النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١٨
٢١
سُوَرَّةُ الدَّارِفَاتِ
وقال الضحاك: ((كانوا قليلاً)) في عددهم، وتمَّ الكلامُ عند ((قليلاً)) ثم ابتدَأَ ((من
الليل ما يهجعون)) على أنَّ ((ما)) نافية؛ وفيه ما تقدَّم مع زيادة تفكيكٍ للكلام.
ولعلَّ أظهرَ الأوجه زيادةُ ((ما)) ونصب ((قليلاً)) على الظرفية، و((مِن الليل))
صفة .
قيل: وفي الكلام مبالغاتٌ: لفظ الهجوع بناءً على أنَّه القليل من النوم، وقولُه
تعالى: ((قليلاً)) و((من الليل)) لأنَّ الليل وقتُ السُّبات والراحة، وزيادة ((ما)) لأنَّها
تؤكدُ مضمون الجملةِ، فتُؤكِّد القِلَّةِ وتُحقِّقُها باعتبار كونها قيداً فيها .
والغرضُ من الآية أنَّهم يُكابدون العبادةَ في أوقات الراحة وسكونِ النفس،
ولا يستريحون مِن مشاقِّ النهار إلا قليلاً.
قال الحسن: كابدوا قيامَ الليلِ لا ينامون منه إلا قليلاً.
وعن عبد الله بن رواحة: هَجَعُوا قليلاً ثم قاموا.
وفسَّر أنسُ بن مالك الآية - كما رواه جماعة عنه وصححه الحاكم - فقال:
كانوا يُصلُّون بين المغرب والعشاء(١). وهي لا تدلُّ على الاقتصار على ذلك.
أي: هم مع قِلَّة هجوعهم و کثرة تهجّدهم يداومون
﴿وَبِآلْأَتْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
على الاستغفار في الأسحار، كأنَّهم أسلفوا في ليلهم الجرائمَ ولم يتفرَّغوا فيه
للعبادة، وفي بناء الفعل على الضمير إشعارٌ بأنَّهم الأحقَّاء بأنْ يُوصَفُوا بالاستغفار،
كأنَّهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه. وفي الآية من الإشارة إلى مزيد
خشيتهم وعدمٍ اغترارهم بعبادتهم ما لا يخفى.
وحَمْلُ الاستغفارِ على حقيقته المشهورةِ هو الظاهر، وبه قال الحسن، أخرج
عنه ابنُ جرير وغيرُه أنَّه قال: صلَّوا فلمَّا كان السحر استغفروا(٢).
وقيل: المرادُ طَلَبُهُم المغفرةَ بالصلاة، وعليه ما أخرج ابن المنذر وجماعة عن
(١) المستدرك ٢/ ٤٦٧، وأخرجه أيضاً أبو داود (١٣٢٣)، والطبري ٥٠٢/٢١.
(٢) تفسير الطبري ٥٠٥/٢١- ٥١٠، وأخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٢٩٩).

سُؤَدَةُ الدَّارِيَاتِ
٢٢
الآية : ١٩
ابن عمرَ ﴿يَا أنَّه قال: ((يستغفرون)): يصلُّون(١). وأخرج ابن مردويه عنه ذلك
مرفوعاً(٢)، ولا أراه يصُ.
وأخرج أيضاً عن أنس قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ آخرَ الليل في التهجد
أحبُّ إليَّ مِن أوَّله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ))(٣). وهو محتملٌ
لذلك التفسيرِ والظاهر.
﴿وَفِّ أَنْوَلِهِمْ حَقٌ﴾ أي: نصيبٌ وافرٌ يستوجبونه على أنفسهم تقرُّباً إلى الله عزَّ
وجل وإشفاقاً على الناس، فهو غيرُ الزكاة كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما .
﴿لَّلِسَّآيَلِ﴾ الطالبِ منهم ﴿وَاَلْحَرُومِ ﴾﴾ وهو المتعفِّفِ الذي يحسَبُه الجاهلُ
غنّاً، فيُحرَمُ الصدقةَ من أكثر الناس؛ أخرج ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((ليسَ المسكينُ الذي تَردُّهُ التمرةُ والتمرتان،
والأكلةُ والأكلتان)» قيل: فمَن المسكينُ؟ قال: ((الذي ليس له ما يُغنيهِ ولا يُعلَمُ
مكانُه فِيُتَصَدَّقَ عليه، فذلك المحروم)» (٤).
وفسَّرِه ابن عباس بالمُحَارَفِ(٥) الذي يطلبُ الدنيا وتُذْبِرُ عنه ولا يسأل الناسَ.
وقيل: هو الذي يَبعُدُ منه ممكناتُ الرزقِ بعد قربها منه، فيناله الحرمانُ.
وقال زيد بن أسلم: هو الذي اجتيحَت ثمرته.
(١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢٤٥/٢،
وابن أبي شيبة ٣٢٧/١٣، والطبري ٥١٠/٢١.
(٢) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١١٣/٦.
(٣) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١١٣/٦.
(٤) تفسير الطبري ٥١٥/٢١، وصحيح ابن حبان (٣٣٥١)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في
الدر المنثور ١١٤/٦، وهو عند الطبري من طريق الزهري عن النبي ◌َّفي مرسلاً، والمتصل
إسناده صحيح، وأخرج نحوه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩) دون قوله: ((فذلك
المحروم».
(٥) بفتح الراء: وهو المحروم الذي إذا طلب لا يُرزق، وقد حورف كسب فلان: إذا شدِّد عليه
في معاشه وضيِّق. النهاية (حرف).

الآية : ٢٠ - ٢١
٢٣
سُورَةُ الدَّاريات
وقيل: مَن ماتَت ماشيتُه. وقيل: مَن ليس له سهمٌ في الإسلام. وقيل: الذي
لا یَنمُو له مال. وقيل غير ذلك.
قال في ((البحر)): وكلُّ ذلك على سبيل التمثيل، ويجمعُ الأقوالَ أنَّه الذي
لا مالَ له لحرمانِ أصابه(١) .
وأنا بقول رسول الله وَ ل﴾ أقول.
وقال منذر بنُ سعيد: هذا الحقُّ هو الزكاة المفروضة. وتُعقّب بأنَّ السورةَ مكية
وفرضُ الزكاة بالمدينة. وقيل: أصلُ فريضة الزكاة كان بمكة، والذي كان بالمدينة
القدرُ المعروف اليوم.
وعن ابن عمر أنَّ رجلاً سأله عن هذا الحقِّ فقال: الزكاةُ، وسوى ذلك حقوقٌ.
فعمَّمَ، والجمهور على الأول.
﴿وَفِ الْأَرْضِ مَايَّتٌ﴾ دلائلُ من أنواع المعادن والنباتات والحيوانات، أو وجوهُ
دلالاتٍ من الدَّحو وارتفاع بعضها عن الماء، واختلافٍ أجزائها في الكيفيَّات
والخواصِّ، فالدليل على الأول ما في الأرض من الموجودات، والظرفيةُ حقيقيةٌ
والجمعُ على ظاهره، وعلى الثاني الدليلُ نفسُ الأرض، والجمعيةُ باعتبار وجوهِ
الدلالة وأحوالها، والظرفيةٌ مِن ظرفية الصفةِ في الموصوف، والدلالة على وجود
الصانعِ جلَّ شأنه وعلمِهِ وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته عز وجل.
للموحّدين الذين سلكوا الطريقَ السويَّ البرهاني الموصِل إلى
لِلْمُوقِینَ
المعرفة، فهم نّارُون بعيونٍ باصرةٍ وأفهامٍ نافذةٍ.
( وقرأ قتادة: ((آية)) بالإفراد(٢).
﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: في ذواتكم آياتٌ، إذ ليس في العالم شيءٌ إلا وفي ذات
الإنسان له نظيرٌ يدلُّ مثلَ دلالته على ما انفرَدَ به من الهيئات النافعة، والمناظرِ
(١) البحر المحيط ١٣٦/٨.
(٢) المحرر الوجيز ١٧٥/٥، والبحر المحيط ١٣٦/٨.

