النص المفهرس

صفحات 161-180

الآية : ١٨
١٦١
سُورَةُ حُحَصَدَ
عالم الأجسام مطلقًا، بل هم قائلون بحدوثها ودثورها، وأطال الكلام على ذلك
في الأسفار، وأتى بنصوص أَجِلَّتهم كأرسطو وغيره.
وحكى البعضُ عنهم أنه خلقَ هذا العالم الذي نحن فيه وهو عالم الكون
والفساد والطالع السنبلة، ويدثر عند مُضي ثمانية وسبعين ألف سنة، وذلك عند
مُضي مدة سلطان كلٌّ من البروج الاثني عشر ووصول الأمرِ إلى برج الميزان،
وزعموا أن مدةَ سلطان الحَمَل اثنا عشر ألف سنة، ومدة سلطان الثور أقلُّ بألف،
وهكذا إلى الحوت.
ونقل البكري عن هرمس أنه زعم أنه لم يكن في سلطان الحمل والثور
والجوزاء على الأرض حيوان، فلما كان سلطانُ السرطان(١) تكوَّنت دوابُ الماء
وهوامُّ الأرض، فلما كان سلطانُ الأسد تكوَّنت الدوابُّ ذواتُ الأربع، فلما كان
سلطانُ السنبلة تولَّد الإنسانان الأولان آدمانوس وحوانوس، وزعم بعضُهم أن مدةَ
العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك التي هي ثلاث مئة وستون درجة،
وقطعها لكلِّ درجة على قول كثير منهم في مئة سنة، فتكون مدته ستًّا وثلاثين ألف
سنة، وكلُّ ذلك خبطٌ لا دليلَ عليه.
ومن أعجب ما رأيتُ ما زعمه بعضُ الإسلاميين من أن الساعة تقومُ بعد ألف
وأربع مئة وسبع سنين أخذًا من قوله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُ بَعْتَةٌ)
وقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْتِكُمْ إِلَّا بَغْلَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٧] بناء على أن عدة حروف ((بغتة))
بالجُمَّل الكبير ألفٌ وأربع مئة وسبع، ويُوشك أن يقول قائلٌ: هي ألفٌ وثمان مئة
واثنان، وبحسب تاء التأنيث: أربع مئة لا خمسة، فإنه رأي بعض أهل الحساب
كما في فتاوى خير الدين الرَّملي، ويجيء آخر ويقول: هي أكثرُ من ذلك أيضًا،
ويعتبر بسط الحروف على نحو ما قالوا في اسم محمد رَله إنه مُتضمِّن عدَّة
المرسلين عليه السلام، وأنت تعلم أن مثل ذلك مما لا ينبغي لعاقل أن يُعوِّل عليه،
أو يلتفتَ إليه، والحزم الجزمُ بأنه لا يعلم ذلك إلا اللطيف الخبير.
(١) في الأصل و(م): الأسد، والمثبت مما سلف عند تفسير الآية (١٨٧) من سورة الأعراف.

الآية : ١٩
١٦٢
﴿فَعْلَمْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلََّّ اللَّهُ﴾ مسبَّبٌ عن مجموع القصة من مُفتتح السورة لا عن
قوله تعالى: ((فهل ينظرون))، كأنه قيل: إذا علمتَ أن الأمرَ كما ذكر من سعادةٍ
هؤلاء وشقاوةٍ هؤلاء فاثْبُتْ على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فهو من
مُوجبات السعادة، وفسِّر الأمر بالعلم بالثَّبات عليه لأنَّ علمَه وَّه بالتوحيد لا يجوز
أن يترتَّب على ما ذكره سبحانه من الأحوال، فإنه عليه الصلاة والسلام مُوحِّد عن
علم حال ما يُوحى إليه، ولأن المعنى: فتمسَّكْ بما أنت فيه من مُوجبات السعادة
لا بطلب السعادة.
وقال بعضُ الأفاضل: إنَّ الثَّبات أيضًا حاصلٌ له عليه الصلاة والسلام، فَأَمْرُه
بذلك ﴿ تذكيرٌ له بما أنعم الله تعالى عليه توطئةً لما بعدَه. وتُعُقِّب بأنَّ المرادَ
بالثَّبات الاستمرارُ، وهو بالنظر إلى الأزمنة الآتية، وذلك وإنْ كان مما لابدَّ من
حُصوله له عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة، لكن المعصوم يُؤمَر ويُنهى، فيأتي
بالمأمور ويترك المنهي، ولا بدَّ للعصمة.
والأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ قيل: على معنى
الثَّبات أيضًا، وجعل الاستغفار كنايةً عمَّا يلزمه من التواضع وهَضْمِ النفس
والاعتراف بالتقصير لأنه وَلجر معصومٌ أو مغفورٌ لا مصرٌّ ذاهلٌ عن الاستغفار.
وقيل: التحقيق أنه توطئة لما بعده من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
ولعلَّ الأولى إبقاؤه على الحقيقة من دون جعله توطئةً، والنبيُّ وَّ كان يُكثر
الاستغفار، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الأغرِّ
المُزَنِي ◌َُّه قال: قال رسول الله وَله: ((إنه لَيُغان على قلبي، وإني لأستغفرُ اللهَ كلَّ
يوم مئة مرة))(١)، وأخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أبي موسى قال: قال
رسول الله وَ﴿: ((ما أصبحتُ غداةً قظٌ إلا استغفرتُ اللهَ فيها مئةَ مرة))(٢)، وأخرج
(١) مسند أحمد (١٧٨٤٨)، وصحيح مسلم (٢٧٠٢)، وسنن أبي داود (١٥١٥)، وعمل اليوم
والليلة للنسائي (٤٤٣)، وصحيح ابن حبان (٩٣١).
(٢) سنن النسائي الكبرى (١٠٢٠٢)، وسنن ابن ماجه (٣٨١٦)، ولفظ ابن ماجه: ((إني
لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة)». وهو في مسند أحمد (١٩٦٧٢).

الآية : ١٩
١٦٣
أبو داود والترمذي - وصحَّحه - والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمرَ ﴾
قال: إِنَّا كتَّا لنعدُّ لرسول اللهِوَّهِ في المجلس يقول: ((ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ عليَّ، إنك
أنت التوابُ الرحيم)) مئة مرة. وفي لفظ: ((التوَّاب الغفور))(١) إلى غير ذلك من
الأخبار الصحيحة.
والذنبُ بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام تركُ ما هو الأَوْلى بمنصبه الجليل،
ورُبَّ شيء حسنة من شخص سيئة من آخر، كما قيل: حسناتُ الأبرار سيئاتُ
المُقرَّبين؛ وقد ذكروا أنَّ لنبينا وَّر في كلِّ لحظة عروجًا إلى مقام أعلى مما كان
فيه، فيكون ما عَرَجَ منه في نَظَرَه الشريف ذنبًا بالنسبة إلى ما عَرَجَ إليه فيستغفر منه،
وحملوا على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنه لَيُّغان على قلبي)) الحديثَ، وفيه
أقوالٌ أُخَر.
وقوله تعالى: ((وللمؤمنين)) على حذف مُضاف بقرينة ما قبلُ، أي: ولذنوب
المؤمنين. وأُعيد الجارُّ؛ لأن ذنوبَهم جنسٌ آخرُ غير ذَنْبه عليه الصلاة والسلام،
فإنها معاصٍ كبائر وصغائر، وذَتْبِه وَ﴿ تركُ الأَولى بالنسبة إلى منصبه الجليل،
ولا يبعدُ أن يكونَ بالنسبة إليهم من أجلِّ حسناتهم.
قيل: وفي حذف المُضاف وتعليق الاستغفار بذواتهم إشعارٌ بفرط احتياجهم
إليه، فكأنَّ ذواتهم عينُ الذنوب، وكذا فيه إشعارٌ بكثرتها .
وجوَّز بعضُهم كونَ الاستغفار للمؤمنين بمعنى طلب المغفرة لهم وطلب سببها
كأمرهم بالتقوى، وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أنَّ في صحته كلامًا،
فالظاهر إبقاء اللفظِ على حقيقته.
وفي تقديم الأمر بالتوحيد إيذانٌ بمزيد شَرَف التوحيد، فإنه أساسُ الطاعات
ونبراس العبادات. وفي الكلمة الطيبة أبحاثٌ شريفة ولطائفُ مُنيفة لا بأس بذكر
بعضها وإنْ تقدَّم شيء من ذلك، فنقول: المشهورُ أنَّ ((إلا)) للاستثناء، والاسم
(١) سنن أبي داود (١٥١٦)، وسنن الترمذي (٣٤٣٤)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٢١٩)، وسنن
ابن ماجه (٣٨١٤)، وأخرجه أحمد (٤٧٢٦).

