النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١٣
٤٠١
سُوَّةُ الزُحَرَاتِ
وبالجملة شرفُ النسب مما اعتبر جاهليةً وإسلاماً، أما جاهلية فأظهرُ من أن
يُبرهن عليه، وأما إسلاماً فيدلُّ عليه اعتبار الكفاءة في النسب في باب النكاح على
الوجه المُفضَّل في كتب الفقه، ولم يُخالف في ذلك فيما نعلم إلا الإمام مالك
والثوري والكرخيُّ من الحنفية، وبعض ما تقدَّم من الأخبار يُؤيِّد كلامهم، لكن
أُجيب عنه في محلِّه، وكذا يدلُّ عليه ما ذكروه في بيان شرائط الإمامة العظمى من
أنه يُشترط فيها كونُ الإمام قرشيّاً. وقد أجمعوا على ذلك كما قال الماورديُّ،
ولا اعتبار بضرار(١) وأبي بكر الباقلاني حيث شذًا فجوَّزاها في جميع الناس. وقال
الشافعية: فإن لم يوجد قرشيٍّ، أي: مُستجمِعٌ لشروط الإمامة، اعتُبر كون الإمام
كنانيًّا من ولد كنانة بن خزيمة، فإنْ تعذَّر اعتبر كونه من بني إسماعيل عليه السلام،
فإنْ تعذَّر اعتبر كونُه من جُرهم لِشَرَفهم بصهارة إسماعيل عليه السلام إلى غير ذلك،
ومع هذا كلِّه فالتقوى التقوى، فالاتكال على النسب وتَرْك النفس وهواها من ضَعْف
الرأي وقلَّةِ العقل، ويكفي في هذا الفصل قولُه تعالى لنوح عليه السلام في ابنه
كنعان: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌَ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَِجْ﴾ [هود: ٤٦] وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((سلمانُ منَّا أهلَ البيت))(٢).
فالحزمُ اللائقُ بالنسيب أن يتَّقي اللهَ تعالى ويكتسبَ من الخِصال الحميدة ما لو
كانت في غير نسيبٍ لكفَتْه، ليكونَ قد زاد على الزبد شَهْداً، وعلَّق على جِيْد
الحسناء عِقْداً؛ ولا يكتفي بمجرَّد الانتساب إلى جدود سلفوا ليقال له: نِعْمَ الجدودُ
ولكن بئس ما خلَّفوا، وقد ابتُلي كثيرٌ من الناس بذلك، فترى أحدَهم يفتخر بعظم
بالٍ وهو عري كالإبرة من كُلِّ كمال. ويقول: كان أبي كذا وكذا، وذاك وصفُ
أبيه، فافتخارُه به نحو افتخار الكوسج بلحيةٍ أخيه، ومن هنا قيل:
وأعجب شيء إلى عاقل
أُناس عن الفضل مستأخِره
(١) هو ضرار بن عمرو الغطفاني، قاض من كبار المعتزلة، المتوفى نحو (١٩٠هـ)، ونقل كلامه
النووي في شرح صحيح مسلم ١٢/ ٢٠٠.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٠٤٠)، والبيهقي في الدلائل ٤١٨/٣ من حديث عمرو بن
عوف المزني . وسلف ٣٠٣/٢١.

سُوَةُ لِلُهُرَاتِ
٤٠٢
الآية : ١٤
إذا سُئلوا ما لهم من عُلاّ أشاروا إلى أَعْظُم ناخِرَهُ(١)
وقال الفاضل السري عبد الباقي أفندي العمري:
يُباهينا بأسلاف عِظام
أقولُ لمن غدا في كلِّ وقت
بأنَّ الكلبَ يقنعُ بالعِظام
أَتقنعُ بالعِظام وأنت تدري
وما ألطف قوله:
مولاك شيئاً فحاذِرْ واتقِ الله
لم يُجْدك الحسبُ العالي بغير تُقى
فأَكرمُ الناسِ عند الله أتقاها
وابغِ الكرامةَ في نيل الفَخَار به
وأكثرُ ما رأينا ذلك الافتخار البارد عند أولادٍ مشايخ الزوايا الصوفية، فإنهم
ارتكبوا كلَّ رذيلة وتعرَّوا عن كلِّ فضيلة ومع ذلك استطالوا بآبائهم على فُضلاء
البرية، واحتقروا أُناساً فاقوهم حسباً ونسباً، وشَرَفوهم أُمَّا وأباً، وهذا هو الضلالُ
البعيد، والحُمق الذي ليس عليه مَزيد، ولولا خشيةُ السأم لأطلقنا في هذا الميدان
عنانَ كُميت القلم، على أنَّ فيما ذكرنا كفايةً لمن أَخذتْ بيده العنايةُ، والله تعالى
أعلم.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾ قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خُزيمة قبيلة تجاور
المدينة؛ أظهروا الإسلام وقلوبهم دغلة، إنما يُحبُّون المغانمَ وعَرَضَ الدنيا .
ويُروى أنهم قَدِموا المدينةَ في سنة جدبة، فأَظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون
لرسول الله وَ له: جئناك بالأثقال والعِيال، ولم نُقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون
بذِكْر ذلك الصدقةَ، ويمنُّون به على النبيِّ عليه الصلاة والسلام(٢).
وقيل: هم مُزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغِفار؛ قالوا: آمنًّا فاستحقَّينا الكرامة،
فردّ الله تعالى عليهم .
وأيَّاما كان فليس المرادُ بالأعرابِ العمومَ كما قد صرَّح به قتادة وغيره.
(١) أوردهما أبو حيان في البحر المحيط ١١٦/٨ دون نسبة.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٤١٩.

