا أنفسَهم
باشتغالهم بغير ما خُلِقُوا له من العبادة، وإشراكهم بالله عز وجل وتكذيبهم رسولَه
عليه الصلاة والسلام، وهم أهلُ مكة وأضرابهم من كفار العرب = ﴿ذَنُوبًا﴾ أي:
نصيباً من العذاب ﴿مِّثْلَ ذَنُوبٍ﴾ أي: نصيب ﴿أَصْخَبِهِمْ﴾ أي: نظرائهم من الأمم
السالفة .
وأصلُ الذَّنوبُ: الدَّلْوُ العظيمةُ الممتلئة ماءً أو القريبةُ من الامتلاء، قال
(١) ينظر مفاتيح الغيب ٢٣٦/٢٨-٢٣٧.
(٢) المحرر الوجيز ١٨٣/٥، والبحر المحيط ١٤٣/٨.
(٣) المحتسب ٢٨٩/٢، والبحر ١٤٣/٨.

الآية : ٥٩
٥٧
سُوَدَةُ الدَّارَات
الجوهريُّ: ولا يقال لها: ذَنوبٌ، وهي فارغة، وهي تُذكَّرُ وتُؤنَّث، وجمعُها أَذْنِبة
وذَنَائب(١)، فاستُغيرَت للنصيب مطلقاً شرًّا كان كالنصيب من العذاب في الآية، أو
خيراً كما في العطاء في قول علقمةَ بن عَبَدَةَ التميمي يمدحُ الحارث بنَ أبي شَمِر
الغسَّاني وكان أَسرَ أخاه شأساً يوم عين أباغ:
وفي كلِّ حيٍّ قد خَبَطتَ بنعمةٍ فِحُقَّ لِشَأسٍ مِن نَدَاك ذُنُوبُ
يُروَى أنَّ الحارثَ لمَّا سمع هذا البيت قال: نَعَم وأَذْنِبَةُ(٢). ومن استعمالها في
النصيب قول الآخر(٣):
لعمرُك والمنايا طارقاتٌ لكل بَني أَبِ منها ذَنَوبُ
وهو استعمالٌ شائع. وفي ((الكشاف)): هذا تمثيلٌ أصلُه في السُّقاة يقتسمون
الماء فيكونُ لهذا ذَنَوبٌ ولهذا ذنوب؛ قال الراجز:
إِنَّا إذا نازَلَنا غريبٌ
لَهُ ذنوبٌ وَلَنَا ذنوبُ
وإِنْ أَبيتُم فَلَنَا القليبُ(٤)
﴿فَلَا يَسْتَعِْلُنِ﴾ أي: لا يطلبوا منِّي أنْ أُعجِّلَ في الإتيان به، يقال: استعجَلَه،
أي: حثَّه على العجَلَة وطَلَبها منه، ويقال: استعجلتُ كذا، أي(٥): طلبتُ وقوعَه
بالعجلة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١] وهو على ما في
((الإرشاد)): جوابٌ لقولهم: ﴿مَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٧١](٦).
(١) الصحاح (ذنب)، في الأصل: ذنابيب.
(٢) الشعر والشعراء ٢٢١/١-٢٢٢، والكامل ٢٥١/١-٢٥٢، والبيت في ديوان علقمة ص٤٨،
والبحر المحيط ٨/ ١٣٢.
(٣) هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ٩٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ٩٠/٣، وتفسير الطبري ٥٥٧/٢١، والكشاف ٢١/٤، واللسان (ذنب)،
والبحر المحيط ١٣٢/٨ والكلام منه، وفي المصادر عدا البحر: له ذنوب ولكم ذنوب.
(٥) في (م): إن.
(٦) إرشاد العقل السليم ١٤٥/٨.

سُورَةُ الدَّارَاتِ
٥٨
التفسير الإشاري
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فويلٌ لهم، ووضع الموصول موضعَ ضميرهم
تسجيلاً عليهم بما في حيِّز الصلة من الكفر وإشعاراً بعلَّة الحكم، والفاء لترتيب
ثبوتِ الويلِ لهم على أنَّ لهم عذاباً عظيماً، كما أنَّ الفاء التي قبلها لترتيب الثَّهي عن
الاستعجال على ذلك. و((مِنْ)) في قوله سبحانه: ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُؤْعَدُونَ﴾ للتعليل؛
والعائدُ على الموصول محذوفٌ، أي: یوعدونه، أو: يوعدون به على قول.
