النص المفهرس
صفحات 101-120
الآية : ٢٥ ١٠١ سُورَةُ الْأَحْقَفَلِ كأنها جمل وَهْمٌ (١) وما بقيت إلا النحيزةُ والألواحُ والعصبُ(٢) وقول الآخر وعزاه ابن جنِّي لذي الرمة أيضًا: بَرَى النحزُ والأجرالُ ما في غروضها وما بقيت إلا الضلوع الجراشع(٣) وبعضهم يُجيزه مطلقًا، وتمامُ الكلام فيه في محلِّه. وقرأ عيسى الهمداني: ((لا يُرى)) بضمِّ الياء التحتية، ((إلا مسكنُهم)) بالتوحيد والرفع، ورُوي هذا عن الأعمش ونصر بن عاصم، وقرئ: ((لا تَرى)) بتاء فوقية مفتوحة ((إلا مسكنَهم)) مفردًا منصوبًا (٤)، وهو الواحد الذي أُريد به الجمع، أو مصدر حُذف مضافه، أي: آثارَ سکونھم. • أخرج ابن ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الجزاء الفظيع ﴿نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أبي الدنيا في كتاب ((السحاب))، وأبو الشيخ في ((العظمة))، عن ابن عباس ﴿ًا أنه قال في قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوَهُ) الآية: أول ما عرفوا أنه عذاب رأوا(٥) ما كان خارجًا من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثلَ الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابَهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابَهم ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبعَ ليال وثمانيةَ أيام حسومًا، لهم أنينٌ، فأمر اللهُ تعالى الريحَ فكشفَتْ عنهم الرملَ وطرحتهم في البحر، فهو قوله تعالى: (فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَّ إِلَّا مَسَكِنْهُمْ)(٦). وروي أنَّ أول من أبصر العذاب امرأةٌ منهم رأت ريحًا فيها كشهب النار. ورُوي أن هودًا عليه السلام لما أحسَّ بالريح خطّ على نفسه وعلى المؤمنين خطًّا إلى جنب عين تنبع. (١) في الأصل و(م) والبحر ٦٥/٨ (والكلام منه): كأنه جمل هم، والمثبت من الديوان. (٢) ديوان ذي الرمة ٤٣/١، قال الشارح: الجمل الوَهْم: الضخم. والنحيزة: الطبيعة، وألواحها: عظامها . (٣) المحتسب ٢٦٦/٢، وهو في ديوان ذي الرمة ١٢٩٦/٢ برواية: طوى النحز والأجراز ... ، قال الشارح: النحز: ضرب الأعقاب والاستحثاث في السير، والجراشع: المنتفخ الجَنْبَيْن. (٤) البحر المحيط ٦٥/٨. (٥) في (م) والأصل: ما رأوا، والمثبت من المصادر. (٦) الدر المنثور ٤٣/٦، والعظمة (٨٣٩). سُورَةُ الأَحْقَفلِ ١٠٢ الآية : ٢٦ وعن ابن عباس: أنه عليه السلام اعتزل ومن معه في حظيرةٍ ما يُصيبهم من الريح إلا ما يلين به الجلود وتلذَّه الأنفس، وإنها لتمرُّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. وكانت - كما أخرج ابنُ أبي شيبة وابن جرير عن عمرو بن ميمون - تجيء بالرجل الغائب(١). ومرَّ في سورة الأعراف مما يتعلَّق بهم ما مرَّ، فارجع إليه (٢) إنْ أردته. ولما أصابهم من الريح ما أصابهم كان ◌َله يدعو إذا عصفَت الريح، أخرج مسلمٌ والترمذي والنسائي وابن ماجه وعبد بن حُميد عن عائشة ﴿ّا قالت: كان رسول الله وَل﴿ إذا عصفت الريحُ قال: ((اللهم إني أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسلت به، وأعوذُ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلَتْ به))، فإذا أَخْيَلت السماء تغيَّر لونُه وَ لهَ وخرجَ ودخل وأَقبلَ وأدبرَ، فإذا مطرت سُرِّي عنه، فسألته، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا أدري لعلَّه كما قال قومُ عاد: (هَذَا عَارِضٌ تُطُنا))(٣). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ﴾ أي: قررنا عادًا وأقدرناهم، و(ما)) في قوله تعالى: ﴿فِيمَآ إِن مَكَتَّكُمْ فِيهِ﴾ موصولة أو موصوفة، و((إن)) نافية، أي: في الذي - أو في شيء - ما مكنَّاكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات كما في قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْذٍ مَّكَّتَّهُمْ فِى الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَّكِن لَّكُرُ﴾ [الأنعام: ٦] ولم يكن النفي بلفظ ((ما)) كراهةً لتكرير اللفظ وإن اختلف المعنى، ولذا قال مَن ذهب إلى أنَّ أصلَ مهما ماما على أنَّ ما الشرطية مكرَّرة للتأكيد: قلبت الألف الأُولى هاء فرارًا من كراهة التكرار. وعابوا على المتنبي قوله: بأَقتلَ مما بانَ منكَ لعائب(٤) لعمرك ما ما بانَ منك لضارب (١) الدر المنثور ٤٤/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٥١/١١، وتفسير الطبري ٢١/ ١٥٧. (٢) في (م): إليهم. (٣) الدر المنثور ٤٣/٦، وصحيح مسلم (٨٩٩)، وسنن الترمذي (٣٤٤٩)، وسنن النسائي (١٠٧١٠)، وسنن ابن ماجه (٣٨٩١) واللفظ لمسلم. وأخرجه البخاري (٤٨٢٩) بنحوه. وقوله: أخيلت السماء: تهيأت للمطر. القاموس (خيل). (٤) ديوان المتنبي ٢٨٥/١، وفيه: يرى أنَّ، بدل: لعمرك. الآية : ٢٦ ١٠٣ سُورَةُ الأَحْقَقلِ أي: ما الذي بان .. إلخ، يريد: لسانه لا يتقاعد عن سِنانه؛ هذا للعائب وذلك للضارب، وكان يسعه أن يقول: إنْ ما بان، وإدخال الباء للنفي لا للعمل، على أنّ إعمال ((إنْ)) قد جاء عن المبرِّد. وقيل: ((إنْ)) شرطية محذوفةُ الجواب، والتقدير: إنْ مكتَّاكم فيه طغيتم. وقيل: إنها صلة بعد ((ما)) الموصولة تشبيهًا بـ ((ما)) النافية و((ما)) التوقيتية، فهي في الآية مثلها في قوله: يُرَجِّي المرءُ ما إن لا يراه وتَعرضُ دون أدناه الخطوبُ(١) أي: مكتَّهم في مثل الذي مكنَّاكم فيه. وكونها نافيةً هو الوجه؛ لأن القرآنَ العظيم يدلُّ عليه في مواضع، وهو أبلغُ في التوبيخ وأَدخلُ في الحثّ على الاعتبار. