النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ١٥
٨١
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعيسى: ((حَسَناً)) بفتح الحاء والسين،
وعن عيسى: ((حُسُنّاً)) بضمِّهما(١).
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُمَّاً﴾ أي: ذات كره، أو حملًا ذا كُرْهٍ، وهو المشقّة
كما قال مجاهد والحسن وقتادة، وليس الكُرْهُ في أول عُلوقها، بل بعد ذلك حين
تجد له ثِقَلًا.
وقرأ شيبة وأبو جعفر والحِرْميان: ((كَرْهًا)) بفتح الكاف(٢)، وهما لغتان بمعنى
واحد كالفَقْر والفُقْرِ والضَّعْف والضُّعْف، وقيل: المضمومُ اسمٌ، والمفتوح مصدر.
وقال الراغب(٣): قيل: الكَرْه : - أي: بالفتح - المشقَّة التي تنال الإنسان من
خارج مما يُحمل عليه بإكراه، والكُرْه: ما يناله من ذاته، وهو ما يعافه من حيث
الطبع أو من حيث العقل أو الشرع.
وطعن أبو حاتم في هذه القراءة فقال: لا تحسن هذه القراءة؛ لأنَّ
الكَرْه - بالفتح - الغصب والغَلَبة(٤). وأنت تعلم أنها في السبعة المتواترة فلا معنى
للطعن فيها، وقد كان هذا الرجل يَطْعَنُ في بعض القراءات بما لا علمَ له به جسارةً
منه عفا الله تعالى عنه.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ﴾ أي: مدَّة حمله وفصاله، وبتقدير هذا المضاف يصحُّ حمل
قوله تعالى: ﴿تَثُونَ شَهْرًا﴾ على المبتدأ من غير كره.
والفِصال: الفِطام، وهو مصدر فاصَلَ، فكأنَّ الولد فاصَلَ أُمَّه، وأُمّه فاصَلته.
وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب والجحدري: ((وفَصْله))(٥) أي: فطمه.
فالفَصْل والفِصال كالفَظْم والفِطام بناءً ومعنى، وقيل: الفِصال بمعنى وقت الفصل،
(١) القراءات الشاذة ص١٣٩ .
(٢) وقرأ بها أيضاً أبو عمرو، وابن عامر في رواية هشام. التيسير ص١٩٩، والنشر ٢٤٨/٢،
والبحر المحيط ٨/ ٦٠.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (كره).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٦٤/٤.
(٥) النشر ٣٧٣/٢ عن يعقوب.

سُوَّةُ الأَخْقَقلِ
٨٢
الآية : ١٥
أي: الفَظْم، فهو معطوف على مدَّة الحمل، والمراد بالفِصَال الرضاعُ التامّ المنتهي
بالفِطام ولذلك عبَّر بالفصال عنه أو عن وقته دون الرضاع المطلق، فإنه لا يُفيد
ذلك، وفي الوصف تطويل .
والآية بيانٌ لما تُكابده الأمُّ وتُقاسيه في تربية الولد مبالغةً في التوصية لها، ولذا
اعتنى الشارع بِرِّها فوق الاعتناء ببرِّ الأب، فقد رُوي: أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله،
مَنْ أَبرُّ؟ قال: ((أُمّك))، قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أُمّك))، قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أُمّك))،
قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أباك))(١)، وقد أُشير في الآية إلى ما يقتضي البرّ بها على
الخصوص في ثلاث مراتب، فتكون الأوامر في الخبر كالمأخوذة من ذلك.
واستدلَّ بها عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس ﴿هَا، وجماعة من العلماء
على أنَّ أقلَّ مدَّة الحمل ستّة أشهر؛ لِمَا أنه إذا حظّ عن الثلاثين للفصال حولان
لقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنِّ الرَّضَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] يبقى الحمل(٢)
ذلك، وبه قال الأطباء، قال جالينوس: كنت شديدَ الفحص عن مقدار زمن الحمل
فرأيتُ امرأةً ولدت لمئة وأربع وثمانين ليلة. وادَّعى ابن سينا أنه شاهد ذلك.
وأما أكثر مدَّة الحمل، فليس في القرآن العظيم ما يدلُّ عليه؛ وقال ابن سينا في
((الشفا)»: بلغني من جهة من أَثِقُ به كلَّ الثقة أن امرأةً وضعت بعد الرابع من سني
الحمل ولدًا نبتَتْ أسنانه، وحكى عن أرسطو أنه قال: أزمنة الحمل لكلِّ حيوان
مضبوطة سوى الإنسان فربما وضعت المرأة لسبعة أشهر، وربما وضعت لثمانية،
وقلَّما يعيش الولدُ في الثامن إلا في بلاد معيَّنة مثل مصر(٣).
ولعلَّ تخصيصَ أقلِّ الحمل وأكثر الرضاع بالبيان في القرآن الكريم بطريق
الصراحة والدلالة دون أكثر الحمل وأقلِّ الرضاع وأوسطهما؛ لانضباطهما بعدم
النقص والزيادة بخلاف ما ذكر؛ وتحقَّق ارتباط حكم النَّسب بأقلِّ مدَّة الحمل حتى
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٠٠٢٨) من حديث معاوية بن حيدة، وهو الذي سأل النبي واله
هذا السؤال، وهو عند البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) عن أبي هريرة حظله بنحوه.
(٢) في (م): للحمل.
(٣) البحر المحيط ٦٠/٨.

الآية : ١٥
٨٣
سُوَدَّةُ الأَحْقَقلِ
لو وضعته فيما دونه لم يثبتْ نسبه منه، وبعده يثبت وتَبْرَأُ من الزنى، ولو أَرضعت
مرضعةٌ بعد حولين لم يثبت به أحكام الرضاع في التناكح وغيره، وفي هذا خلاف
لا يُعبأ به.
﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ غايةٌ لمقدَّر، أي: فعاش - أو: استمرَّت حياته - حتى إذا
اكتهل واستحكم قوَّته وعقله ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ﴾ الظاهر أنه غير بلوغ الأشُدّ، وقال
بعضهم: إنه بلوغ الأشُدّ، والعطف للتأكيد.
وقد ذكر غير واحد أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوَّى جدًّا خَلْقُه الذي هو
عليه فلا يكاد يُزايله بعد، وفي الحديث: ((إنَّ الشيطان يجرّ يدَه على وجه مَنْ زاد
على الأربعين ولم يَتُبْ، ويقول: بأبي، وجهٌ لا يفلح))(١). وأخرج أبو الفتح
الأزدي من طريق جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ أتى عليه
الأربعون سنة فلم يغلبْ خيرُه شرَّه فليتجهّز إلى النار))(٢)، وعلى ذلك قول الشاعر:
له دون ما يهوى حياءٌ ولا سترُ
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن
وإنْ جرَّ أسبابَ الحياة له العمرُ (٣)
فدَعْهُ ولا تَنْفَسْ عليه الذي مضى
وقيل: لم يُبعث نبيٍّ إلا بعد أربعين(٤). وذهب الفخر(٥) إلى خلافه مستدلا بأنَّ
عيسى ويحيى عليهما السلام أُرسلا صبيّين؛ لظواهر ما حكي في الكتاب الجليل
عنهما. وهو ظاهرُ كلام السعد حيث قال: من شروط النبوّة الذكورة وكمال العقل
والذكاء والفِطنة وقوَّة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيى عليهما السلام، إلى آخر
ما قال.
وذهب ابن العربي في آخَرِينَ إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا أنه لم
(١) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٧/٥.
(٢) الدر المنثور ٤١/٦، وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٣) البيتان لأيمن بن خُريم الأسدي، وهما في أمالي القالي ٧٨/١، والأغاني ٢٣٨/١٧-٢٣٩
باختلاف یسیر.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٢٦ : لم أجده.
(٥) في التفسير الكبير ١٩/٢٨ .

