النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٣٥ ١٢١ سُورَةُ الأَحْقَفِ وهذه الآية - أعني قوله تعالى: ((كأنهم)) إلى الآخر - جاء في بعض الآثار ما يُشعر بأن لها خاصيَّةً من بين آي هذه السورة، أخرج الطبراني في ((الدعاء)) عن أنس عن النبي وَل﴿ قال: ((إذا طلبتَ حاجةً وأَحببتَ أن تنجَح، فقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ العظیم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحلیم الکریم، بسم الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ الحليم، سبحان الله ربِّ العرش العظيم، الحمد لله ربِّ العالمين ﴿كَهُمْ يَمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ مُحَهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَِّ بَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِن تَهَارٍ بَلَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] اللهم إني أسألك مُوجبات رحمتك، وعزائمَ مَغْفرتك، والسلامةَ من كلِّ إثم، والغنيمةَ من كلِّ بِرّ، والفوزَ بالجنة والنجاةَ من النار، اللهم لا تَدَعْ لي ذنبًا إلا غَفَرْتَه، ولا همَّا إلا فرَّجته، ولا دينًا إلا قضيتَه، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتَها برحمتك يا أرحم الراحمين))(١). (١) الدعاء (١٠٤٤). سُورَةُ مُحَدٌ رسم وتُسمَّى: سورة القتال، وهي مدنيَّةٌ عند الأكثرين ولم يذكروا استثناء، وعن ابن عباس وقتادة أنها مدنيّةٌ إلا قولَه تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ﴾ [الآية: ١٣] إلى آخره، فإنه وَّ لما خرج من مكة إلى الغار التفتَ إليها وقال: ((أنتِ أحبُّ بلاد الله تعالى إلى الله، وأنت أحبُّ بلادِ الله تعالى إليَّ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منكِ لم أَخرجْ منكِ))، فأنزل الله تعالى ذلك(١)، فيكون مكيًّا بناءً على أن ما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغها النبيُّ ◌َطير - أعني ما نزل في سفر الهجرة - من المكي اصطلاحًا كما يؤخذ من أثرٍ أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي بسنده إلى يحيى بن سلام(٢). وعِدَّةُ آيها أربعون في البصري وثمان وثلاثون في الكوفي وتسع - بالتاء الفوقية - وثلاثون فيما عداهما، والخلافُ في قوله تعالى: ﴿حَّ تَضَعَ الْرّبُ أَوْزَارَهَا﴾ [الآية: ٤] وقوله تعالى: ﴿لَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِنَ﴾ [الآية: ١٥] ولا يخفى قوةُ ارتباط أوَّلها بآخرٍ السورة قبلَها واتصاله وتلاحُمه بحيث لو سقطت من البين البسملة لكانا متصلًا واحدًا لا تنافُرَ فيه كالآية الواحدة آخذًا بعضُه بعنق بعض. وكان ◌َّز على ما أخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمر ها يقرؤها في صلاة المغرب(٣). (١) أخرجه الطبري ١٩٨/٢١. وأخرجه بنحوه دون ذكر الآية أحمد (١٨٧١٥)، والترمذي (٣٩٢٥) من حديث عبد الله بن عدي حظوظه، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وينظر ما سيأتي ص١٤٤ من هذا الجزء. (٢) حيث قال: ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صل # المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي وهو في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني. ذكره السيوطي في الإتقان ٢٦/١ وورد في مطبوعه: عثمان بن سعد الرازي، بدل: عثمان بن سعيد الدارمي. (٣) المعجم الأوسط (١٢٣٩)، وأخرجه أيضاً ابن حبان (١٨٣٥). قال الهيثمي في المجمع ١١٨/٢: رجاله رجال الصحيح. الآية : ١ ١٢٣ سُورَةٌ مُخْصَدَ وأخرج ابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالی وجهه أنه قال: نزلت سورة محمد آية فينا وآية في بني أمية(١). ولا أظنُّ صحةَ الخبر. نعم لكفار بني أمية الحقُّ الأوفر من عمومات الآيات التي في الكفار كما أنَّ لأهل البيت ظُه المُعلَّى والرقيب من عُمومات الآيات التي في المؤمنين، وأكثرُ من هذا لا يُقال سوى أني أقول: لعن اللهُ تعالى من قطع الأرحامَ وآذى الآل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾ أي: أعرضوا عن الإسلام وسلوك طريقه، أو: منعوا غيرَهم عن ذلك، على أن صدَّ لازمٌ أو مُتعدٍّ، قال في ((الكشف)»: والأول أظهرُ، لأنَّ الصدَّ عن سبيل الله هو الإعراضُ عمَّا أتى به محمد بَّه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلّ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] فيطابق قولَه تعالى: ﴿وَلَِّينَ ءَامَنُوا وَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [الآية: ٢] وكثيرٌ من الآثار تُؤيِّد الثاني. وفسَّر الضحاك ((سبيل الله)) ببيت الله عز وجل، وقال: صدُّهم عنه مَنْعُهم قاصدیه. ولیس بذلك. والآية عامَّةٌ لكلٍّ من اتَّصف بعنوان الصِّلة. وقال ابن عباس: هم - أي: الذين كفروا وصدُّوا على الوجه الثاني في ((صدوا)) - المطعمون يومَ بدر الكبرى. وكأنه عنَى من يدخل في العموم دخولًا أوليًّا، فإن أولئك كانوا صادِّين بأموالهم وأنفسهم، فصدُّهم أعظمُ من صدِّ غيرهم ممن كفر وصدَّ عن السبيل. وأولُ من أطعم منهم - على ما نُقل عن سيرة ابن سَيِّد الناس(٢) - أبو جهل عليه اللعنة؛ نحرَ لكفار قريش حين خرجوا من مكة عشرًا من الإبل، ثم صفوان بن أمية نحر تسعًا بِعُسْفان، ثم سهل بن عمرو نحر بِقُدَيْد عشرًا، ثم شيبة بن ربيعة وقد ضلُّوا الطريق نحر تسعًا، ثم عُتبة بن ربيعة نحر عشرًا، ثم مِقْيس الجُمحي بالأبواء نحر تسعًا، ثم (١) الدر المنثور ٤٦/٦. (٢) عيون الأثر ٢٤٩/١. .