سُوَّةُ الدَّارَاتِ
٢٤
الآية : ٢٢ - ٢٣
البهيَّة، والتركيباتِ العجيبةِ، والتمكّن من الأفعال البديعة، واستنباط الصنائع
المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوعة، وآياتُ الأنفس أكثرُ من أنْ تُحصَى.
وقيل: أُرِيدَ بذلك اختلافُ الألسنةِ والصُّوَر والألوان والطبائع، ورواه عطاء عن
ابن عباس. وقيل: سبيلُ الطعام وسبيلُ الشراب. والحقُّ أنْ لا حَصْرَ.
﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾﴾ أي: ألا تنظرون فلا تُبصرون بعين البصيرةِ، وهو تعنيفٌ
على ترك النظر في الآيات الأرضيةِ والنفسيةِ، وقيل: في الأخير.
﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي: تقديرُه وتعيينُه، أو أسبابُ رزقكم من النَّيِّرَين والكواكبِ
والمطالعِ والمغارب التي تختلفُ بها الفصول التي هي مبادي الرزق إلى غير ذلك،
فالكلامُ على تقدير مضافٍ أو التجوُّزِ بجَعْل وجود الأسباب فيها كوجود المسبَّب.
وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ السماء السحابُ، وهي سماءٌ لغةً؛ والمرادُ بالرزق
المطرُ، فإنَّه سببُ الأقوات، ورُوي تفسيرُه بذلك مرفوعاً(١).
وقرأ ابنُ محيصن: ((أرزاقكم) على الجمع(٢).
﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٣)﴾ عطف على ((رِزْقكم)) أي: والذي تُوعدونَه من خيرٍ وشرِ
کما روي عن مجاهد.
وفي روايةٍ أخرى عنه وعن الضحاك: ((ما توعدون)) الجنة والنار، وهو ظاهرٌ
في أنَّ النار في السماء، وفيه خلاف.
وقال بعضُهم: هو الجنة، وهي على ظَهْر السماءِ السابعة تحت العرش.
وقيل: أمرُ الساعة.
وقيل: الثوابُ والعقابُ، فإنَّهما مقدَّران معيَّنان فيها .
وقيل: إنَّه مستأنَفٌ، خبرُه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَُّ لَحَقٌ﴾ على أنَّ ضمير ((إِنَّه))
(١) أخرجه الديلمي من حديث علي ﴿ه كما في الدر المنثور ١١٤/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والبحر المحيط ١٣٦/٨، وقرأها أيضاً ((رازقكم)) كما في
القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحرر الوجيز ١٧٦/٥ .

الآية : ٢٣
٢٥
سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
لـ ((ما))، وعلى ما تقدَّم، فإمَّا له، أو للرزق، أو لله تعالى، أو للنبيِّ وَّهِ، أو للقرآن،
أو الدِّين في ((إنَّ الدينَ لواقع)) أو لليوم المذكور في ((أيانَ يومُ الدين)) أو لجميع
المذكور أماماً، أقوال.
واستظهرَ أبو حيان الأخيرَ منها(١)، وهو مرويٌّ عن ابن جُرَيج، أي: إنَّ جميع
ما ذكرناه من أول السورة إلى هنا لحَقُّ ﴿مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ﴾ أي: مثلَ نُطقكم،
كما أنَّه لا شكَّ لكم في أنَّكم تنطقون ينبغي أنْ لا تَشُكُّوا في حقِّية ذلك، وهذا
كقول الناس: إنَّ هذا لحقُّ كما أنك تَرَى وتسمع. ونصب ((مِثْلَ)) على الحالية من
المستكنِّ في ((لحقُّ))(٢)، وهو لا يتعرَّف بالإضافة لتوغُّله في التنكير، أو على
الوصف لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إنَّه حقٌّ حقّاً مثلَ نُطقكم.
وقيل: إنَّه مبنيٌّ على الفتح، فقال المازني: لتركُّبِهِ مع ((ما)) حتى صارا(٣) شيئاً
واحداً، نحو: ويحما، وأنشدُوا لبناء الاسم معها قولَ الشاعر:
أثورَ ما أَصِيدُكُم أم ثَورَيْن أَمْ هذهِ الجَمَّاءَ ذاتَ القرنَيْن(٤)
وقال غيرُه: لإضافتِهِ إلى غير متمكنٍ، وهو ((ما)) إنْ كانت نكرةً موصوفةً بمعنى
شيء، أو موصولةً بمعنى ((الذي))، و((أَنَّكم)) إلخ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو
أنَّكم .. إلخ، والجملةُ صفةٌ، أو صلةٌ. أو هو ((أنَّ) بما في حيِّزها إنْ جعلْتَ ((ما))
زائدة، وهو نصُّ الخليل(٥).
ومحلُّه على البناء الرفعُ على أنَّه صفةٌ لـ ((حقّ))، أو خبرٌ ثانٍ، ويُؤْيِّده قراءةٌ
حمزة والكسائي وأبي بكر والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلافٍ عن
ثلاثتهم: ((مثلُ)) بالرفع(٦).
(١) البحر المحيط ١٣٦/٨.
(٢) في الأصل: الحقَّ.
(٣) في الأصل: صار.
(٤) الخصائص ٢/ ١٨٠، واللسان (ثور)، والبحر المحيط ١٣٨/٨، والدر المصون ٤٨/١٠.
(٥) ينظر الكتاب ١٤٠/٣.
(٦) قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر في التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، وهي قراءة خلف
=

