النص المفهرس

صفحات 301-320

الآية : ٢٧
٣٠١
سُورَةُ الفَتح
عامِهم، وقالوا: إنَّ رؤيا رسول الله بِهِ حٌّ، فلمَّا تأخّر ذلك قال على طريق
الاعتراض عبدُ الله بن أبيّ وعبد الله بن نُفيل ورفاعة بن الحارث: واللهِ ما حلقنا
ولا قصَّرنا ولا رَأَيْنا المسجدَ الحرامَ. فنزلت(١).
وقد رُوي عن عمر رظُبه أنه قال نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد
يقينه(٢).
وفي روايةٍ: أَنَّ رؤياه وَّه إنما كانت أنَّ مَلَكاً جاءه فقال له: ((لتدخُلُنَّ)) إلخ(٣)،
والمعنى: لقد صَدَقه سبحانه في رؤياه، على أنه من باب الحَذْف والإيصال كما في
قولهم: صَدَقَني سنَّ بَكْرِه(٤). وتحقيقه أنه تعالى أراه الرؤيا الصادقة.
وقال الراغب(٥): الصدقُ يكون بالقول ويكون بالفعل، وما في الآية صدقٌ
بالفعل، وهو التحقيقُ، أي: حقَّق سبحانه رؤيته.
وفي ((شرح الكرماني)): كَذَب يتعدّى إلى مفعولين، يقال: كذبني الحديثَ،
وكذا: صدق، كما في الآية، وهو غريبٌ لِتعدِّي المُثَفَّل لواحد والمُخَفَّف
لمفعولین. انتهى.
وفي ((البحر))(٦): صدق يتعدَّى إلى اثنين، الثاني منهما بنفسه وبحرف الجرِّ
تقول: صَدَقْتُ زيداً الحديث وصَدَقْته في الحديث، وقد عدَّها بعضُهم في أخوات:
استغفر وأمر. والمشهور ما أشرنا إليه أولاً .
﴿يِآلْحَقٌّ﴾ صفةٌ لمصدر محذوف، أي: صدقاً مُلتبساً بالحقِّ، أي: بالفرض
الصحيح والحِكمة البالغة، وهو ظهورُ حال المتزلزل في الإيمان والراسخ فيه،
(١) الكشاف ٥٤٩/٣، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٥٤: لم أجده هكذا مفسّراً. اهـ.
وينظر الدر المنثور ٦/ ٨٠.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وحاشية الشهاب ٨٦/٨.
(٣) تفسير السمرقندي ٢٥٨/٣، والمحرر الوجيز ١٣٩/٥.
(٤) ينظر شرحه فيما سلف ٢٤٢/٢١.
(٥) المفردات (صدق).
(٦) البحر المحيط ٨/ ١٠١.

سُورَةُ الفَتح
٣٠٢
الآية : ٢٧
ولأجل ذلك أخّر وقوع الرؤيا إلى العام القابل. أو حالٌ من الرؤيا، أي: مُلتبسةً
بالحقِّ ليست من قَبِيل أضغاث الأحلام.
وجُوِّز كونه حالاً من الاسم الجليل، وكونُه حالاً من ((رسوله))، وكونه ظرفاً
لغواً لـ ((صَدَق))، وكونه قَسَماً بالحقِّ الذي هو من أسمائه عز وجل، أو بنقيض
الباطل، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ عليه جوابُ القَسَم والوقف على
(الرؤيا))، وهو على جميع ما تقدَّم جوابُ قَسَمِ مُقدَّر، والوقف على ((الحقّ))، أي:
والله لتدخُلُنَّ .. إلخ.
وقوله سبحانه: ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ تعليقٌ للعِدَة بالمشيئة لتعليم العباد، وبه ينحلُّ
ما يقال: إنه تعالى خالقٌ للأشياء كلِّها وعالمٌ بها قبلَ وقوعها، فكيف وقع التعليقُ
منه سبحانه بالمشيئة، وفي معنى ما ذُكر قول ثعلب: استثنى سبحانه وتعالى فيما
يعلم ليستثني الخَلْقُ فيما لا يعلمون (١).
وفيه تعریض بأنّ وقوع الدخول من مشیئته تعالی لا من جلادتهم وتدبیرهم،
وذكر الخفاجي(٢) أنه قد وُضِعَ فيه الظاهر موضعَ الضمير، وأصله: لَتَدخُلُنَّه لا مَحالةً
إلا إنْ شاء عدمَ الدُّخول، فهو وعدٌ لهم عُدِلَ به عن ظاهره لأجل التعريض بهم
والإنكار على المُعترضين على الرؤيا، فيكون من باب الكناية. انتهى.
وقد أُجيبَ عن السؤال بغير ذلك فقيل: الشكُّ راجعٌ إلى المخاطبين، وفيه
شيء ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال الحسين بن الفضل: إن التعليقَ راجعٌ إلى دخولهم جميعاً. وحكي ذلك
عن الجُبَّائي. وقيل: إنه ناظرٌ إلى الأمن، فهو مُقدَّم من تأخير، أي: لَتدخُلُنَّه حالَ
كونكم ﴿َمِينَ﴾ من العدوِّ إن شاء الله. وردّهما في ((الكشف)) فقال: أما جَعْله
قيدَ دخولهم بالأسر(٣) أو الأمن ففيه أن السؤالَ بعدُ باقٍ؛ لأنَّ الدخولَ المخصوصَ
(١) وذكره الواحدي في الوسيط ١٤٥/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٣/٧ .
(٢) حاشية الشهاب ٨٦/٨.
(٣) أي: بأَسْرهم، أي: جميعاً، ويعني به قول الحسين بن الفضل.

الآية : ٢٧
٣٠٣
سُورَةُ الفَتح
أيضاً خبرٌ من الله تعالى، وهو يُنافي الشكّ، وليس نظيرَ قول يوسف عليه السلام:
﴿أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] إذ لا يبعدُ أن لا يعرف عليه السلام
مستقرَّ الأمر من الأمن أو الخوف، فإما أن يُؤَوَّل بأنَّ الشكَّ راجعٌ إلى المُخاطَبين،
أو بأنه تعليم، والثاني أولى لأنَّ تغليبَ الشاكِين لا يُناسب هذا المساق، بل الأمر
بالعكس. ودُفع وروده على الحسين بأنَّ المرادَ أنه في معنى لَيدخُلَنَّه مَن شاء الله
دخولَه منكم، فيكون كنايةً عن أنَّ منهم مَنْ لا يدخُله؛ لأنَّ أَجَلَه يمنعه منه، فلا يلزم
الرجوع لِمَا ذکر.
وقيل: هو حكايةٌ لما قاله مَلَكُ الرؤيا له وَلِّ. وإليه ذهب ابنُ كيسان، أو
لِمَا قاله هو عليه الصلاة والسلام لأصحابه. وردّه صاحبُ ((التقريب)) بأنه كيف
يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية. ودُفِعَ بأنَّ المرادَ أنَّ جوابَ القَسَم
بيانٌ للرؤيا، وقائلها في المنام المَلَك، وفي اليقظة الرسول ◌َّ، فهي في حُكم
المَحْكي في دقيق النظر، كأنه قيل: وهي قول المَلَك أو الرسول: لَتدخُلُنَّ .. إلخ،
وأنت تعلم أنَّ هذا وإن صحح النظم الکریم لا يدفع البعد، وقد اعترض به على
ذلك صاحبُ ((الكشف)) لكنه ادَّعى أنَّ كونَه حكايةً ما قاله الرسول عليه الصلاة
والسلام أقلُّ بُعداً من جَعْله من قول المَلَك.
وقال أبو عُبيدة وقوم من النُّحاة: ((إنْ)) بمعنى ((إِذْ))، وجعلوا من ذلك قولَه
تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله ◌َّ في زيارة
القبور: ((أنتم السابقون وإِنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحقون))(١)، والبصريون لا يرتضون
ذلك.
وقوله تعالى: ﴿َُّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ حال كـ ((آمنين)) من الواو المحذوفة
لالتقاء الساكنين من قوله تعالى: (لَتَدخُلُنَّ))، إلا أنَّ ((آمنين)) حالٌ مقارنة، وهذا حالٌ
مُقدَّرة؛ لأنَّ الدخولَ في حال الإحرام لا في حال الحَلْق والتقصير، وجُوِّز أن يكونَ
حالاً من ضمير (آمنين)) والمراد: مُحلِّقاً بعضكم رأسَ بعض ومُقصِّراً آخرون، ففي
(١) أخرجه أحمد (٢٥٤٧١)، ومسلم (٩٧٤) من حديث عائشة ﴿ا بنحوه.

