النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
التفسير الإشاري (٧-٣٠)
﴿َثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ يُشير إلى جنة قلوبٍ أرباب الحقائق الذين اتَّقوا عمَّا
سواه جلَّ وعلا ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِنِ مَّآٍ غَيْرِ ءَاسٍِ﴾ هو ماء الحياة الروحانية لم يتغير بطول
المُكْث ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَرِ﴾ وهو العلم الحقَّاني الذي هو غذاءُ الأرواح، أو لبن الفطرة
التي فُطِرَ الناس عليها ﴿لَمْ يَنْغَرَّ طَعْمُهُ﴾ بحموضة الشُّكوك والأوهام، أو الأهواء
والبدع ﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِنَ﴾ وهي خمر الشوق والمحبة:
خبيرٌ أجَلْ عندي بأوصافها عِلْمُ
يقولون لي صِفْها فأنت بوصفها
ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسم
صفاءٌ ولا ماءٌ ولطفٌ ولا هوى
﴿وَهَرٌ مِنْ عَلٍ﴾ وهو عسلُ الوِصال ﴿ُصَنَّى﴾ عن كَدَرِ الملال وخوف الزَّوال
﴿وَلَتْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ اللذائذ الروحانية ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ﴾ ستر لذنب وجودِهم
كما قيل :
وجودك ذنب لا يُقاس به ذنب
﴿كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ الَّارِ﴾ نار الجَفاء ﴿وَسُقُواْ مَءَ خَمِيمًا﴾ وهو ماءُ الخِذلان ﴿فَقَطَّعَ
أَمْعَاءَ هُمْ﴾ من الحِرْمان.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرْنَكَهُمْ فَلَعَّرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ وهي ظُلمةٌ في وجوههم تُدرَك بالنظر
الإلهي. قيل: المؤمن ينظر بنور الفِراسة، والعارفُ بنور التحقيق، والنبيُّ عليه
الصلاة والسلام ينظر بالله عز وجل. وقيل: كلُّ من رُزِق قرب النوافل ينظر به
تعالى؛ لحديث: ((لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببته كنتُ
سمعَه الذي يسمع به، وبَصَرِه الذي يُبْصِرُ به)) الحديث(١). وحينئذ يُبصر كلَّ شيء،
ومن هنا بعضُ الأولياء الكاملين يرى - على ما حُكي عنه - أعمال العبادِ حين يُعرَج
بها، وسبحان السميع البصير اللطيف الخبير.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ظُه.

:
سُورَة الفترة
نزلت بالمدينة على ما رُوي عن ابن عباس وابن الزبير ﴿، والأخبار تدلُ على
أنها نزلت في السفر لا في المدينة نفسها، وهو الصحيح؛ أخرج ابن أبي شيبة
وأحمد والبخاري في ((تاريخه)) وأبو داود والنسائي وجماعة عن ابن مسعود قال:
أقبلنا من الحُديبية مع رسول الله ﴿هـ أي: عامَ ستُّ بعد الهجرة وكان قد خرج
إليها عليه الصلاة والسلام يومَ الاثنين هلالَ ذي القَعْدة - فأقام بها بضعةً عشر يومًا،
وقيل: عشرين يومًا، ثم قَفَّل عليه الصلاة والسلام، فبينما نحن نسيرُ إذْ أتاه
الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه، فسُرِّي عنه وبه من السرور ما شاء الله تعالى،
فأخبرنا أنه أُنزل عليه: (إِنَ فَتَحَا لَكَ فَا شُيِيً)(١).
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن
الخطاب قال: كُنَّا مع رسول الهل﴾هفي سفرٍ فسألته عن شيء ثلاثَ مرات، فلم يَرُدَّ
عليَّ، فحرَّكتُ بعيري ثم تقدَّعت أمامَ الناس وخشيتُ أن ينزلَ فيَّ القرآن، فما نَشِبتُ
أنْ سمعتُ صارخًا يصرخُ بي، فوجفتُ وأنا أظنُّ أنه نزل فيَّ شيء، فقال النبيُّ ◌َّ:
((لقد أُنزلَتْ عليَّ الليلةَ سورةٌ أَحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ فَحَ لَكَ قَا فُيًا
ا ◌ِخْخِرَ فَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾))(٢).
(١) الدر المنثور ٦٨/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٤٥٤/١٤، ومسند أحمد (٤٤٢١)، والتاريخ
الكبير ٢٥١/٥، وسنن أبي داود (٤٤٧) - وهو عنده مختصر - وسنن النسائي الكبرى
(٨٨٠٢).
(٢) الدر المنثور ٦٨/٦، ومسند أحمد (٢٠٩)، وصحيح البخاري (٤١٧٧)، وسنن الترمذي
(٣٢٦٢)، وسنن النسائي الكبرى (١١٤٣٥)، وصحيح ابن حبان (٦٤٠٩). ومعنى
((قما نشبت)): لم أتعلَّق بشيء غير ما ذكرت. فتح الباري ٥٨٣/٨.

٢٢٣
شك النشر
وفي حديث صحيح أخرجه أحمدُ وأبو داود وغيرهما عن مُجَمِّع بن جاريةَ
الأنصاري ما يدلُّ على أنها نَزَلَتْ بعد مُنْصرفِهِ له من الحُديسية أيضًا، وأن ذلك عند
كُراع الغَميم، فقرأها عليه الصلاة والسلام على الناس وهو على راحلته(١).
وفي رواية ابن سعد عنه ما يدلُّ على أنها بِضَجْنان(٢)، ونُقل ذلك عن
البقاعي(٣)، وضّجْنانُ: بضاد معجمة وجيم ونوفين بينهما ألف بزِنَّةٍ سَكْران،
كما في ((القاموس))(٤): جبل قُربَ مكة. وهذا ونحوه قولُ بنزولها بين مكة
والمدينة، ومثلُ ذلك يُعَدُّ مدنيًّا على المشهور وهو أن المدنيَّ ما نزل بعد الهجرة
سواء نزل بالمدينة أم بمكة، أَمْ بسفر من الأسفار، والمَكيُّ ما نزل قبل الهجرة.
وأما على القول بأنَّ المكيَّ ما نزل ولو بعدَ الهجرة بمكة، ويدخل فيها كما قال
الجلال السيوطي(٥) نواحيها كمنى وعرفات والحديبية، بل بعضها على ما في
((الهداية)) - وأكثرها على ما قال المحبُّ الطبري - من حرم مكة؛ والمدني ما نزل
بالمدينة ويدخل فيها كما قال أيضًا نواحيها كأُحُد ويدر وسَلْع = فلا، بل يُعَدُّ
على القول بأنه نزل قُرب مكة مكيًّا، فالقول بأن السورة مدنية بلا خلافٍ فيه نظرٌ
ظاهر.
وهي تسعٌ وعشرون آية بالإجماع، ولا يخفى حسنُ وضعها هنا، لأن الفتح
بمعنى النصر مُرتَّبُ على القتال، وفي كلِّ من ذكر المؤمنين المُخلصين والمنافقين
والمشركين ما فيه، وقد ذُكر أيضًا في الأُولى الأمر بالاستغفار وذُكر هنا وقوعُ
المغفرة، وذُكرت الكلمة الطيبة هناك بلفظها الشريف وكُتي عنها بكلمة التقوى بناءً
على أشهرِ الأقوال فيها، وستعرفها إن شاء الله تعالى. إلى غير ذلك.
(١) الدر المنثور ٦٨/٦، ومسند أحمد (١٥٤٧٠)، وسنن أبي داود (٢٧٣٦)، قال الحافظ ابن
حجر في «الفتح» ٦٨/٦: وفي إسناده ضعف. وكراع الغميم: موضع بين مكة والمدينة.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٧٢/٤.
(٣) في كتابه نظم الدرر في تناسب الآي والسور ٢٧٥/١٨، وتصحقت فيه: بضجنان، إلى:
بصحان.
(٤) القاموس المحيط (ضجن).
(٥) الإتقان ٢٦/١-٢٧.