سُوْاَلاَ مُحَمْدَ
١٦٤
الآية : ١٩
الجليل بدلٌ من محلٌّ اسم ((لا)) النافية للجنس، وخبر ((لا)) محذوف، واستُشكل
الإبدال من جهتين: أولاهما أنه بدلُ بعض، وليس معه ضميرٌ يعود على المُبدل
منه، وهو شرطٌ فيه. وأُجيب بمنع كونه شرطًا مطلقًا، بل هو شرطٌ حيث لا تُفهم
البعضية بقرينةٍ، وهاهنا قد فُهمت بقرينة الاستثناء. ثانيتهما: أن بين المُبدَل منه
والبدل مخالفةً، فإنَّ الأولَ منفيٍّ والثاني مُوجب.
وأجاب السيرافي بأنه بدلٌ عن الأول في عمل العامل، والتخالفُ نفيًا وإيجابًا
لا يمنع البدلية؛ لأن مذهب البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في
موضعه، وقد تتخالف الصفةُ والموصوف في ذلك نحو: مررتُ برجل لا كريم
ولا لبيب، على أنه لو قيل: إنَّ البدلَ في الاستثناء قِسمٌ على حياله مُغايرٌ لغيره من
الأبدال، لکان له وجه.
واستُشكل أمرُ الخبر بأنه إنْ قُدِّر ((مُمكنٌ)) يلزم عدمُ إثباتِ الوجود بالفعل
للواحد الحقيقي تعالى شأنه، أو ((موجودٌ)) يلزم عدمُ تنزيههِ تعالى عن إمكان
الشَّركة، وتقدير خاصّ مناسبٍ لا قرينةً عليه، قيل: ولصعوبة هذا الإشكال ذهب
صاحب ((الكشاف)) وأتباعُه إلى أن الكلمة ((لا)) غيرُ محتاجة إلى خبر، وجَعَلَ
((إلا الله)) مبتدأ و ((لا إله)) خبره، والأصل: اللهُ إلهٌ، أي: معبودٌ بحقٍّ، لكنْ لمَّا أُريد
قصرُ الصفة على الموصوف قُدِّم الخبر وقُرن المبتدأ بـ ((إلا))، إذ المقصورُ عليه هو
الذي يلي ((إلا))، والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بـ ((إلا))
وجب تقدیمُ خبره.
وتُعقّب بأنه مع ما فيه من التمخُّل يلزم منه بناءُ الخبر مع ((لا))، وهي لا يُبنى
معها إلا المبتدأ، وأيضًا لو كان الأمر كذلك لم يكن لنصبِ الاسم الواقع بعدَها
وجهٌ، وقد جوَّزه جماعة.
وقال بعضُ الأفاضل: إن ((لا إله إلا الله)) على هذا المذهب قضيةٌ معدولة
الطرفين بمنزلة: غير الحي لا عالم، بمعنى: الحي عالم، ولا يدفع الاعتراض
كما لا يخفى.

الآية : ١٩
١٦٥
وقال بعضهم: إن الخبر هو ((إلا الله)) أعني ((إلا)) مع الاسم الجليل. وأُورد
عليه أن الجنسَ مُغایر لكلِّ من أفرادِه فکیف یصدقُ حينئذ سلبُ مغايرة فردٍ عنه،
اللهم إلا أن يقال: إنَّ ذلك بناءً على تضمين معنى ((من))، وأن المفهوم منه أنه انتفى
من هذا الجنس غير هذا الفرد، والوجه - كما قيل - أن يقال: إن المُغايرةَ المنفيَّة
هي المغايرةُ في الوجود لا المغايرةُ في المفهوم حتى لا يصدق، ولا شكَّ أن
المرادَ من الجنس المنفيّ بـ ((لا)) هذه هو المفهوم من غير اعتبار حصوله في الأفراد
كلّها أو بعضها، فيكون محمولًا لا بمعنى اعتبار عدم حصوله فيها أصلًا حتى
لا يصح حملُه؛ إذْ لا يلزم من عدم اعتبار شيء اعتبارُ عَدَمهِ، ومتى تحقَّق الحمل
تحقَّق عدمُ المُغايرة في الوجود، فتدَبَّره.
وقال بعضهم: لا خبر لـ ((لا)) هذه أصلًا على ما قاله بنو تميم فيها. وأُورد عليه
أنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد، وهو باطلٌ قطعًا ضرورةَ اقتضاء التوحيد ذلك.
ولا يبعد أن يقال: إنَّ القولَ بعدم احتياج ((لا)) إلى الخبر لا يُخرج المرگَّب
منها ومن اسمها عن العقد، وذلك لأن معنى المركب نحو: لا رجل، على هذا
التقدير انتفى هذا الجنسُ، فإذا قلنا: لا رجلَ إلا حاتمٌ، كان معناه: انتفى هذا
الجنس في غير هذا الفرد. ويَخدِشُه أنَّ تركُّب الكلام من الحرف والاسم مما ليس
إليه سبيل، وربما يدفعُ بما قيل في النداء مثل: يا زيد، من أنه قائمٌ مقام: ادعوه،
والشريف العلّامة قُدِّس سرُّه صرَّح في بيان ما نقل عن بني تميم من عدم إثبات خبر
((لا)) هذه بأنه يحتمل أن يكونَ بناءً على أن المفهوم من التركيب كما ذُكر آنفًا انتفاءُ
هذا الجنس.
ثم إن كلمةَ ((إلا)) على هذا التقدير بمعنى ((غير))، ولا مجال لكونها للاستثناء،
لا لما يُتوهّم من التناقض بناءً على أن سَلْبَ الجنس عن كلِّ فردٍ فرد یُنافي إثباته
لواحد من أفراده، فإنه مدفوعٌ بنحو ما اختاره نجم الأئمة(١) في دفع التناقض
المتوهّم في مثل: ما قام القومُ إلا زيدًا، لوجوب شمول القوم المنفيِّ عنهم الفعلُ
(١) هو رضي الدين الأسْتراباذي، كما جاء عند تفسير الآية (١٣٣) من سورة النساء.

