النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ١٢
٣٨١
سُؤَدَّةُ الرُُّرَاتِ
بيت يتغنَّى، فتسوَّر عليه فوجدَ عنده امرأةً وعنده خمرٌ، فقال: يا عدوَّ الله، أظننتَ
أنَّ اللهَ تعالى يستركَ وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أميرَ المؤمنين لا تعجّلْ
عليَّ؛ إن كنتُ عصيتُ اللهَ تعالى واحدةً فقد عصيتَ الله تعالى في ثلاثٍ، قال
سبحانه: (وَلَا تَتَسُوا) وقد تجسَّست، وقال الله تعالى: ﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾
[البقرة: ١٨٩] وقد تسوَّرتَ عليّ، وقال جل شأنه: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُنَا غَيْرَ بُوتِكُمْ
حَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] ودخلتَ عليَّ بغيرِ إذن. قال عمر ◌َظُه :
فهل عندكم من خير إنْ عفوتُ عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه(١).
وفي رواية سعيد بن منصور عن الحسن أنه قال رجلٌ لعمر ظُبه: إنَّ فلاناً
لا يصحو. فقال: انظر إلى الساعة التي يضع فيها شرابَه فَأْتِني، فأتاه فقال: قد
وضع شرابَه، فانطلقا حتى استأذنا عليه فعزلَ شرابَه ثم دخلا، فقال عمر: والله إني
لأجدُ ريحَ شراب يا فلان أنت بهذا، فقال: يا ابنَ الخطاب، وأنت بهذا، ألم
يَنْهَكَ اللهُ تعالى أن تتجسَّس؟ فَعَرَفَها عمرُ، فانطلق وتركه(٢) .
وذكر بعضُهم أنَّ انزجارَ شَرَبةِ الخمرِ ونحوهم إذا توقَّف على التسوُّر عليهم
جاز؛ احتجاجاً بفعل عمر به السابق، وفيه نظر، وقد جاء في بعض الروايات عنه
ما يُخالف ذلك، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حُميد والخرائطي أيضاً عن زرارة بن
مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن المسور بن مَخْرمة، عن عبد الرحمن بن
عوف أنه حرس مع عمرَ عَّه ليلةً المدينةَ، فبينما هم يمشون شبَّ لهم سِراجٌ في
بيت، فانطلقوا يَؤُمُّونه، فلما دَنَوا منه إذا باب مُجَافٍ على قومٍ لهم فيه أصواتٌ
مرتفعةٌ ولَغَطُ، فقال عمر وأخذ بيدٍ عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ هذا بيتُ
ربيعةً بن أمية بن خلف [وهم] الآن شَربٌ، قال: أرى أنْ قد أتينا ما نهى اللهُ تعالى
عنه، قال الله تعالى: (وَلَا تَتَسُواْ) فقد تجسَّسنا، فانصرفَ عمرُ بَظُه عنهم
وتَرَكهم(٣). ولعلَّ القصةَ - إنْ صَحَّتْ - غيرُ واحدة.
(١) الدر المنثور ٩٣/٦، ولم نقف عليه في المطبوع من مكارم الأخلاق.
(٢) الدر المنثور ٩٣/٦، ورواية الحسن عن عمر څله مرسلة.
(٣) الدر المنثور ٩٣/٦، ومصنف عبد الرزاق (١٨٩٤٣)، وأخرجه أيضاً الحاكم ٤/ ٣٧٧،
=

سُورَةُ الزُُّرَاتِ
٣٨٢
الآية : ١٢
ومن التجسُّس - على ما قال الأوزاعي - الاستماعُ إلى حديث القومِ وهم له
كارهون، فهو حرامٌ أيضاً.
﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا يذكر بعضكم بعضاً بما يكره في غيبته، فقد
قال ◌َله: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((ذكرك أخاك
بما يكره)) قيل: أفرأيتَ لو كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إنْ كان فيه ما تقول فقد
اغْتَبْتَه، وإنْ لم يَكُنْ فيه ما تقول فقد بَهَّه)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
وغيرهم(١).
والمراد بالذكر الذِّكر صريحاً أو كنايةً، ويدخل في الأخير الرمزُ والإشارة
ونحوهما إذا أدَّت مؤدَّى النُّطقِ، فإنَّ عِلَّةَ النهي عن الغيبة الإيذاءُ بتفهيم الغيرِ
نقصانَ المُغتاب، وهو موجودٌ حيث أفهمتَ الغيرَ ما يكرهه المُغتاب بأيّ وجوٍ كان
من طُرقِ الإفهام، وهي بالفعل - كأنْ تمشي مشيته(٢) - أعظمُ الأنواع، كما قاله
الغزالي (٣)، والمرادُ بما يكره أعمُّ من أن يكون في دِيْنِهِ أوْ دُنياه أو خَلْقه أو خُلُقِهِ،
أو ماله أو ولدِه أو زوجته أو مملوكهِ أو خادمهِ أو لباسهِ أو غير ذلك مما يتعلَّق به،
وخصّه القَفَّال بالصِّفات التي لا تذمُّ شرعاً، فذكرُ الشخصِ بما يكره مما يذمُّ شرعاً
ليس بغيبةٍ عنده ولا يَحرم، واحتجَّ على ذلك بقوله بَّر: ((اذكروا الفاجرَ بما فيه
يَخْذَرْه الناس))(٤)، وما ذَكَره لا يُعَوَّل عليه، والحديث ضعيفٌ، وقال أحمد: منكرٌ،
وقال البيهقي: ليس بشيءٍ(٥)، ولو صحَّ فهو محمولٌ على فاجرٍ مُعْلِن بفجوره.
والمراد بقولنا: غيبته: غيبته عن ذلك الذكر، سواء كان حاضراً في مجلس
وما سلف بين حاصرتين من المصادر. وشَرْبٌ بفتح الشين: القوم يشربون. القاموس
=
(شرب).
(١) صحيح مسلم (٢٥٨٩)، وسنن أبي داود (٤٨٧٤)، وسنن الترمذي (١٩٣٤)، وسنن النسائي
الكبرى (١١٤٥٤)، وأخرجه أحمد (٧١٤٦) عن أبي هريرة
(٢) في (م): مشية.
(٣) إحياء علوم الدين ١٤٤/٣.
(٤) سلف ص٣٦٢ من هذا الجزء.
(٥) السنن الكبرى ٢١٠/١٠.