الآية : ١
٢٢٤
سُورَةُ الفَتْحُ
وفي ((البحر))(١): وجهُ مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدَّم: (وَإِن تَتَوَلَوْأ) الآية، وهو
خطابٌ لكفار قريش أخبر سبحانه رسولَه و لو بالفتح العظيم وأنه بهذا الفتح حصلَ
الاستبدال وأَمِنَ كلُّ مَنْ كان بمكة وصارَتْ دارَ إيمان. وفيه ما لا يخفى.
وفي الأخبار السابقة ما يدلُّ على جلالة قَدْرها. وفي حديث مُجَمِّع بن جارية الذي
أخرجه عنه ابنُ سعد(٢): لما نزل بها جبريل عليه السلام قال: نُهنِيك يا رسول الله،
فلما هناه جبريلُ عليه السلام هناه المسلمون، ويُحكى أنه مَنْ قرأها أول ليلة من رمضان
حُفِطّ ذلك العام(٣). ولم يثبت ذلك في خبرٍ صحيح، والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ إخبارٌ عن صُلح الحديبية عند الجمهور، ورُوي ذلك عن ابن
عباس وأنس(٤) والشعبي والزهري، قال ابن عطية(٥): وهو الصحيح.
وأصلُ الفتح: إزالةُ الأغلاق، وفتح البلد كما في ((الكشاف)) (٦): الظَّفَر به عُنوة
أو صُلحًا بحرب أو بغيرِهِ، لأنه مُنغلقٌ ما لم يَظْفَر به، فإذا ظَفِرَ به وحصل في اليدِ
فقد فُتح، وسُمِّي ذلك الصُّلح فَتْحًا لاشتراكهما في الظهور والغلبة على المشركين،
فإنهم - كما قال الكلبي - ما سألوا الصُّلح إلا بعد أن ظهرَ المسلمون عليهم. وعن
ابن عباس أن المسلمين رَمَوْهم - أي: بسهام وحِجارة كما قيل - حتى أدخلوهم
ديارَهم. أو لأنَّ ذلك الصُّلح صار سببًا لفتح مكة، قال الزهري: لم يكن فتحِّ أعظمَ
من صُلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين، وسمعوا كلامَهم وتمكَّن الإسلام
من قُلوبهم، وأسلم في ثلاثٍ سنين خَلْقٌ كثير، وكَثُرَ بهم سوادُ الإسلامِ(٧).
(١) البحر المحيط ٨٨/٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٤/ ٣٧٢.
(٣) الدر المنثور ٦/ ٧٠ وعزاه للسلفي في الطيوريات.
(٤) أخرجه البخاري (٤٨٣٤).
(٥) المحرر الوجيز ١٢٥/٥ .
(٦) ٥٤١/٣.
(٧) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٧/٣ .

الآية : ١
٢٢٥
سُورَةُ الفَتح
قال القرطبي(١): فما مَضَتْ تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في
عشرة آلاف ففتحوها .
والتسميةُ على الأول من باب الاستعارة التبعية كيفما قُرِّرت، وعلى الثاني من
باب المَجاز المُرسل سواء قلنا: إنه في مثل ما ذكر تبعيٍّ أَمْ لا، حيث سُمِّي السببُ
باسم المُسبَّب، ولا مانع من أن يكون بين شيئين نوعان من العلاقة، فيكون
استعمالُ أحدِهما في الآخر باعتبار كلٌّ نوعًا من المجاز كما في المِشْفَر(٢) والشفة
الغليظة لإنسان.
وإسنادُ الفتح المُراد به الصُّلح الذي هو فعلُ رسول الله وَّل إليه عز وجل مجازٌ من
إسناد ما للقابل للفاعل المُوجِد، وفي ذلك من تعظيم شأن الصُّلح والرسول عليه
الصلاة والسلام ما فيه؛ لا يقال: قد تقرّر في الكلام أن الأفعال كلَّها مخلوقةٌ له
تعالى فنسبة الصُّلح إليه سبحانه إسنادٌ إلى ما هو له فلا مَجاز. لأنا نقول: ما هو له
عبارةٌ عمَّا كان الفعل حَقّه أن يُسندَ إليه في العُرف سواء كان مخلوقًا له تعالى أو لغيره
عز وجل کما صرَّح به السعد في ((المطول))، وکیف لا ولو كان كذلك لكان إسنادُ
جميع الأفعال إلى غيره تعالى مجازًا، وإليه تعالى حقيقة كالصلاة والصيام وغيرها .
وقال المحقِّقُ ميرزاجان: يمكن توجيهُ ما في الآية الكريمة على أنه استعارةٌ
مَكنيةٌ، أو على أن يُراد خلق الصُّلح وإيجاده، أو على أن يكون المَجازُ في الهيئة
التركيبية الموضوعة للإسناد إلى ما هو له فاستعملت في الإسناد إلى غيره، أو على
أن يكون من قَبيل الاستعارة التمثيلية، والأوجه الأربعة جاريةٌ في كلِّ ما كان من
قَبِيل المجاز العقلي، كـ: أنبتَ الربيعُ البقلَ، وقد صرَّح القومُ بالثلاثة الأُوَل منها،
وزعم بعضٌ أن الصُّلح مما يُسند إليه تعالى حقيقة فلا يحتاج إلى شيء من ذلك،
وفيه ما فيه.
ويجوز أن يكون ذلك إخبارًا عن جعل المشركين في الحديبية مَغلوبين خائفين
طالبين للصُّلح، ويكون الفتحُ مجازًا عن ذلك وإسناده إليه تعالى حقيقة، وقد خَفِيَ
(١) تفسير القرطبي ١٩/ ٢٩٧.
(٢) المشفر: شفة البعير. القاموس (شفر).

