النص المفهرس
صفحات 141-160
الآية : ٩ - ١٠ ١٤١ سُؤَةٌ مُحَدٌ على توهُّم الشرط. وقيل: يقدّر الفعل مضارعًا معطوفًا على قوله تعالى: ((يُئِبِّت)) أي: ويُتعس الذين .. إلخ، والفاء للعطف، فالمراد إتعاسٌ بعد إتعاس، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِيَّىَ فَأَرْهَبُونٍ﴾ [البقرة: ٤٠] أو لأن حقّ المُفسِّر أن يُذكَر عَقِبَ المُفسَّر کالتفصيل بعد الإجمال، وفيه مقال. ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من التعس والإضلال ﴿يَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام المُخالفة لما أَلِفُوه واشتَهَتْهُ أنفسهم الأمَّارة بالسوء، وهذا تخصيصٌ وتصريحٌ بسببية الكُفر بالقرآن للتعس والإضلال إذْ قد عُلم من قوله تعالى: ((والذين كفروا)) إلخ سببيَّةُ مظْلَق الكفر الداخل فيه الكفر بالقرآن دخولًا أوليًّا لذلك. ﴿فَأَخْبَطَ﴾ لأجل ذلك ﴿أَعْمَلَهُمْ التي لو كانوا عَمِلوها مع الإيمان لَأُثِيبوا عليها. وذَكَر الإحباط مع ذكر الإضلال المراد هو منه إشعارًا بأنه يلزم الكفرَ بالقرآن ولا ينفكُ عنه بحال. ﴿أَفَ يَبِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: أَقَعدوا في أماكنهم فلم يسيروا فيها ﴿فَنظُرُوا كَيْفَ كَنَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأُمم المُكذِّبة، فإن آثار ديارهم تُنبئ عن أخبارهم. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ كأنه قيل: كيف كانت عاقبتهم؟ فقيل: أَهلكَ ما يختصُّ بهم من النفس والأهل والمال، يقال: دَمَّره: أهلكه، ودمّر عليه: أهلك ما يختصُّ به، فـ: دَمَّر عليه، أبلغُ من: دَمَّره، وجاءت المبالغة من حذفِ المفعول وجَعْلِه نسيًا منسيًّا، والإتيانِ بكلمة الاستعلاء، وهي لتضمّن التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه. ﴿ویلگفِرِينَ﴾ أي: لهؤلاء الكافرين السائرين سپرتهم ﴿أَمْثَلُهَا ﴾﴾ أمثال عاقبتهم أو عقوبتهم لدلالة ما سبق عليها، لكن لا على أن لهؤلاء أمثالَ ما لأولئك وأضعافه، بل مثله، وإنما جُمع باعتبار مُماثلته لعواقبَ متعدِّدة حسب تعدُّد الأُمم المعذَّبة. وقيل: يجوز أن يكون عذابهم أشدَّ من عذاب الأوَّلين، وقد قُتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفُّونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثلِ أشدُّ من الهلاك بسبب عامّ. وقيل: المرادُ بالكافرين المتقدِّمون، بطريق وضع الظاهر موضعَ الضمير، كأنه قيل: دمَّر الله تعالى عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها . سُورَةٌ مَّمَدَ ١٤٢ الآية : ١١ - ١٢ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ثبوت أمثال عاقبة أو عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء، وقيل: إشارة إلى النصر، وهو كما ترى ﴿يَأَنَّ اللََّ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ناصرهم على أعدائهم، وقرئ: ((وَلِيُّ الذين آمنوا))(١). ﴿وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَمُمْ ﴾﴾ فيدفع ما حلَّ بهم من العقوبة والعذاب، ولا يُناقض هذا قولَه تعالى: ﴿وَرُدُّوَا إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] لأن المولى هناك بمعنى المالك، فلم يتوارد النفي والإثبات على معنى واحد. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِ مِنْ تَخِهَا الْأَنْهَزِّ﴾ بيانٌ لحكم ولايته تعالى لهم وثمرتها الأخروية. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَنَّعُونَ﴾ أي: ينتفعون بمتاع الدنيا أيامًا قلائل ﴿وَبَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾ الكاف في موضع نصب إما على الحال من ضمير المصدر كما يقول سيبويه، أي: يأكلونه - أي: الأكل - مُشْبِهًا أكلَ الأنعام، وإما على أنه نعتٌ لمصدر محذوف كما يقول أكثرُ المُعربين، أي: أكلاً مثلَ أكل الأنعام، والمعنى: أن أكلهم مجرَّدٌ من الفكر والنظر، كما تقول للجاهل: تعيش كما تعيش البهيمة، لا تُريد التشبيه في مطلق العيش ولكن في خواصِّه ولوازمه، وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أُمورهم. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ ﴾ أي: موضع إقامة لهم، حالٌ مُقدَّر من واو ((يأكلون)). وجوِّز أن يكون استئنافًا، وكأنَّ قوله تعالى: ((يتمتعون ويأكلون)) في مقابلة قوله سبحانه: ((وعملوا الصالحات)) لما فيه من الإيماء إلى أنهم عَرَفوا أن نعيمَ الدنيا خيالٌ باطل وظلٌّ زائل، فتركوا الشهواتِ وتفرَّغوا للصالحات، فكان عاقبتهم النعيمَ المُقيم في مقام كريم، وهؤلاء غَفَلوا عن ذلك فرتعوا في دِمْنهم كالبهائم حتى ساقهم الخذلان إلى مَقَرِّهم من دَرْك النيران. وهذا ما ذكره العلامة الطيبي في بيان التقابل بين الآيتين. وقال بعضُ الأجِلَّة: في الكلام احتبالٌ، وذلك أنه ذكر الأعمال الصالحة (١) قرأ بها ابن مسعود ظه. تفسير القرطبي ٢٥٦/١٩. الآية : ١٣ ١٤٣ سُورَةٌ مُخَانَدٌ ودخول الجنة أولًا دليلاً على حذف الأعمال الفاسدة ودخولِ النار ثانيًا، وذكر التمتع والمثوَى ثانيًا دليلًا على حذف التقلُّل والمأوى أولًا. والأول أحسنُ وأدقُّ. وأَسندَ إدخال الجنة إلى الله تعالى ولم يسلك نحو هذا المَسلك في قوله تعالى: ((والنار مثوى لهم)» وخُولف بين الجملتين فعلية واسمية للإيذان بسبق الرحمة والإعلام بمصير المؤمنين والوعدِ بأنَّ عاقبتهم أنَّ الله سبحانه يُدخلهم جناتٍ وأن الكافرين مثواهم النار، وهم الآن