الآية : ١٢
٣٨٣
سُورَةُ الزُعرَابِ
الذِّكر أَو لا، وفي ((الزواجر))(١): لا فرقَ في الغيبة بين أن تكونَ في غَيبة المُغتاب
أو بحضرته هو المُعتمد(٢). وقد يقال: شُمول الغيبة للذِّكر بالحضور على نحو
شُمول سجودِ السهو لما كان عن تَرْكِ ما يسجد له عمداً.
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ تمثيلٌ لِمَا يصدرُ عن المغتاب من
حيث صدورُه عنه، ومن حيث تعلُّقه بصاحبه على أفحش وجهٍ وأشنعه طبعاً وعقلاً
وشرعاً مع مُبالغات من فنون شتى: الاستفهام التقريري من حيث إنه لا يقع
إلا في كلامٍ هو مُسلَّم عند كلِّ سامع حقيقةً أو ادعاءً، وإسنادُ الفعل إلى ((أحد))
إيذاناً بأنَّ أحداً من الأحدين لا يفعلُ ذلك، وتعليقُ المَحَبَّة بما هو في غايةٍ
الكراهة، وتمثيلُ الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعلُ المأكولِ أخاً للآكل وميتاً،
وتعقيب ذلك بقوله تعالى: ﴿فَكَرِهْتُهُوُ﴾ حملاً على الإقرار وتحقيقاً لعدمٍ مَحبَّة
ذلك، أو لمحبَّته التي لا ينبغي مثلُها .
وفي ((المَثَل السائر))(٣): كَنَى عن الغيبة بأكل الإنسان لِلحم مثلهِ لأنها ذكرُ
المثالب وتمزيقُ الأعراض المُماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه في استكراه العَقْل
والشَّرع له، وجَعَلَه ميتاً لأنَّ المُغتاب لا يشعرُ بغيبته، ووَصَلَه بالمحبة لما جُبِلَت
عليه النفوس من المَيْل إليها مع العلم بقُبحها .
وقال أبو زيد السُّهيلي: ضرب المثل لأخذِ العِرْض بأكل اللَّحم لأنَّ اللحمَ ستر
على العظم، والشاتمُ لأخيه كأنه يقشرُ ويكشفُ ما عليه. وكأنه أولى مما في
((المَثَل)).
والفاء في ((فكرهتموه)) فصيحةٌ في جوابٍ شرط مُقدَّر، ويُقدَّر معه ((قد))، أي:
إن صحّ ذلك أو ◌ُرِضَ علیکم هذا فقد گرهتموه، ولا یُمکنکم إنکارُ كراهته،
والجزائية باعتبار التبيُّن. والضميرُ المنصوبُ للأكل، وقيل: للَّحم، وقيل: للميت،
وليس بذاك، وجُوِّز كونه للاغتياب المفهوم مما قبلُ، والمعنى: فاكرهوه كراهيتّكم
(١) ١٥/٢، وأكثر الكلام الآتي عن الغيبة وما يتعلق بها نقله المصنف عنه.
(٢) في الزواجر: وما تقرر من أنه لا فرق في الغيبة بين أن تكون ... هو المعتمد.
(٣) ٢٠٣/٢.

سُؤَدَّةُ المُعْرَاتِ
٣٨٤
الآية : ١٢
لذلك الأكل، وعبّر بالماضي للمبالغة. وإذا أُوِّل بما ذكر يكون إنشاءً غيرَ مُحتاج
لتقدير ((قد)). وانتصابُ ((ميتاً)) على الحال من اللحم أو الأخ، لأن المضافَ جزءٌ
من المضافِ إليه، والحال في مثل ذلك جائزٌ، خلافاً لأبي حيان.
وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري وأبو حيوة: ((فكُرُّهتموه)) بضمِّ الكاف وشدٍ
الراء، ورواها الخدريُّ عن النبيِّ ◌َلَ(١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهُ﴾ قيل: عطفٌ على محذوف، كأنه قيل: امتثلوا ما قيل
لكم، واتَّقوا الله.
وقال الفراء (٢): التقدير: إنْ صحَّ ذلك فقد كَرِهتموه فلا تفعلوه واتَّقوا الله، فهو
عطفٌ على النهي المُقدَّر. وقال أبو عليٍّ الفارسي: لمَّا قيل لهم: ((أيحبُّ
أحدُكم)) إلخ، كان الجوابُ بـ ((لا)) متعيِّناً، فكأنهم قالوا: لا نُحِبُّ، فقيل لهم:
((فكرهتموه) ويُقدَّر: فكذلك فاكرهوا الغِيبةَ التي هي نظيرُه واَّقوا اللهَ، فيكون عطفاً
على: فاكرهوا، المُقدَّر. وقيل: هو عطفٌ على ((فكرهتموه)) بناءً على أنه خبرٌ لفظاً
أمرٌ معنّى كما أُشير إليه سابقاً، ولا يخفى الأولى من ذلك.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر، أي: لأنه تعالی توابٌ
رحيم لمن اتَّقى واجتنبَ ما نُهي عنه، وتاب مما فَرط منه، وتوّابٌ، أي: مبالغ في
قبول التوبة، والمبالغة إما باعتبار الكَيْف إذْ يجعل سبحانه التائبَ كمن لم يُذنب،
أو باعتبار الكمّ لِكَثْرة المتوبِ علیھم، أو لِكَثْرة ذنوبهم.
أخرج ابنُ أبي حاتم عن السُّدي أن سلمانَ الفارسي ظُه كان مع رجلين في
سفر يخدمُهما وينالُ من طعامهما، وأنه نام يوماً فطلبه صاحباه فلم يَجِداه، فضربا
الخِباء وقالا: ما يريدُ سلمانُ شيئاً غيرَ هذا: أن يجيء إلى طعام معدود وخِباء
مضروبٍ. فلما جاء سلمانُ أرسلاه إلى رسول الله وَليه يطلب لهما إداماً، فانطلق
فأتاه فقال: يا رسول الله، بعثني أصحابي لِتُؤْدِمهم إنْ كان عندك، قال: ((ما يصنعُ
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٣-١٤٤، والبحر المحيط ١١٥/٨.
(٢) معاني القرآن ٧٣/٣ .

الآية : ١٢
٣٨٥
سُؤَّةُ الرُّعُرَابِ
، فخبّرهما، فانطلقا فأتيا رسولَ الله وَيه
أصحابك بالإدام؟ قد انتدموا)) فَرَجَع .
فقالا: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أصبنا طعاماً منذُ نزلنا، قال: ((إنكما قد اتدمتما
بسلمان)) فنزلَتْ(١). وأخرج ابن المنذر عن ابن جُريج أنه قال: زعموا أنها نزلت في
سلمانَ الفارسي أكلَ ثم رقد فنفخ، فذكر رجلان أَكْلَه ورُقادَه، فنزلت(٢).
وأخرج الضياء المقدسي في ((المختارة)) عن أنس قال: كانت العربُ تخدمُ
بعضها بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ﴿ها رجلٌ يخدمُهما، فناما
فاستيقظا ولم يُهيِّئ لهما طعاماً، فقالا: إنَّ هذا لنؤوم، فأيقظاه فقالا: ائتٍ
رسول الله وَ﴿ فقل له: إن أبا بكر وعمر يُقرآنك السلام ويَستأدِمانك. فقال: ((إنهما
ائتدما)» فجاءا فقالا: يا رسولَ الله، بأيِّ شيء انتدمنا؟ قال: ((بلحم أخيكما، والذي
نفسي بيده، إني لأرى لَحْمه بين ثناياكما)» فقالا: استغفِرْ لنا يا رسولَ الله، قال:
(مُرَاهُ فَليستغفِرْ لكما))(٣) وهذا خبرٌ صحيح، ولا طَعْنَ فيه على الشيخين سواء كان
ما وقع منهما قبلَ النزول أو بعدَه حيث لم يَظُنَّا ، بناءً على حُسن الظنِّ فيهما - أنَّ
تلك الكلمةَ مما يكرهها ذلك الرجل.
هذا، والآيةُ دالَّة على حُرمة الغيبة. وقد نقل القرطبي(٤) وغيره الإجماع
على أنها من الكبائر. وعن الغزالي وصاحب ((العدَّة)) أنهما صرَّحا بأنها من
الصغائر، وهو عجيبٌ منهما لِكَثْرة ما يدلُّ على أنها من الكبائر، وقُصارى ما قيل
في وجه القول بأنها صغيرة: إنه لو لم تكن كذلك يلزمُ فسقُ الناس كلِّهم
إلا الفَذّ النادر منهم، وهذا حَرَجٌ عظيم. وتُعُقِّب بأنَّ فُشُوَّ المعصيةِ وارتكابَ
جميع الناس لها فضلاً عن الأكثر لا يُوجب أن تكونَ صغيرةً، وهذا الذي دلَّ
عليه الكلامُ من ارتكاب أكثرِ الناس لها لم يكن قبلُ. على أن الإصرار عليها
قريبٌ منها في كَثْرة الفُشُوِّ في الناس، وهو كبيرةٌ بالإجماع، ويلزمُ عليه الحَرَجُ
(١) الدر المنثور ٦/ ٩٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) الأحاديث المختارة (١٦٩٧).
(٤) تفسير القرطبي ٤٠٥/١٩ .

