النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٧٢ ٤٢١ كالتأكيد لقوله تعالى: ((لا خوفٌ عليكم)». ونُودوا بذلك إتماماً للنعمة وإكمالاً للسرور، فإنَّ كلَّ نعيم زائلٍ موجبٌ لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومستعقبٌ للتحسُّر في ثاني الأحوال، ولله تعالى درُّ القائل: وإذا نظرت فإن بؤساً زائلاً للمرء خيرٌ من نعيم زائل(١). وعن النصراباذي أنه إن كان خلودهم لشهوة الأنفس ولذَّة الأعين فالفناء خيرٌ من ذلك، وإن كان لفناء الأوصاف والاتِّصاف بصفات الحق والمقام فيها على سرر الرضا والمشاهدة فأنتم إذاً أنتم. وأنت تعلم أن ما ذكره يدخل في عموم ما تقدم دخولاً أوليًّا. وذكر بعضهم هنا أن الخطاب هنا من باب الالتفات، وأنه للتشريف. وقال الطيبي: ذُقْ مع طبعك المستقيم معنى الخطاب. والالتفات وتقديم الظرف في ((وأنتم فيها خالدون)) لتقف على ما لا يكتنهه الوصف. ﴿وَتِلْكَ اَلْجَنَّةُ﴾ مبتدأ وخبر، وقوله تعالى: ﴿الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفة ((الجنة)). وقوله سبحانه: ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ متعلّق بـ ((أورثتموها)). وقيل: ((تلك الجنة)) مبتدأ وصفة، و((التي أورثتموها)) الخبر، والجارُّ بعده متعلّق به. وقيل: ((تلك)) مبتدأ و((الجنة)) صفتها و((التي أورثتموها)) صفة الجنة، و((بما كنتم)) متعلق بمحذوف هو الخبر. والإشارة على الوجه الأول إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى: ((ادخلوا الجنة))، وعلى الأخيرين إلى الجنة الواقعة صفة على ما قيل، والباء للسببية أو للمقابلة. وقد شبّه ما استحقوه بأعمالهم الحسنة من الجنة ونعيمها الباقي لهم بما يخلِّفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق، ويلزمه تشبيه العمل نفسه بالمورِّث - اسم فاعل - فاستعير الميراث لِمَا استحقوه، ثم اشتقَّ أورثتموها، فيكون هناك استعارةٌ تبعية، وقال بعضٌ: الاستعارة تمثيلية. وجوِّز أن تكون مكنية. وقيل: الإرث مجازٌ مرسل للنيل والأخذ. (١) ذكره الشهاب في حاشيته ٧/ ٤٥٠. ١ سُورَةُ الرّحْرُوِ ٤٢٢ الآية : ٧٣ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله محصلة قال: ((ما من أحدٍ إلا وله منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، فالكافر يرثُ المؤمنَ منزلَه في النار، والمؤمنُ يَرِثُ الكافرَ منزله في الجنة، وذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أَلَتِىّ أُوَرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(١). ولا يخلو الكلام عن مجاز عليه أيضاً. وأيًّاما كان فسببية العمل لإيراث الجنة ونَيْلها ليس إلا بفضل الله تعالى ورحمته عز وجل. والمراد بقوله ◌َّه: ((لن يُدخل أحدكم الجنةَ عملُه))(٢) نَفْيُ(٣) إدخال العمل الجنةً على سبيل الاستقلال والسببية التامة، فلا تعارض. وأخرج هناد وعبد بن حُميد في ((الزهد)) عن ابن مسعود قال: تَجُوزون الصراط بعفو الله تعالى، وتدخلون الجنة برحمة الله تعالى، وتقتسمون المنازل بأعمالكم(٤). فتأمل. وقرئ: ((وُرِّثتموها))(٥). ﴿لَكُنَّ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بحسب الأنواع والأصناف لا بحسب الأفراد فقط. ﴿مِّنْهَا تَأْكُونَ ﴾ أي: لا تأكلون إلا بعضَها، وأعقابُها باقية في أشجارها، فهي مُزيَّنة بالثمار أبداً موقرة بها لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا، وفي الحديث: ((لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نَبَتَ مكانَها مثلاها))(٦). فـ (من)) تبعيضية. وجوِّز كونها ابتدائية، والتقديم للحصر الإضافي، وقيل: لرعاية الفاصلة. (١) الدر المنثور ٢٣/٦، وأخرجه ابن ماجه (٤٣٤١) وآخره عنده: فذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ مُمُ الْوَرِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]، وسلف ٣٠/١٨. (٢) أخرجه أحمد (٧٥٨٧)، والبخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ظُته. (٣) تحرفت في (م) إلى: ففي. (٤) الدر المنثور ٢٣/٦، وهو في الزهد لهناد (٣٢٣). (٥) الكشاف ٤٩٦/٣ . ، (٦) أخرجه البزار (٣٥٣٠ - كشف)، والطبراني في الكبير (١٤٤٩) من حديث ثوبان ولفظ الطبراني: ((إن الرجل إذا نزع من الجنة عادت مكانها أخرى)). الآية : ٧٤ - ٧٦ ٤٢٣ سُوَّةُ الرّحْزُقُ ولعل تكرير ذكر المطاعم في القرآن العظيم مع أنها كَلا شيءٍ بالنسبة إلى سائر أنواع نعيم الجنة؛ لِمَا كان بأكثرهم في الدنيا من الشِّدة والفاقة، فهو تسليةٌ لهم. وقيل: إن ذلك لكون أكثر المخاطبين عوامًّا، نظرهم مقصور على الأكل والشُّرب. وتُعقّب بأنه غير تامٌّ، وللصوفية كلام سيأتي في مواضع إن شاء الله عز وجل. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الراسخين في الإجرام، الكاملين فيه، وهم الكفار، فكأنه قيل: إنَّ الكفار ﴿فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (®﴾ وأيِّد إرادة ذلك بجعلهم قسيمَ المؤمنين بالآيات في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِايَتِنَا﴾ فلا تدلُّ الآية على خلود خُصاة المؤمنين كما ذهب إليه المعتزلة والخوارج، ولا يضرُّ عدمُ التعرُّض لبيان حكمهم بناءً على أن المراد بالذين آمنوا المتقون؛ لقوله تعالى: (يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) والقولُ بأن ((الذين آمنوا)) شاملٌ لهم لأن العلة إيمانهم وإسلامهم، لا يخفى ما فيه. والظرف متعلق بـ ((خالدون))، وخالدون خبر ((إن)). وجُوِّز أن يكون الظرفُ هو الخبر و((خالدون)) فاعلُه لاعتماده. ﴿لَا يُفَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يُخفَّف عنهم، من فَتَرتْ عنه الحُمَّى: إذا سَكَنَتْ قليلاً، والمادة بأيِّ صيغة كانت تدلُّ على الضعف مطلقاً . ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ أي: في العذاب. وقرأ عبد الله: ((فيها))(١)، أي: في جهنم. قال الراغب: الإبلاس: الحزن حزينون من شدة البأس. ﴿مُبْلِسُونَ المعترض من شدَّة البأس، ومنه اشتقَّ إبليس فيما قيل. ولمَّا كان المُبْلِس كثيراً ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه، قيل: أبلس فلانٌ، إذا سكت وانقطعت حُجَّته(٢). انتھی . وقد فسِّر الإبلاس هنا بالسكوت وانقطاع الحُجَّة. ﴾ لسوء اختيارهم، و((هم)) ضمير فصل ٧٦ ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الَِّينَ (١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٢٠، والكشاف ٤٩٦/٣، والبحر المحيط ٢٧/٨. (٢) مفردات ألفاظ القرآن الكريم (بلس). سُورَةُ الرّخْفُ ٤٢٤ الآية : ٧٧ فيفيد التخصيص. وقرأ عبد الله وأبو زيد: ((الظالمون)) بالرفع(١) على أن ((هم)) مبتدأ وهو خبره، وذكر أبو عمر الجَرْميُّ أن لغة تميم جعلُ ما هو فَصْلٌ عند غيرهم مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر، وقال أبو زيد: سمعتهم يقرؤون: ((تجدوه عند الله هو خير وأعظم)) [المزمل: ٢٠](٢) برفع: خير وأعظم، وقال قيس بن ذريح: وكنتَ عليها بالمَلا