النص المفهرس

صفحات 1-20

3
◌ُوجِ الْمَعَانِى
في
تَفِي القرآن العظيم والسُّنْع المثَانِ
تأليفٌ
شِهَابُ الدِّين أبيُ الثَّنَاءِ
◌َجٌمُودَبْن عَبْدُاللَّهُ الالْوُسيْ الْبَعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَةَ هَذَّ الجزء
غيابِ فْ كَخَاف أحمد عكابكورُ
سَاهُمْ في تحقيقه
ك ◌ُتمدد الفروجَيْ حَجْمُودُ المَعَاضِيُ
محمّد مُعْتز كريم الّين
المجْلُّ الخَالُ والشرورُ
مؤسسة الرسالة

-3

مُوعُ النَعَانِى
ويوجد
في
تفِي القُرآنَظِيْ والسَُّنْ المشايخ
(٢٥)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطَّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْرَ وَالتَّوْزِيّع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الجَاثِيَّةِ
وتسمى: سورة الشريعة، وسورة الدهر - كما حكاه الكرمانيُّ في ((العجائب)) -
لذكرهما فيها. وهي مكية، قال ابن عطية(١): بلا خلاف. وذكر الماوردي(٢): إلا:
﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ [الآية: ١٤] فمدنية، وحُكي هذا الاستثناء في ((جمال
القرَّاء)»(٣) عن قتادة، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
وهي سبع وثلاثون آية في الكوفي وستٌّ وثلاثون في الباقية، لاختلافهم في
(حم)) هل هي آية مستقلة أَوْ لا؟
ومناسبة أوَّلها لآخِر ما قبلها في غاية الوضوح.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حَمّ ﴾﴾ إِنْ جُعِلَ اسماً للسورة فمحلُّه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
أي: هذا مسمَّى بـ ((حم)). وقوله تعالى: ﴿تَزِيلُ الْكِتَبِ﴾ خبرٌ بعد خبر على أنه
مصدر أُطلق على المفعول مبالغة، وقوله سبحانه: ﴿مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾
صلته، أو خبر ثالث، أو حال من ((تنزيل)) عامِلُها معنى الإشارة، أو من ((الكتاب))
- الذي هو مفعولٌ معنّى - عامِلُها المضافُ.
وقيل: ((حم)) مبتدأ، وهذا خبره، والكلام على المبالغة أيضاً، أو تأويلٍ
(١) في المحرر الوجيز ٧٩/٥.
(٢) في النكت والعيون ٢٦٠/٥.
(٣) ١٣٨/١.

سُورَةُ الجَانِيَّةِ
٦
الآية : ٣
(تنزيل)) بمنزل، والإضافة من إضافة الصفة لموصوفها. واعتبار المبالغة أولى، أي:
المسمی به تنزيل .. إلخ.
وتُعقِّب بأن الذي يُجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون قبلَ ذلك معلومَ
الانتساب إليه، وإذ لا عهد بالتسمية بعدُ فحقُّها الإخبار بها .
وجوَّز جارُ الله (١) جَعْلَ ((حم)) مبتدأ بتقدير مضاف، أي: تنزيل حم، و((تنزيل))
المذكور خبره، و ((من الله)) صلته. وفيه إقامة الظاهر مُقام المُضمر إيذاناً بأنه
الكتاب الكامل إن أُريد بالكتاب السورة، وفيه تفخيمٌ ليس في: تنزيلُ حم تنزيلٌ
من الله، ولهذا لمَّا لم يُراع في ((حم السجدة)) هذه النكتة عقّب بقوله تعالى:
(كِنَبُ فُصِلَتْ) لِيُفيد هذه الفائدة مع التفنُّن في العبارة. وإن أريد الكتاب كلُّه
فللإشعار بأن تنزيلَه كإنزال الكلِّ في حصول الغرض من التحدِّي والتهدِّي،
فدعوى عراءِ هذا الوجهِ عن فائدةٍ يُعتَدُّ بها عراءٌ عن إنصافٍ يُعتَدُّ به.
وإن جعل تعديداً(٢) للحروف فلا حظّ له من الإعراب، وكان ((تنزيل)) خبرَ مبتدأ
مُضمرٍ يلوِّح به ما قبلَه، أي: المؤلّفُ من جنس ما ذكر تنزيلُ الكتاب، أو مبتدأً
خبرُهُ الظرف بعدَه، على ما قاله جارُ الله(٣) .
وقيل: ((حم) مقسم به، ففيه حرف جرِّ مقدَّر، وهو في محل جرٍّ أو نصب على
الخلاف المعروف فيه، و((تنزيل)) نعت مقطوع، فهو خبر مبتدأ مقدَّر، والجملة
مستأنفة، وجواب القَسَم قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ اُلتَّتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وهو
على ما تقدَّم استئنافٌ للتنبيه على الآيات التكوينية.
وجُوِّز أن يكون ((تنزيل الكتاب من الله)) مبتدأ وخبراً، والجملة جوابُ القَسَم،
وهو خلاف الظاهر. وقيل: يقدر ((حم)) على كونه مقسماً به مبتدأ محذوف الخبر،
أي: حم قَسمي، ويكون ((تنزيل)) نعتاً له غير مقطوع.
وعلى سائر الأوجه قولُه سبحانه: ((العزيز الحكيم)» نعتٌ للاسم الجلیل.
(١) الكشاف ٥٠٨/٣.
(٢) قوله: وإن جعل تعديداً ... ، عطف على قوله في أول السورة: إن جعل اسماً للسورة ...
(٣) المصدر السابق.