سُورَةُ الْأَحْقَقلِ
٨٤
الآية : ١٥
يقع، وتأولوا آيتي عيسى ويحيى: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنَى نِيًّا﴾
[مريم: ٣٠] ﴿وَءَتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [مريم: ١٢] بأنهما إخبار عما سيحصل لهما لا عمَّا
حصل بالفعل، ومثله كثيرٌ في الآيات وغيرها، والواقع عند هؤلاء البعثُ بعد البلوغ.
وحکی اللقاني عن بعض اشتراطه فیه، ویترجّح عندي اشتراطه فیه دون أصل
النبوّة لما أنَّ النفوس في الأغلب تأنفُ عن اتباع الصغير وإن كَبُرَ فضلًا كالرقيق
والأنثى، وصرَّح جمعٌ بأنَّ الأعمَّ الأغلب كون البعثة على رأس الأربعين كما وقع
لنبيِّنَا وَهِ.
﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ﴾ أي: رغِّيني ووفِّقني، مِنْ أوزعته بكذا، أي: جعلته مُولعًا به
راغبًا في تحصيله. وقرأ البزيُّ: ((أوزعنيَ)) بفتح الياء(١) ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّيَّ أَنْعَمْتَ
عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾ أي: نعمة الدِّين أو ما يعمُّها وغيرها، وذلك يؤيِّد ما رُوي أنها
نزلت في أبي بكر الصديق رْتُه لأنه لم يكن أحدٌ أَسلمَ هو وأبواه من المهاجرين
والأنصار سواه، كذا قيل، وإسلامُ أبيه بعد الفتح وحينئذ يلزم أن تكونَ الآيةُ مدنية،
وإليه ذهب بعضُهم.
وقيل: إن هذا الدعاء بالنسبة إلى أبويه دعاء بتوفيقهما للإيمان، وهو كما ترى.
واعترض على التعليل بابن عمر وأسامة بن زيد وغيرهما، ونُقل عن
الواحدي(٢) أنه قد صحب النبيَّ ◌َّ وهو ابنُ ثمان عشرة سنة ورسول الله وَّ ابن
عشرين سنة في سفرٍ للشام في التجارة، فنزل تحت شجرة سمرة، وقال له الراهب:
إنه لم يستظلَّ بها أحدٌ بعد عيسى غيره وَّر، فوقع في قلبه تصديقه، فلم يكن يُفارقه
في سفر ولا حضر، فلما نُبِّئ وهو ابن أربعين آمن به وهو ابنُ ثماني وثلاثين، فلما
بلغ الأربعين قال: ((ربِّ أوزعني)) إلخ.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ﴾ التنوين للتفخيم والتكثير، والمراد بكونه مرضيًّا له
تعالى - مع أن الرِّضا على ما عليه جمهورُ أهل الحقِّ الإرادةُ مع تَرْكِ الاعتراض،
(١) وقرأ بها ورش أيضًا كما في التيسير ص ٢٠٠، والنشر ٣٧٣/٢.
(٢) الوسيط للواحدي ٤/ ١٠٧ .
ن

الآية : ١٦
٨٥
سُوَّةُ الأَحْقَقلِ
وكلُّ عمل صالح كذلك - أن يكون سالمًا من غوائل عدم القَبول كالرياء والعُجب
وغيرهما، فحاصله: اجعل عملي على وفق رضاك.
وقيل: المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية.
﴿وَأَصْلِحَ لِ فِ ذُرِيٌَِّ﴾ أي: اجعل الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم،
كما في قوله:
فإن تعتذر في المَحْلِ من ذي ضروعها لدى المَحْلِ يجرح في عراقيبها نَصْلِي(١)
على أن ((أَصْلِحْ)) نُزِّلَ منزلةَ اللازم ثم عُدِّي بـ ((في)) ليفيد ما أشرنا إليه من سَريان
الصلاح فيهم، وكونهم كالظرف له لتمكّنه فيهم، وإلا فكان الظاهر: وأصلح لي
ذرِّيتي. وقيل: عُدِّيَ بـ ((في)) لتضمُّنه معنى اللطف، أي: الطُفْ بي في ذرِّيتي.
والأولُ أحسنُ.
قال ابن عباس: أجاب الله تعالى دعاءَ أبي بكر فأعتق تسعةً من المؤمنين منهم
بلال وعامر بن فهيرة، ولم يُرِدْ شيئًا من الخير إلا أعانه الله تعالى عليه، ودعا أيضًا
فقال: ((أصلح لي في ذريتي)) فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعًا،
فاجتمع له إسلامُ أبويه وأولاده جميعًا، وقد أدرك أبوه وولده عبد الرحمن وولده
أبو عتيق النبيَّ وَّه وآمنوا به، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة رضي له أجمعين.
®﴾ الذين
﴿إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عمَّا لا ترضاه، أو يشغل عنك ﴿وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أخلصوا أنفسهم لك.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الإنسان، والجمع؛ لأنَّ المرادَ به الجنس المتَّصف
بالمعنى المَحكي عنه، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببعد منزلته وعلوِّ درجته،
أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة ﴿الَّذِينَ تَتَقَبِّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾
من الطاعات، فإن المباح حسنٌ لا يُئابُ عليه ﴿وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لتوبتهم المُشار
(١) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، والرواية فيه:
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها على الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
وسلف ٤٧٨/١٣ .

