النص المفهرس
صفحات 441-460
الآية : ١ - ٣ ٤٤١ سُورَةُ الدُّخَانِ وورد بِفَضْلها أخبارٌ: أخرج الترمذي ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴾: ((مَنْ قرأ (حمّ) الدخان في ليلةٍ أصبحَ يستغفرُ له سبعون ألف مَلَك))(١)، وأخرج المذكورون عنه أيضاً يرفعه: ((مَنْ قرأَ (حمّ) الدخان في ليلةٍ جمعة أصبح مغفوراً له))(٢). وفي رواية للبيهقي وابن الضُّريس عنه مرفوعاً: ((مَنْ قرأ ليلة الجمعة (حمّ) الدخان و(يس) أصبح مغفوراً له))(٣). وأخرجُ ابن الضُّريس عن الحسن أن النبي ◌ِّ ل﴿ قال: ((مَنْ قرأ سورةَ الدخان في ليلةٍ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبه))(٤)، وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ وَجِ: ((مَنْ قرأ (حمّ) الدخان في ليلةٍ جمعةٍ، أو يوم ◌ُمعةٍ، بَنى الله تعالى له بيتاً في الجنة)»(٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الكلامُ فيه كالذي سلف في السورة السابقة. ٢ وَأَلْكِتَبِ الْمُِينِ حمّ ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ﴾ أي: الكتاب المُبين الذي هو القرآن على القولِ المُعَوَّل عليه ﴿فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ هي ليلةُ القدر على ما رُوي عن ابن عباس وقتادة وابن جُبير ومجاهد = ولفظه: قال عبد الله به :... وإني لأحفظ القُرَناء التي كان يقرأ بهن النبيُّ ◌ِ﴿؛ ثماني عشرة سورة من المفصَّل وسورتين من آل حاميم. وينظر فتح الباري ٢٥٩/٢. (١) الدر المنثور ٢٤/٦، وسنن الترمذي (٢٨٨٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٤٧٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعف، قال محمد [يعني البخاري]: وهو منكر الحديث. (٢) الدر المنثور ٢٤/٦، وسنن الترمذي (٢٨٨٩)، وشعب الإيمان (٢٤٧٦). قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعف، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة. (٣) الدر المنثور ٢٤/٦، وشعب الإيمان (٢٤٧٧). قال البيهقي: تفرد به هشام بن زياد، وهو هكذا . (٤) الدر المنثور ٢٤/٦، وفضائل القرآن (٢٢٢) وإسناده ضعيف لإرساله. (٥) الدر المنثور ٢٤/٦، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (٨٠٢٦)، قال الهيثمي في المجمع ١٦٨/٢: فيه فضَّال بن جبير، وهو ضعيف جداً. سُورَةُ الدّخَاِ ٤٤٢ الآية : ٣ وابن زيد والحسن، وعليه أكثرُ المفسِّرين. والظواهرُ معهم. وقال عكرمة وجماعة: هي ليلة النصف من شعبان. وتُسمَّى ليلةَ الرحمة، والليلةَ المباركة، وليلةَ الصَّكّ، وليلةَ البراءة. ووجهُ تسميتها بالأخيرين أن البندار(١) إذا استوفى الخَراجَ من أهله كتب لهم البراءةَ والصكَّ، كذلك إن الله عز وجل يكتبُ لعباده المؤمنين البراءةَ والصكَّ في هذه الليلة. وظاهرُ كلامهم هنا أن البراءة - وهي مصدر بَرِئ براءةً، إذا تخلَّص - تُطلق على صكِّ الأعمال والدُّيون وما ضاهاها، وأنه ورد في الآثار ذلك، وهو مجازٌ مشهورٌ، وصار بذلك كالمُشتَرَك، وفي ((المُغْرِب)»: بَرِئَ من الدَّين والعيب براءةً، ومنه البراءة لخطًّ الإبراء، والجمع براءات، وبَرَوات عامِّيَّةُ(٢). اهـ. وأكثرُ أهل اللغة على أنه لم يُسمع من العرب، وأنه عاميٍّ صِرْف وإن كان من باب المجاز الواسع. قال ابن السِّيد في ((المقتضب))(٣): البراءة في الأصل مصدر بَرِئ براءة، وأما البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فتسميتُها بذلك إما على أنها من بَرِئ من دَيْنه: إذا أدَّاه، وبَرِئتُ من الأمر: إذا تخلَّيت عنه(٤)، فكأنَّ المطلوبَ منه أمرٌ تبرَّأ إلى الطالب أو تخلَّى له(٥). وقيل: أصلُه أن الجاني كان إذا جنى وعفا عنه المَلِكُ كَتب له كتابَ أمانٍ مما خافه، فكان يقال: كتب السلطانُ لفلان براءةً، ثم عُمِّم ذلك فيما كُتب من أولي الأمر وأمثالهم. اهـ. وذكروا في فضل هذه الليلة أخباراً كثيرة؛ منها ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في (شعب الإيمان)) عن عليٍّ كرم الله وجهه قال: قال رسول الله وَلّ: ((إذا كانت ليلةُ النصف من شعبان فقوموا ليلَها وصوموا نهارها، فإنَّ الله تعالى ينزل فيها لغروب (١) البندار: هو الضيزن، وهو الذي يكون مع عامل الخراج. اللسان (ضزن). (٢) المُغْرِب في ترتيب المُعْرب (برأ). (٣) هو الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ١/ ١٩٣ -١٩٤. (٤) في الأصل و(م): منه، والمثبت من الاقتضاب، وحاشية الشهاب ٣/٨ وعنه نقل المصنف. (٥) قوله: له، ليس في (م). الآية : ٣ ٤٤٣ سُورَةُ الدُّخَّانِ الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مُستغفرٌ فأَغْفِرَ له، ألا مسترزق فأَرْزُقَه، ألا مُبتَلَى فَأُعَافِيَه، ألا كذا ألا كذا حتى يَطْلُعَ الفجر))(١). وما أخرجه الترمذي وابن أبي شيبة والبيهقي وابن ماجه عن عائشة قالت: فقدتُ رسولَ الله وَمِ ذاتَ ليلة فخرجتُ أَطلُبه، فإذا هو بالبقيع رافعاً رأسه إلى السماء فقال: ((يا عائشة أكنتٍ تخافين أن يحيفَ اللهُ تعالى عليكِ ورسولُه؟)) قلتُ: ما بي من ذلك، ولكني ظننتُ أنك أتيتَ بعضَ نسائك. فقال: ((إنَّ اللهَ عز وجل ينزلُ ليلةً النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفرُ لأكثر من عَدَدِ شعرٍ غَنَم كَلْب)»(٢). وما أخرجه أحمد بن حنبل في ((المسند» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسولَ اللهِ وَه قال: ((يطَّلعُ اللهُ تعالى إلى خَلْقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحِن وقاتلٍ نفس))(٣). وذكر بعضُهم فيها صلاةٌ مخصوصة، وأنها تعدلُ عشرين حِجَّة مبرورةً وصيامَ عشرين سنة مقبولاً، وروى في ذلك حديثاً طويلاً عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وقد أخرجه البيهقي(٤)، ثم قال: يُشبه أن يكون هذا الحديث موضوعاً، وهو مُنكر، وفي رواته مجهولون. وأطال الوَّاظ الكلامَ في هذه الليلة وذِكْرٍ فضائلها وخواصِّها، وذكروا عدَّة أخبارٍ في أنَّ الآجالَ تُنْسَخُ فيها. وفي ((الدر المنثور))(٥) طرفٌ غير يسيرٍ من ذلك، وسنذكر بعضاً منه إن شاء الله تعالى. وفي ((البحر))(٦): قال الحافظ أبو بكر بن (١) سنن ابن ماجه (١٣٨٨)، وشعب الإيمان (٣٨٢٢)، وفي إسناده: ابن أبي سبرة، ضغَّفه البخاري، وقال أحمد: كان يضع الحديث، وقال النسائي: متروك. (٢) سنن الترمذي (٧٣٩)، ومصنف ابن أبي شيبة ٤٣٧/١٠-٤٣٨، وشعب الإيمان (٣٨٢٦)، وسنن ابن ماجه (١٣٨٩)، وهو في مسند أحمد (٢٦٠١٨). قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمداً (يعني البخاري) يضعف هذا الحديث ... (٣) مسند أحمد (٦٦٤٢)، وهو حديث صحيح بشواهده كما ذكر محققو المسند. (٤) في شعب الإيمان (٣٨٤١). (٥) ٢٦/٦-٢٧. (٦) ٣٣/٨. سُورَةُ الدُّخَان ٤٤٤ الآية : ٣ العربي: لا يصحُّ فيها شيء، ولا نسخُ الآجال فيها(١). ولا يخلو من مُجازفة، والله تعالى أعلم. والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزالُه فيها جملةً إلى السماء الدنيا من اللَّوح، فالإنزال المُنَجَّم في ثلاث وعشرين سنةً أو أقل كان من السماء الدنيا، ورُوي هذا عن ابن جُبير(٢) وغيره. وذُكِرَ أن المَحَلّ الذي أُنزل فيه من تلك السماء البيتُ المعمور، وهو مُسامِتٌ للكعبة بحيث لو نزل لَنزل عليها . وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النَّخعي أنه قال: نزل القرآنُ جملةً على جبريل عليه السلام، وكان جبريل عليه السلام يَجيء به بعدُ إلى النبي ◌َليَ(٣). وقال غير واحد: المرادُ ابتداءُ إنزاله في تلك الليلة على التجوُّز في الطرف أو النسبة. واستُشكل ذلك بأنَّ ابتداءَ السنة المُحرَّم أو شهر ربيع الأول؛ لأنه وُلِدَ فيه وَّه ومنه اعتُبر التاريخ في حياته عليه الصلاة والسلام إلى خلافةٍ عمر ظُبه، وهو الأصح. وقد كان الوحيُّ إليه وَّر على رأسِ الأربعين سنةً من مُدَّة عُمره عليه الصلاة والسلام على المشهور من عِدَّة أقوال، فكيف يكون ابتداءُ الإنزال في ليلة القدر من شهر رمضانَ أو في ليلة البراءةِ من شعبان ؟ وأُجيب بأنَّ ابتداءَ الوحي كان مناماً في شهر ربيع الأول ولم يكن بإنزال شيء من القرآن، والوحيُّ يقظةً مع الإنزال كان في يوم الاثنين لسبعَ عشرة خَلَتْ من شهر رمضان. وقيل: لسبعٍ منه. وقيل: الأربعٍ وعشرين ليلةً منه. وأنت تعلم كَثْرَة اختلاف الأقوال في هذا المقام فمن يقول بابتداء إنزاله في شهر رمضان(٤) يلتزم منها ما لا يأباه. واختلف في أول ما نزل منه، ففي ((صحيح مسلم)) أنه ﴿يَأَتِهَا الْمُدَّثِّرُ﴾(٥). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٧٨/٤. (٢) تحرف في (م) إلى: ابن جرير. (٣) الدر المنثور ٢٥/٦. (٤) قوله: رمضان، ليس في (م). (٥) صحيح مسلم (١٦١): (١٥٧) من حديث جابر رضيالله، وأخرجه البخاري (٤٩٢٤). الآية : ٣ ٤٤٥ ـرَّةُ الدُّحَانِ وتعقّبه النووي في ((شرحه)) فقال: إنه ضعيفٌ، بل باطلٌ. والصوابُ أنَّ أول ما نزل على الإطلاق: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ كما صُرِّح به في حديث عائشة(١)، وأما ﴿بَأَتِهَا الْمُدَُّ﴾ فكان نزولُها بعد فترة الوحي كما صُرِّح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر(٢). وأما قولُ مَن قال من المفسرين: أول ما نزل الفاتحةُ، فبطلانُه أظهرُ من أن يُذْكر(٣). اهـ. والكلامُ في ذلك مستوفّى في ((الإتقان))(٤) فَلْيرجِعْ إليه من أراده. ووصف الليلة بالبركة لِمَا أنَّ إنزالَ القرآن مستتبعٌ للمنافع الدينية والدنيوية بأَجْمعها، أو لِمَا فيها من تَنزّل الملائكة والرحمة وإجابةِ الدعوة وفضيلةِ العبادة، أو لما فيها من ذلك وتقدير الأرزاق، وفصل الأَقْضية، كالآجال وغيرها، وإعطاء تمام الشفاعة له عليه الصلاة والسلام. وهذا بناءً على أنها ليلةُ البراءة؛ فقد رُوي أنه وَه سأل ليلةَ الثالثَ عشرَ من شعبان في أُمَّته فأُعطي الثُّلث منها، ثم سأل ليلةَ الرابعَ عشرَ، فأُعطي الثُّلثين، ثم سأل ليلةَ الخامسَ عشرَ فَأُعطيّ الجميعَ إلا مَنْ شَرَدَ على الله تعالى شرادَ البعير (٥). وأيًّاما كان فقد قيل: إنَّ التعليل إنما يحتاج إليه بناءً على القول بما اختاره العزُّ بن عبد السلام(٦) من أنَّ الأَمْكنةَ والأَزْمنةَ كلَّها متساويةٌ في حدٍّ ذاتها لا يفضُل بعضُها بعضاً إلا بما يقع فيها من الأعمال ونحوها. وزاد بعضُهم: أو يحلّ، لتدخل البقعة التي ضَمَّته وَّهِ، فإنها أفضلُ البِقاع الأَرْضِيَّة والسماوية حتى قيل - وبه أقولُ -: إنها أفضلُ من العرش. والحقُّ أنه لا يَبعُدُ أن يَخُصَّ الله سبحانه بعضها بمزيدٍ تشریفٍ حتى يصيرَ ذلك داعياً إلى إقدام المُكلَّف على الأعمال فيها، أو لِحكمة أُخرى. (١) صحيح مسلم (١٦٠): (٢٥٢). (٢) صحيح مسلم (١٦١): (٢٥٦). (٣) شرح النووي لصحيح مسلم ٢٠٧/٢. (٤) ١/ ٧٦. (٥) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٥٠٠ . (٦) كما في حاشية الشهاب ٣/٨. سُورَةُ الدُّخَّانِ ٤٤٦ الآية : ٤ وجملة («إنا أنزلناه)) جوابُ القَسَم، وفي ذلك مبالغةٌ، نحو ما في قوله: وثناياك إنها إغريض(١) استئنافٌ يُبيِّن المُقتضي للإنْزال. وقوله وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، استئنافٌ أيضاً لبيان التخصيص بالليلة تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ المباركة، فكأنه قيل: أنزلناه لأنَّ من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالُه في تلك الليلةِ المباركة لأنه من الأمور الدالّة على الحكم البالغة، وهي ليلةٌ يُفرَقُ فيها كلّ أمر حكيم، ففي الكلام لفّ ونشرٌ، واشتراطُ أن يكونَ كلٌّ منهما بجملتين مستقلَّتين مما لا داعي إليه. وقيل: إن جملة ((فيها يُفرَق)) إلخ صفةٌ أُخرى لـ ((ليلة))، وما بينهما اعتراضٌ لا يضرُّ الفصلُ به، بل لا يُعدُّ الفصلُ به فصلاً. وقيل: إن قوله تعالى: ((إنا كثَّا منذرين)) هو جوابُ القَسَم وما بينهما اعتراضٌ، وإليه ذهب ابنُ عطية (٢) زاعماً أنَّه لا يجوز جعلُ ((إنا أنزلناه)) جواباً له؛ لما فيه من القَسَم بالشيء على نفسه. واعترض بأنَّ قوله تعالى: ((فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم)) يكون حينئذ مِن تتمة الاعتراض فلا يحسنُ تأخُّره عن المُقسم عليه، ولا يدفعه أن هذه الجملةَ مستأنفةٌ لا صفة أُخرى، لأنه استئنافٌ بياني متعلِّق بما قبلُ كما سمعت آنفاً، فلا يَليقُ الفصلُ أيضاً كما لا يخفى على مَنْ له ذوقٌ سليم. وما ذُكر من حديث القَسَم بالشيء على نَفْسه فقد أشرنا إلى جوابه. وقيل: إن قوله سبحانه: ((إنا كُنَّا منذرين)) جوابٌ آخرُ للقَسَم، وفيه تعدُّد المُقْسَم عليه من غير عطف، ولم نَرَ من تعرَّض له. ومعنى ((يُفرَق)): يُفضَّل ويُلخّص. والحكيمُ بمعنى المُحكم؛ لأنه لا يُبدَّل ولا يُغيَّر بعد إبرازه للملائكة عليهم السلام، بخلافه قبله وهو في اللوح، فإن الله (١) قائله أبو تمام، وسلف ص ٣٤٠ من هذا الجزء. (٢) المحرر الوجيز ٦٨/٥. الآية : ٤ ٤٤٧ سُورَّةُ الدخان تعالى يمحو منه ما يشاء ويُثبت. وجُوِّز أن يكون بمعنى المحكوم به. ونسبته إلى الأمر عليهما (١) حقيقةٌ. ويَجُوز أن يكونَ المعنى: كُلُّ أمرٍ مُلتبسٍ بالحكمة، والأصل: حكيم صاحبُه، فتجوِّز في النسبة. وقيل: إنَّ حكيم للنسبة كـ : تامر ولابن. وقد أَبهم سبحانه هذا الأمر. وأخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في ذلك: يُكتب من أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رِزق، أو موتٍ، أو حياة، أو مطر، حتى يُكتب الحاجُ، يحجُّ فلانٌ ويحجُّ فلان(٢). وأخرج عبد بن حُميد وابن جرير عن ربيعة بن كلثوم قال: كنتُ عند الحسن، فقال له رجلٌ: يا أبا سعيد، ليلةُ القَدْر في كلِّ رمضان هي؟ قال: إي والله، إنها لفي كلِّ رمضان، وإنها لَليلةٌ يُفرق فيها كلُّ أمرٍ حكيم، فيها يقضي الله تعالى كلَّ أَجَلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مِثْلها(٣). ورُوي هذا التعميم عن غير واحدٍ من السَّلف. وأخرج البيهقي عن أبي الجوزاء: ((فيها يُفرَقُ كلُّ أمر حكيم)) هي ليلةُ القدر، يجاءُ بالدِّيوان الأعظم السنة إلى السنة، فيغفر اللهُ تعالى شأنه لمن يشاء، ألا ترى أنه عز وجل قال: (رَحْمَةٌ مِّن زَيَّاً)(٤)، وفيه بحث. وإلى مثلِ ذلك التعميم ذهبَ بعضُ من قال: إنَّ الليلةَ المباركة هي ليلةُ البراءة؛ أخرج ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق محمد بن سوقة عن عكرمة أنه قال في الآية: في ليلة النصف من شعبان يُبرمُ أَمْرُ السنةِ، ويُنسخ الأحياء من الأموات، ويُكتب الحاجُّ، فلا يُزادُ فيهم ولا ينقصُ منهم أحد(٥). (١) في (م): عليها (٢) الدر المنثور ٢٥/٦. (٣) تفسير الطبري ٧/٢١، والدر المنثور ٢٥/٦. (٤) شعب الإيمان (٣٦٦٤). (٥) الدر المنثور ٢٥/٦. سُورَةُ الدّخَانِ ٤٤٨ الآية : ٤ وفي كثير من الأخبار الاقتصارُ على قطع الآجال. أخرج ابن جرير والبيهقي في (شعب الإيمان)) عن الزهري عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس(١) قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((تُقطع الآجالُ من شعبانَ إلى شعبانَ حتى إنَّ الرجلَ لَينكحُ ويُولد له وقد خرجَ اسمُه في الموتى)»(٢). وأخرج الدينوري في ((المجالسة)) عن راشد بن سعد أن النبيَّ وَّ قال: ((في ليلة النصف من شعبان يُوحي اللهُ تعالى إلى مَلَكِ الموت بقبضٍ كلِّ نفس يُريد قبضَها في تلك السنة»(٣) ونحوه کثیر. وقيل: يبدأ(٤) في استنساخ كلِّ أمرٍ حكيم من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغُ في ليلة القدر، فَتُدفع نسخةُ الأرزاق إلى ميكائيل عليه السلام، ونسخةُ الحروب إلى جبرائيل عليه السلام وكذلك الزلازل والصواعق والخَسْف، ونسخةُ الأعمال إلى إسماعيل عليه السلام صاحب سماء الدنيا، وهو مَلَكٌ عظيم، ونسخةُ المصائب إلى مَلَكِ الموت. ورُوي عن ابن عباس ﴾: تُقضى الأقضيةُ كلُّها ليلة النصف من شعبان، وتُسلَّم إلى أربابها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. واعتُرض بما ذكر على الاستدلال بالظواهر على أنَّ الليلة المذكورة هي ليلةٌ القدر لا ليلة النصف من شعبان، ومن تدبَّر عَلِمَ أنه لا يخدش الظواهر. نعم حُكي عن عكرمة أن ليلةَ النصف من شعبان هي ليلةُ القدر، ويلزمُه تأويلُ ما يأبى ظاهرُه ذلك، فتدبّر. وسيأتي