الآية : ٤
٧
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
وجوَّز الإمام(١) كونه صفةً للكتاب، إلا أنه رجَّح الأول بعد احتياجه إلى
ارتكاب المجاز مع زيادة قرب الصفة من الموصوف فيه، وأوجبه أبو حيان(٢)؛
لما في الثاني من الفصل بين الصفة والموصوف الغير الجائز.
وقوله عز وجل: (إِنَّ فِ التَّمَتِ) إلخ يجوز أن يكون بتقدير مضاف، أي: إن في
خلق السماوات، كما رواه الواحدي عن الزجاج(٣)؛ لِمَا أنه قد صرّح به في آية
أُخرى، والقرآن يُفسِّر بعضُه بعضاً، ويناسبه قوله عز وجل: ﴿وَفِي خَلْفِكُمْ﴾ إلى آخره.
ويجوز أن يكون على ظاهره، وحينئذ يكون على أحد وجهين: أحدهما: إن فيهما
لآياتٍ، أي: ما فيهما من المخلوقات كالجبال والمعادن والكواكب والنَّيِّرين،
وعلى هذا يكون قوله سبحانه: ((وفي خلقكم)) من عطف الخاصِّ على العامّ.
والثاني: إن أنفسهما لآيات لِمَا فيها من فنون الدلالة على القادر الحكيم جل شأنه،
وهذا أظهرُ، وهو أبلغُ من أن يقال: إنَّ في خَلْقِهما لآيات، وإن كان المعنى آيلاً
إليه. و((في خلقكم)) خبرٌ مقدَّم.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَبْثُ مِنْ دَابَةَ﴾ عطف على ((خلق))، وجوِّز في ((ما)) كونها
مصدريةً وكونها موصولةً؛ إما بتقدير مضاف، أي: وفي خلق ما ينشره ويُفرِّقه من
دابة، أو بدونه. وجوِّز عطفه على الضمير المتصل المجرور بالإضافة، و((ما))
موصولة لا غير على الظاهر، وهو مبنيٌّ على جواز العطف على الضمير المتصل
المجرور من غير إعادة الجارِّ، وذلك مذهب الكوفيين ويونس والأخفش؛ قال
أبو حيان(٤): وهو الصحيح، واختاره الأستاذ أبو علي الشلوبين. ومذهب سيبويه
وجمهور البصريين منعُ العطف المذكور سواء كان الضميرُ مجروراً بالحرف أو
بالإضافة؛ لشدَّة الاتصال فَأَشْبَةَ العطفَ على بعض الكلمة.
وذكر ابن الحاجب في ((شرح المفصل)) في باب الوقف منه أن بعض النحويين
(١) في التفسير الكبير ٢٧/ ٢٥٦.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٤٢.
(٣) معاني القرآن ٤٣١/٤، والوسيط ٤/ ٩٤.
(٤) البحر المحيط ٨/ ٤٢.

١.أ
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٨
الآية : ٥
يُجوِّزون العطف في المجرور بالإضافة دون المجرور بالحرف؛ لأنَّ اتصال
المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجارِّ؛ لاستقلال كلِّ واحد منهما بمعناه، فلم
يشتدَّ اتصالُه فيه اشتدادَه مع الحرف، وأجاز الجَرْميُّ والزيادي(١) العطف إذا أُكِّد
الضمير المتصل بمنفصلٍ، نحو: مررت بك أنت وزيد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة معطوفة على جملة ((إنَّ في
السماوات)» إلخ.
وقرأ أُبيّ وعبد الله: ((لآيات)) باللام، كذا في ((البحر))(٢)، ولم يُبين أن ((آيات))
مرفوع أو منصوب، فإن كان منصوباً فاللام زائدةٌ في اسم ((إنَّ) المتقدِّم عليه
خبرُها، وهو أحد مواضع زيادته المطَّردة الكثيرة، وإن كان مرفوعاً فهي زائدة في
المبتدأ، ويقلُّ زيادتها فيه، وحسَّن زيادتَها هنا تقدُّم ((إنَّ) في الجملة المعطوف
عليها، فهو كقوله:
إِنَّ الخلافة بعدَهم لذميمةٌ وخلائفٌ طُرُفٌ لممَّا أَحقِرُ (٣)
وقرأ زيد بن علي: ((آية)) بالإفراد(٤). وقرا الأعمش والجحدري وحمزة
والكسائي ويعقوب: ((آياتٍ)) بالجمع والنصب(٥) على أنها عطف على ((آيات)»
السابق الواقع اسماً؛ لأن ((وفي خلقكم)) معطوفٌ على ((في السماوات)) فكأنه قيل:
وإن في خَلْقكم وما يبثُّ من دابة آياتٍ.
﴿لَّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾﴾ أي: من شأنهم أن يُوقنوا بالأشياء على ما هي عليه.
﴿وَأَخْئِلَفِ أَِّلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالجرِّ على إضمار ((في))، وقد قرأ عبد الله بذِكْره(٦).
(١) هو إبراهيم بن سفيان الزيادي، أبو إسحاق، قرأ على الأصمعي وغيره، له كتاب: شرح
نكت سيبويه، وكتاب الأمثال. مات سنة (٢٤٩هـ). بغية الوعاة ٤١٤/١.
(٢) البحر المحيط ٤٢/٨.
(٣) البيت لحميد بن ثور الهلالي كما في تفسير الطبري ٧٣/٢١، وهو مما أنشده الكسائي
كما في معاني القرآن للفراء ٤٥/٣ .
(٤) البحر المحيط ٨/ ٤٢.
(٥) قراءة حمزة والكسائي ويعقوب في التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢.
(٦) البحر المحيط ٤٣/٨.