الآية : ١٤
٤٠٣
سُوَرَّةُ المُعْرَاتِ
وإلحاقُ الفعل علامةَ التأنيث لشيوع اعتبار التأنيث في الجموع حتى قيل:
كلُّ جَمْعِ مُؤَنَّث
م
لا تُبالي بجمعهم
والنكتة في اعتباره هاهنا الإشارةُ على قِلَّة عقولهم على عكس ما رُوعي في قوله
تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠].
﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ إكذابٌ لهم بدعوى الإيمان، إذْ هو تصديقٌ مع الثقة وطمأنينة
القلب، ولم يحصل لهم، وإلا لَمَا منُّوا على الرسول ◌ِّهِ بتركِ المُقاتلة كما دلَّ عليه
آخرُ السورة.
﴿وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ فإن الإسلام انقيادٌ ودخولٌ في السِّلم، وهو ضدُّ الحرب،
وما كان من هؤلاء مُشعِرٌ به، وكان الظاهر: لم تُؤمنوا ولكن أسلمتم، أَوْ:
لا تقولوا: آمنًّا، ولكن قولوا: أسلمنا، لتحصل المطابقة، لكن عَدَلَ عن الظاهر
اكتفاءً بحصولها من حيث المعنى مع إدماج فوائدَ زوائد، بيانُ ذلك أن الغرضَ
المسوقَ له الكلامُ توبيخُ هؤلاء في مَنِّھم بإيمانهم بأنَّهم خلوا عنه أولاً، وبأنهم
المُمتَثُّون إنْ صَدَقوا ثانياً، فالأصل في الإرشاد إلى جوابهم: قل: كذبتم، ولكن
أُخرجَ إلى ما هو عليه المُنزل لِيفيد عدمَ المكافحةِ بنسبة الكذب - وفيه حملٌ له عليه
الصلاة والسلام على الأدب في شأنِ الكلِّ ليصيرَ مَلَكةً لأتباعه، وأن لا يَلبسوا جلدَ
النمر لمن يُخاطبهم به - وتلخيص ما كذبوا فيه.
ومن الدليل على أنه الأصل قوله تعالى في الآية التالية: ((أولئك هم الصادقون))
تعريضاً بأنَّ الكذبَ منحصرٌ فيهم، وأُوثر على: لا تقولوا آمنًا، لاستهجان ذلك
لاسيَّما من النبيِّ وَّ المبعوثِ للدعوة إلى الإيمان، على أن إفادةَ ((لم تؤمنوا)) لمعنى
كَذَبتم أظهرُ من إفادة: لا تقولوا: آمنًّا، كما لا يخفى، ثم قُوبل بقوله سبحانه:
((ولكن قولوا أسلمنا))، كأنه قيل: قُل: لم تؤمنوا فلا تكذبوا، ولكن قولوا: أسلمنا
لتفوزوا بالصِّدق إنْ فاتَكم الإيمان والتصديق، ولو قيل: ولكن أسلمتُم، لم يُؤدِّ هذا
المعنى، وفيه تلويحٌ بأنَّ إسلامَهم وهو خِلْو عن التصديق غير مُعتدٍّ به، ولو قيل:
ولكن أسلمتم، لكان ذلك مُوهماً أن ذلك مُعتدٌّ به، والمطلوب كماله بالإيمان،
ولا يحتاج هذا إلى أن يقال: القولُ في المنزل مستعملٌ في معنى الزعم.

سُورَةُ المُعْرَاتِ
٤٠٤
الآية : ١٤
وقيل: في الآية احتباك، والأصل: لم تُؤمنوا، فلا تقولوا: آمنًا، ولكن
أسلمتم، فقولوا: أسلمنا، فحذف من كلٍّ من الجملتين ما أَثبت في الأُخرى.
والأول أبلغُ وأَلطفُ.
﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ حالٌ من ضمير ((قولوا))، كأنه قيل: قولوا:
أسلمنا ما دُمتم على هذه الصفة، وفيه إشارة إلى توقّع دخول الإيمان في قلوبهم
بعدُ، فليس هذا النفي مكرَّراً مع قوله تعالى: ((لم تؤمنوا)).
وقيل: الجملة مستأنفةٌ، ولا تَكرار أيضاً؛ لأنَّ ((لمَّا)) تُفيد النفي الماضي
المستمرّ إلى زمن الحال بالإجماع، وتفيدُ أن مَنْفِيَّها متوقَّع، خلافاً لأبي حيان،
و(لم)) لا تُفيد شيئاً من ذلك بلا خلاف، فلا حاجةً في دَفْع التكرار إلى القول
بالحاليّة، وجعل الجملة توقيتاً للقول المأمور به.
﴿وَإِنْ تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإخلاص وترك النِّفاق ﴿لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ﴾
لا ينقصكم ﴿شَيْئًا﴾ من أجورها، أو شيئاً من النقص، يقال: لاتَه يَليته ليتاً، إذا
نقصه، ومنه ما حكى الأصمعي عن أُمّ هشام السَّلوليَّة: الحمدُ لله الذي لا يفات
ولا يلات ولا تُصِمُّه الأصوات(١).
وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو: ((لا يَأْلِتكم))(٢)، من: أَلَتَ يأُلُتُ - بضمِّ
اللام وكسرها - ألتاً، وهي لغةُ أَسد وغَطَفان، قال الحطيئة:
جهدَ الرسالة لا أَلْتاً ولا كَذِبا(٣)
أَبلِغْ سَراةً بني سعد مُغَلغلةٌ
والأولى لغة الحجاز، والفعل عليها أجوف، وعلى الثانية مهموزُ الفاء، وحكى
أبو عُبيدة: ألات يُليت.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَا فَرَطَ من المُطيعين ﴿رَّحِيمُ ﴾﴾ بالتفضُّل عليهم.
(١) الكشاف ٣/ ٥٧٠.
(٢) البحر المحيط ١١٧/٨، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢، وقرأ بها
يعقوب من العشرة.
(٣) ديوان الحطيئة ص ١٣٥ .

الآية : ١٥
٤٠٥
سُورَةُ الرُّراتِ
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ لم يَشُكُّوا، من ارتاب
مطاوع رابَه : إذا أوقَعَه في الشَّكّ مع التُّهَمَةِ، وجعل عدم الارتياب متراخياً عن
الإيمان مع أنه لا ينفكُّ عنه لإفادة نفي الشكِّ فيما بعدُ عند اعتراء شُبهةٍ، كأنه قيل:
آمنوا ثم لم يَعْتَرِهم ما يعتري الضُّعفاء بعدَ حين، وهذا لا يدلُّ على أنهم كانوا
مرتابين أولاً، بل يدلُّ على أنهم كما لم يرتابوا أولاً لم يحدث لهم ارتيابٌ ثانياً،
والحاصلُ: آمنوا ثم لم يَحدُثْ لهم ريبة، فالتراخي زمانيٌّ. وقال بعضُ الأجلة:
عطفُ عدمِ الارتياب على الإيمان من باب: ((ملائكته وجبريل)) تنبيهاً على أنه
الأصل في الإيمان، فكأنه شيء آخرُ أعلى منه كائنٌ فيه، وأوثر ((ثم)) على الواو
للدلالة على أنَّ هذا الأصل حديثَه وقديمَه سواءٌ في القوَّة والثَّبات، فهو أبداً على
طراوته لا أنه شيء واحد مستمرٌّ، فيكون كالشيء الخَلَق، بل هو متجدِّدٌ طريٍّ حيناً
بعد حين، ولا بأس بأن يجعل ترشيحاً لِمَا دلَّ عليه معنى العطف لمَّا جعل مغايراً
نَبَّه على أنه ليس تغايرَ ما بين الاستمرار والحدوث، بل تغاير شيئين مختلفين ليدلَّ
على المعنى المذكور وأنهم في زيادة اليقين آناً فآناً، أما عند من يقول فيه بالقوّة
والضعف فظاهر، وأما مَنْ لم يَقُلْ به فلانضمام العِيان إلى البيان، والفرقُ بين
الاستمرارين أن الاستمرارَ على الأول استمرارُ المجموع نحو قوله تعالى: (قَالُواْ
رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُوْ) أي: استمرَّ بذلك إيمانُهم مع عدم الارتياب، وعلى الثاني
الاستمرارُ معتبرٌ في الجزء الأخير، وهذا الوجهُ أوجهُ، وأيّاً ما كان ففي الكلام
تعريض بأولئك الأعراب.
﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في طاعته عز وجل على تكثُر فنونها
من العبادات البدنية المَحْضة والمالية الصِّرفة، والمُشتملة عليهما معاً كالحجِّ
والجهاد. وتقديم الأموال على الأنفس من باب الترقِّ من الأدنى إلى الأعلى.
ويجوزُ بأنْ يقال: قدَّم الأموال لحرص الكثير عليها حتى إنهم يُهلكون
أَنْفسهم بسببها، مع أنه أوفقُ نظراً إلى التعريض بأولئك حيث إنهم لم يَكْفِهم
أنهم لم يُجاهدوا بأموالهم حتى جاؤوا وأظهروا الإسلام حبّاً للمغانم وعَرض
الدنيا .