إنْ شاء الله عز وجل الكلامُ في هذا المقام مستوفىّ على أتمٍّ وجه في تفسير سورة القدر، وهو سبحانه الموفِّق. وقرأ الحسن والأعرج والأعمش: ((يَفرُق)) بفتح الياء وضمِّ الراء ((كلَّ) (١) في الأصل و(م): الأخفش، والمثبت من المصادر. (٢) تفسير الطبري ٢١/ ١٠، وهو مرسل، وهو في شعب الإيمان (٣٨٣٩) من قول عثمان بن محمد بن المغيرة، وعثمان هذا قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام. (٣) الدر المنثور ٢٥/٦، والمجالسة وجواهر العلم (٩٤٤)، وهو مرسل. (٤) في (م): يبدأن، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل والكشاف ٣/ ٥٠٠. الآية : ٥ ٤٤٩ سُورَةُ الدُّخَانِ بالنصب(١)، أي: يَفْرُق اللهُ تعالى، وقرأ زيدُ بن عليٍّ فيما ذكر الزمخشري (٢) عنه: (نَفْرُق)) بالنون ((كلَّ)) بالنصب، وفيما ذَكَر أبو عليٍّ الأهوازيُّ(٣) عنه بفتح الياء وكسر الراء ونصب ((كلَّ) ورفع ((حكيمٌ)) على أنه الفاعل بـ ((يفرق)). وقرأ الحسن وزائدة عن الأعمش: (يُفرَّق) بالتشديد وصيغة المفعول(٤)، وهو للتكثير. وفيه رةٌّ على قول بعض اللُّغويين - كالحريري - أن الفَرْقَ مختصٍّ بالمعاني والتفريق بالأجسام. ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنٌَّ﴾ نصب على الاختصاص، وتنكيرُه للتفخيم، والجارُّ والمجرور في موضع الصِّفة له، وتعلُّقه بـ ((يفرق)) ليس بشيء. والمرادُ بالعِنْدية أنه على وَفْق الحِكْمة والتدبير، أي: أعني بهذا الأمر أمراً فخیماً حاصلاً على مقتضى حِكْمتنا وتدبيرنا، وهو بيانٌ لزيادة فَخَامته ومَدْحه. وجوِّز كونه حالاً من ضمير ((أمر)) السابق المُستتر في ((حكيم)) الواقع صفةً له أو مِن ((أمر)) نفسِه، وصحَّ مجيء الحال منه مع أنه نكرةٌ لِتخصُّصه بالوصف على أن عمومَ النَّكرة المُضاف إليها ((كل)) مسوٌِّ للحالية من غير احتياج الوصف. وقول السمين(٥): إنَّ فيه القول بالحال من المضاف إليه في غير المواضع المذكورة في النحو، صادرٌ عن نظر ضعيف؛ لأنه كالجزء في جواز الاستغناء عنه بأن يقال: يُفرق أمرٌ حكيم، على إرادة عموم النَّكرة في الإثبات كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]. وقيل: حال من ((كل)). وأيًّاما كان فهو مُغاير لذي الحال لوصفه بقوله تعالى: ((من عندنا)) فيصحّ وقوعُه حالاً من غير لَغْوِيةٍ فيه. وكونُها مؤكِّدةً غيرُ مُتَأَتٌّ مع الوَصْفية كما لا يخفى على ذي الذهن السليم. وهو على هذه الأوجه واحدُ الأمور. وجُوِّز أنْ يرادَ به الأمر الذي هو ضدُّ النهي على أنه واحدُ الأوامر، فحينئذ (١) القراءات الشاذة ص ١٣٧ . (٢) الكشاف ٣/ ٥٠٠. (٣) كما في البحر المحيط ٣٣/٨، وعنه نقل المصنف. (٤) المصدر السابق. (٥) الدر المصون ٦١٦/٩. الآية : ٦ ٤٥٠ سُورَةُ الدّخَان يكون منصوباً على المصدرية لفعل مُضمر من لفظه، أي: أَمَرْنا أمراً من عندنا، والجملةُ بيان لقوله سبحانه: ((يفرق)) إلخ. وقيل: إما أن يكونَ نصباً على المصدرية لـ ((يفرق)) لأنَّ كَتْبَ الله تعالى للشيء إیجابُه، وكذلك أَمْرُه عز وجل به؛ کأنه قيل: يُؤمر بكلِّ شأن مطلوبٍ على وجه الحِكْمة أمراً، فالأمر وُضِعَ موضعَ الفرقان المُستعمل بمعنى الأمر. وإما أن يكونَ على الحالية من فاعل ((أنزلنا)) أو مفعوله، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً، أو حال كون الكتاب أمراً يجب أن يُفعل؛ وفي جعل الكتاب نَفْسَ الأمر لاشتماله عليه أيضاً تجوُّزٌ فيه فخامة. وتعقّب ذلك في ((الكشف)) فقال: فيه ضعفٌ؛ للفصل بالجملتين بين الحال وصاحبها على الثاني، ولعدم اختصاص الأوامر الصادرة منه تعالى بتلك الليلة على الأول. ووجهُه أن تُخَصَّ بالقرآن. ولا يُجعل قولُه تعالى: ((فيها يُفرق)) علَّة للإنزال في الليلة، بل هو تفصيلٌ لمَا أُجمل في قوله سبحانه: (إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ) على معنى: فيها أنزل الكتاب المُبين الذي هو المُشتمِلُ على كلِّ مأمور به حكيم، كأنه جعل الكتاب كلّه أمراً، أو ما أمر به كلّ المأمورات، وفيه مبالغة حسنة. ولا يخفى أن في فَهْمه من الآية تَكَلُّفاً . وقال الخفاجي(١) في أمر الفصل: إنه لا يضرُّ ذلك الفاصل على الاعتراض، وكذا على التعليل؛ لأنه غيرُ أجنبي. وجَوَّز بعضُهم على تقدير أن يُرادَ بالأمر ضدُّ النهي كونه مفعولاً له، والعامل فيه ((يفرق)) أو ((أنزلنا)) أو ((منذرين)). وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌ِ﴾: ((أَمرٌ)) بالرفع(٢)، وهي تنصر كونَ انتصابه في قراءة الجمهور على الاختصاص؛ لأنَّ الرفع عليه فيها . وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ رَحْمَةُ مِّن زَيٌَّ﴾ تعليلٌ لـ ((يفرق)) أو لقوله (١) حاشية الشهاب ٤/٨. (٢) الكشاف ٥٠١/٣، وتفسير القرطبي ١٠٤/١٩. الآية : ٦ ٤٥١ سُورَةُ الدّخَانِ تعالى: ((أمراً من عندنا))، و((رحمةً)) مفعول به لـ ((مرسلين))، وتنوينها للتفخيم، والجارُّ والمجرور في موضع الصِّفة لها، وإيقاع الإرسال عليها هنا كإيقاعه عليها في قوله سبحانه: ﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. والمعنى على ما في (الكشاف)) (١): يُفْصَل في هذه الليلة كلُّ أمر، لأنَّ من عادتنا أنْ نُرسل رحمتنا، وفَصْلُ كلِّ أمر من قسمةِ الأرزاق وغيرها من باب الرحمة، أي: إن المقصودَ الأصلي بالذات من ذلك الرحمةُ. أو تصدر الأوامرُ من عندنا، لأنَّ من عادتنا