الآية : ٥
٩
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
وجاء حذفُ الجارِّ مع إبقاء عمله كما في قوله :
إذا قيل أيُّ الناس شرٌّ قبيلة أشارتْ كليبٍ بالأكُفِّ الأصابعُ(١)
وحسَّن ما هنا ذكر الجارِّ في الآيتين قبلُ.
وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ خبره («آيات))(٢) بعدُ، والمراد باختلافهما تَعاقُبُهما
أو تفاوتُهما طولاً وقِصَراً، وقيل: اختلافهما في أنَّ أحدهما نور والآخر ظُلمة.
﴿وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ عطف على ((اختلاف)). ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جهة العلوِّ، وقيل:
السحاب، وقيل: الجِرْم المعروف بضربٍ من التأويل.
﴿مِن رِّزْقٍ﴾ من مطر، وسُمِّي رزقاً؛ لأنه سببه، فهو مجاز، ولو لم يؤوَّل صحَّ؛
لأنه في نفسه رزق أيضاً.
﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بأن أخرج منها أصنافَ الزروع والثمرات والنبات. والسببية
عادية اقتضتها الحِكمة.
﴿بَعْدَ مَوْنِهَا﴾ يَيَسها وعرائها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها.
﴿وَنَصْرِيفِ الرِّيَجِ﴾ من جهة إلى أُخرى، ومن حال إلى حال، وتأخيرُه عن إنزال
المطر مع تقدُّمه عليه في الوجود، إما للإيذان بأنه آيةٌ مستقلة حيث لو رُوعي الترتيب
الوجودي لربما تُؤُهِّم أن مجموع تصريف الرياح وإنزال المطر آية واحدة، وإما لأن
كون التصريف آيةً ليس بمجرد كونه مبدأً لإنشاء المطر، بل له ولسائر المنافع التي
من جملتها سوق السُّفن في البحار.
وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى: ((وتصريف الريح)) بالإفراد (٣).
﴿وَتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدَّم من الجارِّ
والمجرور، أعني: ((في اختلاف)) على ما سمعت. والجملة معطوفةٌ على ما قبلَها.
(١) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ٤٢٠/١، وسلف ٢٤/ ٣٤٠.
(٢) تفسير القرطبي ١٤٥/١٩، والبحر المحيط ٤٣/٨.
(٣) المحرر الوجيز ٥/ ٨٠، وهي أيضاً قراءة حمزة والكسائي وخلف من العشرة. التيسير
ص١٩٨، والنشر ٢٢٣/٢.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
١٠
الآية : ٥
وقيل: إن ((اختلاف)) بالجرِّ عطف على ((خَلْقِكم)) المجرور بـ ((في)) قبله،
و((آيات)) عطف على ((آياتٌ)) السابق المرفوع بالابتداء. وفيه العطفُ على معمولي
عاملين مختلفين. ومن الناس من يمنعه، وهم أكثرُ البصريين، ومنهم من يُجيزه،
وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصِّل فيقول: هو جائزٌ في نحو قولك: في الدار
زيدٌ والحجرةِ عمرو، وغير جائز في نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرةِ؛
لأن الأول يلي المجرورُ فيه العاطفَ، فقام العاطف مقامَ الجارِّ، والثاني لم يَلِ فيه
المجرور العاطف، فكان فيه إضمار الجارِّ من غير عوض، وتمام الكلام في هذه
المسألة في محلِّه.
وقيل: إن ((اختلاف)) عطف على المجرور قبلَه، و((آيات)) خبر مبتدأ محذوف،
أي: هي آيات؛ واختاره مَن لم يُجوِّز العطف على معمولي عاملين، ويقول بضَعْفٍ
حذف الجارِّ مع بقاء عمله وإن تقدَّمه ذكرُ جارٌّ.
وقال أبو البقاء: ((آيات)) مرفوع على التأكيد لـ ((آيات)) السابق، وهم يُعيدون
الشيء إذا طال الكلام في الجملة للتأكيد والتذكير(١). وتُعقِّب بأن ذلك إنما يكون
بعين ما تقدَّم، واختلافُ الصفات يدلُّ على تغاير الموصوفات، فلا وجه للتأكيد،
وأيضاً فيه الفصل بين المعطوف المجرور والمعطوف عليه، وبين المؤكِّد والمؤَّد،
وهو إن جاز يُورث تعقيداً يُنافي فصاحة القرآن العظيم.
وقرأ: ((آياتٍ)) هنا بالنصب من قرأها هناك به(٢)، فهي مفعول لفعل محذوف،
أي: أعني آيات.
وقيل: العاطف في قوله تعالى: ((واختلاف)) عَطَفَ ((اختلاف)) على المجرور
بـ ((في)) قبلُ، وعطفها على اسم ((إن)). وهو مبنيٌّ على جواز العطف على معمولي
عاملین.
وقال أبو البقاء: هي منصوبة على التأكيد والتكرير لاسم ((إنَّ) نحو: إن بثوبك
(١) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣١٤/٤.
(٢) قرأ بالنصب حمزة والكسائي ويعقوب كما أشير إليه سابقاً.

