النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ٣
٣٤١
سُؤَدَّةُ المُحَرَاتِ
أو هي صلةٌ لـ ((امتحن)) باعتبار معنى الاعتياد(١). أو المرادُ: ضربَ اللهُ تعالى
قلوبهم بأنواع المحن والتكاليفِ الشاقَّة لأجل التقوى، أي: لتظهرَ ويُعلَم أنهم
مُثَّقون، إذْ لاَ تُعلم حقيقةُ التقوى إلا عند المحن والاصطبار عليها، وعلى هذا
فالامتحانُ هو الضربُ بالمحن، واللامُ للتعليل على معنى أنَّ ظهورَ التقوى هو
الغرضُ والعِلَّة، وإلا فالصبرُ على المحنةِ مستفادٌ من التقوى لا العكس.
أو المرادُ: أَخْلَصَها للتقوى، أي: جعلها خالصةً لأجل التقوى، أو أخلصها
لها فلم يبقَ لغيرِ التقوى فيها حقٌّ كأنَّ القلوبَ خلصت ملكاً للتقوى، وهذا أبلغُ،
وهو استعارةٌ من امتحان الذهب وإذابته لِيخلصَ إبریزُه من خَبَثِهِ ويَنقى، أو تمثيل.
وتفسیرُ ((امتحن)) بأخلصَ رواه ابنُ جرير وجماعة عن مجاهد(٢)، ورُوي ذلك
أيضاً عن الكعبي وأبي مسلم. وقال الواحدي: تقديرُ الكلام: امتحنَ اللهُ قلوبَهم
فَأَخلصها للتقوى، فحذفَ الإخلاص لدلالة الامتحان عليه. وليس بذاك.
واختار صاحبُ ((الكَشْف)) ما نُقل عنه أولاً فقال: الأولُ أرجحُ الوجوهِ لِكَثْرةٍ
فائدته من الكناية والإسناد والدلالة على أنَّ مثلَ هذا الغضِّ لا يتأتَّى إلا ممن هو
مُدَرَّبٌ للتقوى صبورٌ عليها، فتأمَّل.
﴿وَلَهُم﴾ في الآخرة ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَجْرُ عَظِيمُ ﴾﴾ لِغَضِّهم أصواتَهم
عند النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ولسائر طاعاتهم، وتنكير ((مغفرةٌ وأجرٌ)) للتعظيم،
ففي وصفِ ((أجر)) بـ ((عظيم) مُبالغةٌ في عِظَمه، فإنه مما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ
سمعَتْ ولا خطر على قلبٍ بشر، وجملةُ ((لهم)) إلخ مستأنفةٌ لبيان جزاء الغاضِّين
إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مُؤْلَّفة من معرفتين، والمبتدأ اسمُ الإشارة
المُتضمِّن لما جعل عنواناً لهم، والخبرُ الموصولُ بصلةٍ دلَّتْ على بلوغهم أقصى
الكَمال مُبالغةً في الاعتدادِ بعضِّهم والارتضاء له، وتعريضاً بشناعة الرَّفْعِ والجَهْر،
وأنَّ حال المُرتكب لهما على خلاف ذلك.
وقيل: الجملةُ خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ»، وليس بذاك.
(١) في الأصل: الاعتبار.
(٢) الدر المنثور ٨٦/٦، وتفسير الطبري ٣٤٤/٢١، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب (١٥١٦).

الآية : ٤
٣٤٢
سُوَّةُ الرَّجَرَاتِ
والآية قيل: أُنزلت في الشيخين ﴿يَا لِمَا كان منهما من غَضِّ الصوت والبُلوغ
به أخا السِّرار بعد نزول الآية السابقة، وفي حديث الحاكم وغيره عن محمد بن
ثابت بن قيس أنه قال بعدَ حكايةٍ قصة أَبيه، وقوله: لا أَرفعُ صوتي أبداً على
رسول الله وَله: وأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ) الآية(١).
وأنت تعلم أنَّ حكمها عامٌّ، ويدخلُ الشيخان في عُمومها، وكذا ثابتُ بن
قيس، وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: (أُوْلَكَ
الَّذِينَ آَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَنَّ)، قال رسولُ اللهِ وَّ: ((منهم ثابت بن قيس بن
شَمَّاس))(٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ﴾ مِنْ خارجها خَلْفها أو قُدَّامها، على أنَّ
(وراء)) من المُواراة والاستتار، فما استتر عنك فهو وراء، خَلْفاً كان أو قُدَّاماً إذا لم
تَرَهُ، فإذا رَأَيْته لا يكون وراءك، فالوراءُ بالنسبة إلى من في الحُجرات ما كان
خارجَها لِتواريه عمَّن فيها، وقال بعضُ أهل اللغة: إنَّ ((وراء)) من الأضدادِ. فهو
مشترٌ لفظيٍّ عليه، ومشتركٌ معنويٌّ على الأول، وهو الذي ذهب إليه الآمدي
وجماعة.
و((الحجرات)) جمعُ: حُجْرة، على وزن فُعْلة، بضمِّ الفاء وسكون العين، وهي
القِطعة من الأرض المحجورة، أي: الممنوعة عن الدخول فيها بحائط، وتُسمَّى
حظيرة الإبل - وهي ما تُجمع فيه، وتكونُ محجورةً بحطب ونحوه - حُجرةً أيضاً،
فهي بمعنى اسم المفعول كالغُرفة لما يُغْرَفُ باليد من الماء، وفي جمعها هنا ثلاثةُ
أوجه: ضَمُّ العين إتباعاً للفاء كقراءة الجمهور، وفتحُها وبه قرأ أبو جعفر وشيبة (٣)،
وتسكينها للتخفيف وبه قرأ ابن أبي عَبْلة(٤).
وهذه الأوجهُ جائزةٌ في جمع كلِّ اسم جامدٍ جاء على هذا الوزن.
(١) سلف تخريجه قريباً.
(٢) الدر المنثور ٨٦/٦.
(٣) البحر المحيط ١٠٨/٨، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٧٦/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٣، والبحر ١٠٨/٨.

الآية : ٤
٣٤٣
سُورَةُ المُعْراتِ
والمرادُ حُجرات نسائه عليه الصلاة والسلام، وكانت تسعةً، لكلٍّ منهنَّ حُجرةٌ،
وكانت - كما أخرج ابن سعد(١) عن عطاء الُراساني - من جَريد النخل على أبوابها
المُسوح من شعر أسود.
وأخرج البخاري في ((الأدب)) وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال:
رأيتُ الحجرات من جريد النخل مُغَشَى من خارج بمسوح الشعر، وأظنُّ عرضَ
البيت من باب الحُجرة إلى باب البيت ستَّ أو سبعَ أذْرُع، وأَحزرُ البيت الداخل
عشرةَ أذرع، وأظنُّ السّمك بين الثمان والسبع(٢).
وأخرجوا عن الحسن أنه قال: كنتُ أدخل بيوتَ أزواج النبيِّ ◌َّرِ في خلافة
عثمان بن عفان فأتناول سَفْفها بيدي(٣). وقد أُدخِلَتْ في عهد الوليد بن عبد الملك
بأمره في مسجدِ الرسول عليه الصلاة السلام، وبكى الناسُ لذلك، وقال سعيد بن
المُسَيِّب يومئذٍ: واللهِ، لوَدِدْتُ أنهم تركوها على حالها لينشأ(٤) أُناس من أهل
المدينة ويَقْدَم القادمُ من أهل الآفاق فیری ما اكتفى به رسولُ الله ◌َلژ في حياته،
فيكون ذلك مما يُزهِّد الناسَ في التكاثر والتفاخُر فيها. وقال نحوَ ذلك أبو أمامة بن
سهل بن حنيف.
وفي ذِكْر ((الحجرات)) كنايةٌ عن خَلْوته عليه الصلاة والسلام بنسائه لأنها مُعدَّة
لها، ولم يقل: حُجُرات نسائك، ولا: حُجُراتك، توفيراً له وَّهِ وتحاشياً عمَّا
يُوحِشه عليه الصلاة والسلام، ومناداتهم من ورائها، إما بأنهم أَتَوْها حُجرةً حُجرةً
فنادَوْه من ورائها، فيكون القصدُ إلى الاستغراق العُرفي، أي: جميع حُجراتٍ
نسائه وَله، أو بأنهم تفرَّقوا على الحُجرات مُتطلِّين له عليه الصلاة والسلام على أنَّ
الاستغراقَ إفراديٌّ لا شُمولي مجموعي، ولا أنه من مُقابلة الجمع بالجمع المُقتضية
لانقسام الآحادِ على الآحادِ، لأنَّ مَن ناداه وَّ من وراء حُجرة منها فقد ناداه من
(١) طبقات ابن سعد ٤٩٩/١.
(٢) الدر المنثور ٨٧/٦، والأدب المفرد (٤٥١)، وشعب الإيمان (١٠٧٣٤).
(٣) الدر المنثور ٨٧/٦، والأدب المفرد (٤٥٠)، وشعب الإيمان (١٠٧٣٥).
(٤) رسمت في الأصل هكذا: لينشو، والمثبت من طبقات ابن سعد ١٦٧/٨، والخبر فيه.