سُورَةُ الرَّحَرَاتِ
٤٠٦
الآية : ١٦ - ١٧
ومعنى ((جاهدوا)): بذلوا الجُهد، أو مفعوله مقدَّر، أي: العدوَّ أو النفسَ والهوى.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف الجميلة ﴿هُمُ الصََّدِقُونَ
١٥
أي: الذين صَدَقوا في دعوى الإيمان، لا أولئك الأعراب.
رُوي أنه لمَّا نزلت الآية جاؤوا وحلفوا أنهم مؤمنون صادقون، فنزلَ لتكذيبهم
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: أتُخبرونه سبحانه وتعالى بذلك
بقولكم: آمنا، فـ ((تُعَلِّمون)) مِن: عَلِمْتُ به، فلذا تعدَّى بالتضعيف لواحد بنفسه،
وإلى الثاني بحرف الجرِّ، وقيل: إنه تعذَّى به لتضمين معنى الإحاطة أو الشعور،
فَيُفيد مُبالغةً من حيث إنه جارٍ مجرى المحسوس.
وقوله تعالى: ﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾ حال من مفعول
«تعلّمون» وفيه من تجهیلهم ما لا يخفى.
تذييلٌ مُقرِّر لِمَا قبله، أي: مبالغٌ
وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾
في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها ما أَخْفَوْه من الكفر عند إظهارهم الإيمان.
﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي: يَعُدُّون (١) إسلامهم مِنَّةً عليك، وهي النعمة التي
لا يَظْلُبُ مُوليها ثواباً ممن أنعم بها عليه، من المَنّ بمعنى القَطْع؛ لأن المقصودَ بها
قطعُ حاجتهِ. وقال الراغب(٢): هي النعمة الثقيلة من المَنِّ الذي يُوزن به، وثِقَلُها
عِظَمُها، أو المشقّة في تحمُّلها، و((أَنْ أسلموا)) في موضع المفعول لـ ((يمنُّون))
لِتضمينه معنى الاعتداد، أو هو بتقدير حرف الجرِّ فيكون المصدرُ منصوباً بنزع
الخافض، أو مجروراً بالحرف المقدَّر، أي: يمنون عليك بإسلامهم.
ويقال نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَى إِسْلَمَكُمْ﴾ فهو إما على معنى:
لا تعتدوا إسلامَكم مِنَّةً عليَّ، أَوْ: لا تمنُّوا عليَّ بإسلامكم. وجوَّز أبو حيان(٣) أن
يكون ((أن أسلموا)) مفعولاً من أجله، أي: يتفضَّلون عليك لأجل إسلامهم.
(١) في (م): يعتدون، والمثبت موافق لما في تفسير البيضاوي ٨٣/٨، وتفسير أبي السعود
٨/ ١٢٤.
(٢) المفردات (منن).
(٣) البحر المحيط ١١٧/٨ .

الآية : ١٨
٤٠٧
سُؤَدَّةُ الزُهُرَاتِ
﴿بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ﴾ أي: ما زعمتم في قولكم: آمنًّا، فلا يُنافي
هذا قولَه تعالى: ((قل لم تؤمنوا))، أو الهدايةُ مطلقُ الدلالة فلا يلزم إيمانُهم، ويُنافي
نفي الإيمان السابق.
وقرأ عبد الله وزيد بن عليٍّ: ((إذ هداكم)) بـ ((إذ)) التعليلية، وقرئ: ((إنْ هداكم))
بـ ((إن)) الشرطية(١).
﴿إِن كُمْ صَدِّقِينَ ﴾ أي: في ادّعاء الإيمان، فهو متعلّق الصّدق
لا الهداية، فلا تَغْفُل، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فلله المِنَّة
عليكم.
ولا يخفى ما في سياقٍ الآيةِ من اللُّطف والرَّشاقة، وذلك أن الكائنَ من أولئك
الأعراب قد سمَّاه الله تعالى إسلاماً إظهاراً لكذبهم في قولهم: آمنًا - أي: أحدثنا
الإيمان - في معرض الامتنان، ونفى سبحانه أن يكونَ كما زَعَموا إيماناً، فلما مَنُّوا
على رسول الله وَ﴿ ما كان منهم، قال سبحانه لرسوله عليه الصلاة والسلام:
يعتدون عليك بما ليس جديراً بالاعتدادِ به من حديثهم الذي حقُّ تسميته أن يقال
له: إسلامٌ، فقل لهم: لا تعتدوا عليَّ إسلامكم، أي: حديثكم المُسمَّى إسلاماً
عندي لا إيماناً، ثم قال تعالى: بل اللهُ يعتدُّ عليكم أنْ أَمَدَّكم بتوفيقه حيث هداكم
للإيمان على ما زعمتم.
وفي قوله تعالى: ((إسلامكم)) بالإضافة ما يدلُّ على أنَّ ذلك غيرُ مُعتدٍّ به، وأنه
شيء يليقُ بأمثالهم، فأنى يخلق بالمِنّة. وللتنبيهِ على أنَّ المرادَ بالإيمان الإيمانُ
المعتدُّ به لم يُضِفْه عز وجل، ونبَّه سبحانه بقوله جل وعلا: ((إن كنتم صادقين)) على
أنَّ ذلك كَذِبٌ منهم، واللَّطف في تقديم التكذيب ثم الجواب عن المَنِّ مع رعایة
النكت في كلٍّ من ذلك، وتمامُ الحسن في التذييل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما غابَ فيهما.
﴾ أي: في سِرِّكم وعلانيتكم، فكيف يَخفى عليه
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
(١) البحر المحيط ١١٨/٨ .