الآية : ٥
١١
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
دماً وبثوب زيدٍ دماً (١). ومرَّ آنفاً ما فيه.
وقال بعضهم: إنها اسم ((إنَّ) مضمرة، وهي قد تُضمر ويبقى عملُها؛ ذكر
أبو حيان في ((الارتشاف)) في الكلام على: إنَّ من خير الناس أو خيرهم زيد: أن
محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي ذهب إلى نصب خيرهم، ورَفْع زيد، فاسم ((إنَّ»
محذوفٌ، وأو خيرهم، منصوبٌ بإضمار ((إنَّ) لدلالة ((إنَّ) المذكورة، تقديره: إن
من خير الناس زيداً أو إن(٢) خيرهم زید.
وقد أقرَّ الشاطبيُّ تخريجَ النصب في الآية على ذلك، لكنْ نَقَله السفاقسيُّ عن
أبي البقاء (٣) ورَدَّه بأنَّ ((إنَّ) لا تُضْمَر.
وقال ابن هشام في آخر الباب الرابع من ((المغني))(٤): إنه بعيد. والظاهر أنه
لا بدَّ عليه من إضمار الجارِّ في ((اختلاف)) وحينئذ لا يخفى حاله.
وسائر القراءات مرويةٌ هنا عمّن رُويت عنه فيما تقدَّم، وتنكير ((آيات)) في
الآيات للتفخيم كمَّا وكيفاً، والمعنى: إن المُنصِفين من العباد إذا نظروا في
السماوات والأرض النظرَ الصحيح علموا أنها مصنوعةٌ وأنها لا بدّ لها من صانع،
فآمنوا بالله تعالى وأَقرُّوا، وإذا نظروا في خَلْق أنفسهم وتنقُّلها من حال إلى حال
وهيئة إلى أُخرى، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً
وأَيقنوا وانتفى عنهم اللبس، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدَّد في كلِّ وقت
كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بعد موتها وتصريف الرياح
جنوباً وشمالاً، وقَبولاً ودَبُوراً، وشدَّة وضعفاً، وحرارة وبرودة، عقلوا واستحكم
عِلْمهم وخلصَ يقينهم، كذا في ((الكشاف))(٥)، ومنه يعلم نكتة اختلاف الفواصل.
وفي ((الكشف)) أنه ذكر ما حاصله أنه على سبيل الترقِّ، وهو يوافق ما عليه
الصوفية وغيرهم من أن الإيقان مرتبةٌ خاصة في الإيمان، ثم العقلُ لمّا كان
(١) الإملاء ٣١٤/٤.
(٢) في (م): وإن، بدل: أو إن، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٣) الإملاء ٣١٣/٤.
(٤) ص ٦٣٣ .
(٥) ٥٠٩/٣.

سُوَّةُ الجَائِيَّةِ
١٢
الآية : ٥
مدارَهما - أي: الإيمان والإيقان، ونعني به العقل المؤيَّد بنور البصيرة جعله -
لخُلوص الإيقان من اعتراء الشكوك من كلِّ وجه، ففي استحكامه كلُّ خير، ورُوعي
في ترتيب الآيات ما رُوعي في ترتيب المراتب الثلاث من تقديم ما هو أقدمُ
وجوداً، ولا يلزم أن تكون الآيةُ الثانية أعظمَ من الأُولى، ولا الثالثة من الثانية؛
لما ذكره من أن الجامع بين النظرين مُوقِن، وبين الثلاثة عاقل، على أنها كذلك في
تحصيل هذا الغرض، فإن كانت أعظم من وجه آخر فلا بأس، فإن النظرَ إلى حال
نفسه وما هو من نوعه ثم جنسِه من سائر الأناسيِّ والحيوان للقرب والتكرُّر وكَثْرة
العدد أدخلُ في انتفاء الشك وحصول اليقين، وإن كان النظر في السماء والأرض
أتمَّ دلالة على كمال القُدرة والعلم، فذلك لا يضرُّ ولا هو المطلوب هاهنا، ثم
النظر إلى الاختلاف المذكور أدلُّ على استحكام ذلك اليقين من حيث إنه يتجدَّد
حيناً فحيناً ويبعث على النظر والاعتبار كلما تجدَّد هذا. والتحقيق أن تمامَ النظر في
الثاني يضطر إلى النظر في الأول، لأن السماوات والأرض من أسباب تكوُّن
الحيوان بوجه، وكذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين، أما على
الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بدَّ من أن يكون جامعاً.
انتھی. وهو کلام نفیس جدًّا.
وقال الإمام(١) في ترتيب هذه الفواصل: أظنُّ أنَّ سببه أنه قيل: إن كنتم مؤمنين
فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل كنتم من طلاب الجزم
واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقلَّ
من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل.
ولا يخفى أنه فاته ذلك التحقيق، ولم يختر الترقِّي، وهو بالاختيار حقيق.
والمُغايرة بين ما هنا وما في سورة البقرة أعني: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأْخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِ تَخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ الآية [١٦٤] للتفنُّن،
والكلام المُعجز مملوء منه.
وذكر الإمام في ذلك ما لا يهشُّ له السامع. فتأمل.
(١) تفسير الرازي ٢٥٩/٢٧.