سُورَةُ الرُّهُراتِ
٣٤٤
الآية : ٤
وراء الجميع على ما قيل، وعلى هذا يكون إسنادُ النداء من إسناد فِعْل الأبعاضِ
إلى الكُلّ.
وقيل: إن الذي نادى رجلٌ واحد كما هو ظاهرُ خبرٍ أخرجه
الترمذي - وحسّنه - وجماعة عن البراء بن عازب(١)، وما أخرجه أحمد وابن
جرير وأبو القاسم البغوي والطبراني وابن مردويه بسندٍ صحيح من طريق
أبي سلمةَ بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبيَّ وَّ فقال:
يا محمدُ، اخرج إلينا. فلم يُجبه عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمدُ، إنَّ
حَمْدي زين، وإنَّ ذَمِّي شين. فقال: ((ذاك الله))، فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ
يُنَّادُونَكَ) إلخ (٢). وعليه يكون الإسناد إلى الكلِّ، لأنهم رَضُوا بذلك، أو
أَمروا(٣) به، أو لأنه وُجد فيما بينهم. وظاهرُ الآية أنَّ المنادي جمعٌ، وكذا
جمع من الأخبار، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضاً منها.
وحملُ («الحُجرات)) على الجمع الحقيقي هو الظاهر الذي عليه غيرُ واحد من
المُفسِّرين، وجُوِّز كون الحُجرة واحدةً، وهي التي كان فيها الرسولُ عليه الصلاة
والسلام، وجُمِعتْ إجلالاً له وَِّ على أُسلوب: حَرَّمت النساء سواكم، وأيضاً لأنَّ
حُجرته عليه الصلاة والسلام - لأنها أُمُّ الحُجُرات وأشرفُها - بمنزلة الكلِّ على نحو
أحدِ الوجهين من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤].
وفرَّق الزمخشري (٤) بين ((من وراء الحجرات)) بإثبات ((من))، و: وراء
الحُجرات، بإسقاطها، بأنه على الثاني يجوزُ أن يجمع المنادَى والمنادي الوراءُ،
وعلى الأول لا يجوز ذلك، وعلَّله بأنَّ الوراءَ يصير بدخول ((من)) مبتدأ الغاية،
ولا يجتمع على الجهةِ الواحدة أن تكونَ مبتدأً ومنتهَى لِفعل واحد.
(١) سنن الترمذي (٣٢٦٧)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٤٥٠).
(٢) مسند أحمد (١٥٩٩١)، وتفسير الطبري ٣٤٦/٢١، والمعجم الكبير (٨٧٨)، وهو ضعيف
لانقطاعه، فأبو سلمة لم يثبت سماعه من الأقرع بن حابس، كما قال محققو المسند.
(٣) في الأصل و(م): وأمروا، والمثبت من تفسير البيضاوي ٨/ ٧٥، وتفسير أبي السعود ١١٨/٨.
(٤) الكشاف ٥٥٨/٣ .

الآية : ٤
٣٤٥
سُؤَدَّةُ الرُهُراتِ
واعترضَه في ((البحر)) بأنه قد صرَّح الأصحاب في معاني ((من)) أنها تكون
لابتداءِ الغايةِ وانتهائها في فعلٍ واحد، وأنَّ الشيء الواحد يكون محلًّ لهما،
ونَسبوا ذلك إلى سيبويه، وقالوا: إنَّ منه قولهم: أخذتُ الدرهمَ من زيدٍ، فـ ((زيد))
محلٌّ لابتداءِ الأخْذِ منه وانتهائه معاً، قالوا: فـ ((مِنْ)) تكون في أكثرِ المواضع لابتداء
الغاية فقط، وفي بعض المواضعِ لابتداء الغاية وانتهائها معاً (١).
وصاحبُ ((التقريب)) بقوله: فيه نظرٌ، لأنَّ المبدأ والمُنتهى إما المنادي
والمنادى - على ما هو التحقيق - أو الجهةُ، فإنْ كان الأول جاز أن يجمعها الوراء
في إثبات (من)) وفي إسقاطها لتغاير المبدأ والمنتهى، وإنْ كان الثاني فالجهةُ
إما ذات أجزاء أو عديمتها، فإنْ كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات ((من)) أيضاً
باعتبار أجزاء الجهة، وإنْ كان الثاني لم يَجُزْ أن يجمعهما لا في إثباتِ ((مِنْ)) ولا في
إسقاطها لاتِّحاد المورد.
ورُدَّ الأول بأنَّ محلّ الانتهاء هو المُتكلِّم ليس إلا، كما ذكره ابن هشام في
((المغني)) (٢)، وذَكَر أنَّ ابنَ مالك قال: إنَّ (مِنْ)) في المِثال للمجاوزة، والثاني غيرُ
قادح في الفرق على ما ذكره صاحب ((الكشف))، قال: الحاصلُ أنَّ المبدأ الجهة
باعتبار تَلَبُّسها بالفاعل لأنَّ حرف الابتداء دخل على الجهة والفعل مما ليست
المسافة داخلةً في مفهومه، فيعتبر الأمران تحقيقاً لمقتضى الفعل والحرف، ولما
أوقع جميع الجهة مَبْدأَ لم يَجُزْ أن يكونَ مُنتهى، سواء كان مُنقسماً أَوْ لا، ثم
لما كان الوراء مُبهماً لم يكن مثل: سرتُ من البصرة إلى جامعها، إذْ لا يتعيَّن
بعضها مبدأً وبعضها منتهّى، على أنَّ ذلك أيضاً إذا أُطلق يجب أن يحمل على أنَّ
المنتهى غير البصرة، أما إذا عيّنت فيجوز مع تجوُّز، والأصل عَدَمُه إلا بدليل، ثم
هذا الجوازُ فيما كانت النهايةُ مكاناً أيضاً، أما إذا اعتبرت باعتبار التلبُّس بالمفعول
فلا، وإذا لم يذكر حرفُ الابتداء لم يُؤَدّ هذا المعنى.
فهذا فرقٌ محقَّقٌ، ومنه يظهر أنَّ المذكورَ في ((التقريب)) من النظر غيرُ قادح.
(١) البحر ١٠٨/٨.
(٢) مغني اللبيب ص٤٢٥ .