ذلك، والأوامرُ الصادرة من جهته تعالى من باب الرحمة أيضاً، لأن الغايةَ لِتكليف العبادِ تعريضُهم للمنافع. وفيه - كما قيل - إشارةٌ إلى أنَّ جعلَه تعليلاً لقوله سبحانه: ((أمراً من عندنا)) إنما هو على تقدير أن يُرادَ بالأمر مقابل النهي، وهو يجري على تقديري المصدرية والحالية. وفي ((الكشف)) أن قوله: يُفصَل .. إلخ، أو تصدر الأوامرُ .. إلخ، تبيينٌ لمعنى التعليل على التفسيرين في ((يُفرق))؛ لأنه إما بمعنى الفَصْل على الحقيقة من قسمة الأرزاق وغيرها، أو بمعنى: يُؤمر، والشأنُ المطلوب يكون مأموراً به لا محالة، فحاصله يرجعُ إلى قوله: أو تصدر الأوامر من عندنا، لا لوجهي التعليل من تعلُّقه بـ ((يفرق)) أو بـ ((أمراً)، فإن تعلُّقه بـ ((أمراً)) إنما يصحُّ إذا نُصب على الاختصاص، وإذ ذاك ليس الأمر ما يُقابل النهي؛ لأنَّ الأمرَ إذا كان المقابلَ فهو إما مصدرٌ وإنما يُعلّل فعله، وإما حالٌ مؤكّدة فيكون راجعاً إلى تعليل الإنزال المخصوص، وليس المقصودَ، وإنما لم يذكر المعنى على تقدير تعلَّقه بـ ((أمراً) لأن المعنى الأول يصلحُ تفسيراً له أيضاً. انتهى. والظاهرُ كون ذلك تبييناً لوجهي التعليل، وما ذُكر في نَفْيه لا يخلو عن بحث كما يُعرف بالتأمّل. واعتبار العادة في بيان المعنى جاء من ((كُنَّا)) فإنه يقال: كان يفعلُ كذا، لِمَا تكرَّر وقوعُه وصار عادةً، كما صرَّحُوا به في الكتب الحديثية وغيرها، ولإفادة ذلك عدل عن: إنا مرسلون، الأَخْصَرِ. (١) ٥٠١/٣. الآية : ٦ ٤٥٢ سُورَةُ الدُّخَّانِ وقوله سبحانه: ((من ربك)) وُضِعَ فيه الظاهر موضعَ الضمير، والأصلُ: مِنَّا، فجيء بلفظ الربّ مضافاً إلى ضميره وسه على وجه تخصيص الخطاب به وَل﴿ تشريفاً له عليه الصلاة والسلام ودلالةً على أن كونه سبحانه ربَّك وأنت مبعوثٌ رحمةً للعالمين مما يقتضي أَنْ يُرسل الرحمة. وقال الطيبي: خصَّ الخطاب برسوله عليه الصلاة والسلام، والمراد العموم، والأصل: من ربِّكم، وجيء بلفظ الربِّ لِيُؤْذن بأنَّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، وليكون تمهيدُه يبتنى عليه التعليل الآتي المُتضمِّن للتعريض بواسطة الحَصْر بأنَّ آلهتهم لا تسمع ولا تُبصر ولا تُغني شيئاً. وتُعقّب بأنه لو أُريد العموم الفاتَتْ النُّكتة المذكورة، ولزم أَنْ يدخلَ المؤمنون في قوله تعالى: (إِن كُنتُم تُوقِنِينَ) وما بعده، وليس المعنى عليه، وفي القلب منه شيء. وفَسَّر بعضُهم الرحمةَ المُرسلة بنبينا بَّهِ، ولا يخفى أنَّ صحةَ التعليل تأبى ذلك. وجُوِّز أن يكون قوله تعالى: ((إنا كنا مرسلين)) بدلاً من قوله سبحانه: ((إنا كُنَّا منذِرين)) - الواقع تعليلاً لإنزال الكتاب - بدلَ كلٍّ أو اشتمالٍ باعتبار الإرسال والإنذار، ويكون ((رحمة)) حينئذ مفعولاً له، أي: أنزلنا القرآنَ لأنَّ عادتَنا إرسال الرُّسل والكتب إلى العباد لأجل الرحمةِ عليهم، واختيار كون الرحمة مفعولاً له ليتطابق البدلُ والمُبدَل منه، إذْ معنى المُبدل منه: فاعلين الإنذار، ويُطابقه: فاعلين الإرسال، ولم يُجوَّز كونها كذلك على وجه التعليل، بل أوجب كونها مفعولاً به ليصحَّ، إذ لو قيل: فيها تفصيلُ كلّ شأن حكيم لأنَّا فاعلون الإرسال لأجل الرحمةِ، لم يُقِدْ أنَّ الفَصْلَ رحمةٌ، ولا أنه سبحانه مُرسِلٌ، فلا يستقيم التعليلُ. قيل: وينصرُ نصبَ ((رحمةً)) على المفعول له(١) قراءةُ الحسن وزيد بن عليٍّ برفعها، لأنَّ الكلامَ عليه جملةٌ مستأنفةٌ، أي: هي رحمة؛ تعليلاً للإرسال فَيُلائم القولَ بأنها في قراءة النصب مفعولٌ له، وليطابق قراءتهما في كون معنى ((إنا كُنَّا مرسلين)): إنا كُنَّا فاعلين الإرسال. (١) قوله: له، ليس في (م). الآية : ٧ ٤٥٣ سُورَةُ الدُّخَّان وقال بعضُ أَجِلَّة المُحقِّقين: إنَّ القولَ بأنه تعليلٌ أظهرُ من القول بأنه بدل، ليكون الكلام على نسق في التعليل غبّ التعليل، ولِمَا ذكر في الحالة المقتضية للإبدال، ولوقوع الفَصْل. وأشار - على ما قيل - بما ذَكَر في الحالة المقتضية للإبدال بأنَّ المُبدَل منه غيرُ مقصود، وأنه في حُكم السقوط، وهاهنا ليس كذلك. وتُعقّب هذا بأنه أغلبيّ لا مُطَّرد. وقوله: لوقوع الفصل، أي: بين البدل والمبدل منه، بأنَّ (١) الفاصلَ غير أجنبي فلا يضرُّ الفصلُ به، فتدبّر. وجُوِّز كونُ ((رحمة)) مصدراً ل: رحمنا، مُقدَّر، وكونُها حالاً من ضمير ((مرسلين)) وكونها بدلاً من ((أمراً)) فلا تَغْفُل. ﴿إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لكلِّ مسموعٍ، فيسمع أقوالَ العباد ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ لكلِّ معلوم، فيعلم أحوالهم. وتوسيط الضمير مع تعريف الطرفين لإفادة الحَصْر. والجملةُ تحقيق لربوبيته عز وجل، وأنها لا تحقُّ إلا لمن هذه نُعوتُه. وفي تخصيص ((السميع العليم)) على ما قال الطيبي إدماجٌ لوعيد الكفار ووعد المؤمنين الذين تلقّوا الرحمةَ بأنواع الشُّكر. ﴿َرَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاٌ﴾ بدلٌ من ((ربك)) أو بيانٌ أو نعتٌ. وقرأ غيرُ واحد من السبعة والأعرج وابن أبي إسحاق وأبو جعفر وشيبة بالرفع(٢) على أنه خبّر آخرُ لـ ((إنَّ))، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو ربّ، والجملةُ مستأنفةٌ لإثباتِ ما قبلَها وتعلیلِه. ﴿إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ ﴾﴾ أي: إنْ كنتم ممن عنده شيء من الإيقان وطرفٌ من