سُوَّةُ الأَحْقَقلِ
٨٦
الآية : ١٧
إليها بـ : ((إني تبت))، وإلا فعند أهل الحقِّ أنَّ مغفرةَ الذنب مطلقًا لا تتوقّف على
توبة ﴿فيَّ أَعْخَبِ الْجَنَّةِ﴾ كائنين في عِدادهم، منتظمين في سِلْكهم. وقيل: ((في)) بمعنى
(مع)، وليس بذاك ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر لفعل مقدَّر، وهو مؤكِّد لمضمون الجملة
قبلَه، فإن قوله سبحانه: ((نتقبل)) و((نتجاوز)) وعدٌ منه عز وجل بالتقبُّل والتجاوز
﴿الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾﴾ على ألسنة الرُّسل عليهم السلام.
وقُرئ: ((يُتقَبَّل)) بالياء والبناء للمفعول و ((أحسنُ)) بالرفع على النيابة منابَ
الفاعل، وكذا ((يُتُجاوَز عن سيئاتهم))(١).
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بالياء فيهما مبنيّين للفاعل، وهو ضميره تعالى
شأنه، و((أحسنَ» بالنصب على المفعولية(٢).
﴿وَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾ عند دعوتهما إِيَّه للإيمان ﴿أُنٍ لَّكُمَا﴾ صوتٌ يصدرُ عن
المرء عند تضجّره، وفيه قراءات ولغات نحو الأربعين، وقد نَبَّهنا على ذلك في
سورة الإسراء(٣)، واللام لبيان المؤقَّف له كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
والموصول مبتدأُ خبره: (أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ) والمرادُ به الجنس، فهو في
معنى الجمع، ولذا قيل: ((أولئك)) وإلى ذلك أشار الحسن بقوله: هو الكافر العاقّ
لوالديه المُنكِرُ للبعث.
ونزول الآية في شخص لا يُنافي العموم كما قُرِّر غير مرَّة، وزعم مروان - عليه
ما يستحقُّ - أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ظ﴿ه، وردّت عليه
عائشة رُنا. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني لفي المسجد
حين خطب مروان، فقال: إنَّ الله تعالى قد أرى لأمير المؤمنين - يعني معاوية - في
يزيد رأيًا حسنًا أن يستخلفه، فقد استَخْلَف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن
أبي بكر: أهرقلَّة، إن أبا بكر ظُه والله ما جعلها في أحدٍ من ولدهِ، ولا أحدٍ من
(١) قرأ بهما نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية شعبة - وأبو جعفر
ويعقوب. التيسير ص١١٩، والنشر ٣٧٣/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٩، والبحر المحيط ٨/ ٦١.
.· (٣) عند تفسير الآية (٢٣) منها .

الآية : ١٧
٨٧
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
أهل بيته، ولا جعلها معاويةُ إلا رحمةً وكرامةً لولده. فقال مروان: ألستَ الذي
قال لوالديه: أُفِّ لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألستَ ابنَ اللعين الذي لعن
رسولُ اللهِ وَّرِ أباك؟ فسمعَتْ عائشةُ، فقالت: [يا] مروان، أنتَ القائلُ لعبد الرحمن
كذا وكذا، كذبتَ واللهِ، ما فيه نزلت، نزلَتْ في فلان بن فلان(١).
وفي رواية تقدَّمت رواها جماعةٌ وصحَّحها الحاكم عن محمد بن زياد أنها
كذَّبته ثلاثًا، ثم قالت: واللهِ ما هو به ـ تعني أخاها - ولو شئتُ أن أُسمِّي الذي
أُنزلت فيه لَسمَّيته ... إلى آخر ما مرَّ(٢)، وكان ذلك من فضض(٣) اللعنة إغاظةً
لعبد الرحمن وتنفيرًا للناس عنه لئلا يلتفتوا إلى ما قاله، وما قال إلا حقًّا، فأين
يزيدُ الذي تجلُّ اللعنة عنه وأين الخلافة.
ووافق بعضهم كالسُّهيلي في ((الإعلام)) مروانَ في زعم نزولها في
عبد الرحمن(٤)، وعلى تسليم ذلك لا معنى للتعيير لاسيما من مروان، فإن الرجل
أسلم وكان من أفاضل الصحابة وأبطالهم، وكان له في الإسلام غَنَاءٌ يوم اليمامة
وغيره، والإسلام يجبُّ ما قبلَه، فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يُعيَّر بما كان يقول.
﴿أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَ﴾ أُبعث من القبر بعد الموت. وقرأ الحسن وعاصم
وأبو عمرو - في رواية - وهشام: ((أتعدانِّي)) بإدغام نون الرفع في نون الوقاية(٥).
وقرأ نافع في رواية وجماعة بنون واحدة(٦).
وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر - بخلاف عنه - وعبد الوارث عن أبي عمرو
(١) تفسير ابن كثير عند هذه الآية، والدر المنثور ٤١/٦، وما ورد بين حاصرتين منهما.
(٢) في أول السورة، وهو في المستدرك ٤٨١/٤، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٤٢٧).
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (فضض): أي: قطعة وطائفة منها .
(٤) في التعريف والإعلام للسهيلي ص١٥٦: ويقال: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل أن
ج .
يسلم، وقد أنكرت ذلك عائشة
(٥) قراءة هشام في التيسير ص١٩٩، والنشر ٣٧٣/٢. وهي غير مشهورة عن عاصم وأبي عمرو
ونافع، والمشهور عنهم كقراءة العشرة غير هشام: ((أتعدانني)) بنونين خفيفتين. وينظر النشر
٣٠٣/١، والبدور الزاهرة ص٢٩٥ .
(٦) الكشاف ٢٢٢/٣، والبحر المحيط ٦٢/٨.

سُورَةُ الأَحْقَفلِ
٨٨
الآية : ١٧
وهارون بن موسى عن الجحدري، وبسام(١) عن هشام: ((أتعدانَني)) بنونين من غير
إدغام ومع فتح الأولى(٢)، كأنهم فَرُّوا من اجتماع الكسرتين والياء، ففتحوا
للتخفيف. وقال أبو حاتم: فتح النون باطلٌ غلط. وقال بعضهم: فتح نون التثنية
لغةٌ رديئةٌ، وهوَّن الأمر هنا الاجتماع.
وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابنُ مصرِّف والضحاك: ((أَخْرُجَ)) مبنيًّا
للفاعل من الخروج(٣).
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ﴾ أي: مضت ولم يخرج منها أحدٌ ولا بُعِث، فالمرادُ
إنكارُ البعث كما قيل :
ما جاءنا أَحَدٌ يخبّر أنَّه
في جنَّة لمَّا مضى أو نارٍ (٤)
وقال أبو سليمان الدمشقي: أراد: وقد خلت القرون من قبلي مُكذِّبة بالبعث،
فالكلام كالاستدلال على نفي البعث.
﴿وَهُمَا يَسْتَغِينَانِ اَللَّهَ﴾ أي: يقولان: الغياث بالله تعالى منك، والمرادُ إنكارُ قوله
واستعظامُه كأنهما لجأا إلى الله سبحانه في دَفْعه، كما يقال: العياذ بالله تعالى من
كذا، أو يطلبان من الله عز وجل أنْ يُغيثه بالتوفيق حتى يرجع عمَّا هو عليه من إنكار
البعث ﴿وَيْلَكَ مَامِنْ﴾ أي: قائلين، أو يقولون له ذلك، وأصل ((ويل)) دعاء بالثُّبور
يُقامُ مقام الحثِّ على الفعل أو تركه إشعارًا بأن ما هو مرتكِبٌ له حقيقٌ بأن يَهْلِكَ
مرتكبُه وأن يُطلب له الهلاك، فإذا أسمع ذلك كان باعثًا على ترك ما هو فيه والأخذِ
بما يُنجيه. وقيل: إن ذلك لأنَّ فيه إشعارًا بأن الفعل الذي أُمر به مما يُحسَد عليه
فَيُدْعى عليه بالثُّبور، فإذا سمع ذلك رغب فيه. وأيَّما كان فالمراد هنا الحثُّ
والتحريض على الإيمان، لا حقيقةُ الدعاء بالهلاك.
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعله: محمد بن محمد بن بسام البسامي، روى القراءة عن هشام.
كذا ذكره ابن الجزري في غاية النهاية ٢٣٩/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٩، والبحر ٨/ ٦٢.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣٩، وتفسير القرطبي ٢٠١/١٩، والبحر ٨/ ٦٢.
٠
(٤) ذكره الشهاب في حاشيته ٣٢/٨ دون نسبة.