الآية : ٤
٣٤٦
سُورَةُ المُراتِ
وما ذُكر من أنَّ التحقيقَ أنَّ الفعلَ يبتدئ من الفاعل وينتهي إلى المفعول ويقع
في الظرف، وأن ((من وراء الحجرات)) ووراءَها كلاهما ظرفٌ، كصلَّيت من خَلْف
الإمام وخَلْفَه، ومن قبلِ اليوم وقبله، ومعنى الابتداء غيرُ محقَّق، والفرقُ
تعسُّفٌ = ظاهرٌ(١) في أن ((مِنْ)) زائدة لا فرقَ بين دخولها وخروجها، وهو خلافُ
الظاهر، وإلا لَمَا اختلفوا في زيادتها في الإثبات لِشيوع نحو هذا الكلام فيما
بينهم. ومتى لم تكن زائدةً فلا بدَّ من الفَرْق بين الكلامين لا سيما إذا كانا من
كلامه عز وجل، فتدبّر.
والتعبير عن النداء بصيغة المضارع - مع تقدُّمه على النزول - لاستحضار الصورة
الماضية لِغرابتها .
والموصول اسم ((إنَّ)، وجملة قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
٤
خبرُها، وتَكرارُ الإسناد لِلمُبالغة، والمرادُ أنهم لا يَجرون على مقتضى العقل من
مُراعاة الأدب لا سيما مع أَجلِّ خَلْق الله تعالى وأَعظمهم عنده سبحانه وَّةِ، وكثيراً
ما يُنَزَّلُ وجود الشيء منزلةَ عَدَمِه لمقتضٍ، والحُكم على الأكثر دون الكلِّ بذلك؛
لأنَّ منهم من لم يَقْصِدْ تركَ الأدب، بل نادى لأمرٍ مّا على ما قيل.
وجُوِّز أن يكونَ المرادُ بالقِلَّة التي يدلُّ عليها نفي الكَثْرة العدمَ، فإنه يُكنى بها
عنه، وتعقّبه أبو حيان(٢) بأن ذلك في صريح القِلَّة لا في المفهوم من نفي الكثرة.
وكان هؤلاء من بني تميم كما صرَّح به أكثر أهل السير؛ أخرج ابن إسحاق
وابن مردويه عن ابن عباس قال: قَدِمَ وفدُ بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون
رجلاً - منهم: الزِّبرقان بن بدر، وعطارد بن حاجب بن زرارة، وقيس بن عاصم،
وقيس بن الحارث، وعمرو بن الأهتم - المدينةَ على رسول الله وَّر، فانطلقَ معهم
عُيينةُ بن حصن بن بدر الفَزاري - وكان يكون في كلِّ سوأة - حتى أَتَوْا منزل
رسول الله وَ﴿ فنادَوْه من وراء الحُجُراتِ بصوت جافٍ: يا محمدُ، اخرج إلينا،
ثلاثاً، فخرج إليهم رسولُ اللهِ وَّهِ فقالوا: يا محمدُ، إنَّ مَدْحَنا زينٌ، وإنَّ شَتْمنا
(١) قوله: ظاهر، هو خبر ((ما)) في قوله: وما ذكر من أن التحقيق ....
(٢) البحر المحيط ١٠٨/٨.

الآية : ٤
٣٤٧
سُوَّةُ الرَّحُرَاتِ
شينٌ، نحن أكرمُ العرب. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كَذَبتم، بل مَدْحُ الله تعالى الزَّينُ،
وشَتْمُه الشين، وأكرمُ منكم يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فقالوا: إنا
أتيناك لِنُفاخِرك .. ، فذكره بطوله، وقال في آخره: فقال التميميون: واللهِ، إنَّ هذا
الرجلَ لمصنوع له، لقد قام خطيبه فكان أخطبَ من خطيبنا، وفاه شاعرُه فكان
أشعرَ من شاعرنا، وفيهم أنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ) من
بني تميم (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) هذا في القراءة الأولى(١).
وذكر ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق الخبرَ بطوله، وعدَّ منهم الأقرعَ بن
حابس، وذكر أنه وعُيينةَ شهدا مع رسول الله وَله فتحَ مكة وحنيناً والطائف، وأن
عمرو بن الأهتم خلَّفه القومُ في ظهرهم، وأن خطيبهم عطاردُ بن حاجب،
وخطيبَهَ وَ﴿ ثابتُ بن قيس بن شَمَّاس، وشاعرهم الزِّبرقان بن بدر، وشاعره عليه
الصلاة والسلام حسان بن ثابت، وذكر الخطبتين وما قيل من الشعر، وأنه لما فرغَ
حسانُ قال الأقرعُ: وأبي، إنَّ هذا الرجلَ لمُؤَتّى له، لخطيبُه أخطبُ من خطيبنا،
ولَشاعرُه أشعرُ من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. وأنه لما فَرَغوا أسلموا،
وجوَّزهم رسولُ الله ◌َّرِ فأحسنَ جوائزهم، وأَرسلَ لعمرو جائزتَه كالقوم. وتعقّب
ابن هشام الشعرَ بعض التعقُّب(٢).
وفي ((البحر))(٣) أيضاً ذكر الخبرَ بطوله مع مُخالفة كلية لما ذكره ابن إسحاق،
وفيه أنَّ الأقرعَ قام بعد أن أنشد الزِّبرقان ما أنشد وأجابه حسان بما أجاب، فقال:
إني والله لقد جئتُ لأمر وقد قلتُ شعراً فاسمعه، فقال:
إذا خالفونا عند ذِكْر المكارمِ
أتيناك کیما یعرف الناس فَضْلَنا
وأنْ ليس في أرض الحجاز كدارمٍ
وأنّا رؤوسُ الناس من كلِّ مَعْشرٍ
تكون بنجدٍ أو بأرض التهائم(٤)
وأنَّ لنا المِرْباع في كلِّ غارة
(١) الدر المنثور ٦/ ٨٧.
(٢) السيرة النبوية ٢/ ٥٦٠-٥٦٧ .
(٣) ١٠٦/٨.
(٤) الأبيات ذكرها ابن هشام في السيرة النبوية ٢/ ٥٦٥-٥٦٦ ونسبها للزبرقان، وذكرها
=

سُورَةُ الدُّعُرَاتِ
٣٤٨
الآية : ٤
فقال النبيُّ ◌َّ لحسان: قم فَأَجبه، فقال:
يصير وبالاً عند ذكر المكارمِ
بني دارمٍ لا تَفْخَروا إنَّ فخرَكم
لنا خَوَل من بين ظِئْرٍ وخادمِ
هبلتم علينا تفخّرون وأنتم
فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لقد كنتَ يا أخا دارم غَنيًّا أن يُذكرَ منك ما ظننتَ أنَّ الناسَ
قد نسوه))، فكان قوله عليه الصلاة والسلام أشدَّ عليهم من جميع ما قال حسان، ثم
رَجَعَ حسان إلى شعره فقال:
وأموالكم أن يُقسموا في المقاسمِ
فإنْ كنتم جئتم لحقنٍ دمائكم
ولا تَفخُّروا عند النبيِّ بدارِمِ
فلا تجعلو لله نِدًّا وأَسلِمُوا
على هامِكم بالمُرهَفات الصوارمِ
وإلا وربِّ البيت قد مالت القنا
فقال الأقرع بن حابس: واللهِ ما أدري ما هذا الأمر، تكلَّم خطيبُنا، فكان
خطيبُهم أحسنَ قولاً، وتكلّم شاعرُنا، فكان شاعرُهم أشعرَ وأحسنَ قولاً، ثم دنا
من رسول الله وَ ﴿ وقال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله، فقال النبيُّ عليه
الصلاة والسلام: ((ما يَضرُّك ما كان قبلَ هذا))(١). انتهى.
وهذا ظاهرٌ في أنَّ إسلامَ الأقرع يومئذٍ، ومعلومٌ أنَّ سنةَ الوفودِ سنة تسعِ،
والطائف وحنين كانتا قبلَ ذلك، وتقدَّم عن ابن إسحاق أن الأقرع شَهِدَهما مع
رسول الله وَّ﴿، ويتوهّم منه أنه كان مسلماً إذ ذاك، فيتناقض مع هذا، بل في أول
كلام ابن إسحاق وآخره ما يُوهم التناقض، والمذكور في الصحاح أنه - وكذا
عُيينة - كان إذ ذاك من المؤلَّفة قلوبهم.
وقد روى ابن إسحاق نفسُه عن محمد بن إبراهيم أنَّ قائلاً قال لرسول الله ◌َلچ
من أصحابه يومَ قِسمة ما أفاء الله تعالى عليه يوم حنين: يارسولَ الله، أعطيت عيينةً
= الأصفهاني في الأغاني ١٥٠/٤، والمرزباني في معجم الشعراء ص ١٦١ ونسباها لعطارد بن
حاجب، مع اختلاف بالألفاظ.
(١) الخبر نقله أبو حيان بتمامه عن الثعلبي في تفسيره ٩/ ٧٣-٧٥، وقد أخرجه الثعلبي وكذا ابن
عساكر في تاريخه ١٨٧/٩- ١٩٠ من حديث جابر ربه، وفي إسناده معلَّ بن عبد الرحمن،
وهو متهم بالوضع كما ذكر الحافظ في التقريب. وأبيات حسان في ديوانه ص ٤٤٠.