أنت أقدرُ (٣) تحثُّ إلى ليلى وأنت ترکئها وقال سيبويه: بَلَغَنا أنَّ رؤبة كان يقول: أظنُّ زيداً هو خيرٌ منك، يعني بالرفع(٤). ﴿وَنَادَوَا﴾ أي: من شدة العذاب. وفي بعض الآثار: يُلقى على أهل النار الجوعُ حتى يَعْدِلَ ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكاً. فيدعون: ﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾ أي: لِيُمتنا، مِن: قَضَى عليه، إذا أَماته، ومرادهم: سَلْ ربَّك أن يقضيَ علينا حتى نستريحَ، وإضافتهم الربَّ إلى ضميره لحثِّه، لا للإنكار، وهذا لا يُنافي الإبلاس على التفسير الأول؛ لأنه صراخٌ وتمنٌّ للموت من فرطِ الشدة، وأما على التفسير الثاني أنه وإن نفاه لكن زمان كلِّ غيرُ زمان الآخر، فإنَّ أزمنة العذاب متطاولةٌ وأحقابه ممتدَّة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لِغلبة اليأس وعِلْمهم أنه لا خَلاصَ لهم ولو بالموت، ويغوثون أوقاتاً لشدَّة ما بهم. وتُعقِّب بأنه لا يُناسب دوام الجملة الاسمية، أعني: وهم مُيْلِسون. وقيل: إنَّ ((نادَوا)) معطوفٌ بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً، ولا يخفى أن تلك الجملة حالية لا تنفكُّ عن الخلود. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وابن وثّاب والأعمش: ((يا مالٍ)) (١) معاني القرآن للفراء ٣٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٢١/٤، والبحر ٢٧/٨. (٢) البحر ٨/ ٢٧، وهي قراءة شاذة. (٣) كتاب سيبويه ٢/ ٣٩٣، وشرح المفصل ١١٢/٣ وفيهما: تُبَكِّي على لبنى ... ، والكلام من البحر المحيط ٢٧/٨. (٤) الكتاب ٣٩٢/٢، والبحر ٢٧/٨. الآية : ٧٧ ٤٢٥ سُؤَدَّةُ الرَّحْزُقُ بالترخيم (١) على لغة من ينتظر، وقرأ أبو السوار: ((يا مالُ)) بالترخيم(٢) أيضاً لكن على لغة من لم ينتظر. قال ابن جني(٣): وللترخيم في هذا الموضع سرٌّ، وذلك أنهم لعظم ما هم فيه ضَعُفَتْ قواهم وذلَّت أنفسهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورةً. وبهذا يجاب عن قول ابن عباس وقد حكيت له القراءة به على اللغة الأولى: ما أَشْغَلَ أهل النار عن الترخيم (٤)! مشيراً بذلك إلى إنكارها، فإنَّ ((ما)) للتعجب، وفيها معنى الصدّ، يعني أنهم في حالة تَشغلهم عن الالتفات إلى الترخيم وتركٍ النداء على الوجه الأكثر في الاستعمال. وحاصلُ الجواب أنَّ هذا الترخيم لم يصدر عنهم لقَصْدِ التصرف في الكلام والتفنُّنِ فيه، كما في قوله: يحيي رُفات العظام بالية والحقُّ يامالٍ غيرُ ما تَصِفُ(٥) بل للعجز وضيق المجال عن الإتمام كما يُشاهد في بعض المَكْروبين. ﴿قَالَ﴾ أي: مالك: ﴿إِنَّكُم مََّكِنُونَ ﴾﴾ مُقيمون في العذاب أبداً لا خَلاص لكم منه بموت ولا غيره، وهذا تقنيطٌ ونِكاية لهم فوق ما هم فيه، ولا يضر في ذلك عِلْمه بيأسهم إنْ قلنا به. وذكر بعض الأَجِلَّة أنَّ فيه استهزاءً؛ لأنه أقام المُكْث مقامَ الخلود، والمُكْث يُشعر بالانقطاع؛ لأنه كما قال الراغب: ثَبات مع انتظار(٦). ويمكن أن يكون وجه الاستهزاء التعبير بـ ((ماكثون)) من حيث إنه يشعر بالاختيار. وإجابتهم بذلك بعد مُدَّة. قال ابن عباس: يُجيبهم بعد مضي ألف سنة. وقال نوف: بعد مئة. وقيل: ثمانين. وقيل: أربعين. (١) القراءات الشاذة ص١٣٦، والمحتسب ٢٥٧/٢. (٢) الكشاف ٤٩٦/٣. (٣) المحتسب ٢٥٧/٢. (٤) الكشاف ٤٩٦/٣. (٥) البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، ضمن قصيدة ذكرها البغدادي في الخزانة ٢٧٥/٤، وصدره فيها: خالفتَ في الرأي كلَّ ذي