الآية : ١٨
٨٩
سُورَةُ الأَحْقَلِ
﴿إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: البعث، وأضاف الوعد إليه تعالى تحقيقًا للحقِّ وتنبيهًا
على خطئه في إسناد الوعد إليهما .
وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد: ((أَنَّ) بفتح الهمزة (١)، على تقدير: لأنَّ، أو:
آمِن بأنَّ وعدَ الله حقٌّ، ورُجِّح الأول بأنَّ فيه توافقَ القراءتين.
﴿فَيَقُولُ﴾ مُكذِّبًا لهما: ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تُسمِّيانه وعدَ الله تعالى ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَِّينَ ﴾ أباطيلهم التي سطروها في الكتب مِن غير أن يكونَ لها حقيقة.
﴿أُوْلَكَ﴾ القائلون ذلك، وقيل: أي: صنف هذا المذكور بناءً على زعم
خصوص «الذي»، وليس بشيء.
﴿اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وهو قوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَنْ
تَِّعَكَ مِنْهُمْ أَبْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقد مرَّ تمام الكلام في ذلك. ورُدَّ بهذا على مَن زعم
أنَّ الآيةَ في عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه ظُه أسلم وجُبَّ عنه ما قبلُ، وكان
من أفاضل الصحابة، ومن حقَّ عليه القولُ هو مَن عَلِمَ اللهُ تعالى أنه لا يُسلمُ
أبدًا .
وقيل: الحكم هنا على الجنس فلا يُنافي خروجَ البعض من أحكامه الأخروية.
وقيل غيرُ ذلك مما لا يُلتفتُ إليه.
﴿فِىّ أُمَرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم﴾ في مقابلة: ((في أصحاب الجنة))، فهو مثله إعرابًا
ومبالغةً ومعنّى، وقوله تعالى: ﴿مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسْ﴾ بيانٌ للأمم ﴿إِنَّهُمْ﴾ جميعًا ﴿كَانُواْ
خَسِرِينَ ﴾﴾ قد ضيَّعوا فطرتهم الأصلية الجارية مجرى رؤوس أموالهم باتِّباع
الشيطان، والجملة تعليلٌ للحكم بطريق الاستئناف.
وقرأ العباس عن أبي عمرو: ((أنهم)) بفتح الهمزة(٢) على تقدير: لأنهم.
واستُدلَّ بقوله عز وجل: (فِىّ ◌ُمُرِ قَدْ خَلَتْ) إلخ على أن الجنَّ يموتون قرنًا بعد
(١) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٦٢/٨.
(٢) المصدر السابق.
:

سُورَةُ الأَحْقَلِ
٩٠
الآية : ١٩
قرن كالإنس. وفي ((البحر))(١): قال الحسن في بعض مجالسه: الجِنُّ لا يموتون،
فاعترضه قتادة بهذه الآية، فسكت.
﴿وَلِكُلِّ﴾ من الفريقين المذكورَيْن في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَقَبَّلُ عَنْهُمْ) وفي قوله
سبحانه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ) وإنْ شئتَ فقل في: ((الذين قالوا ربنا الله)
و((الذي قال لوالديه أف)) = ﴿دَرَحَتُ مِمَا عَيِلُواْ﴾ أي: من جزاء ما عملوا، فالكلام بتقدير
مضاف، والجارُّ والمجرور صفة ((درجات))، و((من)) بيانية أو ابتدائية، و ((ما)) موصولة،
أي: من الذي عملوه من الخير والشَّرِّ، أو مصدرية، أي: من عملهم الخيرَ والشرّ،
ويجوز أن تكون ((من)) تعليلية بدون تقدير مضاف، والجارّ والمجرور كما تقدَّم.
والدرجات جمع: دَرَجة، وهي نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: درجة، إذا
اعتُبرت بالصعود، و: دركاً إذا اعتُبرت بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة،
ودَرَكات النار.
والتعبير بالدرجات - كما قال غيرُ واحد - على وجه التغليب؛ لاشتمال
(كلّ) على الفريقين، أي: لكلِّ منازلُ ومراتبُ سواء كانت درجات أو دركات،
وإنما غُلِّب أصحابُ الدرجات لأنهم الأَحِقَّاء به، لاسيما وقد ذُكر جزاؤهم
مرارًا وجزاء المقابل مرَّة.
﴿وَلِيُوَفَِّهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: جزاءَ أعمالهم، والفاعلُ ضميره تعالى.
وقرأ الأعمش والأعرج وشيبة وأبو جعفر والأخوان وابن ذكوان ونافع بخلاف
عنه: (لِنُوَفِّيهم)) بنون العظمة (٢)، وقرأ السُّلمي بتاء فوقية(٣) على الإسناد للدرجات
مجازًا .
بنَقْصٍ ثوابٍ وزيادةِ عقابٍ، وقد مرَّ الكلام في مثله غير
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾
مرَّة. والجملة حال مؤكِّدة للتوفية أو استئنافٌ مُقرِّرٌ لها، واللام متعلّقة بمحذوف
(١) ٨ / ٦٢.
(٢) قراءة الأخوين - وهما حمزة والكسائي - ونافع وأبي جعفر في التيسير ص١٩٩، والنشر
٣٧٣/٢، والبحر ٨/ ٦٢.
(٣) البحر المحيط ٨ / ٦٢.