سُورَةُ الُرَاتِ
٤٠٨
التفسير الإشاري (١-١٤)
سبحانه ما في ضمائركم، وذلك ليدلَّ على كَذِبهم وعلى إطلاعه عز وجل خواصَّ
عبادِهِ من النبيِّ وَلَّ وأَتباعه
.
وقرأ ابن كثير، وأَبان عن عاصم: ((يعملون)) بياء الغيبة (١)، والله تعالى أعلمُ.
ومن باب الإِشارة في بعض الآيات: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ
وَرَسُولٍ﴾ إلخ إشارةٌ إلى لُزوم العمل بالشَّرع ورعايةِ الأدب وترك مُقتضيات الطَّبع.
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَيَنُواْ﴾ يُشير إلى أنه إن
سوَّلتِ النفسُ الأمَّارة بالسوء وجاءت بنبأ شهوة من شهوات الدنيا ينبغي التثبُّتُ
للوقوف على ربحها وخُسرانها ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا﴾ من القلوب وصِفاتها ﴿بِجَهَلَةٍ
فَنُصْبِحُواْ﴾ صباحَ يوم القيامة ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ فإنَّ ما فيه شفاءُ النفوس وحياتها
فيه مرضُ القلوب ومَمَاتها .
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلخ، يُشير إلى رسول الإلهام الرباني في الأنفس
يلهم فجورها وتقواها .
ويُشير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ أَلَّتِى تَبْغِى حَّى تَفَِّ إِلَى أَمْرِ
اللّهِ﴾ إلى أنَّ النفسَ إذا ظلمت القلبَ باستيلاء شهواتها يجب أن تُقاتل حتى تثخن
بالجِراحة بسيوف المجاهدة، فإن استجابَتْ بالطاعة عُفي عنها لأنها هي المَطَّة إلى
باب الله عز وجل.
﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ إشارةٌ إلى رعاية حقِّ الأخوَّة الدينية
ومنشأ نُطفها صلبُ النبوّة وحقيقتها نورُ الله تعالى، فإصلاحُ ذاتِ بينهم برفع حُجُبٍ
أستار البشرية عن وجوهِ القلوب ليتَّصل النور بالنور من رَوْزَنَّةِ القلب فيصيروا كنفسٍ
واحدة .
(١) البحر المحيط ١١٨/٨، وقراءة ابن كثير في التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢، وقراءة
عاصم غير المشهورة عنه.
٠

التفسير الإشاري (١-١٤)
٤٠٩
سُورَةُ الدُّعْرَانِ
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يُشير إلى
تركِ الإعجاب بالنفس والنظر إلى أحدٍ بعين الاحتقار، فإن الظاهرَ لا يُعبأ به
والباطن لا يُطّلع عليه، فربَّ أشعثَ أغبرَ ذي ◌ِمْرين لو أقسم على الله تعالى لأبره.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَبُ ءَامَنَّاً﴾ إلى آخره، فيه إشارةٌ إلى أنه ينبغي تركُ رؤيةِ الأعمال
والعلم بأنَّ المِنَّة في الهداية لله الملك المُتعال. وفيه إرشادٌ إلى كيفية مُخاطبة
الجاهلين والردِّ على المحجوبين كما سلفت الإشارةُ إليه.
هذا، ونسأل اللهَ تعالى التوفيقَ لما يرضاه يومَ العرض عليه.
٦٠

سُقَدَلاقت
وتسمى سورة الباسقات
وهي مكية، وأطلق الجمهور ذلك، وفي ((التحرير)) عن ابن عباس وقتادة أنها
مكية إلا قولَه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [٣٨] فهي مدنيّة نزلت
في اليهود (١)، وآيها خمسٌ وأربعون بالإجماع.
ولما أشار سبحانه في آخر السورة السابقة إلى أنَّ إيمانَ أولئك الأعراب لم
يكن إيماناً حقّاً، ويتضمَّن ذلك إنكار النبوّة وإنكار البعث افتتحَ عز وجل هذه
السورةَ بما يتعلَّق بذلك.
وكان ﴿ كثيراً ما يقرؤها في صلاة الفجر كما في حديث مسلم وغيره عن
جابر بن سمرة (٢)، وفي رواية ابن ماجه وغيره عن قُطْبةَ بن مالك أنه عليه الصلاة
والسلام كان يقرؤها في الركعة الأولى من صلاة الفجر (٣). وأخرج أحمد ومسلم
وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي عن أبي واقد الليثي أنه وي لفر كان يقرأ في
العيد بقاف واقتربت(٤). وأخرج أبو داود والبيهقي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن أمِّ
هشام ابنةِ حارثة قالت: ما أخذتُ ((ق والقرآن المجيد)) إلا من فِيْ رسولِ اللهِ وَّر،
كان يقرأ بها في كلِّ جمعةٍ على المنبر إذا خطب الناس(٥).
(١) ينظر تفسير القرطبي ٤٢٤/١٩.
(٢) صحيح مسلم (٤٥٨)، وأخرجه أحمد (٢٠٨٥٤).
(٣) سنن ابن ماجه (٨١٦)، وأخرجه مسلم (٤٥٧).
(٤) الدر المنثور ١٠١/٦، ومسند أحمد (٢١٨٩٦)، وصحيح مسلم (٨٩١)، وسنن أبي داود
(١١٥٤)، وسنن ابن ماجه (١٢٨٢)، وسنن الترمذي (٥٣٤)، وسنن النسائي ١٨٣/٣-١٨٤.
(٥) سنن أبي داود (١١٠٠)، وسنن البيهقي ٢١١/٣، ومصنف ابن أبي شيبة ١١٥/٢، ولم نقف
عليه عند ابن ماجه، وأخرجه أحمد (٢٧٤٥٦)، ومسلم (٨٧٣).

الآية : ١
٤١١
وفي حديث ابن مردويه عن أبي العلاء ظُه مرفوعاً: ((تَعلَّموا: ق والقرآن
المجید».
وكل ذلك يدلُّ على أنها من أعظمِ السور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذي المَجْد والشَّرف من باب النَّسب كـ : لابِن
﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
وتامِر، وإلا فالمعروفُ وصف الذات الشريفة به، وصنيعُ بعضهم ظاهرٌ في اختيار
هذا الوجه، وأُورد عليه أن ذلك غير معروف في فعيل كما قاله ابنُ هشام في: ﴿إِنّ
رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦](١) وأنت تعلم أنَّ من حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم
يحفظُ، وشرفُه على هذا بالنسبة لسائر الكتب؛ أما غير الإلهية فظاهر، وأما الإلهية
فلإعجازه وكونه غيرَ منسوخ بغيره، واشتماله مع إيجازه على أسرار يضيقُ عنها كلُّ
واحد منها، وقال الراغب: المجدُ: السَّعة في الكرم، وأصله: مَجَدَتِ الإبلُ، إذا
وقعت في مرعى كثير واسع، ووصف القرآن به لِكَثْرةٍ ما يتضمَّن من المكارم
الدنيوية والأخروية(٢). ويجوز أن يكونَ وصفُه بذلك لأنه كلامُ المجید، فهو وصفٌ
بصفةٍ قائله، فالإسناد مجازيٌّ كما في ((القرآن الحكيم))، أو لأنَّ مَن عَلِمَ معانيه
وعَمِلَ بما فيه مُجَّدَ عند الله تعالى وعند الناس، فالكلام بتقدير مضاف حُذف فارتفع
الضميرُ المضافُ إليه، أو فَعيل فيه بمعنى مُفْعِل، كبديع بمعنى مُبْدِع، لكن في
مجيء فعيل وصفاً من الإفعال كلامٌ، وأكثرُ أهل اللغة والعربية لم يُثبته.
وأكثرُ ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] يجري هاهنا
حتى إنه قيل: يجوز أن يكون ((ق)) أمراً من مُفاعلة قَفا أَثره، أي: تَبِعه، والمعنى:
اتَّبع القرآنَ واعْمَلْ بما فيه، ولم يُسمع مأثوراً، ومثله ما قيل: إنه أمرٌ بمعنى: قف،
أي: قفْ عند ما شرع لك ولا تجاوزه.
(١) مغني اللبيب ص٦٦٦ .
(٢) المفردات (مجد).