حاضرون فيها ولا يدرون، وكالبهائم يأكلون. ﴿وَكَيْنِ﴾ بمعنى (كم)) الخبرية، وهي مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿مِّن قَرْيَةٍ﴾ تمييزٌ لها، وقوله سبحانه: ﴿فِىَ أَشَدُّ قُوَّةٌ مِّن قَرْيَئِكَ﴾ صفة لـ ((قريةٍ))، كما أنَّ قوله عز وجل: ﴿الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ صفة لـ ((قريتك))، وقد حُذف عنهما المضاف وأجري أحكامه عليهما كما يُفصح عنه الخبر الذي هو قوله تعالى: ﴿أَمْلَكْنَهُمْ﴾ أي: وكم من أهل قرية هم أشدُّ قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك أهلكناهم بأنواع العذاب. وجُوِّز أن لا يكون هناك حذفٌ، وإنما أُطلق المحلُّ وأُريد الحالُّ مجازًا . وإسنادُ الإخراج إلى أهل قريته وّ وهي مكة المكرمة مجازٌ من باب الإسناد إلى السبب لأنهم عاملوه وَله بما عاملوه، فكانوا بذلك سببًا لإخراجه حين أَذِنَ الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بالهجرة منها، ونظيرُ ذلك: أَقدمني بلدك حقٌّ لي عليك. وأنت تعلم أنه على ما حقَّقه الأجِلَّة يحتمل أوجهًا ثلاثة: مجازًا في الإسناد إذا كان الإقدام مستعملًا في معناه الذي وُضع له وإن كان موهومًا. ومجازًا في الطرف إذا كان مستعملًا في معنى الحمل على القدوم. واستعارةً بالكناية إن كان الحقُّ مستعملًا في المقدم. والشيخ يقول في مثل ذلك: إن الفعل المتعدِّي موهومٌ لا فاعلَ له ليصير الإسنادُ إليه حقيقةً، فلا إقدامَ مثلًا في قصد المُتكلِّم، وإنما هو تصويرُ القُدوم بصورة الإقدام، وإسناده إلى الحقِّ المصوّر بصورة المُقْدِم مبالغةٌ في كونه داعيًا للقدوم، وارتضاه السيالكوتي في حواشي شرح مختصر ((التلخيص))، وذبَّ عنه القال والقيل، وتمام الكلام هناك، والكلام في الآية على طرز ذاك. سُورَةٌ مُخَانَد ١٤٤ الآية : ١٤ ووصفُ القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك لضعف قوتها، كما أن وصفَ الثانية بإخراجه عليه الصلاة والسلام للإيذان بأولويتها به لقوة جنايتها، وعلى طريقته قول النابغة(١): کلیبٌ لعمري كان أكثرَ ناصرًا وأيسرَ جُرْمًا منك ضُرِّجَ بالدم وقوله تعالى: ﴿فَلَ نَاصِرَ لَمْ ﴾﴾ بيانٌ لعدم خلاصهم بواسطة الأعوان والأنصار إثرَ بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات، وهو حكايةُ حال ماضية كما في قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس: ٩] ولا نُسلِّم أنَّ اسمَ الفاعل إذا لم يعمل حقيقةٌ في الماضي. والآية تسليةٌ له وَل﴾، فقد أخرج عبد بن حُميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبيَّ وَّ لما خرج من مكةَ إلى الغار التفتَ إلى مكة وقال: ((أنت أحبُّ بلادِ الله تعالى إلى الله وأنتِ أحبُّ بلادِ الله تعالى إليَّ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منكِ لم أَخرجْ منكِ، فأعدى الأعداء مَن عَدَا على الله تعالى في حرمه، أو قَتَلَ غيرَ قاتله، أو قَتَلَ بذُحُولِ أهل الجاهلية)) فأنزل الله سبحانه: (وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ) إلخ (٢)، وقد تقدم ما يتعلَّق بذلك أول السورة فتذكَّر. ﴿أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ تقريرٌ لتباين حال الفريقين المؤمنين والكافرين؛ وكونِ الأوَّلينَ في أعلى عِلَيِّين والآخرين في أسفل سافلين، وبيانٌ لعلَّة ما لكلِّ منهما من الحال، والهمزة لإنكار استوائهما أَو لإنكار كون الأمر ليس كما ذُكر، والفاء للعطف على مُقدَّر يقتضيه المقام، وقد قُرئ بدونها(٣)، و((مَنْ)) عبارة عن (١) هو النابغة الجعدي، والبيت في ديوانه ص١٤٣ . (٢) الدر المنثور ٤٨/٦، وهو في تفسير الطبري ١٩٨/٢١، والمطالب العالية ٣٧١/٣ عن أبي يعلى. ولقوله: ((أعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قَتَل غيرَ قاتله، أو قَتَل بذُحُول الجاهلية)). شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، وهو عند أحمد (٦٦٨١). قال ابن الأثير في النهاية (ذحل): الذَّخْل: الوِتْر وطلب المكافأة بجناية جُنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلكٍ، والذَّحل: العداوة أيضاً. اهـ. وتصحفت العبارة في البحر المحيط ٧٨/٨ (والكلام منه): وقيل: بدخول الجاهلية. (٣) ذكرها أبو حيان في البحر ٧٨/٨. الآية : ١٥ ١٤٥ سُورَةُ مُحَمْد المؤمنين المُتمسِّكين بأدلة الدين كما أنها في قوله تعالى: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ﴾ عبارةٌ عن أضدادهم من المشركين. وأخرج جماعة عن ابن عباس أن مَنْ كان على بيِّنة من ربِّه: هو رسولُ الله ◌ِت، ومَنْ زُيِّن له سوءُ عمله هم المشركون. ورُوي عن قتادة نحوه(١)، وإليه ذهب الزمخشري(٢). وتُعقِّب بأنَّ التخصيصَ لا يُساعده النظم الكريم ولا داعيَ إليه، قيل: ومثله كون ((مَنْ) الأُولى عبارةً عنه وَّةِ وعن المؤمنين، والمعنى: أَيستوي الفريقان: أو أليس الأمر كما ذكر، فمن كان ثابتًا على حُجَّة ظاهرة وبرهان نَيِّر من مالك أمرِه ومُربِّيه وهو القرآن العظيم وسائر المعجزات والحُجج العقلية كمن زيَّن له الشيطانُ عملَه السيئ من الشِّرك وسائر المعاصي، کإخراجك من قريتك، مع کون ذلك في نفسه أقبحَ القبائح. ﴿وَّعُواْ﴾ في ذلك العمل السيئ، وقيل: بسبب ذلك التزيين ﴿أَهْوَآتَ هُ ١٤ الزائغة من غير أن يكون لهم شُبهة تُوهم صحَّةً ما هم عليه فضلاً عن حُجَّةٍ تدلُّ عليها. وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى ((مَن)) كما أنَّ إفراد