الآية : ٦
١٣
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
﴿يَّكَ مَايَتُ اَللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيَّكَ﴾ حال، عاملها معنى
الإشارة نحو ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢] على المشهور. وقيل: هو الخبر،
و((آيات الله)) بدل أو عطف بيان، وقوله سبحانه: ﴿يَاَلْحَقٌّ﴾ حال من فاعل ((نتلوها)»
أو من مفعوله، أي: نتلوها مُحقِّين أو ملتبسة بالحقِّ، فالباء للملابسة، ويجوز أن
تكون للسببية الغائية. والمراد بالآيات المشار إليها إما آيات القرآن أو السورة، أو
ما ذُكر قبلُ من السماوات والأرض وغيرهما، فتلاوتها بتلاوة ما يدلُّ عليها.
وفُسِّرت بالسرد، أي: نسردُها عليك.
وقال ابن عطية (١): الكلام بتقدير مضاف، أي: نتلوا شأنها وشأن العبرة بها .
وقرئ: ((يتلوها)) بالياء(٢) على أن الفاعل ضميره تعالى. والمراد على القراءتين
تلاوتها عليه وسل# بواسطة المَلَك عليه السلام.
﴿فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَمَايَئِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ هو من باب قولهم: أعجبني زيدٌ
وكَرَمُه، يُريدون: أعجبني كرمُ زيد، إلا أنهم عَدَلوا عنه للمبالغة في الإعجاب،
أي: فبأيِّ حديث بعد هذه الآيات المتلوَّة بالحقِّ يؤمنون، وفيه دلالةٌ على أنه لا بيان
أزيد من هذا البيان، ولا آية أدلّ من هذه الآية.
وتفخيمُ شأن الآيات من اسم الإشارة، وإضافتِها إلى الله عز وجل، وجَعْلٍ
(نتلوها)) حالاً مع ضمير التعظيم، ثم تكريرِ الاسم الجليل للنكتة المذكورة،
وإضافتها إليه بواسطة الضمير مرة أخرى.
وقد ذكر ذلك الزمخشري(٣)، وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنه ليس بشيء، لأن فيه من
حيث المعنى إقحامَ الأسماء من غير ضرورة والعطفَ، والمراد غير العطف من
إخراجه إلى باب البدل، لأن تقدير: كَرَمُ زيدٍ، إنما يكون في: أعجبني زيدٌ كَرَمُه،
(١) المحرر الوجيز ٨٠/٥.
(٢) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٠٩/٣.
(٣) الكشاف ٥٠٩/٣.
(٤) البحر المحيط ٨/ ٤٤.
١

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
١٤
الآية : ٦
بغير واو على البدل، وهذا قلبٌ لحقائق النحو، وإنما المعنى في المثال: إن ذات
زید أعجبته وأعجبه کرمه، فهما إعجابان لا إعجابٌ واحد.
وهو مبنيٌّ على عدم التعمُّق في فهم كلام جارِ الله. ومَن تعمَّق فيه لا يرى أنه
قائل بالإقحام، وإنما بيان حاصل المعنى يُوهمه، وبين هذه الطريقة وطريقة البدل
مُغايرة تامَّة، فقد ذكر أن فائدة هذه الطريقة - وهي طريقة إسناد الفعل إلى شيء
والمقصود إسنادُه إلى ما عطف عليه - قوةُ اختصاص المعطوف بالمعطوف عليه من
جهة الدلالة على أنه صار من التلبُّس بحيث يصحُّ أن يُسند أوصافه وأفعاله وأحواله
إلى الأول قصداً لأنه بمنزلته، ولا كذلك البدل؛ لأنَّ المقصود فيه بالنسبة هو الثاني
فقط، وهنا هما مقصودان.
فإن قلتَ: إذا لم يكن ذلك الوصف منسوباً للمعطوف عليه لزم إقحامُه كما قال
أبو حيان، وما يذكر من المبالغة لا يدفع المحذور، وعلى فَرْضٍ تسليمه فدلالتُه
على ما ذكر بأيِّ طريقٍ من طرق الدلالة المشهورة.
أُجيبَ بأنه غير منسوب إليه في الواقع، لكنْ لمَّا كان بينهما ملابسةٌ تامة من
جهةٍ ما، ككون الآيات هاهنا بإذنه تعالى أو مَرْضِيةً له عز وجل جعل كأنه المقصود
بالنسبة، وكنى بها عن ذلك الاختصاص كنايةً إيمائية، ثم عطف عليه المنسوب إليه
وجعل تابعاً فيها، وبهذا غاير البدل مُغايرة تامة غفل عنها المعترض، فالنسبة
بتمامها مجازية. كذا قرَّره بعضُ المُحقِّقين(١).
وقال الواحدي: أي: فبأيِّ حديث بعد حديث الله(٢)، أي: القرآن، وقد جاء
إطلاقه عليه في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وحسن الإضمار
لقرينة تقدُّم الحديث، وقوله سبحانه: ((وآياته)) عطف عليه لتغايرهما إجمالاً
وتفصيلاً، لأن الآيات هي ذلك الحديث ملحوظ الأجزاء، وإن أُريد ما بُيِّن فيه من
الآيات والدلائل فليس من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الآياتِ ليست من
(١) حاشية الشهاب ١٦/٨.
(٢) الوسيط ٩٥/٤، وفيه :... بعد كتاب الله.

الآية : ٧ - ٨
١٥
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
القرآن، وإنما وَجْهُ دلالتها وإيرادها منه، فيكون في هذا الوجه الدلالة أيضاً على
حال البيان والمبين كما في الوجه الأول.
وقال الضحاك: أي: فبأيِّ حديث بعد توحيد الله، ولا يخفى أنه بظاهره
مما لا معنى له، فلعله أراد: بعد حديث توحيده تعالى، أي: الحديث المتضمِّن
ذلك، أو هو بعد تقدير المضاف من باب: أعجبني زيدٌ وكرمه.
وأيَّاما كان فالفاء في جواب شرط مقدَّر، والظرف صفة ((حديث)) وجُوِّز أن
يكون متعلقاً بـ ((يؤمنون)) قُدِّم للفاصلة.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي: ((تؤمنون)) بالتاء الفوقانية(١)، وهو
موافق لقوله تعالى: (وَفِي خَلْقِكُرْ) بحسب الظاهر والصورة، وإلا فالمرادُ هنا الكفار
بخلاف ذلك.
وقرأ طلحة: ((توقنون)) بالتاء الفوقانية والقاف، من الإيقان(٢).
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كثير الإفك، أي: الكذب ﴿أَثٍِ ﴾﴾ كثير الإثم، والآية
نزلت في أبي جهل، وقيل: في النضر بن الحارث، وكان يشتري حديثَ الأعاجم
ويشغل به الناس عن استماع القرآن(٣)، لكنها عامةٌ كما هو مقتضى كلِّ، ويدخل من
نزلت فيه دخولاً أوليًّا، و((أثيم)) صفة ((أنَّك))، وقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُ ءَايَتِ اللهِ﴾ صفةٌ
أخرى له، وقيل: استئناف، وقيل: حال من الضمير في ((أثيم)).
وقوله سبحانه: ﴿تُنْلَى عَلَيْهِ﴾ حال من ((آيات الله))، ولم يجوَّز جعلُه مفعولاً ثانياً
لـ ((يسمع))؛ لأن شرطَه أن يكون ما بعدَه مما لا يسمع، كسمعت زيداً يقرأ.
والظاهر أن المرادَ بـ ((تتلى)) الاستمرار، لأنه المناسب للاستبعاد المدلول عليه
بقوله عز وجل ﴿ثُمَّ يُصُِّّ﴾ فإن ((ثم)) لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات، وهي
للتراخي الرُّتبي، ويمكن إبقاؤه على حقيقته إلا أن الأولَ أبلغُ وأنسبُ بالمقام،
ونظير ذلك في الاستبعاد قول جعفر بن عُلْبَة:
(١) التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢.
(٢) البحر المحيط ٤٤/٨.
(٣) ينظر تفسير القرطبي ١٤٦/١٩.

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
١٦
الآية : ٩
يرى غَمرات الموتِ ثم يزورها(١)
لا يكشف الغماء إلا ابن حُرَّة
والإصرار على الشيء: ملازمته وعدم الانفكاك عنه، من الصرّ، وهو الشَّدُّ،
ومنه: صُرَّة الدراهم، ويقال: صرَّ الحمارُ أُذنيه - ضمَّهما - صرًّا، وأصرَّ الحمار،
ولا يقال: أُذنيه، على ما في ((الصحاح))(٢)، وكأنَّ معناه حينئذ: صار صارًّا أُذنيه.
والمراد هنا: ثم يُقيم على كُفره وضلاله ﴿مُسْتَكْرًا﴾ عن الإيمان بالآيات، وهو
حالٌ من ضمير ((يُصر))، وقوله سبحانه: ﴿كَأَن ◌َّْ يَسْمَعَهًا﴾ حال بعد حال، أو حال من
ضمير ((مستكبراً))، وجُوِّز الاستئناف، و((كأنْ)) مخفَّفة من ((كأنَّ) بحذف إحدى
النونين، واسمها ضمير الشأن، وقيل: لا حاجةً إلى تقديره كما في ((أن)) المفتوحة،
والمعنى: يُصِرُّ مستكبراً مثلَ غير السامع لها .
﴿فَبَشْرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾ على إصراره ذلك، والبشارة في الأصل: الخبرُ المُغيِّر
للبَشَرة خيراً كان أو شرًّا، وخصّها العُرف بالخبر السارّ، فإن أُريد المعنى العُرفي
فهو استعارةٌ تھگّميَّة، أو هو من قبيل:
تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع(٣)
﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَكِنَا شَيْئًا﴾ وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿أَتَّخَذَهَا هُوَا﴾
بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلِّها ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، وجُوِّز أن
يكون المعنى: وإذا عَلِمَ من آياتنا شيئاً يُمكن أن يتشبَّث به المعاندُ ویجد له محملاً
يتسلَّق به على الطعن والغميزة افترصه(٤) واتَّخذ آياتِ الله تعالى هُزواً، وذلك نحو
اعتراض ابن الزِّبعرى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
[الأنبياء: ٩٨] ومغالطته رسول الله وَلقر وقوله على ما في بعض الروايات:
جَ
(١) البيت في الحماسة البصرية ٤٦/١، وسلف ١٦٦/٢١ .
(٢) الصحاح (صور).
(٣) الكتاب ٣٢٣/٢، وخزانة الأدب ٢٦٥/٩، وسلف ٦٢/٤ وصدره: وخيلٍ قد دلفتُ لها
بخيل. قال البغدادي: وهذا البيت نسبه شراح أبيات الكتاب وغيرهم لعمرو بن معد يكرب
الصحابي، ولم أره في شعره .. وينظر تتمة كلامه في الخزانة.
(٤) أي: انتهزه. القاموس (فرص).