الآية : ٤
٣٤٩
سُوَرَةُ الرُُّرَاتِ
والأقرع مئة، وتركت جُعيل بن سُراقة الضَّمْري، فقال: ((أما والذي نفسُ محمد
بيده، لجُعَيْل خيرٌ من طِلاع الأرض كلّهم مثل عُيينة والأقرع، ولكن تألَّفتهما
لِيُسلما، وَوَكَلْتُ جُعيل بن سُراقة إلى إسلامه))(١).
وجاء ما يدلُّ على أنهم من بني تميم مرفوعاً، أخرج ابن مردويه من طريق
يعلى بن الأشدق عن سعدٍ بن عبد الله أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئل عن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُونَكَ) إلخ، فقال: ((هم الجُفاة من بني تميم لولا أنهم من أشدِّ الناسِ قتالاً
للأعور الدجّال لدعوتُ الله تعالى عليهم أنْ يُهْلِكَهم))(٢). وفي ((الصحيحين)) ما يشهد
بأنهم من أشدِّ الأُمة على الدَّجال، وجعله أبو هريرة أحد أسبابٍ حُبُّهم (٣).
وظاهرُ كثير من الأخبار أنَّ سبب وُفودِهم المُفاخرة، وقال الواقديُّ - وهو
حاطب ليل -: إنَّ سببه هو أنهم كانوا قد جهروا السلاحَ على خُزاعة، فبعث إليهم
رسولُ اللهُِّ عُيينةَ بنَ بدر في خمسين ليس فيهم أنصاريٌّ ولا مهاجري، فأَسر
منهم أحدَ عشرَ رجلاً وإحدى عشرةَ امرأةً وثلاثين صبيًّا، فَقَدِم رؤساؤهم بسبب
أُسرائهم. ويقال: قَدِمَ منهم سبعون أو ثمانون رجلاً في ذلك منهم عطارد والزِّبرقان
وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث ونُعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورياح بن
الحارث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجدَ وقد أَذَّن بلال الظهرَ والناسُ ينتظرون
رسولَ اللهِوَّ﴿ ليخرجَ إليهم، فَعَجِلَ هؤلاء فنادَوْه من وراء الحُجُرات، فنزل فيهم
ما نزل، ثم ذكر أنه وَل﴿ أجازهم كلَّ رجل اثنتي عشرةَ أُوقيَّة وكساءً ولعمرو بن
الأهتم خمس أَواق لحداثةٍ سِنّه(٤). انتهى.
ولعلَّ زيادةَ جائزته لما نِيل منه أيضاً فقد ذكر ابن إسحاق أنَّ عاصم بن قيس
(١) السيرة النبوية ٤٩٦/٢، والخبر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٥٣/١ عن محمد بن إبراهيم
التيمي، وهو مرسل أو معضل كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ٢٧٧/١١، والطّلاع:
ما طلعت عليه الشمس من الأرض.
(٢) الدر المنثور ٨٧/٦، ويعلى بن الأشدق قال عنه البخاري: لا يكتب حديثه، وقال ابن
حبان: وضعوا له أحاديث فحدَّث بها ولم يدرِ. الميزان ٤٥٦/٤ .
(٣) صحيح البخاري (٢٥٤٣)، وصحيح مسلم (٢٥٢٥) من حديث أبي هريرة
(٤) المغازي للواقدي ٣/ ٩٧٥.

الآية : ٥
٣٥٠
سُورَةُ الإِصَراتِ
كان يبغض عَمْراً فقال: يارسولَ الله، إنه قد كان رجلٌ منا في رحالنا وهو غلامٌ
حَدَثٌ. وأزرى به، فقال لمَّا بلغه ذلك يُخاطب قيساً:
عند الرسول فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبٍ
ظَلِلْتَ مُفترشَ الهَلْباءِ تشتمني
بادٍ نواجذُه مُمْعٍ على الذَّنَبِ(١)
◌ِذْناكم سؤدداً رَهواً وسؤددكم
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنهم أناسٌ من بني العنبر أصاب النبيُّ وَّرِ من
ذراريهم، فأقبلوا في فِدائهم، فَقَدِموا المدينةَ ودخلوا المسجدَ، وعَجِلوا أنْ يخرجَ
إليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فجعلوا يقولون: يا محمدُ، اخرج إلينا.
وذكر الخفاجي أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بعث إلى قومٍ منِ العرب - هم بنو العنبر - سريةً
أميرها عُيينة بن حِصن، فهربوا وتركوا النساء والذِّراري، فسباهم وقَدِمَ بهم عليه
عليه الصلاة والسلام، فجاء رجالهم راجين إطلاقَ الأسارى، فنادَوْا من وراء
الحجرات، فخرج ◌َ ل﴿ فَأَطلقَ النصفَ وفادى الباقي(٢). وظاهرُ كلامه أنهم ليسوا
من بني تميم. وإن كانت هذه السَّرية مُتَّحدٍةً مع السَّريّة التي أشار إليها الواقدي فيما
تقدَّم - ويقال: إنَّ عُيينة في الكلامين هو عُيينة بن حصن بن بدر إلا أنه نُسِبَ هناك
إلى جدِّه وهنا إلى أبيه - كان ذلك الكلامُ ظاهراً في أنَّ القومَ كانوا من بني تميم
لا أُناساً آخرين، وفي ((القاموس)): العنبر أبو حَيٍّ من تميم(٣). فبنو العنبر عليه
منهم، فلم يخرج الأمرُ عنهم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرٌ لَّهُمْ﴾ أي: ولو ثبتَ صبرُهم وانتظارهم
حتى تخرجَ، لكان الصبرُ خيراً لهم من الاستعجال؛ لِمَا فيه من حِفْظِ الأدب
وتعظيمِ النّبيِّي ◌َّرِ المُوجِبين للثناء والثواب، أو لذلك والإسعاف بالمسؤول على
أوفقِ وجهٍ وأَوْقعهِ عندهم بناءً على حديث الأسارى بأن يطلق عليه الصلاة والسلام
الجميعَ من غير فداء. فـ ((أَنَّ) المفتوحة المُؤوَّلة بالمصدر هنا فاعلُ فعل مقدَّر،
(١) السيرة النبوية ٥٦٧/٢، وينظر مغازي الواقدي ٩٧٩/٣-٩٨٠، والأغاني ١٥١/٤ حيث
ذكرا الخبر وذكرا الأشعار مع اختلاف بالألفاظ.
(٢) حاشية الشهاب ٨/ ٧٥-٧٦.
(٣) القاموس (عنبر).