والمرادُ بذلك اليوم قيل: يومُ بدر، ورجح بأنَّه الأَوفقُ لِمَا قبله من حيث إنَّه
ذَنوبٌ من العذاب الدنيوي، وقيل: يومُ القيامة، ورجح بأنَّه الأنسبُ لِمَا في صدر
السورة الكريمة الآتية، والله تعالى أعلم.
ومما قاله بعضُ أهل الإشارة في بعض الآيات: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴾﴾ إشارة إلى
الرياح التي تحملُ أَنينَ المشتاقين، المتعرِّضين لنفحات الألطاف إلى ساحات
العزَّة، ثمَّ تأتي بنَسيمِ نَفَحات الحقِّ إلى مشامِّ المحبين، فيجدون راحةً مّا من غلبات
للَّوعة.
﴿فَاْخَيِلَتِ وِقْرًا ﴾﴾ إشارة إلى سحائب ألطافِ الألوهية، تحملُ أمطارَ
مراحمِ الربوبية، فتمطر على قلوب الصديقين. ﴿فَلْجَرِّيَتِ يُسْرًا (٤) إشارة إلى
سُفُن أفئدةِ المحبين، تجري برياح العناية في بحر التوحيد على أيسر حال.
﴿فَالْمُفَسِّمَتِ أَمْرًّا ﴾﴾ إشارة إلى الملائكة النازلين من حظائر القُدسِ بالبشائر
والمعارف على قلوب أهل الاستقامة.
وإنْ شئتَ جعلْتَ الكلَّ إشارةً إلى أنواع رياح العناية، فمنها ما يطيرُ بالقلوب
في جوِّ الغيوب، وقد قال العاشق المجازي:
فقد كادَ ريَّاها يطيرُ بِلُبَّة
خُذَا من صبا نجدٍ أماناً لقلبه
متى هبَّ كان الوجدُ أَيسرَ خَطْبِهٍ(١)
إياكما ذاكَ النسيمَ فإنَّه
(١) البيتان لابن الخياط كما في وفيات الأعيان ١٤٦/١، وشذرات الذهب ٨٨/٦.

التفسير الإشاري
٥٩
سُورَةُ الدَّارِفَات
ومنها الحاملات وِقْرَ (١) دواءٍ قلوبِ العاشقين كما قيل:
نسيمَ الصبا يَخْلُصْ إليَّ نسيمها
أَيَا جَبَلَيْ نعمانَ بالله خلِّيَا
على كَبدٍ لم يَبْقَ إلا صَمِيمُها
أَجِدْ بردَها أو تَشْفِ مِنِّي حرارةً
على نفس مهمومٍ تَجَلَّتْ همومُها(٢)
فإنَّ الصبا ريحٌ إذا ما تنَسَّمَت
ومنها الجاريات من مَهابِّ حضراتِ القُدسِ إلى أفئدة أهلِ الأنس بسهولةٍ
لِتُنعشَ قلوبَهم، ومنها المقسمات ما جاءت به مما عَبِقَ بها من آثار الحَضْرةِ الإلهية
على نفوس المستعدِّين حسبَ استعداداتهم.
وإن شئت قلتَ غير ذلك فالباب واسعٌ.
إشارة إلى سماء القلبِ، فإنَّها ذاتُ طرائقَ إلى الله عز
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ اَلْبُّكِ (
إشارة إلى جنات الوصال وعيون الحكمة.
١٥
وجل. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُونٍ
يطلبون غَفْرَ - أي: سَتْرَ - وجودهم بوجود محبوبهم، أو
﴿وَبِالْأَشْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (®َ﴾
يطلبون غُفرانَ ذنبٍ رؤية عبادتهم من أوَّل الليل إلى السحر.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ﴾ إشارة إلى أنَّ جميع ما يُرَى بارزاً من الموجودات
ليس واحداً وحدةً حقيقيةً، بل هو مركبٌ، ولا أقلّ من كونه مركباً من الإمكان
وشيءٍ آخر، فليس الواحدُ الحقيقيُّ إلا الله تعالى الذي حقيقتُه سبحانه إنَّته.
﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ بترك ما سواه عز وجل.