الآية : ١
٤١٢
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه
الأرض بحراً محيطاً بها، ومن وراء ذلك جبلاً يقال له: قاف، السماء الدنيا
مُترفرفة عليه، ثم خَلَق من وراءِ ذلك الجبلِ أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم
خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق وراء ذلك جبلاً يقال له قاف، السماءُ
الثانية مُترفرفة عليه، حتى عدَّ سبعَ أَرَضين وسبعةً أَبحر وسَبعة أَجْبُل، ثم قال:
وذلك قوله تعالى: ﴿وَاَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧](١) .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) وأبو الشيخ عنه أيضاً أنه قال: خلق اللهُ
تعالى جبلاً يقال له: قاف، محيطاً بالعالم وعروقُه إلى الصخرة التي عليها الأرض،
فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قريةً أَمر ذلك الجبل فحرَّك العِرق الذي يلي تلك القرية
فيزلزلها ويحرِّكها، فمن ثم تُحرَّك القرية دون القرية(٢).
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في ((العظمة)) والحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن
بُريدة أنه قال في الآية: قاف جبلٌ من زُمرد محيطٌ بالدنيا عليه كنفا السماء(٣).
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد أنه أيضاً قال: هو جبل محيط بالأرض (٤).
وذهب القرافيُّ إلى أنَّ جبلَ قاف لا وجودَ له، وبرهن عليه بما برهن ثم قال:
ولا يجوزُ اعتقادُ ما لا دليلَ عليه.
وتعقَّبه ابن حجر الهيتمي فقال: يردُّ ذلك ما جاء عن ابن عباس من طُرق
خرَّجها الحُفَّاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريجَ الصحيح، وقولُ الصحابي ذلك
ونحوه مما لا مجالَ للرأي فيه حكمه حُكمُ المرفوع إلى النبيِّ وَله: إنَّ وراءَ أرضنا
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠١ ونسبه لابن أبي حاتم، وسلف عند تفسير الآية
(٩٦) من سورة الأنعام، ولم نقف عليه في تفسير الطبري. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه
الآية: هذا من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس.
(٢) الدر المنثور ١٠٢/٦، والعظمة لأبي الشيخ (٩٩٢).
(٣) الدر المنثور ١٠١/٦، والعظمة (٩٩٣)، والمستدرك ٢/ ٤٦٤، ووقع في مطبوع العظمة:
كتفا، بدل: كنفا. وإسناده ضعيف كما ذكرنا عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٣٦/٢.

الآية : ١
٤١٣
سۈۈاڤٹ
بحراً محيطاً، ثم جبلاً يقال له: قاف، إلى آخر ما تقدَّم، ثم قال: وكما يندفع بذلك
قوله: لا وجودَ له، يندفعُ قولُه: ولا يجوزُ اعتقاد .. إلخ؛ لأنه إن أراد بالدليل
مطلق الأمارة فهذه عليه أدلة، أو الأمارة القطعية فهذا مما يكفي فيه الظنُّ كما هو
جليّ(١). انتهى.
والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القَرَافي من أنه لا وجودَ لهذا الجبل بشهادة
الحسِّ، فقد قطعوا هذه الأرضَ بَرَّها وبَحْرَها على مدار السرطان مراتٍ فلم
يُشاهدوا ذلك، والطعنُ في صحَّةِ هذه الأخبار وإن كان جماعةٌ من رُواتها ممن
التزم تخريجَ الصحيح أهونُ من تكذيب الحسِّ، وليس ذلك من باب نفي الوجود
لعدم الوجدان كما لا يخفى على ذوي العرفان. وأمر الزلزلة لا يتوقَّف على ذلك
الجبل، بل هي من الأبخرة وطلبِها الخروج مع صلابة الأرض، وإنكارُ ذلك مُكابرةٌ
عند من له أدنى عرقٍ من الإنصاف، والله تعالى أعلم.
واختُلف في جواب القَسَم فقيل: محذوفٌ يُشعر به الكلام، كأنه قيل: والقرآنِ
المجيد إنَّا أنزلناه لِتُنذِرَ به الناس، وقدَّره أبو حيان: إنك جئتهم منذراً بالبعث(٢).
ونحو (٣) ما قيل: هو: إنك لمنذرٌ. وقيل: ما ردُّوا أمرك بحجّة.
وقال الأخفش والمبرِّد والزجاج: تقديره: لَتبعثنَّ(٤).
وقيل: هو مذكور؛ فعن الأخفش ((قد علمنا ما تنقص الأرض منهم)) وحُذفت
اللام لطُول الكلام. وعنه أيضاً وعن ابن كيسان: ((ما يَلْفِظُ من قول)) وقيل: ((إنَّ في
ذلك لذكرى)) وهو اختيارُ محمد بن علي الترمذي(٥). وقيل: ((ما يُبدَّل القولُ لدي)».
(١) سلف كلام ابن حجر عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) البحر المحيط ٨/ ١٢٠.
(٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ونحوه.
(٤) مذهب الأخفش في معاني القرآن ٦٩٦/٢ أن الجواب: ((قد علمنا ما تنقص))، وسيذكره
المصنف، ومذهب الزجاج في معاني القرآن ٤١/٥ أن تقدير الجواب: إنكم لمبعوثون.
وما ذكره المصنف نقله عن البحر المحيط ١٢٠/٨.
(٥) ينظر تفسير القرطبي ٤٢٧/١٩-٤٢٨.