سُورَةُ الدَّارَات
٢٦
الآية : ٢٤
وفي ((البحر)): أنَّ الكوفيين يجعلون ((مثلاً)) ظرفاً فينصبونَه على الظرفيةِ
ويُجيزون: زيدٌ مثلَك، بالنصب، وعليه يجوزُ أنْ يكونَ في قراءة الجمهور منصوباً
على الظرفية، واستدلالُهم والردُّ عليهم مذكورٌ في النحو(١).
وفي الآية من تأكيد حَقيَّة المذكور ما لا يخفى، وأخرج ابن جرير وابن
أبي حاتم عن الحسن أنَّه قال فيها: بلغني أنَّ رسول الله وَّه قال: ((قاتَلَ الله قوماً
أَقِسَمَ لهم ربُّهم ثم لم يُصدِّقوا))(٢).
وعن الأصمعي: أَقبلتُ من جامع البصرة، فطَلَع أعرابيٍّ على قَعودٍ فقال:
ممن (٣) الرجلُ؟ قلتُ: من بني أَصمَع. قال: مِن أينَ أقبلتَ؟ قلتُ(٤): من موضعٍ
يُتْلَى فيه كلامُ الرحمن. قال: اتلُ عليَّ. فتلوثُ ((والذاريات)) فلمَّا بلغتُ (وَفِ التَّمَاءِ
رِزْقُكُؤْ) قال: حسبُك، فقام إلى ناقتِهِ فَنَحَرها ووزَّعها، وعمَدَ إلى سيفه وقوسِهِ
فكسَرَهما وولَّى، فلمَّا حججتُ مع الرشيد طَفِقْتُ أطوفُ فإذا أنا بمَن يهتِفُ بي
بصوت رقيقٍ، فالتفتُّ فإذا بالأعرابي قد نَحَل واصفرَّ، فسلَّم عليَّ واستقرأ السورةَ،
فلما بلغتُ الآيةَ صاح وقال: قد وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا، ثم قال: وهل غيرُ
هذا؟ فقرأتُ (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَنٌ) فصاحَ وقال: يا سبحان الله، مَن ذا
أغضبَ الجليلَ حتى حلفَ؟ لم يصدِّقوه بقوله حتى ألجؤوه إلى اليمين، قالها ثلاثاً
وخرجَت معها نفسُه(٥) .
﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ﴾ فيه تفخيمٌ لشأن الحديث وتنبيهٌ على أنَّه ليس
مما عَلِمَه رسولُ اللهِ وَّهِ بغير طريقِ الوحي، قاله غيرُ واحد.
= من العشرة، وذكرت عن الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش في إعراب القرآن للنحاس
٢٤١/٤، ومعاني القرآن للفراء ٨٥/٣، والمحرر الوجيز ١٧٦/٥، والبحر المحيط ١٣٦/٨.
(١) البحر المحيط ٨/ ١٣٧.
(٢) تفسير الطبري ٥٢٣/٢١، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ١١٤/٦.
(٣) في الأصل: من.
(٤) قوله: قلت، ساقط من (م).
(٥) الكشاف ١٧/٤، وأخرجها البيهقي في شعب الإيمان (١٣٣٧) مختصرة.

الآية : ٢٥
٢٧
سُورَةُ الدَّاريات
وفي ((الكشف)): فيه رمزٌ إلى أنَّه لمَّا فَرَغ من إثبات الجزاء لفظاً بالقَسَم، ومعنّی
بما في المُقسَم به من التلويح إلى القدرة البالغةِ مدمجاً فيه صِدْق المُبلِّغ، وقَضَى
الوَطَرَ من تفصيله مَهَّد لإثبات النبوة، وأنَّ هذا الآتي الصادقَ حقيقٌ بالاتِّبَاعِ لِمَا معه
من المعجزات الباهرة فقال سبحانه: (هَلْ أَنَئِكَ) إلخ، وضَمَّن فيه تسليتَه عليه الصلاة
والسلام بتكذيب قومِهِ، فَلَهُ بسائر آبائه وإخوانِهِ من الأنبياء عليهم السلام أُسوةٌ
حسنةٌ، هذا إذا لم يُجعَل قوله تعالى: (وَفِى مُوسَىّ) عطفاً على قوله سبحانه: (وَفِي
اُلْأَرْضِ مَايَكُ) وأما على ذلك التقدير فوجْهُهُ أنْ يكونَ قصةُ الخليل ولوط عليهما
السلام معترضةً للتسلِّي بإبعاد(١) مكذِّبيه، وأنَّه مرحومٌ مُنجَّى مُكرَّمٌ بالاصطفاء مثل
أبيه إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم، والترجيحُ مع الأول. انتهى.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّقُ بقوله سبحانه: (وَفِى مُوسَىّ).
والضيف في الأصل مصدرٌ بمعنى المَيلُ، ولذلك يطلَقُ على الواحد والمتعدِّد،
قيل: كانوا اثنَي عشر مَلَكاً، وقيل: ثلاثةً: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عليهم
السلام، وسُمُّوا ضيفاً لأنَّهم كانوا في صورة الضيف؛ ولأنَّ إبراهيم عليه السلام
حَسِبَهم كذلك، فالتسمية على مقتضَى الظاهر والحسبان، وبدأ بقصة إبراهيمَ وإنْ
كانت متأخِّرةً عن قصة عادٍ؛ لأنَّها أقوى في غَرَض التسلية.
﴿اَلْمُكْرَبِينَ ﴾﴾ أي: عند الله عز وجل كما قال الحسن، فهو كقوله تعالى في
الملائكة عليهم السلام: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أو عند إبراهيم عليه السلام
إذ خَدَمهم بنفسه وزوجتِهِ، وعَجَّل لهم القِرى، ورَفَع مجالسهم كما في بعض الآثار.
وقرأ عكرمةُ: ((المكرَّمين)) بالتشديد(٢).
﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ظرفٌ للحديث لأنَّه صفةٌ في الأصل، أو للضيف، أو لمكرَمين
إنْ أُرِيدَ إكرامُ إبراهيمَ؛ لأنَّ إكرامَ الله تعالى إياهم لا يتقيدُ، أو منصوبٌ بإضمار
((اذكر)).
(١) في (م): بإبعاد.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤٥، والبحر المحيط ١٣٨/٨.

سُورَةُ الزَّارِحَاتِ
٢٨
الآية : ٢٥
﴿فَقَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: نسلِّم عليك سلاماً، وأَوجَب في ((البحر)) حذفَ الفعل؛ لأنَّ
المصدرَ سادٌّ مسدَّه (١)، فهو من المصادر التي يجبُ حذفُ أفعالها.
وقال ابن عطية: يَتَّجهُ أنْ يَعملَ في ((سلاماً)) ((قالوا)» على أنْ يُجعَل في معنى
((قولاً)) ويكونُ المعنى حينئذ: أنَّهم قالوا تحيةً وقولاً معناه سلام(٢). ونُسِب إلى
مجاهد، وليس بذاك.
﴿قَالَ سَلَمٌ﴾ أي: عليكم سلامٌ، عَدَل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثباتِ حتى
يكونَ تحيتُه أحسنَ من تحيتهم، أخذاً بمزيد الأدب والإكرام، وقيل: ((سلامٌ)) خبرُ
مبتدأ محذوفٍ، أي: أمري سلام.
وقُرِئا مرفوعَين، وقرئ: ((سلاماً قال سِلْماً)) بكسر السين وإسكان اللام
والنصب(٣)، والسِّلْمُ السلام.
وقرأ ابن وثاب والنخعي وابن جبير وطلحة: ((سلاماً قال سِلْمٌ)) بالكسر
والإسكان والرفع(٤)، وجعله في ((البحر)) على معنى: نحن - أو أنتم - سلم(٥).
﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ ﴾﴾ أنكرهم عليه السلام للسلام الذي هو عَلَم الإسلام، أو
لأنَّهم عليهم السلام ليسوا ممن عَهِدَهم من الناس، أو لأنَّ أوضاعهم وأشكالهم
خلاف ما عليه الناس.
و((قوم)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ والأكثر على أنَّ التقدير: أنتم قومٌ منكرون، وأنَّه
عليه السلام قاله لهم للتعرُّف، كقولك لمن لقيتَه: أنا لا أعرفُك، تريدُ عرِّف لي
نفسَك وصِفْها .
(١) البحر المحيط ١٣٨/٨.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٧٧ .
(٣) كلا القراءتين في الكشاف ١٧/٤، والبحر المحيط ١٣٩/٨، دون نسبة.
(٤) المحرر الوجيز ١٧٧/٥، والبحر المحيط ١٣٩/٨، وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة
كما في التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢.
(٥) البحر المحيط ١٣٩/٨.