سُوَلاَ مُخَانَد
١٦٦
الآية : ١٩
لزيد المثبت هو له فيما يتبادر، بأن يقال: إن الجنسَ الخارج عنه هذا الفرد منتفٍ
في ضمن كلِّ ما عداه، ولا لِمَا قد يُتوهّم من عدم تناول الجنس المنفي لما هو بعد
((إلا)) وهو شرطُ الاستثناء لِمَا عرفت من الفرق بين الجنس بدون اعتبار حصوله في
الأفراد وبينه مع اعتبار عدم حصوله فيها = بل لأنها لو كانت للاستثناء لما أفاد
الكلامُ التوحيدَ؛ لأنه يكون حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول
هذا الفرد فيه منتفٍ، فيفهم منه عدمُ انتفائه في أفراد غير خارج عنها ذلك الفرد،
فأين التوحيد، فالواجب حملُها على معنى ((غير)) وجعلها تابعةً لمحلِّ اسم ((لا)) بدلًا
عنه، أو صفة كما في قوله:
وكلُّ أخ مُفارقُه أخوه لعَمْرُ أبيكَ إلا الفرقدان(١)
كذا رأيته في بعض نسخ قديمة، وذكره بعضُ شيوخ مشايخنا العلامة
الطبقجلي(٢) في رسالته ((شرح الكلمة الطيبة)) ولم يتعقَّبه بشيء، وعندي أن ما ذكر
في نفي كون ((إلا)) للاستثناء على ذلك التقدير لا يخلو عن نظر.
ثم إنه قيل: إذا كان مضمون المركّب على ذلك التقدير أنَّ هذا الجنس مُنتفٍ
فيما عدا هذا الفرد كانت القضية شخصيةً، ولها لازم هو قضية كلية، أعني قولنا:
كلّ ما يُعتبر فردًا له سوى هذا الفرد فهو مُنتفٍ، ولا استبعاد في شيء من ذلك.
وذهب الكثيرُ إلى تقدير الخبر: موجودٌ، وأجاب عن الإشكال بأنه يلزم نفي
الإمكان العامٌّ من جانب الوجود عن الآلهة غير الله تعالى، وذلك مبنيٌّ على مقدمة
قطعيةٍ معلومةٍ للعقلاء هي أن المعبودَ بالحقِّ لا يكون إلا واجبَ الوجود، فيصير
المعنى: لا معبودَ بحقِّ موجودٌ إلا اللهُ، وإذْ ليس موجودًا ليس مُمكنًا لأنه لو كان
ممكنًا لكان واجبًا بناءً على المقدّمة القطعية فيكون موجودًا، وقد أفادت الكلمة
الطيبة أنه ليس بموجود فليس بممكن؛ لأن نفي اللازم يدلُّ على نفي الملزوم.
واعترض بأنَّ المقدمة القطعية وإنْ كانت صحيحةً في نفس الأمر لكنها غير
(١) البيت نسب لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٣/ ٣٧٠.
(٢) هو محمد سعيد بن محمد أمين البغدادي الحنفي، توفي سنة (١٢٧٣هـ). هدية العارفين ٦/ ٣٧٤.

الآية : ١٩
١٦٧
سُورَةٌ مُحَمَدُ
مسلَّمة عند المشركين؛ لأنهم يعبدون الأصنام ويعتقدونها آلهةً مع اعترافهم بأنها
ممكنةٌ محتاجةٌ إلى الصانع ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[لقمان: ٢٥] فيمكن أنْ يعترفَ المكلَّف بالكلمة الطيبة ويعتقد أنَّ نفي الوجود
لا يستلزم نفي الإمكان، فيمكن عنده وجودُ آلهة غير الله تعالى، فلا يكون التلفُّظ
بالكلمة نصًّا على إيمانه. ولو كانت المقدِّمة المذكورة مسلَّمةً عند الكلِّ لأمكن أن
يقدَّر الخبرُ من أول الأمر: موجود بالذات، أي: لا إلهَ موجودٌ بالذات إلا الله،
وإذا لم يكن غيره تعالى موجودًا بالذات لم يكن مستحقًّا للعبادة لأن المستحقَّ لها
لا یکون إلا واجبًا لذاته.
وقد قُرِّر الجوابُ بوجهين آخرين :
الأول: أنَّ لا إله موجودٌ، قضيةٌ سالبة حملية لا بدَّ لها من جهة، وهي الإمكان
العامُ، فیکون المعنی أن الجانب المخالفَ للسلب ۔ وھو إثباتُ الوجود ۔ لیس
ضروريًّا للآلهة إلا الله تعالى، فإنه موجودٌ بالإمكان العامٌّ، أي: جانب السلب ليس
ضروريًّا له تعالى، فيكون الوجود ضروريًّا له سبحانه تحقيقًا للتناقض بين المستثنى
والمستثنى منه.
الثاني: أنَّ لا إله موجودٌ بالإمكان العامّ، سالبة كلية مُمكنة عامة، فيكون
المتحصِّل بالاستثناء الذي هو نقيض مُوجبة جزئية ضرورية، أي: الله موجودٌ
بالضرورة.
وأُورد على التقريرين أنهما إنما يتمَّان إذا كان كلٌّ من طرفي المستثنى
والمستثنى منه قضيةً مستقلة، وهو ممنوعٌ، والصحيحُ عند أهل العربية أنهما كلامٌ
واحد مُقيَّد بالاستثناء فلا يجري فيهما أحكامُ التناقض إلا أن يُؤوَّل بالمعنى
اللغوي، وأيضًا جَعلُ الله موجود بالضرورة قضيةً جزئية فيه تساهلٌ.
وقيل: يمكن أن يقال: الخبر المقدَّر هو الموجود مطلقًا سواء كان بالفعل أو
بالإمكان على استعمال المشترك في كِلا مَعنييه، أو على تأويله بما يُطلق عليه اسمُ
الموجود. وهو كما ترى.

سُورَةٌ مُحَمَدَ
١٦٨
الآية : ١٩
وقيل: يجوز تقديره: ممكن، ونفي الإمكان يستلزم نفي الوجود، لأنَّ الإله
واجبُ الوجود، وإمكان اتصاف شيء بوجوبِ الوجود يستلزم اتصافَه بالفعل
بالضرورة، فإذا استُفيد من الكلمة الطيبة إمكانه يُستفاد منه وجودُه أيضًا، إذْ كلُّ
ما لم يوجد يستحيل أن يكونَ واجبَ الوجود، ويعلم ما فيه مما مرَّ، فلا تغفل.
وقال بعضهم: الخبر المقدَّر: مُستحِقٌّ للعبادة، فالمعنى: لا إله مُستحِقٌّ للعبادة
إلا الله، ولا محذورَ فيه. واعتُرض بأنّ هذا كونٌ خاصٌّ، ولا بدَّ في حَذْفه من قرينة
ولا قرينة فلا يصحُّ الحذف. وأُجيب بأنها كنارٍ على عَلَم، لأنَّ الإله بمعنى
المعبود، فدلَّ على العبادة واستحقاقها، ويُؤيِّده ملاحظة المقام واعتبار حال
المخاطَبين؛ لأنَّ هذه الكلمة الطيبة واردةٌ لردِّ اعتقاد المشركين الزاعمين أن الأصنام
تستحقُّ العبادة.
واعتُرضَ أيضًا بأنه لا يدلُّ على نفي التعدُّد مطلقًا، أي: لا بالإمكان
ولا بالفعل، لجواز وجودٍ إله غيره سبحانه لا يستحقُّ العبادة. وأيضًا يمكن أن
يقال: المرادُ إما نفي إله مستحقٌّ للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان، فعلى
الأول لا ينفي إمكان إله مستحِقٌّ للعبادة أيضًا غيره عز وجل، وعلى الثاني لا يدلُّ
على استحقاقه تعالى للعبادة بالفعل. ورُدَّ بأن وجوب الوجود مبدأ جميع
الكمالات، ولذا فرَّعوا عليه كثيرًا منها، فلا ريبَ أنه يوجب استحقاقَ التعظيم
والتبجيل، ولا معنى لاستحقاق العبادة إلا ذلك، فإذا لم يستحقَّ غيره تعالى العبادةَ
لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه، وإلا لاستحقَّ العبادة قطعًا، وإذا لم يوجد لم
يكن ممكنًا أيضًا، فثبت أنَّ نفي استحقاق العبادة يستلزم نفي التعدُّد جزمًا .
وتُعقب بأن فيه البناءَ على أنَّ الإله لا يكون إلا واجبَ الوجود، وقد سمعت
أنها وإن كانت قطعيةَ الصِّدق وفي نفس الأمر إلا أنها غيرُ مُسلَّمة عند المشركين.
ومن المحقّقين من قال: إنه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم ما عسى أن
يكون بديهيًّا. نعم ربما يقال: إنَّ الكلمةَ الطيبةَ على ذلك التقدير إنما تدلُّ على نفي
المعبود بالفعل بناءً على ما قُرِّر في المنطق أنَّ ذاتَ الموضوع يجب اتصافُه بالعنوان
بالفعل. ويجاب بمنع وجوب ذلك، بل يكفي الاتصاف بالإمكان كما صرَّح به