﴿وَمَا خَلَفْتُ أَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾ أي: ليعرفون، وهو عندهم إشارةٌ
إلى ما صحَّحوه كشفاً من روايته وَ لّ عن ربه سبحانه أنه قال: ((كنتُ كنزاً مخفيّاً
فأحببتُ أنْ أُعرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأعرفَ))، وفي كتاب ((الأنوار السنية))(٣) للسيد
(١) في (م): وقراً.
(٢) الأبيات لمجنون ليلى، وهي في ديوانه ص ٢٥١.
(٣) الأنوار السنية في أجوبة الأسئلة اليمنية، للشيخ نور الدين علي بن محمد السمهودي المتوفى
(٩١١هـ)، وهي ثمانية أسئلة وردت من الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مجير اليمني
سنة (٩٠٧). كشف الظنون ١٩٤/١ .

سُؤَدَّةُ الدَّارَاتِ
٦٠
التفسير الإشاري
نور الدين السمهودي بلفظ: ((كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أنْ أُعرَفَ فخلقتُ هذا الخلقَ
ليعرفوني، فبي عرفوني)). وفي ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي بلفظ (١): «كنتُ كنزاً
لا أُعرَفُ فخلقتُ خلقاً فعرَّفْتُهم بي فعرفوني))(٢) إلى غير ذلك، وهو مشكلٌ؛ لأنَّ
الخَفاءَ أمرٌ نسبيٍّ فلا بدَّ فيه من مخفي ومُخفى عنه، فحيث لم يكن خلقٌ لم یکن
مُخفّى عنه، فلا يتحقَّق الخفاءُ.
وأُجيبَ أولاً: بأنَّ الخفاء عن الأعيان الثابتة؛ لأنَّ الأشياء في ثبوتها لا إدراكَ
لها وجوديّاً، فكان الله سبحانه مخفيّاً عنها غيرَ معروفٍ لها معرفةً وجوديةً، فأحبّ أنْ
يُعرَفَ معرفةً حادثةً من موجودٍ حادث، فخلَقَ الخلقَ؛ لأنَّ معرفتَهم الوجودية فرعُ
وجودهم، فتعرَّف سبحانه إليهم بأنواع التجلِّيات على حَسَب تفاوتِ الاستعدادات،
فعرفُوا أنفسَهم بالتجليات فعرفوا اللهَ تعالى من ذلك، فبه سبحانه عرفوه.
وثانياً: بأنَّ المرادَ بالخفاء لازمُه، وهو عدمُ معرفةٍ أحدٍ به جل وعلا، ويؤيِّدُه
ما في لفظ السخاوي من قوله: ((لا أُعرَفُ)) بدل ((مخفيًّاً)).
وثالثاً: بأن ((مخفيّاً)) بمعنى ظاهراً مِن أخفاه، أي: أظهرَه، على أنَّ الهمزة
للإزالة، أي: أزال خَفاءَه، وترتيبُ قوله سبحانه: ((فأحببتُ أنْ أُعرَفَ)) إلخ عليه
باعتبار أنَّ الظهورَ متى كان قويّاً أَوجبَ الجهالةَ بحال الظاهر فخلَقَ سبحانه الخلْقَ
ليكونوا كالحجاب، فيتمكّن معه من المعرفة، ألا يُرى أنَّ الشمس لشدَّة ظهورها
لا تستطيعُ أكثرُ الأبصار الوقوفَ على حالها إلا بواسطة وَضْع بعضِ الحجبُ بينها
وبينها، وهو كما ترى لا يخلو عن بحث.
وأما إطلاقُ الكنز عليه عز وجل فقد ورَدَ، روی الديلميُّ في مسنده عن أنس
مرفوعاً: ((كنزُ المؤمن ربه))(٣) أي: فإنَّ منه سبحانه كلَّ ما ينالُه من أمر نفيسٍ في
الدارین.
(١) قوله: بلفظ، ليس في الأصل.
(٢) المقاصد الحسنة ص ٣٢٧.
(٣) الفردوس بمأثور الخطاب ٢٩٨/٣ (٤٨٩٥)، من حديث أبي هريرة بلفظ: ((كرم كنز المؤمن
ربه، وخزانته بطنه، ومشجبه ظهره)) ولم أقف عليه عن أنس.