٠ ١٢٤ الآية : ١ العباس نحر عشرًا، والحارث بن عامر نحر تسعًا، وأبو البَخْتري على ماء بدر نحر عشرًا، ومِقْيَس تسعًا؛ ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم. وقيل: كانوا سنَّة نفر: نبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل والحارث ابنا هشام، وضمَّ مقاتلٌ إليهم سنَّةً أُخرى وهم: عامر بن نوفل، وحكيم بن حزام، وزمعة بن الأسود، والعباس بن عبد المطلب، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، أَطِعم كلُّ واحد منهم يومًا الأحابيش والجنود يستظهرون بهم على حرب رسول الله وَ ل﴾. ولا يُنافي عدُّ أبي سفيان - إنْ صحَّت الرواية - من أولئك كونَه مع العِير، لأنَّ المرادَ بيوم بدر زمنُ وقعتها، فيشمل مَنْ أطعم في الطريق وفي مُدَّتها حتى انقضت. وقال مقاتل: هم اثنا عشر رجلاً من أهل الشِّرك كانوا يصدُّون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر. وقيل: هم شياطين من أهل الكتاب صدُّوا من أراد منهم أو من غيرهم عن الدخول في الإسلام. والموصول مبتدأ خبرُه قوله تعالى: ﴿أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾ أي: أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعةً لا أثرَ لها ولا نَفْعَ أصلًا، لا بمعنى أنه سبحانه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك، بل بمعنى أنه عز وجل حَكَم ببطلانها وضياعها، وأُريد بها ما كانوا يعملونه من أعمال البرِّ كصلةِ الأرحام وقِرى الأضياف وفكِّ الأسارى وغيرها من المكارم. وجوِّز أن يكون المعنى: جعلها ضلالًا، أي: غير هدى، حيث لم يُوفِّقهم سبحانه لأنْ يقصدوا بها وجهه سبحانه، أو جعلها ضالَّة، أي: غير مُهتديةٍ، على الإسناد المجازي. ومن قال: الآية في المُطْعِمين وأضرابهم قال: المعنى: أبطل جل وعلا ما عَمِلوه من الكيد لرسول الله وَ﴿ كالإنفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى محاربته عليه الصلاة والسلام وغيره بنصر رسوله وَّهِ وإظهار دينه على الدين كلِّه، ولعله أوفقُ بما بعدَه، وكذا بما قيل: إن الآية نزلت بيدر. الآية : ٢ ١٢٥ ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾ قال ابن عباس - فيما أخرجه عنه جماعةٌ منهم الحاكم وصحَّحه -: هم أهلُ المدينة الأنصار، وفسَّر ◌َُّه (الَّذِينَ كَفَرُواْ) بأهل مكة قريش(١). وقال مقاتل: هم ناسٌ من قريش، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: أعمُّ من المذكورين وغيرهم، فإن الموصول من صيغ العموم ولا داعي للتخصيص. ﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ من القرآن، وخُصَّ بالذكر الإيمان بذلك مع اندراجه فيما قبله تنويهًا بشأنه وتنبيهًا على سمو مكانه من بين سائر ما يجب الإيمانُ به وأنه الأصل في الكلِّ، ولذلك أُكِّد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ لَلَقُّ مِن ◌َّهُمْ﴾ وهو جملةٌ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر مُفيدة لحصر الحَقِّية فيه على طريقة الحصر في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢] وقولك: حاتم الجواد، فيرادُ بالحقِّ ضدُّ الباطل. وجُوِّز أن يكونَ الحصرُ على ظاهرِهِ، والحقُّ: الثابتُ، وحقِّيَّة ما نزل عليه عليه الصلاة والسلام لكونه ناسخًا لا يُنسخ، وهذا يقتضي الاعتناء به ومنه جاء التأكيد. وأيًّاما كان فقوله تعالى: ((من ربهم)) حال من ضمير ((الحقِّ)). وقرأ زيد بن عليٍّ وابن مقسم: (نَزَّل)) مبنيًّا للفاعل، والأعمش: ((أُنزِلَ)) معدّى بالهمزة مبنيًّا للمفعول. وقُرئ: ((أَنزل)) بالهمز مبنيًّا للفاعل، ((ونَزَلَ)) بالتخفيف(٢). ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: سترها بالإيمان والعمل الصالح، والمراد: أزالها ولم يُؤَاخِذْهم بها ﴿وَأَصْلَحَ بَالَمْ ﴾﴾ أي: حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد، وتفسير البال بالحال مرويٍّ عن قتادة، وعنه تفسيره بالشأن، وهو الحال أيضًا، أو ما لَه خطر، وعليه قول الراغب: البالُ: الحال التي يكترثُ بها، ولذلك يقال: ما باليتُ بكذا بالةً، أي: ما اكترثتُ به(٣). ومنه قوله وَّ: ((كلُّ أمرٍ ذي بالٍ)» (١) الدر المنثور ٤٦/٦، والمستدرك ٢/ ٥٥٧، وأخرجه أيضاً الطبري ١٨٠/٢١- ١٨١. (٢) البحر المحيط ٧٣/٨. (٣) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (بال). الآية : ٣ ١٢٦ الحديث(١). ويكون بمعنى الخاطر القلبي، ويُتَجَّوز به عن القلب كما قال الشهاب(٢) . وفي ((البحر)): حقيقة البال: الفكر والموضع الذي فيه نظرُ الإنسان، وهو القلب، ومَن صلح قلبه صلحتْ حالُه، فكأن اللفظَ مُشيرٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغير ذلك من الحال تابعٌ له(٣). وحُكي عن السفاقسي تفسيره هنا بالفكر، وكأنه لنحو ما أُشير إليه. وهو كما في ((البحر)) أيضًا مما لا يُثَنَّى ولا يُجمع، وشدَّ قولُهم في جمعه : بالات. ﴿وَلِكَ﴾ إشارة إلى ما مرَّ من الإضلال والتكفير والإصلاح، وهو مبتدأُ خبرُه قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَبَعُواْ الْحَقَّ مِن رََّهْ﴾ أي: ذلك كائنٌ بسبب اتباع الأولين الباطل واتِّباع الآخرين الحقَّ. والمراد بالحقِّ والباطل معناهما المشهور. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد تفسير ((الباطل)) بالشيطان. وفي ((البحر)): قال مجاهد: ((الباطل)): الشيطان وكلُّ ما يَأْمُر به، و((الحقّ)): هو الرسولُ والشرع، وقيل: ((الباطلُ)) ما لا ينتفع به (٤). وجوَّز الزمخشري(٥) كون («ذلك)) خبرَ مبتدأ محذوف، و((بأن)) إلخ في محلٌ نصب على الحال، والتقدير: الأمرُ ذلك - أي: كما ذُكر - مُلتبسًا بهذا السبب، والعامل في الحال إما معنى الإشارة، وإما نحو: أثبته وأحقه، فإن الجملةَ تدلُّ على ذلك لأنه مضمونُ كلِّ خبر. وتعقّبه أبو حيان(٦) بأن فیه ارتكابًا للحذف من غير داعٍ له. (١) أخرجه أحمد (٨٧١٢)، وأبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٩٤) من حديث أبي هريرة ، وتتمته عند أحمد (( ... لا يُفتح بذكر الله، فهو أبتر))، وعند أبي داود: (( ... لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجزم)). وسلف ١/ ١٨٧. (٢) حاشية الشهاب ٨/ ٤٠. (٣) البحر المحيط ٧٣/٨. (٤) المصدر السابق. (٥) الكشاف ٣/ ٥٣٠ . (٦) البحر المحيط ٨/ ٧٣. الآية : ٤ ١٢٧ والجارُّ والمجرور أعني ((من ربهم)) في موضع الحال على كلِّ حال. والكلامُ - أعني قوله تعالى: («ذلك بأن)) إلى قوله سبحانه: ((من ربهم)) - تصريحٌ بما أشعر به الكلام السابق من السببية لما فيه من البناء على الموصول، ويُسمِّيه علماء البيان: التفسير، ونظيره ما أنشده الزمخشري لنفسه: به فُجِعَ الفرسانُ فوق خيولهم كما فُجعت تحت الستور العَواتِقُ وزعزع عن أجيادهنَّ المخانق(١) تساقط من أيديهم البيضُ حَيْرةً فإنَّ فيه تفسيرًا على طريق اللفِّ والنَّشْر كما في الآية، وهو من محاسن الكلام. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلَ ذلك الضرب البديع ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أي: يُبيِّن ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: لأَجْلهم ﴿أَمَثَلَهُمْ﴾ أي: أحوالَ الفريقين المؤمنين والكافرين وأوصافَهما الجاريةَ في الغرابة مجرى الأمثال، وهي اتِّباع المؤمنين الحقَّ، وفوزُهم وفلاحُهم، واتِّباع الكافرين الباطلَ وخيبتهم وخُسرانُهم. وجوِّز أن يراد بِضَرْب الأمثال التمثيل والتشبيه بأن جعل سبحانه اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، والإضلال مثلًا لخيبتهم، واتباع الحقِّ مثلًا لعمل المؤمنين، وتكفير السيئات مثلًا لفوزهم، والإشارةُ بذلك لما تضمَّنه الكلام السابق. وجوز كون ضمير ((أمثالهم)) للناس. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لترتيب ما في حيِّزها من الأمر على ما قبلها، فإنَّ ضلالَ أعمال الكَفَرة وخَيْبتهم، وصلاحَ أحوالِ المؤمنين وفلاحهم، مما يُوجب أن يترتَّب على كلٍّ من الجانبين ما يليقُ به من الأحكام، أي: إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب ﴿فَضَرْبَ الرِقَابِ﴾. وقال الزمخشري: ((لقيتم)) من اللقاء وهو الحرب. و((ضَرْبَ)) نصب على المصدرية لفعل محذوف، والأصل: اضربوا الرقابَ ضربًا، فحذف الفعل وقُدِّم المصدر وأُنيب منابه مضافًا إلى المفعول(٢). وحَذْفُ الفعل الناصب في مثل ذلك (١) ذكرهما الشهاب في حاشيته ٤١/٨. (٢) الكشاف ٣/ ٥٣٠. الآية : ٤ ١٢٨ مما أُضيف إلى معموله واجبٌ، وهو أحدُ مواضعَ يجب فيها الحذفُ ذُكِرتْ في مطوّلات كتب النحو، وليس منها نحو: ضربًا زيدًا، على ما نصَّ عليه ابن عصفور. وذكر غيرُ واحد أن فيما ذكر اختصارًا وتأكيدًا، ولا كلام في الاختصار، وأما التأكيد فظاهرُ القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكّد، وقال الحمصي في (حواشي التصريح)) (١): إن المصدر في ذلك مؤكّد في الأصل، وأما الآن فلا، لأنه صار بمنزلة الفعل الذي سدَّ هو مسدَّه فلا يكون مؤكّدًا، بل كلُّ مصدر صار بدلًا من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكّدًا ولا مُبيِّنًا لنوع ولا عدد .. و((ضربَ الرقاب)) مجازٌ مرسل عن القتل، وعبَّر به عنه إشعارًا بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن، وتصويرًا له بأشنع صورة لأن ضربَ الرقبة فيه إطارةُ الرأس الذي هو أشرفُ أعضاء البدن ومَجْمع حواسِّه، وبقاء البدن مُلقى على هيئةٍ مُنكرة، والعياذ بالله تعالى، وذكر أنَّ في التعبير المذكور تشجيعَ المؤمنين، وأنهم منهم بحيث يتمكّنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب. ﴿حَّةَ إِذَا أَنْتَتُوهُمْ﴾ أي: أوقعتم القتلَ بهم بشدّة وكثرة، على أنَّ ذلك مستعارٌ من ثِخَنِ المائعات لمنعه عن الحركة، والمراد: حتى إذا أكثرتُم قتلَهم وتمكّنتم من أَخْذِ من لم يقتل ﴿فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ أي: فَأُسِرُوهم واحفظوهم، فالشدُّ وكذا ما بعدُ في حقٌّ من أُسِرَ منهم بعد إثخانهم لا للمثخَن إذْ هو بالمعنى السابق لا يُشَدُّ ولا يُمَنُّ علیه ولا يُقدی، لأنه قد قُتل. أو المعنى: حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوضَ فَأْسِرُوهم واحفظوهم؛ فالشدُّ وكذا ما بعدُ في حقِّ المُثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حدِّ القتل لكن ثَقُلَ عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يَسِلْ ولم يستمرّ في ذهابه، والإثخان عليه مجازٌ أيضًا. (١) كتاب التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري، وكتاب التوضيح هو كتاب أوضح المسالك لابن هشام النحوي. والحمصي: هو الشيخ ياسين العليمي، توفي سنة (١٠٦١هـ)، له حاشية على كتاب التصريح. خلاصة الأثر ٤٩١/٤، وكشف الظنون ١/ ١٥٤ . الآية : ٤ ١٢٩ سُورَةٌ مُحَدٌ و((الوَثاق)) في الأصل مصدرٌ كالخَلاص، وأُريد به هنا ما يُوثَق به. وقرئ: ((الوِثاق)) بالكسر (١)، وهو اسمٌ لذلك، ومجيءٍ فَعال اسمَ آلة كالحزام والرُّكاب نادِرٌ على خلاف القياس، وظاهرُ كلام البعض أن كلَّا من المفتوح والمكسور اسمٌ لِمَا يُوثَّق به، ولعل المرادَ بيانُ المراد هنا. ﴿فَمَا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ أي: فإما تمتُّون منَّا وإما تفدون فداءً، والكلام تفصيلٌ العاقبةٍ مضمون ما قبله من شدِّ الوثاق، وحذفُ الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجبٌ أيضًا، ومنه قوله: لأجهدنَّ فإِمَّا دَرْءَ واقعةٍ تُخْشَى وإما بلوغَ السُّؤْل والأملِ(٢) وجوَّز أبو البقاء (٣) كونَ كلٍّ من ((مَنَّ)) و((فداء)) مفعولًا به لمحذوف، أي: أَوْلُوهم منَّ، أو: اقبلوا منهم فداءً، وليس - كما قال أبو حيان(٤) - إعرابَ نحويٌّ. وقرأ ابن كثير في رواية شِبل: ((وإما فَدِى)) بالفتح والقصر(٥) كعصا. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، قال الشهاب: ولا عبرةَ به فإن فيه أربعَ لغات: الفتحُ والكسر مع المدِّ والقصر، ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات(٦). انتھی. وفي ((الكشف)) - نقلًا عن الصحاح -: الفداء إذا كُسر أوله يُمَدُّ ويُقصَر، وإذا فُتح فهو مقصور (٧). ومن العرب من يكسر الهمزة، أي: يبنيه على الكسر إذا جاور لامَ الجرِّ خاصَّة لأنه اسمُ فعل بمعنى الدعاء، وأنشد الأصمعي بيت النابغة: (١) حاشية الشهاب ٤١/٨. (٢) ذكره أبو حيان في البحر ٨/ ٧٥، وقال في الدرر اللوامع ٣/ ٧٥: لم أعثر على قائله. (٣) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٢٤/٤. (٤) البحر المحيط ٨/ ٧٥. (٥) البحر المحيط ٧٥/٨، وهي غير المشهورة عن ابن كثير، وذكرها القرطبي في تفسيره ٢٤٤/١٩، دون نسبة. (٦) حاشية الشهاب ٤١/٨. (٧) الصحاح (فدى). الآية : ٤ ١٣٠ (١) مهلًا فداءٍ لك. وهذا الكسر مع التنوين كما صرّح به في ((البحر))(٢). وظاهرُ الآية - على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم - امتناع القتل بعد الأسر، وبه قال الحسن(٣). وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أنه قال: أُتي الحجّاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر ﴿ها رجلًا يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أُمرنا إنما قال الله تعالى: (خََّ إِذَا أَنْخَتُهُمْ فَشُدُواْ الْوَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ) (٤). وفي حُكم الأسارى خلافٌ، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار إنْ شاء قتلهم إنْ لم يُسلموا؛ لأنه وَلِّ قَتَلَ صبرًا عُقبة بن أبي معيط وطعيمة بنَ عدي والنضر بنَ الحارث التي قالت فيه أخته أبياتًا منها تُخاطب النبيَّ وَلّى: ما كان ضرَّكَ لو مننتَ وربمًّا مَنَّ الفتى وهو المَغيظ المُحْنَقُ (٥) ولأنَّ في قتلهم حَسْمَ مادة فسادهم بالكلية، وليس لواحدٍ من الغُزاة أن يقتل أسيرًا بنفسه، فإنْ فعل بلا مُلجئ كخوف شرِّ الأسير، كان للإمام أنْ يُعزِّره إذا وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن شيئًا. وإن شاء استرقَّهم لأنَّ فيه دَفْعَ شرِّهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم ذِمَّةً أحرارًا للمسلمين كما فعل عمر رُه ذلك في أهل السواد، إلا أسارى مشركي العرب والمرتدِّين، فإنهم لا تُقبل منهم جزية، ولا يجوز استرقاقهم، بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم لاندفاع شرِّهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقُهم - فإن الإسلام لا يُنافي الرقَّ - جزاءً على الكفر الأصلي، وقد وُجد بعد انعقاد سببِ الملك، وهو الاستيلاءُ على الحربي غير المشرك من العرب، بخلاف (١) ديوان النابغة الذبياني ص٣٦، والبيت بتمامه: مهلاً فداءٍ لك الأقوامُ كلُّهم وما أُثمِّر من مال ومن ولدٍ (٢) البحر المحيط ٨/ ٧٥. (٣) الإكليل في استنباط التنزيل ص٢٣٨ . (٤) الدر المنثور ٤٦/٦، وتفسير الطبري ١٨٥/٢١. (٥) السيرة النبوية ٦٤٤/١ و٤٢/٢، والبيت سلف ٢٨/٦. الآية : ٤ ١٣١ ما لو أسلموا من قبل الأخذِ، فإنهم يكونون أحرارًا لأنه إسلامٌ قبل انعقاد سبب الملك فیھم. ولا يُفادى بالأسارى في إحدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة ظبه لما في ذلك من معونةِ الكفر؛ لأنه يعود الأسير الكافر حربًا علينا، ودفعُ شرِّ حرابته خيرٌ من استنقاذ المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاءً في حقِّه فقط، والضررُ بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين. والروايةُ الأُخرى عنه أنه يُقادَى، وهو قول محمد وأبي يوسف والإمام الشافعي ومالك وأحمد، إلا بالنساء، فإنه لا يجوز المُفاداة بهنَّ عندهم. ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية ((السير الكبير)). قيل: وهو أظهرُ الروايتين عن الإمام أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: تجوزُ المُفاداة بالأسارى قبلَ القِسمة لا بعدَها. وعند محمد تجوز بكلِ حال. ووجه ما ذكره الأئمّة من جواز المفاداة أنَّ تخليصَ المسلم أَولى من قَتْلِ الكافر للانتفاع به، ولأنَّ حرمته عظيمة، وما ذُكر من الضرر الذي يعود إلينا بدَفْعه إليهم يدفعه ظاهرًا المسلمُ الذي يتخلَّص منهم، لأنه ضررُ شخصٍ واحد، فيقوم بدفعه واحدٌ مثلُه ظاهرًا، فيتكافأان وتبقى فضيلةٌ تخليصِ المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى، فإن فيها زيادةً ترجيح. ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول الله وَلاير؛ أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد بن حُميد وابن جرير عن عمران بن حُصين أن رسول الله ◌َ ﴿ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين(١). ويُحتجُّ لمحمد بما أخرجه مسلم أيضًا عن إياس بن سَلَمة عن أبيه سَلَمة قال: خرجنا مع أبي بكر عضُ أَمَّره علينا رسول الله وَّه، إلى أن قال: فلقيني رسول الله وَّل من الغد في السوق فقال: ((يا سلمة هَبْ لي المرأة)) يعني التي نفَّله أبو بكر إياها، (١) صحيح مسلم (١٦٤١)، وسنن أبي داود (٣٣١٦)، وسنن الترمذي (٢٧١٤)، وهو عند أحمد (١٩٨٦٣). الآية : ٤ ١٣٢ فقلت: يا رسولَ الله، لقد أعجبتني وما كشفتُ لها ثوبًا، ثم لقيني رسول الله وَظهور من الغد في السوق فقال: ((يا سلمة هَبْ لي المرأةَ لله أبوك)) فقلت: هي لك يا رسولَ الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوبًا، فبعث بها رسولُ اللهِوَ لّ فقدی بها ناسًا من المسلمين أُسِروا بمكة (١). ولا يُفادى بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا لأنه لا يُفيد، إلا إذا طابت نفسه وهو مأمونٌ على إسلامه فيجوز؛ لأنه يُفيد تخليصَ مسلم من غير إضرار بمسلم آخر. وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لِمَا بيّن في المفاداة بالمسلمين من رَدِّهم حربًا علينا. وفي ((السير الكبير)): أنه لا بأسَ به إذا كان بالمسلمين حاجةٌ، قيل: استدلالًا بأسارى بدر؛ فإنه لا شكَّ في احتياج المسلمين بل في شدَّة حاجتهم إذْ ذاك، فليكن محملُ المفاداة الكائنة في بدر بالمال. وأما المنُّ على الأسارى وهو أن يُطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي لأنه وَّ مَنَّ على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن الربيع(٢) على ما ذكره ابن إسحاق بسنده، وأبو داود من طريقه إلى عائشة: لما بَعَثَ أهلُ مكة في فِداء أسراهم بعثت بنتُ رسول الله وَّه في فداءِ أبي العاص بمال وبعثَتْ فيه بقلادة كانت خديجةُ أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها، فلما رأى النبيُّ ◌َِّ ذلك رقَّ لها رِقَّة شديدة، وقال لأصحابه: ((إنْ رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرَها وتردُّوا لها الذي لها)) ففعلوا ذلك مُغتبطِين به. ورواه الحاكم وصحَّحه وزاد: وكان النبيُّ ◌َِّ قد أخذ عليه أن يُخلِّي زينب إليه، ففعل(٣). (١) صحيح مسلم (١٧٥٥). (٢) في الأصل و(م): ابن أبي الربيع، والصواب المثبت. ينظر تجريد أسماء الصحابة للذهبي ص١٨١ . (٣) السيرة النبوية ١/ ٦٥٢، وسنن أبي داود (٢٦٩٢)، والمستدرك ٢٣/٣. الآية : ٤ ١٣٣ سُوَلاَ مَضَدَ ومَنَّ ◌َِّ على ثُمامة بن أُثَال بن النعمان الحنفي سيِّد أهل اليمامة، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامه، وحديثه في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة(١). ويكفي ما ثبت في ((صحيح البخاري)) من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو كان المُطعِم بن عدي حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّثْنَى - يعني أُسارى بدر - لتركتُهم له))(٢)، فإنه ◌َِّ أخبر وهو الصادقُ المصدوق بأنه يُطلقهم لو سأله المُطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبتُ إلا وهو جائزٌ شرعًا لمكان العصمة، وكونُه لم يَقَعْ لعدم وقوعِ ما عُلِّق عليه لا ينفي جوازه شرعًا . واستدلَّ أيضًا بالآية التي نحن فيها فإنَّ الله تعالى خيَّر فيها بين المنِّ والفداء، والظاهر أنَّ المرادَ بالمنّ الإطلاقُ مجانًا؛ وكونُ المرادِ المنَّ عليهم بترك القتل وإبقاءهم مستَرقِّين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذِّمة خلافُ الظاهر، وبعضُ النفوس تجد طعمَ الآلاء(٣) أحلى من هذا المنّ. وأجاب بعضُ الحنفية بأن الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من سورة براءة [الآية: ٥] فإنه يقتضي عدم جواز المنّ وكذا عدمَ جواز الفِداء، وهي آخرُ سورة نزلَتْ في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المنِّ والفِداء إنما كان في قضية بدر، وهي سابقةٌ عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضًا قبل السورة. والقول بالنَّسْخ جاء عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في ((الدر المنثور))(٤). وقال العلامة ابن الهُمام(٥): قد يقال إنَّ ذلك - يعني ما في سورة براءة - في حقِّ غيرِ الأسارى بدليل جوازِ الاسترقاق فيهم فيعلم أنَّ القتلَ المأمورَ به في حقِّ غيرهم. وما ذكره في جواز الاسترقاق ليس على (١) صحيح مسلم (١٧٦٤). (٢) صحيح البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم بن عدي، وهو عند أحمد (١٦٧٣٣). (٣) الألاء كسحاب ويقصر: شجر مرٌّ. القاموس (ألو). (٤) ٦/ ٤٦. (٥) في فتح القدير ٣٠٨/٤. ١٣٤ الآية : ٤ إطلاقه، إذ لا يجوز كما علمتَ استرقاقُ مشركي العرب. ﴿َّ تَضَعَ الْحَرَبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره، قال الأعشى: رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا وأعددت للحرب أوزارها تساق إلى الحرب عِيرًا فعيرا(١) ومِن نَسْجِ داود موضونةً وهي في الأصل: الأحمال، فاستُعيرت لما ذكر استعارةً تصريحية، ويجوز أن يكونَ في ((الحرب)) استعارة مكنية بأن تُشبَّه بإنسان يحمل حملاً على رأسهِ أو ظهره، ويثبت لها ما أثبت تخييلًا، وكلامُ ((الكشاف))(٢) أَمْيَلُ إليه. وقيل: هي أحمالُ المحارِب، أُضيفت للحرب تجوّزًا في النسبة الإضافية وتغليبًا لها على الكُراع(٣)، وإسناد الوضع للحرب مجازي أيضًا. وليس بذاك. وعدَّ بعضُ الأماثل الكلامَ تمثيلًا، والمراد: حتى تنقضي الحربُ، وقال: يجوز أن يكون إرادة ذلك من باب المجاز المتفرّع على الكناية، كما في قوله: فألقَتْ عصاها واستقرَّ بها النوى(٤) فإنه كنَى به عن انقضاء السفر والإقامة. وقيل: الأوزار جمع وِزْر بمعنى إِثْم، وهو هنا الشِّرك والمعاصي، ((وتضع)) بمعنى تترك، مجازًا، وإسناده للحرب مجاز، أو بتقدير مضاف، والمعنى: حتى يضعَ أهلُ الحرب شِرْكَهم ومعاصيهم. وفيه أنه لا يستحسن إضافةُ الأوزار بمعنى الآثام إلى الحرب. و((حتى)) عند الشافعي عليه الرحمة - ومن قال نحو قوله - غايةٌ للضرب، والمعنى: اضربوا أعناقَهم حتى تنقضيَ الحربُ، وليس هذا بدلًا من الأول ولا تأكيدًا له بناءً على ما قرَّروه من أنَّ ((حتى)) الداخلة على ((إذا)) الشرطية ابتدائية أو غايةٌ (١) ديوان الأعشى ص١٤٩ . (٢) ٥٣١/٣، والكلام من حاشية الشهاب ٤١/٨. (٣) اسم للخيل؛ لأنها تخبط كراعها في الدفع عن نفسها. حاشية الشهاب ٤٢/٨. (٤) سلف ١٠٢/١٠، وعجزه: كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر. ٠٠٠٠ الآية : ٤ ١٣٥ للشدِّ، أو للمنِّ والفداء معًا، أو للمجموع من قوله تعالى: ((فضرب الرقاب)» إلخ، بمعنى أنَّ هذه الأحكام جاريةٌ فيهم حتى لا يكون حربٌ مع المشركين بزوال شوكتهم، وقيل: بنزول عيسى عليه السلام، ورُوي ذلك عن سعيد بن جُبير والحسن، وفي الحديث ما يُؤيِّده؛ أخرج أحمد والنسائي وغيرُهما عن سَلَمة بن نُفيل قال: بينما أنا جالسٌ عند رسول الله وَ﴿ إذا جاء رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ الخيلَ قد سُيِيت ووضع السلاح، وزعم أقوامٌ أن لا قتالَ وأنْ قد وضعت الحربُ أوزارَها، فقال رسول الله وَله: ((كذبوا، فالآن جاء القتالُ، ولا تزال طائفةٌ يُقاتلون في سبيل الله لا يضرُّهم من خالفهم، يُزيغُ الله تعالى قلوبَ قوم ليرزقهم منهم، وتُقاتلون حتى تقومَ الساعةُ، ولا تزالُ الخيلُ معقودًا في نواصيها الخيرُ حتى تقومَ الساعةُ، ولا تضعُ جنسُ الحربُ أوزارَها حتى يخرجَ يأجوج ومأجوج)»(١). وهي عند من يقول: لا مَنَّ ولا فِداء اليوم غايةٌ للمَنِّ والفِداء إنْ حمل ((الحرب))(٢) على حرب بدر بجعل تعريفه للعهد، والمعنى: يُمَنُّ (٣) عليهم ويُفادون حتى تضعَ حربُ بدر أوزارها، وغايةٌ للضرب والشَّدِّ إن حُملت على الجنس، والمعنى أنهم يقتلون ويُؤسرون حتى يضع جنسُ الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكةٌ، ولا تُجعل غاية للمنِّ والفِداء مع إرادة الجنس، وفي زعم جوازه والتزام النسخ كلامٌ، فتأمل. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، فهو في محلِ رفع خبر مبتدأ محذوف، أو في محلِّ نصب مفعول لفعل كذلك، والإشارة إلى ما دلَّ عليه قوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِقَابٍ) إلخ لا إلى ما تقدَّم من أول السورة إلى هاهنا؛ لأن افعلوا لا يقع على جميع السالف، وعلى الرفع ينفكُّ النظم الجليل إنْ لم يُحمل عليه لأنَّ ما بعدُ كلام فيهم. (١) مسند أحمد (١٦٩٦٥)، وسنن النسائي ٢١٤/٦، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٥٢٤) واللفظ له. وعند أحمد أن الذي جاء إلى النبي ◌َّ وكلَّمه هو سلمة بن نُفيل نفسه. (٢) قبلها في (م): على، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٩٣/٨. (٣) في الأصل و(م): المن، والمثبت من تفسير أبي السعود. سُورَةُ مُحَمَدَ ١٣٦ الآية : ٥ ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَنْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ لانتقم منهم ببعض أسبابِ الهلاك من خَسْف أو رَجْفة أو غَرَق أو موت جارف ﴿وَلَكِنْ لِبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍنُ﴾ ولكن أمركم سبحانه بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يُجاهدوهم فينالوا الثوابَ ويُخلَّد في صحف الدهر ما لهم من الفضل الجسيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يُعاجِلَهم