الآية : ٢٠
٩١
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
مؤخّر، كأنه قيل: وليوفِيهم أعمالهم ولا يظلمهم فَعَلَ ما فَعَلَ من تقدير الأجزية
على مقادير أعمالهم، فجَعَلَ الثواب درجات والعقابَ دَرَكات.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ أي: يُعذَّبون بها، من قولهم: عُرض بنو فلان
على السيف: إذا قتلوا به، وهو مجاز شائع، وذهب غيرُ واحد إلى أنه من باب القَلْب
المعنوي، والمعنى: يوم تُعرض النار على الذين كفروا، نحو: عرضتُ الناقة على
الحوض، فإن معناه أيضًا كما قالوا: عرضتُ الحوضَ على الناقة؛ لأنَّ المعروضَ
عليه يجب أن يكون له إدراٌ ليميل به إلى المعروض أو يرغب عنه، لكن لمَّا كان
المناسبُ هو أن يُؤْتَى بالمعروض عند المعروض عليه، ويُحرَّك نحوَه، وهاهنا الأمر
بالعكس، لأن الحوضَ لم يُؤْتَ به، وكذا النار - قُلِبَ الكلامُ رعايةً لهذا الاعتبار.
وفي ((الانتصاف)): إن كان قولهم: عرضتُ الناقةَ على الحوض، مقلوبًا، فليس
قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ) كذلك؛ لأن المُلجئ ثَمَّ إلى اعتقاد
القلب أن الحوضَ جمادٌ لا إدراك له والناقة هي المُدركة، فهي التي يُعرض عليها
الحوض حقيقة، وأما النار فقد وردت النصوصُ بأنها حينئذ مُدركة إدراكَ
الحيوانات، بل إدراك أولي العلم، فالأمر في الآية على ظاهره، كقولك: عرضت
الأسرى على الأمير(١).
وربما يقال: لا مانع من تنزيلها منزلةَ المُدرِك إن لم تكن حينئذ مُدركة، وكذا
تنزيلُ الحوض منزلته حتى كأنه يستعرض الناقةً، كما قال أبو العلاء المعري:
عن الماء فاشتاقت إليها المناهلُ(٢)
إذا اشتاقت الخيلُ المناهلَ أَغْرَضَتْ
وبعد ذلك قد لا يحتاج إلى اعتبار القلب، وقال أبو حيان(٣): لا ينبغي حمل
القرآن على القلب، إذ الصحيحُ فيه أنه مما يُضطر إليه في الشعر، وإذا كان المعنى
صحيحًا واضحًا بدونه فأيّ ضرورة تدعو إليه؟! والمثال المذكور لا قلب فيه أيضًا،
فإنَّ عرضَ الناقة على الحوض وعرض الحوض على الناقة كلٌّ منهما صحيح، إذ
(١) الانتصاف بحاشية الكشاف ٣/ ٥٢٣.
(٢) شروح سقط الزند (القسم الثاني) ص ٥٤١.
(٣) البحر المحيط ٦٣/٨.

سُورَةُ الأَحْقَقلِ
٩٢
الآية : ٢٠
العرض أمرٌ نسبي يصحُّ إسناده لكلِّ واحد من الناقة والحوض.
وابن السكيت في كتاب ((التوسعة)) ذهب إلى أن: عرضت الحوضَ على الناقة،
مقلوبٌ، والأصل إنما هو: عرضت الناقة على الحوض، وهو مخالفٌ للمشهور.
وأنت تعلم مما ذكرنا أولًا أن سببَ اعتبارهم القلب في المثال كون المناسب
في العرض أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه، وأن الأمر في: عرضت
الحوض على الناقة بالعكس. وتفصيلُ الكلام في ذلك على وجه يُعرف منه منشأ
الخلاف: أن العرض مطلقًا لا يقتضي ذلك، وإنما المقتضي له المعنى المقصود من
العرض في المثال، وهو الميلُ إلى المعروض، ومن لم ينظر إلى هذا المعنى ونظر
إلى أن المعروض يتحرك إلى المعروض عليه قال: إنه الأصل، ومن لم ينظر إلى
الاعتبارين وقال: العرضُ إظهار شيء لشيء قال: إن كلَّا من القولين على الأصل،
وهو - كما قال العلامة السيالكوتي - الحقُّ، لأنَّ كلا الاعتبارين خارجٌ عن مفهوم
العرض، فاحفظه فإنه نفیس .
والظرف منصوبٌ بقولٍ محذوفٍ مَقولُه قولُه تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَنِبَتِكُمْ﴾ إلى آخره،
أي: فيقال لهم يوم يُعرضون: أذهبتم لذَّاتكم ﴿فِى حَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ باستيفائها
﴿وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾ فلم يبقَ لكم بعدُ شيء منها، وهو عطفُ تفسير لـ ((أذهبتم)).
وقرأ قتادة ومجاهد وابن وثَّاب وأبو جعفر والحسن والأعرج وابن كثير:
((آذهبتم)) بهمزة بعدها مدَّة مطولة، وابن عامر بهمزتين حقَّقهما ابنُ ذكوان، وليّن
الثانية هشام وابن كثير في رواية، وعن هشام الفصل بين المحقَّقة والمُلَّنة بألف (١).
والاستفهام على معنى التوبيخ فهو خبر في المعنى، ولو كان استفهامًا محضًا
لم تدخل الفاء في قوله سبحانه: ﴿فَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ أي: الهوان، وكذلك
(١) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بهمزتين مفتوحتين على الاستفهام، وكلٌّ على
أصله من التسهيل وغيره، فابن كثير ورويس يسهلان من غير إدخال، وأبو جعفر يسهل مع
الإدخال، وهشام له التسهيل والتحقيق مع الإدخال، وابن ذكوان وروح يُحقِّقان من غير
إدخال. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر. البدور الزاهرة ص٢٩٥، وينظر السبعة لابن
مجاهد ص٥٩٨، والتيسير ص١٩٩، والنشر ٣٦٦/١.

الآية : ٢٠
٩٣
سُودَةُ الْآَخْقَلِ
قرئ(١) ﴿بِمَا كُتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَسْتَكْبُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلِْ﴾ بغير استحقاق لذلك،
وقد مرَّ بيانُ سِرِّ ((في الأرض)).
﴿وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ ﴾﴾ أي: تخرجون من طاعةِ الله عز وجل، أي: بسبب
استكباركم وفسقكم المستمرَّين، وفي ((البحر))(٢): أُريد بالاستكبار الترقُّع عن
الإيمان، وبالفسق معاصي الجوارح، وقُدِّم ذنب القلب على ذنب الجوارح إذ
أعمالُ الجوارح ناشئةٌ عن مُراد القلب. وقرئ: ((تَفْسِقون)) بكسر السين(٣).
وهذه الآية مُحرِّضة على التقلُّل من الدنيا وترك التنُّم فيها والأخذ بالتقشُّف،
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حُميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) عن ابن عمر أنَّ عمر ◌َ﴿به رأى في يدِ جابر بن عبد الله رَظُته درهمًا،
فقال: ما هذا الدِّرهم؟ قال: أُريد أن أشتري به لأهلي لحمًا قَرِمُوا (٤) إليه. فقال:
أكلَّما اشتهيتُم شيئًا اشتريتموه، أين تذهب عنكم هذه الآية: (أَذَهَبْتُمْ لِكُمْ فِ حَاتِكُ
الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا) (٥)؟ ! .
وأخرج ابن المبارك وابن سعد وأحمد في ((الزهد)) وعبد بن حُميد وأبو نُعيم في
((الحلية)) عن الحسن قال: قَدِمَ وفدُ أهل البصرة على عمر رَّه مع أبي موسى
الأشعري، فكان له في كلِّ يومٍ خبزٌ يُلَتُّ، فربَّما وافقناه مأدومًا بزيت، وربَّما
وافقناه مأدومًا بسمن، وربَّما وافقناه مأدومًا بلبن، وربَّما وافقنا القدائد اليابسة قد
دُقَّت ثم أُغلي عليها، وربَّما وافقنا اللحم الغريض - أي: الطريّ - وهو قليلٌ، قال:
وقال لنا عمر رَُّه: إني والله ما أجهلُ عن كَرَاكرَ وأَسْنِمةٍ وعن صِلَاءٍ وصِنَابٍ
وسلائقَ، ولكن وجدتُ الله تعالى عيَّر قومًا بأمرٍ فعلوه، فقال عز وجل: (أَذْهَبْتُمْ
(١) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٦٣/٨.
(٢) البحر المحيط ٦٣/٨.
(٣) الكشاف ٣/ ٥٢٣.
(٤) القَرَم: شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه. النهاية (قرم).
(٥) الدر المنثور ٤٢/٦، والمستدرك ٢/ ٤٥٥، وشعب الإيمان (٥٦٧٢) و(٥٦٧٣)، وفي
إسناده: القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص وهو متروك، رماه أحمد بالكذب، كما في
تقريب التهذيب. ورواه بنحوه مالك في الموطأ ٩٣٦/٢ عن يحيى بن سعيد أن عمر ... ،
وينظر الاستذكار ٢٤٧/٢٦.