سُوَّةُ الفَتح
٣٠٤
الآية : ٢٧
الكلام تقديرٌ، أو فيه نسبةُ ما للجزء إلى الكُلّ، والقرينةُ عليه أنه لا يجتمع
الحَلْق - وهو معروف - والتقصير وهو أخذُ بعض الشعر، فلا بدَّ من نسبة كلٍّ منهما
لبعض منهم.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُونٌَ﴾ حالٌ من فاعل ((لتدخلُنَّ) أيضاً لبيان الأمْنِ بعد
تمام الحَجِّ، و((آمنين)) فيما تقدَّم لبيان الأمن وقت الدخول، فلا تكرار، أو حال من
الضمير المستتر في ((آمنين))، فإنْ أُريدَ به معنى ((آمنين)) كان حالاً مُؤكِّدة، وإنْ أُريد
لا تخافون تَبِعةً في الحَلْقِ أو التقصير ولا نقصَ ثوابٍ، فهو حال مُؤسِّسة. ولا يخفى
الحالُ إذا جُعِلَ حالاً من الضمير في ((مُحلِّقين)) أو ((مُقَصِّرين)).
وجُوِّز أن يكون استئنافاً بيانيًّا في جواب سؤال مُقدَّر، كأنه قيل: فكيف الحالُ
بعد الدخول؟ فقيل: لا تخافون، أي: بعد الدخول.
واستُدلَّ بالآية على أنَّ الحَلْق غير متعيّن في النُسك، بل يُجزئ عنه
التقصير، وظاهرُ تقديمه عليه أنه أفضلُ منه، وهو الذي دلَّت عليه الأخبار في
غير النِّساء؛ أخرج الشيخان وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرةً قال: قال
رسول الله وَلٌ: ((اللهم اغفِرْ لِلِمُحَلِّقين)) قالوا: يا رسولَ الله، والمقصرين؟ قال:
((اللهم اغفِرْ للمحَلِّقين)) ثلاثاً، قالوا: يا رسولَ الله، والمُقصِّرين؟ قال:
(والمُقصِّرين))(١).
وأما في النساء فقد أخرج أبو داود والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس قال:
قال رسولُ اللهِ وَّه: ((ليس على النساء حَلْقٌ، وإنما على النساء التقصير))(٢).
والسُّنَّة في الحَلْق أن يبدأ بالجانب الأيمن، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أنس
أنه رأى النبيَّ وَّرِ قال للحلَّاق هكذا، وأشار بيده إلى جانب الأيمن(٣)، وأن يبلغ
به إلى العظمين، كما قال عطاء.
(١) صحيح البخاري (١٧٢٨)، وصحيح مسلم (١٣٠٢)، ومسند أحمد (٧١٥٨)، وسنن ابن
ماجه (٣٠٤٣).
(٢) سنن أبي داود (١٩٨٥)، وسنن البيهقي ١٠٤/٥ .
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤، وأخرجه أيضاً مسلم (١٣٠٥).

الآية : ٢٧
٣٠٥
سُورَةُ الفَتح
أنهما كانا يقولان
وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عباس وابن عمر مثّة
للحلاق: ابدأ بالأيمن وابلغ بالحَلْق العظمين(١) .
واستدلَّ بالآية أيضاً على أنَّ التقصير بالرأس دون اللحية وسائرٍ شعر البدن، إذ
الظاهرُ أنَّ المرادَ: ومُقصِّرين رؤوسكم، أي: شعرها، لظهور أن الرؤوس أنفسها
لا تُقَصَّر.
﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ الظاهرُ عَظْفُه على ((لقد صدق)) فالترتيبُ باعتبار التعلُّق
الفعلي بالمعلوم، أي: فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحِكمة
الداعيةِ لتقديم ما يشهدُ للصّدقِ علماً فعليًّا، وقيل: الفاء للترتيب الذِّكري.
﴿فَجَعَلَ﴾ لأجل هذا العلم ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: من دون تحقُّق مِصداقٍ
ما أراه من دخول المسجد الحرام آمنين .. إلخ، وقيل: أي: من دون فتح مكة.
والأولُ أظهر، وهذا أنسبُ بقوله تعالى: ﴿فَتْحًا فَرِيبًا (٣)﴾ وهو فتحُ خيبر،
كما قال ابن زيد وغيره، والمراد بجعله وعده تعالى وإنجازه من غير تسويف ليستدلَّ
به على صدقِ الرؤيا وتستروحَ قلوبُ المؤمنين إلى تيسُّر وقوعها .
وقال في ((الكشاف)): ((ما لم تعلموا)) أي: من الحِكمة في تأخيرِ فتح مَكَّةً إلى
العام القابل(٢). وفيه أمران: الأول: أن فتحَ مكةً لم يقع في العام الذي قاله، بل
في السنةِ الثامنة، والتجوُّز في العامِ القابل، أو تأويل الفتح بدخول المؤمنين مكة
معتمرين لا يخفى حاله. الثاني: إباء الفاء عمَّا ذكر؛ لأنَّ عِلْمه تعالى بِذلك مُتقدِّم
على إراءة الرؤيا قطعاً.
وأجيب عن هذا بالتزام كون الفاء للترتيب الذِّكري، أو كون المراد: فأَظهر
معلومه لكم، وهو الحكمة، فتدبّر.
ونُقل عن كثير من الصحابة ﴿ه أن الفتحَ القريبَ في الآية هو بيعةُ الرِّضوان،
وقال مجاهد وابن إسحاق: هو فتح الحديبية. ومن الغريب ما قيل: إنَّ المرادَ به
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٥٠ .