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةً﴾ ليستعملوها فيما خُلقت له ويعرفوا بكلِّ منها ما نيطتْ به معرفتُه من فنون النِّعم، ويستدلُّوا بها على شؤون مُنعمها عز وجلٍ ويُداوموا على شُكره جلَّ شأنه ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل ﴿وَلَا أَبْصَرُهُمْ﴾ حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المرسومة في صحائف العالم ﴿وَلَاَ أَفْئِدَتُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى ﴿مِّن شَىءٍ﴾ أي: شيئًا من الإغناء، و((من)) مَزيدة للتوكيد، والتنوين للتقليل. وجوِّز أن تكون تبعيضية، أي: ما أغنى بعضَ الإغناء، وهو القليل. و((ما)) في ((ما أغنى)) نافية، وجوّز كونها استفهامية. وتعقّبه أبو حيَّان بأنه يلزم عليه زيادة ((من)) في الواجب(٢)، وهو لا يجوز على الصحيح. ورُدَّ بأنهم قالوا: تُزاد في غير الموجب، وفسَّروه بالنفي والنهي والاستفهام. (١) نوادر أبي زيد ص٦٠، ونسبه لجابر بن رَألان الطائي الجاهلي، والصاهل والشاحج ص٢٥٤، والخزانة ٨/ ٤٤٠ . (٢) البحر المحيط ٨/ ٦٥. سُودَةُ الأَحْقَفلِ ١٠٤ الآية : ٢٧ - ٢٨ وإفرادُ السمع في النظم الجليل وجمعُ غيره لاتّحاد المُدرك به، وهو الأصوات، وتعدد مدركات غيره، أو لأنه في الأصل مصدر، وأيضًا مسموعهم من الرسل متّحد. ﴿إِذَ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِئَايَتِ الَّهِ﴾ ظرف متعلِّق بالنفي الصريح أو الضمني في قوله تعالى: ((ما أغنى)) وهو ظرفٌ أُريد به التعليل كنايةً لاستواء مؤدَّى الظرف، والتعليل في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذ أساء، لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه، وهذا مما غُلِّب في ((إذ)) و((حيث)) من بين سائر الظروف حتى كاد يلحق بمعانيهما الوضعية. ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون: ﴿فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مِنَ الْقُرَى﴾ كحِجْر ثمود وقرى قوم صالح، والكلام بتقدير مضاف، أو تجوِّز بالقُرى عن أهلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ﴾ أي: كرَّرناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (®﴾ وأمر ((ما)) سهل، والترجّي مصروفٌ لغيره تعالى، أو ((لعل)) للتعليل، أي: لكي يرجعوا عمَّا هم فيه من الكفر والمعاصي إلى الإيمان والطاعة. ﴿فَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾ فهلا منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه ﴿الَّذِينَ اْأَّخَذُوا﴾ أي: آلهتهم الذين اتخذوهم. ﴿مِن دُونِ الَّهِ قُرْ بَانًا ءَاِمَةٌ﴾ والضمير الذي قدَّرناه عائدًا هو المفعول الأول لـ ((اتخذوا))، و((آلهة)) هو المفعول الثاني، و((قربانًا)) بمعنى متقرَّبًا بها حال، أي: اتخذوهم آلهةً من دون الله حال كونها مُتقرَّبًا بها إلى الله عز وجل حيث كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] و﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ الو﴾ [يونس: ١٨] وفي الکلام تھگّم بهم. وأجاز الحوفي كون ((قربانًا)) مفعولًا من أجله، وأجاز هو أيضًا وابن عطية ومكيّ وأبو البقاء كونه المفعول الثاني لـ ((اتخذوا))(١) وجعل ((آلهة)) بدلًا منه، وقال (١) المحرر الوجيز ١٠٣/٥، ومشكل إعراب القرآن ٦٦٩/٢، والإملاء ٣٢٣/٤. الآية : ٢٨ ١٠٥ سُورَةُ الأَقَفِ في ((الكشاف)): لا يصح ذلك لفساد المعنى(١). ونُقل عنه في بيانه أنه لا يصح أن يقال: تقرَّبوا بها من دون الله، لأنَّ الله تعالى لا يُتُقرَّب به، وأراد كما في ((الكشف)) أنه إذا جعل مفعولًا ثانيًا يكون المعنى: فلولا نصرهم الذين انَّخذوهم قربانًا بدل الله تعالى، أو متجاوزين عن أخذه تعالى قربانًا إليهم، وهو معنى فاسد. واعتُرض عليه بجعل ((دون)) بمعنى قُدَّام، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿وَآدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وبأنه قد قيل: إن قربانًا مفعول له، فهو غير مختصّ بالمتقرَّب به، وجاز أن يُطلق على المتقرَّب إليه، وحينئذ يلتئم الكلام. وأُجيب عن الأول بأنه غير قادح لأنه مع نزارة استعمال ((دون)) بمعنى قُدَّام لا يصلح ظرف الاتّخاذ (٢) لأنه ليس بين يدي الله تعالى، وإنما التقرُّب بين يديه تعالى ولأجله سبحانه، واتّخاذهم قربانًا ليس التقرب به، لأن معناه تعظيمهم بالعبادة ليشفعوا بين يدي الله عز وجل ويُقرِّبوهم إليه سبحانه، فزمان الاتِّخاذ ليس زمانَ التقرب البتة، وحينئذ إن كان مستقرًّا حالًا لَزِمَ ما لَزِمَ في الأول. ولا يجوز أن يكونَ معمول («قربانًا)) لأنه اسمٌ جامدٌ بمعنى ما يُتقرَّب به فلا يصلح عاملًا كالقارورة وإن كان فيها معنى القرار، وفيه نظر. وأُجيب عن الثاني بأن الزمخشري بعد أن فسَّر القربان بما يتقرَّب به ذكر هذا الامتناع على أن قوله تعالى بعد: (بَلّ ضَلُّوا) إلخ ينادي على فساد ذلك أرفعَ النداء. وقال بعضهم في امتناع كون ((قربانًا)) مفعولًا ثانيًا و((آلهة)) بدلًا منه: إن البدل وإن كان هو المقصودَ لكن لا بدَّ في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه، ولا صحةَ لقولهم: اتخذوهم من دون الله قُربانًا، أي: ما يُتُقرَّب به، لأن الله تعالى لا يُتُقرَّب