الآية : ٢٦
٢٩
سورة الذاريات
وذهب بعضُ المحققين إلى أنَّ الذي يظهر أنَّ التقديرَ: هؤلاء قومٌ منكرون،
وأنَّه عليه السلام قاله في نفسه، أو لِمَن كان معه من أتباعه وغلمانه من غير أنْ
يُشعرَهم بذلك، فإنَّه الأنسبُ بحاله عليه السلام؛ لأنَّ في خطاب الضيفِ بنحو
ذلك إيحاشاً ما، وطَلَبُهُ به أنْ يعرِّفوه حالهم لعلَّه لا يزيلُ ذلك. وأيضاً لو كان
مرادُه ذلك لكَشَفوا أحوالَهم عند القول المذكور، ولم يتصدَّ عليه السلام لمقدِّمات
الضيافة.
﴿فَعَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: ذهب إليهم على خِفْية من ضيفه، نقل أبو عبيدة(١) أنَّه
لا يقال: راغَ إلا إذا ذهب على خفية، وقال: يقال: رَوَّغ اللقمة، إذا غَمَسها في
السَّمن حتی تُروَى.
قال ابن المنير: وهو من هذا المعنَى؛ لأنَّها تذهبُ مغموسةً في السَّمن حتى
تخفَى، ومن مقلوب الرَّوغِ غَوْرُ الأرض والجرح لخفائِهِ، وسائرُ مقلوباته قريبةٌ من
هذا المعنى(٢).
وقال الراغب: الرَّوغ الميلُ على سبيل الاحتيال، ومنه رَاغَ الثعلبُ، وراغَ فلانٌ
إلى فلانٍ مال نحوَه لأمر يُريده منه بالاحتيال(٣). ويُعلَم منه أنَّ لاعتبار قيدِ الخفية
وجهاً، وهو أمرٌ يقتضيه المقامُ أيضاً؛ لأنَّ مَن يذهب إلى أهله لتدارُكِ الطعام يذهبُ
كذلك غالباً، وتُشعر الفاء بأنَّه عليه السلام بادَرَ بالذهاب ولم يُمهل، وقد ذكروا أنَّ
مِن أدب المُضيفِ أنْ يُبادر بالقِرى مِن غير أنْ يَشعُرَ به الضيفُ حذراً من أنْ يمنعَه
الضيفُ، أو يصيرَ منتظِراً.
﴿فَجَّةَ بِعِبْلٍ﴾ هو وَلَدُ البقرة، كأنَّ سُمِّ بذلك لتصوُّر عَجَلَته التي تَعدمُ(٤) منه
إذا صار ثوراً ﴿سَمِينٍ﴾ ممتلئ الجسد بالشحم واللحم؛ يقال: سَمِنَ كسَمِعَ، سَمَانً
(١) كما في حاشية الشهاب ٨/ ٩٧ نقلاً عن الانتصاف، والذي في الانتصاف لابن المنير ١٨/٤ :
أبو عبيد.
(٢) الانتصاف ١٨/٤.
(٣) مفردات الراغب (روغ).
(٤) في الأصل: تقدم، والمثبت من (م) ومفردات الراغب (عجل).

سُورَةُ الدَّارِفَاتِ
٣٠
الآية : ٢٧ - ٢٨
بالفتح وسِمَناً كعِنَبٍ فهو سَامِنٌ وسَمِينٌ، وكمُحسِن(١) السَّمينُ خِلْقَةً. كذا في
((القاموس))(٢).
وفي ((البحر))(٣): يقال: سَمِنَ سِمَناً فهو سمين، شَذُّوا(٤) في المصدر واسم
الفاعل، والقياس سَمَنُ وسَمِنٌ، وقالوا: سامنٌ إذا حَدَث له السِّمن. انتهى.
والفاء فصيحةٌ أفصحَت عن جُمَل قد حُذفَت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً
بكمال سرعةِ المجيء بالطعام، أي: فذبَحَ عجلاً فَحَنَذَهُ فجاء به.
وقال بعضُهم: إنَّه كان مُعدّاً عنده حَنيذاً قبلَ مجيئهم لمن يَرِدُ عليه من
الضيوف، فلا حاجةَ إلى تقدير ما ذكر، والمشهور اليوم أنَّ الذبح للضيف إذا ورَدَ
أبلغُ في إكرامه من الإتيان بما هُيِّئ من الطعام قبل وروده، وكان كما روي عن قتادة
عامةُ ماله عليه السلام البقرُ، ولو كان عنده أطيبُ لحماً منها لأكرمهم به.
﴿فَقَرَّةٌ إِلَيْهِمْ﴾ بأنْ وضعَهَ لديهم، وفيه دليلٌ على أنَّ مِن إكرام الضيف أنْ يقدّم
له أكثرُ مما يأكل، وأنْ لا يوضعَ الطعام بموضع ويُدعَى الضيف إليه.
﴿قَالَ أَلَا تَأْكُونَ﴾ قيل: عَرْضٌ للأكل فإنَّ في ذلك تأنيساً للضيف، وقيل:
إنكارٌ لعدم تعرُّضهم للأكل، وفي بعض الآثار أنَّهم قالوا: إنَّا لا نأكلُ إلا ما أدَّينا
ثمنَه. فقال عليه السلام: إني لا أُبيحُه لكم إلا بثمن. قالوا: وما هو؟ قال: أنْ
تُسمُّوا الله تعالى عند الابتداء وتَحمَدُوه عز وجل عند الفراغ. فقال بعضُهم لبعض:
بحقِّ اتَّخذَه الله تعالی خليلاً.
﴿فَأَرْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةٌ﴾ فأضمَرَ في نفسه منهم خوفاً لمَّا رأى عليه الصلاة
والسلام إعراضَهم عن طعامه، وظنَّ أنَّ ذلك لشرِّ يُريدونه، فإنَّ أكل الضيف
أمَنَّةٌ ودليلٌ على انبساط نفسه، وللطعام حرمةٌ وذِمامٌ، والامتناعُ منه وحشةٌ موجبةٌ
(١) في الأصل و(م): وكحسن، والمثبت من القاموس.
(٢) مادة (سمن).
(٣) ١٣٢/٨.
(٤) في (م): شذوذاً، والمثبت من الأصل والبحر.