سُورَةُ الفَتح
٣٠٦
الآية : ٢٨
فتحُ مكةَ، مع أنه لم يكن دون دخول الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه
مكة (١)، على أنه مُنافٍ للسِّياق كما لا يخفى.
﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى﴾ أي: مُلتبساً به، على أنَّ الباء للملابسة،
والجارّ والمجرور في موضع الحال من المفعول، والتباسه بالهُدى بمعنى أنه هادٍ،
وقيل: أي: مصاحباً للهُدى، والمرادُ به الدليل الواضح والحُجَّة الساطعة، أو
القرآن، وجُوِّز أن تكون الباء للسببية أو للتعليل، وهما متقاربان، والجارُّ والمجرور
متعلّق بـ ((أرسل))، أي: أرسله بسبب الهُدى أو لأَجْله.
﴿َدِينِ الْحَقِّ﴾ وبدين الإسلام، والظاهرُ أنَّ المرادَ به ما يعمُّ الأصولَ والفروع،
وجُوِّز أن يُرادَ بالهُدى الأصول، وبدين الحقِّ الفروع. فإنَّ من الرُّسل عليهم السلام
من لم يُرسَل بالفروع، وإنما أُرسل بالأصول وبيانها(٢)، والظاهرُ أن المرادَ بالحقِّ
نقيضُ الباطل، وجوّز فيه أن يرادَ به ما هو من أسمائه تعالى، أي: ودين الله الحقّ،
وجَوَّز الإمامُ(٣) غيرَ ذلك أيضاً.
﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ﴾ لِيُعليه على جنس الدين بجميع أفراده، أي: ما يدان
به من الشرائع والملل، فيشمل الحقَّ والباطل، وأصلُ الإظهار: جعلُ الشيء على
الظّهر، فلذا كَنَى به عن الإعلاء وعن جَعْله بادياً للرائي، ثم شاع في ذلك حتى
صار حقيقةً عُرفية، وإظهارُه على الحقِّ بنسخ بعضٍ أحكامه المُتبدِّلة بتبدُّل
الأعصار، وعلى الباطل ببيانٍ بُطلانه، وجوَّز غيرُ واحد - ولعلَّه الأظهر بحسب
المقام - أن يكون إظهارُه على الدين بتسليط المسلمين على جميع أهلِ الأديان،
وقالوا: ما من أهل دينٍ حاربوا المسلمين إلا وقد قهرهم المسلمون، ويكفي في
ذلك استمرارُ ما ذكر زماناً معتدًّا به كما لا يخفى على الواقفين على كتب التواريخ
والوقائع.
(١) في (م): مع أنه لم يكن دخول الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه دون مكة، وهو
خطأ، والمثبت من الأصل والبحر ١٠١/٨، وزاد: بل كان بعد ذلك.
(٢) في (م): وتبيانها.
(٣) تفسير الرازي ١٠٦/٢٨.

الآية : ٢٩
٣٠٧
سُوَرَّةُ الفَتى
وقيل: إنَّ تمام هذا الإعلاء عند نزول عيسى عليه السلام وخروج المَهدي ◌َُّه
حيث لا يبقى حينئذ دينٌّ سوى الإسلام، ووقوعُ خلاف ذلك بعدُ لا يضرُّ؛ إما لنحو
ما سمعتَ، وإما لأنَّ الباقي من الدنيا إذْ ذاك كَلا شيءٍ. وفي الجملة فضلُ تأكيد
لما وعدَ الله تعالى به من الفَتْح، وتوطينٍ لنفوس المؤمنين على أنه تعالى سيفتح لهم
من البلاد ويُتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلَّون بالنسبة إليه فتحَ مكة.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٨) على أنَّ ما وعده(١) عز وجل من إظهار دينه على
جميع الأديان أو الفتحِ كائنٌ لا محالة، أو: كفى بالله شهيداً على رسالته وَاتِ، لأنه
عليه الصلاة والسلام ادَّعاها وأَظهَرَ اللهُ تعالى المُعجزة على يدِهِ، وذلك شهادةٌ منه
تعالى عليها، واقتصر على هذا الوجه الرازي(٢)، وجعل ذلك تسليةً عمَّا وقع من
سُهيل بن عمرو إذ لم يرضَ بكتابة: محمدٌ رسولُ الله، وقال ما قال.
وجعل بعضُ الأفاضل إظهارَ المعجزة شهادةً منه تعالى على تحقُّق وَعْدِه عز
وجل أيضاً، ولا يَظهر إلا بضمٌّ إخباره عليه الصلاة والسلام به.
﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ أي: هو - أو الرسولُ المُرسَل بالهُدَى ودين الحقِّ - محمدٌ،
على أنَّ الاسم الشريفَ خبرُ مبتدأ محذوف، و((رسول الله)) عطفُ بيانٍ أو نعت أو
بدل، والجملة استئنافٌ مُبِيِّنٌ لقوله تعالى: ((هو الذي أرسل رسوله)) وهذا هو الوجهُ
الأرجح الأنسبُ بالمَساق كما في ((الكشف))، ويُؤْيِّده نظراً إلى بعض ما يأتي من
الأوجه إنْ شاءَ اللهُ تعالى قراءةُ ابن عامر في روايةٍ: ((رسولَ)) بالنصب على
المَدْح(٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ مبتدأ، خبره قوله سبحانه: ﴿أَشِذَُّ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَةُ بَيْنَهُمّ﴾
وقال أبو حيان: الظاهرُ أنَّ ((محمدٌ رسولُ الله)) مبتدأ وخبر(٤). والجملةُ عليه
مُبيِّنة للمشهود به، أما على كونه الرسالة فظاهر، وأما على كونه محقَّق الوعد فقيل:
(١) في (م): ما عده.
(٢) تفسير الرازي ٢٨/ ١٠٧ .
(٣) ذكرها أبو حيان في البحر ٨/ ١٠١، وهي غير المشهورة عن ابن عامر.
(٤) البحر المحيط ١٠١/٨.

سُورَةُ الفَتى
٣٠٨
الآية : ٢٩
لأن كينونة ما وعدَه لازمةٌ لكونه عليه الصلاة والسلام رسولَ الله، إذْ هو لا يُوعَد
إلا بما هو محقَّق، ولا يُخْبِر إلا عن كلِّ صِدْق.
وجوز كون ((محمد)) مبتدأ، و((رسول)) تابعاً له، ((والذين معه)» عطفاً عليه،
والخبر عنه وعنهم قوله تعالى: ((أشداءُ)) إلخ.
وقرأ الحسن: ((أشداءً))، ((رحماء)) بنصبهما (١)، فقيل: على المدح، وقيل: على
الحال، والعامل فيهما العامل في ((معه))، فيكون الخبر على هذا الوجه جملة
(تراهم)) الآتي، وكذا خبر ((الذين)) على الوجه الأول.
والمرادُ بـ ((الذين معه)) عند ابن عباس من شهد الحُديبية. وقال الجمهور: جميع
أصحابه وَ لّ وطنه. و((أشداء)) جمع: شديد، و((رحماء)) جميع: رحيم، والمعنى: إن
فيهم غِلْظةً وشِدَّة على أعداء الدين، ورحمةً ورِقَّة على إخوانهم المؤمنين.
وفي وصفهم بالرحمة بعد وَصْفهم بالشِّدَّة تكميلٌ واحتراسٌ، فإنه لو اكتفى
بالوصف الأول لربمًا تُؤُهِّم أن مفهومَ القيد غير مُعتبر، فيتوهّم الفَظاظة والغِلظة
مطلقاً، فدفع بإردافِ الوصف الثاني، ومآلُ ذلك أنهم مع كونهم أشداءَ على
الأعداء رحماءُ على الإخوان، ونحوه قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وعلى هذا قوله:
حليمٌ إذا ما الحِلم زيَّن أهله
على أنه عند العدوِّ مَهيب (٢)
وقد بلغ كما رُوي عن الحسن من تشدُّدهم على الكُفَّار أنهم كانوا يتحرَّزون من
ثيابهم أنْ تَلزَقَ بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمسَّ أبدانَهم، وبلغ من ترخُّمهم فيما بينهم
أنه كان لا يرى مؤمنٌ مؤمناً إلا صافحه وعانقه.
والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء؛ أخرج أبو داود عن البراء قال: قال
(١) القراءات الشاذة ص١٤٣، والمحتسب ٢٧٦/٢.
(٢) البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو في ديوان المعاني ٢/ ١٧٨٢، والخزانة ٤٣٥/١٠،
ورواية عجزه فيهما :
مع الحلم في عين العدو مهيب