العلوم اليقينية، على أنَّ الوصفَ المتعدِّي مُنَزَّلٌ مَنزلةَ اللازم لِعدم القَصْد إلى ما يتعلَّق به، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، أي: إن كنتم من أهل الإيقان عَلِمْتُم كونَه سبحانه ربَّ السماوات والأرض لأنه من أظهر اليقينيات دليلاً وحينئذ يلزمكم القولُ (١) أي: تعقب بأن ... (٢) قرأ بالرفع نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب. التيسير ص١٩٨، والنشر ٣٧١/٢. الآية : ٨ ٤٥٤ سُؤَدَّةُ الدُّخَانِ بما يقتضيه مما ذكر أولاً، ويجوز أن يكونَ مفعوله مقدَّراً، أي: إنْ كنتم موقنين في إقراركم إذا سُئلتم عمن خلق السماوات والأرض فقلتم: الله تعالى خَلَقهنَّ، والجواب أيضاً محذوفٌ، أي: إنْ كنتم موقنين في إقراركم بذلك عَلِمتم ما يقتضيه مما تقدَّم لظهور اقتضائه إِيَّاه. وجعل غيرُ واحد الجوابَ على الوجهين: تحقَّقَ عندكم ما قلناه. ولم يُجوِّزوا جَعْلَه مضمون ((رب السماوات)) إلخ، لأنه سبحانه كذلك أيقنوا أَمْ لم يُوقنوا، فلا معنى لجعله دالًّا عليه، وكذا جَعْله مضمونَ ما بعدُ، بل هذا مما لا يحسنُ باعتبار العلم أيضاً. وفي هذا الشرط تنزيلُ إِيقانهم منزلةَ عَدَمِهِ لظهور خِلافِهِ عليهم، وهو مرادٌ من قال: إنه من باب تنزيل العالم منزلةَ الجاهل لِعدم جَرْيه على موجب العلم. قيل: ولا يصحُّ أن يقالَ: إنهم نُزِّلوا منزلةَ الشاكِّين؛ لمكان قوله سبحانه بعد: (بل هم في شك)) ولا أرى بأساً في أن يقال: إنهم نُزِّلوا أولاً كذلك ثم سُجِّل عليهم بالشكّ لأنهم وإن أقروا بأنه عز وجل ربُّ السماوات والأرض لم ينفكُّوا عن الشك؛ لإلحادهم في صفاته سبحانه وإشراكهم به تعالى شأنُه. وجُوِّز أن يكون ((موقنين)) مجازاً عن: مريدين الإيقان، والجواب محذوفٌ أيضاً، أي: إن كنتم مريدين الإيقان فاعلموا ذلك، وفيه بُعد. وأما جَعْلُ ((إنْ)) نافيةً - كما حكاه النيسابوري - فليس بشيء كما لا يخفى. ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ جملةٌ مستأنفة مُقرِّرة لما قبلها، وقيل: خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هو سبحانه لا إله إلا هو؛ وجملةُ المبتدأ وخبره مستأنفةٌ مُقرِّرة لذلك. وقيل: خبرٌ آخرُ لـ ((إن)) على قراءة ((ربُّ السماوات)) بالرفع وجعله خبراً. وقيل: خبرٌ له على تلك القراءة وما بينهما اعتراضٌ. ﴿يُحِي، وَيُمِنٌ﴾ مستأنفةٌ كما قبلها، وكذا قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآيَكُمُ اُلْأَوَّلِينَ ﴾﴾ بإضمار مبتدأ، أو بدل من ((ربُّ السماوات)) على تلك القراءة، أو بيانٌ أو نعتٌ له. وقيل: فاعل لـ ((يميت))، وفي ((يُحيي)) ضميرٌ راجعٌ إليه، والكلامُ من باب التنازع، أو إلى ((رب السماوات)). وقيل: ((يحيي ويميت)) خبرٌ آخرُ لـ ((رب السماوات)) وكذا ((ربكم)). وقيل: هما خبران آخران لـ ((إن)). الآية : ٩ - ١٠ ٤٥٥ سُؤَدَّةُ الدُّخَانِ وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم والحسن وأبو موسى وعيسى بن سليمان وصالح كلاهما عن الكسائي بالجرِّ بدلاً من «ربِّ السماوات)) على قراءة الجرِّ، وقرأ أحمد بن جُبير الأنطاكي بالنصب على المدح(١). ﴿بَلَّ هُمْ فِ شَكٍ﴾ إضرابٌ إيطالي أبطل به إيقانهم لِعدم جَرْيهم على مُوجبه، وتنوين ((شكِّ)) للتعظيم، أي: في شكٍّ عظيم. ﴿يَلْعَبُونَ ﴾﴾ لا يقولون ما يقولون مما هو مطابق لنفس(٢) الأمر عن جِدٍّ وإذعان، بل يقولونه مخلوطاً بِهُزْء ولعب. وهذه الجملة خبرٌ بعد خبر لـ ((هم)). وجوِّز أن تكون هي الخبر، والظرفُ متعلِّق بالفعل قُدِّم للفاصلة. والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم وعدم التفاتهم. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَرْتَقِبْ﴾ لترتيب الارتقاب أو الأمر به على ما قبلها، فإن كونهم في شكٌّ يلعبون مما يُوجب ذلك حتماً، أي: فانتظر لهم ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ تُبِينٍ ﴾﴾ أي: يوم تأتي بجَذْب ومجاعة، فإنَّ الجائع جدًّا يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان وهي ظُلمة تعرضُ للبصر لِضَعْفه فيتوهّم ذلك، فإطلاق الدخان على ذلك المرئي باعتبار أن الرائي يتوهَّمه دخاناً، ولا يأباه وَصْفُه بـ: (مبين))، وإرادة الجَدْب والمَجاعة منه مجازٌ من باب ذكر المُسبَّب وإرادة السبب، أو لأن الهواء يتكدَّر سنةَ الجَذْب بكثرة الغبار لِقِلَّة الأمطار المُسكنة له، فهو كناية عن الجدب، وقد فَسَّر أبو عبيدة(٣) الدخان به. وقال القتبي(٤): يُسمَّى دخاناً لِيُبس الأرض حتى يرتفع منها ما هو كالدخان. وقال: بعض العرب تسمِّي الشرَّ الغالبَ دخاناً. ووجِّه ذلك بأنَ الدخان مما يُتَأَذَّى به فأُطلق على كلِّ مُؤْذٍ يُشبهه، وأُريد به هنا الجَدْب. ومعناه الحقيقي معروف. وقياسُ جمعه في القِلَّة: أَدْخِنة، وفي الكَثْرة: دُخْنان، (١) القراءاتان في القراءات الشاذة ص١٣٧، والبحر المحيط ٣٣/٨-٣٤. (٢) في (م): لنفي. (٣) في مجاز القرآن ٢٠٨/٢. (٤) في تفسير غريب القرآن ص٤٠٢ . سُورَةُ الدُّخَان ٤٥٦ الآية : ١٠ نحو غُراب وأَغْربة وغُرْبان، وشَذُّوا في جمعه على فَواعِل فقالوا: دَواخِن، كأنه جمع داخنة تقديراً، وقرينة التجوُّز فيه هنا حالية كما ستعلمه إن شاء الله تعالى من الخبر. والمرادُ باليوم مطلقُ الزمان، وهو مفعولٌ به لـ ((ارتقِبْ))، أو ظرف له والمفعول محذوفٌ، أي: ارتقِبْ وعدَ اللهِ تعالى في ذلك اليوم. وبالسماء جهةُ العُلُوّ، وإسنادُ الإتيان بذلك إليها (١) من قَبيل الإسناد إلى السبب، لأنه يحصل بعدم إمطارها، ولم يُسند إليه عز وجل مع أنه سبحانه الفاعلُ حقيقةً ليكون الكلامُ معٍ سابقه المُتضمِّنِ إسنادَ ما هو رحمةٌ إليه تعالى شأنه على وِزان قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ . وتفسير الدخان بما فسَّرناه به مرويٌّ عن قتادة وأبي العالية والنخعي والضحاك ومجاهد ومقاتل، وهو اختيار الفراء والزجاج(٢). وقد رُوي بطرق كثيرة عن ابن مسعود ته؛ أخرج أحمد والبخاري وجماعة عن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني تركت رجلاً في المسجد يقول في هذه الآية (يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ) إلخ: يغشى الناسَ قبل يوم القيامة دخانٌ، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام. فغضب، وكان متكئاً فجلس ثم قال: مَنْ عَلِمَ منكم علماً فليقل به، ومن لم يكن يعلم فليقل: اللهُ تعالى أعلم، فإنَّ من العلم أن يقول لما لا يعلم: اللهُ تعالى أعلم، وسأُحدِّثكم عن الدخان: إنَّ قريشاً لما استصعبت على رسول الله وَّة، وأبطؤوا عن الإسلام قال: ((اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف)) فأصابهم قحظً وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجلُ ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينه كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله تعالى (فَارْتَقِبْ) إلى (أَلِيمٌ) فأُتيَ النبيُّ نَّهِ، فقيل: يا رسول الله، استسقِ اللهَ تعالى لمُضَر. فاستسقى لهم عليه الصلاة والسلام، فَسُقُوا، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ كَاشِفُواْ أَلْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُ عَلَّيِدُونَ) الخبر(٣). وفي رواية أخرى صحيحة أنه قال: لمَّا رأى رسول الله وَلغيره من الناس إدباراً (١) في (م): إليهما . (٢) معاني القرآن للفراء ٣٩/٣، وللزجاج ٤٢٤/٤. (٣) مسند أحمد (٣٦١٣)، وصحيح البخاري (٤٧٧٤) و(٤٨٠٩)، وصحيح مسلم (٢٧٩٨). الآية : ١٠ ٤٥٧ سُورَةُ الدُّخَانِ قال: ((اللهم سبعاً كسبع يوسف)) فأخذتهم سَنَةٌ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناسٌ من أهل مكة فقالوا: يا محمد، إنك تزعُم أنك قد بُعثت رحمةً، وإن قومك قد هَلَكوا، فادعُ اللهَ تعالى لهم، فدعا رسولُ اللهِ وَّهِ، فَسُقُوا الغيثَ، فأطبقت عليهم سبعاً فشكا الناسُ كثرةً المطر فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا)» فانحدرت السحابةُ عن رأسه فسقي الناس حولهم(١). قال: فقد مضت آيةُ الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم. الحديث(٢). وظاهره يدل كما في ((تاريخ ابن كثير)) على أن القصة كانت بمكة، فالآية مكية، وفي بعض الروايات أن قصة أبي سفيان كانت بعد الهجرة، فلعلها وقعت مرتين(٣). وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك في سورة المؤمنين (٤). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج أنه قال في هذا الدخان: كان في يوم فتح مكة(٥). وفي ((البحر)) عنه أنه قال: ((يوم تأتي السماء)) هو يوم فتح مكة لمَّا حجبت السماءَ الغبرةُ(٦). وفي رواية ابن سعد أن الأعرج يروي عن أبي هريرة أنه قال: كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله تعالى: (فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ) (٧). ويحسن على هذا القول أن يكون كناية عمَّا حلَّ بأهل مكة في ذلك اليوم من الخوف والذُّلِّ ونحوهما. وقال عليٌّ كرم الله تعالى وجهه وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وزيد بن علي والحسن: إنه دخان يأتي من السماء قبلَ يوم القيامة يدخل في أسماع الكَفَرة حتى يكونَ رأسُ الواحد كالرأس الحنيذ(٨)، ويعتري المؤمن كهيئة الزُّكام، (١) أخرجه البخاري (١٠٢٠). (٢) أخرجه بهذه الزيادة البيهقي في دلائل النبوة ٣٢٦/٢، وجاء في رواية البخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨) (٣٩): وقد مضت آية الدخان والبطشةُ واللزامُ وآيةُ الروم. (٣) البداية والنهاية ٢٦٦/٤-٢٦٧. (٤) ١٠٨/١٨-١٢٢. (٥) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: هذا القول غريب جدًّا، بل منكر. (٦) البحر المحيط ٣٤/٨. (٧) طبقات ابن سعد ١٤٢/٢. (٨) أي: المشوي؛ حَنَذَ الشاةَ: شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتُنْضجها، فهي حنيذ. القاموس (حنذ). سُورَةُ الدُّخَانِ ٤٥٨ الآية : ١٠ وتكون الأرض كلُّها كبيتٍ أُوقد فيه ليس فيه خصاص(١). وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً: ((أول الآيات: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبينَ تسوق الناسَ إلى المحشر، تَقيل معهم إذا قالوا، والدخان))، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله إليه : (فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ)، وقال: ((يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من مَنْخِريه وأُذنيه ودُبُره))(٢) فالدخان على ظاهره، والمعنى: فارتقب يومَ ظهور الدخان. وحكى السفاريني في ((البحور الزاخرة)) عن ابن مسعود أنه كان يقول: هما دخانان، مضى واحدٌ، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يصيبُ المؤمن إلا بالزكمة، وأما