الآية : ١
٢٢٦
سُورَةُ الفَتّحُ
كونُ ما كان في الحديبية فتحًا على بعض الصحابة حتى بيَّنه عليه الصلاة والسلام؛
أخرج البيهقي (١) عن عروة قال: أَقبل رسولُ اللهِ وَّه من الحديبية راجعًا، فقال
رجلٌ من أصحابٍ رسول الله ◌َّر: واللهِ ما هذا بفتحِ، لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدَّ
هَذْيُنا، وعكف رسولُ الله ◌ِّر بالحديبية، وردًّ رجلين من المسلمين خرجا؟! فبلغ
رسولَ اللهِ وَ﴿ ذلك فقال: ((بئس الكلامُ هذا، بل هو أعظمُ الفتح، لقد رضي
المشركون أَنْ يدفعوكم بالراحِ عن بلادهم ويسألونكم القضية(٢) ويرغبون إليكم في
الأمان، وقد كَرِهوا منكم ما كَرِهوا، وقد أظفركم اللهُ عليهم، وردَّكم سالمين
غانمين مأجورين، فهذا أعظمُ الفتح، أَنسيتم يومَ أُحد إذ تُصعِدون ولا تَلوون على
أحدٍ، وأنا أدعوكم في أُخراكم؟ أَنسيتُم يومَ الأحزاب إذا جاؤوكم من فوقِكم ومن
أسفلَ منكم وإذْ زاغَتِ الأبصار وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ وتظنُّون بالله الظُّنون؟)) قال
المسلمون: صدقَ اللهُ ورسولُه هو أعظمُ الفتوح والله يا نبيَّ الله، ما فكَّرنا فيما
ذكرتَ، ولأنتَ أعلمُ بالله وبالأمورِ منا.
وفائدة الخبر بالفتح على الوجهين بالنسبة إلى غيره عليه الصلاة والسلام،
لأنه وَّ يعلم ذلك، وكذا يعلم لازمَ الفائدة، كذا قيل.
وحمل الغير على مَنْ لم يحضر الفتح من الصحابة وغيرهم، لأنَّ الحاضرين
عَلِموا ذلك قبلَ النزول، وقيل: الحاضر إنما عَلِمَ وقوعَ الصُّلح أو كونَ المُشركين
بحيث طلبوه ولم يعلم كونَه فتحًا كما يُشعر به الخبر، وإن سُلِّم أنه عَلِمَ ذلك، لكنه
لم يعلم عظم شأنه على ما يُشعر به إسنادُه إلى نون العظمة والإخبار به بذلك
الاعتبار.
وقال بعض المحقّقين: لعلَّ المقصودَ بالإفادة كونُ ذلك للمغفرة وما عُطِفَ
عليها، فيجوز أن تكون الفائدةُ بالنسبة إليه وَلِّ أيضًا، وأقول: قد صرَّحوا بأنه كثيرًا
ما تُورَدُ الجملة الخبرية لأغراض أُخَر سوى إفادة الحُكم أو لازِمه نحو: ﴿رَبِّ إِنِ
وَضَْتُهَآ أُنثَ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ﴿رَبٍ إِنِ وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِِّ﴾ [مريم: ٤]، ﴿لَّا يَسْتَوِى
(١) في دلائل النبوة ٤/ ١٦١ .
(٢) جاء في هامش الأصل: أي: الهدنة والصلح.

الآية : ١
٢٢٧
سُورَةُ الفَتْح
اٌلْقَلِدُونَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، إلى غير ذلك مما لا يُحصى، فيجوز أن
يكونَ الغرضُ من إيرادِها هاهنا الامتنانَ دون إفادة الحُكم أو لازمهِ، ولا مجازَ في
ذلك ونحوه على ما أشار إليه العلامة عبد الحكيم السيالكوتي في حواشيه على
((المُطوَّل)).
وصرح في ((الرسالة الجندية) بأن الهيئةَ التركيبية الخَبرية في نحو ذلك منقولةٌ
إلى الإنشائية، وأنَّ المجازَ في الهيئة فقط لا في الأطراف ولا في المجموع، وهو
مجازٌ مفردٌ عند صاحبٍ الرسالة، والكلمة أعظمُ من اللفظ الحقيقي والحُكمي،
وبعضهم يقول: هو مجازٌ مرگَّب ولا ينحصر في التمثيلية، وتحقيقهُ في موضعه.
والتأكيدُ بـ ((إنَّ) للاعتناء لا لردِّ الإنكار، وقيل: لأن الحُكم لعظم شأنه مَظِنَّةٌ
للإنكار. وقيل: لأن بعضَ السامعين منكرٌ كون ما وقع فتحًا، ويقال في تكرير
الحکم نحو ذلك.
وقال مجاهد: المراد بالفتح فتح خيبر، وهي مدينةٌ كبيرة ذات حصون ومزارع
على ثمانية بُرُدٍ من المدينة إلى جهة الشام، وكان خروجُ النبيِّ بَّر - كما قال ابن
إسحاق ورجَّحه الحافظ ابن حجر(١) - في بقية المحرَّم سنة سبع، وأقام يحاصرها
بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها .
ونُقل عن مالك، وجزمَ به ابنُ حزم أنه كان في آخر سنةٍ ستٍّ، وجمع بأنَّ من
أطلق سنة ستٍّ بناه على أنَّ ابتداءَ السنة من شهر الهجرة الحقيقيِّ، وهو شهرُ ربيع
الأول، وقول الشيخ أبي حامد في ((التعليقة)): إنَّ غزوةَ خيبر كانت سنةً خمسٍ.
وَهُمِّ. وقول ابن سعد(٢) وابن أبي شيبة(٣) روايةً عن أبي سعيد الخُدري أنها كانت
لثمانِ عشرةَ من رمضان. خطأٌ، ولعلَّ الأصلَ: كانت حنين، فَحُرِّف(٤)، ومع هذا
يحتاج إلى توجيهٍ، وقد فُتحت على أيدي أهل الحُديبية لم يَشْرَكهم أحدٌ من
(١) فتح الباري ٧/ ٤٦٤، وقول ابن إسحاق فيه، وفي السيرة النبوية لابن هشام ٣٢٨/٢.
(٢) طبقات ابن سعد ١٣٨/٢.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٦٣.
(٤) وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٧/٣ بلفظة: حنين.

سُورَةُ الفَتح
٢٢٨
الآية : ١
المُتخلِّفين عنها، فالفتحُ على حقيقته، وإسناده إليه تعالى على حدٍّ ما سمعت فيما
تقدَّم، والتأكيدُ بـ ((إنَّ) وتكرير الحُكم للاعتناء، والتعبيرُ عن ذلك بالماضي مع أنه لم
يكن واقعاً يومَ النزول - بناءً على ما رُوي عن المِسور بن مَخْرمة من أن السورة نزلت
من أوَّلها إلى آخرها بين مكة والمدينة - من باب مجازِ المُشارفة نحو: مَنْ قتل قتيلاً،
على المشهور، أو الأَوْل(١) نحو: ﴿إِنّ أَرَئِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، ولا يضرُّ
اختلافُهما في الفعلية والاسمية؛ وفيه وجهٌ آخرُ يُعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وذهب جماعةٌ إلى أنه فتحُ مكة، وهو - كما في ((زاد المعادِ))(٢) - الفتحُ الأعظمُ
الذي أعزَّ الله تعالى به دينه، واستنقذ به بَلَدَه، وطهَّر حَرَمه، واستبشر به أهلُ
السماء، وضُربت أطنابُ عِزّه على مناكبِ الجوزاء، ودخل الناسُ بعدَه في دين الله
عز وجل أفواجاً، وأشرق وجهُ الدهر ضياءً وابتهاجاً، وكان سنة ثمانٍ - وفي رواية:
ونصف - وقد خرج رسولُ الله وَ ل ◌َو - على ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح عن
أبي سعيد - لليلتين خلتا من شهر رمضان(٣).
وفتح مكة لثلاثَ عشرةَ خَلَتْ منه على ما رُوي عن الزهري، ورُوي عن جماعة
أنه كان الفتحُ في عشرٍ بَقيتْ من شهر رمضان، وقيل غيرُ ذلك، وكان معه وَ لِّ من
المسلمين عشرةُ آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفاً، والجمع مُمكن، وكان الفتحُ عند
الشافعي صُلحاً - وهي روايةٌ عن أحمد - للتأمين في ممرّ(٤) الظّهران بـ ((مَن دخل دارَ
أبي سفيان فهو آمنٌ، ... ومَنْ دخلَ المسجدَ فهو آمنٌ)»(٥)، ولعدم قسمة الدور بين
الغانمين. وذهبَ الأكثرون إلى أنه عُنوة للتصريح بالأمر بالقِتال ووقوعه من خالدِ بن
الوليد، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أحلَّتْ لي ساعة من نهار))(٦).
(١) وهو من تسميته باسم ما يؤول إليه. ينظر أنواع المجاز اللغوي في الإتقان ٧٥٨/٢.
(٢) ٣٩٤/٣.
(٣) مسند أحمد (١١٨٢٥).
(٤) كذا في الأصل و(م). والذي في معجم البلدان (مرّ) والنهاية (مرر): مرُّ الظهران، ويقال:
مرّ ظهران.
. (٥) أخرجه أبو داود (٣٠٢٢) عن ابن عباس ﴿ا، وسلف ٢/ ٤٠١.
(٦) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٧٩)، والبخاري (١٣٤٩) من حديث ابن عباس