سُوَّةُ الدُّهُرَاتِ
٣٨٦
الآية : ١٢
العظيم وإن لم يكن في عِظَمِ الحَرَج السابق، مع أن هذا الدليلَ لا يُقاوِمُ تلك
الدلائلَ الكثيرة.
ولعلَّ الأَولى في الاستدلال على ذلك ما رواه أحمدُ وغيره بسند صحيح
عن أبي بَكْرة قال: بينما أنا أماشي رسولَ اللهِ وَّه وهو آخذٌ بيدي ورجلٌ عن
يساري، فإذا نحن بقبرين أمامَنا، فقال رسول الله وَله: ((إنهما لَيُعذَّبان وما يُعذَّبان
بكبير)) وبكى إلى أن قال: ((وما يُعَذَّبان إلا في الغيبة والبول))(١)، ولا يتمُّ أيضاً،
فقد قال ابنُ الأثير(٢): المعنى: وما يُعذَّبان في أمر كان يكبر عليهما ويشقُّ فِعْلُه
لو أراداه لا أنه في نفسه غير كبير، وكيف لا يكون كبيراً وهما يُعَذَّبان فيه،
فالحقُّ أنها من الكبائر، نعم لا يبعدُ أنْ يكون منها ما هو من الصغائر كالغيبة
التي لا يُتأذَّى بها كثيراً نحو عيب المَلْبوس والدابَّة، ومنها ما لا ينبغي أن يُشَكَّ
في أنه من أكبر الكبائر كغيبة الأولياء والعلماء بألفاظ الفِسْقِ والفُجور ونحوها
من الألفاظ الشديدة الإيذاء. والأشبه أن يكون حكمُ السكوتِ عليها مع القُدرة
على دَفْعها حُكْمَها.
ويجب على المُغتابِ أن يُبادِرَ إلى التوبة بشروطها فيقلع ويَنْدَم خوفاً من الله
تعالى ليخرجَ من حَقِّه، ثم يستحلّ المغتاب خوفاً لِيُحِلَّه فيخرجَ عن مَظْلمته، وقال
الحسن: يكفيه الاستغفارُ عن الاستحلال، واحتجَّ بخبر: «كفارةُ مَن اغْتَبْتَه أنْ
تَستغْفِرَ له))(٣). وأفتى الحَّاطي(٤) بأنها إذا لم تَبْلُغْ المغتابَ كفاه الندمُ والاستغفار.
(١) مسند أحمد (٢٠٣٧٣).
(٢) النهاية (كبر).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٩٣) من حديث أنس به، وفي إسناده: عنبسة بن
عبد الرحمن بن عنبسة الأموي، وهو متروك، ورماه أبو حاتم بالوضع، كما في تقريب
التهذيب.
وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٨٦) من قول عبد الله بن المبارك.
(٤) في الأصل و(م): الخياطي. وهو خطأ، والمثبت من الزواجر للهيتمي ٢١٤/٢، وهو
الحسين بن محمد بن عبد الله الحَّاطي الطبري، له المصنَّفات والأوجه المنظورة، توفي بعد
الأربع مئة بقليل. طبقات الشافعية للسبكي ٣٦٧/٤، وكلامه المذكور أعلاه نقله عنه النووي
في روضة الطالبين ٢٤٧/١١ .

الآية : ١٢
٣٨٧
سُؤَةُ الرُُّرَاتِ
وجزم ابن الصباغ بذلك وقال: نعم إذا كان تَنقَّصَه عند قومِ رَجَع إليهم، وأعلمهم
أن ذلك لم يكن حقيقةً. وتبعهما كثيرون منهم النووي(١)، واختاره ابن الصلاح في
((فتاويه))(٢) وغيره. وقال الزركشي: هو المختار، وحكاه ابنُ عبد البر(٣) عن ابن
المبارك، وأنه ناظرَ سفيانَ فيه. وما يستدلُّ به على لزوم التحليل محمولٌ على أنه
أمرٌ بالأفضل، أو بما يمحو أثرَ الذنب بالكُلِّية على الفور.
وما ذُكر في غير الغائب والميت، أما فيهما فينبغي أن يُكثر لهما الاستغفار،
ولا اعتبارَ بتحليل الورثةِ على ما صرَّح به الحَّاطي(٤) وغيره، وكذا الصبي
والمجنون بناءً على الصحيح من القول بحرمة غِيْبتهما. قال في ((الخادم))(٥): الوجهُ
أن يقال: يبقى حقُّ مطالبتهما إلى يوم القيامةِ، أي: إن تعذّر الاستحلال والتحليل
في الدنيا بأن مات الصبيُّ صبيّاً والمجنون مجنوناً، ويسقطُ حقُّ الله تعالى بالندم.
وهل يكفي الاستحلالُ من الغيبة المجهولة أَمْ لا؟ وجهان، والذي رجَّحه في
((الأذكار))(٦) أنه لا بُدَّ من معرفتها لأن الإنسان قد يسمح عن غِيبةٍ دون غيبة، وكلام
الحَلِيمي وغيره يقتضي الجزم بالصِّحة، لأنَّ من سمح بالعفو من غير كشف فقد
وَطَّن نَفْسه عليه مهما كانت الغيبة(٧).
ويُندبُ لمن سُئل التحليل أن يُحلِّل، ولا يلزمه؛ لأنَّ ذلك تبرُّع منه وفَضْلٌ،
وكان جمع من السَّلف - واقتدى بهم والدي عليه الرحمة والرضوان - يمتنعون من
التحليل مخافةً التهاونِ بأمر الغِيبة، ويُؤَيِّد الأَوَّل خبر: «أَيَعْجِزُ أحدُكم أن يكونَ
(١) في الأذكار ص٢٩٧ .
(٢) ص٥٨.
(٣) في بهجة المجالس ٣٩٨/١.
(٤) في الأصل و(م): الخياطي. وهو خطأ، والمثبت من الزواجر للهيتمي ٢١٥/٢، وقد مرَّ
التنبيه على ذلك آنفاً .
(٥) هو كتاب: خادم الرافعي والروضة في الفروع لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي الشافعي،
شرح فيه مشكلات روضة الطالبين، وفتح مغلقات فتح العزيز. كشف الظنون ٦٩٨/١.
والكلام المذكور في الزواجر ١٣/٢ .
(٦) الأذكار النووية ص ٢٩٧ .
(٧) الزواجر ٢١٥/٢.