به، بل يُتُقرَّب إليه، فلا يصح أنهم اتخذوهم قربانًا مُتجاوزين الله تعالى في ذلك. وجنح بعضُهم إلى أنه يصحُّ أن يقال: الله تعالى يُتَقرَّب به، أي: برضاه تعالی والتوسل به جلَّ وعلا. (١) الكشاف ٥٢٦/٣. (٢) كذا في الأصل و(م)، وجاء في حاشية الشهاب ٣٦/٨: لا يصلح ظرفاً للاتخاذ. وهو الأنسب بالسياق. سُورَةُ الأَحْقَفِ ١٠٦ الآية : ٢٨ وقال الطيبي: إن الزمخشري لم يُرد بفساد المعنى إلا خلافَ المعنى المقصود، إذ لم يكن قصدُهم في اتّخاذهم الأصنام آلهةً على زعمهم إلا أن يتقرَّبوا بها إلى الله تعالى كما نطقَتْ به الآياتُ، فتأمَّل. وقرئ: ((قُرُبانًا)) بضمِّ الراء(١). ﴿بَلَّ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ أي: غابوا عنهم، وفيه تهكُّم بهم أيضًا كأنَّ عدمَ نصرهم لغيبتهم، أو ضاعوا عنهم، أي: ظهر ضياعُهم عنهم بالكُليَّة، وقد امتنع نصرُهم الذي كانوا يؤمِّلونه امتناعَ نصر الغائب عن المنصور. ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: ضلال آلهتهم عنهم ﴿إِنْكُهُمْ﴾ أي: أَثَرُ إفكهم، أي: صرفِهم عن الحقِّ واتخاذِهم إياها آلهة، ونتيجةُ شِرْكهم ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾﴾ أي: وأَثَرُ افترائهم وكذبهم على الله تعالى، أو أَثَرُ ما كانوا يفترونه على الله عز وجل. وقيل: (ذلك) إشارة إلى اتّخاذ الأصنام آلهةً، أي: ذلك الاتخاذ الذي أثره ضلال آلهتهم عنهم كذبُهم وافتراؤهم، أو: والذي كانوا يفترونه، وليس بذاك وإن لم يُحوج إلى تقدیر مضاف. وقرأ ابن عباس في رواية: ((أَفَكُهم)) بفتح الهمزة (٢)، والإِفْك والأَفَك مصدران كالحِذْر والحَذَر. وقرأ ابن الزبير والصباح بن العلاء الأنصاري وأبو عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان بن مرة ومجاهد، وهي رواية عن ابن عباس أيضًا: ((أَفَكَهم)) بثلاث فتحات(٣)، على أن أَفَكَ فعلٌ ماضٍ، وحينئذ الإشارة إلى الاتِّخاذ، أي: ذلك الاتِّخاذ صَرَفَهم عن الحقّ، ((وما كانوا)) قيل: عطف على ((ذلك))، أو على الضمير المستتر، وحَسُنَ للفصل، أو هو مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: كذلك، والجملة حينئذ معطوفةٌ على الجملة قبلها . (١) الكشاف ٥٢٦/٣، وتفسير القرطبي ٢١٩/١٩. (٢) وفتح الفاء أيضًا، ذكرها ابن جني في المحتسب ٢٦٨/٢. (٣) القراءات الشاذة ص ١٣٩، والمحتسب ٢٦٧/٢، والبحر ٦٦/٨. الآية : ٢٩ ١٠٧ سُورَةُ الأَحْقَقلِ وأبو عياض وعكرمة أيضًا كذلك إلا أنهما شدَّدا الفاء للتكثير. وابن الزبير أيضًا وابن عباس فيما ذكر ابن خالويه: ((آفَكّهم)) بالمدِّ(١)، فاحتمل أن يكون فاعَلَ فالهمزة أصلية، وأن يكون أَفْعَلَ والهمزة للتعدية، أي: جَعَلهم يأفكون؛ وجوّز أن تكون للوجدان كأَحْمَدْتُه، وأن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ. وحكى في ((البحر)) أنه قُرئ: ((أَفَكُهم)) بفتح الهمزة والفاء وضمِّ الكاف، وهي لغة في الإفك(٢). وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب وأبو الفضل الرازي: ((آفِكُهم)) اسم فاعل من أَفَكَ(٣)، أي: وذلك الاتخاذ صارفُهم عن الحق. وقرئ: ((وذلك إفكّ مما كانوا يفترون))(٤) والمعنى: ذلك بعضُ ما يفترون من الإفك، أي: بعض أكاذيبهم المفتريات، فالإفك بمعنى الاختلاق، فلا تغفل. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ أي: أَمَلْناهم إليك ووجَّهناهم لك، والنفر على المشهور ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال، لأنه من النفير، والرجال هم الذين إذا حزبهم أمرٌ نفروا لكفايته، والحقّ أن هذا باعتبار الأغلب، فإنه يُطلق على ما فوق العشرة في الفصيح، وقد ذكر ذلك جمعٌ من أهل اللغة، وفي ((المجمل)): الرَّهْط والنفر يستعمل إلى الأربعين(٥)، وفي كلام الشعبي: حدَّثني بضعة عشر نفرًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسيره هنا بما زاد على العشرة، ولا يختصُّ بالرجال، والأخذ من النفير لا يدلُّ على الاختصاص بهم، بل ولا بالناس لإطلاقه على الجنِّ هنا. والجارُّ والمجرور صفة ((نفرًا))، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ حال مقدَّرة منه لتخصُّصه بالصفة، أو صفةٌ له أُخرى، وضمير الجمع لأنه اسم جمع، فهو في (١) القراءات الشاذة ص١٣٩، والمحتسب ٢٦٧/٢، وتفسير القرطبي ٢١٩/١٩. (٢) البحر المحيط ٦٦/٨ . (٣) المحتسب ٢٦٨/٢، والبحر ٦٦/٨ . (٤) الكشاف ٥٢٦/٣. (٥) الذي في مجمل اللغة لابن فارس ٤٠٢/٢ (رهط): الرهط: العصابة دون العشرة، ويقال: بل إلى الأربعين. وفي ٨٧٨/٣ (نفر): النفر: عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة. سُوَّةُ الأَحْقَلِ ١٠٨ الآية : ٢٩ المعنى جمع، ولذا قُرئ: (صرَّفنا)) بالتشديد للتكثير(١)، و((إذ)) معمولة لمقدَّر لا عطف على ((أخا عاد)) [الآية: ٢١] أي: واذكر لقومك وقتَ صرفنا إليك نفرًا من الجنَّ مقدَّرًا استماعهم القرآن، لعلهم يتنَّهون لجهلهم وغلطهم وقبح ما هم عليه من الكُفر بالقرآن والإعراض عنه حيث إنهم كفروا به وجهلوا أنه من عند الله تعالى وهم أهلُ اللسان الذي نزل به ومن جنس الرسول الذي جاء به، وأولئك استمعوه وعلموا أنه من عنده تعالى وآمنوا به وليسوا من أهل لسانه، ولا من جنس رسوله. ففي ذكر هذه القصة توبيخٌ لكفار قريش والعرب، ووقوعها إثرَ قصة هود وقومه وإهلاكِ من أهلك من أهل القُرى لأنَّ أولئك كانوا ذوي شدَّة وقوَّة كما حُكي عنهم في غيرِ آيَة، والجنُّ تُوصَف بذلك أيضًا كما قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ آلْجِنِّ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكٌ وَإِّ عَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ووصفُهم بذلك معروفٌ بين العرب، فناسبت ما قبلها لذلك، مع ما قيل إن قصةَ عاد مُتضمِّنة ذكرَ الريح، وهذه متضمِّنةٌ ذكرَ الجزِّ، وكلاهما من العالَم الذي لا يُشاهد، وسيأتي الكلام في حقيقتهم. ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي: القرآن عند تلاوته، وهو الظاهرُ وإن كان فيه تجوّز، وقيل: الرسول وَ* عند تلاوته له ففيه التفات ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضُهم لبعض: ﴿أَنْصِتُواْ﴾ اسكتوا لنسمعه، وفيه تأذُّب مع العلم وكيف يُتعلّم ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ أتمَّ وفُرغ عن تلاوته . وقرأ أبو مِجلز وخُبيب بن عبد الله: ((قَضَى)) بالبناء للفاعل(٢)، وهو ضميرُ الرسول وَله، وأيِّد بذلك عَوْدُ ضمير ((حضروه)) إليه عليه الصلاة والسلام. ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ﴾﴾ مقدِّرين إنذارهم عند وصولهم إليهم، قيل: إنهم تفرَّقوا في البلاد فأَنذروا مَنْ رأَوْه من الجنّ، وكان هؤلاء كما جاء في عدَّة روايات من جِنِّ نَصِيبين، وهي من ديار بكر قريبة من الشام، وقيل: من نينوى، وهي أيضًا من ديار بكر لكنها قريبة من المَوْصل، وذكر أنهم كانوا من الشيصبان وهم أكثرُ (١) البحر المحيط ٨/ ٦٧. (٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٠٥، وتفسير القرطبي ٢٢٨/١٩، والبحر المحيط ٨/ ٦٧. الآية : ٢٩ ١٠٩ سُورَةُ الأَحْقَفِ الجنِّ عددًا، وعامَّة جنود إبليس منهم، وكان الحضور بوادي نخلة على نحو ليلة من مكة المكرمة، فقد أخرج أحمد وعبد بن حُميد والشيخان والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن عباس قال: انطلق النبيُّ وَ﴿ في طائفة من أصحابه إلى سوق مُكاظ وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشُّهب، فرجَعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشُّهب. قالوا: ما حالَ بينكم وبين خبر السماء إلا شيءٌ حدثَ، فاضربوا مشارقَ الأرضِ ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجّهوا نحو تِهامة إلى النبيِّ وَلّ وهو وأصحابه بنخلة عامِدين إلى سوق عُكاظ وهو عليه الصلاة والسلام يُصلِّي بأصحابه صلاةً الفجر، فلما سَمِعوا القرآنَ استمعوا له فقالوا: هذا واللهِ الذي حال بينكم وبين خبرٍ السماء، فهناك حين رجَعوا إلى قومهم(١). وفي رواية ابن المنذر عن عبد الملك: أنهم لما حضروه قالوا: أَنْصِتوا، فلما قضى وفرغ ◌َلّهِ من صلاةِ الصبح ولَّوا إلى قومهم منذرين مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ لِنٍ﴾ [الجن: ١](٢) . وفي ((الصحيحين)) عن مسروق عن ابن مسعود أنه آذَنَتْهِ وَِّ بهم شجرة(٣). وكانوا على ما رُوي عن ابن عباس سبعةً، وكذا قال زِرّ، وذكر منهم: زوبعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنهم كانوا سبعة؛ ثلاثة من أهل حران، وأربعة من نَصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وماصر والأردوانيان وسرق والأحقم(٤)، بميم آخره. وفي رواية عن كعب: الأحقب، بالباء(٥). وذكر (١) الدر المنثور ٢٧٠/٦، ومسند أحمد (٢٢٧١)، وصحيح البخاري (٧٧٣)، وصحيح مسلم (٤٤٩)، وسنن الترمذي (٣٣٢٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٥٦٠). (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٧٠. (٣) صحيح البخاري (٣٨٥٩)، وصحيح مسلم (٤٥٠) (١٥٣). (٤) الدر المنثور ٤٥/٦ . (٥) الدر المنثور ٤٥/٦، وعزاه للواقدي وأبي نعيم. سُورَةُ الأَحْقَفلِ ١١٠ الآية : ٢٩ صاحب ((الروض)) بدل حسى ومسى: منشى وناشى(١). وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في هؤلاء النفر: كانوا تسعةً نفر(٢) من أهل نَصيبين، فجعلهم رسولُ اللهِ وََّ رُسلًا إلى قومهم(٣). والخبر السابق يدلُّ على أنه وَّه كان حين حضر الجنَّ مع طائفة من أصحابه. وأخرج عبد بن حُميد وأحمد ومسلم والترمذي وأبو داود عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبيَّ وَّهِ ليلةَ الجنّ منكم أحدٌ؟ قال: ما صَحِبه منَّا أحدٌ، ولكنَّا كنَّا مع رسول الله وَّه ذاتَ ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطِير، أو: اغتيل، فبتنا بشرِّ ليلة باتَ بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حِراء فأخبرناه، فقال: ((أتاني داعي الجنّ، فأَتيتهم فقرأتُ عليهم القرآنَ)) فانطلقَ بنا فَأَرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم (٤). فهذا يدلُّ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن معه أحدٌ من أصحابه ولم يَشْعُرْ به أحدٌ منهم. وأخرج أحمد عن ابن مسعود أنه قال: قمتُ مع رسول اللهِوَّهِ ليلةَ الجنّ، وأخذتُ إدواةً ولا أَحْسِبها إلا ماءً، حتى إذا كنَّا بأعلى مكة رأيتُ أَسودةً مجتمعة، قال: فخطَّ لي رسولُ الله ◌ِوَه، ثم قال: ((قُمْ هاهنا حتى آتيك)) ومضى رسولُ اللهِوَّل، فرأيتُهم يتثوَّرون إليه، فَسَمَر معهم ليلًا طويلًا حتى جاءني مع الفجر، فقال لي: ((هل معك من وضوء))؟ قلت: نعم، ففتحت الإداوة، فإذا هو نبيذ، فقلت: ما كنت أَحْسِبها إلا ماءً فإذا هو نبيذٌ، فقال رسول اللهِ وَيِ: ((تَمْرَةٌ(٥) طيِّبَةٌ وماءٌ طهور)) فتوضَّأ منها، ثم قام يُصلِّي، فأدركه شخصان منهم فصفَّهما خلفه، ثم صلَّى بنا، (١) الروض الأنف ١٨٠/٢، والتعريف والإعلام ص١٥٦- ١٥٧، وينظر تفسير القرطبي ٢٢٤/١٩. هذا وقد اختلفت رسوم بعض أسمائهم في المصادر. (٢) في الأصل و(م) والدر المنثور ٦/ ٤٤ (والكلام منه): تسعة عشر، والمثبت من المصادر. (٣) الدر المنثور ٤٤/٦، وتفسير الطبري ١٦٥/٢١، ومعجم الطبراني الكبير ١١٦٦٠/١١. (٤) الدر المنثور ٤٤/٦، ومسند أحمد (٤١٤٩)، وصحيح مسلم (٤٥٠)، وسنن الترمذي (٣٢٥٨)، وهو عند أبي داود (٨٥) مختصراً. (٥) في الأصل و(م): ثمرة، والمثبت من المصادر. الآية : ٢٩ ١١١ سُورَةُ الأَخْقَقلِ فقلت: مَنْ هؤلاء يا رسولَ الله؟ قال: ((جنُّ نَصِيبين))(١). فهذا يدلُّ على خلافٍ ما تقدَّم، والجمع بتعدُّد واقعة الجنّ، وقد أخرج الطبراني في ((الأوسط)) وابن مردويه عن الحِبر أنه قال: صُرفت الجنُّ إلى رسول الله وَّهِ مرَّتين(٢). وذكر الخَفاجي أنه قد دلَّت الأحاديثُ على أنَّ وِفادة الجنِّ كانت ستَّ مرَّات(٣). ويجمع بذلك اختلاف الروايات في عددهم وفي غير ذلك؛ فقد أخرج أبو نُعيم والواقدي عن كعب الأحبار قال: انصرف النفر التسعة من أهل نَصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأردوانيان والأحقب جاؤوا قومَهم مُنذِرین فخرجوا بعدُ وافدين إلى رسول الله وَّيِ وهم ثلاث مئة فانتهوا إلى الحَجُون، فجاء الأحقبُ فسلّم على رسول الله وَّله فقال: إنَّ قومَنا حضروا الحَجُون يلقونك، فواعدَه رسول الله وَّو لساعة من الليل بالحجون(٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال في الآية: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل(٥). وفي ((الكشاف)) حكاية هذا العدد أيضاً، وأن السورة التي قرأها وَله عليهم: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ﴾ [العلق: ١](٦). ـّ أنه عليه الصلاة والسلام ونقل في (البحر)) عن ابن عمر وجابر بن عبد الله قرأ عليهم سورةَ الرحمن، فكان إذا قال: ﴿فَأَتِّ ءَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا : لا بشيء من آياتِ ربِّنا نُكَذِّب، ربَّنا لك الحمد(٧) . (١) مسند أحمد (٤٣٨١)، وفي إسناده: أبو زيد مولى عمرو بن حُريث المخزومي، وهو مجهول. وقال الإمام النووي في شرح مسلم ١٦٩/٤ : حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدِّثين. (٢) الدر المنثور ٤٤/٦، والأوسط (٦). (٣) حاشية الشهاب ٨/ ٢٥٥. (٤) الدر المنثور ٤٥/٦، ودلائل النبوة لأبي نعيم (٢٦١)، وأخرجه أبو نعيم من طريق الواقدي، والواقدي متروك. وورد في الدر: والأردواينان، وفي الدلائل: والأرديبان، بدل: والأردوانيان. والحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. معجم البلدان ٢/ ٢٢٥ . (٥) الدر المنثور ٤٥/٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٩٦/١٠. (٦) الكشاف ٥٢٧/٣ . (٧) البحر المحيط ٨/ ٦٧. سُورَةُ الأَخْقَفِ ١١٢ الآية : ٣٠ - ٣١ وأخرج أبو نُعيم في ((الدلائل)) والواقدي عن أبي جعفر (١) قال: قَدِمَ على رسولِ اللهِ وَ﴿ الجنُّ في ربيع الأول سنةً إحدى عَشْرة من النبوّة. وفي معناه ما قيل: كانت القصةُ قبلَ الهجرة بثلاث سنين بناءً على ما صحَّ عن ابن عباس أنه وَلِّ مكثَ بمكة يُوحَى إليه ثلاثَ عشرةَ سنة، وفي المسألة خلافٌ، والمشهور ما ذُكر. وقيل: كان استماعُ الجنِّ في ابتداءِ الإيحاء. ﴿قَالُوا﴾ أي: عند رجوعهم إلى قومهم: ﴿يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا﴾ جليلَ الشأن ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ذكروه دون عيسى عليهما السلام لأنه متفقٌ عليه عند أهل الكتابين، ولأن الكتابَ المُنزل عليه أجلُّ الكتب قبلَ القرآن، وكان عيسى عليه السلام مأمورًا بالعمل بمعظم ما فيه أو بكلِّه. وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهودية، ويحتاجُ إلى نَقْل صحيح. وعن ابن عباس أن الجنَّ لم تكن سمعَتْ بأمرٍ عيسى عليه السلام، فلذا قالوا ذلك، وفيه بُعدٌ، فإن اشتهار أمرٍ عيسى عليه السلام وانتشارَ أمرٍ دينه أظهرُ من أن يخفى لاسيما على الجنّ. ومن هنا قال أبو حيان: إنَّ هذا لا يصحُّ عن ابن (٢) عباس(٢) . ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة، أو جميع الكتب الإلهية السابقة ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ من العقائد الصحيحة ﴿وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ من الأحكام الفرعية أو ما يعمُّها وغيرها من العقائد على أنه من ذكر العامِّ بعد الخاصّ. ﴿يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ﴾ أرادوا به ما سمعوه من الكتاب ووصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية إلى الحقِّ والطريق المستقيم لِتلازمهما، وفي الجمع بينهما ترغيبٌ لهم في الإجابة أيّ ترغيب. وجوّز أن يكون أرادوا به الرسول چله. (١) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور ٦/ ٤٥ (وعنه نقل المصنف): عن أبي جعفر، وفي دلائل النبوة (٢٦٠): إسحاق بن عبد الله بن جعفر. (٢) البحر المحيط ٦٨/٨. الآية : ٣١ ١١٣ سُوَّةُ الأَحْقَقلِ ﴿وَءَامِنُواْ بِهِ﴾ أي: بداعي الله تعالى، أو بالله عز وجل ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: بعض ذنوبكم، قيل: وهو ما كان خالص حقِّه عز وجل، فإنَّ حقوقَ العباد لا تُغفر بالإيمان. وتعقَّبه ابن المُنَيِّرِ(١) بأن الحربيَّ إذا نَهَبَ الأموالَ وسفكَ الدماء، ثم حَسُنَ إسلامُه جَبَّ إسلامُه إثمَ ما تقدَّم بلا إشكال، ثم قال: ويقال: إنه لم يَرِدْ وعدُ المغفرة للكافرين على تقدير الإيمان في كتاب الله تعالى إلا مُبعَّضة، وهذا منه، فإن لم يكن لاطراده كذلك سرّ فما هو إلا أن مقام الكافرين قبضٌ لا بَسْطٌ، فلذلك لم يُبْسَطْ رجاؤه في مغفرة جملة الذنوب، وقد ورد في حقِّ المؤمنين كثيرًا. وردَّه صاحبُ ((الإنصاف))(٢) بأن مقامَ ترغيب الكافر في الإسلام بسطٌّ لا قبض، وقد أمر الله تعالى أن يقول لفرعون قولًا ليِّنَا، وقد قال تعالى: ﴿إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وهي غير مُبعَّضة، و((ما)) للعموم لاسيما وقد وقعت في الشرط. وقال بعض أَجِلَّة المحققين: إنَّ الحربيَّ وإن كان إذا أسلم لا تبقى عليه تَبِعةٌ أصلًا، لكنَّ الذميَّ إذا أسلم تبقى عليه حقوقُ الآدميين، والقوم - كما نُقل عن عطاء - كانوا يهودًا فتبقى عليهم تَبِعاتُهم فيما بينهم إذا أسلموا جميعًا من غير حرب، فلما كان الخطاب معهم جيء بما يدلُّ على التبعيض. وقيل: جيء به لعدم علم الجن بعدُ بأن الإسلام يجبُّ إثمَ ما قبله مطلقًا. وفيه توقّف. وقد يقال: أرادوا بالبعض الذنوبَ السالفة، ولو لم يقولوا ذلك لتَوهَّمَ المخاطبون أنهم إن أجابوا داعيَ الله تعالى وآمنوا به يغفر لهم ما تقدَّم من ذنوبهم وما تأخّر. وقيل: ((من)) زائدة، أي: يغفر لكم ذنوبكم. (١) الانتصاف بحاشية الكشاف ٣/ ٥٢٧. (٢) لعله الإنصاف لعلم الدين عبد الكريم بن علي العراقي، المتوفى سنة (٧٠٤هـ)، وقد جعله حَكَماً بين الكشاف والانتصاف. كشف الظنون ٢/ ١٤٧٧ . سُوَّةُ الْأَحْقَفَلِ ١١٤ الآية : ٣٢ ﴿وَيُجِرَكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيِ ﴾﴾ مُعَدِّ للكفرة، وهذا ونحوه يدلُّ على أن الجن مُكلَّفون، ولم ينصّ هاهنا على ثوابهم إذا أطاعوا، وعمومات الآياتِ تدلُّ على الثواب. وعن ابن عباس: لهم ثوابٌ وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. ولعلَّ الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقامُ مقامُ الإنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب، وقيل: لا ثوابَ لمطيعيهم إلا النجاة من النار، فیقال لهم: کونوا ترابًا، فیکونون تراباً، وهذا مذهبُ لیث بن أبي سُليم وجماعة، ونُسِبَ إلى الإمام أبي حنيفة ◌َله، وقال النسفي في ((التيسير))(١): توقَّف أبو حنيفة في ثواب الجنّ في الجنة ونعيمهم لأنه لا استحقاقَ للعبد على الله تعالى، ولم يَقُلْ بطريق الوعد في حقِّهم إلا المغفرة والإجارة من العذاب، وأما نعيمُ الجنة فموقوفٌ على الدليل. وقال عمر بن عبد العزيز: إنَّ مؤمني الجِنِّ حول الجنة في رَبَض وليسوا فيها . وقيل: يدخلون الجنة ويُلْهَمون التسبيحَ والذِّكر، فيصيبون من لذَّة ذلك ما يُصيبه بنو آدم من لذائذهم. قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): والصحيحُ أنهم يدخلونها ويتنعَّمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما، وهذا مذهبُ الحسن البصري ومالك بن أنس والضحاك وابن أبي ليلى وغيرهم(٢). ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِىِ الْأَرْضِ﴾ إيجاب للإجابة بطريق الترهيب إثر إيجابها بطريق الترغيب، وتحقيقٌ لكونهم منذَرين، وإظهار داعي الله من غير اكتفاء بأحد الضميرين بأن يقال: يُجبه، أو: يُجب داعيه، للمبالغة في الإيجاب بزيادة التقرير وتربية المَهابة وإدخال الروعة. وتقييدُ الإعجاز بكونه في الأرض لتوسيع الدائرة، أي: فليس بمعجز له تعالى بالهرب وإن هرب كلَّ مَهْرب من أقطارها، أو دخل في أعماقها . (١) هو كتاب التيسير في التفسير، لنجم الدين عمر بن محمد الحنفي، المتوفى سنة (٥٣٧هـ). كشف الظنون ١/ ٥١٩. (٢) شرح صحيح مسلم ١٦٩/٤ . الآية : ٣٣ ١١٥ سُورَةُ الأَحْقَقلِ وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءٌ﴾ بيانٌ لاستحالة نجاته بواسطة الغير إثرَ بيان استحالة نجاته بنفسه، وجَمَعَ الأولياء باعتبار معنى ((مَن)) فيكون من باب مُقابلة الجمع بالجمع لانقسام الآحادِ على الآحاد، ويؤيِّد ذلك ما رُوي عن ابن عامر أنه قرأ: ((وليس لهم) بضمير الجمع(١)، فإنه لـ ((مَنْ)) باعتبار معناها، وكذا الجمع في قوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ بذلك الاعتبار، أي: أولئك الموصوفون بعدم إجابة داعي الله ﴿فِي ضَلَلِ تُبِينٍ ﴾﴾ أي: ظاهر كونُه ضلالاً بحيث لا يَخفى على أحدٍ، حيث أعرضوا عن إجابة مَن هذا شأنُه. ﴿أَوْلَمْ يَرَوَا﴾ الهمزة للإنكار، والواو على أحد القولين عطفٌ على مقدَّر دخله الاستفهام يستدعيه المقام، والرؤية قلبيةٌ، أي: ألم يتفكّروا ولم يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: لم يَتعَبْ بذلك أصلًا، مِنْ عَبِيَ كَفَعِلَ، بكسر العين، ويجوز فيه الإدغام بمعنى تعب كأعيى، وقال الكسائي: أعييتُ من التعب، وعييتُ من انقطاع الحيلة والعجز والتحيّر في الأمر؛ وأنشدوا: عَيُّوا بأمرِهِمُ كما عَيَّتْ ببيضتِها الحمامَهُ(٢) أي: لم يَعْجِزْ عن خَلْقِهِنَّ ولم يتحيَّر فيه، واختار بعضهم عدمَ الفرق. وقرأ الحسن: ((ولم يَعِيْ)) بكسر