الآية : ٥
٣٥١
سُوَّةُ الُراتِ
وهو: ثبتَ - كما اختاره المبرِّد - والقرينة عليه معنى الكلام، فإنَّ ((أنَّ) تدلُّ على
الثُّبوت، وهو إنما يكون في الماضي حقيقةً، ولذا يُقدَّر الفعل ماضياً. وضمير
(كان)) للمصدر الدالٌ عليه ((صبروا)) كما في قولك: مَنْ كذب كان شرًّا له، أي:
الكذب. ومذهبُ سيبويه أن المصدرَ في موضع المبتدأ فقيل: خبره مُقدَّر، أي: لو
صبرُهم ثابتٌ، وقيل: لا خبرَ له. وأنت تعلم أنَّ في تقدير الفعل إبقاءَ ((لو)) على
ظاهرها من دخولها على الفعل، فإنها في الأصل شرطيةٌ مختصَّةٌ به.
وجُوِّز كون ضمير ((كان)) لمصدر الفعل المقدَّر، أي: لكان ثبوتُ صبْرِهم،
وصنيع الزمخشري(١) يقتضي أولويته.
وأُوثرت ((حتى)) هنا على ((إلى)) لأنها موضوعةٌ لِمَا هو غايةٌ في نفس الأمر،
ويقال له: الغاية المضروبة، أي: المُعيَّنة، و((إلى)) لما هو غاية في نفس الأمر، أو
بجعل الجاعل، وإليه يرجع قولُ المغاربة وغيرهم: إنَّ مجرورَ ((حتى)) دون مجرور
(إلى)) لا بدَّ من كونه آخرَ جُزء نحو: أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها، أو ملاقياً له نحو:
﴿َسَلَمُ هِىَ خَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ولا يجوز: سهرتُ البارحةَ حتى ثلثيها أو
نصفِها، فيفيد الكلامُ معها أنَّ انتظارهم إلى أن يخرجَ وَِّ أمرٌ لازم ليس لهم أن
يقطعوا أمراً دون الانتهاء إليه، فإنَّ الخروجَ لمَّا جعله الله تعالى غايةً كان كذلك في
الواقع، وإلى هذا ذهب الزمخشري، وتوهَّم ابنُ مالك أنه لم يقل به أحدٌ غيره،
واعترض عليه بقوله:
عيَّنتْ ليلةً فما زلتُ حتى نصفِها راجياً فعدتُ يؤوسا (٢)
وأُجيب بأنه على تسليم أنه من كلام من يُعتدُّ به - مع أنه نادرٌ شاذٌ لا يَرِدُ مثله
نقضاً - مدفوعٌ بأنَّ معنى: عيَّنت ليلةً: عيَّنت وقتاً للزيارة، وزيارةُ الأحباب يُتعارف
فيها أنْ تقعَ في أول الليل فقوله: حتى نصفها، بيانٌ لغاية الوقت المتعارف للزيارة
الذي هو أولُ الليل، والنصفُ ملاقٍ له. وهو أولى من قول ابن هشام في
(١) الكشاف ٥٥٩/٣ .
(٢) لم نقف على قائله، وهو في مغني اللبيب ص١٦٧ .

الآية : ٥
٣٥٢
سُورَةُ الزُّحَرَاتِ
(المغني)): إنَّ هذا ليس محلَّ الاشتراط، إذْ لم يقل: فما زلت في تلك الليلةِ حتى
نصفها، وإن كان المعنى عليه (١). وحاصله أنَّ الاشتراطَ مخصوصٌ فيما إذا صرَّح
بذي الغاية = إذْ لا دليلَ (٢) على هذا التخصيص، وخفاء عدم الاكتفاء بتقديم ليلة
في صدر البيت. نعم ما ذكر من أصله لا يخلو عن كلامٍ كما يُشير إليه كلامُ صاحب
((الكشف))، ولذا قال: الأظهر أنه أُوثر ((حتى تخرج)) اختصاراً لوجوب حذفٍ ((أنْ))
ووجوب الإظهار في ((إلى))، مع أنَّ ((حتى)) أظهر دلالةً على الغايةِ المناسبة للحكم
وتخالف ما بعدَها وما قبلها، ولهذا جاءت للتعليل دون ((إلى)).
وفي قوله تعالى: ((إليهم)) إشعارٌ بأنه عليه الصلاة والسلام لو خرج لا لأجلهم
ينبغي أن يصبروا حتى يُفاتحهم بالكلام أو يتوجَّه إليهم، فليس زائداً، بل قَيْدٌ لا بدَّ
منه .
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ بليغُ المغفرة والرحمة، فلذا اقتصر سبحانه على النُّصح
والتقريع لهؤلاء المُسيئين الأدبَ التاركين تعظيمَ رسوله وَ له، وقد كان مقتضى ذلك
أن يُعذِّبهم أو يُهلكهم، أو فلم تَضِقْ ساحةُ مغفرته ورحمته عز وجل عن هؤلاء إنْ
تابوا وأَصلحوا، ويُشير إلى هذا قولُهُ وَلجر للأقرع بعد أن دنا منه عليه الصلاة
والسلام، وقال: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله: ((ما يَضُرُّك ما كان قبلَ
هذا))(٣) .
وفي الآيات من الدلالة على قُبح سوء الأدب مع الرسول وَِّ ما لا يخفى،
ومن هذا وأمثاله تُقتطف ثمرُ الألباب وتُقتبس محاسنُ الآداب كما يُحكى عن
أبي عُبيد - وهو في الفضل هو - أنه قال: ما دَقَقْتُ باباً على عالِم حتى يخرجَ في
وقت خروجه. ونقله بعضُهم عن القاسم بن سلام الكوفي (٤)، ورأيتُ في بعض
الكتب أن الحِبْرَ ابنَ عباس كان يذهب إلى أُبيّ في بيته لأخذِ القرآن العظيم عنه
(١) مغني اللبيب ص١٦٧ .
(٢) قوله: إذ لا دليل، تعليل لقوله: وهو أولى من قول ابن هشام ....
(٣) سلف ص٣٤٨، وفي إسناده مَن هو متهم بالوضع.
(٤) وهو نفسه أبو عبيد، وقد ورد هذا القول عن أبي عبيد في الكشاف ٥٥٩/٣، والبحر ١٠٩/٨.

الآية : ٦
٣٥٣
سُوَّةُ المُعْرَاتِ
فيقف عند الباب ولا يدقَّ البابَ عليه حتى يخرج، فاستعظم ذلك أُبيّ منه، فقال له
يوماً: هلَّا دَقَقْتَ البابَ يا ابنَ عباس؟ فقال: العالِم في قومه كالنبيِّ في أُمَّتِهِ، وقد
قال الله تعالى في حقِّ نبيِّه عليه الصلاة والسلام: (وَلَوْ أَنَهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ
خَبْرً لَهُمْ). وقد رأيتُ هذه القصة صغيراً فعملتُ بموجبها مع مشايخي، والحمدُ لله
تعالى على ذلك.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّواْ﴾ أخرج أحمد وابن أبي الدنيا
والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيِّد عن الحارث بن أبي ضرار الخُزاعي
قال: قَدِمتُ على رسول الله وَّهِ فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأَقررت به،
ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يارسول الله، أَرْجِع إلى قومي فأدعوهم إلى
الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجابَ لي جمعتُ زكّاته وتُرسل إليَّ يا رسول الله
رسولاً لإِبَّان كذا وكذا ليأتيَكَ بما جمعتُ من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاةَ
ممن استجاب له وبَلَغَ الإبّانُ الذي أراد رسول الله ێو أن یبعثَ إلیه، احتبس
الرسولُ فلم يأتِ، فظنَّ الحارث أنْ قد حدثَ فيه سَخْطَةٌ من الله تعالى ورسوله عليه
الصلاة والسلام، فدعا سَرَواتِ قومه فقال لهم: إنَّ رسول اللهِوٍَّ كان وقَّت لي
وقتاً يُرسِلُ إليَّ رسولَه ليقبضَ ما كان عندنا من الزكاة، وليس من رسول الله عليه
الصلاة والسلام الخُلْف، ولا أرى حبسَ رسوله إلا من سَخْطةٍ، فانطلِقوا بنا فنأتيَ
رسولَ اللهِنَّه، وبَعَثَ رسولُ اللهِ وَّرَ الوليد بن عُقبة بن أبي معيط - وهو أخو
عثمان رَُّّه لأمِّه - إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمعَ من الزكاة، فلما أنْ
سار الوليدُ إلى أَنْ بَلَغَ بعض الطريق، فَرِقَ، فرجَع، فأتى رسولَ اللهِّله فقال: إنَّ
الحارث منعني الزكاة وأراد قَتْلي. فضربَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّر البعثَ إلى الحارث،
فأقبل الحارث بأصحابه، حتى إذا استقبله الحارث وقد فصل عن المدينة قالوا:
هذا الحارث، فلمَّا غشيهم قال لهم: إلى مَنْ بُعِثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟
قالوا: إنَّ رسولَ اللهِ ﴿ بعثَ إليك الوليد بن عُقبة فزَعم أنك منعتَه الزكاة وأردتَ
قَتْلَه. قال: لا، والذي بعث محمداً بالحقِّ ما رأيتُه بَنَّةً ولا أتاني، فلما دخل
الحارث على رسول الله وَ﴿ه قال: ((منعتَ الزكاةَ وأردتَ قَتْلَ رسولي))؟! قال: لا،