الآية : ١٠
١٧
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
خصمتك(١). فضمير ((اتخذها)) على الوجهين للآيات، والفرق بينهما أن ((شيئاً))
على الثاني فيه تخصيصٌ؛ لقرينة ((اتخذها هزواً)) إِذْ لا يحتمل إلا ما يحسن أن يُخيَّل
فيه ذلك، ثم يجعله دستوراً للباقي فيقول: الكلُّ من هذا القبيل، وفرِّق بين الوجهين
أيضاً بأن في الأول الاتخاذ قبل التأمُّل، وفي الثاني بعده وبعدَ تمييز آية عن أخرى.
وقيل: الاستهزاء بما علمه من الآيات إلا أنه أَرجع الضمير إلى الآيات، لأنَّ
الاستهزاء بواحدة منها استهزاءٌ بكلِّها لما بينها من التماثل.
وجُوِّز أن يرجع الضمير إلى ((شيء))، والتأنيث لأنه بمعنى الآية، كقول
أبي العتاهية:
اللهُ والقائمُ المهديُّ يَكفيها(٢)
نفسي بشيءٍ من الدنيا معلّقةٌ
يعني الشيء، وأراد به عُتْبَة جاريةً للمهدي من حظاياه، وكان أبو العتاهية
یهواها فقال ما قال.
وقرأ قتادة ومطر الورَّاق: ((عُلِّم)) بضمِ العين وشدِّ اللام مبنيًّا للمفعول(٣).
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى كلِّ أفَّك من حيث الاتِّصاف بما ذُكر من القبائح، والجمع
باعتبار الشُّمول للكلِّ كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]
كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر باعتبار كلِّ واحد واحد، وأداة البعد للإشارة
إلى بُعد منزلتهم في الشرِّ ﴿لَمْ﴾ بسبب جناياتهم المذكورة ﴿عَذَابٌ مُّهِيٌ
وصف العذاب بالإهانة توفية لحقُّ استكبارهم واستهزائهم بآيات الله عز وجل.
﴿مِّنِ وَرَآَبِهِمْ جَهَنٌَّ﴾ أي: من قُدَّامهم، لأنهم متوجّهون إليها، أو من خِلْفهم
لأنهم مُعْرِضون عن الالتفات إليها والاشتغال عمَّا يُنجيهم منها، مُقبلون على الدنيا
والانهماك في شهواتها، والوراء تُستعمل في هذين المعنيين، لأنها اسمٌ للجهة التي
يُواريها الشخص فتعمُّ الخَلْف والقُدَّام. وقيل في توجيه الخلفية: إن جهنم لمَّا كانت
تتحقّق لهم بعد الأجل جعلت كأنها خَلْفهم.
(١) الكشاف ٣/ ٥١٠.
(٢) ديوان أبي العتاهية ص٦٦٨، ومعاهد التنصيص ٢٩٥/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣٨ .

سُوَّةُ الجَائِيَّةِ
١٨
الآية : ١١
﴿وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ﴾ ولا يدفع ﴿مَا كَسَبُوا﴾ أي: الذي كسبوه من الأموال والأولاد
﴿َشَيْئًا﴾ من عذاب الله تعالى، أو شيئاً من الإغناء، على أنَّ ((شيئاً)) مفعولٌ به، أو
مفعول مطلق.
﴿وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ﴾ أي: الذي اتّخذوه ﴿مِن دُونِ الَّهِ أَوْلِيَّةٍ﴾ أي: الأصنام. وجوِّز
أن تُفسَّر ((ما)) بما تعمُّها وسائر المعبودات الباطلة، والأول أظهر.
وجُوِّز في (ما)) في الموضعين أن تكون مصدرية، وتوسيط حرفي النفي بين
المعطوفين مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد
قطعاً = مبنيٌّ على زعمهم الفاسد حیث کانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه تھگُم.
﴿وَلَمْ﴾ فيما وراءهم من جهنم ﴿عَذَابُّ عَظِيمُ ﴾﴾ لا يُقادر قَدره.
﴿هَذَا﴾ أي: القرآن، كما يدلُّ عليه ما بعد، وكذا ما قبل كـ ((يسمع آيات الله))،
و((إذا علم من آياتنا))، و((تلك آيات الله نتلوها)) ﴿هُدَىّ﴾ في غاية الكمال من
الهداية، كأنه نفسها ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ﴾ يعني القرآن أيضاً على أنَّ الإضافة
للعهد، وكان الظاهر الإضمار لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لزيادة تشنيع
كُفرهم به وتفظيع حالهم؛ وجوز أن يُراد بالآيات ما يشمله وغيره ﴿لَمْ عَذَابٌ مِّن
يَجْزٍ﴾ من أشد العذاب ﴿أَلِيُ ﴾﴾ بالرفع صفة ((عذاب)) أُخِّر للفاصلة.
وقرأ غيرُ واحد من السبعة: ((أليم)) بالجرِّ على أنه صفة ((رجز))(١). وجَعْلُه صفةً
((عذاب)) أيضاً والجرُّ المجاورة مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه.
وقيل على قراءة الرفع: إن الرِّجْز بمعنى الرِّجْس الذي هو النجاسة، والمعنى:
لهم عذاب أليم من تجرُّع رِجس، أو شرب رجس، والمراد به الصديد الذي
یتجرَّعه الکافر ولا یکاد یُسیغه. ولا داعي لذلك كما لا يخفى.
وتنوين ((عذاب)) في المواقع الثلاثة للتفخيم، ورفعه إما على الابتداء، وإما
على الفاعلية للظرف.
(١) قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص برفع الميم، وقرأ الباقون بخفضها. التيسير ص ١٨٠، والنشر
٣٤٩/٢.