الأولين باعتبار لفظها . ﴿َثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَُّونَ﴾ إلى آخره، استئنافٌ مسوقٌ لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفًا للمؤمنين، وبيانِ كيفية أنهارها التي أُشير إلى جريانها من تحتها، وعبّر عنهم بالمثَّقين إيذانًا بأنَّ الإيمان والعمل الصالحَ من باب التقوى الذي هو عبارةٌ عن فعل الواجبات وترك السيئات. والمَثَلُ: الوصفُ العجيبُ الشأن، وهو مبتدأ باتفاق المُعربين، واختلف في خبره، فقيل: محذوفٌ، فقال النضر بن شُميل: تقديره: ما تسمعون، وقوله عز وجل: ﴿فِيَهَا أَنْهَرٌ﴾ إلى آخره مُفسِّر له. وقال سيبويه: تقديره: فيما يُتلى عليكم، أو فيما قَصَصْنا عليك، ويُقَدَّر مقدَّمًا، و((فيها أنهار)) إلخ بيانٌ لذلك المَثَل. وقدَّره ابنُ (١) الدر المنثور ٤٨/٦، وعزاه لعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر، ولم نقف عليه عن ابن عباس (٢) الكشاف ٣/ ٥٣٣. سُورَةٌ مُخْصَد ١٤٦ الآية : ١٥ عطية: ظاهرٌ في نفس من وَعَى هذه الأوصافَ(١). وليس بذاك. ولعلَّ الأنسبَ بصدر النظم الكريم تقدير النَّصْرِ . وقيل: هو مذكور، فقيل: هو قوله تعالى: ((فيها أنهار)) إلخ على معنى: مَثَلُ الجنة وصفتُها مضمونُ هذا الكلام، ولا يحتاج مِثْلُ هذا الخبر إلى رابط. وقيل: هذه الجملة هي الخبر إلا أنَّ لفظ ((مثل)) زائدٌ زيادةَ اسم في قولِ مَن قال : إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما (٢) فالمبتدأ في الحقيقة هو المضافُ إليه، فكأنه قيل: الجنةُ فيها أنهار .. إلخ. وليس بشيء. وقيل: الخبر قوله تعالى الآتي: ((كمن هو خالد في النار)) وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ الكلام فيه. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله والسُّلمي: ((أمثال الجنة)) أي: صفاتها، قال ابن جنيٌّ(٣): وهذا دليل على أن قراءة العامة بالتوحيد معناها الكَثْرة لما في ((مثل)) من معنى المصدرية، ولذا جاز: مررت برجل مثل رجلين، و: برجلين مثل رجال، وبامرأة مثل رجل. وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه أيضًا أنه قرأ: ((مِثالُ الجنة))(٤) ومثال الشيء في الأصل نظيره الذي يُقابَل به. ﴿مِّن ◌َّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ أي: غير مُتغيِّر الطّعم والريح لطول مُكْث ونحوه، وماضيه: أَسَنَ بالفتح من باب ضَرَبَ ونَصَرَ، وبالكسر من باب عَلِمَ، حكى ذلك الخفاجي عن أهل اللغة(٥). وفي ((البحر))(٦): أَسَنَ الماءُ: تغيَّر ريحُه، يَأْسِنُ ويَأْسُنُ؛ ذكره (١) المحرر الوجيز ١١٤/٥. (٢) قائله لبيد بن ربيعة، وهو في ديوانه ص٧٩، وعجزه: ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر. وسلف ٤٥٦/١١. (٣) في المحتسب ٢/ ٢٧٠، والقراءة السابقة فيه وفي القراءات الشاذة ص ١٤٠. (٤) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٤/٥، والقرطبي في تفسيره ٢٥٩/١٩. (٥) حاشية الشهاب ٨/ ٤٥. (٦) البحر المحيط ٨/ ٧٠. الآية : ١٥ ١٤٧ ثعلب في ((الفصيح))، والمصدر: أُسونٌ، وأَسِن بكسر السين يأسَن بفتحها لغة أسنًا، قاله اليزيدي، وأَسِن الرجل بالكسر لا غير إذا دخل البئرَ فأصابته ريحٌ مُنتنة منها فَغُشي عليه أو دار رأسُه، ومنه قول الشاعر: قد أترك القِرن مُصْفَرًّا أنامله يميدُ في الرمح (١) ميدَ المائح الأسِن(٢) وقرأ ابن كثير وأهلُ مكة: ((أَسِنٍ)) على وزن حَذِر(٣)، فهو صفةٌ مُشبَّهةٌ أو صيغةُ مبالغة، وقرئ: ((يَسِنٍ)) بالياء، قال أبو عليّ(٤): وذلك على تخفيف الهمزة. ﴿وَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَّرْ لَعْمُهُ﴾ لم يحمض ولم يَصِرْ قارصًا ولا حاذرًا كألبان الدنيا، وتَغيُّر الريح لا يُفارق الطّعم ﴿وَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِينَ﴾ أي: لذيذة لهم، ليس فيها كراهةُ طَعْم وريح، ولا غائلةُ سُكر وخمار كخمور الدنيا، فإنها لا لذَّةَ في نفس شُربها، وفيها من المكاره والغوائل ما فيها، وهي صفة مشبَّهة مؤنَّث لذٌّ، وُصفت بها الخمر لأنها مؤنَّئة وقد تذكَّر، أو مصدر نُعت به بتقدير مضاف، أو بجَعْلِها عينَ اللذة مبالغةً على ما هو المعروف في أمثال ذلك. وقُرئت بالرفع على أنها صفة ((أنهار)) وبالنصب على أنها مفعولٌ له(٥)، أي: كائنة لأجل اللذة لا لشيء آخر من الصّداع وسائر آفاتٍ خمورِ الدنیا . ﴿وَهٌَ مِنْ عَلٍ مُصَفِّى﴾ مما يُخالفه، فلا يُخالطه الشَّمَع(٦) وفضلات النحل وغيرها، ووصفُه بـ ((مصفَّى))؛ لأن الغالبَ على العسل التذكير، وهو مما يُذكَّر (١) في الأصل و(م): الريح. والمثبت من المصادر. وجاء في هامش الأصل: رأيت في بعض النسخ: الرمح، بدل الريح. (٢) البيت لزهير، وهو في شرح ديوانه ص١٢١، وروايته فيه: يغادر القرن مصفرًّا أنامله يميل في الرمح ميل المائح الأسن القِرْن: كفؤك في الشجاعة. الصحاح (قرن). قال شارح الديوان: مصفرًّا أنامله: دنا موته فاصفرَّت أنامله، والمائح: الذي ينزل إلى أسفل البئر يملأ الدلو إذا قلَّ ماؤه. (٣) التيسير ص٢٠١، والنشر ٣٧٥/٢. (٤) الحجة للقراء السبعة ٦/ ١٩١ . (٥) الكشاف ٥٣٤/٣، والبحر المحيط ٧٩/٨. (٦) في هامش الأصل: بفتح الميم، والعامة تسكِّنها، وهو إمَّا لحنٌ أو لغة رديئة. قاله الخفاجي. سُؤَادَةٌ مُخْدٌ ١٤٨ الآية : ١٥ ويؤنَّث كما نصَّ عليه أبو حيان (١) وغيره، وهذا - على ما قيل - تمثيلٌ لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يُستطاب منها أو يستلذَّ في