الآية : ١٩
١٦٩
الفارابي، وأما ما نُقل عن الشيخ فمعناه كونه بالفعل بحسب الفرض العقلي
لا بحسب نفس الأمر كما تدلُّ عليه عبارته في ((الشفاء)) و((الإشارات))، فيرجع إلى
معنى الإمكان.
والفرقُ بين المذهبين أنَّ في مذهب الشيخ زيادةَ اعتبار ليس في مذهب
الفارابي، وهي أن الشيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الاتصاف
بالفعل ولم يعتبره الفارابي.
وبالجملة إنَّ الاتصاف بالفعل غير لازم، فكلُّ ما يمكن اتِّصافُه بالمعبودية داخلٌ
في الحكم بأنه لا يستحقُّ العبادة، ولما كانت القضيةُ سالبةً صدقت وإن لم يوجد
الموضوع.
ولعلَّ التحقيق في هذا المقام أنَّ الكلمةَ الطيبة جاريةٌ بين الناس على متفاهم
اللغة والعرف لا على الاصطلاحات المنطقية والتدقيقات الفلسفية، وهي كلامٌ ورد
في ردِّ اعتقاد المُشرك الذي اعتقد أنَّ آلهةً غير الله سبحانه تستحقُّ العبادة، فإذا
اعترف المُشرك بمضمونه من أنه لا معبودَ مُستحِقٌّ للعبادة إلا الله تعالى عُلم من
ظاهر حاله الإيمان، ولهذا اكتفى به الشارع عليه الصلاة والسلام، وأما الكافرُ
الذي يعتقد إمكان وجود ذاتٍ تستحقُّ العبادةَ بعدُ فلا تكفي هذه الكلمة الطيبةُ في
إيمانه كما لا تكفي في إيمان مَن أنكر النبوة أو المعاد أو نحو ذلك مما يجب
الإيمان به، بل لا بدَّ من الاعتراف بالحكم الذي أنكره، ولا محذورَ في ذلك،
ولما كان الكفرة الذين يعتقدون أن آلهةً غير الله تعالى تستحقُّ العبادةَ هم
المشهورون دون من يعتقد إمكانَ وجودِها بعدُ، اعتُبرت الكلمة عَلمًا للتوحيد
بالنسبة إليهم.
ويعلم من هذا أنه لو قُدِّر الخبر المحذوف من أولِ الأمر: موجودٌ، أمكن دفعُ
الإشكال بهذا الطريق، أعني متفاهم اللغة وعُرف الناس من الأوساط، وأما أنَّ نفي
الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطيبة حينئذ نفيُ إمكان آلهة
غير الله تعالى، فمما لا يسبق إلى الأفهام، ولا يكاد يوجد كافرٌ يعتقد نفيَ وجودٍ إله
غيره تعالی مع اعتقاد إمکان وجود إله غيره سبحانه بعد ذلك.
:

الآية : ١٩
١٧٠
ومن الناس مَنْ أيَّد تقديرَ الخبر كذلك بأنَّ الظاهرَ أنَّ ((لا)) نافية للجنس، ونفي
الماهية نفسها بدون اعتبار الوجود واتصافها به كنفي السواد نفسهِ لا نفي وجودِه
عنه، بعيدٌ، فكما أن جعل الشيء باعتبار الوجود إذْ لا معنى لجعل الشيء وتصييره
نفسه، فكذلك نفيه ورفعه أيضًا باعتبار رَفْع الوجود عنه.
وتُعقِّب بأن هذا هو الذي يقتضيه النظر الجليل، وأما النظرُ الدقيق فقد يحكم
بخلافه لأنَّ نفيّ الماهية باعتبار الوجود ينتهي بالآخرة إلى نفي ماهية ما باعتبار
نفسها، وذلك لأنَّ نفي اتصافها بالوجود لا يكون باعتبار اتِّصاف ذلك الاتصاف به
إلى ما لا يتناهى، فلا بدَّ من الانتهاء إلى اتصافٍ مُنتفٍ بنفسه لا باعتبار اتصافه
بالوجود، دفعًا للتسلسل.
وقيل: الظاهر أن نفي الأعيان كما في الكلمة الطيبة إنما هو باعتبار ذلك، وأما
غيرها فتارةً وتارةً، فتدبّر.
و((إلا)) على التقدير المذكور للاستثناء ورفع الاسم الجليل على ما سمعتَ من
المشهور. وقيل: هي فيه بمعنى ((غير)) صفة الاسم لا باعتبار المحلِّ، أي: لا إله
غیر الله تعالی موجودٌ.
واعترض بأنَّ المقصودَ من الكلام أمران: نفي الألوهية عن غيره تعالى،
وإثباتها له سبحانه، وهو إنما يتمُّ إذا كانت ((لا)) فيه للاستثناء، إذْ يُستفاد النفي
والإثبات حينئذ بالمنطوق، أما إن كانت بمعنى ((غير)) فلا يُفيد بمنطوقه إلا نفي
الألوهية عن غيره تعالى، وفي كون إثباتها له تعالى بالمفهوم ويُكتفى به بحثٌ؛ لأنَّ
ذلك إنْ كان مفهومَ لقب فلا عبرة عند القائلين بالمفهوم على الصحيح، خلافًا
للدقَّاق والصيرفي من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، ومنصور بن أحمد
من الحنابلة. وإنْ كان مفهومَ صفة فمن البَيِّن أنه غيرُ مُجْمَعٍ عليه، بل أبو حنيفة ◌َظُه
لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة أصلًا.
وأنت تعلم أن ما ذكره من إفادة الكلمة الطيبة إثبات الإلهية لله تعالى ونفيها عمَّا
سواه عز وجل على تقدير كون ((إلا)) للاستثناء غيرُ مَجْمَع عليه أيضًا، فإن الاستثناء