العين وسكون الياء(٣)، ووَجْهُه أنه في الماضي فتح عين الكلمة كما قالوا في بَقِيَ: بقَى بفتح القاف وألف بعدها، وهي لغةُ طيِّئ، ولمَّا بُني الماضي على فَعَل مفتوح العين بُني مضارعُه على يفعِل مكسورها، فجاء يَعْيِي، فلما دخل الجازم حذف الياء فبقي يَعِي بنقل حركة الياء إلى العين فسكِّنت الياء. (١) ذكرها أبو حيان في البحر ٦٨/٨، وهي غير المشهورة عنه. (٢) البيت لعبيد بن الأبرص كما في أدب الكاتب ص٦٧-٦٨، والصحاح (عيي)، وزهر الأكم ١٩٠/٢، وهو في ديوانه ص١٣٨، وروايته: بَرِمت ببيضتها الحمامه بَرِمَتْ بنو أسدكما ونسب لسلامة بن جندل، وهو في ديوانه ص٢٤٨ . (٣) القراءات الشاذة ص١٣٩، والمحتسب ٢٦٩/٢. سُورَةُ الأَحْقَفلِ ١١٦ الآية : ٣٤ وقوله تعالى: ﴿يِقَدِرٍ﴾ في حيِّز الرفع لأنه خبرُ («أنَّ) والباء زائدة فيه، وحَسَّنَ زيادتها كونُ ما قبلها في حيِّز النفي، وقد أجاز الزجَّاج(١): ما ظننتُ أنَّ أحدًا بقائم، قياسًا على هذا. قال أبو حيان(٢): والصحيحُ قصرُ ذلك على السَّماع، فكأنه قيل هنا: أَوليس اللهُ بقادر ﴿عَلَى أَنْ يُحِىَ الْمَوْنَ﴾ ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى: ﴿بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴾﴾ تقريرًا للقُدرة على وجه عامٌّ يكون كالبرهان على المقصود، ولذا قيل: إنَّ هذا مُشيرٌ إلى كبرى لصغرى سهلة الحصول، فكأنه قيل: إحياءُ الموتى شيء وكلّ شيء مقدورٌ له، فينتج أنَّ إحياءَ الموتى مقدورٌ له، ويلزمه أنه تعالى قادرٌ على أن يحيي الموتى. وقرأ الجحدري وزيدُ بن عليٍّ وعمرو بن عُبيد وعيسى والأعرج بخلاف عنه ويعقوب: ((يقدر))(٣) بدل ((بقادر)) بصيغة المضارع الدالّ على الاستمرار، وهذه القراءة على ما قيل موافقةٌ أيضًا للرسم العثماني. وَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ ظرفٌ عاملُه قولٌ مضمرٌ مقولُه قولُه تعالى: ﴿أَيْسَ هَذَا بِالْحَقٌّ﴾ أي: ويقال: ((يوم يعرض)) إلخ، والظاهرُ أنَّ الجملة معترضة، وقيل: هي حال، والتقدير: وقد قيل، وفيه نظر، وقد مرَّ آنفًا الكلامُ في العرض بطوله، والإشارة إلى ما يُشاهدونه حين العرض مِن حيث هو مِنْ غير أن يخطرَ بالبال لفظٌ يدلُّ عليه فضلًا عن تذكيره وتأنيثه إذْ هو اللائق بتهويله وتفخيمه، وقيل: هي إلى العذاب بقرينة التصريح به بعدُ، وفيه تهكّم بهم وتوبيخٌ لهم على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده وقولهم: ((وما نحن بمعذَّبين)). ﴿قَالُواْ بَلَنَ وَرَيْنَا﴾ تصديقٌ بحقِّيَّته، وأَّدوا بالقَسَم كأنهم يطمعون في الخَلاص بالاعتراف بحقِّيَّة ذلك كما في الدنيا وأنَّى لهم. وعن الحسن: إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم، يعترفون أنه العَدْل. (١) معاني القرآن ٤/ ٤٤٧. (٢) البحر المحيط ٦٨/٨. (٣) قراءة يعقوب في النشر ٣٥٥/٢، والكلام من البحر المحيط ٦٨/٨. الآية : ٣٥ ١١٧ سُورَةُ الأَحْقَفلِ ﴿قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾﴾ بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا، ومعنى الأمر الإهانة بهم، فهو تهكُم وتوبيخٌ، وإلا لكان تحصيلاً للحاصل. وقيل: هو أمرٌ تكويني؛ والمراد إيجابُ عذاب غير ما هم فيه. وليس بذاك. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَصِْرْ كُمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ واقعٌ في جواب شرط مقدَّر، أي: إذا كان عاقبةُ أمرٍ الكفرة ما ذكر فاصبِرْ على ما يُصيبك من جهتهم، أو: إذا كان الأمر على ما تحقَّقْتَه من قُدرته تعالى الباهرة ((فاصبر)). وجوز غيرُ واحد كونَها عاطفةً لهذه الجملة على ما تقدَّم، والسببيةُ فيها ظاهرةٌ. واقتصر في (البحر))(١) على كونها لعطف هذه الجملة على أخبار الكفار في الآخرة، وقال: المعنى بينهما مرتبطً، كأنه قيل: هذه حالهم فلا تستعجِلْ أنت واصبر ولا تَخَفْ إلا الله عز وجل. والعزمُ يُطلق على الجِدِّ والاجتهاد في الشيء وعلى الصبر عليه. و((من)) بيانية كما في ((فاجتنبوا الرجس من الأوثان)) [الحج: ٣٠] والجارُّ والمجرور في موضع الحال من ((الرسل) فيكون («أولوا العزم)» صفةً جميعهم، وإليه ذهب ابن زيد والجُبَّائي وجماعة، أي: ((فاصبر كما صبر)) الرسلُ المُجِدُّون المجتهدون في تبليغ الوحي، الذين لا يصرفُهم عنه صارف ولا يعطفهم عنه عاطفٌ، والصابرون على أمر الله تعالى فيما عَهِدَه سبحانه إليهم أو قضاه وقدَّره عز وجل عليهم بواسطة أو بدونها. وعن عطاء الخراساني والحسين(٢) بن الفضل والكلبي ومقاتل وقتادة وأبي العالية وابن جريج - وإليه ذهب أكثرُ المفسِّرين - أن ((مِنْ)) للتبعيض، فـ ((أولوا العزم)) بعضُ الرسل عليهم السلام. واختلف في عِدتهم وتعيينهم على أقوال، فقال الحسين(٢) بن الفضل: ثمانيةَ عشرَ، وهم المذكورون في سورة ((الأنعام))، لأنه سبحانه قال بعد ذكرهم: ﴿فَيَهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠]. (١) البحر المحيط ٦٨/٨. (٢) في الأصل و(م): الحسن، وهو تحريف. سُورَةُ الأَخْقَلِ ١١٨ الآية : ٣٥ وقيل: تسعة: نوح عليه السلام صبر على أذى قومه طويلًا، وإبراهيم عليه السلام صبرَ على الإلقاء في النار، والذبيح عليه السلام صبر على ما أُريد به من الذبح، ويعقوب عليه السلام صبر على فَقْد ولده، ويوسفُ عليه السلام صبر على البئر والسجن، وأيوب عليه السلام صبر على البلاء، وموسى