سُوَةُ الأَحْقَفِلِ
٩٤
الآية : ٢٠
◌ِبَتِكُمْ فِى حَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم ◌ِهَا)(١).
والكراكر جمع كِرْكِرة بالكسرة: زَوْر البعير الذي إذا برك أصابَ الأرضَ، وهو
من أطيب ما يُؤكَل منه. والأسنمة جمع سنام معروفٌ. والصِّلاء بالكسر والمدِّ:
الشواء. والصِّناب ككتاب: صِباغ يُتُخَذُّ من الخردل والزبيب. والسلائق جمع سَليقة
كسفينة: ما سُلِقَ من البقول وغيرها، ويُروى بالصاد: الخبز الرقاق، واحدتها:
صَليقة كسفينة أيضًا، وقيل: هي الحِملان المشوية، وقيل: اللحم المشوي
المُنضَج، وأنشدوا لجرير :
تُكلِّفني معيشةَ آلِ زيد ومَنْ لي بالصَّلائق والصِّناب(٢)
وأخرج أحمد والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ثوبان ظته قال: كان
رسول الله ﴿ إذا سافر كان آخر عهده من أهله بفاطمة، وأول من يدخل عليه منهم
فاطمةُ ؤَّا، فَقَدِمَ من غَزاة له فأتاها فإذا بِمِسْح على بابها، ورأى على الحسن
والحسين قُلْبين من فضة، فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأتْ ذلك ظَنَّتْ أنه لم
يدخل من أجل ما رأى، فهتكَتِ السِّتر ونزعت القُلْبين من الصبيين فقطعتهما،
فبكيا، فقسمَتْ ذلك بينهما، فانطلقا إلى رسول الله وَ﴿ وهما يبكيان، فأخذه
رسول الله ◌َ﴿ منهما فقال: ((يا ثوبان، اذهب بهذا إلى بني فلان - أهلٍ بيت
بالمدينة - واشترٍ لفاطمة قلادةً من عَصبٍ وسوارين من عاج، فإن هؤلاء أهل بيتي
ولا أحبُّ أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا))(٣).
والمِسْح بكسر فسكون: ثوب من شعر غليظ، والقُلْبين تثنية قُلْب بضمٌّ فسكون:
السِّوار. والعَصْب بفتح فسكون؛ قال الخطابي(٤): إن لم يكن الثيابَ اليمانية
فما أدري ما هو، وما أرى(٥) أن القلائد تكون منها، ويحتمل أن الرواية بفتح
(١) الدر المنثور ٤٣/٦، والزهد لابن المبارك (٥٧٩)، والطبقات ٢٧٩/٣، والحلية ٤٩/١.
(٢) ديوان جرير ٨١٢/٢.
(٣) الدر المنثور ٤٣/٦، ومسند أحمد (٢٢٣٦٣)، وشعب الإيمان (٥٦٥٩)، وأخرجه أيضاً أبو داود
(٤٢١٣)، وفي إسناده: حُميد الشامي وسليمان المُنْبِهِي وهما مجهولان، كما في التقريب.
(٤) معالم السنن ٢١٢/٤، وينظر النهاية (عصب).
(٥) في الأصل و(م): أدري، والمثبت من معالم السنن والنهاية.

الآية : ٢١
٩٥
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
الصاد وهو أطناب مفاصل الحيوان، فلعلَّهم كانوا يتخذون من طاهره مثل الخرز،
قال: ثم ذكر بعضُ أهل اليمن أنَّ العصبَ سنُّ دابَّةٍ بحرية تُسمَّى: فرس فرعون،
يُتَّخذُّ منها الخرز البيض وغيرها.
وأحاديثُ الزهد في طيبات الحياة الدنيا كثيرةٌ، وحال رسول الله وَّ في ذلك
معروفةٌ بين الأمة، وفي ((البحر)) بعد حكاية حال عمر نظره على نحو مما ذكرنا:
قال ابن عباس ﴿ّ: وهذا من باب الزهد، وإلا فالآية نزلت في كفار قريش،
والمعنى: أنه كانت لكم طيباتُ الآخرة لو آمنتم، لكنكم لم تُؤمنوا فاستعجلتم
طيباتِكم في الحياة الدنيا. فهذه كنايةٌ عن عدم الإيمان، ولذلك ترتَّب عليه: (فَلْيَوْمَ
تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ) ولو أُريد الظاهر ولم يكن كناية عما ذكرنا لم يترتَّب عليه الجزاء
بالعذاب(١) .
هذا، ولما كان أهلُ مكة مستغرقين في لذَّات الدنيا مُعرضين عن الإيمان
وما جاء بهم الرسول ◌َ ﴿ ناسبَ تذكيرهم بما جرى للعرب الأولى ممن كانوا أكثرَ
أموالًا وأشدَّ قوة وأعظمَ جاهًا منهم، فسلَّط عليهم العذابَ بسبب كفرهم.
وبضربِ الأمثال وقصص من تقدَّم يُعرف قُبْحُ الشيء وحُسنه، فقال سبحانه
لرسوله وَ ل: ﴿وَأَذْكُرْ﴾ لكفار مكة ﴿أَنَا عَادٍ﴾ هودًا عليه السلام ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بدل
اشتمال منه، أي: وقت إنذاره إياهم ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ جمع حِقْف: رَمْلٌ مستطيل فيه
اعوجاجٌ وانحناء، ويقال: احقوقَفَ الشيء: اعوجَّ، وكانوا بدويين أصحابَ خِباء
وعُمُد يسكنون بين رمال، مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّخر، من بلاد
الیمن، قاله ابن زید.
وقال ابن عباس ◌ًَّا: بين عُمان ومَهْرَة. وفي رواية أخرى عنه: الأحقاف جبل
بالشام. وقال ابن إسحاق: مساكنهم من عُمان إلى حضرموت. وقال ابن عطية(٢):
الصحيح أنَّ بلاد عاد كانت باليمن، ولهم كانت إرم ذاتُ العماد، وسيأتي إن
شاء الله تعالى الكلام في ((إرم)) وبيانُ الحقِّ فيها.
(١) البحر المحيط ٦٣/٨.
(٢) المحرر الوجيز ١٠١/٥ .