سُؤَدَّةُ لُهُراتِ
٣٨٨
الآية : ١٢
كأبي ضَمْضَم كان إذا خرجَ من بيته قال: إني تصدَّقتُ بعِرْضي على الناس)).
ومعناه: لا أطلب مَظْلمةً منهم، ولا أُخاصمهم، لا أنَّ الغِيبة تصيرُ حلالاً لأنَّ فيها
حقّاً لله تعالى، ولأنه عفوٌ وإباحةٌ للشيء قبلَ وجوبه(١).
وسُئل الغزالي عن غِيبة الكافر فقال: هي في حقِّ المسلم محذورةٌ لثلاث علل:
الإيذاء، وتنقيصُ خَلْق الله تعالى، وتضييعُ الوقت بما لا يعني. والأُولى تقتضي
التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلافَ الأولى، وأما الذمي فكالمسلم فيما
يرجعُ إلى المنع عن الإيذاء، لأنَّ الشرعَ عَصَم عِرْضَه ودَمَه ومالَه.
وقد روى ابن حبان في (صحيحه)) أن النبيَّ ◌َّيِ قال: ((مَنْ سَمَّعَ يهوديّاً أو
نصرانيّاً فله النار))(٢) ومعنى سَمَّعه: أَسمعه ما يُؤذيه، ولا كلامَ بعدَ هذا في الحُرمة.
وأما الحربيُّ فغيبته ليست بحرام على الأولى، وتُكرَه على الثانية، وخلافُ الأَولى
على الثالثة، وأما المبتدعُ فإنْ كَفَر فكالحربي، وإلا فكالمسلم؛ وأما ذِكْره ببدعته
فليس مكروهاً .
وقال ابن المنذر في قوله وَله في تفسير الغيبة: «ذِكْرك أخاك بما يكره)): فيه
دليلٌ على أنَّ من ليس أخاً لك من اليهود والنصارى وسائر أهلِ الملل أو من
أخرجته بدعته إلى غير دين الإسلام لا غيبةً له، ويجري نحوه في الآية.
والوجهُ تحريمُ غيبةِ الذِّميّ كما تقرَّر، وهو وإن لم يُعلم من الآية ولا من
الخبرِ المذكور معلومٌ بدليلٍ آخر، ولا معارضةً بين ما ذكر وذلك الدليل
كما لا يخفى.
وقد تجب الغيبة أو تُباح لغرض صحيح شرعي لا يُتُوصَّل إليه إلا بها، وتنحصر
في ستةٍ أسباب:
(١) الزواجر ١٩/٢، والخبر أخرجه الضياء في المختارة (١٧٧٠) من حديث أنس
وأبو داود (٤٨٨٧) من حديث عبد الرحمن بن عجلان مرسلاً، وصوّبه، وأبو ضمضم هذا
ليس صحابيّاً، وإنما هو رجل من الأمم السابقة، كما في رواية أبي داود، أخبرهم به
النبيُّ ◌َه تحريضاً على أن يعملوا بعمله. ينظر الإصابة ٢١٣/١١.
(٢) صحيح ابن حبان (٤٨٨٠) من حديث أبي موسى الأشعري

الآية : ١٢
٣٨٩
سُؤَةُ الدُّعُراتِ
الأول: التظلمُ؛ فَلِمَنْ ظُلِمَ أن يشكو لمن يظنُّ له قُدرة على إزالة ظلمه أو
تخفيفه .
الثاني: الاستعانة على تغيير المُنكر بذِكْره لمن يظنُّ قُدرتَه على إزالته.
الثالث: الاستفتاء، فيجوز للمستفتي أن يقولَ للمفتي: ظلمني فلان بكذا، فهل
يجوزُ له؟ أو: ما طريقُ تحصيل حقِّي؟ أو نحو ذلك؛ والأفضل أن يُيهمه.
الرابع: تحذيرُ المسلمين من الشرِّ، كجرح الشهود والرواة والمصنِّفين
والمُتصدِّين لإفتاءٍ أو إقراءٍ مع عدم أهلية، فتجوز إجماعاً، بل تَجِبُ، وكأن يُشير
وإن لم يُسْتَشَرْ على مُريد تزوُّجٍ أو مُخالطة لغيره في أمر ديني أو دنيويٌّ، ويقتصر
على ما يكفي، فإن كَفَى نحوُ: لا يَصلُح لك، فذاك، وإن احتاج إلى ذِكْر عيبٍ
ذَكَره أو عيبين فكذلك، وهكذا، ولا يجوز الزيادةُ على ما يكفي. ومن ذلك أن
يعلم مِنْ ذي ولاية قادحاً فيها كفسق أو تغفُّل، فيجب ذكر ذلك لمن له قُدرة على
عَزْله وتوليةٍ غيره الخالي من ذلك، أو على نُصحه وحَثِّه للاستقامة.
والخامس: أن يتجاهر بفسقهِ كالمكَّاسين، وشُربه الخمر ظاهراً، فيجوز ذِكْرهم
بما تجاهروا فيه دون غيره، إلا أن يكونَ له سببٌ آخرُ مما مرَّ.
السادس: للتعريف بنحو لقب كالأعور، والأعمش، فيجوز وإن أمكن تعريفُه
بغيره. نعم الأولى ذلك إن سهل ويُقصد التعريفُ لا التنقيص.
وأكثرُ هذه الستة مُجمعٌ عليه، ويدلُّ لها من السنة أحاديثُ صحيحةٌ مذكورة في
محلّها، كالأحاديث الدالّة على قُبح الغيبة وعِظَم آثامها (١).
وأكثرُ الناس بها مولعون، ويقولون: هي صابون القلوب، وإنَّ لها حلاوةً
كحلاوة التمر، وضراوةً كضراوة الخمر. وهي في الحقيقة كما قال ابن عباس
وعلي بن الحسين ه: الغيبة إدامُ كلابِ الناس. نسأل الله تعالى التوفيق لما يُحِبُّ
ویرضی.
٢
(١) الزواجر ١٤/٢، وذكر عدة من هذه الأحاديث، فلتنظر ثمة.

سُؤَةُ الزُُّرَاتِ
٣٩٠
الآية : ١٣
وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية! أعني قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَجْتَبُواْ كَثِيرًا مِّنَ النَّنِ) إلخ كما قال أبو حيان(١)، وفصَّله بقوله: جاء الأمرُ أولاً
باجتناب الطريق التي لا تُؤدِّي إلى العلم، وهو الظُّ، ثم نهى ثانياً عن طلب تحقيقٍ
ذلك الظن ليصيرَ عِلماً بقوله سبحانه: ((ولا تجسّسوا))، ثم نھی ثالثاً عن ذِكْر ذلك
إذا عُلم، فهذه أمورٌ ثلاثة مترتبةٌ: ظنٍّ، فعلمٌ بالتجسُّس، فاغتياب.
وقال ابن حجر عليه الرحمة: إنه تعالى ختم كلّاّ من الآيتين بذِكْر التوبة رحمة
بعباده وتعطفاً عليهم، لكنْ لمَّا بُدئت الأولى بالنهي خُتمت بالنفي في ((ومَنْ لم
يَتُبْ)) لتقاربهما، ولما بُدئت الثانية بالأمر في ((اجتنبوا)) خُتمت به في
((فاتقوا الله)) إلخ، وكأن حكمة ذكر التهديدِ الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى:
(مَنْ لم يَتُبْ)) إلخ، أنَّ ما فيها أفحشُ لأنه إيذاءٌ في الحضرة بالسُّخرية أو اللَّمْز أو
النَّبْز، بخلافه في الآية الثانية، فإنه أمرٌ خفيٍّ إذ كلٌّ من الظن والتجسُّس والغيبةِ
يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالباً(٢). انتهى، فلا تغفل.
﴿ يَّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُ مِّن ذَّكَرٍ وَأُنْثَى﴾ من آدمَ وحواء عليهما السلام، فالكلُّ
سواء في ذلك، فلا وجهَ للتفاخر بالنسب، ومن هذا قوله:
الناسُ في عالم التمثيل أكفاءُ أبوهمُ آدمُ والأم حواءُ(٣)
وجُوِّز أن يكونَ المرادُ هنا: إنا خلقنا كلَّ واحدٍ منكم من أبٍ وأٌّ، ويُبعده عدمُ
ظهورِ ترتّب ذمّ التفاخر بالنسب عليه، والكلام مساقٌ له كما يُنبئ عنه ما بعدُ.
وقيل: هو تقريرٌ للأخوَّة المانعةِ عن الاغتياب، وعدمُ ظهورِ الترتُّب عليه على
حاله، مع أن مُلاءمة ما بعدُ له دون ملاءمتهِ للوجهِ السابق، لكن وجه تقريره للأخوة
ظاهرٌ.
(١) البحر المحيط ١١٥/٨.
(٢) الزواجر ٢/ ٧.
(٣) نُسب البيت لعلي بن أبي طالب ظُه، وهو في ديوانه ص٥، وتفسير القرطبي ٤١٢/١٩،
ونسبه الجرجاني في أسرار البلاغة ص٢٢٩ لمحمد بن الربيع الموصلي.