عليه السلام قال له قومه: ((إنا لمدركون)) فقال: ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداود عليه السلام بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى عليه السلام لم يضع لَبِنة على لَبِنة، وقال: إنها - يعني الدنيا - مَعْبرةٌ، فاعبُروها ولا تعمُروها . وقيل: سبعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام. وقيل: ستة، وهم الذين أُمروا بالقتال، هم نوح وهود وصالح وموسى وداود وسلیمان، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس(١). وعن مقاتل أنهم ستة، ولم يذكُر حديثَ الأمر بالقتال، وقال: هم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب. وأخرج ابن عساكر عن قتادة أنهم: نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى عليهم السلام(٢). وظاهره القولُ بأنهم خمسة، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى (٣). وظاهره القولُ بأنهم أربعة، وهذا أصحُّ الأقوال. وقول الجلال السيوطي: إنَّ أصََّها القولُ بأنهم خمسة؛ هؤلاء الأربعة ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين(٤). وأخرج ذلك ابنُ أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس(٥)، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله من أئمَّةٍ أهل (١) الدر المنثور ٤٥/٦. (٢) المصدر السابق. (٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٩/٢. (٤) الإتقان ٢/ ١١٠١. (٥) الدر المنثور ٤٥/٦. الآية : ٣٥ ١١٩ سُوَّةُ الأَحْقَفلِ لبيت ﴿ه(١)، ونَظَمهم بعضُ الأَجِلَّة فقال: أولو العزم نوحٌ والخليلُ المُمَجَّد وموسى وعيسى والحبيبُ محمد مبنيٌّ(٢) على أنهم كذلك بعد نزول الآية وتأسِّي نبيِّنا عليه الصلاة والسلام بمن أُمر بالتأسِّي به، ولم يُرِدْ أن أصحَّ الأقوالِ أن المرادَ بهم في الآية أولئك الخمسة صلى الله تعالى عليهم وسلم، إذ يلزم عليه أَمرُه عليه الصلاة والسلام أن يصبرَ كصبره نفسه، ولا يكاد يصحُّ ذلك، وعلى هذا قول أبي العالية فيما أخرجه عبدُ بن حُميد وأبو الشيخ والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وابن عساكر عنه أنهم ثلاثةٌ: نوح وإبراهيم وهود ورسول الله بِّه رابعٌ لهم(٣). ولعلَّ الأولى في الآية القولُ الأول وإنْ صار أولو العزم بعدُ مختصًّا بأولئك الخمسة عليهم الصلاة والسلام عند الإطلاق لاشتهارهم بذلك كما في الأعلام الغالبة، فكأنه قيل: فاصبِرْ على الدعوة إلى الحقِّ ومُكابدة الشدائد مُطلقًا، كما صبر إخوانك الرُّسل قبلك. ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَّمْ﴾ أي: لكفَّار مكة بالعذاب، أي: لا تَدْعُ بتعجيله فإنه على شَرَفِ النزول بهم ﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُؤْعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿لَمْ يَلْنُوا﴾ في الدنيا ﴿إِلَّا سَاعَةٌ﴾ يسيرة ﴿مِّن نََّارٍ﴾ لِمَا يُشاهدون من شدَّة العذاب وطول مُدَّته. وقرأ أُبيِّ: ((من النهار))(٤). وقوله تعالى: ﴿بَلَغْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الذي وُعظتم به كفاية في الموعظة، أو تبليغ من الرسول، وجعل بعضهم الإشارة إلى القرآن أو ما ذكر من السورة، وأيّد تفسير ((بلاغ)) بتبليغ بقراءة أبي مجلز وأبي سراج الهُذَلي: (بَلِّغْ)) بصيغة الأمر له بَّهِ، وبقراءة أبي مِجْلز أيضًا في رواية: ((بَلَّغ)) بصيغة (١) مجمع البيان ٢٦/٢٦. (٢) قوله: مبني، هو خبر قوله: وقول الجلال السيوطي ... ، والبيت ذكره الشهاب في حاشيته ٣٩/٨. (٣) الدر المنثور ٤٥/٦، وشعب الإيمان (٩٧٠٦). (٤) البحر المحيط ٨/ ٦٩. سُوَدَّةُ الأَحْقَقلِ ١٢٠ الآية : ٣٥ الماضي من التفعيل(١)، واستظهر أبو حيان كونَ الإشارة إلى ما ذكر من المدة التي لبثوا فيها، كأنه قيل: تلك الساعة بلاغُهم كما قال تعالى: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]. وقال أبو مجلز: ((بلاغ)) مبتدأ خبره قوله تعالى: ((لهم)) السابق فيوقَف على ((لا تستعجل)) ويبتدأ بقوله تعالى: ((لهم)) وتكون الجملة التشبيهية معترضة بين المبتدأ والخبر؛ والمعنى: لهم انتهاء وبلوغ إلى وقت فينزل بهم العذاب؛ وهو ضعيف جدًّا لِمَا فيه من الفصل ومخالفة الظاهر، إذ الظاهر تعلُّق ((لهم)) بـ ((تستعجل)). وقرأ الحسن وزيد بن عليٍّ وعيسى: ((بلاغًا)) بالنصب(٢)، بتقدير: بَلِّغ بلاغًا، أو بلّغنا بلاغًا، أو نحو ذلك. وقرأ الحسن أيضًا: ((بلاغ)) بالجرِّ(٣) على أنه نعت لـ ((نهار)). ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اٌلْفَسِقُونَ ﴾﴾ الخارجون عن الاتعاظ أو عن الطاعة، وفي الآية من الوعيد والإنذار ما فيها . وقرأ ابن مُحيصن فيما حكى عنه ابن خالويه (٤): ((يَهلِكُ)) بفتح الياء وكسر اللام، وعنه أيضًا: ((يَهْلَكُ)) بفتح الياء واللام، وماضيه: هَلِكَ، بكسر اللام، وهي لغة، وقال أبو الفتح: هي مرغوب عنها(٥). وقرأ زيد بن ثابت: ((نُهْلِكُ)) بنون العظمة من الإهلاك ((القومَ الفاسقين)) بالنصب(٦). (٦) (١) القراءات الشاذة ص ١٤٠، والمحتسب ٢٦٨/٢، والبحر المحيط ٦٩/٨. (٢) المحتسب ٢٦٨/٢، والبحر المحيط ٦٩/٨. (٣) البحر المحيط ٦٩/٨. (٤) في القراءات الشاذة ص ١٤٠، والقراءة أيضاً في المحتسب ٢٦٨/٢، والبحر المحيط ٦٩/٨. (٥) المحتسب ٢٦٨/٢، والبحر المحيط ٦٩/٨. (٦) الكشاف ٥٢٨/٣، وتفسير أبي السعود ٩٠/٨.