فَخَر .. (٦) مفردات ألفاظ القرآن (مكث). سُؤَدَةُ الرَّحْقِّ ٤٢٦ الآية : ٧٨ - ٧٩ خطابُ توبيخ وتقريع من جهته VA ﴿لَقَدْ جِثْتَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَِهُونَ تعالى مُقرِّر لجواب مالك ومُبيِّنٌ لسبب مُكثهم، ولا مانع من خطابه سبحانه الكفرةَ تقريعاً لهم. وقيل: هو من كلام بعض الملائكة عليهم السلام، وهو كما يقول أحدُ خدم الملك للرعية: أعلمناكم وفعلنا بكم. قيل: لا يجوز أن يكون من قول مالك لا لأن ضمير الجمع يُنافيه، بل لأن مالكاً لا يصح منه أن يقوله؛ لأنه لا خِذْمةً له غیر خَزْنِه للنار. وفيه بحث. وقيل: في (قال)) ضميره تعالى، فالكلُّ مقولُه عز وجل. وقيل: إن قوله تعالى: ((إنكم ماكثون)) خاتمة حال الفريقين، وقوله سبحانه: ((لقد)) إلخ كلامٌ آخرُ مع قريش، والمراد عليه: جئناكم في هذه السورة أو القرآن بالحقِّ، وعلى ما تقدم: لقد جئناكم في الدنيا بالحقِّ، وهو التوحيد وسائر ما يجب الإيمان به، وذلك بإرسال الرُّسل وإنزال الكتب ولكن أكثرکم للحقِّ ۔أيِّ حقِّ کان- كارهون، لا تقبلونه وتنفرون منه. وفسر الحقَّ بذلك دون الحقِّ المعهود سواء كان الخطاب لأهل النار أو لقريش لمكان «أكثركم))؛ فإن الحقَّ المعهود كلُّهم كارهون له مُشمئِزُّون منه. وقد يقال: الظاهر العهد، وعبَّر بالأكثر لأن من الأتباع من يكفر تقليداً. وقرئ: ((لقد جئتكم))(١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوَاْ أَمْرًا﴾ كلامٌ مبتدأ ناعٍ على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول الله وَّر، و((أم)) منقطعة وما فيها من(٢) معنى ((بل)) للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء، والهمزة للإنكار، فإن أريد بالإبرام الإحكام حقيقةً فهي لإنكار الوقوع واستبعاده، وإن أُريد الإحكام صورةً فهي لإنكار الواقع واستقباحه، أي: بل أبرم مشركو مكة أمراً من كيدهم ومَكْرهم برسول اللهِ وَّةٍ. · كيدنا حقيقةً لا هم، أو فإنا مبرمون كيدَنا بهم حقيقةً كما أبرموا ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (9َ﴾ كيدَهم صورةً، كقوله تعالى: ﴿أَ يُرِيدُونَ كَبَدًا فَلَّذِينَ كَفَرُواْ هُرُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]. (١) الكشاف ٤٩٦/٣. (٢) قوله: من، ساقط من (م). الآية : ٨٠ ٤٢٧ سُورَةُ الْحَرُوْ والآية إشارةٌ إلى ما كان منهم من تدبير قتله عليه الصلاة والسلام في دار الندوة، وإلى ما كان منه عز وجل من تدميرهم. وقيل: هو من تتمة الكلام السابق، والمعنى: أم أبرموا في تكذيب الحقِّ وردِّه ولم يقتصروا على كراهته، فإنا مُبرِمون أمراً في مجازاتهم. فإن كان ذلك خطاباً لأهل النار، فإبرام الأمر في مجازاتهم هو تخليدُهم في النار معذَّبين؛ وإنْ كان خطاباً لقريش فهو خِذْلانهم ونصر النبيِّ بَّر عليهم؛ فكأنه قيل: فإنا مُبرمون أمراً في مجازاتهم وإظهار أمرك، وفيه إشارة إلى أن إبرامَهم لا يُفيدهم، ولا يُغني عنهم شيئاً. والعدول عن الخطاب في ((أكثركم)) إلى الغيبة في ((أبرموا)) على هذا القيل للإشعار بأنَّ ذلك أسوأ من كراهتهم. ويؤيِّد ما ذكر أولاً - على ما قيل - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ لأنه يدلُّ على أن ما أبرموه كان أمراً قد أخفَوْه، فيناسب الكيدَ دون تكذيب الحقِّ؛ لأن الكَفَرة مجاهرون فيه، والمراد بالسرِّ هنا حديثُ النفس، أي: بل أيحسبون أنَّا لا نسمع حديثَ أنفسهم بذلك الكيد ﴿وَنَمْوَهُمْ﴾ أي: تناجیھم وتحادثهم سرًّا. وقال