الآية : ١٣
٣٩١
سُورَةُ الرُّعَرَاتِ
﴿وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآَيِلَ﴾ الشعوبُ جمع شَعْب - بفتح الشين وسكون العين - وهم
الجمع العظيم المنتسبون إلى أصلٍ واحد، وهو يجمع القبائل، والقبيلةُ تجمع
العمائر، والعَمارة - بفتح العين، وقد تكسر - تجمع البطون، والبطن تجمع
الأفخاذ، والفَخِذُ تجمع الفصائل، فَخُزيمة شَعْب، وكِنانة قبيلة، وقريش عَمارة،
وقُصي بطن، وهاشم فَخِذ، والعباس فَصِيلة. وسُمِّيت الشعوب، لأن القبائلَ
تشغَّبت منها، وهذا هو الذي عليه أكثرُ أهل النسب واللغة، ونَظَم ذلك بعضُ
الأدباء فقال:
قبيلةٌ فوقها شَعْب وبعدَهما عَمارة ثم بطنٌّ تِلْوه فَخِذُ
ولا سدادَ لسهم ما له قُذَهُ (١)
وليس يُؤوي الفتى إلا فصیلتُه
وذكر بعضُهم العشيرةَ بعد الفَصِيلة فقال:
عدداً في الحساب ثم القبيله
اقصد الشَّعبَ فهو أكثرُ حيٍّ
بطنُ ثم الفَخِذ وبعدُ الفَصِيله
ثم يتلوهما العَمارة ثم الـ
هي في جنبٍ ما ذكرنا قليله(٢)
ثم من بعدها العشيرةُ لكن
وحكى أبو عُبيد عن ابن الكلبي عن أبيه تقديمَ الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم
العَمارة ثم الفَخِذ(٣)، فأقام الفصيلةَ مُقَامَ العَمارة، والعَمارة مقام الفصيلة في ذِكْرها
قبل الفَخِذ، ولم يذكر ما يُخالفه.
وقيل: الشعوب في العجم، والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل،
وأَيَّد كون الشعوب في العجم ما في حديث مسروق: أنَّ رجلاً من الشعوب أَسلم،
فكانت تُؤْخَذُ منه الجزية(٤)؛ فإن الشعوبَ فيه فُسِّرت بالعجم، لكن قيل: وجهه على
ما تقدَّم أن الشَّعب ما تشغَّب منه قبائل العرب والعجم، فخصَّ بأحدِهما. ويجوزُ
(١) أوردهما القرطبي في تفسيره ٤١٦/١٩، والقُذَذ جمع قُذَّة، وهو ريش السهم. القاموس (قذذ).
(٢) أورد هذه الأبيات القرطبي في تفسيره ٤١٦/١٩.
(٣) الصحاح (شعب).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٩٩/٩.

سُؤَدَّةُ العَرَاتِ
٣٩٢
الآية : ١٣
أن يكون جمع: الشعوبي، وهو الذي يُصَغِّر شأن العرب، ولا يرى لهم فضلاً على
غيرهم كيهودٍ ومجوس في جمع المجوسي واليهودي، ومنهم أبو عُبيدة، وكان
خارجيّاً وقد ألَّف كتاباً في مثالب العرب(١)، وابن غَرْسِية وله رسالة فصيحة في
تفضيل العجم على العرب(٢)، وقد ردًّ عليه علماءُ الأندلس برسائلَ عديدة.
وقيل: الشعوب: عربُ اليمن من قحطان، والقبائل: ربيعة ومضر وسائر
عدنان. وقال قتادة ومجاهد والضحاك: الشَّعب: النسبُ الأبعدُ، والقبيلةُ
الأقرب. وقيل: الشعوب: الموالي، والقبائل: العرب. وقال أبو روق:
الشعوب: الذين ينتسبون إلى المدائن والقُرى، والقبائلُ: العربُ الذين ينتسبون
إلى آبائهم.
﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ عِلَّةٌ للجعل، أي: جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا
الأرحام وتُبيِّنوا الأنسابَ والتوارث، لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، والحصرُ مأخوذٌ
من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان.
وقرأ الأعمش: ((لتتعارفوا)) بتاءين على الأصل، ومجاهد وابن كثير - في
رواية - وابن محيصن بإدغام التاء في التاء، وابن عباس وأبان عن عاصم: ((لِتَعْرِفوا))
بكسر الراء مضارع عَرَفَ(٣)، قال ابن جنِّي: والمفعول محذوف، أي: لتعرفوا
ما أنتم مُحتاجون إليه کقوله:
وما عُلِّم الإنسان إلا لِيَعْلَما (٤)
(١) وهو: مثالب باهلة. كشف الظنون ١٥٨٦/٢.
(٢) أحمد بن غرسية، أبو عامر، من أبناء نصارى البُشْكُنْس، سُبي صغيراً، أدَّبه مولاه مجاهد
ملك الجزر ودانية. المغرب في حلى المغرب ٤٠٦/٢. ورسالته المذكورة أعلاه خاطب
فيها الأديب أبا جعفر ابن الخراز معاتباً له، وهي رسالة ذميمة، ذمَّ فيها العرب وفخر بقومه
العجم، وقد نقلها عنه ابن بسام في الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ٧٠٥/٦-٧١٤، وذكر
ممن ردًّ عليه أبا جعفر بن الدودين.
(٣) البحر المحيط ١١٦/٨، والقراءات الشاذة ص١٤٤، والمحتسب ٢٨٠/٢، والدر المصون
١٣/١٠، وقراءة ابن كثير من رواية البزي، وهي في التيسير ص ٨٣، والنشر ٢٢٢/٢.
(٤) المحتسب ٢٨٠/٢.