الآية : ٢
٤١٤
وعن نُحاة الكوفة هو قوله تعالى: ﴿بَلّ ◌ِبُواْ أَنْ جَهُمْ تُنْذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. وما ذُكر أولاً
هو المُعوَّل عليه.
و((بل)) للإضراب عمَّا يُنبئ عنه جوابُ القَسَم المحذوف، فكأنه قيل: إنَّا أنزلناه
لِتُنْذِرَ به الناسَ فلم يؤمنوا به، بل جعلوا كلَّ من المُنذِرِ والمُنذَر به عُرضةً للتكبُّر
والتعجّب مع كونهما أوفقَ شيء لقضية العقول وأَقربَه إلى التلقِّ بالقَبول.
وقيل: التقدير: إنك جئتَهم منذراً بالبعث فلم يقبلوا، بل عَجِبُوا، أو: فشكُوا
فيه، بل عَجِبوا، على معنى: لم يكتفوا بالشكِّ والردِّ، بل جزموا بالخِلاف حتى
جعلوا ذلك من الأمور العجيبة.
وقيل: هو إضرابٌ عمَّا يُفهم من وصفِ القرآن بالمجید، کأنه قيل: ليس سببَ
امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجدّ له، ولكن لجهلهم، ونَّه بقوله تعالى: ((بل
عَجِبوا)) عليه؛ لأنَّ التعجُّب من الشيء يقتضي الجهلَ بسببهِ. قال في ((الكشف)):
وهو وجهٌ حسن.
و((أنْ جاءهم)) بتقدير: لأنْ جاءهم، ومعنى ((منهم)): من جِنْسهم، أي: من
جنس البشر أو من العرب، وضمير الجمع في الآية عائدٌ على الكُفَّار، وقيل: عائدٌ
على الناس، وليس بذاك.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِيدٌ ﴾﴾ تفسيرٌ لتعجُّبهم، وبيانٌ لكونه
مقارناً لغاية الإنكار مع زيادة تفصيل لمحلِّ التعُّب، و((هذا)) إشارةٌ إلى كونه عليه
الصلاة والسلام منذراً بالقرآن، وإضمارهم أولاً للإشعار بتعيُّنهم بما أُسند إليهم،
وإظهارهم ثانياً للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه. أو عطفٌ لتعجّبهم من البعث على
تعجّبهم من البعثة، وعطفُه بالفاء لوقوعه بعدَه وتفرُّعهِ عليه لأنه إذا أَنكر المبعوث
أنكر ما بُعِثَ به أيضاً، على أن ((هذا)) إشارةٌ إلى مُبهم - وهو البعث - يُفسِّره
ما بعدَه من الجملة الإنكارية، ودلَّ عليه السّياق أيضاً لأنه دلَّ على أن ثَمَّ منذَراً
به، ومعلومٌ أن إنذارَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أول كلِّ شيءٍ بالبعث
وما يَتْبعه.

الآية : ٣
٤١٥
ووُضِعَ المُظهر موضعَ المُضمر إما لِسَبْقِ اتِّصافهم بما يُوجب كُفرَهم؛ وإما
للإيذان بأنَّ تعجّبهم من البعث - لدلالته على استقصارهم لِقُدرة الله سبحانه عنه مع
مُعايتهم لقُدرته عز وجل على ما هو أشقُّ منه في قياس العقل من مصنوعاته البديعة -
أشنع من الأول وأعرق في كونه كفراً.
وقوله تعالى: ﴿أَِذَا مِثْنَا وَكُنَّا زَابًا﴾ تقرير للتعجُّب وتأكيدٌ للإنكار، أو بيانٌ
لموضع تعجّبهم، والعامل في ((إذا)) مضمرٌ غنيٌّ عن البيان لغاية شُهرته مع دلالة
ما بعدَه عليه، أي: أحين نموت ونصيرُ تراباً نرجع كما ينطقُ به النذير والمُنذَر به
مع کمال التباين بيننا وبين الحياة حينئذ.
وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى محلِّ النزاع وهو الرجعُ والبعث بعد
الموت، أي: ذلك الرجعُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾﴾ أي: عن الأوهام أو العادة أو
الإمكان.
وقيل: الرَّجْعُ بمعنى المرجوع، أي: الجواب، يقال: هذا رَجْعُ رسالتك
ومرجوعُها ومرجوعتها، أي: جوابها، والإشارة عليه إلى ((أئذا متنا)) إلخ، والجملةُ
من كلام الله تعالى، والمعنى: ذلك جوابٌ بعيدٌ منهم لمنذرهم، وناصبُ ((إذا)»
حينئذ ما يُنبئ عنه المُنذِرُ من المُنذَر به وهو البعث، أي: أئذا متنا وكُنَّا تراباً بُعثنا.
وقد يقال: إنه لمَّا تقرَّر أن ذلك جوابٌ منهم لمنذِرهم فقد عُلم أنه أَنذرهم بالبعث
ليصلحَ ذلك جواباً له، فهو دليلٌ أيضاً على المُقدَّر، فالقولُ بأنه إذا كان الرَّجع
بمعنى المرجوع، وهو الجواب، لا يكون في الكلام دليلٌ على ناصب ((إذا)) مندفع.
نعم هذا الوجه في نفسهِ بعيدٌ، بل قال أبو حيان(١): إنه مفهومٌ عجيبٌ ينبو عن
إدراكه فَهْمُ العرب.
وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وابن وثَّاب والأعمش وابن عُتبة عن ابن عامر:
((إذا)) بهمزة واحدة(٢) على صورة الخبر، فجاز أن يكونَ استفهاماً حُذفت منه
(١) البحر المحيط ١٢١/٨.
(٢) البحر المحيط ١٢٠/٨، والمحتسب ٢٨١/٢ وهي خلاف المشهور عن أبي جعفر وابن
عامر.

الآية : ٤
٤١٦
الهمزة، وجاز أن يكونَ خبراً، قال في ((البحر)) (١): وأضْمِرَ جوابُ ((إذا))، أي: إذا
متنا وكنَّا تراباً رَجَعنا، وأجاز صاحبُ ((اللوامح)) أن يكونَ الجوابُ: ((ذلك رَجْعٌ
بعيدٌ)) على تقدير حذف الفاء، وقد أجاز ذلك بعضُهم في جواب الشرط مطلقاً إذا
كان جملةً اسمية. وقَصَره أصحابُنا على الشعر في الضرورة.
﴿قَدْ عَلْنَا مَا نَقُصُ الْأَرَّضُ مِنْهُمَّ﴾ أي: ما تأكل من لحوم موتاهم وعظامهم
وأشعارهم، وهو ردّ لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه، وهو أن أجزاءهم تفرَّقت
فلا تُعلم حتى تُعاد بزعمهم الفاسد.
وقيل: ((ما تنقصُ الأرضُ منهم)): مَن يموت فيدفَنُ في الأرض منهم، ووجهُ
التعبير بـ ((ما)) ظاهرٌ. والأولُ أظهرُ، وهو المأثور عن ابن عباس وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿وَعِندَنَا کِنَبُّ حَفِظُ ﴾﴾ تعمیمٌ لعلمه تعالی، أي: وعندنا
كتابٌ حافظٌ لتفاصيلِ الأشياء كلِّها، ويدخلُ فيها أعمالُهم، أو محفوظٌ عن التغيُّر،
والمرادُ إما تمثيلُ عِلْمِه تعالى بكليات الأشياء وجُزئياتها بعِلْم مَنْ عنده كتابٌ حفيظ
يتلقَّى منه كلَّ شيء، أو تأكيدٌ لعلمه تعالى بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده سبحانه.
هذا، وفي الآية إشارةٌ إلى ردِّ شُبهةٍ تمسَّكَ بها مَنْ يرى استحالةَ إعادة المعدوم
ونفَى البعث لذلك بناءً على أن أجزاءَ الميتِ تُعدم ولا تتفرَّق فقط. وحاصلُها أنَّ
الشيءَ إذا عدم ولم يستمرَّ وجودُه في الزمان الثاني ثم أُعيد في الزمان الثالث لزم
التحكّم الباطل في الحكم بأنَّ هذا الموجودَ المتأخِّر هو بعينه الموجود السابق
لا موجود آخر مثله مستأنف، إذ لمَّا فقد هوية الموجود الأول لم يبقَ منه شيءٍ من
الموضوع والعوارض الشخصية حتى يكون الموجودُ الثاني مشتملاً عليه، ويكون
مرجحاً للحكم المذکور ويندفع التحكّم.
وحاصلُ الرَّدِّ على أنَّ الله تعالى عليمٌ بتفاصيل الأشياء كلِّها، يعلم كُلِّيَّاتها
وجُزئياتِها على أتمّ وجهٍ وأكمله. فللمعدوم صورةٌ جزئية عنده سبحانه، فهو محفوظٌ
بعوارضه الشخصية في علمه تعالى البليغ على وجهٍ يتميّز به عن المستأنف، فلا يلزم
(١) البحر المحيط ١٢٠/٨.