الآية : ٢٩
٣٠٩
سُورَةُ الفَتى
رسول الله ◌َ: ((إذا التقى المسلمان فتصافحا وحَمِدا اللهَ واستغفراه غُفِرَ لهما))،
وفي رواية الترمذي: ((ما مِنْ مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفِرَ لهما قبلَ أن
يتفرَّقا))(١). وفي ((الأذكار النووية)) أنها مستحبَّةٌ عند كلٍّ لقاء، وأما ما اعتاده الناسُ
بعد صلاتَي الصُّبح والعصر فلا أصلَ له، ولكن لا بأسَ به، فإنَّ أصلَ المصافحةِ
سنةٌ، وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومُفرِّطين في كثير منها لا يُخرجُ
ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرعُ بأصلها(٢). وجعل ذلك العز بن
عبد السلام في ((قواعده))(٣) من البدع المباحة، وأطال الشيخ إبراهيم الكوراني
قُدِّس ◌ِرّه الكلامَ في ذلك.
وأما المعانقةُ؛ فقال الزمخشري(٤): كرهها أبو حنيفة ظ له، وكذلك التقبيل
قال: لا أُحِبُّ أنْ يُقَبِّل الرجلُ من الرجل وَجْهه ولا يدَه ولا شيئاً من جسده،
ورشخّص أبو يوسف عليه الرحمة المعانقة؛ ويُؤيِّد ما رُوي عن الإمام ما أخرجه
الترمذي عن أنس قال: سمعتُ رجلاً يقول لرسول الله وَّ: يا رسولَ الله، الرجلُ
منَّا يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: ((لا))، قال: أفيلتزمه ويُقَبِّله؟ قال: ((لا))، قال:
أيأخُذ بيده ويُصافحه؟ قال: ((نعم))(٥) .
وفي ((الأذكار)): التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه،
ومكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ في غيره، وللأمرد الحسن حرامٌ بكلِّ حال(٦).
أخرج الترمذي - وحسَّنه - عن عائشةَ قالت: قَدِمَ زيدُ بن حارثة(٧) المدينةَ
(١) سنن أبي داود (٥٢١١)، وسنن الترمذي (٢٧٢٧).
(٢) أذكار الإمام النووي ص ٢٢٧ .
(٣) قواعد الأحكام ص١٧٣ .
(٤) الكشاف ٣/ ٥٥٠ .
(٥) سنن الترمذي (٢٧٢٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٣٠٤٤) وفي إسناده: حنظلة بن عبيد الله
الدوسي، وهو ضعيف - كما في التقريب - وقد استنكر له الإمام أحمد هذا الحديث كما في
الجرح والتعديل ٢٤١/٣ .
(٦) الأذكار النووية ص٢٢٦ .
(٧) في الأصل: زيد بن خالد بن حارثة.

سُورَةُ الفَتْحُ
٣١٠
الآية : ٢٩
ورسولُ الله في بيتي، فقرعَ البابَ، فقام إليه رسولُ اللهِوَّهِ يجرُّ ثوبَه فاعتنقه
وقَبَّله(١). وزاد رَزِين في حديث أنس السابق بعد قوله: ويُقَبِّله: قال: ((لا، إلا أن
يأتي من سفر))(٢)، وروى أبو داود: سُئل أبو ذرِّ: هَل كان ◌َّ يُصافحكم إذا
لَقِيتموه؟ قال: ما لَقِيتُه قظُ إلا صافحني، وبعث إليَّ ذاتَ يوم ولم أكن في أهلي،
فجئتُ فأُخبرت أنه وَِّ أرسلَ إليَّ، فأتيته وهو على سريره فالتزمني، فكانت أجودَ
وأجودَ(٣). وهذا يُؤْيِّد الإطلاق المَحكيَّ عن أبي يوسف.
وينبغي التأسِّي بهم ثه في التشدُّد على أعداء الدين والرحمة على
المؤمنين. وقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبد الله بن عمرو(٤) مرفوعاً:
(من لم يَرْحَمْ صغيرَنا ويعرِفْ حقَّ كبيرنا فليس منا))(٥) وأخرجا هما وأحمد وابن
حبان والترمذي - وحسّنه - عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهُ يقول:
(لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا مِنْ شَقِيٍّ))(٦). ولا بأس بالبِرِّ والإحسان على عدوِّ الدين إذا
تضمَّن مصلحةً شرعية، كما أفاد ذلك ابنُ حجر في ((فتاويه الحديثية))(٧).
فليراجع.
وقرأ يحيى بن يعمر: ((أشدًّا)) بالقصر، وهي قراءة شاذةٌ(٨)، لأنَّ قصرَ الممدود
في الشعر نحو قوله:
لا بدَّ من صنعا وإنْ طال السَّفر(٩)
(١) سنن الترمذي (٢٧٣٢) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الزهري إلا من
هذا الوجه.
(٢) لم نقف على هذه الزيادة.
(٣) سنن أبي داود (٥٢١٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٤٧٦).
(٤) في الأصل: عن عبد الله، وفي (م): عن عبد الله بن عمر، والمثبت من المصادر.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢١٤/٥، وسنن أبي داود (٤٩٤٣)، وهو في مسند أحمد (٦٧٣٣).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢١٤/٥، وسنن أبي داود (٤٩٤٢)، ومسند أحمد (٨٠٠١)، وصحيح
ابن حبان (٤٦٢)، وسنن الترمذي (١٩٢٤).
(٧) لم نقف على ذلك في المطبوع منها.
(٨) القراءات الشاذة ص١٤٢، والبحر ١٠٢/٨.
(٩) ذكره ابن جني في سر صناعة الإعراب ٥١٧/٢، وأبو حيان في البحر ١٠٠/٨ ولم ينسباه.