الآية : ١
٢٢٩
سُورَةُ الفَتح
ولا يُسمَّى ذلك التأمين صُلحاً إلا إذا التزم مَن أُشير إليه به الكفَّ عن القتال،
والأخبارُ الصحيحة ظاهرةٌ في أن قريشاً لم يلتزموا، وتركُ القِسمة لا يستلزم عدمَ
العُنوة، فقد تُفتح البلدةُ عُنوة ويُمَنُّ على أهلها وتُترك لهم دورُهم.
وأقام عليه الصلاة والسلام بعد الفتحِ خمسَ عشرةَ ليلة في رواية البخاري(١)،
وسبعَ عشرةَ في رواية أبي داود (٢)، وثمان عشرةَ في رواية الترمذي(٣)، وتسعَ عشرةَ
في رواية بعض (٤)، وتمامُ الكلام في كتب السِّير.
واستظهر هذا القولَ(٥) أبو حيان، وذكر أنه المناسبُ لآخر السورة التي قبلُ لمَّا
قال سبحانه: ﴿هَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ﴾ الآية [محمد: ٣٨] فبيَّن جلَّ وعلا أنه فتحَ لهم
مَكَّةَ، وغَنِموا، وحصل لهم أضعافُ ما أنفقوا، ولو بَخِلوا لضاع عليهم ذلك،
فلا يكون بُخْلهم إلا على أنفسهم، وأيضاً لمَّا قال سبحانه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ
مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] بَيَّن تعالى برهانه بفتح مكةً، فإنهم كانوا هم الأعلين، وأيضاً لمّا
قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّمِ﴾ [محمد: ٣٥] كان ذلك في فتح مكة ظاهراً
حيث لم يلحقهم وهنٌ ولا دعوا إلى الصُّلح، بل أتى صنايدُ قريش مستأمنين
مُستسلمين(٦). وهذا ظاهرٌ بالنسبة إلى القول بأنَّ المراد به فتحُ الحديبية، وأما على
القول بأنَّ المرادَ به فتحُ خیبر فليس كذلك.
ورجّح(٧) بعضُهم القولَ بأنه صُلح الحديبية على القول بأنه فتحُ مكة بأن وعدَ
فتحٍ مكةَ يجيء صريحاً في هذه السورة الكريمة، وذلك قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ
(١) هذه الرواية ليست عند البخاري، وإنما هي عند أبي داود (١٢٣١) من حديث ابن
عباس ـ
(٢) سنن أبي داود (١٢٣٢) من حديث ابن عباس أيضاً ظلها.
(٣) هذه الرواية ليست عند الترمذي، وهي عند أبي داود (١٢٢٩) من حديث عمران بن
الحصین
(٤) أخرج هذه الرواية البخاري (٤٢٩٨) من حديث ابن عباس
(٥) يعني: القول بأن المراد بالفتح فتح مكة.
(٦) البحر المحيط ٨٩/٨.
(٧) تصحفت في (م) إلى: ورجع.

الآية : ١
٢٣٠
سُورَةُ الفَتح
اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَاِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]
فلو حُمل هذا الفتح عليه لكان تأكيداً، بخلاف ما إذا حُمل على صُلح الحديبية فإنه
يكون تأسيساً، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيد، ورجَّحه بعضٌ على القول بأنه فتحُ خيبر
بمثل هذا، لأنَّ فتحَ خيبر مذكورٌ فيما بعدُ أيضاً، وللبحث في ذلك مجالٌ. و((إنَّ)
والتكرير لما تقدَّم، وكذا الإسناد إلى ضمير العظمة، بل هذا الفتحُ أولى بالاعتناء
وتعظيم الشأن، حتى قيل: إنَّ إسناده إليه تعالى لكونه من الأمور الغريبة العجيبة
التي يخلقها الله تعالى على يدِ أنبيائه عليهم السلام كالرمي بالحصى المُشارِ إليه
بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَّيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] وهذا خلافُ
الظاهر، والمشهورُ أنَّ في الكلام مجازاً عقليًّا، وفيه الاحتمالات السابقة.
وقال بعض المحقّقين: يمكن أن يقال: لعلَّ الإرادة هاهنا معتبرةٌ إما على سبيل
الحَذْف، أو على المجاز المُرسل كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾
الآية [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ آلْقُرَْنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٩٨] عند أكثر
الأئمة، ومثل هذا التأويل قيل: مُطَّردٌ في الأفعال الاختيارية، وزعم بعضُهم أن
الفتحّ مجازٌ عن تيسيره. وذكر بعضُ الصدور في توجيه التأكيدِ بـ ((إنَّ) هاهنا أنه قد
يُجعل غير السائل بمنزلة السائل إذا قُدِّم إليه ما يلوِّح له بالخبر، وصرَّحوا بأن
الملوِّحَ لا يلزم أن يكون كلاماً، وقد ذكر غيرُ واحدٍ من المُفسِّرين وغيرهم أنه عليه
الصلاة والسلام رأى في المنام أنه وأصحابَه ﴿ه دخلوا مكةَ آمنين، فصار المقامُ
مقامَ أن يتردّد في الفتح، فألقي إليه عليه الصلاة والسلام الكلام مؤكّداً كما يُلقى
إلى السائل كذلك.
وجُوِّز أن يكون لردِّ الإنكار بناءً على تحقُّقه من المشركين، فإنهم كانوا يزعُمون
أنه ◌َ﴿ لا يستولي على مكةً كما لم يستولِ عليها مَن أراد الاستيلاء عليها قبلَه عليه
الصلاة والسلام. وهو كما ترى.
وذكر بعضُ أجلَّة القائلين بأن المرادَ به فتحُ مكة أنَّ الكلامَ وعدٌّ بفتحِها؛ فقيل:
إنَّ الجملةَ حينئذ إخبار. وقيل: إنها إنشاءٌ، واستُشكل بما صرَّح به الرَّضي من أن
الجمل الإنشائية مُنحصرةٌ بالاستقراء في الطلبيَّة والإيقاعيَّة، والوعدُ ليس شيئاً