الآية : ١٩
١٧١
سُورَةٌ مُحَضَد
من النفي ليس بإثبات عند أبي حنيفة ظله، وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف
الشرع، وفي المُفرَّغ نحو: ما قام إلا زيدٌ، بالعرف العامٌّ، وما له وما عليه في كتب
الأصول فلا تغفل.
وتمامُ الكلام فيما يتعلَّق بإعراب هذه الكلمة الطيبة في كتب العربية، وقد ذكرنا
ذلك في تعليقاتنا على شرح السيوطي للألفية.
وهي عند السادة الصوفية قُدِّست أسرارُهم جامعة لجميع مَراتب التوحيد، ودالَّة
عليها إما منطوقًا أو بالاستلزام، ومراتبه أربع: الأولى: توحيد الألوهية، الثانية:
توحيد الأفعال، الثالثة: توحيد الصِّفات، وإن شئت قلت: توحيد الوجوب الذاتي،
فإنه يستلزم سائر الصفات الكمالية كما فرَّعها عليه بعضُ المحقّقين، الرابعة: توحيدُ
الذات، وإن شئت قلت: توحيد الوجود الحقيقي، فإنَّ المآل واحدٌ عندهم، وبيانُ
ذلك أنَّ: لا إله إلا الله، منطوقُه - على ما يتبادر إلى الأذهان، وذهب إليه
المُعْظَم - قصرُ الألوهية على الله تعالى قصرًا حقيقيًّا، أي: إثباتُها له تعالى
بالضرورة ونفيها عن كلِّ ما سواه سبحانه كذلك، وهو يستلزم توحيد الأفعال
وتوحيدَ الصفات وتوحيد الذات.
أما الأول الذي هو قصر الخالقية فيه تعالى: فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه
تعالى قصرًا حقيقيًّا هو أن الله عز وجل هو الذي يستحقُّ أن يعبدَه كلُّ مخلوق، فهو
النافع الضارُّ على الإطلاق، فهو سبحانه وتعالى الخالقُ لكلِّ شيء، فإنَّ كلَّ مَنْ
لا يكون خالقًا لكلِّ شيء لا يكون نافعًا ضارًّا على الإطلاق، وكلّ مَنْ لا يكون
كذلك لا يستحقُّ أن يعبدَه كلُّ مخلوق؛ لأن العبادةَ هي الطاعةُ والانقيادُ
والخضوعُ، ومَنْ لا يملك نفعًا ولا ضرًّا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحقُّ أن
يعبدَه ذلك البعضُ ويُطيعَه وينقادَ له، فإنَّ مَنْ لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص أو
دفعٍ ضرِّ عنه لا يرجوه، ومن لا يقدرُ على إيصال ضرٍّ إليه لا يخافه، وكلُّ من
لا يُخاف ولا يُرجى أصلًا لا يستحقُّ أن يُعبدَ؛ وهو ظاهر، لكن الذي يقتضيه قصرُ
الألوهية عليه تعالى قصرًا حقيقيًّا هو أنَّ الله تعالى هو الذي يستحقُّ أن يعبدَه كلُّ
مخلوق فهو النافع الضارُّ على الإطلاق، فهو الخالقُ لكلِّ شيء، وهو المطلوب.

الآية : ١٩
١٧٢
وأما الثاني: فلأن الكلمةَ الطيبةَ تدلُّ على أن الألوهيةَ ثابتةٌ له تعالى ثُبوتًا
مستمرًّا ممتنعَ الانفكاك ومُنتفيةٌ عن غيره انتفاء كذلك، وكلُّ ما(١) كان كذلك فهي
دالَّةٌ على أنه عز وجل واجبُ الوجود، وأن كلَّ موجود سواه تعالى ممكنُ الوجود؛
وكلّ ما كان كذلك كان وجوبُ الوجود مقصورًا عليه تعالى، وهو مستلزمٌ لسائر
صفات الكمال، وهو المطلوب.
أما دلالتها على أنه عز وجل واجبُ الوجود فلأن الألوهية لا تكون إلا لموجودٍ
حقيقةً اتفاقًا، وكلُّ ما لا يكون صفةً إلا لموجود إذا دلَّ كلامٌ على أنه ثابتٌ لشيء
ثبوتًا ممتنعَ الانفكاك سرمدًا فقد دلَّ على أن الوجودَ ثابتٌ لذلك الشيء ثبوتًا ممتنعَ
الانفكاك سرمدًا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موجودًا لذاته، وهو المعنيُّ بواجب
الوجود لذاته، وحيث دلَّت على ثبوت الألوهية ثبوتًا مستمرًّا ممتنعَ الانفكاك فقد
دَلَّت على وجوب وجوده تعالى وهو مستلزمٌ لسائر صفات الكمال، وهو المطلوب.
وأما دلالتها على أن كلَّ موجود سواه فهو ممكنُ الوجود فلأن موجودًا مّا سواه
لو كان واجبَ الوجود لذاته لكان مُستحِقًّا أن يُعبد، لكنها قد دلَّت على أنه
لا يستحقُّ أن يُعبدَ إلا الله، فقد دلَّت على أنه لا واجبًا وجودُه لذاته إلا الله تعالى،
فكلُّ ما سواه فهو ممكنٌ، وهو المطلوب.
أو يقال: إنها قد دلَّت على أنه تعالى هو النافعُ الضارُّ على الإطلاق، فهو
الجامع لصفاتِ الجلال والإكرام، فهو سبحانه المُتَّصفُ بصفاتِ الكمال كلِّها، وهو
المطلوب.
وأما الثالث: فقد قال حُجَّةُ الإسلام الغزالي في باب الصدق من ((الإحياء))(٢):
كلُّ ما تقيَّد العبدُ به فهو عبدٌ له، كما قال عيسى عليه السلام: يا عبيدَ الدنيا، وقال
نبينا ◌َّم: (تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عبدُ الدِّرهم وعبد الحُلَّة وعبدُ الخَميصة))(٣)،
سمَّى كلَّ من تقيَّد قلبه بشيء عبدًا له. وقال في باب الزهد منه: مَنْ طلب غيرَ الله
(١) في الأصل: وكلما.
(٢) إحياء علوم الدين ٢٨٨/٤.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٨٦).

الآية : ١٩
١٧٣
تعالى فقد عبدَه؛ وكلُّ مطلوب معبودٌ، وكلُّ طالب عبدٌ بالإضافة إلى مَطلبه(١).
وقال في الباب الثالث من كتاب العلم منه: كلُّ مُتَّبع هواه فقد اتخذ هواه معبودًا؛
قال تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ مَنِ اَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنَّهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وقال ◌َّ: ((أبغضُ إله عُبد في
الأرض عند الله تعالى هو الهوى))(٢). انتهى.
ومن المعلوم أنه ما في الوجود شيء إلا وهو مطلوبٌ لطالب ما، وقد صحَّ
بما مرَّ إطلاقُ الإله عليه ولا إله إلا الله، فما في الوجود حقيقة إلا الله.
ومنهم مَنْ قرَّر دلالة الكلمة الطيبة على توحيدِ الذات ونفي وجود أحدٍ سواه
عز وجل بوجه آخر، وهو أن ((إلا)) بمعنى ((غير)) بدل من الإله المنفي فيكون النفي
في الحقيقة متوجهًا إلى الغير، ونفي الغير توحيدٌ حقيقيٍّ عندهم، وإذا تبين لك
دلالتها على جميع مراتب التوحيد لاحَ لك أن الشارع لأمرٍ ما جعلها مفتاحَ
الإسلام وأساسَ الدين ومهداةَ الأنام، وفي حديث أخرجه أبو نُعيم عن عِياض
الأشعري أنه بَّه قال: ((لا إله إلا اللهُ كلمة كريمة، ولها عند الله مكانٌ جمعت
وسوّلت، مَن قالها صادقًا مِن قلبه دخل الجنة))(٣). وفي حديث أخرجه ابن النجَّار
عن دينار عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا إله إلا الله كلمةٌ عظيمة
كريمة على الله تعالى مَنْ قالها مُخلصًا استوجب الجنة))(٤). وأخرج مسلم عن
أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: ((اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيتَ من وراء
هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشِّره بالجنة))(٥)، وحديثُ
(١) إحياء علوم الدين ٢٢٦/٤.
(٢) إحياء علوم الدين ٣٣/١. والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣)، والطبراني في
الكبير (٧٥٠٢) عن أبي أمامة ◌ُبه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٨/١: فيه الحسن بن
دينار وهو متروك الحديث، وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٦/٢: هذا حديث
موضوع على رسول الله وَطير، والحسن بن دينار والخصيب - وهو ابن جحدر - كذابان.
(٣) كنز العمال (٢٢٨)، وأخرجه أيضاً ابن قانع في معجم الصحابة ٢٧٧/٢، والديلمي في
مسند الفردوس (٧٢٨١)، ولم ترد فيهما عبارة: جمعت وسوّلت.
(٤) ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ٢٣٤/١٧.
(٥) صحيح مسلم (٣١).