الدنيا، بالتخلية عمَّا ينقصها ويُنْغِّصها، والتحلية بما يُوجب غَزارتها ودوامها. وبُدئ بالماء لأنه في الدنيا مما لا يُستغنى عنه، ثم باللبن إذا كان يجري مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الرِّي والمطعوم تشوَّفت النفس إلى ما يُلتذُّ به، ثم بالعسل لأنَّ فيه الشفاءَ في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخِّر بالرُّتبة. وجاء عن ابن عباس أن لبنَ تلك الأنهار لم يُحلَب، وقال سعيد بن جُبير: إنه لم يخرج من بين فَرْث ودم، وإنَّ خمرَها لم تَدُسها الرجالُ بأرجلها، وإن عسلَها لم يخرج من بطون النحل. وأخرج ابنُ جرير عن سعد قال: سألت أبا إسحاق عن قوله تعالى: ((مِنْ ماء غير آسن) فقال: سألت عنه الحارث فحدَّثني أنَّ ذلك الماء تسنيم، وقال: بلغني أنه لا تمسُّه يدٌ وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخلَ (٢) الفم (٢) . وفي حديثٍ أخرجه ابنُ مردويه عن الكلبي: أن نهر دجلةَ نهر الخمر في الجنة، وأن عليه إبراهيمَ عليه السلام، ونهر جيحون نهر الماء فيها، ويقال له: نهر الربّ، ونهر الفرات نهر اللبن وأنه لِذُرِّيَّة المؤمنين، ونهر النيل نهر العسل(٣). وأخرج الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) والبيهقي عن كعب قال: نهرُ النيل نهرُ العسل، ونهرُ دجلة نهر اللبن، ونهر الفرات نهرُ الخمر، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة(٤). وأنت تعلم أن المذكورَ في الآية لكلِّ ((أنهارٌ)) بالجمع، والله تعالى أعلم بصحة (١) البحر المحيط ٧٩/٨. (٢) تفسير الطبري ٢٠٠/٢١ . (٣) الدر المنثور ٤٩/٦. (٤) الدر المنثور ٤٩/٦، ومسند الحارث (١٠٤٢ - زوائد)، وأخرجه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد ١/ ٥٥ . الآية : ١٥ ١٤٩ سُورَةٌ مُحَدٌ هذه الأخبار ونحوها، ثم إنها إنْ صحَّت لا يبعدُ تأويلها، وإن كانت القُدرة الإلهية لا یتعاصاها شيء. ﴿وَمْ فِهَا﴾ مع ما ذكر من فنون الأنهار ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ أي: أنواع من كلّ الثمرات، فالجارُّ والمجرور صفةٌ مبتدأ مقدَّر، وقدَّره بعضُهم: زوجان، وكأنه انتزعه من قوله تعالى: ﴿فِهِمَا مِنْ كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٢]. وقيل: ((مِنْ)) زائدةٌ، أي: ولهم فيها كلُّ الثمرات. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوفٌ، والجملة عطفٌ على الجملة السابقة، أي: ولهم مغفرة، وجُوِّز أنْ يكون عطفًا على المبتدأ قبلُ بدون قيد فيها؛ لأنَّ المغفرةَ قبل دخول الجنة، أو بالقيد والكلام على حذف مضاف، أي: ونعیمُ مغفرةٍ، أو جعل المغفرة عبارة عن أثرها وهو النعيم، أو مجازًا عن رضوان الله عز وجل. وقد يقال: المراد بالمغفرة هنا سترُ ذنوبهم وعدمُ ذِكْرها لهم لئلا يستحوا فتنغَّص لَذَّتُهم، والمغفرة السابقة سترُ الذنوب وعدم المُؤاخذة بها، وحينئذ العطفُ على المبتدأ من غير ارتكاب شيء مما ذكر. وقد رأيتُ نحو هذا بَعْدَ كتابته للطبرسي(١) مقتصرًا عليه، ولعله أَولى مما قالوه. وتنوين: ((مغفرة)) للتعظيم أي: مغفرة عظيمة لا يُقادر قدرها، وقوله تعالى: ﴿مِنْ زَّبِهِمْ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ صفةٍ لها مؤكّدةٍ لما أفاده التنكير من الفَخَامة الذاتية بالفَخَامة الإضافية، أي: كائنةٌ من ربِّهم. وقوله عز وجل: ﴿كَمَنْ هُوَ خَلٌِّ فِ النَّارِ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: أَمَنْ هو خالد في هذه الجنة حَسْبَما جرى به الوعدُ كمَن هو خالدٌ في النار كما نطق به قوله تعالى: ((والنار مثوى لهم)). وجُوِّز أن يكون بدلًا من قوله سبحانه: ((كمن زين له سوء عمله)) وما بينهما اعتراضٌ لبيان ما يمتاز به مَن على بينة في الآخرة تقريرًا لإنكار المساواة، وفيه بُعْدٌ. (١) مجمع البيان ٣٥/٢٦. سُورَةٌ مُخَصَدَ ١٥٠ الآية : ١٥ وذهب جارُ الله إلى أنه خبر ((مَثَلُ الجنة)) وأن ذاك مرتَّب على الإنكار السابق، أعني قوله تعالى: ((أفمن كان)) إلخ، والمعنى: أَمَثَلُ الجنة كمَثَل جزاء من هو خالدٌ في النار، فالمضافان محذوفان: الجزاء بقرينةٍ مقابلة الجنة، ولفظ المَثَل بقرينة تقدُّمه، ومثله كثير. وفائدة التعرية عن حرف الإنكار أنَّ من اشتبه عليه الأول - أعني حال المتمسِّك بالبينة وحال التابع لهواه - فالثاني مثلُه عنده(١)، وإذ ذاك لا يستحقُّ الخطاب، ونظير ذلك قولُ حضرمي بن عامر: أفرحُ أنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأنْ أُورَتَ ذودًا شصائصًا نَبَلا(٢) فإنه كلامُ منكرٍ للفرح برزية الكرام ووراثةِ الذُّود مع تعرِّيه من حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم من قال له: أَتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله؟! وذلك من التسليم الذي يقلُّ تحته كلُّ إنكار. وجَعل قولَه تعالى: ((فيها أنهار)) كالتكرير للصلة - أي: صلة بعد صلة - يتضمَّن تفصيلَها لأنه كالتفصيل للموعود، ولهذا لم يتخلَّل العاطفُ بينهما، وجَوَّز أن يكون في موضع الحال على أنَّ الظرفَ في موضع ذلك، و((أنهار)) فاعله، لا على أنه مبتدأ والظرفُ خبرٌ مقدَّم والجملة الاسمية حال لعدم الواو فيها، وقد صرَّحوا بأن الاكتفاء فيها بالضمير غيرُ فصيح، واعتبارها فعليَّة بتقدير متعلَّق الظرف استقرَّ لا يخفى حاله. وقيل: في الحال ضعفٌ من حيث المعنى لمجيئه مجيء الفضلات، وهي أُّ الإنكار، وأيضًا هو حالٌ من الجنة لا من ضميرها في الصلة، وفي العامل تكلُّف، ثم الحال غير مقيّدة، وجَعْلُها مؤكّدةً وقد عُلم كونها كذلك من إخباره تعالى فيه أيضًا تكلُّف. وأن يكون(٣) خبرَ مبتدأ محذوف والجملة استئنافٌ بياني، قال في ((الكشف)): وهو الوجه، والتقدير: هي فيها (١) في الكشاف ٥٣٣/٣: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصويرٍ لمكابرة مَن يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة مَن يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. (٢) سلف ١٨ / ٥١٧. (٣) أي: وجوَّز (يعني الزمخشري) أن يكون .... الكشاف ٣/ ٥٣٤. الآية : ١٥ ١٥١ سُورَةٌ مُخْمَدٌ أنهارٌ. وكأنه قيل: أنَّى يكون صفةُ الجنة وهي كذا وكذا كصفة النار؟ فالاستئنافُ هاهنا بمنزلة قولك: وهي كذا وكذا، اعتراضًا لِمَا في لفظ المثل من الإشعار بالوصف العجيب، وليس خبر الجملة السابقة وهو ((كمن هو خالد في النار)) مَوْرِدَ السؤال ليعترض بوقوع الاستئناف قبل مُضِيِّه. وأُورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن ((فيها أنهار)) جملة برأسها. والجواب أن التقدير: مَثَلُها فيها أنهار، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه، فصار مرفوعًا، ثم حُذف، ولهذا قال في السؤال: كأنَّ قائلًا قال: وما مَثَلُها؟ ويجري ما قرّر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه: ((أمثال)» بالجمع فيقال: التقدير: أمثالُ الجنة كأمثالٍ جزاء من هو خالد في النار، ويُقدَّر المضاف الأول جمعًا للمطابقة. ولعمري لقد أبعد جارُ الله المغزى، وقد استحسن ما ذكره كثيرٌ من المُحقِّقین؛ قال صاحب ((الكشف)) بعد تقرير جعل ((كمن هو خالد)) خبرًا لـ ((مَثَلُ الجنة)): هذا هو الوجه اللائح المناسبُ للمساق. وقال ابن المُنَيِّر: في ((الانتصاف))(١) بعد نقله: كم ذكر الناسُ في تأويل هذه الآية، فلم أرَ أطلى ولا أحلى من هذه النُّكت التي ذكرها،، لا يعوزها إلا التنبيه على أنَّ في الكلام محذوفًا ليتعادل، والتقدير: مثلُ ساكن الجنة كمن هو خالد في النار، ومن هذا النمط قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] إلخ. وما قدَّرناه لتحصيل التعادل أَولى وإنْ كان فيه كثرةُ حذف، فتأمَّل ذاك والله تعالى يتولَّى هداك. والضمير المفرد - أعني ((هو)) - راجعٌ إلى ((مَنْ)) باعتبار لفظها كما أن ضمير الجمع في قوله سبحانه: ﴿وَسُقُواْ مَاءَ حَمِيمًا﴾ راجعٌ إليها باعتبار معناها، والمراد: وسُقوا ماءً حارًّا مكانَ تلك الأشربة، وفيه تھُمُ بهم. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَّةَهُمْ ﴾﴾ من فَرْطِ الحرارة، رُوي أنه إذا أُدنيَ منهم شوى وجوهَهم وامتازَتْ فروةُ رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أمعاءهم، وهي جمع: معى (١) ٣/ ٥٣٣ (بهامش الكشاف). ١٥٢ الآية : ١٦ بالفتح والكسر(١): ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة، ويقال له: عفاج(٢)، وهو مذگَّر وقد يُؤنَّث. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَّكَ﴾ هم المنافقون، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ كما أنَّ جمعه بعدُ باعتبار المعنى، قال ابن جُريج: كانوا يحضرون مجلسَ رسول الله دوله فيسمعون كلامَه ولا يَعُونه ولا يُراعونه حقَّ رعايته تَهاونًا منهم. ﴿حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي: لأُولي العلم من الصحابة ته. وقيل: هم الواعون لكلامه عليه الصلاة والسلام الراعون له حقَّ رعايته من الصحابة ؤه: ﴿مَاذَا قَالَ مَائِقًا﴾ أي: ما الذي قال قُبيل هذا الوقت، ومقصودهم من ذلك الاستهزاء وإنْ كان بصورة الاستعلام، وجُوِّز أن يكون مرادُهم حقيقةً الاستعلام، إذ لم يُلقوا له آذانهم تهاونًا به ولذلك ذُمُّوا .. والأول أَولى. قيل: قالوا ذلك لابن مسعود. وعن ابن عباس: أنا منهم، وقد سُميت فيمن سُئل(٣)، وأراد ◌َبه أنه من الذين أوتوا العلم بنصِّ القرآن، وما أحسن ما عبّر عن ذلك. و ((آنفًا)) اسمُ فاعل على غير القياس، أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يُسمع له فعلٌ ثلاثي، بل استأنف وائتنف، وذكر الزجَّاج(٤) أنه من استأنفتُ الشيء: إذا ابتدأته، وكأنَّ أصل معنى هذا: أخذت أنفه، أي: مبدأه. وأصلُ الأنف الجارحةُ المعروفة، ثم يُسمَّى به طرفُ الشيء ومُقدَّمه وأشرفه، وذكر غيرُ واحد أنَّ ((آنفًا)) من ذلك؛ قالوا: إنه اسمٌ للساعة التي قبلَ ساعتك التي أنت فيها، من الآنف بمعنى المتقدِّم، وقد استُعير من الجارحة لتقدُّمها على الوقت الحاضر، وقيل: هو بمعنى زمان الحال. (١) يعني بفتح وكسر الميم، والعين تُفتح مع كسر الميم وتسكن مع فتحها. القاموس المحيط (معي). (٢) كذا في الأصل و(م): عفاج، والصواب: أعفاج، وهو جمع عَفْج، وبالكسر والتحريك وکگتِف. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠٤/٢١. (٤) معاني القرآن وإعرابه ١٠/٥. الآية : ١٧ ١٥٣ سُورَةٌ مُحَمَد وهو على ما ذهب إليه الزمخشري(١) نصبٌ على الظرفية، ولا يُنافي كونه اسم فاعل كما في بادئ، فإنه اسمُ فاعل غُلِّب على معنى الظرفية في الاستعمال. وقال أبو حيان(٢): الصحيح أنه ليس بظرف، ولا نعلم أحدًا من النحاة عدَّه في الظروف، وأَوجبَ نَصْبَه على الحال من فاعل ((قال)»، أي: ماذا قال مبتدئًا، أي: ما القول الذي انتنفه الآن قبل انفصالنا عنه، وإلى ذلك يُشير كلامُ الراغب (٣). وقرأ ابنُ كثير: ((أَنِفًا)) على وزن فَعِل(٤). ﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر ﴿الَّذِينَ طَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فَعدِمَ توجُّههم(٥) نحو الخير ﴿وَأَّعُواْ أَهْوَءَ هُمْ ﴾ فتوجَّهوا نحو كلِّ ما لا خيرَ فيه، فلذلك كان منهم ما كان. ﴿وَأَِّنَ أَهْتَدَوْ﴾ إلى طريق الحقِّ ﴿زَادَهُمْ﴾ أي: الله عز وجل ﴿هُدَى﴾ بالتوفيق والإلهام، والموصول يحتمل الرفعَ على الابتداء والنصبَ بفعلٍ محذوف يُفسِّره المذكور، و((هدى)) مفعولٌ ثانٍ، لأنَّ: زاد، قد يتعدَّى لمفعولين، ويحتمل أن يكون تمييزًا، والأول هو الظاهر، وتنوينه للتعظيم، أي: هدى عظيمًا. ﴿وَانَهُمْ تَقْوَنُهُمْ ﴾﴾ أي: أعطاهم تقواهم إيَّاه جل شأنه، بأنْ خَلَقها فيهم بناءً على ما يقوله الأشاعرة في أفعال العباد، أو بأنْ خلقَ فيهم قُدرةً عليها مؤثّرةً في فِعْلها بإذنه سبحانه على ما نسبه الكوراني إلى الأشعري، وسائرُ المحقّقين في أفعال العباد من أنها بقدرةٍ خَلَقها الله تعالى فيهم مُؤثِّرة بإذنه تعالى، وقول بعضهم: بأن جعلهم جلَّ شأنه مُنَّقين له سبحانه، يمكن تطبيقُه على كلٍّ من القولين. وقال البيضاوي(٦): أي: بيَّن لهم ما يتَّقون، أو: أعانهم على تقواهم، أو: (١) الكشاف ٣/ ٥٣٤ . (٢) البحر المحيط ٨/ ٧٩. (٣) مفردات ألفاظ القرآن (أنف). (٤) وهي غير المشهورة عنه. ذكرها أبو حيان في البحر ٧٩/٨. (٥) في تفسير أبي السعود ٩٦/٨: لعدم توجههم. (٦) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٤٦/٨. ١٥٤ الآية : ١٧ أعطاهم جزاءَها، فالإيتاء عنده مجازٌ عن البيان أو الإعانة، أو هو على حقيقته والتقوى مجازٌ عن جَزائها لأنها سببه، أو فيه مضافٌ مقدَّر، وليس في شيء من ذلك ما يأباه مذهبُ أهلِّ الحقِّ. وذكر الزمخشري(١) الثاني والثالثَ من ذلك، واختار الطيبي الأول من هذين الاثنين، وقال: هو أوفقُ لتأليف النظم الكريم لأنَّ أغلبَ آيات هذه السورة الكريمة رُوعي فيها التقابلُ، فقوبل ((أولئك الذين طبع الله على قلوبهم)) بقوله سبحانه: ((والذين اهتدوا زادهم هدى)) لأن الطّبْع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله تعالى: ((واتبعوا أهواءهم» بقوله جل وعلا: ((وآتاهم تقواهم)) فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزَّه العارف عمَّا يشغل سِرَّه عن الحقِّ، ويتبتَّل إليه سبحانه بشراشره، وهو التقوى الحقيقية المعنية بقوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فإن المزيدَ على مَزيد الهدى مَزيدٌ لا مَزيدَ عليه، وفي الترفُّع عن متابعة الهوى النزوعُ إلى المولى والعزوبُ عن شهوات الحياة الدنيا، ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم إيماءٌ إلى معنى قوله تعالى حكاية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وتلويحُ إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى دواءٌ إلهي. انتهى. وما ذكره من التقابل جارٍ فيما ذكرناه أيضًا، وكذا يجري التقابل على تفسير إيتاء التقوی ببيان ما یتَّقون لإشعار الكلام علیه بأن ما هم فيه لیس من ارتكاب الهوى والتشهِّي، بل هو أمرٌ حقٌّ مبنيٌّ على أساس قوي، وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مَرويٌّ عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجُبَّائي، والكلامُ عليه أَفيدُ وأَبعدُ عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى مراتبها، وأمر التقابل هيِّنٌّ، فإنه قد يقال: إن قوله تعالى: ((اهتدوا)) في مقابلة ((اتبعوا أهواءهم)) وقوله سبحانه: (زادهم هدى)) في مقابلة ((طبع الله على قلوبهم))، فليتدبّر. وقيل: فاعل ((زادهم)) ضمير قوله بَّر المفهوم من قوله تعالى: ((ومنهم من يستمع إليك)) وقوله سبحانه: ((ماذا قال آنفًا))، وكذا فاعل ((آتاهم)) أي: أعانهم أو بيَّن لهم، والإسنادُ مجازيٌّ. ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر، وأيضًا إذا كان قوله (١) الكشاف ٣/ ٥٣٤. الآية : ١٨ ١٥٥ سُوَلاَ مُحَانَدُ تعالى: ((زادهم هدى)) في مقابلة قوله سبحانه: ((طبع الله على قلوبهم)) فالأولى أن يَتَّحدَ فاعلُه مع فاعله ويجري نحو ذلك على ما قاله الطيبي لئلا يلزم التفكيك. وجُوِّز أن يكون ضميرًا عائدًا على قول المنافقين فإن ذلك مما يَعجَبُ منه المؤمن فيحمد الله تعالى على إيمانه، ويَزيد بصيرة في دينه. وهو بعيدٌ جدًّا، بل لا یکاد یُلتَفَتُ إلیه. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ﴾ أي: القيامة، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَأْنِيَهُم بَعْتَةٌ﴾ - أي: تُباغتهم بغتة، وهي المفاجأة - بدلُ اشتمالٍ من ((الساعة))، أي: لا یتذگَّرون بأحوال الأمم الخالية ولا بالأخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأحوال، فما ينتظرون للتذكر إلا إتيان الساعة نفسها . وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا﴾ - أي: علاماتها وأَماراتها، كما في قول أبي الأسود الدُّؤلي: فإنْ كنتَ قد أزمعتَ بالصَّرم بيننا فقد جَعَلَتْ أشراطُ أوَّلِهِ تبدو(١) وهي جمع شَرَط بالتحريك - تعليل لمفاجأتها، على معنى أنه لم يَبْقَ من الأمور المُوجبة للتذكُّر أمرٌ مترقّب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة؛ إذ قد جاء أشراطُها فلم يرفعوا لها رأسًا ولم يعدُّوها من مبادئ إتيانها، فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة، كذا في ((إرشاد العقل السليم))(٢). وظاهر كلام «الكشاف)) (٣) أنه تعليلٌ للإتيان مطلقًا، أي: ما ينتظرون