الآية : ١٣
٣٩٣
سُورَةُ الدُّعَرَاتِ
أي: ليعلم ما عُلِّمَهُ، وما أعذب هذا الحذف وما أَغربه لمن يعرف مذهبه.
واختير في المفعول المقدَّر: قرابةً بعضكم من بعض.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ تعليلٌ للنهي عن التفاخر بالأنساب
المُستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي، كأنه قيل: إنَّ الأكرم عندَ الله تعالى
والأرفع منزلةً لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى، فإنْ فاخرتم ففاخِروا
بالتقوى.
وقرأ ابنُ عباس: ((أنَّ) بفتح الهمزة(١) على حذفٍ لام التعليل، كأنه قيل: لِمَ
لا نتفاخر(٢) بالأنساب؟ فقيل: لأنَّ أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أَنْسَبُكم، فإن
مدارَ كمالِ النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى، فمن رامَ نيلَ الدرجاتِ العُلا
فعليه بها .
وفي ((البحر))(٣) أنَّ ابنَ عباس قرأ: ((لِتَعْرِفوا)) و((أنَّ أَكرمكم)) بفتح الهمزة،
فاحتمل أن يكون ((أنَّ أكرمكم)) إلخ معمولاً ((لتعرِفوا))، وتكون اللام في
(تعرِفوا)) لامَ الأمر، وهو أجودُ من حيث المعنى، وأما إن كانت لامَ ((كي))
فلا يظهر المعنى، إذ ليس جَعْلُهم شعوباً وقبائلَ لأن يعرفوا أنَّ أكرمَهم عند الله
تعالى أتقاهم، فإن جعلت مفعولاً ((لتعرفوا) محذوفاً، أي: لتعرفوا الحقَّ لأنَّ
أكرمَكم عند الله أتقاكم، ساغ في اللام أنْ تكونَ لامَ ((كي)). اهـ. وهو
كما ترى.
بباطن أحوالكم. روي أنه لما كان
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكم وبأعمالكم ﴿خَيرٌ ﴾
يوم فتح مكة أَذَّن بلالٌ على الكعبة، فغضب الحارث بن هشام وعتَّاب بن أُسيد
وقالا: أهذا العبدُ الأسودُ يُؤَذِّن على ظهر الكعبة، فنزلت(٤).
(١) تفسير القرطبي ١٩/ ٤١٧، والبحر المحيط ١١٦/٨.
(٢) في (م): تتفاخروا، وهو تصحيف.
(٣) البحر المحيط ١١٦/٨.
(٤) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧٨/٥ عن ابن أبي مليكة.

سُورَةُ الزُّورَانِ
٣٩٤
الآية : ١٣
وعن ابن عباس: سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يَفسَح له عند
النبيِّ وَّه: يا ابنَ فلانة، فوبَّخه النبيُّ عليه الصلاة والسلام وقال: ((إنَّك لا تفضل
أحداً إلا في الدِّين والتقوى)) ونزلت(١).
وأخرج أبو داود في ((مراسيله)) وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن الزهري
قال: أمر رسولُ اللهَ وَّل﴿ بني بياضة أن يُزوِّجوا أبا هند امرأةً منهم، فقالوا:
يا رسولَ الله، أَنُزوِّج بناتِنا مَوالينا؟ فأنزل الله تعالى: (يَأََّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرِ
وَأَنْتَّى) الآية(٢) .
قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصَّة وكان حجَّامَ النبيِّي ◌َّرِ. وفي رواية ابن
مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال:
((أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه))، ونزلت: (يَأَيّا النَّاسُ) الآية، في ذلك(٣).
وعن يزيد بن شجرة: مرَّ رسولُ اللهِ وَ﴿ في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود
يقول: من اشتراني فعلى شرطٍ لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلفَ رسول الله
عليه الصلاة والسلام، فاشتراه رجلٌ، فكان رسولُ الله وَلِّ يراه عند كلِّ صلاة،
ففقده فسأل عنه صاحبه، فقال: محمومٌ، فعادَهُ، ثم سأل عنه بعد أيام فقال: هو
لِمَا بِهِ، فجاءه وهو في ذَمائهِ، فتولَّى غسله ودَفْنه، فدخل على المهاجرين والأنصار
أمرٌ عظيم، فنزلت(٤)، وفي القلب من صِحَّة هذا شيء، والله تعالى أعلم.
وقد دلَّت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب، وبذلك نطقَت الأخبارُ، أخرج
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٤١٧، والقرطبي في تفسيره ٤١٠/١٩.
(٢) الدر المنثور ٩٨/٦، ومراسيل أبي داود (٢٣٠)، وسنن البيهقي الكبرى ١٣٦/٧، وأخرجه
أيضاً أبو داود في السنن (٢١٠٢) من حديث أبي هريرة، وليس فيه أن القصة سبب لنزول
الآية.
(٣) الدر المنثور ٩٨/٦.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٩: ذكره الثعلبي والواحدي [في
أسباب النزول ص ٤١٨] بغير سند. اهـ. ومعنى: وهو في ذمائه: أي: تخرج بقيَّة روحه.
مختار الصحاح (ذمأ)، وورد في أسباب النزول: بُرَحائه. وبُرَحاء الحمى: شدَّة الأذى.
المختار (برح).

الآية : ١٣
٣٩٥
سُورَةُ الرُهُراتِ
ابن مردويه والبيهقي في ((شعب الإيمان)» وعبد بن حُميد والترمذي وغيرهم عن ابن
عمر: أنَّ النبيَّ وَّهِ طاف يومَ الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرجَ
لم يَجِدْ مناخاً، فنزل على أيدي الرجال، فخطبهم فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه،
وقال: ((الحمد لله الذي أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وتكبُّرَها، يا أيُّها الناس، الناسُ
رجلان بَرِّ تقيٍّ كريم على الله، وفاجرٌ شقيٍّ هينٌ على الله، الناسُ كلُّهم بنو آدم،
وخلقَ اللهُ آدَ من تراب، قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) إلى
قوله تعالى: (خَبِيرٌ))، ثم قال: ((أقولُ قولي هذا، وأَستغفرُ اللهَ لي ولكم)) (١).
وأخرج البيهقي وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: خَطَبنا رسولُ اللهِ وَلجدوى
في وسط أيام التشريق خُطبة الوداع فقال: ((يا أيها الناس، ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ،
لا فضل لعربيٍّ على عَجَميّ، ولا لعجميّ على عربيٍّ، ولا لأسود على أحمر،
ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ) ألا هل بلغت؟»
قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: ((فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ))(٢).
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ اللهَ أذهب نخوةَ
الجاهلية وتكبُّرَها بآبائها، كلَّكم لآدمَ وحواء كطفّ الصاعِ بالصاع، وإنَّ أكرمَكم
عند الله أتقاكم، فمن أتاكم تَرْضَوْن دِيْنَه وأمانتَه فزوِّجوه))(٣).
وأخرج أحمد وجماعةٌ نحوه لكن ليس فيه ((فمن أتاكم)) إلخ(٤).
وأخرج البزار عن حُذيفة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلُّكم بنو آدم وآدمُ خُلِقَ
من تراب، ولينتهينَّ قومٌ يفخرون بآبائهم أو ليكونُنَّ أهونَ على الله من الجعلان))(٥).
(١) الدر المنثور ٩٨/٦، وشعب الإيمان (٥١٢٧)، ومسند عبد بن حميد (٧٩٥)، وسنن
الترمذي (٣٢٧٠)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه (٣٨٢٨)، وقوله: عُبِّيَّة: أي: كِبْر
وفخر. اللسان (عبب).
(٢) الدر المنثور ٩٨/٦، وشعب الإيمان (٥١٣٧).
(٣) الدر المنثور ٩٨/٦، وشعب الإيمان (٥١٣٦).
(٤) الدر المنثور ٩٨/٦، وأحمد (١٧٣١٣)، وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح مشكل الآثار
(٣٤٥٩)، والبيهقي في الشعب (٥١٤٦).
(٥) الدر المنثور ٩٩/٦، ومسند البزار (٢٩٣٨).