الآية : ١٢ - ١٣
١٩
سُورَةُ الجَائِيَّةِ
﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُ الْبَحْرَ﴾ بأنْ جَعَلَه أملسَ السطح يطفو عليه ما يتخلخل
كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه ﴿لَِجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ،﴾ بتسخيره تعالى إياه وتسهيل
استعمالها فيما يراد بها، وقيل: بتكوينه تعالى أو بإذنه عز وجل. وسياق الامتنان
يقتضي أن يكون المعنى: لتجري الفلك فيه وأنتم راكبوها .
﴿وَلَِّغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ بالتجارة والغوص والصيد وغيرها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشَّكُرُونَ
ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك، وهذا - أعني: ((الله الذي سخر)) إلخ - ذكر
تتميماً للتقريع، ولهذا رتّب عليه الأغراض العاجلة، فإنه مما يستوجب الشكر غالباً
للكافر أيضاً، فكأنه قيل: تلك الآيات أولى بالشُّكر، ولهذا عقّب بما يعمُّ
القسمين، أعني قوله سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: من
الموجودات، بأن جعل فيها منافع لكم منها ظاهرة ومنها خفيَّة، وعقّب بالتفكّر لينبِّه
على أن التفكّر هو الذي يؤدِّي إلى ما ذكر من الأولوية، ويدلّ به على أن التفكّر
ملاكُ الأمر في ترتيب الغرض على ما جعل آية من الإيمان والإيقان والشُّكر.
﴿جميعًا﴾ حال من ((ما في السماوات وما في الأرض)) أو توكيدٌ له. وقوله تعالى:
﴿مِنْهُ﴾ حال من ذلك أيضاً، والمعنى: سخّر هذه الأشياء جميعاً كائنة منه وحاصلة
من عنده، يعني أنه سبحانه مُكَوِّنها ومُوجِدُها بقدرته وحكمته، ثم مُسخِّرها لخلقه.
وجُوِّز فيه أَوْجُهُ أُخَرُ: الأول: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، فقيل: ((جميعاً))
حينئذ حال من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرور بناءً على جواز تقدُّم الحال على
مثل هذا العامل، أو من المبتدأ بناءً على تجويز الحال منه، أي: هي جميعاً منه
تعالى. وقيل: ((جميعاً)) على ما كان، ويلاحظ في تصوير المعنى، فالضمير المبتدأ
يُقدَّر بعده، ويعتبر رجوعه إلى ما تقدَّم بقيد ((جميعاً)). والجملة على القولين
استئناف جيء به تأكيداً لقوله تعالى: ((سخر))، أي: إنه عز وجل أوجدها ثم
سخّرها، لا أنها حصلت له سبحانه من غيره كالملوك.
الثاني: أن يجعل ((ما في السماوات)) مبتدأ ويكون هو خبره، و((جميعاً)) حال
من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرور الواقع صلة، ويكون ((وسخّر لكم)) تأكيداً
للأول، أي: سخّر وسخّر، وفي العطف إيماءٌ إلى أن التسخير الثاني كأنه غير
الأول دلالة على أن المتفكِّر كلَّما فَكَّر يزداد إيماناً بكمال التسخير والمِنَّة عليه،

سُورَةُ الجَائِيَّةِ
٢٠
الآية : ١٣
وجملة ((ما في السماوات)) إلخ مستأنفة لمزيد بيان القُدرة والحِكمة.
واعترض بأنه إن أُريد التأكيد اللغوي فهو لا يخلو من الضعف، لأن عطف مثله
في الجمل غير معهود، وإن أُريد التأكيد الاصطلاحي كما قيل به في قوله تعالى:
﴿َّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣-٤] فهو مخالفٌ لما ذكره ابن
مالك في ((التسهيل)) من أن عطفَ التأكيد يختصُّ بـ ((ثم))، وقال الرضي: يكون بالفاء
أيضاً، وهو هاهنا بالواو(١)، ولم يُجَوِّزه أحدٌ منهم، وإن لم يذكروا وجهَ الفرق،
على أنه قد تقرَّر في المعاني أنه لا يجري في التأكيد العطف مطلقاً لشدَّة الاتصال.
واعترض أيضاً بأن فيه حذفَ مفعول ((سخر)) من غير قرينة، وهذا كما ترى.
الثالث: أن يكون ((ما في الأرض)) مبتدأ و((منه)) خبره، ولا يخفى أنه ضعيفٌ
بحسب المساق.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة أن ابن عباس ﴿ لم يكن يفسِّر هذه
الآية (٢). ولعله إنْ صح محمولٌ على أنه لم يَبسط الكلام فيها؛ فقد أخرج ابن جرير
عنه أنه قال: فيها كلُّ شيء هو من الله تعالى(٣).
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حُميد وابن المنذر والحاكم - وصحَّحه - والبيهقي
في (الأسماء والصفات)) عن طاوس قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عمرو بن
العاص فسأله: مِمَّ خُلِقَ الخَلْق؟ قال: من الماء والنور والظّلمة والريح والتراب،
قال: فممَّ خُلِقَ هؤلاء؟ قال: لا أدري، ثم أتى الرجلُ عبدَ الله بن الزبير فسأله،
فقال مثلَ قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابنَ عباس ◌ِّ فسأله: مم خُلِقَ الخَلْقِ؟
قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. قال: فمِمَّ خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن
عباس: (وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) فقال الرجل: ما كان ليأتي
بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي وَلِ﴾ (٤).
(١) حاشية الشهاب ١٨/٨.
(٢) الدر المنثور ٣٤/٦.
(٣) تفسير الطبري ٧٩/٢١.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢١٣/٢، والمستدرك ٤٥٢/٢، والأسماء والصفات (٨٢٩).