عز وجل ببعض انتقامه سبحانه فيتَّعظَ به بعضٌ منهم ويكون سببًا لإسلامه؛ واللام متعلِّقة بالفعل المقدَّر الذي ذكرناه. ﴿وَلَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: استشهدوا. وقرأ الجمهور: (قاتلوا)) أي: جاهدوا(١)، والجحدري بخلاف عنه: ((قَتَلوا)) بفتح القاف والتاء بلا ألف، وزيد بن ثابت والحسن وأبو رجاء وعيسى والجحدري أيضًا: ((قُتِّلوا)) بالبناء للمفعول وشدِّ التاء (٢). ﴿فَلَنَ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾ فلن يُضيِّعها سبحانه، وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: (يُضَلَّ) مبنيًّا للمفعول ((أعمالُهم)) بالرفع على النيابة عن الفاعل، وقرئ: ((يَضِلّ)) بفتح الياء من ضَلَّ ((أعمالُهم)) بالرفع على الفاعلية(٣). والآية قال قتادة - كما أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم -: ذكر لنا أنها نزلَتْ في يوم أُحد ورسول الله وَّ في الشّعب وقد فَشَتْ فيهم الجِراحات والقتل وقد نادى المشركون يومئذ: اعلُ هُبل. ونادى المسلمون: اللهُ أعلى وأجلّ. فنادى المشركون: يومٌ بيوم بدر، وإنَّ الحرب سِجال، لنا عُزَّى ولا معُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ وَّر: (اللهُ مولانا ولا مَوْلى لكم، إِنَّ القَتْلى مُختلفة؛ أما قتلانا فأحياءٌ مرزوقون، وأما قتلاكم ففي النار يُعذَّبون))(٤). ومنه يعلم وجه قراءة: (قُتِّلوا)) بصيغة التفعيل. ﴿سَهْدِمْ﴾ سَيُوصلهم إلى ثواب تلك الأعمال من النعيم المُقيم والفضل العظيم، وهذا كالبيان لقوله سبحانه: ((فلن يضل أعمالهم)). أو سيُثَبِّتُ جلَّ شأنه في (١) السبعة ص ٦٠٠، والتيسير ص ٢٠٠، وقرأ أبو عمرو وحفص ويعقوب: ((قُتِلوا)). (٢) القراءات الشاذة ص ١٤٠، وتفسير القرطبي ٩/ ٢٥٠. (٣) القراءات الشاذة ص ١٤٠، والبحر المحيط ٨/ ٧٥. (٤) الدر المنثور ٤٨/٦، وتفسير الطبري ٢١/ ١٩٠-١٩١، وبعض ألفاظه في صحيح البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب الآية : ٦ ١٣٧ سُورَةٌ مُحَدٌ الدنيا هدايتهم، والمراد الوعد بأن يحفظهم سبحانه ويصونهم عمَّا يُورث الضلال وحَبْط الأعمال، وهو كالتعليل لذلك، ويجوز أن يكون كالبيان له أيضًا. ﴿وَيُصْلِحُ بَالَمْ ﴾﴾ أي: شأنهم، قال الطبرسي: المراد إصلاحُ ذلك في العُقبى(١). فلا يتكرَّر مع ما تقدَّم، لأنَّ المرادَ به إصلاحُ شأنهم في الدين والدنيا فلا تغفل . ﴿وَيُدْخِلُهُمُ اَلْنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ (3) في موضع الحال بتقدير ((قد)) أَوْ بدونه، أو استئناف كما قال أبو البقاء (٢). والتعريف في الآخرة؛ أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: يُهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله تعالى لهم منها لا يُخطؤون، كأنهم ساكنوها منذ خُلقوا لا يستدِلُّون عليها أحدًا(٣). وفي الحديث: ((لأحدُكم بمنزله في الجنة أعرفُ منه بمنزله في الدنيا))(٤) وذلك بإلهام منه عز وجل. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن مقاتل أنه قال: بلغنا أن المَلَك الذي كان وُكِّل بحفظ عملٍ الشخص في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه الشخصُ حتى يأتيَ أقصى منزل هو له فَيُعرِّفه كلَّ شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف المَلَكُ عنه(٥). وورد في بعض الآثار أن حسناتِه تکون دليلا له إلى منزله فيها. وقيل: إنه تعالى رسم على كلِّ منزل اسمَ صاحبه، وهو نوعٌ من التعريف. وقيل: تعريفها تحديدها، يقال: عرف الدار وأرَّفها، أي: حدَّدها، أي: حدَّدها لهم بحيث يكون لكلِّ جنةٌ مُفرزة. (١) مجمع البيان ٣١/٢٦. (٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٢٥/٤. (٣) الدر المنثور ٤٨/٦، وتفسير الطبري ١٩٢/٢١. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١١٠٩٥)، والبخاري (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد به. الخدري (٥) الدر المنثور ٤٨/٦، وذكره عنه أيضاً ابنُ كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية. ١٣٨ الآية : ٧ - ٨ وقيل: أي: شرَّفها لهم ورفعها وعلَّاها، على أنَّ ((عرَّفها)) من الأعراف التي هي الجبال وما أَشبهها . وعن ابن عباس في رواية عطاء - ورُوي عن مُؤرج - أي: طيّبها لهم، على أنه من العَرْف، وهو الريحُ الطيبة هاهنا، ومنه: طعام مُعَرَّف، أي: مُطَيَّب، وعَرَّفت القِدْرَ طيَّبتها بالملح والتابل. وعن الجُبَّائي أن التعريف في الدنيا، وهو بذكر أوصافها، والمراد أنه تعالى لم يَزَلْ يمدحها لهم حتى عشقوها فاجتهدوا فيما يُوصلهم إليها : والأذن تعشقُ قبلَ العين أحيانا(١) وعلى هذا المرادِ قيل: أشتاقه من قبل رؤيته كما تُهْوَى الجنانُ بطيِّب الأخبار ﴿بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الَّ﴾ أي: دينه ورسولَه ◌َّو لا على أن الكلام على تقدير مضاف بل على أن نصرة الله فيه تجوُّزٌ في النسبة، فنصرته سبحانه نصرة رسوله ودينه إذ هو جل شأنه وعلا المعين الناصر وغيره سبحانه المعان المنصور. ﴿يَصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم ويفتح لكم ﴿وَيُنَّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾﴾ في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجّة الإسلام، والمراد: يقويكم أو يوفِّقكم للدوام على الطاعة. وقرأ المفضل عن عاصم: ((ويُثْبِتْ)) مخفّفًا (٢). ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسَا لَهُمْ﴾ من تَعَسَ الرجل بفتح العين تعسًا، أي: سقط على وجهه، وضدُّه انتعش، أي: قام من سقوطه، وقال شمر وابن شميل وأبو الهيثم وغيرهم: تَعِسَ بكسر العين، ويقال: تعسًا له ونُكسًا، على أن الأول - كما قال ابن السِّكيت - بمعنى السقوط على الوجه، والثاني بمعنى السقوط على الرأس، وقال الحمصي في حواشيه على ((التصريح)): تعس تعسًا، أي: لا انتعش من عثرته، ونُكسًا بضمِّ النون وقد تُفتح إما في لغة قليلة وإما إتباعًا لِتَعْسًا، والنُّكس بالضَّمِّ: (١) قائله بشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٥٣٣، وصدره: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة. (٢) البحر المحيط ٧٦/٨، وهي غير المشهورة عن عاصم. الآية : ٨ ١٣٩ عَوْدُ المرض بعد النَّقه؛ ويُراد بذلك الدعاء، وكَثُرَ في الدعاء على العاثر: تعسًا له، وفي الدعاء له: لَعًا له، أي: انتعاشًا وإقامة، وأنشدوا قول الأعشى يصف ناقة: همِّي عليها إذا ما ألُها لَمعا كَلَّفتُ مجهولةً نفسي وشايَعَني فالنَّعْسُ أولى لها من أنْ أقولَ لعا (١) بذات لَوٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرتْ وقال ثعلب وابن السكيت أيضًا: التعسُ: الهلاك، ومنه قول مُجمِّع بن هلال: تقول وقد أفرَدْتُها من حَلِيلها تَعَسْتَ كما أَتْعَسْتَني يا مُجَمِّع(٢) وفي ((القاموس)): التعس: الهلاك، والعِثار، والسقوط، والشَّرُّ، والبعد، والانحطاط، والفعل كَمَنَعَ وسَمِعَ، أو إذا خاطبت قلت: تَعَسْتَ، كَمَنَعَ، وإذا حكيتَ قلت: تَعِسَ، كَسَمِعَ، ويقال: تعسه الله تعالى، وأتعسه، ورجل تاعسٌ وتَحِسٌ(٣). وانتصابه على المصدر بفعل من لفظه يجب إضماره، لأنه للدعاء كسقيًا ورعيًا، فيجري مجرى الأمثال إذا قصد به ذلك، والجارُّ والمجرور بعده متعلِّقٌ بمقدَّر للتبيين عند كثير، أي: أعني له، مثلًا، فنحو: تعسًا له، جملتان. وذهب الكوفيون إلى أنه كلامٌ واحد، ولابن هشام كلامٌ في هذا الجارِّ مذكور في بحث لام التبيين، فلينظر هناك (٤). واختلفت العبارات في تفسير ما في الآية الكريمة، فقال ابن عباس: أي: بُعدًا لهم. وابن جريج والسدي: أي: حزنًا لهم. والحسن: أي: شتمًا لهم. وابن زيد: أي: شقاء لهم. والضحاك: أي: رغمًا لهم. وحكى النقاش تفسيره بِقُبحًا لهم. (١) ديوان الأعشى ص١٥٣، وحاشية الشهاب ٤٣/٨، ورواية الديوان: مجهولها، بدل: مجهولة، وأدنى، بدل: أولى. قال الشهاب: اللوث: القوة. وناقة عفرناة، أي: قوية. (٢) البيت في درة الغواص ص١١٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٧١٧/٢، وخزانة الأدب ٤٠٣/١٠. والمعنى: قالت لي وقد سبيتها وفرَّقت بينها وبين زوجها: تعست ... ، وقال المرزوقي: وسمي الزوج حليلاً والمرأة حليلة لأن كل واحد منهما يَحُلُّ مع صاحبه. ووقع في الأصل وبعض المصادر: خليلها . (٣) القاموس المحيط (تعس). (٤) مغني اللبيب ص٢٩١- ٢٩٢. سُورَةٌ مُحَمَدٌ مصـ ١٤٠ الآية : ٨ وقال غير واحد: أي: عثورًا وانحطاطًا لهم، وما ألطف ذكر ذلك في حقِّهم بعد ذكر تثبيتِ الأقدام في حقِّ المؤمنين. وفي رواية عن ابن عباس: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردِّي في النار. وأكثر الأقوال ترجع إلى الدعاء عليهم بالهلاك. وجوَّز الزمخشري(١) في إعرابه وجهين: الأول: كونه مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، كما تقدَّم. والثاني: مفعولًا به لمحذوف، أي: فقضى تعسًا لهم، وقدَّر على الأول القول، أي: فقال: تعسًا لهم، والذي دعاه لذلك - على ما قيل - جَعْلُ (الذين)) مبتدأً والجملة المقرونة بالفاء خبرًا له، وهي لإنشاء الدعاء، والإنشاءُ لا يقع خبراً بدون تأويل، فإما أن يقدَّر معها قول أو تجعل خبرًا بتقدير قضى، وجَعَل قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾ عطفًا على ما قدّر. وفي ((الكشف)): المراد مِن قال: تعسًا لهم: أهلكهم الله، لا أن ثَمَّ دعاءً وقولًا، وذلك لأنه لا يُدعى على شخص إلا وهو مستحِقٌّ له، فإذا أخبر تعالى أنه يدعو عليه دلَّ على تحقّق الهلاك، لاسيما وظاهرُ اللفظ أن الدعاء منه عز وجل، وهذا مجازٌ على مجاز، أعني: أن القول مجاز، وكذلك الدعاء بالتعس، ولم يَجْعل العطف على ((تعسًا)) لأنه دعاء، و((أضل)) إخبار، ولو جُعِل دعاءً أيضًا عطفًا علی «تعسًا)) على التجوُّز المذکور لكان له وجه. انتهى. وأنت تعلم أن اعتبارَ ما اعتبره الزمخشري ليس لأجل أمرٍ العطف فقط، بل لأجل أمر الخبرية أيضًا، فإن قيل بصحة الإخبار بالجملة الإنشائية من غير تأويل استغني عما قاله بالكلية. ودخلت الفاء في خبر الموصول لِتضمُّنه معنى الشرط. وجوز أن يكون الموصولُ في محلِّ نصب على المفعولية لفعل مقدَّر يُفسِّره الناصب لـ ((تعسًا))، أي: أتعس اللهُ الذين كفروا، أو: تعس الله الذين كفروا تعسًا، لما سمعت عن ((القاموس))، وقد حكي أيضًا عن أبي عُبيدة، والفاء زائدة في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ويزيدها العرب في مثل ذلك (١) في الكشاف ٥٣٢/٣.