الآية : ٢٩
٣١١
ـرَةُ الفَتح
وقوله تعالى: ﴿تَرَّهُمْ زَكَّمَا سُجَّدًا﴾ خبرٌ آخر لـ ((الذين))، أو استئناف، ويجوزُ فيه
غيرُ ذلك على ما لا يخفى. والرؤية بصرية، والخِطابُ لكلِّ مَنْ تتأَتَّى منه، و((رَّعاً
سجداً)) حالٌ من المفعول، والمرادُ: تراهم مُصَلِّين، والتعبير بالركوع والسجود عن
الصلاة مَجازٌ مرسل، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرارٌ عُرفي، ومن هنا
قال في ((البحر))(١): هذا دليلٌ على كَثْرة الصلاة منهم.
﴿يَتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنَّاً﴾ أي: ثواباً ورضًا، والجملةُ إما خبرٌ آخرُ، أو
حالٌ من مفعول ((تراهم))، أو من المُستتر في ((ركعا سجداً))، أو استئنافٌ مبنيٌّ على
سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود، كأنه قيل: ماذا يريدون بذلك؟
فقيل: يبتغون فضلاً .. إلخ.
وقرأ عمرو بن عُبيد: ((ورُضواناً) بضمِّ الراء(٢).
﴿سِيمَاهُمْ﴾ أي: علامتهم، وقُرئ: ((سيمياؤهم)) بزيادة ياء بعد الميم والمَدّ(٣)،
وهي لغةٌ فصيحة كثيرة في الشعر، قال الشاعر:
غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً له سيمياءُ لا تشقُّ على البَصَرْ(٤)
وجاء: سيماء بالمدِّ، واشتقاقها من السُّومة بالضَّمِّ: العلامة تُجعل على الشاةِ،
والياء مُبدلة من الواو، وهي مبتدأ خبرُه قوله تعالى: ﴿فِ وُجُومِهِم﴾ أي: في
جِباههم، أو هي على ظاهرها، وقوله سبحانه: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ حال من المُستكنِّ
في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً لـ ((سيماهم))، أو بيانٌ لها، أي: سيماهم التي هي
أثرُ السجود، ووجهُ إضافة الأثر إلى السجود أنه حادثٌ من التأثير الذي يُؤثره
السجود، وشاع تفسيرُ ذلك بما يحدثُ في جبهة السجّاد مما يُشبه أَثَرَ الكَيّ وثَفِنَة
البعير، وكان كلٌّ من العَلِيَّين علي بن الحسين زين العابدين وعلي بن عبد الله بن
عباس أبي الأملاك ﴿يا يقال له: ذو الثَّفِنات، لأنَّ كثرةَ سجودهما أحدثَ في
(١) البحر المحيط ٨/ ١٠٢.
(٢) البحر ٨/ ١٠٢، وذكرها صاحب النشر ٢٣٨/٢ عن شعبة.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٢، وما بعده منه أيضاً.
(٤) البيت لابن عنقاء الفزاري، وهو في شرح الحماسة المرزوقي ١٥٨٨/٤.

سُورَةُ الفَتى
٣١٢
الآية : ٢٩
مَواقعهِ منهما أشباه ثَفِنات البعير، وهي ما يقعُ على الأرض من أعضائه إذا غلظ.
وما رُوي من قولهِ وَلجر: ((لا تعلبوا صوركم))(١)، أي: لا تَسِموها، مِنَ
العَلْب - بفتح العين المهملة وسكون اللام - الأَثَر، وقولِ ابن عمر وقد رأى رجلاً
بأنفه أثرُ السجود: إنَّ صورةَ وجهك أنفك، فلا تَعْلُب وجهك ولا تَشِنْ
صورتك(٢) = فذلك إنما هو إذا اعتمد بجبهته وأنفه على الأرض لِتَحدُثَ تلك السِّمة
وذاك محضُ رياء ونِفاق يُستعاذُ بالله تعالى منه، والكلام فيما حدث في وجه
السّجّاد الذي لا يسجد إلا خالصاً لوجه الله عز وجل.
وأنكر بعضُهم كونَ المراد بالسِّيما ذلك؛ أخرج الطبراني والبيهقي في ((سننه)»
عن حُميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذْ جاء رجل وفي وجهه
أثر السجود، فقال: لقد أفسد هذا وجهه، أما واللهِ ماهي السِّيما التي سمَّى الله
تعالى، ولقد صلَّيتُ على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثَّر السجود بين عينيّ(٣). وربما
يحمل على أنه استشعرَ من الرجل تَعمُّداً لذلك، فنفى أنْ يكون ما حصل به هو
السِّيما التي سمَّى الله تعالى، ونظيره ما حُكي عن بعض المتقدِّمين قال: كُنَّا نُصلِّي
فلا يُرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدَنا الآن يُصلِّي فترى بين عينيه ركبةً البعير،
فما ندري أَنقُلَت الأرؤس أم خَشُنَت الأرض.
وأخرج ابن جرير(٤) وجماعة عن سعيد بن جُبير أنه قال: هذه السِّيما نَدَى
الطّهور وتراب الأرض. ورُوي نحوه عن سعيد بن المُسيَّب.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حُميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: ليس
له أثر في الوجه، ولكنه الخشوع. وفي رواية: هي الخشوع والتواضع(٥). وقال
(١) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٤: لم أجده مرفوعاً.
(٢) أخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٢٧٣). وقوله: لا تعلب، أي: لا تؤثر فيه بشدة اتكائك
على أنفك في السجود. النهاية (علب).
(٣) الدر المنثور ٦/ ٨٢، والمعجم الكبير (٦٦٨٥)، وسنن البيهقي ٢٨٧/٢ .
(٤) الدر المنثور ٦/ ٨٢، وتفسير الطبري ٣٢٥/٢١، وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٨٧/٢.
(٥) الدر المنثور ٨٢/٦، وتفسير الطبري ٣٢٤/٢١.

الآية : ٢٩
٣١٣
سُورَةُ الفَتح
منصور: سألت مجاهداً: أهذه السِّيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا،
وقد يكون مثلَ ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة.
وقيل: هي صُفرة الوجهِ من سهر الليل، ورُوي ذلك عن عكرمة والضحاك.
وروى السُّلمي عن عبد العزيز المَكِّي: ليس ذاك هو النُّحول والصُّفرة، ولكنه
نورٌ يظهرُ على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبيَّن ذلك للمؤمنين،
ولو كان في زنجي أو حبشي(١).
وقال عطاء والربيع بن أنس: هو حُسنٌ يعتري وجوه المُصلِّين. وأخرج ابن
المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس قال: السَّمتُ
الحَسَن(٢). وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيبةً؛ لِقُرب عهدهم بمناجاة سيِّدهم.
والذاهبون إلى هذه الأقوال قائلون: إنَّ المراد: علامتهم في وجوههم وهم في
الدنيا. وقال غير واحد: هذه السِّيما في الآخرة، أخرج البخاري في ((تاريخه)) وابن
نَصْر عن ابن عباس أنه قال في الآية: بياضٌ يغشى وجوهَهم يومَ القيامة (٣). وأخرج
ابن نصر وعبد بن حُميد وابن جرير عن الحسن مثله (٤).
وأخرجوا عن عطية العوفي قال: موضعُ السجود أشدُّ وجوههم بياضاً (٥).
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) وابن مردويه بسند حسن عن أُبيِّ بن
كعب قال: قال رسول الله وَ﴿ه في قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِ رُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِّ):
(النورُ يومَ القيامة))(٦). ولا يبعدُ أن يكونَ النورُ علامةً في وجوههم في الدنيا
والآخرة، لكنه لما كان في الآخرة أظهرَ وأتمَّ خصَّه النبيُّ وَّ بِالذِّكر، وإذا صحَّ
الحديثُ فهو مذهبي.
(١) تفسير السلمي ٢٥٩/٢.
(٢) الدر المنثور ٨٢/٦، وتفسير الطبري ٣٢٣/٢١، وسنن البيهقي الكبرى ٢٨٦/٢.
(٣) الدر المنثور ٨٢/٦، والتاريخ الكبير ٢١/٣.
(٤) الدر المنثور ٦/ ٨٢، وتفسير الطبري ٣٢٣/٢١.
(٥) الدر المنثور ٨٢/٦، وتفسير الطبري ٣٢٢/٢١.
(٦) الدر المنثور ٨٢/٦، والمعجم الأوسط (٤٤٦٤)، والمعجم الصغير (الروض الداني)(٦١٩).