سُوَّةُ المُحُرَاتِ
٣٩٦
الآية : ١٣
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ قال: ((يقول اللهُ يومَ
القيامة: أيُّها الناس، إني جعلتُ نسباً وجعلتم نسباً، فجعلت أكرمكم عند الله
أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان، وفلان أكرمُ من فلان، وإني اليومَ
أرفعُ نسبي وأضعُ نسبكم، ألا إنَّ أوليائي المتَّقون)»(١).
وأخرج الخطيب عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه نحوه مرفوعاً (٢).
وأخرج أحمد والبخاري في ((تاريخه)) وأبو يعلى والبغوي وابن قانع والطبراني
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي ريحانة: أنَّ رسولَ اللهِوَّر قال: ((مَن انتسبَ
إلى تسعةِ آبَاءٍ كُفَّار يريدُ بهم عزّاً وكِيْراً فهو عاشرُهم في النار))(٣).
وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال: سُئل رسولُ اللهِ وَّ: أيُّ الناس
أكرم؟ قال: ((أكرمهم عند الله أتقاهم))، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: ((فأكرمُ
الناسِ يوسفُ نبيُّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليلِ الله)) قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:
((فعن معادِن العرب تسألوني))؟ قالوا: نعم، قال: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام إذا فَقُهوا))(٤).
والأحاديث في هذا البابِ أكثرُ من أن تُحصى.
وفي الآية إشارة إلى وجه ردِّ التفاخر بالنسب حيث أفادت أنَّ شرفَ النسب غيرُ
مكتسب، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنه لا فرقَ بين النسيب وغيره من جهةٍ
المادة لاتِّحاد ما خُلقا منه، ولا من جهة الفاعل لأنه هو الله تعالى الواحد، فليس
(١) الدر المنثور ٩٨/٦، والمعجم الصغير (الروض الداني) (٦٤٢)، قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٨٤/٨: فيه طلحة بن عمرو، وهو متروك.
(٢) الدر المنثور ٩٨/٦، وتاريخ بغداد ٢٣٨/٣، قال البغدادي: وهذا حديث منكر لم أكتبه
إلا بهذا الإسناد.
(٣) مسند أحمد (١٧٢١٢)، والتاريخ الكبير ٣٥٦/٢، ومسند أبي يعلى (١٤٣٩)، والطبراني في
الأوسط (٤٤٦)، وشعب الإيمان (٥١٣٢)، وإسناده منقطع.
(٤) الدر المنثور ٩٩/٦، ومسند أحمد (٩٥٦٨)، وصحيح البخاري (٣٣٥٣)، وسنن النسائي
الكبرى (١١١٨٥)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٣٧٨).

الآية : ١٣
٣٩٧
سُورَةُ المُعْرَاتِ
للنسب شرفٌ يُعوَّل عليه، ويكون مداراً للثواب عند الله عز وجل، ولا أحدَ أكرم
من أحدٍ عنده سبحانه إلا بالتقوى، وبها تكمل النفسُ وتتفاضل الأشخاص، وهذا
لا يُنافي كونَ العرب أشرفَ من العجم، وتفاوتَ كلٌّ من العرب والعجم في
الشرف، فقد ذكروا أن الفُرسَ أشرفُ من النَّبط، وبنو إسرائيل أفضل من القِبط،
وأخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ اللهَ اصطفى
كنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم،
واصطفاني من بني هاشم))(١)، لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخِصال الحميدة، فشرفُ
العرب على العَجَم مثلاً ليس إلا باعتبار أن الله تعالى امتازهم على مَن سواهم
بفضائلَ جَمَّة وخِصال حميدة كما صحَّت به الأحاديث، وقد جمع الكثيرَ منها
العلّامة ابنُ حجر الهيتمي في كتابه ((مبلغ الأرب في فضائل العرب))، ولا نعني
بذلك أنَّ كلَّ عربيٍّ ممتاز على كلِّ عجمي بالخِصال الحميدة، بل إنَّ المجموعَ
ممتازٌ على المجموع.
ثم إنَّ أشرفَ العرب نسباً أولاد فاطمة ؤُها؛ لأنهم يُنسبون إلى النبيِّ ◌َل
كما صرَّح به جمعٌ من الفقهاء، وأخرج الطبراني عن فاطمةَ ﴿ُّا قالت: قال
رسولُ اللهِ وَِّ: ((كلُّ بني آدمَ ينتمون إلى عَصَبة إلا ولدَ فاطمة، فأنا وَلِيُّهم وأنا
عَصَبَتُهم))(٢). وفي رواية له عن عمر بن الخطاب عظُه: ((كلُّ ابن أنثى كان عُصبتهم
لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فأنا عُصبتهم، وأنا أبوهم))(٣)، ونُوزِعَ في صِحَّة ذلك،
ورَمَّزَ الجلالُ السيوطي للأول بأنه حسن، وتُعقّب(٤). وليس الأمر موقوفاً على
ما ذكر؛ لِظُهور دليله، وقد أخرج أحمد والحاكم في ((المستدرك)) عن المِسْوَر بن
مَخْرمة - ولا كلامَ فيه - قال: قال ◌َّهِ: ((فاطمةُ بَضْعةٌ مِّي، يقبضني ما يَقبضها
(١) صحيح مسلم (٢٢٧٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٩٨٦).
(٢) المعجم الكبير (٢٦٣٢)، وسيرد الكلام عليه قريباً.
(٣) المعجم الكبير (٢٦٣١)، قال الهيثمي: فيه بشر بن مهران وهو متروك. مجمع الزوائد ٢٢٤/٤.
(٤) تعقبه المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١٧/٥ بقوله: قال الهيثمي [مجمع
الزوائد ٢٢٤/٤]: فيه أبو بشر بن نعامة، وهو ضعيف، وأورده ابن الجوزي في الأحاديث
الواهية وقال: لا يصح.

سُورَةُ المُراتِ
٣٩٨
الآية : ١٣
ويَبْسطني ما يبسطها، وإنَّ الأنسابَ كلَّها تنقطعُ يومَ القيامة غيرَ نسبي وسَبَبي
وصِهْري))(١)، وحديث بضعيَّة فاطمة ﴿يَا مُخَرَّجُ في ((صحيح البخاري)) أيضاً(٢).
قال الشريف السمهودي(٣): ومعلومٌ أنَّ أولادها بَضْعةٌ منها، فيكونون بواسطتها
بَضْعةً منه وَِّ، وهذا غايةُ الشَّرف لأولادها.
وعدمُ انقطاع نسبهِ وَّر جاء أيضاً في حديث أخرجه ابنُ عساكر عن عمر رضي
مرفوعاً بلفظ: ((كلُّ نَسَبٍ وصِهْر ينقطعُ يومَ القيامة إلا نسبي وصِهْري))، والذهبي وإنْ
تعقّبه بقوله: فیه ابنُ وکیع لا يُعتمد. لكن استدرك ذلك بأنه ورد فیه مُرسل حسن (٤) .
ويُعلم مما ذكر ونحوه - كما قال المناوي(٥) - عظيمُ نفع الانتساب إليه ◌َِّ،
ولا يُعارضه ما في أخبار أُخَرَ من حَثِّه عليه الصلاة والسلام لأهل بيته على خَشْبةِ الله
تعالى واتِّقائه سبحانه، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يُغني عنهم من الله تعالى شيئاً؛
حرصاً على إرشادهم وتحذيراً لهم من أن يتَّكلوا على النسب فتقصر خطاهم عن
اللُّحوق بالسابقين من المثَّقين، وليجتمع لهم الشَّرفان شرفُ التقوى وشرفُ النَّسب،
ورعايةً لمقام التخويف خاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله: ((لا أُغني عنكم من الله
شيئاً))(٦)، والمرادُ: لا أُغني عنكم شيئاً بمجرَّد نفسي من غير ما يُكرمني الله تعالى
به من نحو شفاعةٍ فيكم ومغفرةٍ منه تعالى لكم، وهو عليه الصلاة والسلام لا يملك
لأحدٍ نفعاً ولا ضرّاً إلا بتمليك الله تعالى، والله سبحانه يُملكه نَفْعَ أُمته، والأقربون
أولى بالمعروف.
(١) مسند أحمد (١٨٩٠٧)، والمستدرك ١٥٨/٣، وفيهما: مضغة، بدل: بضعة.
(٢) صحيح البخاري (٣٧١٤).
(٣) كما في فيض القدير ٤٢١/٤.
(٤) تاريخ دمشق ٢١/٦٧، والجامع الصغير (فيض القدير) ٣٥/٥ ووقع فيهما: عن ابن عمر،
بزيادة لفظة: ابن. في حين لم ترد في فيض القدير، ولا في مخطوط تاريخ دمشق، ينظر
التلخيص الحبير ١٤٣/٣ حيث ذكر الروايتين.
(٥) فيض القدير ٣٦/٥.
(٦) أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٤) من حديث أبي هريرة ◌ُه، ولفظ مسلم:
(لا أملك لكم من الله شيئاً))، ولفظ البخاري: ((يا فاطمة .. لا أغني عنك من الله شيئاً)).