الآية : ٦
٣٥٤
سُورَةُ الحُعَرَانِ
والذي بعثك بالحقِّ ما رأيتُه ولا رآني، ولا أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ
رسولِ اللهِوَ﴿ خشيةَ أن يكون سَخْطَة من الله تعالى ورسوله وَله، فنزل: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ إِن جَاءَكُ) إلى قوله سبحانه: (حَكِيمٌ) (١).
وأخرج عبدُ بن حُميد عن الحسن قال: أتى [رجلٌ] النبيَّ ◌َّر فقال: يا نبيَّ الله،
إنَّ بني فلان - حيًّا من أحياء العرب، وكان في نفسِه عليهم شيء، وكان حديثَ
عَهْدٍ بالإِسلام - قد تركوا الصلاة وارتدُّوا وكفروا بالله تعالى، فلم يَعْجَلْ رسولُ الله
عليه الصلاة والسلام، ودعا خالد بن الوليد فبعثه إليهم ثم قال: ((ارمُقْهم عند
الصلوات، فإنْ كان القومُ قد تركوا الصلاة فشأنك بهم، وإلا فلا تَعْجَلْ عليهم»
فدنا منهم عند غُروبِ الشمس فَكَمَنَ حتى يسمعَ الصلاةَ، فرمقَهم فإذا هو بالمُؤذِّن
قد قام عند غروب الشمس، فأذَّن ثم أقام الصلاة فصلَّوا صلاةَ المغرب، فقال
خالدٌ: ما أُراهم إلا يُصلُّون فلعلهم تركوا صلاةً غير هذه. ثم كَمَنَ حتى إذا جَنَحَ
الليلُ وغاب الشفقُ أذَّن مُؤذِّنهم فصلَّوا، فقال: لعلهم تركوا صلاةً أُخرى فكَمَن
حتى إذا كان في جوف الليل تقدَّم حتى أَطلَّ الخيل بدُورهم فإذا القومُ تعلَّموا شيئاً
من القرآن فهم يتهجَّدون به من الليل ويقرؤونه، ثم أتاهم عند الصُّبح فإذا المُؤذِّن
حين طلع الفجر قد أَذَّن وأقام فقاموا وصلَّوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا
هم بنواصي الخيل في ديارهم، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: خالد بن الوليد. قالوا:
يا خالدُ، ما شأنك؟ قال: أنتم واللهِ شأني، أُتي النبيُّ وَّ فقيل له: إنكم تركتم
الصلاةَ وكفرتم بالله تعالى. فَجَثَوْا يبكون، فقالوا: نعوذُ بالله تعالى أن نكفُرَ أبداً.
فصرف الخيل وردَّها عنهم حتى أتى النبيَّ وَّهِ وأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ)
الآية. قال الحسن: فواللهِ، لئن كانت نزلَتْ في هؤلاء القوم خاصَّةً إنها لمرسلةٌ
إلى يومِ القيامة ما نسخها شيءٍ(٢).
والرواية السابقة أصُّ وأشهرُ، وكلامُ صاحب ((الكشف)) مُصَرّح بأنَّ بعثَ
خالد بن الوليد كان في قضية الوليد بن عُقبة، وأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام بعثه
(١) الدر المنثور ٨٧/٦-٨٨، ومسند أحمد (١٨٤٥٩)، والمعجم الكبير (٣٣٩٥).
(٢) الدر المنثور ٨٩/٦، وما بين حاصرتين منه. والخبر مرسل.

الآية : ٦
٣٥٥
سُوَرَةُ الُهُرَاتِ
إلى أولئك الحيِّ من خُزاعةَ بعدَ رُجوع الوليد وقوله ما قال، والقائل بذلك قال:
إنهم سلَّموا إليه الصَّدقات، فرجع.
والخطاب بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) شاملٌ للنبيِّ وَّهِ والمؤمنين من أُمَّته
الكاملين منهم محاسن آداب وغيرهم، وتخصيص الخطاب بحسب ما يَقَع من
الأمر بعدَه - إذْ يليقُ بحال بعضِهم - لا يخرجه عن العُموم لوجوده فيما بينهم،
فلا تغفل.
والفاسقُ: الخارج عن حَجْر الشرع من قولهم: فسق الرُّطَب إذا خرج عن
قِشْره. قال الراغب(١): والفِسْقُ أعمُّ من الكُفْر، ويقع بالقليل من الذنوب وبالكثير،
لكن تُعورف فيما كانت كثيرة، وأكثرُ ما يقال الفاسق لمن التزمَ حُكم الشَّرع وأَقرَّ
به، ثم أخلَّ بجميع أحكامه أو ببعضها. وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أَخَلَّ
بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة.
ووصفُ الإنسان به - على ما قال ابن الأعرابي - لم يُسمع في كلام العرب.
والظاهرُ أنَّ المرادَ به هنا المسلم المُخِلُّ بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناءً
على مُقابلته بالعَدْل، وقد اعتبر في العدالة عدمُ الإخلال بالمروءة، والمشهور
الاقتصار في تعريفه على الإخلال بشيء من أحكام الشرع، فلا تَغْفُل.
والتبيُّن: طلبُ البيان والتعرُّف؛ وقريبٌ منه التََّبُّت، كما في قراءة ابن مسعود
وحمزة والكسائي: ((فتثبتوا))(٢)، وهو طلب الثَّبات والتأنِّي حتى يتّضح الحال.
وقد أخرج عبد بن حُميد وابن جرير عن قتادة: أنَّ النبي ◌َّ قال يوم نزلت
الآية: ((التثُبُّتُ من الله تعالى، والعَجَلةُ من الشيطان))(٣).
وتنكيرُ ((فاسق)) للتعميم؛ لأنه نكرةٌ في سياق الشرط، وهي كالنكرة في سياق
النفي تُفيد العموم كما قُرِّر في الأصول، وكذا ((نبأ)) وهو كما في ((القاموس)):
(١) المفردات (فسق).
(٢) البحر المحيط ١٠٩/٨، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥١/٢.
(٣) الدر المنثور ٨٩/٦، وتفسير الطبري ٣٥١/٢١، وهو مرسل.
1