الآية : ٢٨
٣١
سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
لظنٌّ الشرِّ. وعن ابن عباس أنَّه عليه السلام وقع في نفسه أنَّهم ملائكةٌ أُرسِلُوا
للعذاب فخاف.
﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾ إِنَّا رسل الله تعالى، عن يحيى بن شدَّاد: مَسَح جبريلُ عليه
السلام العِجلَ بجناحه فقامَ يَدرُجُ حتى لحِقَ بأمِّه، فعرفهم وأَمِنَ منهم، وعلى
ما روي عن الحبر أنَّ هذا لمجرَّد تأمينه عليه السلام، وقيل: مع تحقيق أنَّهم ملائكةٌ
وعلمهم بما أضمَرَ في نفسه إما بإطلاع الله تعالى إياهم عليه، أو إطلاع ملائكته
الكرام الكاتبين عليه وإخبارهم به، أو بظهور أمارته في وجهه الشريف، فاستدلوا
بذلك على الباطن.
﴿وَبَشَّرُوُ﴾ وفي سورة الصافات: ﴿وَبَشَّرْنَهُ﴾ [الآية: ١١٢] أي: بواسطتهم
﴿يِغُلٍَ﴾ هو عند الجمهور إسحاق بنُ سارة، وهو الحقُّ للتنصيص على أنَّه المبشَر
به في سورة هود، والقصةُ واحدة، وقال مجاهد: إسماعيل بن هاجر كما رواه عنه
ابنُ جریر وغیرُه(١). ولا یکاد یصُّ.
﴿عَلِيمٍ ﴾﴾ عند بلوغه واستوائه، وفيه تبشيرٌ بحياته، وكانت البشارة بذَكَرٍ؛
لأنَّه أسرُّ للنفس وأَبهجُ، ووَصَفَه بالعلم لأنَّها الصفة التي يختصُّ بها الإنسان الكامل
لا الصورةُ الجميلة والقوةُ ونحوهما، وهذا عند غير الأكثرين من أهل هذا الزمان،
فإنَّ العلم عندهم لاسيما العلم الشرعي رذيلةٌ لا تعادلُها رذيلة، والجهلُ فضيلة
لا توازنها فضيلة. وفي صيغة المبالغة مع حذف المعمول ما لا يخفَى مما يوجب
السرور.
وعن الحسن: ((عليم)): نبي.
ووقعَت البشارةُ بعد التأنيس، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ دَرْءَ المفسدة أهمُّ من
جَلْب المصلحة.
وذكر بعضُهم أنَّ علمه عليه السلام بأنّهم ملائكة من حيث بشَّروه بغيب.
(١) تفسير الطبري ٥٢٧/٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١١٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبي حاتم.

سُورَةُ الدَّارِيَاتِ
٣٢
الآية : ٢٩
﴿فَقْبَتِ امْرَأَتُهُ﴾ سارة لمَّا سمعَت بشارتَهم إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر
إليهم، وفي ((التفسير الكبير)): أنَّها كانت في خدمتهم، فلمَّا تكلَّموا مع زوجها
بولادتها استحْيَتْ وأعرضَت عنهم، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل
دون الإدبار عن الملائكة(١). وهو إنْ صحَّ مثلُه عن نَقْل وأَثَر لا يأباه الخطابُ
الآتي؛ لأنَّه يقتضي الإقبال دون الإدبار، إذ يكفي لصحته أنْ يكونَ بمسْمَع منها وإنْ
كانت مدبرةً، نعم في الكلام عليه استعارةٌ ضِدِّية، ولا قرينةَ هاهنا نُصحِّحُها.
وقيل: ((أَقبلَت)) بمعنى أَخذَت، كما تقول: أَخذَ يشتُمني.
﴿فِى صَرَّقِ﴾ في صيحة من الصَّرير قاله ابن عباس، وقال قتادة وعكرمة: صَرَّتُها
رَنَّتها. وقيل: قولها: أوَّه، وقيل: يا ويلتي.
وقيل: الصَّرَّة الجماعةُ المنضَمُّ بعضُهم إلى بعض كأنَّهم صُرُّوا، أي: جُمعوا
في وعاء، وإلى هذا ذهب ابن بحر، قال: أي: أقبلَت في صَرَّة من نسوة تبادَرْن
نظراً إلى الملائكة عليهم السلام.
والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، أو المفعول به إنْ فُسِّر ((أقبلت))
بـ: أَخذَتْ، قيل: إنَّ ((في)) عليه زائدة كما في قوله:
يجرح في عراقيبها نَصْلي(٢)
والتقدير: أخذَت صيحةً. وقيل: بل الجارُّ والمجرور في موضع الخبر؛ لأنَّ
الفعل حينئذٍ من أفعال المقاربة.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال مجاهد: ضَرَبت بيدها على جَبْهتها وقالت: يا وَيْلتاه.
وقيل: إنَّها وجدَت حرارةَ الدم فلطمَت وجهها من الحياء.
وقيل: إنَّها لطمَتْه تعجّباً؛ وهو فعل النساء إذا تعجّين من شيءٍ.
(١) مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) ٢١٤/٢٨.
(٢) جزء من بيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وتمامه:
وإنْ تَعتَذرْ بالمَخْل من ذي ضُروعها على الضيف يَجرَحْ في عراقيبها نصلي

الآية : ٣٠ - ٣٤
٣٣
سُورَةُ الدَّارِفَاتِ
وَ قَالَتْ عَجُزُ﴾ أي: أنا عجوز ﴿عَقِيمُ ﴾ عاقرٌ فكيف ألدُ؟! وعَقِيْم فَعِيْل
قيل: بمعنى فاعل أو مفعول، وأصلُ معنى العُقْم الْيَبْسُ.
﴿قَالُواْ كَذَلِكِ﴾ أي: مثلَ ذلك القول الكريم الذي أَخْبَرْنا به ﴿قَالَ رَبُِّكٍّ﴾ وإنما
نحن مُعبِّرون نُخبرك به عنه عز وجل، لا أنَّا نقولُه من تلقاء أنفسنا، ورُوي أنَّ جبريلَ
عليه السلام قال لها: انظري إلى سَقْف بيتك. فنَظَرت، فإذا جُذوعُه مُورِقَةٌ مثمرةٌ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ فيكون قولُه عز وجل حقّاً، وفعلُه سبحانه متقناً
لا محالة، وهذه المفاوضة لم تكن مع سارة فقط بل كانت مع إبراهيم أيضاً حسبما
تقدَّم في سورة الحِجْر(١)، وإنما لم يذكر هاهنا اكتفاءً بما ذكر هناك، كما أنَّه لم
يذكر هناك سارة اكتفاءً بما ذكر هاهنا وفي سورة هود(٢).
﴿قَالَ﴾ أي: إبراهيم عليه السلام لمَّا عَلم أنَّهم ملائكةٌ أُرسلوا لأَمْرٍ ﴿
خَطِبْكُمْ﴾ أي: شأنكم الخطير الذي لأجله أُرسلتُم سوى البشارة ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ .
﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِينَ
يعنون قومَ لوط عليه السلام ﴿لِتُسِلَ عَلَهِمْ﴾
٣٢
أي: بعد قَلْب قراهم عاليها سافلها حسبما فُصِّل في سائر السُّوَر الكريمة (٣) ﴿حِجَارَةً
مِّن طِينٍ﴾ أي: طين مُتحجِّر وهو السِّجيلُ؛ وفي تقييد كونها من طين دفعُ(٤) توهُّم
كونها بَرَداً، فإنَّ بعض الناس يُسمِّ الْبَرَدَ حجارةً.
﴿وُسَوََّةٌ﴾ مُعلَّمَةً، من السُّومة وهي العَلَامة، على كلِّ واحدة منها اسمُ مَن
يَهلِكُ بها؛ وقيل: أعلمت بأنَّها من حجارة العذاب، وقيل: بعلامةٍ تدلُّ على أنَّها
لیست من حجارة الدنيا .
وقيل: ((مسومةً)): مرسلَةً، من أَسَمْتُ الإبلَ في المرعَى، ومنه قوله تعالى:
﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
(١) عند الآية (٥٢).
(٢) عند الآية (٦٩).
(٣) كما في سورة هود آية (٦٩)، وسورة الحجر آية (٥٢).
(٤) في (م): رفع.