الآية : ١٣
٣٩٩
سُؤَّةُ الهُهُرَاتِ
فعلى هذا لا بأس بقول الرجل: أنا من ذُرِّيَّة رسول الله وَّه على وجهِ التحدّث
بالنعمة أو نحو ذلك من المقاصد الشرعية. وقد نقل المُناوي عن ابن حجر أنه
قال: نَهْيِهِ وَ ﴿ عن التفاخر بالأنساب موضِعُه مفاخرة تقتضي تكبُّراً واحتقارَ
مسلم(١)، وعلى ما ذكرناه أولاً جاء قوله عليه الصلاة والسلام ((إنَّ الله اصطفى كِنانة
من ولد إسماعيل)) الحديث، وقوله وَّلإر: ((أنا النبيُّ لا كَذِب، أنا ابنُ
عبد المُطَّلب))(٢) إلى غير ذلك. ومع شرفِ الانتساب إليه عليه الصلاة والسلام
لا ينبغي لمن رُزِقه أن يجعله عاطلاً عن التقوى ويُدَنِّسه بمتابعة الهوى، فالحسنةُ في
نفسها حسنة، وهي من بيت النبوَّة أحسنُ، والسيئةُ في نفسها سيئة، وهي من أهل
بيت النبوّة أسوأ، وقد يبلغ اتِّباع الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحي أن
يُنسب إلى رسول الله وَله، وربَّما يُنكر نَسَبه. وعليه قيل لشريف سيِّئ الأفعال:
يحلو لدى الأسماع والأفواه
قال النبيُّ مقالَ صِدْق لم يَزَلْ
تُنْبِيكُمُ عن أصلهِ المتناهي
إنْ فاتكم أصلُ امرئ ففعاله
بين الأنام عديمةَ الأشباه
وأراك تُسفر عن فِعال لم تَزَلْ
أفأنتَ تصدقُ أَمْ رسولُ الله
وتقولُ إنيٍّ من سلالة أحمد
ولا يلومنَّ الشريفُ إلا نفسَه إذا عومل حينئذ بما يَكره، وقُدِّم عليه من هو دونه
في النسب بمراحل، كما يحكى أنَّ بعضَ الُّرفاء في بلاد خراسان كان أقربَ
الناس إلى رسول الله وَ﴿ غير أنه كان فاسقاً ظاهرَ الفِسْق، وكان هناك مولى أسود
تقدَّم في العلم والعمل فأكبَّ الناسُ على تعظيمه، فاتفق أن خرج يوماً من بيته يقصد
المسجدَ فاتَّبعه خلقٌ كثير يتبرَّكون به، فلقيه الشریفُ سكرانَ، فكان الناس يطردونه
عن طريقه، فغلبهم وتعلَّق بأطراف الشيخ وقال: يا أسود الحوافرِ والمشافر، يا كافر
ابن كافر، أنا ابنُ رسول الله وَّهِ أُذَلُّ وأنت تُجَلّ، وأُهان وأنت تُعان. فهمَّ الناس
بضربه، فقال الشيخ: لا تفعلوا، هذا محتمَلٌ منه لجدِّه، ومعفوٌّ عنه وإن خرج عن
حدِّه، ولكن أيُّها الشريف بَيَّضْتُ باطني وسؤَّدْتَ باطنك، فَرُئِيَ بياض قلبي فوق
(١) فيض القدير ٢١٠/٢.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٤٧٥)، والبخاري (٢٨٦٤) من حديث البراء ـ

◌َةُ الرُّعَراتِ
٤٠٠
الآية : ١٣
سواد وجهي فحَسُنْتُ، وسواد قلبك فوق بياض وجهك فَقَبُحْتَ، وأخذتُ سيرة
أبيك وأخذتَ سيرة أبي، فرآني الخَلْقُ في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي، فظنُّوني
ابنَ أبيك وظنُّوك ابنَ أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع
ابيك. ولهذا ونحوه قيل:
ولا ينفع الأصلُ من هاشم إذا كانت النفسُ من باهله (١)
أي: لا ينفع في الامتياز على ذوي الخِصال السَّنِيَّة إذا كانت النفس في حدِّ
ذاتها باهليةً رديَّة ومن الكمالات عريَّة، فإنَّ باهلة في الأصل اسمُ امرأة من هَمْدان
كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فَنُسب ولدُه إليها، وقيل: بنو
باهلة، وهم قومٌ معروفون بالخَساسة، قيل: كانوا يأكلون بقيةَ الطعام مرة ثانية،
وكانوا يأخذون عظامَ الميتة يطبخونها ويأخذون دسوماتها، فاستنقصتهم العرب جدّاً
حتى قيل لعربي: أَترضى أن تكونَ باهليّاً وتدخل الجنة؟ فقال: لا، إلا بشرط أن
لا يعلم أهلُ الجنة أنِّي باهلي، وقيل:
عوى الكلب من شؤم هذا النَّسب(٢)
إذا قيل للكلب يا باهلي
ولم يجعلهم الفقهاءُ لذلك أكفاء لغيرهم من العرب، لكن لا يخلو ذلك من نظر،
فإن النصَّ أعني ((إنَّ العربَ بعضُهم أكفاء لبعض))(٣) لم يفصِّل، مع أنه ◌َّ كان أعلمَ
بقبائل العرب وأخلاقهم، وقد أطلق؛ وليس كلّ باهليّ كما يقولون، بل فيهم
الأجواد. وكون فَصِيلة منهم أو بطن صعاليكَ فعلوا ما فعلوا لا يَسري في حقِّ الكلِّ،
اللهمَّ إلا أن يقال: مدارُ الكفاءة وعَدَمُها على العارِ وعدمهِ في المعروف بين الناس،
فمتى عدُّوا الباهليةَ عاراً وشاع استنقاصها فيما بينهم وأَبتها نفوسُهم اعتبر ذلك وإن لم
يكن عن أصل أصيل، وهذا نظيرُ ما ذكروا فيما إذا اشترى الشخص داراً فتبيَّن أن
الناسَ يستشئمونها أنه بالخِيار - مع قول الجلِّ من العلماء بنفي الشؤم المتعارف بين
الناس - اعتباراً لكون ذلك مما ينقص الثمن بين الناس، وإن لم يكن له أصلٌ، فتأمَّله.
(١) أورده الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص٤٥٦ ولم ينسبه لأحد.
(٢) أورده الثعالبي في ثمار القلوب ص١١٩ ونسبه لأبي هفّان.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٣٤/٧ عن ابن عمر ظ