L
سُورَةُ المُحَرَاتِ
٣٥٦
الآية : ٦
الخبر(١). وقال الراغب(٢): لا يُقال للخبر في الأصل نبأ حتى يكونَ ذا فائدةٍ عظيمة
يحصلُ به علم أو غلبةُ ظنٍّ، وقوله تعالى: (إِن جَاءَكُ فَاسِقٌ بَِبَأٍ فَتَبَيَنُواْ أَنْ) تنبيهٌ على
أنه إذا كان الخبرُ شيئاً عظيماً وما (٣) له قَدْرٌ فحقُّه أن يُتوقَّف فيه وإنْ عُلم أو غَلَب
صِحَّتُه على الظنِّ حتى يُعادَ النظرُ فيه ويتبيَّن فَضْلَ تَبِيُّن.
ولما كان رسول الله ﴿ والذين معه بالمنزلة التي لا يَجْسرُ أحدٌ أن يُخبرهم
بكذب، وما كان يقع مثل ما فَرَطَ من الوليد إلا في النُّدرة، قيل: ((إن جاءكم))
بحرف الشّكِّ، وفي النداء بـ ((يا أيها الذين آمنوا)) دلالةٌ على أنَّ الإيمان إذا اقتضى
الثَّعْبُّت في نبأ الفاسق فأَولى أن يقتضيَ عدم الفِسْق، وفي إخراج الفاسق عن
الخطاب ما يدلُّ على تشديد الأمر عليه من باب: ((لا يزني الزاني وهو مؤمنٌ))(٤)،
و: ((المؤمن لا يكذب)»(٥).
واستدلَّ بالآية على أن الفاسقَ أهلٌ للشهادة، وإلا لم يكن للأمر بالتبيُّن فائدةٌ،
ألا ترى أنَّ العبدَ إذا شهد تُرَدُّ شهادتُه ولا يُتَكَبَّتُ فيها، خلافاً للشافعي.
وعلى جواز قَبول خبر العَدْل الواحد، وقرَّره الأصوليون بوجهين:
أحدهما: أنه لو لم يُقبل خبره لما كان عدمُ قَبوله مُعَلَّلاً بالفِسْق، وذلك لأنَّ
خبرَ الواحد على هذا التقدير يقتضي عدمَ القَبول لذاتِه - وهو كونه خبرَ واحد -
فيمتنع تعليلُ عدمٍ قَبوله بغيره لأنَّ الحُكمَ المُعَلَّل بالذات لا يكون مُعلَّلاً بالغير؛ إذ
لو كان مُعَلَّلاً بالغَير اقتضى حصولَه به مع أنه حاصلٌ قبلَه لكونه مُعَلَّلاً بالذاتِ، وهو
باطلٌ لأنه تحصيلٌ للحاصل، أو يلزمُ توارد علَّتين على معلول واحدٍ في خبر
الفاسق، وامتناع تعليله بالفِسق باطلٌ للآية، فإنَّ ترتّب الحُكم على الوصف
(١) القاموس المحيط (نبأ).
(٢) المفردات (نبأ).
(٣) قوله: وما، ليس في مفردات الراغب.
(٤) أخرجه أحمد (٧٣١٨)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة
(٥) قطعة من حديث أخرجه بنحوه الطبري في تهذيب الآثار (مسند علي بن أبي طالب)
ص١٣٥. وقال محققه الشيخ محمود شاكر: هذا خبر مغروس في الكذب.

الآية : ٦
٣٥٧
سُوَرَةُ الرُعرَابِ
المناسب يغلب على الّنِّ أنه علَّةٌ له، والظنّ كافٍ هنا لأنَّ المقصودَ هو العملُ،
فثبتَ أنَّ خبرَ الواحدِ ليس مردوداً، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه مقبولٌ يعمل به.
ثانيهما: أنَّ الأمر بالتبيُّن مشروطٌ بمجيء الفاسق، ومفهومُ الشرط معتبرٌ على
الصحيح، فيجب العمل به إذا لم يكن فاسقاً لأنَّ الظَّنَّ يعمل به هنا، والقولُ
بالواسطة منتفٍ. والقولُ بأنه يجوز اشتراكُ أمورٍ في لازمٍ واحدٍ فيعلَّق بكلٍّ منها
بكلمة ((إنْ)) مع أنه لا يلزم من انتفاء ذلك الملزوم انتفاءُ اللازم = غير متوجِّه؛ لأنَّ
الشرطَ مجموعُ تلك الأمور، وكلُّ واحد منها لا يُعَدُّ شرطاً على ما قُرِّر في
الأصول، نعم قال ابن الحاجب وعَضُد الدين: قد استدلَّ من قبلنا على وجوبٍ
العمل بخبرِ الواحد بظواهرَ لا تُفيد إلا الظنَّ، ولا يكفي في المسائل العملية،
وذَكَرا من ذلك الآيةَ المذكورة. ثم إن للقائلين بوجوب العمل به اختلافاً كثيراً
مذكوراً في محلّه.
واستدلَّ الحنفيةُ بها على قَبول خبر المجهول الذي لا تُعلم عَدالتُه وعدمٍ وجوبٍ
التثُّت، لأنها دلَّت على أن الفِسْق شرطُ وجوبِ التثبت، فإذا انتفى الفِسْق انتفى
وجوبُه، وهاهنا قد انتفى الفِسْقُ ظاهراً، ونحن نحكم به فلا يجب التثُّت.
وتُعُقِّب بأنَّا لا نُسلِّم أنه هاهنا انتفى الفِسْق، بل انتفى العلم به، ولا يلزمُ من
عدمِ العلم بالشيء عدمُه، والمطلوبُ العلمُ بانتفائه ولا يحصلُ إلا بالخِبْرة به أو
بتزكية خبير به له. قال العضد: إنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الأصل الفسقُ أو العدالة،
والظاهر أنه الفسق؛ لأن العدالةَ طارئةٌ، ولأنه أكثر.
واستدلَّ بها على أنَّ من الصحابة ظه من ليس بعدل لأن الله تعالى أطلق
الفاسق على الوليد بن عقبة فيها، فإنَّ سببَ النزول قطعيُّ الدخول، وهو صحابيّ
بالاتفاق، فيردُّ بها على من قال: إنهم كلَّهم عدول ولا يبحث عن عدالتهم في رواية
ولا شهادة، وهذا أحدُ أقوال في المسألة، وقد ذهب إليه الأكثر من العلماء السلف
والخَلَف.
وثانيها: أنهم كغيرهم، فيبحث عن العدالةِ فيهم في الرواية والشهادة إلا مَنْ
يكون ظاهرَها أو مقطوعَها كالشيخين.

الآية : ٦
٣٥٨
سُؤَدَّةُ الهُرَاتِ
وثالثها: أنهم عدولٌ إلى قتل عثمان رَُّبه، ويُبحث عن عدالتهم من حين قَتْله
لوقوع الفتن من حينئذ، وفيهم المُمْسك عن خَوْضها .
ورابعها: أنهم عدولٌ إلا مَنْ قاتلَ عليًّا كرم الله تعالى وجهه لِفِسْقه بالخروج
على الإمام الحقِّ، وإلى هذا ذهبت المعتزلة.
والحقُّ ما ذهب إليه الأكثرون، وهم يقولون: إنَّ من طرأ له منهم قادٌ ككذب
أو سرقة أو زنى، عُمل بمقتضاه في حقِّه إلا أنه لا يُصِرُّ على ما يُخِلُّ بالعدالة بناءً
على ما جاء في مَدْحهم من الآيات والأخبار، وتواتَرَ من محاسن الآثار، فلا يَسُوُ
لنا الحكم على من ارتكب منهم مُفَسِّقاً بأنه مات على الفِسْق، ولا نُنكر أنَّ منهم من
ارتكب في حياته مُفَسِّقاً لعدم القول بعصمتهم، وأنه كان يقال له قبل توبته: فاسق،
لكن لا يقال باستمرارِ هذا الوصف فيه ثقةً ببركة صحبةِ النبيِّ وَّ﴿ ومَزيد ثناء الله عز
وجل عليهم كقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطَّا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولاً،
وقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] إلى غير ذلك،
وحينئذ إن أُريد بقوله: إنَّ من الصحابة من ليس بعدل، أنَّ منهم مَن ارتكبَ في وقتٍ
مّا ما يُنافي العدالةَ، فدلالةُ الآيةِ عليه مُسلَّمة، لكنَّ ذلك ليس محلَّ النزاع، وإنْ أُريد
به أن منهم مَن استمرَّ على ما ينافي العدالةَ فدلالةُ الآيةِ عليه غيرُ مُسلَّمة كما لا يخفى،
فتدبّر، فالمسألة بعدُ تتحمَّل الكلامَ، وربما تقبل زيادةَ قولٍ خامس فيها .
هذا، ثم اعلم أنَّ الفاسقَ قسمان: فاسقٌ غير متأوِّل، وهو ظاهرٌ، ولا خلافَ
في أنه لا يقبل خبره، وفاسقٌ متأوِّل كالجبري والقَدَري، ويقال له: المبتدع بدعةً
واضحة، فمن الأصوليين من ردَّ شهادتَه وروايته للآية، ومنهم الشافعي والقاضي،
ومنهم مَن قَبِلَهما، أما الشهادة فلأنَّ ردَّها لِتُهمةِ الكذب والفِسْق من حيث الاعتقاد
لا يدلُّ عليه، بل هو أمارةُ الصّدق، لأنَّ موقعه فيه تعمّقه في الدين، والكذبُ حرامٌ
في كلِّ الأديان لا سيما عند من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان، وذلك
يصدُّه عنه إلا من يدينُ بتصديق المذَّعي المُتحلِّي بحليته كالخطّابِيَّة، وكذا من اعتقد
بحُجِيَّة الإلهام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((نحن نحكمُ بالظاهر))(١).
(١) قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٢٠٠: لا أصل له.