سُورَةُ الَّارِيَات
٣٤
الآية : ٣٥ - ٣٦
﴿يِنْدَ رَيْكَ﴾ أي: في محلِّ ظهورٍ قدرته سبحانه وعظمته عز وجل، والمرادُ:
أنَّها معلَّمةٌ في أول خَلْقها، وقيل: المعنى: إنَّها في علم الله تعالى معدَّةٌ ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾
المجاوزين الحدَّ في الفجور، و((أل)) عند الإمام للعهد، أي: لهؤلاء المسرفين(١)،
ووضع الظاهر موضع الضمير ذمّاً لهم بالإسراف بعد ذمِّهم بالإجرام، وإشارةً إلى
عَّة الحكم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا﴾ إلى آخره حكايةٌ من جهته تعالى لِمَا جَرَى على قوم
لوط عليه السلام بطريق الإجمال بعد حكاية ما جَرَى بين الملائكة وبين إبراهيم
عليهم السلام من الكلام، والفاء فصيحةٌ مُفصِحَةٌ عن جُمَل قد حُذفَت ثقةً بذكرها
في موضع آخرَ، كأنَّ قیل: فقاموا منه، وجاؤوا لوطاً، فجرَی بينهم وبينه ما جرى،
فباشروا ما أُمِرُوا به، فأخرَجْنا بقولنا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [الحجر: ٦٥] إلخ ﴿مَن كَانَ
فِيهَا﴾ أي: في قُرَى قوم لوطٍ، وإضمارُها بغير ذكر لشهرتها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن
آمن بلوط عليه السلام ﴿فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيّرَ بَيْتٍ﴾ أي: غير أهلٍ بيت للبيان بقوله
تعالى: ﴿مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالكلامُ بتقدير مضافٍ، وجوِّز أنْ يُراد بالبيت نفسِه
الجماعةُ مجازاً، والمراد بهم - كما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم - عن
مجاهد: لوطٌ وابنتاه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنَّه قال: كانوا
ثلاثةَ عشر(٢) .
واستُدِلَّ بالآية على اتِّحاد الإيمان والإسلام للاستثناء المعنوي، فإنَّ المعنى:
فأخرجنا مَن كان فيها من المؤمنين فلم يكن المخرَجُ إلا أهلَ بيتٍ واحد. وإلا لم
يَستقم الكلامُ. وأنت تعلم أنَّ هذا يدلُّ على أنَّهما صادقان على الأمر الواحد،
لا ينفكُ أحدهما عن الآخر كالناطق والإنسان، أما على الاتِّحاد في المفهوم - وهو
المختلَفُ فيه عند أهل الأصولِ والحديث - فلا، فالاستدلال بها على اتحادهما
فيه ضعيفٌ، نعم تدلُّ على أنَّهما صِفَتَا مَدْح من أَوجُهٍ عديدة: استحقاق الإخراج،
واختلاف الوصفَين، وجعلُ كلِّ مستقلًا بأن يجعل سبب النجاة، وما في قوله
(١) مفاتيح الغيب ٢١٨/٢٨.
(٢) الخبران في الدر المنثور ١١٥/٦.

الآية : ٣٧ - ٣٨
٣٥
سُوَّةُ الدَّارَات
تعالى: (مَنْ كَانَ) أولاً و(غَيّرَ بَيْتٍ) ثانياً من الدلالة على المبالغة، فإنَّ صاحبهما
محفوظٌ مَن كان، وأين كان إلى غير ذلك.
ومعنى الوِجْدان منسوباً إليه تعالى: العلمُ على ما قاله الراغب(١)، وذهب بعضُ
الأجلَّة إلى أنَّه لا يقال: ما وجدتُ كذا، إلا بعد الفحص والتفتيش، وجُعِلَ عليه
معنى الآية: فأخرج ملائكتُنا مَن كان فيها من المؤمنين، فما وجد ملائكتُنا فيها غيرَ
بيتٍ من المسلمين. أو في الكلام ضربٌ آخرُ من المجاز فلا تغفل.
﴿وَتَرَّكَا فِيهَا﴾ أي: في القرى ﴿مَايَّةٌ﴾ علامةً دالَّة على ما أصابهم من العذاب،
قال ابن جريج: هي أحجارٌ كثيرةٌ منضودَةٌ.
وقيل: تلك الأحجار التي أُهلِكُوا بها .
وقيل: ماء مُنتنٌّ؛ قال الشهاب: فإِنَّه بحيرة طبرية(٢).
وجوَّز أبو حيان كونَ ضمير ((فيها)) عائداً على الإهلاكة التي أُهلِكُوها، فإنَّها مِن
أعاجيب الإهلاك، بجعل أعالي القرية أسافل، وإمطارٍ الحجارة(٣). والظاهر هو
الأول.
لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: مَن شأنُهم أنْ يخافوه لسلامة فِظْرتهم ورِقَّة
قلوبهم، دون مَن عداهم من ذوي القلوب القاسية، فإنَّهم لا يعتَدُّون بها
ولا يعدُّونها آية .
﴿وَفِ مُوسَى﴾ عطف على ((وتَرَكنا فيها)) بتقدير عاملٍ له، أي: وجعلنا في موسى،
والجملةُ معطوفةٌ على الجملة، أو هو عطفٌ على ((فيها)) بتغليب معنى عاملِ الآية، أو
سلوكِ طريقِ المشاكلة في عطفه، على الأوجُهِ التي ذكرها النحاة في نحو:
علفتُها تِبناً وماءً باردا(٤)
(١) في مفردات ألفاظ القرآن (وجد).
(٢) حاشية الشهاب ٩٨/٨.
(٣) البحر المحيط ٨/ ١٤٠.
(٤) سلف ٢٩١/٥ و٣٢٥/٦، وغيرها.