سُؤَدَّةٌ مُخَبَدٌ
١٧٤
الآية : ١٩
البطاقة أشهرُ من أن يُذكر(١)، وكذا الحديث القدسي المرويُّ عن عليّ الرضا عن
آبائه عليهم السلام(٢)، وجاء: ((مَنْ كان آخرُ كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخلَ
الجنة))(٣) أي: بلا حساب، وإلا فما الفرقُ بين ذلك ومَنْ قالها ولم تكن آخرَ
كلامه من الدنيا .
وبالجملة إنَّ فضلها لا يُحصى، وإنها لتُوصِل قائلها إلى المقام الأقصى، وقد
أُلِّفت كتبٌ في فضلها وكيفية النُّطق بها وآداب استعمالها فلا نُطيل الكلامَ في
ذلك.
بقي هاهنا بحثٌ، وهو أن المسلمين أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى،
وإن اختلفوا في كونه شرعيًّا أو عقليًّا، وأما النظر في معرفته تعالى لأجل حصولها
بِقُدَرِ الطاقة البشرية فقد قال العلامة التفتازاني في ((شرح المقاصد)): لا خلافَ بين
أهل الإسلام في وجوبه، لأنه أمرٌ مقدورٌ يتوقّف عليه الواجب المطلق الذي هو
المعرفة، وكلُّ مقدور يتوقَّف عليه الواجبُ المُطلَق فهو واجبٌ شرعًا إنْ كان وجوب
الواجب المُطلَق شرعيًّا كما هو رأي الأصحاب، وعقلًا إنْ كان عقليًّا كما هو رأي
المعتزلة لئلا يلزم تكليف المُحال. أما كون النظر مقدورًا فظاهرٌ، وأما توقُّف
المعرفةِ عليه فلأنها ليست بضرورية، بل نظرية، ولا معنى للنظري إلا ما يتوقَّف
على النظر ويتحصَّل به (٤).
وظاهر كلام السَّيِّد السند في ((شرح المواقف)»(٥) إجماعُ المسلمين كافَّةٌ على
ذلك أيضًا. والحقُّ وقوع الخلاف في وجوب النظر كما يدلُّ عليه كلام ابن
الحاجب في ((مختصره)) والعَضُد في ((شرحه)) وكلام التاج السُّبكي في ((جمع
(١) أخرجه أحمد (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) أخرجه الشهاب في مسنده (١٤٥١) من حديث علي ظُه بلفظ ((يقول الله تعالى: لا إله
إلا الله حصني، فمن دخله أمن عذابي))، ويرويه عن علي الرضا أحمد بن علي بن صدقة،
قال فيه الذهبي في الميزان ١/ ١٢٠: روى نسخة مكذوبة، اتهمه الدارقطني بوضع الحديث.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤) من حديث معاذ بن جبل
(٤) شرح المقاصد ٢٦٢/١-٢٦٣.
(٥) ٢٥١/١.
٠

الآية : ١٩
١٧٥
سُؤَدَةٌ مُخَانَد
الجوامع)) والجلال المَحلِّي في ((شرحه)) (١)، وقول شيخ الإسلام في حاشيته عليه:
محلُّ الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله
تعالى منها، أما النظرُ فيها فواجبٌ إجماعًا كما ذكره السعد التفتازاني
كغيره = اعترضه المحقّق ابنُ قاسم العبَّادي في حاشيته ((الآيات البينات)) بقوله: إن
الظاهرَ أنَّ ما نقله السعد من الإجماع على وجوبِ النظر في معرفة الله تعالى غيرُ
مُسلَّم عند الشارح وغيره، ألا ترى إلى تمثيل الشارح لمحلِّ الخلافِ بقوله:
كحدوث العالم ووجودِ الباري تعالى وما يجبُ له جلَّ شأنه وما يمتنع عليه سبحانه
من الصفات، فإن قوله: ووجود الباري تعالى .. إلخ يتعلَّق بمعرفته عز وجل، إلى
آخر ما قال. نعم قال كثيرٌ - ورجَّحه الإمام الرازي والآمدي -: إنه يجب النظرُ في
مسائل الاعتقاد، ومعرفةُ الله تعالى أُسُّها، فيجب فيها بالأَولى، وقالوا في ذلك:
لأن المطلوبَ اليقين لقوله تعالى لنبيِّهِ وَِّ: (فَأَعْلَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وقد عَلِم
ذلك، وقال تعالى للناس: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ويقاس
غير الوحدانية عليها، ولا يتمُّ الاستدلال إلا بضمِّ توقُّف حصول اليقين على النظر.
وهؤلاء لم يُجوِّزوا التقليدَ في الأصول، وهو أحدُ أقوال في المسألة، ثانيها قول
العنبري: إنه يجوز التقليدُ فيها بالعقد الجازم ولا يجب النظر لها، لأنه عليه الصلاة
والسلام كان يكتفي في الإيمان بالعقد الجازم، ويُقاس غيرُ الإيمان عليه.
والمراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي بذلك نظرًا إلى ظاهر الحال، فإن
الخبرَ كما صرَّحَ به المحقِّق عيسى الصفوي(٢) في شرحه للفوائد الغيائية على ما نقله
عنه تلميذُه ابن قاسم العبادي في ((الآيات البيّنات)) دالٌ وضعًا على صورة ذهنية على
وجه الإذعان تحكي الحال الواقعية، ولا شكَّ أنَّ لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله من
قِسْم الخبر، فهما دالَّان وضعًا على أنَّ قائلهما ولو تحت ظلال السيف معتقدٌ
لمضمونهما على وجه الإذعان، وعدم كونه معتقدًا في نفس الأمر احتمالٌ عقليٌّ،
والمُطّلع على ما في القلوب علَّمُ الغيوب.
(١) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع ٢/ ٤٤٢ وما بعدها.
(٢) المتوفى سنة (٩٥٥هـ). كشف الظنون ١٢٩٩/٢.