إلا إتيان الساعة لأنه قد جاء أشراطُها، وبعد مجيئها لا بدَّ من وقوع الساعة، وتعليلُ المقيَّد دون قيدِه لا يخلو عن بُعد، قيل: ويُقرِّبه هنا أنَّ انتظارَهم ليس إلا الإتيان الساعة، وتقييده بـ ((بغتة)) ليس إلا لبيان الواقع. وقال بعض المحققين: هو تعليلٌ لانتظار الساعة؛ لأن ظهورَ أمارات الشيء (١) الأغاني ٣٣٤/١٢، والكشاف ٥٣٥/٣، والصرم: الهجران. اللسان (صرم). (٢) وهو تفسير أبي السعود ٨/ ٩٧. (٣) ٥٣٥/٣. ١ سُوَةٌ مُحَدٌ ١٥٦ الآية : ١٨ سببٌ لانتظاره، وفي جعله تعليلًا للمفاجأة خَفاءٌ لأنها لا تناسب مجيء الأشراط إلا بتأويل، وأنت تعلم أن البدلَ هو المقصودُ فالانتظار الإتيان الساعة بغتةً، فالتعليل المذكور تعليلٌ للمقيّد دون قيده أيضًا، فكان ما في ((الإرشاد)) متعيِّنٌ وإن کان فيه نوعُ تأويل. وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَنُهُمْ ﴾﴾ على ما أفاده بعضُ الأجلة تعجيبٌ من نفع الذكرى عند مجيء الساعة وإنكارٌ لعدم تشمُّرهم لها ولانتظارهم إياها هُزءاً وجحودًا، وفي ((الإرشاد))(١): وقوله تعالى: ((فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم)) حكمٌ بخطئهم وفسادٍ رأيهم في تأخير التذكُّر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكُّر حينئذٍ كقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَذَكَّرُ الْإِنسَنُ وَأَنَّ لَهُ الذِكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] أي: فكيف لهم ذِكراهم؟ على أنَّ ((أنى)) خبرٌ مقدَّم، و((ذكراهم)) مبتدأ، و(إذا جاءتهم)) اعتراضٌ وُسِّطَ بينهما رمزًا إلى غاية سُرعة مجيئها، وإطلاقُ المجيء عن قيد البغتة لما أنَّ مدارَ استحالة نفع التذكّر كونُه عند مجيئها مطلقًا لا مقيدًا بقيد البغتة. وقيل: ((أنى)) خبرٌ مقدَّم لمبتدأ محذوف، أي: فأنى لهم الخَلاص إذا جاءتهم الذِّكرى بما يُخبرون به فينكرونه منوطةً بالعذاب. ولا يخفى حاله. وقرأ أبو جعفر الرُّؤاسي عن أهل مكة: ((إنْ تَأْتِهم))(٢) على أنه شرطٌ مستأنفٌ، جزاؤه: ((فأنى لهم)) إلخ، أي: إنْ تأتهم الساعةُ بغتةً إذْ قد جاء أشراطُها فأنَّى تنفعهم الذِّكرى وقتَ مجيئها، و((إن)) هنا بمعنى ((إذا))، لأن إتيانَ الساعة متيقَّن، ولعلَّ الإتيان بها للتعريض بهم، وأنهم في رَيْبٍ منها، أو لأنها لِعدم تعيين زمانها أشبهت المشكوكَ فيه، وإذا جاءتهم باعتبار الواقع فلا تعارض بينهما كما يُتوهم في النظرة الحمقاء. وفي ((الكشف)): ((إذا)) على هذه القراءة لمجرَّد الظرفية لئلا يلزم التمانع بين: ((إذا جاءتهم)) و((إن تأتهم))، وفي الإتيان بـ((إنْ)) مع الجزم بالوقوع تقويةُ أمرِ التوبيخ والإنكار كما لا يخفى. انتهى. وعلى ما ذكرنا لا يحتاج إلى جعل ((إذا)) لمجرَّد الظرفية. (١) تفسير أبي السعود ٨/ ٩٧. (٢) المحتسب ٢/ ٢٧٠، وتفسير القرطبي ٢٦٦/١٩. الآية : ١٨ ١٥٧ سُورَةٌ مُخَنَدُ وقرأ الجعفي وهارون عن أبي عمرو: ((بَغَنَّةً)) بفتح الغين وشدِّ التاءِ(١). قال صاحب ((اللوامح)): وهي صفةٌ وانتصابها على الحال، ولا نظير لها في المصادر ولا في الصفات، بل في الأسماء نحو الجَرَبَّة - وهي القطيع من حُمر الوحش، وقد يُسمَّى الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعةً متساوين: جَرَبَّة - والشَّرَبَّة، وهي اسمُ موضع، وكذا قال أبو العباس بن الحاج من أصحاب أبي علي الشلوبين في كتابه : ((المصادر)). وقال الزمخشري(٢): وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصوابُ: ((بَغَتة)) بفتح الغين من غير تشديد كقراءة الحسن فيما تقدَّم. وتعقَّبه أبو حيان(٣) بأن هذا على عادته في تغليط الرواة. والظاهر أن المرادَ بأشراط الساعة هنا علاماتُها التي كانت واقعةً إذ ذاك، وأُخبروا أنها علاماتٌ لها كبعثة نبينا ◌َّ، فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى(٤). وأراد عليه الصلاة والسلام مَزيد القُرب بين مبعثه والساعة، فإن السبابة تقربُ من الوسطى طولًا فينا، وهكذا فيه وَّه، وزعمُ بعضِهم أنَّ أمر الطول والقِصَر في وسطاه وسبابته عليه الصلاة والسلام على عَكْس ما فينا خطأٌ لا يُلتفت إليه إلا أنْ يكون أراد ذلك في أصابع رجليه الشريفة وصله. وأخرج أحمد عن بُريدة رَ ﴿به قال: سمعتُ رسول الله وَلَه يقول: ((بُعثت أنا والساعة جميعًا وإن كادتْ لتسبقني))(٥)، وهذا أبلغُ في إفادة القُرب، وعدُّوا منها انشقاقَ القمر الذي وقع له وَّ، والدخانَ الذي وقع لأهل مكة. (١) المحتسب ٢٧١/٢، والبحر ٨٠/٨. (٢) الكشاف ٣/ ٥٣٥ . (٣) البحر المحيط ٨/ ٨٠. (٤) مسند أحمد (١٢٢٤٥)، وصحيح البخاري (٦٥٠٤)، وصحيح مسلم (٢٩٥١): (١٣٥)، وسنن الترمذي (٢٢١٤)، وفي الباب عن عدد من الصحابة. تنظر في حاشية مسند أحمد. (٥) مسند أحمد (٢٢٩٤٧). ١٥٨ الآية : ١٨ وأما أشراطُها مطلقًا فكثيرةٌ أُلُّفت فيها كتبٌ مختصرة ومطولة، وهي تنقسم إلى : مضيقة لا تبقى الدنيا بعد وقوعها إلا أيسرَ يسير، كخروج المهدي ظُه على ما يقول أهلُ السنة دون ما يقوله الشيعة القائلون بالرجعة، فإن الدنيا عندهم بعد ظهوره تبقى مدةً معتدًّا بها، وكنزولِ عيسى عليه السلام، وخروجِ الدّجَّال، وطلوعِ الشمس من مغربها، وخروج الدائَّة، وغير ذلك. وغير مضيقة: وهي أكثرُ الأشراط، ككون الحُفاة الرُّعاة رؤوسَ الناس، وتطاولهم في البنيان، وفُشُوِّ الغِيبة، وأكل الربا، وشُرب الخمر، وتعظيم ربِّ المال، وقلَّة الكرام، وكَثْرة اللِّئام، وتباهي الناس في المساجد واتِّخاذها