سُورَةُ الفَتْحُ
٣١٤
الآية : ٢٩
وقرأ ابنُ هرمز: ((إِثْر)) بكسر الهمزة وسكون الثاء(١)، وهو لغة في أَثَر.
وقرأ قتادة: ((من آثار)) بالجمع(٢).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من نُعوتهم الجليلة؛ وما فيه من معنى البُعد مع قُرب
العهد بالمُشار إليه للإيذان بعلوِّ شأنه وبُعد منزلته في الفضل، وقيل: البعدُ باعتبار
المبتدأ، أعني ((أشداء)»، ولو قيل: هذا، لتُؤُهِّمَ أنَّ المُشارَ إليه هو النعتُ الأخير،
أعني: ((سيماهم في وجوههم من أثر السجود)». وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى:
﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: وصفُهم العجيب الشأن الجاري في الغَرابة مجرى الأمثال. وقوله
سبحانه وتعالى: ﴿فِ التَّوْرَةِ﴾ حالٌ من ((مَثَلُهم))، والعاملُ معنى الإشارة؛ وقوله
تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِلِ﴾ عطفٌ على ((مَثَلُهم)) الأول، كأنه قيل: ذلك مَثَلُهم في
التوراة والإنجيل، وتكرير ((مَثَلُهم)) لتأكيدِ غرابته وزيادة تقريرها .
وقُرئ: (الأَنجيل)) بفتح الهمزة(٣) .
وقوله عز وجل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَّهُ﴾ إلخ، تمثيلٌ مستأنف، أي: هم، أو:
مَثَلُهم كزرع .. إلخ، فالوقفُ على ((الإنجيل)) وهذا مرويٌّ عن مجاهد. وقيل:
(مَثَلُهم) الثاني مبتدأ، وقوله تعالى: ((كزرع)) إلخ خبرُه، فالوقف على ((التوراة))
وهذا مرويٌّ عن الضحاك وأبي حاتم وقتادة. وجُوِّز أن يكون ((ذلك)) إشارةً
مُبهمة أُوضحت بقوله تعالى: ((كزرع)) إلخ، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ
اَلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُعُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. فعلى الأول والثالث ((مثلهم
في التوراة ومثلهم في الانجيل)) شيءٌ واحدٌ إلا أنه على الأول ((أشداء على
الكفار رحماء بينهم)) إلخ، وعلى الثالث («كزرع أخرج شطأه)) إلخ، وعلى الثاني
(مثلهم في التوراة)) شيء وهو ((أشداء)) إلخ، ومثلُهم في الإنجيل شيء آخر وهو
(کزرع)) إلخ.
(١) البحر المحيط ١٠٢/٨.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٥٠، والبحر ١٠٢/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٢، والكشاف ٥٥١/٣ .

الآية : ٢٩
٣١٥
سُورَةُ الفَتْحُ
واعتُرض الوجه الثالث بأنَّ الأصلَ في الإشارة أن تكون لمتقدِّم، وإنما يُشار
إلى المتأخّر إذا كان نعتاً لاسم الإشارة نحو ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢]، وفيه أن
الحَضْر ممنوعٌ.
والشَّظْءُ: فروخُ الزرع - كما قال غير واحد - وهو ما خرج منه وتفرَّع في
شاطئيه، أي: في جانبيه؛ وجمعه - كما قال الراغب(١) - أشطاء. وقال قطرب:
شوكُ السُّنبل، يخرج من الحبَّة عشرُ سُنبلات وتسع وثمان. وقال الكسائي
والأخفش: طَرَفُه، وأنشدوا:
أَخرجَ الشَّطْءَ على وجه الثَّرى.
ومن الأشجار أفنانَ الثَّمَرْ(٢)
وزعم أبو الفتح(٣) أنَّ الشطء لا يكونُ إلا في البُرِّ والشعير، وقال صاحب
((اللوامح)): شَطَأ الزرعُ وأَشْطَأ: إذا أخرجَ فِراخَه، وهو في الحِنْطة والشعير
وغيرهما، وفي ((البحر)) (٤): أشطأ الزرع: أفرخ، والشجرة: أخرجَتْ غُصونَها.
وفي ((القاموس)): الشَّطءُ: فراخُ النخل والزرع، أو: ورقُه، جمعه: شُطوء،
وشَطَاً - كمنع - شَظاً وشطوءاً: أخرجها، ومن الشجر ما خرج حولَ أصله،
وجمعه: أشطاء، وأشطأ: أخرجها(٥). اهـ. وفيه ما يُرَدُّ به على أبي الفتح مع زيادة
لا تخفى فائدتُّها، فلا تَغْفُلْ.
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان: ((شَطَأْه)) بفتح الطاء(٦). وقرأ أبو حيوة وابن أبي عَبْلة
وعيسى الكوفي كذلك وبالمَدّ (٧). وقرأ زيدُ بن عليٍّ كذلك أيضاً وبألف بدل
الهمزة(٨)، فاحتمل أن يكون مقصوراً، وأن يكون أصلُه الهمزَ، فنقل الحركة وأبدل
(١) المفردات (شطا).
ـله، وهو في جمهرة أشعار العرب ١٣٩/١.
(٢) البيت للزبير بن العوام ضـ
(٣) المحتسب ٢٧٧/٢ .
(٤) البحر المحيط ٨٨/٨.
(٥) القاموس المحيط (شطأً).
(٦) التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٥/٢.
(٧) أي: ((شَطَاءَه)). القراءات الشاذة ص ١٤٢، والمحتسب ٢٧٦/٢، والبحر ١٠٢/٨.
(٨) أي: ((شَطَاه)). المحتسب ٢٧٦/٢، والبحر المحيط ١٠٢/٨.