سُؤَدَةُ الدَّارِيَاتِ
٣٦
الآية : ٣٩
لأنه(١) لا يصحُّ تسليطُ الترك بمعنى الإبقاء على قوله سبحانه: (وَفِي مُوسَىّ) فقول
أبي حيان: لا حاجةَ إلى إضمار ((تركنا))(٢) لأنَّه قد أمكنَ [أن يكون] العاملُ في
المجرور ((تركنا)) الأول(٣)، فيه بحثٌ.
وقيل: ((في موسى)) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: وفي موسى آيةٌ.
وجوَّز ابنُ عطية وغيرُه أنْ يكونَ معطوفاً على قوله تعالى: (وَفِ الْأَرْضِ)(٤)
وما بينهما اعتراضٌ لتسليته عليه الصلاة والسلام على ما مرَّ.
وتعقَبه في ((البحر)) بأنَّه بعيدٌ جدّاً، يُنزَّه القرآنُ الكريم عن مثله(٥).
﴿إِذْ أَرْسَلْنَهُ﴾ قيل: بدلٌ من ((موسى)). وقيل: هو منصوبٌ بـ ((آية)). وقيل:
بمحذوف، أي: كائنة وقتَ إرسالنا. وقيل: بـ ((تركنا)).
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ هو ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرةِ،
والسلطانُ يُطلَقُ على ذلك مع شموله للواحد والمتعدِّد؛ لأنَّه في الأصل مصدر.
﴿فَتَوَّ بِّكْبِهِ﴾ فأعرض عن الإيمان بموسى عليه السلام، على أنَّ رُكنَه جانبُ
بَدَنِهِ وعِظْفِهِ، والتولِّي به كنايةٌ عن الإعراض، والباءُ للتعدية؛ لأنَّ معناه ثَنَى عِطْفَه،
أو للملابسة.
وقال قتادة: تولَّى بقومه، على أنَّ الركنَ بمعنى القوم؛ لأنَّه يَرْكَنُ إليهم ويَتَقَوَّى
بهم، والباء للمصاحبة أو الملابسة، وكونُها للسببية غيرُ وجيه.
وقيل: تولَّى بقوته وسلطانه، والركن يُستعارُ للقوَّة كما قال الراغب(٦).
(١) قوله: لأنه، ليس في (م).
(٢) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر، والصواب ((جعلنا)) كما في الدر المنثور ٥٤/١٠ نقلاً
عن أبي حيان.
(٣) البحر المحيط ٨/ ١٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) المحرر الوجيز ١٧٩/٥.
(٥) البحر المحيط ١٤٠/٨. وقال السمين في الدر ٥٣/١٠: ووجْهُ استبعاده له بُعْدُ ما بينهما،
وقد فعل أهل العلم هذا في أكثر من ذلك.
(٦) في مفردات ألفاظ القرآن (ركن).

الآية : ٤٠ - ٤١
٣٧
سُورَةُ الدَّارِفَاتِ
وقرىء: ((بِرُكُنِهِ)) بضم الكاف(١) إتباعاً للراء.
﴿وَقَالَ سَحٌ﴾ أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُنٌ﴾ كأنَّ اللعينَ جَعَل ما ظهر على يدَيه
عليه السلام من الخوارق العجيبةِ منسوبةً إلى الجنِّ، وتردّد في أنَّه حصل باختياره
فيكون سحراً، أو بغير اختياره فيكونُ جنوناً، وهذا مبنيٌّ على زعمه الفاسد، وإلا
فالسحرُ ليس من الجنِّ كما بُيِّن في محله(٢)، فـ((أو)) للشكِّ، وقيل: للإبهام، وقال
أبو عبيدة: هي بمعنى الواو(٣)؛ لأنَّ اللعينَ قال الأمرَين قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَيِّ
عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] وقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَِّىّ أُزْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] وأنت
تعلم أنَّ اللعين يتلوَّنُ تلون الحرباء، فلا ضرورةَ تدعو إلى جعلها بمعنى الواو.
﴿فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْتَهُمْ﴾ طرحناهم غيرَ معتدِّين بهم ﴿فِ آلْيِمْ﴾ في البحر،
والمراد: فأغرقناهم فيه، وفي الكلام من الدلالة على غاية عِظَم شأنِ القدرة الربانية
ونهايةِ قَمْأة فرعون وقومِهِ ما لا يخفى.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: آتٍ بما يُلامُ عليه من الكفر والطغيان، فالإفعال هنا للإتيان
بما يقتضي معنى ثلاثيّه، كأغربَ: إذا أتَى أمراً غريباً. وقيل: الصيغةُ للنسب، أو
الإسنادُ للسبب، وهو كما ترى.
وكون الملام عليه هنا الكفرَ والطغيان هو الذي يقتضيه حالُ فرعون، وهو
مما يختلفُ باعتبار مَن وُصِفَ به، فلا يُتَوَهَّم أنَّه كيف وُصِفَ اللعين بما وُصِفَ به
ذو النون عليه السلام؟
﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَ﴾ على طِرْز ما تقدَّم ﴿عَلَهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ الشديد التي لا تُلقح
شيئاً كما أخرجه جماعة عن ابن عباس وصححه الحاكم، وفي لفظ: هي ربحٌ
لا بركةَ فيها ولا منفعةً ولا ينزلُ منها غيثٌ ولا يُلقح بها شجر (٤). كأنَّه شبّه عدمَ
(١) الكشاف ١٩/٤.
(٢) ينظر ما سلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسَّحْرَ﴾
[البقرة: ١٠٢].
(٣) مجاز القرآن ٢٢٧/٢.
(٤) المستدرك ٢/ ٤٦٧، واللفظ لأبي الشيخ في العظمة (٨٥٨)، وأخرجه الطبري ٥٣٧/٢١.

سُوَّةُ الدَّارَات
٣٨
الآية : ٤٢
تضمُّن المنفعةِ بعُقْم المرأة، ففعيل بمعنى فاعل من اللازم، وكونُ هذا المعنى
لا يصحُّ هنا مكابرٌ.
وقال بعضُهم وهو حسن: سُمِّيَتْ عَقيماً لأنَّها أهلكتهم وقطعَت دابرَهم، على
أنَّ هناك استعارةً تبعيةً، شبَّه إهلاكَهم وقطْعَ دابِرهم بعُقم النساء وعدمٍ حَمْلهنَّ لِمَا
فيه من إذهاب النسل، ثم أَطلَق المشبّه به على المشبَّه واشتقَّ منه العقيمَ، وفَعِيْل
قيل: بمعنى فاعل أو مفعول.
وهذه الريحُ كانت الدَّبورَ؛ لِمَا صحَّ من قوله ◌َّهِ: ((نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلِكَت
عادٌّ بالدَّبُور))(١).
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي كرَّم الله تعالى وجهه: أنَّها النكباء(٢)؟
وأخرج ابنُ جرير وجماعة عن ابن المسيب: أنَّها الجنوب(٣).
وأخرج ابنُ المنذر عن مجاهد: أنَّها الصَّبا(٤).
والمعوَّل عليه ما ذكرنا أولاً، ولعلَّ الخبر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه غيرُ
صحيح.
﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ﴾ ما تَدَعُ شيئاً ﴿أَنَتْ عَلَيْهِ﴾ جَرَت عليه ﴿إِلَّا جَعَتْهُ كَالرَّبِيِ﴾
الشيءِ البالي من عَظُمِ أو نباتٍ أو غيرِ ذلك، من رَمَّ(٥) الشيءُ: بَلِيَ، ويقال
للبالي: رُمَام كغراب، وَأَرمَّ (٦) أيضاً، لكن قال الراغب: يختصُّ الرُِّّ بالفتات من
الخشب والتبن، والرِّمَّة بالكسر تختصُّ بالعظم البالي، والرُّمَّة بالضم بالحبل
البالي(٧) .
(١) أخرجه أحمد (٢٠١٣)، والبخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠) من حديث ابن عباس
(٢) في الدر المنثور ٦/ ١١٥.
(٣) تفسير الطبري ٥٣٨/٢١.
(٤) الدر المنثور ١١٥/٦.
(٥) في الأصل: أرم.
(٦) في الأصل: رمّ.
(٧) مفردات الراغب (رمّ).