طرقًا، وسوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وقلَّة العلم، وأنْ يُوسَّد الأمرُ إلى غير أهله، وأنْ يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكَعَ بن لكع، إلى ما يطول ذِكْرُه. ومن وقف على الكتب المُؤلَّفة في هذا الشأن واطّلع على أحوال الأزمان رأى أنَّ أكثرَ هذه العلاماتِ قد بَرزتْ للعِيان، وامتلأت منها البلدان، ومع هذا كلِّه أمرٌ الساعة مجهول ورداءُ الخَفاء عليه مَسدول، وقُصارى ما ينبغي أن يقال: إن ما بقي من عمر الدنيا أقلُّ قليل بالنسبة إلى ما مضى. وفي بعض الآثار أنه عليه الصلاة والسلام خطب أصحابه بعد العصر حين كادت الشمس تغرب ولم يبقَ منها إلا شِفِّ(١) - أي: شيء - فقال: ((والذي نفسُ محمد بيده، ما مَثَلُ ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثلُ ما مضى من يومِكم هذا فيما بقي منه، وما بقي منه إلا اليسير))، ولا ينبغي أن يقال: إن الألف الثانية بعد الهجرة، وهي الألف التي نحن فيها هي ألفٌ مخضرمة، أي: نصفُها من الدنيا ونصفُها الآخر من الآخرة. (١) في الأصل و(م): أسف. والمثبت من مصادر التخريج والنهاية لابن الأثير (شفف). والخبر أخرجه البزار كما ذكر ابن كثير عند تفسير الآية الأولى من سورة القمر، والطبري في تاريخه ١١/١-١٢، والضياء في المختارة ١٢١/٧ من حديث أنس ظه. وورد عند الطبري: شقّ، بدل: شفّ. الآية : ١٨ ١٥٩ وقال الجلال السيوطي في رسالة سمّاها: ((الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف))(١): الذي دلَّت عليه الآثارُ أن مدَّة هذه الأمة تزيدُ على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها ألف سنة. وبنى الأمر على ما ورد من أن مدَّة الدنيا سبعةُ آلافٍ سنة، وأن النبيَّ وَّهِ بُعث في آخر الألف السادسة، وأنَّ الدجال يخرجُ على رأس مئة، وينزل عيسى عليه السلام فيقتله، ثم يمكثُ في الأرض أربعين سنة، وأن الناسَ يمكُّثون بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك. وفي (بهجة الناظرين وآيات المستدلين))(٢): قد احتجَّ كثيرٌ من العلماء على تعيين قُرب زمانها بأحاديثَ لا تخلو عن نَظَر، فمنهم من قال: بقي منها كذا، ومنهم من قال: يخرجُ الدجّال على رأس كذا، وتطلعُ الشمسُ على رأس كذا، وأفرد الحافظ السيوطي رسالةً لذلك كلِّه، وقال: تقوم الساعةُ في نحو الألف والخمس مئة. وكلُّ ذلك مردودٌ، وليس للمتكلِّمين في ذلك إلا ظنٌّ وحسبان لا يقوم عليه من الوحي برهان. انتهى، ونقله السفاريني في ((البحور الزاخرة في علوم الآخرة)) . وذكر السيوطي عِدَّةَ أخبار في كون مدَّة الدنيا سبعة آلاف سنة، أولها ما أخرجه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)» بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله الآتى: ((إنما الشفاعة يومَ القيامة لمن عَمِلَ الكبائرَ من أُمتي ثم ماتوا عليها، فهم في الباب الأول من جهنم)) وساق بقيةَ الحديث، وفيه: ((وأطولهم مُكثًا فيه من يمكثُ فيها مثلَ الدنيا منذ خلقت إلى يوم أُفنيت، وذلك سبعةُ آلاف سنة)) الحديث(٣)، وتعقَّبه السفاريني بقوله: ذكر الحافظ ابنُ رجب في كتابه ((صفة النار)) أنَّ هذا الحديث (١) وهي ضمن كتاب الحاوي للفتاوي ١٦٨/٢، وينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٨٧) من سورة الأعراف. (٢) لمؤلفه مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي - نسبة إلى طور كرم - أحد أكابر علماء الحنابلة انتقل إلى القاهرة، وتوفي فيها سنة (١٠٣٣هـ). خلاصة الأثر ٣٥٨/٤. (٣) نوادر الأصول ص١٣٩. الآية : ١٨ ١٦٠ خرَّجه ابنُ أبي حاتم وغيره، وخرَّجه الإسماعيلي مطولًا، وقال الدارقطني في كتاب ((المختلف)): هو حديث منكرٌ، وذكر علله(١). ومما ذكره السيوطي في ذلك ما نَقَل هو ضَعْفَ إسنادٍ رَفْعِه. وقد يَرِدُ عليه بأنه قد مضى من زمن البعثة إلى يومنا هذا ألفٌ ومئتان وثمانٍ وستون سنة، وإذا ضُمَّ إليها ما ذكره من سِني مُكْثٍ عيسى عليه السلام وبقاء الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها وما بين النفختين، وهي مئتا سنة، تصير ألفًا وأربعَ مئة وثمانٍ وسبعين، فيبقى من المدة التي ذكرها اثنتان وعشرون سنة، وإلى الآن لم تطلع الشمسُ من مَغْربها، ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوعها من مغربها بعدة سنين، ولا ظهرَ المهديُّ الذي ظهوره قبل الدجّال بسبع سنين، ولا وقعت الأشراط التي قبلَ ظُهور المهدي، ولا يكاد يقال: إنه يظهر بعد خمس عشرة سنة ويظهر الدجال بعدَها بسبع سنين على رأس المئة الثالثة من الألف الثانية؛ لأن قبل ذلك مقدِّمات تکون في سنين كثيرة. فالحقُّ أنه لا يعلم ما بقي من مدة الدنيا إلا الله عز وجل، وأنه - وإنْ طال - أقصرُ قصير، وما متاع الحياة الدنيا إلا قليل، وكذا فيما أرى مبدأ خَلْقها لا يعلمه إلا الله تعالى، وما يذكرونه في المبدأ لو صحَّ فإنما هو في مبدأ خَلْق الخليفة آدم عليه السلام لا مبدأ خلق السماء والأرض والجبال ونحوها . وحكى الشيخ محيي الدين قُدِّس سرُّه عن إدريس عليه السلام - وقد اجتمع معه اجتماعًا روحانيًا وسأله عن العالم - أنه قال: نحن معاشر الأنبياء نعلم أن العالم حادثٌ، ولا نعلم متی حدث. والفلاسفة على المشهور يزعمون أنَّ من العالم ما هو قديمٌ بالشخص وما هو قديمٌ بالنوع، مع قولهم بالحدوث الذاتي ولا يدَّثر عندهم. وذهب الملا صدر الشيرازي أنهم لا يقولون إلا بقدم العقول المجرّدة دون (١) التخويف من النار لابن رجب ص١٨٩ .