سُورَةُ الفَتْعُ
٣١٦
الآية : ٢٩
الهمزة ألفاً كما قالوا في المرأة والكَمْأة: المراة والكماة، وهو تخفيفٌ مَقِيسٌ عند
الكوفيين، وعند البصريين شاذٌّ لا يُقاس عليه.
وقرأ أبو جعفر: ((شَطَّه)) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الطاء، ورُويت عن
شيبة ونافع والجحدري(١). وعن الجحدري أيضاً: ((شَطْوَه)) بإسكان الطاء وواو
بعدَها، قال أبو الفتح: هي لغةٌ أو بدلٌ من الهمزة(٢).
﴿فَازَرَهُ﴾ أي: أعانه وقوَّاه، قاله الحسن وغيره. قال الراغب(٣): وأصله من
شَدِّ الإزار، يقال: أَزرته، أي: شددت إزاره، ويقال: آزرت البناء وأزرته: قوَّيت
أسافله، وتأزَّر النبات: طال وقَوِي.
وذكر غيرُ واحد أنه إما من المؤازرة بمعنى المعاونة، أو من الإيزار، وهي
الإعانة. وفي ((البحر)) (٤): ((آزر)) أَفْعَلَ، كما حُكي عن الأخفش، وقول مجاهد
وغيره: فاعَلَ، خطأ؛ لأنه لم يسمع في مضارعه إلا يُؤْزِر على وزن يُكرِم دون
يُؤازِر. وتُعقِّب بأنَّ هذه شهادةُ نفي غيرُ مسموعة، على أنه يجوز أن يكونَ ورد من
بابين، واستغني بأحدهما عن الآخر، ومثله كثير، مع أن السرقسطي نقله عن
المازني، لكنه قال: يقال: آزر الشيءُ غيرَه، أي: ساواه وحاذاه، وأنشد لا مرئ
القیس :
بِمَحْنِيةٍ قد آزرَ الضَّالِ نَبْتَها مَجَرَّ(٥) جيوش غانمين وخُيَّبٍ(٦)
وجعل ما في الآية من ذلك، وهو مرويٌّ أيضاً عن السدي قال: آزره: صار
(١) القراءات الشاذة ص ١٤٢، والبحر ١٠٣/٨، والكلام منه، وهي غير المشهورة عن أبي جعفر
ونافع.
(٢) المحتسب ٢٧٧/٢، والبحر ١٠٢/٨.
(٣) المفردات (أزر).
(٤) البحر المحيط ١٠٣/٨.
(٥) في الأصل و(م): بجر، والمثبت من الديوان.
(٦) ديوان امرئ القيس ص٤٥، قال شارحه: المحنية: حيث ينحني الوادي، وهو أخصب
موضع فيه. وقوله: مجرّ جيوش: أي: هذه المحنية في موضع تمر الجيوش به من غانم
وخائب، فلا ينزلها أحد ليرعاها خوفاً من الجيوش، فذلك أوفر لخصبها وأتم لكلئها .

الآية : ٢٩
٣١٧
سُورَةُ الفَتى
مثلَ الأصل في الطول. والجمهور على ما نقل أولاً، والضمير المرفوعُ في «آزره))
للشطء، والمنصوب للزرع، أي: فَقَوَّى ذلك الشطءُ الزرعَ.
والظاهر أنَّ الإسناد في ((أخرج)) و((آزر)) مجازيٌّ. وكون ذلك من الإسناد إلى
المُوجب، وهو حقيقةٌ، على ما ذهب إليه السيالكوتي في ((حواشيه)) على ((المطول))
حيث قال في قولهم: سرَّتني رؤيتك: هذا القول مجازٌ إذا أريد منه حصولُ السرور
عند الرؤية، أما إذا أُريد منه أن الرؤية مُوجبةُ للسرور فهو حقيقةٌ = لا يخفى حاله.
وقرأ ابن ذكوان: ((فَأَزَرَهُ» ثلاثيًا(١).
وقُرئ: ((فَأَزَّره)» بشدِّ الزاي(٢)، أي: فشدَّ أزره وقوَّاه.
﴿فَسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدِّقة إلى الغِلَظ، وهو من باب: اسْتَنْوَقَ الجملُ،
ويحتمل أن يُرادَ المبالغة في الغِلَظ كما في استعصم ونحوه، وأُوثر الأول؛ لأنَّ
المساق یُنبئ عن التدُّج.
﴿فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،﴾ فاستقامَ على قصبه وأُصوله، جمع: ساق، نحو: لابة
ولوب، وقارة وقور.
وقرأ ابن كثير: ((سؤقه)) بإبدال الواو المضموم ما قبلها همزة(٣)، قيل: وهي لغةٌ
ضعيفة، ومن ذلك قوله :
أَحَبُّ المُؤْقدين إليَّ مؤسى(٤)
﴿يُعْجِبُ الزُّعَ﴾ بقوَّته وكثافته وغِلَظه وحسن منظره، والجملة في موضع الحال،
أي: مُعجباً لهم، وخصَّهم تعالى بالذِّكر لأنه إذا أعجب الزُّرَّاع وهم يعرفون عيوبَ
الزرع، فهو أحرى أن يُعجِبَ غيرهم، وهنا تمَّ المَثَل، وهو مَثَلُ ضربه الله تعالى
(١) التيسير ص٢٠٢، والنشر ٣٧٥/٢.
(٢) الكشاف ٥٥١/٣، والبحر المحيط ١٠٣/٨.
(٣) التيسير ص ١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢، والبحر ١٠٣/٨.
(٤) قائله جرير، وهو في ديوانه ٢٨٨/١، وفيه: لحبّ الواقدان. وعجز البيت: وجعدة لو
أضاءهما الوقود. وسلف ١٩/ ٤٦٠.

سُورَةُ الفَتح
٣١٨
الآية : ٢٩
قُلُّوا في بدء الإسلام ثم كَثُروا واستحكموا، فترقَّى أمرهم يوماً فيوماً
للصحابة
بحيث أعجب الناس، وهذا ما اختاره بعضُهم، وقد أخرجه ابنُ جرير وابن المنذر،
عن الضحاك. وابن جرير وعبد بن حُميد عن قتادة(١)، وذكر عنه أنه قال أيضاً:
مكتوبٌ في الإنجيل: سيخرجُ قومٌ ينبتون نباتَ الزرع، يخرجُ منهم قومٌ يأمرون
بالمعروف وینھَوْن عن المُنکر.
وفي ((الكشاف))(٢): هو مَثَلٌ ضربه اللهُ تعالى لبدء مِلَّة الإسلام وترقِيه في الزيادة
إلى أَنْ قَويَ واستحكم؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ قام وحدَه، ثم قوَّاه اللهُ تعالى بمن معه
كما يقوِّي الطاقة الأولى [من الزرع] ما يحتفُّ بها مما يتولَّد منها.
وظاهرُه أنَّ الزرعَ هو النبيُّ بِّهِ، والشَّطءَ أصحابُه ◌َ﴿ه، فيكون مَثَلاً له عليه
الصلاة والسلام وأصحابه، لا لأصحابه فقط كما في الأول، ولكلٍّ وجهة. وروي
الثاني عن الواقدي. وفي خبر أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس(٣)
ما يقتضيه.
وقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ عِلَّةٌ لما يُعرب عنه الكلام من إيجاده تعالى
لهم على الوجهِ الذي تضمَّنه التمثيل. وظاهرُ كلام بعضهم أنه عِلَّةٌ للتمثيل، وليس
بذاك.
وقيل: عِلَّةٌ لما بعدَه من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ مِنْهُم
مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فإنَّ الكفَّار إذا سمعوا بما أعدَّ الله تعالى للمؤمنين في
الآخرة مع ما لهم في الدنيا من العِزَّة غاظَهم ذلك. وهو مع توقُّف تمامِيَّته بحسب
الظاهر على كون الكفار مستيقنين بالآخرة ومُتحقِّقين كونَ الوعدِ منه عز وجل = بعيدٌ.
وضمير (منهم)) لمن عاد عليه الضمائر السابقة، و((من)) للبيان مثلها في قوله
تعالى: ﴿فَأَجْتَذِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] وليس مجيئها كذلك
(١) الدر المنثور ٨٣/٦، وتفسير الطبري ٣٣٠/٢١ و٣٣٢.
(٢) ٥٥١/٣، وما سیأتي بین حاصرتين منه.
(٣) الدر المنثور ٨٣/٦، وتفسير الطبري ٣٣١/٢١.
٠٠٠٠