سُورَةُ الأَحْقَقلِ
٩٦
الآية : ٢١
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ أي: الرسل، كما هو المشهور، وقيل: مَنْ يعمُّهم والنُّواب
عنهم، جمع نذير بمعنی مُنذر.
وجُوِّز كون النذر جمع نذير بمعنى الإنذار فيكون مصدرًا، وجُمع لأنه يختلف
باختلاف المُنذَر به. وتُعقِّب بأن جمعه على خلافِ القياس، ولا حاجةَ تدعو إليه.
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ﴾ أي: مِنْ قبله عليه السلام ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: من بعده، وقُرئ
به (١)، ولولا ذلك لجاز العكس، والظاهرُ أن المرادَ النُّذر المتقدِّمون عليه
والمتأخّرون عنه. وعن ابن عباس: يعني الرسل الذين بُعثوا قبلَه والذين بُعثوا في
زمانه، فمعنى ((من خلفه)): من بعد إنذاره.
وعطف ((من خلفه)) - أي: من بعده - على ما قبله إما من باب:
علفتها تِبنًا وماءً باردا(٢)
وفيه أقوال، فقيل: عامِلُ الثاني مقدَّر، أي: وسقيتُها ماء، ويقال في الآية،
أي: خلت النُّذر من بين يديه وتأتي مِن خلفه؛ وقيل: إنه مُشاكلة، وقيل: إنه من
قَبيل الاستعارة بالكناية. وإما لإدخال الآتي في سلك الماضي قطعًا بالوقوع، وفيه
شائبةُ الجمع بين الحقيقة والمجاز. وجُوِّز أن يقال: المُضي باعتبار الثبوت في
علم الله تعالى، أي: وقد خلت النذر في علم الله تعالى، يعني ثبت في علمه
سبحانه خلو الماضين منهم والآتين.
والجملة إما حال من فاعل ((أَنْذَرَ)) أي: إذْ أنذرَ مُعْلِمًا إياهم بخلوِّ النُّذر، أو
مفعولِه، أي: وهم عالمون بإعلامه إياهم، وهو قريبٌ من أسلوب قوله تعالى:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨]. ويجوز أن يكون المعنى:
أنذرهم على فترة من الرسل، وهي حال أيضًا على تفسير ابن عباس، وعِلْمُ القوم
يجوز أن يكون من إعلامه ومن مشاهدتهم أحوالَ من كانوا في زمانه وسماعهم
أحوال من قبله.
(١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٢٣/٣.
(٢) وعجزه: حتى شتت همَّالة عيناها. وسلف ٢٩١/٥ و٣٢٥/٦ وغيرها.

الآية : ٢٢ - ٢٣
٩٧
سُورَةُ الأَحْقَقلِ
وإما اعتراضٌ بين المُفسَّر أعني ((أَنْذرَ قومَه))، وبين المُفسِّر أعني قوله تعالى:
﴿أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّا اللَّهَ﴾ فإن النهي عن الشيء إنذار عن مَضَرَّته، كأنه قيل: واذكر زمان
إنذار هود قومَه بما أَنذر به الرسلُ قبلَه وبعدَه، وهو أن لا تعبدوا إلا الله، تنبيهًا
على أنه إنذارٌ ثابتٌ قديمًا وحديثًا اتَّفقت عليه الرسل عليهم السلام عن آخرهم فهو
يؤكّد قوله تعالى: ((واذكر)) ويؤكّد قوله سبحانه: ((أنذر قومه)) ولذلك توسّط، وهو
أيضًا مقصودٌ بالذكر، بخلاف ما إذا جعل حالًا فإنه حينئذ قيدٌ تابع، وهذا الوجهُ
أولى مما قبله على ما قرَّره في ((الكشف)). وجوَّز بعضُهم العطفَ على ((أَنذر)) أي:
وأعلمهم بذلك، وهو كما ترى.
وجعلت ((أن)) مفسِّرة لتقدُّم معنى القول دون حروفه وهو الإنذار والمُفسَّر
معموله المُقدَّر، وجُوِّز كونها مصدرية وكونها مخفَّفة من الثقيلة فقبلها حرف جرِّ
مقدَّر متعلّق بـ ((أنذر))، أي: أنْذَرَهم بأن لا تعبدوا إلا الله.
﴿إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ صفة ((يوم))، وعِظَمُه مجازٌ عن كونه
مَهُولًا؛ لأنه لازمٌ له، وكونُ اليوم مَهولًا باعتبار هول ما فيه من العذاب، فالإسناد
فيه مجازي، ولا حاجةً إلى جعله صفةً للعذاب والجرّ للجوار. والجملة استئناف
تعلیل للنهي، ويُقهم: إني أخاف عليكم ذلك بسبب شِرْککم.
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا﴾ استفهامٌ توبيخي ﴿لِتَأْفِكْنَا﴾ أي: لِتَصْرِفنا - كما قال الضحاك - من
الأَفْك بمعنى الصَّرْف. وقيل: أي: لِتُزيلنا بالإفك، وهو الكذب ﴿عَنْ ءَاِنَا﴾ أي:
عن عبادتها ﴿فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من مُعاجلة العذاب على الشِّرك في الدنيا ﴿إِن كُنتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ (٣)﴾ في وعدك بنزوله بنا.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَلْعِلمُ﴾ أي: بوقت نزوله، أو العلم بجميع الأشياء التي من جملتها
ذلك ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وحدَه لا علمَ لي بوقت نزوله، والكلام كنايةٌ عن أنه لا يَقدِرُ عليه
ولا على تعجيله؛ لأنه لو قَدَرَ عليه وأراده كان له علمٌ به في الجملة، فنفيُّ علمه به
المدلولُ عليه بالحصر نفيٌّ لمدخليته فيه حتى يطلبَ تعجيله من الله عز وجل ويدعو
به. وبهذا التقرير عُلم مطابقةُ جوابه عليه السلام لقولهم: ((ائتنا)): فيأتيكم به في
وقته المُقدَّر له.

سُورَةُ الأَحْقَفلِ
٩٨
الآية : ٢٤
﴿وَأَبْلِّفُكُم مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ﴾ من مواجب الرسالة التي من جُملتها بيانُ نزول العذاب
إذ لم تنتهوا عن الشِّرك.
وقرأ أبو عمرو: (أُبْلِغكم)) من الإبلاغ(١).
﴿وَلَكِنِّىَّ أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٣)﴾ شأنكم الجهل، ومن آثار ذلك أنكم تقترحون
عليَّ ما ليس من وظائف الرُّسل من الإتيان بالعذاب.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ فصيحةٌ، أي: فأتاهم فلمَّا رَأَوْه،
وضمير النصب قيل: راجعٌ إلى ((ما)) في ((بما تعدنا))، وكونُ المرئيِّ هو الموعود
باعتبار المآل والسببية له، وإلا فليس هو المرئي حقيقة، وجوز الزمخشري(٢) أن
يكون مُبهمًا يُفْسِّره ((عارضًا)) وهو إما تمييزٌ وإما حال، ثم قال: وهذا الوجهُ أَغْربُ -
أي: أبينُ وأظهرُ؛ لما أَشرنا إليه في الوجه الأول من الخَفاء - وأفصحُ لما فيه من
البيان بعد الإبهام والإيضاحِ غِبّ التعمية.
وتعقّبه أبو حيان(٣) بأنَّ المُبهم الذي يُفسِّره ويُوضحه التمييز لا يكون إلا في
باب رُبَّ، نحو: رُبَّه رجلًا لقيته، وفي باب نِعْمَ وبئس على مذهب البصريين نحو :
نِعْم رجلاً زيدٌ، وبئس غلامًا عمرو، وأما أن الحالَ تُوضح المبهمَ وتُفسِّره فلا نعلم
أحدًا ذهب إليه، وقد حصر النحاةُ المُضمر الذي يُفسِّره ما بعده فلم يذكروا فيه
مفعول رأى إذا كان ضميرًا، ولا أن الحال يفسّر الضمير ويوضحه.
وأنت تعلم جلالة جار الله وإمامته في العربية.
والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومنه قول الشاعر:
بين ذراعَيْ وجبهةِ الأسدِ (٤)
يا مَنْ رأى عارضًا أَرِقْتُ له
(١) التيسير ص١١١، والنشر ٢٧٠/٢.
(٢) في الكشاف ٣/ ٥٢٤ .
(٣) البحر المحيط ٨/ ٦٤ .
(٤) البيت للفرزدق، وهو في الكتاب ١/ ١٨٠، والحُلَل في شرح أبيات الجمل للبطليوسي
ص٢١٣، وخزانة الأدب ٣١٩/٢، وجاء في الكتاب والخزانة: أُسَرُّ به، بدل: أرقت له،
ولم نقف عليه في الديوان.