الآية : ٤
٤١٧
التحكّم، ويكون ذلك نظيرَ انحفاظ وَحْدة الصورة الخيالية فينا بعد غيبة المحسوس
عن الحِسّ، كما إذا رأينا شخصاً فغاب عن بصرنا ثم رأيناه ثانياً فإنا نحكم بأنَّ هذا
الشخصَ هو مَن رأيناه سابقاً، وهو حكمٌ مطابق للواقع مبنيٌّ على انحفاظ وحدةٍ
الصورة الخيالية قطعاً، ولا يُنكره إلا مكابرٌ.
وقال بعضُ الأشاعرة: إنَّ للمعدوم صورةً جزئية حاصلةً بتعلَّق صفةِ البصر من
المُوجِد وهو الله تعالى، وليست تلك الصورةُ للمستأنَف وجوده، فإن صورتَه وإن
كانت جزئيةً حقيقيةً أيضاً إلا أنها لم تترتب على تعلُّق صفة البصر، ولا شكَّ أن
المترتّب على تعلُّق صفة البصر أكملُ من غير المترتّب عليه، فبين الصورتين تمايزٌ
واضح، وإذا انحفظ وحدة الموجودِ الخارجي بالصور الجزئية الخيالية لنا
فانحفاظُها بالصورة الجزئية الحاصلة له تعالى بواسطة تعلَّق صفة البصر بالطريق
الأَولى. انتهى، وهو حسنٌ لكن لا تُشير الآية إليه.
وأيضاً لا يتمُّ عند القائلين بعدم رؤية الله سبحانه المعدوماتِ مطلقاً، إلا أن
أولئك قائلون بثبوتٍ هويَّات المعدومات متمايزة تمايزاً ذاتياً حالَ العدم، فلا تَرِدُ
عليهم الشُّبهة السابقة. وقد يقال: إنَّ صفةَ البصر ترجعُ إلى صفة العلم، وتعلُّقاتُه
مختلفة، فيجوز أن يكون لِعلمه تعالى تعلُّقاً خاصّاً(١) بالموجود الذي عدم غيرَ تعلُّقه
بالمستأنف في حال عدمه، وبذلك يحصلُ الامتياز ويندفعُ التحكّم، ويقال على
مذهب الحكماء: إنَّ صورةَ المعدومِ السابق مُرتسمةٌ في القوى المُنطبعة للأفلاك بناءً
على أن صورَ جميع الحوادثِ الجسمانية منطبعةٌ فيها عندهم، فله صورةٌ خياليةٌ
جزئية محفوظةُ الوحدة الشخصية بعد فَنائه، بخلافِ المستأنف إذ ليس له تلك
الصورة قبل وجوده، وإنما له الصور الكلية في الأذهان العالية والسافلة، فإذا
أُوجدت تلك الصورةُ الجزئية كان معاداً، وإذا أُوجدت هذه الصورة الكلية كان
مستأنفاً، وربما يدَّعي الإسلامي المتفلسف أنَّ في قوله تعالى: (وَعِنْدَنَا كِنَبُّ حَفِظُ)
رمزاً إلى ذلك، وللجلال الدواني كلامٌ في هذا المقام لا يخلو عن نَظَرٍ عند ذوي
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الوجه: تعلُّقٌ خاصٌّ.

سُوَرَةُ قَتْ
٤١٨
الآية : ٥
الأفهام. ثم إنَّ البعثَ لا يتوقَّف على صحةٍ إعادة المعدوم عند الأكثرين لأنهم
لا يقولون إلا بتفرُّق أجزاءِ الميت دون انعدامها بالكلية، ولعلَّ في قوله تعالى حكايةً
عن مُنكريه: (أَِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَاباً) إشارة إلى ذلك، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله وَله: ((ليس من الإنسان شيء لا يَبلى
إلا عظمٌ واحدٌ، وهو عَجْبُ الذَّنَب، منه يُرَّب الخَلْقِ يومَ القيامة))(١) . وليس نصّاً
في انعدامِ ما عدا العَجْبٍ بالمرَّة؛ لاحتمال أنْ يُرادَ بِيِلَى غيره من الأجزاء انحلالُها
إلى ما تركَّبت منه من العناصر، وأما هو فيبقى على العظمية، وهو جزء صغير في
العَظْم الذي في أسفل الصُّلب.
ومن كلام الزمخشري: العَجْب أمره عَجَب هو أولُ ما يُخلَق وآخرُ ما يَخْلُق(٢).
﴿َبَّ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا بَهُمْ﴾ إضرابٌ أُتْبِعَ الإضرابَ الأول للدلالةِ على أنهم
جاؤوا بما هو أفظعُ من تعجّبهم، وهو التكذيبُ بالحقِّ - الذي هو النبوَّة الثابتةُ
بالمُعجزات - في أول وَهْلة من غير تفكُّر ولا تدبُّر، فكأنه بدلُ بداءٍ (٣) من الأول،
فلا حاجةً إلى تقدير: ما أجادوا النظر، بل كذَّبوا، أو: لم يَكذب المنذِرُ بل كذَّبوا.
وكون التكذيب المذكور أفظعَ قيل: من حيث إن تكذيبهم بالنبوَّة تكذيبٌ بالمُنبَّأ به
أيضاً، وهو البعثُ وغيره. وقيل: لأنَّ إنكارَ النبوَّة في نفسه أفظعُ من إنكار البعث،
وربَّما لا يتمُّ عند القائلين بأن العقلَ مستقلٌّ بإثبات أصل الجزاء، على أنَّ من الجائز
أن يكونوا قد سمعوا بالبعث من أصحابٍ ملل أُخرى، بخلاف نبؤَّته عليه الصلاة
والسلام خاصَّة.
وقيل: المرادُ بالحقِّ الإخبارُ بالبعث، ولا شكَّ أنَّ التكذيبَ أسوأ من التعجُّب
وأفظعُ، فهو إضرابٌ عن تعجُّبهم بالمنذِر والمنذَر به إلى تكذيبهم.
(١) صحيح البخاري (٤٩٣٥)، ومسلم (٢٩٥٥)، وسنن أبي داود (٨٢٨٣)، والنسائي
١١١/٤- ١١٢.
(٢) الفائق ٣٩٨/٢ بنحوه.
(٣) وهو ما لا تناسب بينه وبين الأول بموافقة ولا خبرية، بل هما متباينان لفظاً ومعنى، ويسمى
أيضاً بدل الإضراب. أوضح المسالك ص ٥١١، وهمع الهوامع ١٧٨/٣ .
**