الآية : ٢٩
٣١٩
سُوَرَّةُ الفَتْحُ
مخصوصاً بما إذا كانت داخلةً على ظاهر كما توهَّم صاحبُ ((التحفة الاثني عشرية))
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَسِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] فقال: حملُ ((مِنْ)) للبيان إذا كان داخلاً على الضمير مخالفٌ
لاستعمال العرب، وأنكر ذلك علیه صاحبُ الترجمة لكن قال: لو ادَّعى هذا
الخلاف في ضميري الخطاب والتكلّم لم يبعُدْ.
ومن مجيئها للبيان داخلة على ضمير الغائب قوله تعالى: (لَوْ تَزَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْهُمْ) عند القائلين بأنَّ ضميرَ ((تزيَّلوا)) للمؤمنين لا للتبعيض كما يقوله
الشيعة الزاعمون ارتدادَ أكثرِ الصحابة ﴿ه من أهل بيعة الرضوان وغيرهم، فإنَّ
مدحَهم السابق بما يدلُّ على الاستمرار التجددي كقوله تعالى: (تَرَّهُمْ زَكَّمَا سُبَّدًا)
ووصفهم بما يدلُّ على الدوام والثَّبات كقوله سبحانه: (وَلَّذِينَ مَعَهُ: أَشِذَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ)
يأبى التبعيض والارتدادَ الذي زعموه عند مَن له أدنى إنصافٍ وشمةٍ من دين، ویزیدُ
زعمَهم هذا سقوطاً عن درجةٍ الاعتبار أن مَذْحَهم ذاك قد كتبه الله تعالى في التوراة
قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ، ولا يكاد عاقلٌ يقبل أنه تعالى أطلق المدحَ
وكتبه لأُناس لم يَثْبُتْ على تلك الصفة إلا قليلٌ منهم.
وإذا قلنا: إنَّ هؤلاء الممدوحين هم أهلُ بيعة الرضوان الذين بايعوه عليه
الصلاة والسلام في الحديبية كما يُشعر به ((والذين معه)) لا سيما على القول بأنَّ
السورةَ بتمامها نزلت عند مُنْصرَفِهِ عليه الصلاة والسلام من الحديبية قبل أن يتفرَّقوا
عنه وَّهِ، كان سقوطُ ذلك الزعم أَبْنَ وأبينَ؛ لأن الارتدادَ الذي يزعُمونه كان لترك
مُبايعةٍ عليّ كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة رسول الله وَّ ه مع العلم بالنَّصِّ على
خلافتهِ بزعمهم ومبايعةٍ أبي بكر ظبه، وكيف يكون ذاك ارتداداً والله عز وجل حين
رضي عنهم عَلِمَ أنهم يفعلونه؟!
والقولُ بأنه سبحانه إنما رضي عن مُبايعتهم، أو عنهم من حيث المُبايعة، ولم
يَرْضَ سبحانه عنهم مطلقاً لأجلها، خلافُ ظاهر الآية، والظاهر ما نفي، ولا يُعكّر
عليه صدور بعضٍ المعاصي من بعضهم بعدُ، وإنما يعكِّر صدورُ ما لا يُجامع الرضا
أصلاً كالارتداد، والعياذ بالله تعالى.

سُورَةُ الفَتى
٣٢٠
الآية : ٢٩
وبالجملة جعل ((مِنْ)) للتبعيض ليتمَّ للشيعة ما زعموه مما يأباه الكتابُ والسنة
وكلام العِثْرة. وفي ((التحفة الاثني عشرية)) من ذلك ما تنشرح له الصدورُ، وتزدادُ به
قلوبُ المؤمنين نوراً على نور، ويا سبحان الله أين جعل ((مِنْ)) للتبعيض من دَعوى ،
الارتداد! ولكن من يُضلل الله فما له من هاد.
وتأخير ((منهم)) هنا عن ((عملوا الصالحات)) وتقديم ((منكم)) عليه في آية ((النور))
التي ذكرناها آنفاً؛ لأن عمل الصالحات لا ينفكّ عنهم، وذلك ثمَّت لبيان الخُلفاء،
والعمل الصالح ليس موقوفاً عليه لاستمرارٍ صحة خلافتهم حتى لا ينعزلوا بالفِسق.
وقال ابن جرير(١): ((منهم)) يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في
الإسلام إلى يوم القيامة، فأعاد الضميرَ على معنى الشطء، وكذلك فعل البغوي (٢)،
ولا یخفی بُعده.
هذا وفي ((المواهب)) أن الإمام مالكاً قد استنبط من هذه الآية تكفيرَ الروافض
الذين يُبغضون الصحابةَ ﴿ه، فإنهم يغيظونهم، ومَنْ غاظَه الصحابةُ فهو كافر،
ووافقه كثيرٌ من العلماء(٣). انتهى.
وفي ((البحر)) (٤) ذُكر عند مالك رجلٌ ينتقص الصحابةَ، فقرأ مالك هذه الآية،
فقال: مَنْ أَصبحَ من الناس في قلبه غيظٌ من أصحاب رسول الله وَ له فقد أصابته
هذه الآية. ويُعلم تكفير الرافضة بخصوصهم. وفي كلام عائشة ﴿ثنا ما يُشير إليه
أيضاً؛ فقد أخرج الحاكم وصحَّحه عنها في قوله تعالى: (َلِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ) قالت:
أصحابُ محمد ◌َ﴿ أُمروا بالاستغفار لهم، فسبُوهم(٥). وعن بعض السلف جعل
جُمل الآية كلَّ جملةٍ مشيرة إلى معيَّن من الصحابة ﴿ه، فعن عكرمة أنه قال:
((أخرج شطاه)) بأبي بكر، ((فآزره)) بعمر، ((فاستغلظ)) بعثمان، ((فاستوى على سوقه)»
بعليّ رضي الله عنهم أجمعين(٦).
(١) تفسير الطبري ٣٣٣/٢١.
(٢) تفسير البغوي ٢٠٨/٤.
(٣) المواهب اللدنية للقسطلاني ٢٣/٧.
(٤) ٨/ ١٠٣.
(٥) المستدرك ٢/ ٤٦٢.
(٦) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥٥١/٣ .