الآية : ٦
٣٥٩
سُؤَدَةُ الزُُّرَاتِ
وأما الروايةُ فلأنَّ من احترز عن الكذب على غيرِ الرسول ◌َلّ فاحترازُه من
الكذب عليه وَّ﴿ أولى إلا من يعتقد حِلَّ وضع الأحاديث ترغيباً أو ترهيباً كالكرَّاميَّة،
أو ترويجاً لمذهبه كابن الراوندي. وأصحابُنَا الحنفية قَِلوا شهادتَهم لما مرَّ، دون
روايتهم إذا دَعوا الناس إلى هواهم، وعلى هذا جمهور أئمّة الفقه والحديث، لأنَّ
الدعوةَ إلى ذلك داعيةٌ إلى النقول فلا يُؤتمنون على الرواية ولا كذلك الشهادة.
ورجّح ما ذهب إليه الشافعي والقاضي بأنَّ الآية تقتضيه، والعملُ بها أولى من العمل
بالحديث لتواترها وخصوصها، والعامُّ يحتمل التخصيص، ولأنها لم تُخصص، إذْ
كلُّ فاسقٍ مردود، والحديث خصَّ منه خبر الكافر.
وأُجيب بأنَّ مفهومها أنَّ الفسق هو المقتضي للتثبُّت، فيرادُ به ما هو أمارةٌ
الكذب لا ما هو أمارةُ الصِّدق، فافهم.
وليس من الفِسْق نحو اللعب بالشطرنج من مجتهد يُحِلُّه أو مُقلِّد له - صوّبنا أو
خطّأنا - لوجوب العمل بموجب الظن ولا تفسيقَ بالواجب. وحدُّ الشافعيِّ عليه
الرحمة شاربَ النبيذٍ ليس لأنه فاسق، بل لِزَجْرہ لظهور التحريم عنده، ولذا قال:
أحدُّه وأَقبلُ شهادتَه، وكذا الحدُّ في شهادة الزنى؛ لعدم تمام النِّصاب لا يدلُّ على
الفِسْق، بخلافه في مقام القَذْف، فَلْيُحْفَظُ.
﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ تعليلٌ للأمر بالتبيُّن، أي: فتبيَّنوا كراهةً أن تُصيبوا، أو: لئلا
تُصيبوا ﴿قَوْمًا﴾ أيَّ قوم كانوا ﴿يَجَهَلَةٍ﴾ مُلتبسين بجهالة لحالهم، ومآله: جاهلين
حالهم ﴿فَنُصْبِحُواْ﴾ فتصيروا بعد ظُهور براءتهم عمَّا رُموا به ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ في حقِّهم
﴿نَدِمِينَ ﴾﴾ مُغتمِّين غمًّا لازماً مُتَمنِّين أنه لم يَقَعْ، فإنَّ الندمَ الغمُّ على وقوع
شيء مع تمنِّي عدمٍ وقوعه، ويُشعر باللزوم وكذا سائر تصاريفٍ حروفه وتقاليبها كـ :
مَدَنَ، بمعنى لَزِمَ الإقامة، ومنه: المدينة، وأدمن الشيء: أدامَ فِعْلَه.
وزعم بعضُهم أن في الآية إشارةً إلى أنه يجبُ على الإنسان تجديدُ الندم كلَّما
ذَكَر الذنب، ونُسب إلى الزمخشري(١)، وليس بشيء.
٧٤
(١) الكشاف ٣/ ٥٦٠.

سُؤَدَةُ المُحَرَاتِ
٣٦٠
الآية : ٧
وفي ((الكشف)): التحقيق أنَّ الندمَ غمٌّ خاصٌّ ولُزومه قد يقع لقوَّته في أول
الأمر، وقد يكون لعدم غيبة مُوجبه عن الخاطر، وقد يكون لِكَثْرة تذكُّره، ولغير
ذلك من الأسباب، وأن تجديدَ الندم لا يجب في التوبة لكنَّ التائبَ الصادقَ لا بدَّ
له من ذلك.
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ عطف على ما قبله، و((أنَّ) بما في حيِّزها سادٌّ مسدّ
مفعولي ((اعلموا)) باعتبار ما قُيِّد به من الحال، وهو قوله عز وجل: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ
كَثِيرٍ مِّنَ آلْأَمِ لَعِنْتُمْ﴾ أي: لوقعتم في الجهد والهَلاك، فإنه حالٌ من أحد الضميرين
في ((فيكم)): الضمير المُستتر المرفوع، وهو ضميرُ الرسول، أو البارز المجرور،
وهو ضميرُ المُخاطَبين. وتقديمُ خبر ((أنَّ) للحصر المُستتبع زيادةَ التوبيخ، وصيغة
المضارع للاستمرار، فـ ((لو)) لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم في
كثير مما يعنُّ لهم من الأمور، وكون المراد استمرارَ الامتناع نظير ما قيل في قوله
تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] من أنَّ المرادَ استمرارُ النفي = ليس بذاك.
وفي الكلام إشعارٌ بأنهم زيَّنوا بين يدي الرسول وَّر الإيقاع بالحارث وقومه،
وقد أُريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلةَ مَنْ لا يعلم أنه عليه الصلاة والسلام
بين أظهرهم، فقيل: واعلموا أنه فيكم لا في غيركم - كأنهم حَسِبوه لعدم تأُّبهم
وما بَدَر منهم [من] الفرطة بين أظهر أقوام آخرين - كائناً على حال يجب عليكم
تغييرها، أو: وأنتم على .. ، كذلك(١)، وهو ما تُريدون من استتباع رأيهِ لرأيكم
وطاعتِهِ لكم مع أنَّ ذلك تعكيسٌ ومُوجب لوقوعكم في العَنَت. وفيه مبالغاتٌ من
أوجه :
أحدها: إيثار ((لو)) ليدلَّ على الفرض والتقدير، وأنَّ ما بدر من التزيين كان من
حقٌّه أن يفرض كما يفرض المُمتنعات.
والثاني: ما في العُدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه وتهجينه مع
التوبيخ بإرادة استمرارِ ما حقُّه أن يكونَ مفروضاً فضلاً عن الوقوع.
(١) أي: وأنتم على حالٍ يجب عليكم تغييرها. ينظر الكشاف ٣/ ٥٦٠.