الآية : ٢٤
٩٩
سُورَةُ الأَحْفَقَلِ
وقول الأعشى:
يا مَنْ رأى عارضًا قد بِتُّ أرمقُه كأنمَّا البرقُ في حَافَاتِ الشُّعَل(١)
﴿ُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ أي: مُتوجّه أوديتهم وفي مُقابلتها، وهي جمع وادٍ، وأَفْعلة
في جمع فاعل الاسم شاذٌّ نحو: نادٍ وأندية، وجائز - للخشبة المُمتدة في أعلى
السَّقف - وأَجوِزة، والإضافة لفظيةٌ كما في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا عَرِضٌ مُخْطِرْنَا﴾
ولذلك وقعا صفتين للنكرة، وأُطلق عليها الزمخشري(٢) مجازيةً، ووجه التجوُّز أنَّ
هذه الإضافة للتوسُّع والتخفيف حيث لم تُفِد فائدةً زائدة على ما كان قبلُ، فكما أنَّ
إجراء الظرف مُجرى المفعول به مجازٌ، كذلك إجراء المفعول أو الفاعل مُجرى
المضاف إليه في الاختصاص، ولم يُرِد أنها من باب الإضافة لأدنى مُلابسة.
﴿بَلَّ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ أي: من العذاب، والكلامُ على إضمار القول قبلَه،
أي: قال هود: ((بل هو) إلخ؛ لأن الخطاب بينه وبينهم فيما سبق، ويُؤْيِّده أنه قُرئ
كذلك(٣)، وقدَّره بعضهم: قل: بل هو .. إلخ، للقراءة به أيضًا(٤)، والاحتياج إلى
ذلك لأنه إضرابٌ، ولا يصلحُ أن يكون من مقول من قال: ((هذا عارضٌ مُمطرنا)).
وقدَّر البغوي(٥): قال الله: بل هو .. إلخ، وينفكُّ النظمُ الجليل عليه كما لا يخفى.
وقرئ: ((بل ما استعجلتم))(٦) أي: بل هو، وقرأ قومٌ: ((ما استُعجِلتم)) بضمِّ
(٧)
التاء وكسر الجيم
.
﴿رِيحٌ﴾ بدل من ((ما)) أو من ((هو))، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي - أو هو -
ربح ﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ صفة ((ريح)) لكونه جملةً بعد نكرة، وكذا قوله تعالى:
(١) ديوان الأعشى ص١٠٧، وفيه: أرقبه، بدل: أرمقه.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٣٠ .
(٣) المحتسب ٢٦٥/٢، وعزاها لابن مسعود.
(٤) الكشاف ٥٢٤/٣، وفيه: ((قل بل ما استعجلتم به هي ريح)) ولم ينسبها.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ١٧٠ .
(٦) الكشاف ٣/ ٥٢٤.
(٧) البحر المحيط ٨/ ٦٤.
A

سُورَةُ الأَحْقَلِ
١٠٠
الآية : ٢٥
﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تُهلك ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ من نفوسهم وأموالهم، أو مما أُمرت بتدميره
﴿بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ ويجوز أن يكونَ مستأنفًا.
وقرأ زيد بن عليٍّ: (تَدْمُر)) بفتح التاء وسكون الدال وضمِّ الميم، وقرئ كذلك
أيضًا إلا أنه بالياء، ورفع ((كلّ))(١) على أنه فاعل ((يَدْمُر)) وهو من دمر دمارًا، أي:
هلك، والجملة صفةٌ أيضًا، والعائد محذوفٌ، أي: بها، أو الضمير من ((ربها))
ويجوز أن يكون استئنافًا كما في قراءة الجمهور وارداً لبيان(٢) أنَّ لكلِّ ممكن وقتًا
مقضيًّا منوطًا بأمر بارئه لا يتقدَّم ولا يتأخّر، ويكون الضميرُ من ((ربها)) لكلِّ شيء،
فإنه بمعنى الأشياء. وفي ذكر الأمر والربّ والإضافة إلى الريح من الدلالة على
عظمة شأنه عز وجل ما لا يخفى.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ فصيحة، أي: نَجَأتهم
الريحُ فدمَّرتهم فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم، وجعلها بعضُهم فاءَ التعقيب على
القول بإضمار القول مسندًا إليه تعالى، وادَّعى أنه ليس هناك قولٌ حقيقة بل هو
عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير رَيْث، وهو كما ترى.
وقرأ الجمهور: ((لا تَرى)) بتاء الخطاب ((إلا مساكنَهم)) بالنصب(٣)، والخِطاب
لكلِّ أحدٍ تتأتَّى منه الرؤية تنبيهًا على أنَّ حالهم بحيث لو حضر كلُّ أحدٍ بلادهم
لا يَرى إلا مساكنَهم، أو السيِّد المخاطبين وَّ .
وقرأ أبو رجاء ومالك بن دينار - بخلاف عنهما - والجحدري والأعمش وابن
أبي إسحاق والسُّلمي: ((لا تُرى)) بالتاء من فوق مضمومة ((إلا مساكنُهم)) بالرفع (٤)،
وجمهورُ النُّحاة على أنه لا يجوز التأنيثُ مع الفصل بـ (إلَّا)) إلا في الشعر، كقول
ذي الرُّمة:
(١) تفسير القرطبي ٢١٥/١٩، والبحر المحيط ٦٤/٨.
(٢) في (م): وأراد البيان، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٨٦/٨، والكلام منه.
(٣) التيسير ص ٢٠٠، والنشر ٣٧٣/٢. وقرأ عاصم وحمزة ويعقوب وخلف: ((لا يُرى
إلا مساكنُهم)).
(٤) المحتسب ٢٦٥/٢، والبحر المحيط ٨/ ٦٥.