الآية : ١
٢٣١
سُوَرَّةُ الفَتى
منهما، أما الأول فظاهرٌ، وأما الثاني فلأن مجرَّد قولك: لأكرِمَنَّك، مثلاً، لا يقع
به الإكرام.
وقال بعضُ الصدور: إن كلامهم مضطربٌ في كون الوعد إنشاءً أو إخباراً،
ويمكن التوفيق بأن يقال: أصلُ الوعد إنشاءٌ لأنه إظهارُ أمرٍ في النفس يوجب سرورَ
المخاطَب، وما يتعلَّق به الوعدُ وهو الموعود إخبارٌ، نظيره قول النحاة: ((كأنَّ)
لإنشاء التشبيه، مع أنَّ مدخولَها جملةٌ خبرية.
وقال الخفاجيُّ: هذا ناشئ من عدم فهم المُراد منه. فإن قيل: المرادُ من:
لأُكرمنَّك مثلاً، إكرامٌ في المستقبل، فهو خبرٌ بلا مِرْية، وإن قيل: معناه العزمُ على
إكرامه وتعجيل المَسَرَّة له بإعلامه فهو إنشاءٌ(١).
وأقول: لا يخفى أنَّ الإخبار أصلٌ للإنشاء، وقد صرَّح بذلك العلامة التفتازاني
في ((المطول))، وليست هيئة المركّب دالَّة على أنه إنشاءٌ، وليس فيه ما يدلُّ بمادَّته
على ذلك، فيمكن أن يقال: إنه إخبارٌ قُصِدَ به تعجيل المَسَرَّة، وأنَّ ذلك لا يُخرجه
عن الإخبار، نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّ وَضَيْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]
ونحوه، فتدبّر.
والتعبير عن ذلك بالماضي لتحقُّقه، وفيه من تسليةٍ قلوب الأصحاب وتسليتهم
حيث صاروا محزونين غايةَ الحزن من تأخير الفتح ما فيه، وهذا التعبير من قَبيل
الاستعارة التبعيَّة على ما حقَّقه السَّيِّد السند في حواشي ((المطوّل)) حيث قال: اعلم
أنَّ التعبيرَ عن المضارع بالماضي وعكسه يُعَدُّ من باب الاستعارة بأنْ يُشبَّه غير
الحاصل بالحاصل في تحقَّق الوقوع، ويُشبّه الماضي بالحاضر في كونه نصبَ العين
واجبَ المُشاهدة، ثم يُستعار لفظ أحدهما للآخر، فعلى هذا تكون استعارةُ الفعل
على قسمين: أحدهما: أن يُشبّه الضرب الشديد مثلاً بالقتل ويستعار له اسمه، ثم
يشتقُّ منه قَتَل بمعنى: ضَرَبَ ضرباً شديداً. والثاني: أن يُشبَّه الضرب المستقبل
بالضرب في الماضي مثلاً في تحقّق الوقوع، فيستعمل فيه ضرب، فيكون المعنى
(١) حاشية الشهاب ٨/ ٥٣.

سُورَةُ الفَتح
٢٣٢
الآية : ١
المصدري أعني الضرب موجوداً في كلِّ واحد من المُشبَّه والمُشبّه به، لكنه قُيِّد في
كلٍّ منهما بقيد يُغاير الآخر، فصحَّ التشبيهُ لذلك.
وقال المحقّق ميرزاجان: يمكن توجيهُ الاستعارة هاهنا بوجه آخر، وهو أن
يشبّه الزمان المستقبل بالزمان الماضي، ووجهُ الشَّبه أنه كما أن الثاني ظرفُ أمر
محقَّق الوقوع كذلك الزمانُ الأول، واللفظُ الدالُّ على الزمان الثاني وهو لفظ
الفعل الماضي من جهة الصيغة جعل دالًّا على الزمان المستقبل مستعملاً فيه،
ومن البين أن المصدرَ على حاله لم يتغيَّر معناه، فكانت الاستعارةُ في الصيغة
والهيئة أولى لأنها الدالّة على الزمان الماضي وبواسطتها كانت الاستعارةُ في
الفعل كما كانت الاستعارةُ في الفعل بواسطة المصدر، والفرقُ أن هذه الاستعارةَ
في الفعل بواسطة جوهره ومادَّته، وفيما نحن فيه بواسطة صورته، لا يقال: الدالُّ
على الزمان هو نفسُ اللفظ المشتقّ لا جزؤه، لأنا نقول: يجزي هذا الاحتمالُ
في الاستعارة التبعية المشهورة بأن يقال: الدالُّ على المعنى الحدثي هو نفسُ
اللفظ المشتقّ لا جزؤه؛ لأن المصدر بصيغته غيرُ متحقِّق في المشتق، فإنَّ
الضربَ غيرُ موجود في ضارب وضرب.
فإن قلت: المصدرُ لفظٌ مستقلٌّ يمكن التعبيرُ به عن معناه بخلاف الهيئة.
قلت: لفظُ الزمان الماضي أيضاً كذلك، فلا فرقَ، ولو سُلِّم نقول في كلٍّ منهما:
نستعيرُ المعنى المطابقي للفظ الفعل بواسطة المعنى التضمُّني له، ولا يبعدُ أن
يُسمَّى مثل هذا استعارةً تبعيَّة، والأمر في التسمية هيِّن لا اعتدادَ بشأنه، ولعلهم
إنما جعلوا الاستعارةَ في مثل ذلك بواسطة المصدر، واعتبروا التغايرَ الاعتباري،
ولم يعتبروا ما اعتبرنا من تشبيه نفسِ الزمان بالزمان حتى تصيرَ الاستعارةُ في
الفعل تبعيَّةً بلا تكلُّف رعاية لطي النَّشر بقدر الإمكان، وأيضاً في كون الصيغة
والهيئة جُزْءاً للّفظ تأمُّل، وأيضاً الهيئة ليست جُزْءاً مستقلًا كالمصدر، وأيضاً
الهيئة ليست لفظاً، والاستعارة قسم للَّفظ، ولعلَّ القومَ لهذه كلِّها أو بعضها لم
يلتفتوا إليه. انتهى، وفيه بحث.
وللفاضل مير صدر الدين رسالة في هذه الآية الكريمة تعرَّض فيها للمحقّق في :