الآية : ٦
٤١٩
سوڕۆڤٹ،
وقيل: المرادُ به القرآن، والمضروبُ عنه عليه - على ما قال الطيبي - قوله
تعالى: ((ق والقرآن المجيد))، وجعل كبدل البداء من الإضراب الأول على أنه
إضرابٌ عن حديث القرآن ومَجْده إلى التعُّب من مجيءٍ مَنْ أنذرهم بالبعث الذي
تضمَّنه، وأنَّ هذا إضرابٌ إلى التصريح بالتكذيبِ به ويتضمَّن ذلك إنكارَ جميع
ما تضمَّنه، كذا قيل، فتأمَّل.
وقرأ الجحدري: ((لِمَا)) بكسر اللام وتخفيفِ الميم(١)، فاللام توقيتيَّةٌ بمعنى
((عند))، نحوها في قولك: كَتَبه لخمسٍ خَلَوْنَ، مثلاً، و((ما)) مصدرية، أي: بل
كذَّبوا بالحقِّ عند مجيئه إيَّهم.
﴿فَهُمْ فِيَّ أَمْرٍ مَّرِيج ﴾﴾ مضطربٍ، من مَرِجَ الخاتمُ في إصبعه: إذا قَلِقَ من
الهُزال، والإسناد مجازيٌّ كما في ﴿عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] مبالغة بجعل
المُضطرِب الأمرَ نَفْسه، وهو في الحقيقةِ صاحبُه، وذلك نَفْيُهم النبوّة عن البشر
بالكلية تارةً، وزعمهم أنَّ اللائقَ بها أهلُ الجاه والمال كما يُنبئ عنه قولهم: ﴿لَوْلًا
نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] تارة أُخرى، وزَعْمهم أن
النبوّةَ سحرٌ مرَّة، وأنها كهانة أُخرى، حيث قالوا في النبيِّ عليه الصلاة والسلام
مرَّة: ساحر، ومرَّة: كاهن، أو هو اختلافُ حالهم ما بين تعجّب من البعث
واستبعادٍ له، وتكذيبٍ وتردُّدٍ فيه، أو قولهم في القرآن: هو شعرٌ، تارة، و: هو
سحرٌ، أُخرى، إلى غير ذلك.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أي: أَغَفلوا - أَو: عَموا - فلم ينظروا حين كفروا بالبعث ﴿إِلَى
السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ بحيث يُشاهدونها كلَّ وقت، قيل: وهذا ظاهرٌ على ما هو المعروفُ
بين الناس من أنَّ المُشاهَد هو السماءُ التي هي الجِرْم المخصوصُ الذي يُطوى يومَ
القيامة، وقد وُصف في الآيات والأحاديث بما وصف. وأما على ما ذهب إليه
الفلاسفةُ من أنَّ المُشاهَد إنما هو كرةُ البخار، أو هواء ظهر بهذا اللون ولا لون له
حقيقةً ودون ذلك الجرم، ففيه خَفاءٌ.
(١) البحر المحيط ١٢١/٨.

الآية : ٦
٤٢٠
وقال بعضُ الأفاضل في هذا المقام: إن ظواهرَ الآيات والأخبار ناطقةٌ بأنّ
السماءَ مَرْئيَّةٌ، وما ذكره الفلاسفة المتقدِّمون من أنَّ الأفلاكَ أجرام صُلبةٌ شفافةٌ
لا تُرى، غيرُ مُسَلَّم أصلاً، وكذا كون السماوات السبع هي الأفلاكَ السبعة، غير
مُسَلَّم عند المحقّقين، وكذا وجود كُرة البخار، وأنَّ ما بين السماء والأرض هواءٌ
مختلفُ الأجزاء في اللَّطافة، فكلَّما علا كان ألطفَ حتى إنه ربَّما لا يصلح
للتعيُّش، ولا يمنع خروجَ الدم من المسامُّ الدقيقة جدًّا لمن وصل إليه، وإنَّ رؤية
الجوِّ بهذا اللون لا يُنافي رؤيةَ السماء حقيقةً وإن لم تكن في نَفْسها ملوَّنة به،
ويكون ذلك كرؤية قَعْر البحر أخضرَ من وراء مائه، ونحو ذلك مما يرى بواسطة
شيء على لون، وهو في نفسه على غيرِ ذلك اللون. بل قيل: إنَّ رؤية السماء مع
وجود كرة البخار على نحو رؤية الأجرام المضيئة كالقمر وغيره.
وأنت تعلم أنَّ الأصحاب مع الظواهر حتى يظهر دليلٌ على امتناع ما يدلُّ عليه
وحينئذ يُؤَوِّلونها، وأنَّ التزامَ التطبيق بين ما نَطَقتْ به الشريعة وما قاله الفلاسفة مع
إكذاب بعضِه بعضاً أصعبُ من المشي على الماء أو العروج إلى السماء.
وأنا أقول: لا بأسَ بتأويل ظاهرٍ تأويلاً قريباً لشيء من الفلسفة إذا تضمَّن
مصلحةً شرعية، ولم يستلزم مَفْسدةً دينية، وأرى الإنصاف من الدين، وردُّ القول
احتقاراً لقائله غيرُ لائق بالعلماء المُحقِّقين.
هذا، وحَمَلَ بعضٌ ((السماء)) هاهنا على جنس الأجرام العلوية، وهو كما ترى،
والظاهر أنها الجِزْم المخصوص وأنها السماء الدنيا، أي: أفلم ينظروا إلى السماء
الدنيا ﴿كَيْفَ بَيَْهَا﴾ أَحكمناها ورفعناها بغير عَمَد ﴿وَزَيَّنَّهَا﴾ للناظرين بالكواكب
المُرتَبة على أبدع نظام ﴿وَمَا لَّا مِن فُرُوجِ ﴾﴾ أي: من فتوق وشقوق، والمرادُ
سلامتها من كلِّ عيب وَخَلَل، فلا يُنافي القول بأن لها أبواباً، وزعم بعضُهم أن
المرادَ: متلاصقةُ الطَّباق، وهو يُنافي ما ورد في الحديث من أنَّ بين كلِّ سماء
وسماء مسيرةَ خمس مئة عام(١)، ولعلَّ تأخيرَ هذا لمراعاة الفواصل.
(١) سلف ٢/ ٣١.