سُورَةٌ مُحَمَدٌ
١٧٦
الآية : ١٩
وثالث الأقوال: أنه يجب التقليدُ بالعقد الجازم ويحرمُ النظرُ لأنه مَظِنَّة الوقوع
في الشُّبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد، وهذا ليس بشيء أصلًا.
والذي أوجب النظرَ من المحقّقين لم يُرِدْ النظرَ على طريق المتكلِّمين بل صرَّح
كما في ((الجواب العتيد)) للكوراني بأن المعتبر هو النظرُ على طريق العامة، والظاهرُ
أنه ليس مَظِنَّة الوقوع فيما ذكر، وهل القائلُ بوجوبه من أولئك جاعلٌ له شرطًا
لصحة الإيمان أَمْ لا؟ ففيه خلاف. فيفهم من بعض عبارات ((شرح الأربعين)) لابن
حجر أنه جاعل له كذلك فلا يصحُّ إيمانُ المُقلِّد عنده، بل يُفهم منها أن النظر
المُعتَبر عند ذلك هو النظرُ على طريق المُتكلِّمين، وكلامُ الجلال المحلِّي في اشرح
جمع الجوامع)) صريحٌ في أن القائلين بوجوب النظر غيرَ أبي هاشم ليسوا جاعلين
النظرَ شرطًا لصحة الإيمان، ولا زاعمين بطلان إيمان المُقلِّد، بل هو صحيحٌ
عندهم مع الإثم بترك النظر الواجب. نعم سيأتي إن شاء الله تعالى نقلُ الإمام حُجَّة
الإسلام في كتابه ((فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)) نقل الاشتراط عن طائفة من
المتكلِّمين مع ردِّه. وأما ما نُقل عن الشيخ الأشعري من الاشتراط، وأنه لا يصحُ
إيمانُ المُقلِّد، فكذبٌ عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري.
وقال التاج السبكي(١): التحقيق أنه إن كان التقليدُ أخذًا بقول الغير بغير حُجَّة
مع احتمال شَكٍّ أو وهم فلا يكفي، وإن كان جزمًا فيكفي، خلافًا لأبي هاشم.
والظاهرُ أن القائلَ بكفاية التقليد مع الجزم يمنع القولَ بأن المعرفةَ لا تحصل
إلا بالنظر، ويقول: إنها قد تحصلُ بالإلهام أو التعليم أو التصفية، فمن حصل له
العقدُ الجازم بما يجب عليه اعتقادُه فقد صحَّ إيمانه من غير إثم لحصول المقصود،
ومَنْ لم يحصل له ذلك ابتداءً أو تقليدًا أو ضرورة فالنظر عليه متعين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَن ◌ُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، ثُّ أَغْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] ويكفي دليلًا للصحة اكتفاءُ
النبيِّ وَّهِ وأصحابه ﴿ه مِن عَوامِّ العَجَم كأجلاف العرب وإن أسلمَ أحدُهم تحت
ظلِّ السيف بمجرَّد الإقرار بـ: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الدالّ بحسب ظاهرٍ
حالهم على أنهم يعتقدون مضمونَ ذلك ويُذعنون له، ولو كان الاستدلال فرضًا
(١) جمع الجوامع (مع حاشية العطار) ٤٤٥/٢.

الآية : ١٩
١٧٧
سُورَلاَ مُحَدٌ
لأُمروا به بعد النُّطق بالكلمتين، أو عُلِّموا الدليل ولُقِّنوه كما لُقِّنوهما، وكما عُلِّموا
سائرَ الواجبات، ولو وَقَعَ ذلك لَنُقِلَ إلينا فإنه من أهمِّ مُهِمَّات الدين، ولم يُنقل أنهم
أَمروا أحدًا منهم أَسلمَ بترديد نظر، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجؤوا أمره
حتى ينظر، فلو كان النظرُ واجبًا على الأعيان ولو إجماليًّا على طريق العامَّة
لما اكتفى النبيُّ وَّهِ من أولئك العوامِّ والأجلافِ بمجرَّد الإقرار، لأنَّ النبيَّ عليه
الصلاة والسلام وأصحابه لا يُقِرُّون أحدًا على ترك فرض العين من غير عُذر،
فلا يكون تاركه آئمًا فضلًا عن أنْ يكونَ بتركه غيرَ صحيح الإيمان، ويشهد لذلك
ما قاله وَلّ لأسامة بن زيد عند اعتذاره عن قتل مِرداس بن نهيك من أهل فَدَك(١)،
وغيره من الأخبار الكثيرة.
وما في ((المواقف)) و((المقاصد)) وشرح المختصر العضدي وغيرها من كتب
الكلام والأصول من أن النبيَّ وَّر وأصحابه كانوا يعلمون أنهم - أي: العوامُّ
وأجلاف العرب - يعلمون الأدلة إجمالًا كما قال الأعرابي: البعرةُ تدلُّ على البعير
وأَثَر الأقدام على المسير، أفسماءٌ ذاتُ أبراج وأرض ذات فِجاج لا تدلُّ على
اللطيف الخبير؟! أي: فلذلك لم يُلزموهم النظر ولا سألوهم عنه، ولا أرجؤوا
أمرهم، وكلُّ ما كان كذلك لم يكن اكتفاؤهم بمجرَّد الإقرار دليلًا على أنَّ النظرَ
ليس واجبًا على الأعيان، ولا على أنَّ تاركه غير آثم = دعوى لا دليلَ عليها .
وحكايةُ الأعرابي إنْ كانت مَسوقةً للاستدلال لا تدلُّ، غاية ما في الباب أن
ذلك الأعرابي كان عالمًا بدليل إجمالي، ولا يلزم منه أن جميعَ الأجلافِ والعوامِّ
كانوا عالمين بالأدلة الإجمالية في عهد النبوّة وغيره، وإلا لكانت حجةً على أنه
لا مقلِّد في الوجود، على أن بعضهم أسندَ ذلك القول إلى قُسِّ بن ساعدة وكان في
الفترة، والجلال المحَلِّي ذكره لأعرابي قاله في جواب الأصمعي(٢)، وكان في زمن
الرشيد، بل قد يقال: إن ظاهرَ كثير من الآيات والأخبار يدلُّ على أن كثيرًا من
(١) وهو قوله ◌َله: ((هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه)). والحديث عند الطبري ٣٥٧/٧، وسلف
٢٢٦/٦، وأصل الخبر عند مسلم (٩٦).
(٢) شرح جمع الجوامع (مع حاشية العطار) ٢/ ٤٤٤ .