الآية : ١
٢٣٣
سُورَةُ الفَتح
هذا المقام، وتعقّبها الفاضل يوسف القرباغي(١) برسالة أطال الكلام فيها وجرح
وعدَّل، وذكرَ عِدَّة احتمالات في الاستعارة التبعيَّة، ومال إلى أن الهيئة لفظٌّ،
مُحتجًّا بما نقله من شرح المختصر العضدي ومن شرح الشرح للعلامة التفتازاني،
وأَيَّده بنقول أُخر، فليراجع ذلك، فإنه وإن كان في بعضه نظرٌ لا يخلو عن فائدة.
والذي يترجَّح عندي أن الهيئة ليست بلفظ لكنها في حكمه، وأنه قد يتصرَّف
فيها بالتجوّز كما في الخبر إذا استُعمل في الإنشاء، وأن المجازَ المُرسل يكون تبعيًّا
بناءً على ما ذكروه في وجه التبعيَّة في الاستعارة. وقول الصدر في الفرق: إنَّ
العلاقةَ في الاستعارة ملحوظة حين الإطلاق، فإنهم صرَّحوا بأنَّ اسمَ المُشبَّه به
لا يُطلق على المُشبَّه إلا بعد دخوله في جنس المُشبَّه به، بخلاف المُرسَل فإن
العلاقة باعثةٌ للانتقال وليست ملحوظة حين الاستعمال، فلا ضرورةً في القول
بالتبعيَّة فيه = إنْ تمَّ لا يُجدي نفعاً، فافهم.
وزعم بعضُهم أن التعبيرَ بالماضي هاهنا على حقيقته بناءً على أن الفتحَ مجازٌ
عن تيسيره وتسهيله، وهو مما لا يتوقَّف على حصول الفتح ووقوعه ليكون مستقبلاً
بالنسبة إلى زمن النزول مثله، ألا ترى أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربَّه
تعالى بقوله: ﴿وَبَّرْ لِيِّ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٦] أنْ يُسهل أمرَه، وهو خلافتُه في أرضه
وما يصحبها، وأُجيب إليه في موقف السؤال بقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ
يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦] ولم يُباشر بعد شيئاً، وحملُه على الوعد بإيتاء السؤال خلافُ
الظاهر. وأنت تعلم أنَّ ما ذهب إليه الجمهور أظهرُ وأبلغُ.
وفي مَجيء المستقبل بصيغة الماضي لتنزيله منزلةَ المُحقّق من الفخامة والدلالة
على علوّ شأن المُخبر ما لا يخفى كما في ((الكشاف))(٢). وذلك ـ على ما قيل -
لأنه يدلُّ على أنَّ الأزمنة كلَّها عنده تعالى على السواء، وأنَّ مُنتظَرَه كمحقَّق غيره،
(١) هو يوسف بن محمد خان القَرَباغي أو: القره باغي، نسبة لقرباغ أو: قَره باغ، من علماء
الكلام، له حاشية على شرح العقائد العضدية، ورسالة في الكلام، وغيرهما. توفي في نيف
وثلاثين وألف. خلاصة الأثر ٥١٠/٤، والأعلام ٢٥٢/٨.
(٢) ٥٤٠/٣.

سُورَةُ الفتح
٢٣٤
الآية : ١
وأنه سبحانه إذا أراد أمراً تحقَّق لا محالة، وأنه لجلالة شأنه إذا أخبر عن حادث
فهو كالكائن لما عنده من أسبابهِ القريبة والبعيدة، وقيل غير ذلك.
واستشكل أمر المُضي في كلامه تعالى بناءً على ثبوت الكلام النفسي الأزلي
للزوم الكذب، لأنَّ صدقَ الكلام يستدعي سبق وقوع النسبة، ولا يتصوَّر السبقُ
على الأزل. وأُجيب بأنَّ كلامَه تعالى النفسي الأزلي لا يتصف بالماضي وغيره
لعدم الزمان. وتُعقِّب بأنَّ تحقُّقَ هذا مع القول بأنَّ الأزليَّ مدلولُ اللفظي عسیرٌ
جدًّا، وكذا القولُ بأنَّ المتَّصف بالمُضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى
القديم. وأجاب بعضُهم بأن العُسْر لو كان دلالةُ اللفظي عليه دلالةَ الموضوع على
الموضوع له، وليس كذلك عندهم، بل هي دلالةُ الأثر على المُؤثِّر، ولا يلزم من
اعتبار شيء في الأثر اعتباره في المُؤثِّر. ولا يخفى أن كونَ الدلالة دلالة الأثر على
المُؤثِّر خلافُ الظاهر.
وقال ابن الصدر في ذلك: إنَّ اشتمالَ الكلام اللفظي على المُضي والحضور
والاستقبال إنما هو بالنظر إلى زمان المُخاطَّب لا إلى زمان المُتكلّم كما إذا أرسلت
زيداً إلى عمرو تكتب في مكتوبك إليه: إني أرسلت إليك زيداً، مع أنه حينما تكتبه
لم يتحقَّق الإرسال، فتلاحظ حال المُخاطَب، وكما تُقدِّر في نفسك مخاطباً
وتقول: لِمَ تفعل الآن كذا، وكان قبل ذلك كذا، ولا شكَّ أن هذا المُضي
والحضور والاستقبال بالنسبة إلى زمان الوجود المُقدَّر لهذا المخاطب لا بالنسبة
إلى زمان المُتكلِّم بالكلام النفسي لكونه متوجّهاً لمخاطَبٍ مُقَدَّر لا يُلاحظ فيه
إلا أزمنة المخاطبين المقدَّرين، وما اعتبره أئمَّة العربية من حكاية الحال الماضية
واعتبار المضي والحضور والاستقبال في الجملة الحالية بالقياس إلى زمان الفعل
لا زمان التكلُّم قریب منه جدًّا. انتھی.
وللمحقِّق ميرزاجان كلامٌ في هذا المقام يطلب من حواشيه على الشرح
العضدي.
وقيل: المراد بالفتح فتحُ الروم على إضافة المصدر إلى الفاعل، فإنهم غلبوا
على الفرس في عام النزول، وكونه فتحاً له عليه الصلاة والسلام لأنه أخبر عن

الآية : ٢
٢٣٥
سُورَةُ الفَتْحُ
الغَيب فتحقَّق ما أخبر به في ذلك العام، ولأنه تفاؤل لِغَلبة أهل الكتاب المؤمنين،
وفي ذلك من ظهور أمره وَّلي ما هو بمنزلة الفتح. قيل: ففي الفتح استعارةٌ لتشبيه
ظهوره وَ﴿ بالفتح. وقيل: لا تجوُّزَ فيه، وإنما التجوُّز في تعلَّقه به عليه الصلاة
والسلام، وقيل: لا تجوُّز أصلاً، والمعنى: فتحنا على الروم لأجلك. وأنت تعلم
أنَّ حمل الفتح على ما ذكره في نفسه بعيدٌ جدًّا.
وأُورد عليه أن فتحّ الروم لم يكن مُسبَّباً على الجهاد ونحوه فلا يصحُّ ما ذكروه
في توجيه التعليل الآتي.
وعن قتادة أنَّ ((فَتَحنا)) من الفُتاحة - بالضَّمِّ - وهي الحكومة، أي: إنا قضينا لك
على أهل مكة أن تَدخُلَها أنت وأصحابُك مِن قابل لتطوفوا بالبيت، وهو بعيدٌ
أيضاً.
وقيل: المرادُ به فتحُ الله تعالى له وَله بالإسلام والنبوَّة والدعوة بالحُجَّة
والسيف؛ وقريبٌ منه ما نقله الراغب من أنه فَتْحُه عز وجل له عليه الصلاة والسلام
بالعلوم والهدايات التي هي ذريعةٌ إلى الثواب والمقامات المحمودة(١). وأمره في
البعد كما سبق. وأيًّا ما كان فحذف المفعول للقَصْد إلى نفس الفعل والإيذان بأنَّ
مَناطَ التبشير نفسُ الفتح الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح.
وتقديم ((لك)) على المفعول المُطلق أعني قوله تعالى: ﴿فَنَا مُبِينًا ﴾﴾ مع أنَّ
الأصلَ تقديمه على سائرِ المفاعيل كما صرَّح به العلامة التفتازاني للاهتمام بكون
ذلك لنفعه عليه الصلاة والسلام، وقيل: لأنه مدار الفائدة، و((مبين)) من أبان بمعنى
بان اللازم، أي: فتحاً بيِّناً ظاهرَ الأمر مكشوفَ الحال، أو فارقاً بين الحقِّ
والباطل.
﴿لَيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ﴾ مذهبُ الأشاعرة القائلين بأن أفعالَه تعالى لا تُعلَّل بالأغراض
أنَّ مثلَ هذه اللام للعاقبة، أو لتشبيه مدخولها بالعلَّة الغائيَّة في ترتُبه على متعلّقها
وترتُّب المغفرة على الفتح من حيث إن فيه سعياً منه وَّله في إعلاء كلمة الله تعالى
(١) مفردات ألفاظ القرآن (فتح).