الكافر فيشقُّ مسامعه فيبعث الله تعالى عند ذلك الربح الجنوب من اليمن فتقبض روح كلِّ مؤمن، ويبقى شِرارُ الناس. ولا أظنُّ صحة هذه الرواية عنه. وحملُ ما في الآية على ما يعمُّ الدخانين لا يخفى حاله. وقيل: المراد بـ ((يوم تأتي السماء)) إلخ يوم القيامة، فالدخان يحتمل أن يُراد به الشِّدة والشّرّ مجازاً، وأن يُراد به حقيقته. وقال الخفاجي: الظاهر عليه أن يكون قوله تعالى: ((تأتي السماء)) إلى آخره استعارةً تمثيلية، إذْ لا سماء، لأنه يومٌ تشقَّقُ فيه السماء، فمفرداته على حقيقتها(٣). وأنت تعلم أنه لا مانع من القول بأنَّ السماء كما سمعت أولاً بمعنى جهة العلوِّ، سلَّمنا أنها بمعنى الجِرْم المعروف، لكن لا مانع من كون الدخان قبل تشقُّقها، بأن يكون حين يخرج الناسُ من القبور مثلاً، بل لا مانع من القول بأنَّ المراد من إتيان السماء بدخان استحالتها إليه بعد تشقُّقها وعَوْدِها إلى ما كانت عليه (١) تفسير القرطبي ١٠٦/١٩، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٢) تفسير الطبري ١٩/٢١. (٣) حاشية الشهاب ٦/٨. الآية : ١١ - ١٣ ٤٥٩ سُورَةُ الدّخَانِ ﴾ [فصلت: ١١] ويكون فناؤها وَهِىَ دُخَانٌ إِلَى السَّمَاءِ اسْتَوِّ أولاً كما قال سبحانه: بعد صيرورتها دخاناً . هذا، والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولاً؛ لأنه أنسبُ بالسياق، لِمَا أنه في كفار قريش وبيانِ سوء حالهم، مع أن في الآيات بعدُ ما هو أوفقُ به، فوَجْهُ الربط أنه سبحانه لمَّا ذكر من حالهم مقابَلتَهم الرحمةَ بالكفران، وأنهم لم ينتفعوا بالمُنزَل والمُنزَل عليه، عقّب بقوله تعالى شأنه: ((فارتقب يوم)) إلخ، للدلالة على أنهم أهلُ العذاب والخذلان لا أهل الإكرام والغفران. ﴿يَغْشَى النَّاسَّ﴾ أي: يُحيط بهم، والمرادُ بهم كفار قريش. ومَنْ جعل الدخان ما هو من أشراط الساعة حمل الناسَ على مَنْ أدركه ذلك الوقت، ومَنْ جعل ذلك يوم القيامة حمل الناسَ على العموم. والجملة صفة أُخرى للدخان. وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ زَّبَّنَا أَكِْفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ في موضع نصب بقول مقدَّر وقع حالاً، أي: قائلين، أو يقولون: هذا .. إلخ. والإشارة للتفخیم. وقيل: يجوز أن يكون ((هذا عذاب أليم)) إخباراً منه عز وجل تهويلاً للأمر، كما قال سبحانه وتعالى في قصة الذبيح: ﴿إِنَّ هَذَا لَّوَ الْبَوَّا الْمُّبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] فهو استئناف أو اعتراض، والإشارة بـ ((هذا)) للدلالة على قرب وقوعه وتحقُّقه، وما تقدَّم أولى. وقوله سبحانه: ((ربنا)) إلى آخره - كما صرَّح به غير واحد من المُفسِّرين - وعدٌ منهم بالإيمان إن كَشَفَ جلَّ وعلا عنهم العذاب، فكأنهم قالوا: ربنا إنْ كَشَفْتَ عنا العذاب آمنًّا، لكن عَدَلوا عنه إلى ما في المُنزل إظهاراً لمزيد الرغبة، وحملوه على ذلك لِمَا في بعض الروايات أنه لمَّا اشتدَّ القحطُ بقريش مشى أبو سفيان إلى رسول الله وَّر وناشده الرحمَ وواعده إن دعا لهم وزال ما بهم آمنوا. والمراد بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ نفي صِدْقهم في الوعد، وأنَّ غرضهم إنما هو كشفُ العذاب والخلاص، أي: کیف یتذكرون، أو من أين يتذكرون سُورَةُ اللّخَانِ ٤٦٠ الآية : ١٣ - ١٥ بذلك ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾﴾ أي: والحال أنهم شاهدوا من دواعي التذكُّر وموجبات الاتِّعاظ ما هو أعظمُ من ذلك في إيجابهما، حيث جاءهم رسولٌ عظيم الشأن ظاهرٌ أمرٌ رسالته بالآيات والمعجزات التي تَخِرُّ لها صُّ الجبال، أو مُظْهِرٌ لهم مناهجَ الحقّ بذلك. ثُمَّ تَوَلَوَاْ عَنْهُ﴾ أي: عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو هو، والجملة عطف على قوله تعالى: ((وقد جاءهم)) إلى آخره. وعطفُها على قوله سبحانه: ((ربنا)) إلخ لأنه على معنى قالوا: ((ربنا)) إلخ، ليس بذاك. و(ثم)) للاستبعاد والتراخي الرتبي، وإلا فهُم قد تولَّوا ريثما جاءهم وشاهدوا منه ما شاهدوا مما يوجب الإقبال إليه گلتر . ﴿وَقَالُوا﴾ مع ذلك في حقِّه عليه الصلاة والسلام: ﴿مُعَلَّمُ تَّجْنُنُ ﴾﴾ أي: قالوا تارة: يعلمه عدَّاس - غلامٌ رومي لبعض ثقيف - وأُخرى: مجنون، أو يقول بعضهم كذا، وآخرون كذا، ولم يقل: ومجنون، بالعطف؛ لأن المقصودَ تعديدُ قبائحهم. وقرأ زرُّ بن حُبيش: ((معلِّم)) بكسر اللام(١)، فـ ((مجنون)) صفة له، وكأنهم أرادوا: رسولٌ مجنون. وحاشاه ثم حاشاه وَّل. ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِلًا إِنَّكُمْ عَيِدُونَ ﴾ جوابٌ من جهته تعالى عن قولهم، وإخبارٌ بالعود على تقدير الكشف، أي: إن كَشَفنا عنكم العذاب كشفاً قليلاً - أو زماناً قليلاً - عُدْتُم. والمراد على ما قيل: عائدون إلى الكفر؛ وأنت تعلم أن عَوْدهم إليه يقتضي إيمانهم، وقد مرَّ أنهم لم يُؤمنوا، وإنما وَعَدوا الإيمان؛ فإما أن يكون وعدُهم مُنزَّلاً منزلة إيمانهم، أو المراد: عائدون إلى الثبات على الكفر، أو على الإقرار والتصريح به. وقال قتادة: هذا توعّد بمعاد الآخرة. وهو خلافُ الظاهر جدًّا. ومن قال: إن الدخان يومَ القيامة، قال: إن قوله سبحانه: (إِنَّا كَاشِفُوا) إلى آخره وعدِّ بالكشف، على نحو قوله عز وجل: ﴿وَلَوَّ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. (١) البحر المحيط ٣٤/٨. :