الآية : ١٩
١٧٨
المشركين في عهده عليه الصلاة والسلام لم يكونوا عالمين بأدلَّة التوحيد مطلقًا،
وذلك كقوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُْ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]،
وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَشَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِي
٣٥
﴿إِنَّهُمْ كَانُّوَاْ إِذَا قِيْلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
تَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥-٣٦] وقول بعضهم في بعض الحروب: اعلُ هُبل اعلُ هبل.
وما ذكره المحقّق العضد في ((شرح المختصر)) من الدليل على عدم جواز
التقليد حيث قال: إنَّ الأمة أجمعوا على وجوبٍ معرفة الله تعالى، وأنها لا تحصل
بالتقليد لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجوز الكذبُ على المُخبِر، فلا يحصل بقوله
العلمُ. ثانيها: أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف
فيها، فإذا قلّد واحد في الحدوث والآخر في القِدَم كانا عالمين بهما فيلزم
حَقِّيتهما(١)، وأنه مُحال. ثالثها: أن التقليدَ لو حصَّل العلمَ، فالعلم بأنه صدق فيما
أخبر به إما أن يكون ضروريًّا أو نظريًّا، لا سبيل إلى الأول بالضرورة فلا بدَّ له من
دليل، والمفروض أنه لا دليلَ إذْ لو علم صِدْقه بدليله لم يبقَ تقليدًا = تعقَّبه العلامة
الكوراني فقال: فيه بحثٌ، أما في الوجه الأول فلأن من جوَّز التقليدَ مَثَّلَ المُقلِّدَ
بمن نشأ على شاهق جبل ولم ينظر في ملكوت السماوات والأرض، وأخبره غيرُه
بما يلزمه اعتقاده وصلَّقه بمجرد إخباره من غير تفكّر وتدبُّر، وهو صريحٌ في أن
الكلامَ في مقلِّد أخبره غيرُه بما يلزمه اعتقاده، وما يلزمه اعتقاده لا يكون إلا صدقًا،
فإن الكذب لا يلزم أحدًا اعتقاده، وأما من أخبر بالأكاذيب فاعتقدها فهو لم يعتقد
إلا أكاذيبَ، والأكاذيب ليست من معرفة الله تعالى في شيء، فكيف يحكم عليه
أحدٌ من العقلاء بأنه مؤمن بالله تعالى عارفٌ به مع أنه لم يعتقد إلا الأكاذيب؟ وهو
ظاهر.
وأما في الوجه الثاني: فلمثل ما مرَّ، لأنا لا نقول: إنَّ كل تقليدٍ مُفيد للعلم،
ولا أنَّ كلَّ مُقلِّد عالمٌ، كيف وليس كلُّ نظر مفيدًا للعلم، ولا كلُّ ناظر مُصيبًا، فإذا
لم يكن النظرُ موجبًا للعلم مطلقًا، وإنما الموجبُ النظر الصحيح، فكذلك نقول:
ليس كلُّ تقليد مُفيدًا للعلم، وإنما المفيدُ التقليدُ الصحيح، وهو أن يُقلِّد عالمًا
(١) في الأصل: حقيقتهما.

الآية : ١٩
١٧٩
بمسائل معرفة الله تعالى صادقًا فيما يخبره به، فإن الكلامَ إنما هو في صحةٍ إيمان
مثل هذا المُقلِّد لا مطلقًا .
وأما في الثالث: فلأنَّا نختار أنَّ عِلمه بأنه صدق فيما أخبر به ضروريّ،
قولكم: لا سبيلَ إليه بالضرورة، قلنا: ممنوعٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَئِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقد رُوي مرفوعًا أنه بَّه سُئل عن
شرح الصدر فقال عليه الصلاة والسلام: ((نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن
فينفسح))(١)، فصرَّح وَليل بأنه نور لا يحصل من دليل، وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه
فلا يقدر على دَفْعه من غير فِكْر ولا رَوِيَّة ولا نظر ولا استدلال، وقد صرَّح بعضُ
أكابر المُحقِّقين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن علم ضروري وجدوه
في نفوسهم لم يَقْدروا على دَفْعه، وبأنَّ من أهل الفترة من وجد كذلك، بل قد
صرَّح بأن الإيمان علمٌ ضروري يَجِدُه المؤمن في قلبه لا يقدرُ على دَفْعه، فكم مَنْ
آمن بلا دليل ومَنْ لم يُؤمن مع الدليل، وقلَّما يُوثَق بإيمان من آمن عن دليل، فإنه
مُعرَّضٌ للشُّبَه القادحة فیه.
وفي الباب المئة والاثنين والسبعين، والمئة والسابع والسبعين، والمئتين
والسابع والسبعين من (الفتوحات المكية))(٢) ما يُؤيِّد ذلك.
وقال الإمام حُجَّةُ الإسلام في ((فيصل التفرقة))(٣): مِن أشدِّ الناس غُلوًّا
وانحرافًا طائفةٌ من المُتكلِّمين كفَّروا عوامَّ المسلمين وزعموا أن مَن لا يعرف الكلامَ
معرفتنا ولم يعرف الأدلَّةَ (٤) الشرعية بأدلتنا التي حرَّرناها فهو كافرٌ، فهؤلاء ضيَّقوا
رحمة الله تعالى الواسعةَ على عباده أولًا، وجعلوا الجنة وقفًا على شِرْذمةٍ يسيرة من
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٥٤١-٥٤٢ عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلًا. وابن
مسور هذا قال فيه أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال النسائي والدارقطني: متروك. ميزان
الاعتدال ٢/ ٥٠٤. وينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٢٥) من سورة الأنعام.
(٢) ٢٨٨/٢ و٢٩٧ و ٥٩٨.
(٣) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص٣٣-٣٦.
(٤) في فيصل التفرقة: العقائد.

سُؤَادَةُ مُخَانَد
١٨٠
الآية : ١٩
المتكلِّمين، ثم جهلوا ما تواترتْ به السنةُ ثانيًا، إذْ ظهر من عصر رسول الله وَله
وعصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين حُكْمُهم بإسلام طوائفَ من
أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بتعلم الدلائل، ولو
اشتغلوا بها لم يفهموها، ومن ظنَّ أن مدرك الإيمان الكلام والأدلَّة المحررة(١)
والتقسيمات المرتَّبة فقد أبعد(٢)، لا بل الإيمان نورٌ يقذفُه الله تعالى في قلب عبده
عطيةً وهدايةً من عنده، تارةً بتنبهٍ في الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارةً بسبب رؤيا
في المنام، وتارةً بمشاهدةِ حالِ رجلٍ متديِّن وسرايةٍ نوره إليه عند صحبته
ومُجالسته، وتارةً بقرينة حال، فقد جاء أعرابيٍّ إلى رسول الله وَّ﴿ جاحدًا له منكرًا،
فلما وقع بصره على طلعته البهية، وغُرَّته الغريرة السَّنيَّة، فرآها يتلألأ منها نورُ
النبوة، قال: واللهِ ما هذا وجه كذَّاب. وسأله أن يعرضَ عليه الإسلام فأسلم(٣).
وجاء آخرُ فقال: أنشدك الله بعثك الله نبيًّا؟ فقال ◌َله: ((بلى، إني(٤) واللهِ، اللهُ بعثني
نبيًّا)) فصدَّقه بيمينه وأسلم(٥)، فهذا وأمثاله أكثرُ من أن يُحصى، ولم يشتغل واحدٌ
منهم قظُ بالكلام وتعلُّم الأدلَّة، بل كانت تبدو أنوار الإيمان أولًا بمثل هذه القرائن
في قلوبهم لمعة بيضاء، ثم لا تزال تزداد وضوحًا وإشراقًا بمشاهدة تلك الأحوال
العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلوب. وليت شعري مَنْ نَقَل عن رسول اللهِ وَله
وعن الصحابة إحضارَه أعرابيًّا أسلم وقوَّله الدليل على أنَّ العالم حادثٌ، لأنه
لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأنَّ اللهَ تعالى عالم
بعلم وقادرٌ بقدرة كلاهما زائدٌ على الذات لا هو ولا غيره، إلى غير ذلك من رسوم
(١) في فيصل التفرقة: المجردة.
(٢) في فيصل التفرقة: أبدع.
(٣) أخرج أحمد (٢٣٧٨٤)، والترمذي (٢٤٨٥) عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ◌َّر
انجفل الناس عليه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه
كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول: ((أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام،
وصلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).
(٤) في فيصل التفرقة: إي.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس ها مطولًا، والذي استحلف النبيَّ وَّر هو
ضمام بن ثعلبة