الآية : ٢
٢٣٦
سُورَةُ الفَتح
بمكابدة مشاقِّ الحروب واقتحام موارد الخُطوب؛ والسلف - كما قال ابن القَيِّم
وغيره - يقولون بتعليل أفعالِه عز وجل. وفي ((شرح المقاصد))(١) للعلامة التفتازاني
أن من بعض أدلَّتهم - أي: الأشاعرة - ومن وافقهم على هذا المطلب يُفهم أنهم
أرادوا عُمومَ السَّلب، ومن بعضها أنهم أرادوا سَلب العُموم، ثم قال: الحقُّ أنَّ
بعضَ أفعاله تعالى مُعَلَّل بالحكم والمصالح، وذلك ظاهرٌ والنصوص شاهدةٌ به،
وأما تعميمُ ذلك بأنه لا يخلو فعلٌ من أفعاله سبحانه من غرض فمحلٌّ بحث.
وذكر الأصفهاني في ((شرح الطوالع)) في هذه المسألة خلافاً للمعتزلة وأكثر
الفقهاء، وأنا أقول بما ذهب إليه السلف لوجود التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف
آية وحديث، والتزامُ تأويل جميعها خروجٌ عن الإنصاف، وما يذكره الحاظرون (٢)
من الأدلة يُدفَع بأدنى تأمُّل كما لا يخفى على من طالع كتب السَّلفيين عليهم
الرحمة.
وفي ((الكشاف))(٣): لم يجعل الفتح عِلَّةً للمغفرة لكن لاجتماع ما عدّد من
الأمور الأربعة؛ وهي المغفرةُ وإتمامُ النعمة وهدايةُ الصراط المستقيم والنصر
العزيز، كأنه قيل: يسَّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوِّك لنجمع لك بين عزّ
الدارين وأغراض العاجل والآجل.
وحاصله كما قال العلامة: إنَّ الفتح لم يجعل عِلَّةً لكلٍّ من المتعاطفات بعد
اللام، أعني: المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر، بل لاجتماعها، ويكفي في
ذلك أن يكونَ له دخلٌ في حصول البعض كإتمام النعمة والنصر العزيز، وتحقيقه
كما قال: إن العطفَ على المجرور باللام قد يكون للاشتراك في متعلّق اللام مثل:
جئتك لأفوزَ بِلُقياك وأحوزَ عطاياك، ويكون بمنزلة تكرير اللام وعطف جارِّ
ومجرور على جارِّ ومجرور، وقد يكون للاشتراك في معنى اللام كـ : جئتك لتستقرَّ
في مقامك وتُفيضَ عليَّ من إنعامك، أي: لاجتماع الأمرين، ويكون من قَبيل:
(١) ٣٠١/٤.
(٢) في (م): الحاضرون.
(٣) ٥٤١/٣.

الآية : ٢
٢٣٧
سُورَةُ الفَتى
جاءني غلامُ زيد وعمرو، أي: الغلام الذي لهما. واستظهر ـ دفعاً لتوهُّم أنه إذا
كان المقصودُ البعضَ فَذِكْرُ الباقي لغوٌ - أن يقال: لا يخلو كلٌّ منهما أن يكونَ
مقصوداً بالذات، وهو ظاهرٌ. أو المقصودُ البعض، وحينئذ فذكر غيره إما لتوقُّفه
عليه أو لشدَّة ارتباطه به أو ترتُّبه عليه، فَيُذكر للإشعار بأنهما كشيء واحد، كقوله
تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقولك: أعددتُ
الخشب ليميلَ الحائطُ فأدعمه، و: لازمتُ غريمي لأستوفيَ حَقِّي وأُخلِيه.
وظاهرُ كلام الزمخشري أن المقصودَ فيما نحن فيه تعليلُ الهيئة الاجتماعية
فحسب، فتأمَّل لتعرفَ أنه من أيِّ الأقسام هو.
واعلمْ أنَّ المشهورَ كونُ العِلَّة ما دخلته اللام لا ما تعلَّقت به كما هو ظاهرٌ
عبارة ((الكشاف))، لكن حُقِّق أنها إذا دخلت على الغايةِ صحَّ أن يُقال: إنَّ ما بعدَها
عِلَّة، ويُراد بحسب التعقُّل، وأن يقال: ما تعلَّقت به عِلَّة، ويُراد بحسب الوجود،
فلا تغفُل.
وزعم صاحبُ ((الغنيان)) أن اللام هاهنا هي لامُ القسم وكُسِرتْ وحذف النون
من الفعل تشبيهاً بلام ((كي)).
ورُدَّ بأنَّ لامَ القَسَم لا تُكسر ولا ينصب بها، فإنه لم يُسمع: والله لِيقوم زيدٌ،
على معنى: لَيقومنَّ زيدٌ. وانْتُصِرَ له بأن الكسرَ قد عُلِّل بتشبيهها بلام ((كي))، وأما
النصب فله أن يقول فيه: بأنه ليس نصباً، وإنما هو الحركةُ التي تكون مع وجودٍ
النون بقيت بعدَ حذفِها دلالةً على الحذف. وأنت تعلم أنه لا يُجدي نفعاً مع عدم
السَّماع.
هذا، والالتفاتُ إلى اسم الذات المُستتبع لجميع الصفات قيل: للإشعار بأن
كلَّ واحدٍ مما انتظم في سلك الغاية من أفعاله تعالى صادرٌ عنه عز وجل من حيثيّة
غيرِ حيثيَّة الآخر مُترتّبة على صفة من صفاته جلَّ شأنه.
وقال الصدرُ: لا يبعدُ أن يقال: إنَّ التعبير عنه تعالى في مقام المغفرة بالاسم
الجليل المُشعِر بصفات الجمال والجلال يُشعر بسبق مَغْفرته تعالى على عذابِهِ.