الآية : ٤٣ - ٤٤
٣٩
سُورَةُ الدَّارَاتِ
وفسِّره السدي هنا بالتراب، وقتادة بالهشيم، وقُطرب بالرَّماد، وفسره ابن
عيسى بالمنسَحق الذي لا يُرَمُّ، أي: لا يُصلَح، كأنَّه جعل الهمزةَ في أَرَمَّ
للسلب.
والجملة بعد ((إلا)) حالية، والشيءُ هنا عامٌّ مخصوصٌ، أي: مِن شيءٍ أراد الله
تعالى تدميرَه وإهلاكه، من ناسٍ أو ديارٍ أو شجر أو غير ذلك. روي أنَّ الريح كانت
تمرُّ بالناس فيهم الرجل من عادٍ فتنتزعه من بينهم وتُهلِکه.
﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ (®)) أخرج البيهقي في ((سننه)) عن قتادة:
أنَّه ثلاثةُ أيام(١). وإليه ذهب الفراء وجماعة(٢)، قال: تفسيره قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ
فِي دَارِكُمْ ثَلُِّثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
واستُشكل بأنَّ هذا التمثُع مؤخّرٌ عن العُتُوِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ
تَمَتَّعُواْ﴾ [هود: ٦٥] إلخ، وقولُه تعالى: ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يدلُّ على أنَّ العتوَّ
مؤخّرٌ.
وأُجيبَ بأنَّ هذا مرتَّبٌ على تمام القصة، كأنَّه قيل: وجعلنا في زمان قولنا ذلك
لثمودَ آيةً، أو: وفي زمان قولنا ذلك لثمودَ آيةٌ، ثم أَخذَ في بيان كونِه آیةً فقيل:
((فعَتَوا عن أَمْرِ ربِّهم)) أي: فاستكبروا عن الامتثال به إلى الآخر، فالفاء للتفصيل،
قال في ((الكشف)): وهو الظاهرُ من هذا المساق، وكذلك قوله تعالى: (فَتَوَّ بِّكِْهِ)
مرَّبٌ على القصة زمان إرسالِ موسى عليه السلام بالسلطان، وإنْ كان هناك لا مانعَ
من الترتُّب على الإرسال، وذلك لأنَّه جيء بالظرف مجيءَ الفضلة حيث جَعَل فيه
الآيةَ، والقصةُ مِن تَولِیهم إلى هلاكهم. انتهى.
وقال الحسن: هذا - أي: القولُ لهم: ((تمثَعوا حتى حين)) - كان حين بعث
إليهم صالح؛ أُمروا بالإيمان بما جاء به، والتمتُّع إلى أنْ تأتي آجالهم، ثم عتوا بعد
ذلك.
(١) السنن الكبرى ١٠/ ٦٢.
(٢) معاني القرآن للفراء ٨٨/٣، وذهب إليه أيضاً القرطبي في تفسيره ١٩/ ٥٠١.

سُورَةُ الزَّارِيَاتِ
٤٠
الآية : ٤٤
قال في ((البحر)): ولذلك جاء العطفُ بالفاء المقتضية تأخّرَ العتوِّ عما أُمروا به،
فهو مطابقٌ لفظاً ووجوداً(١).
واختاره الإمام فقال: قال بعض المفسرين: المرادُ بالحين الأيامُ الثلاثةُ التي
أُمْهِلُوها بعد عَقْر الناقةِ، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ ترتبَ ((فعتوا)» بالفاء دليلٌ على أنَّ العتوّ
كان بعد القول المذكور، فالظاهرُ أنَّه ما قدَّرَ الله تعالى من الآجال فما مِن أحدٍ
إلا وهو مُمْهَلٌ مدَّةَ الأجل، كأنَّه يقول له: تمتّع إلى آخر أجلك، فإنْ أحسنتَ فقد
حَصَل لك التمتّع في الدارَين، وإلا فما لك في الآخرة من نصيب(٢). انتهى،
وما تقدَّم أبعدُ مغزّى.
◌ِفَأَخَذَتْهُمُ الصَِّقَةُ﴾ أي: أهلكتهم، روي أنَّ صالحاً عليه السلام وَعَدهم
الهلاك بعد ثلاثة أيام، وقال لهم: تُصبحُ وجوهُكم غداً مُصفرَّةً، وبعد غدٍ مُحمرَّةً،
واليومَ الثالثَ مُسودَّةً، ثم يُصبِّحكم العذابُ. ولمَّا رأوا الآيات التي بيَّنها عليه
السلام عَمَدوا إلى قتله فنجَّاه الله تعالى، فذهب إلى أرض فلسطين، ولمَّا كان
ضحوةَ اليوم الرابع تحنَّطوا وتكفَّنوا بالأنطاع، فأتتهم الصاعقةُ وهي نارٌ من
السماء - وقيل: صيحةٌ منها - فهلَكوا .
وقرأ عمر وعثمان ﴿ه والكسائي: ((الصعقة))(٣)، وهي المرَّةُ من الصَّعْق بمعنى
الصاعقة أيضاً، أو الصيحة.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها ويُعاينونها، ويحتاج إلى تنزيل المسموع منزلةَ المُبصَر على
القول بأنَّ الصاعقة الصيحةُ، وأنَّ المراد: ينظرون إليها .
وقال مجاهد: ((ينظرون)) بمعنى ينتظرون، أي: وهم ينتظرون الأخذَ والعذاب
في تلك الأيام الثلاثة التي رأَوا فيها علاماته، وانتظارُ العذاب أشدُّ من العذاب.
(١) البحر المحيط ١٤١/٨، وعنه نقل المصنف قول الحسن.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٢٣/٢٨-٢٢٤.
(٣) قراءة الكسائي في التيسير ص ٢٠٣، والنشر ٣٧٧/٢، وقراءة عمر وعثمان يا في معاني
القرآن للفراء ٨٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/٤، وتفسير الطبري ٥٤٢/٢١،
والمحرر الوجيز ٥/ ١٨٠، والبحر المحيط ١٤١/٨.