سُورَةُ الفَتح
٢٣٨
الآية : ٢
وفي ((البحر))(١): لما كان الغفران وما بعدَه يشترك في إطلاقه الرسولُ عليه
الصلاة والسلام وغيرُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]،
وقوله سبحانه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣] وقوله
تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىِ أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقوله: عز وجل:
﴿يَهْدِى مَن يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ﴾
[الصافات: ١٧٢] وكان الفتحُ مختصًّا بالرسولِ وَله أسنده الله تعالى إلى نونِ العظمة
تفخيماً لشأنه، وأسندَ تلك الأشياء إلى الاسم الظاهر وضميره. وهو كما ترى، وإن
قاله الإمام(٢) أيضاً.
وأقول: يمكن أنْ يكونَ في إسناد المغفرة إليه تعالى بالاسم الأعظم بعدَ إسناد
الفتح إليه تعالى بنون العظمة إيماءٌ إلى أنَّ المغفرةَ مما يتولا ها سبحانه بذاته، وأنَّ
الفتحَ مما يتولَّاه جل شأنه بالوسائط، وقد صرَّح بعضُهم بأنَّ عادةَ العُظَماءِ أنْ
يُعبِّروا عن أنفسهم بصيغة المُتكلِّم مع الغير، لأنَّ ما يصدرُ عنهم في الأكثر
باستخدام توابعهم، ولا يُعترض بأنَّ النصرَ كالفتح وقد أسند إلى الاسم الجليل؛
لِمَا لا يخفى عليك.
وتقديم ((لك)) على المفعول الصريح أعني قوله تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا
تَأْخَّرَ﴾ لِمَا مَرَّ غيرَ مرَّة، و((ما)) للعموم، والمتقدِّم والمتأخّر للإحاطة كنايةً عن الكلِّ،
والمرادُ بالذنب ما فَرَطَ من خِلاف الأَولى بالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام،
فهو من قَبيل: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المُقرَّبين. وقد يقال: المرادُ ما هو ذنبٌ في
نظره العالي وَله، وإن لم يكن ذنباً ولا خلافَ الأولى عنده تعالى، كما يرمزُ إلى
ذلك الإضافة.
وقال الصدر: يُمكن أن يكون قوله تعالى: ((ليغفر)) إلخ، كنايةٌ عن عدم
المُؤاخذة، أو من باب الاستعارة التمثيلية من غير تحقّق معاني المفردات.
(١) البحر المحيط ٩٠/٨.
(٢) تفسير الرازي ٧٩/٢٨ -٨٠.

الآية : ٣
٢٣٩
سُورَةُ الفَتح
وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر أنهما قالا: ما تقدَّم في الجاهلية
وما تأخّر في الإسلام(١).
وقيل: ما تقدَّم من حديث مارية(٢)، وما تأخّر من امرأة زيد. وليس بشيء، مع
أنَّ العكسَ أَولى؛ لأن حديثَ امرأة زيد مُتُقدِّم.
وفي الآية مع ما عُهِدَ من حاله وَّهِ مِن كَثْرة العبادة ما يدلُّ على شرفٍ مقامه إلى
حيث لا تُحيط به عبارة، وقد صحَّ أنه وَّه لما نزلَتْ صام وصلَّى حتى انتفخَتْ
قدماه، وتعبَّد حتى صار كالشنِّ(٣) البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك، وقد غَفَر الله
لك ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِك وما تأخّر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلا أكون عبداً
شكوراً)،(٤).
﴿وَيُنِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ بإعلاء الدين وانتشاره في البلاد وغير ذلك مما أَفاضه
تعالى عليه وَالقر من النِّعم الدينية والدنيوية.
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا ﴾﴾ في تبليغ الرسالة وإقامة الحدود، قيل: إنَّ أصلَ
الاستقامة وإن كان حاصلاً قبلَ الفتح لكنْ حَصَلَ بعد ذلك من اتِّضاح سُبل الحقِّ
واستقامةِ مناهجه ما لم یکن حاصلاً قبلُ.
﴿وَصُرَكَ اَللَّهُ﴾ إظهارُ الاسم الجليل مع النصر، قيل: لكونه خاتمةَ العلل أو
الغايات، ولإظهار كمال العِناية بشأنه كما يُعرب عنه إردافه بقوله تعالى: ﴿نَصْرًا
(١) الدر المنثور ٦/ ٧٠.
(٢) ينظر ما سيأتي في أول سورة التحريم.
(٣) الشِّنان: الأسقية الخلقة، واحدها: شَنّ وشَنَّة. النهاية (شنن).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في الشعب (١٤٩٦) من حديث أبي سلمة به، وفي إسناده:
نصر بن حريش أبو القاسم الصامت والمُشمعلّ بن مِلْحان، وهما ضعيفان كما في تاريخ
بغداد ٢٥٢/١٣ و٢٨٦. وأخرجه أحمد (١٨١٩٨)، والبخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩)
من حديث المغيرة بن شعبة ، وأحمد (٢٤٨٤٤)، والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠)
من حديث عائشة ﴿ّا، ولفظه: قام النبي ◌َ﴿ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخّر! قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)). وليس فيه أن ذلك كان عند
نزول هذه السورة.

سُورَةُ الفَتْحُ
٢٤٠
الآية : ٤
عَزِيزًا ﴾﴾ وقال الصدر: أَظهرَ الاسمَ الجليل في الصدر وهنا لأنَّ المغفرةَ تتعلَّق
بالآخرة والنصرَ يتعلَّق بالدنيا، فكأنه أُشير بإسناده المغفرة والنصر إلى صريح اسمه
تعالى إلى أنَّ الله عز وجل هو الذي يتولَّى أمرك في الدنيا والآخرة.
وقال الإمام(١): أُظهرت الجلالةُ هنا إشارةً إلى أنَّ النصرَ لا يكون إلا من
عند الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] وذلك
لأنَّ النصرَ بالصبر، والصبر بالله قال تعالى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]
لأنه سكونُ القلب واطمئنانه، وذلك بذِكْر الله ﴿أَلَ بِذِكْرِ اللَِّ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: ٢٨].
والعزيز بحسب الظاهر هو المنصورُ، وحيث وُصِفَ به النصر فهو إما للنسبة،
وإن كان المعروف فيها فاعلاً كلابِن، وفعَّالاً كبزَّاز، أي: نصراً فيه عزٌّ ومَنَعَةٌ، أو
فيه تجوُّز في الإسناد من باب وَصْف المصدر بصيغة المفعول وهو المنصورُ هنا،
نحو: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] في قول، لا الفاعل - وهو الناصر - لما قيل من
عدم مُناسبته للمقام وقلة فائدته، إذ الكلام في شأن المُخاطَب المنصور، لا المُتكلّم
الناصر، وفيه شيء. وقيل: الكلامُ بتقدير مضاف، أي: عزيز صاحبُه، وهو
المنصورُ، وفيه تكلّف الحذفِ والإيصال.
وقد يقال: لا يحتاج إلى شيء مما ذُكر، إذْ لا مانع من وَصْف النصر بالعزيز
على ما هو الظاهر بناءً على أحدٍ معاني العِزَّة، وهو قلَّةُ الوجود وصعوبة المنال،
والمعنى: ينصرك اللهُ نصراً يَقِلُّ وجودُ مثله ويصعبُ منالُه، وقد قال الراغب(٢) بهذا
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِثَبُ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] ورأيتُ ذلك للصَّدر بعد أنْ كتبته
من الصَّدر، فتأمَّل ولا تكن ذا عَجْز.
﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بيانٌ لما أفاض سبحانه عليهم من
مَبادي الفتح، والمرادُ بالسَّكينة الطمأنينة والثَّبات، من السكون، أي: أنزلها في
(١) تفسير الرازي ٧٩/٢٨.
(٢) المفردات (عزز).