غير واحد: السرُّ ما حدَّثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خالٍ، والنجوى ما تكلَّموا به فيما بينهم بطريق التناجي. ﴿َى﴾ نسمعهما ونطّلع عليهما ﴿وَرُسُلُنَ﴾ الذين يحفظون عليهم أعمالهم ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ملازمون لهم ﴿يَكْثُبُونَ ﴾﴾ أي: يكتبونهما، أو يكتبون كلَّ ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر. والمضارع للاستمرار التجدُّدي، وهو مع فاعله خبر، و((لديهم)) حال قُدِّم للفاصلة، أو خبر أيضاً، وجملة المبتدأ والخبر إما عطف على ما يترجم عنه ((بلى)) أو حال، أي: نسمع ذلك والحال أنَّ رسلنا يكتبونه. وإذا كان المراد بالسرِّ حديثَ النفس فالآيةُ ظاهرة في أن السرَّ والكلام المخيل مسموعٌ له تعالى، وكذا هي ظاهرة في أن الحفظة تكتبه كغيره من أقوالهم وأفعالهم الظاهرة، ولا يَبْعُدُ ذلك بأن يُطلعهم الله تعالى عليه بطريق من طرق الاطلاع فيكتبوه. سُؤَدَّةُ الرّحْزُقُ ٤٢٨ الآية : ٨١ ومَن خصَّ كتابتهم بالأمور الغير القلبية خصَّ السرَّ بما حدّث به الغير في مكان خالٍ. والظاهر أن حسبانهم ذلك حقيقة، ولا يُستبعد من الكَفَرة الجَهَلة، فقد أخرج ابنُ جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثةٌ عند الكعبة وأستارِها: قُرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحدٌ منهم: ترون الله تعالى يسمع كلامَنا؟ فقال واحد: إذا جَهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. فنزلت: ((أم يحسبون)) الآية(١). وقيل: إنهم نُزِّلوا في إقدامهم على الباطل وعدم خوفهم من الله عز وجل منزلةً من يحسب أن الله سبحانه لا يسمع سرَّه ونجواه. ﴿قُلْ﴾ أي: للكفرة، تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً لهم على أن مخالفتك لهم بعدم عبادتك ما يعبدون من الملائكة عليهم السلام ليس لِبغضك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم، بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نَسبوا إليهم وبَنَوا عليه عبادتهم من کونهم بناتِ الله سبحانه وتعالى. ﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَنِدِينَ (@)﴾ أي: لذلك الولد، ((وكان)) بمعنى: صحَّ، كما يقال: ما كان لك أن تفعل كذا، وهو أحدُ استعمالاتها، و((أول)) أفعل تفضيل، والمُفضَّل عليه المقولُ لهم. وجُوِّز اعتبار ذلك مطلقاً؛ والمراد إظهار الرغبة والمسارعة. والمنساقُ إلى الذهن الأول. ووجه الملازمة أنه عليه الصلاة والسلام أعلمُ الناس بشؤونه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز، وأحرصهم على مراعاة حقوقه وما تُوجبه من تعظيم وَلَده سبحانه، فإنَّ حقَّ الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده؛ لِمَا أنَّ تعظيمَ الولد تعظيمُ الوالد؛ فالمعنى: إن كان للرحمن ولد وصحَّ ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحُجَّةٍ واضحة تُدلون بها، فأنا أول من يُعظّم ذلك الولد وأَسْبَقُكم إلى طاعته والانقياد له كما يُعِّم الرجلُ ولدَ الملك لعظم أبيه، وهذا نفي لكينونة ولدٍ له سبحانه على أبلغ وجه، وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي، فإنه في الحقيقة قياسٌ استثنائي استُدلَّ فيه بنفي اللازم البيِّن انتفاؤه - وهو عبادته وَي للولد - على نفي الملزوم، وهو كينونة الولد له سبحانه، وذلك نظيرُ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآَ (١) الدر المنثور ٢٣/٦، وتفسير الطبري ٦٥٣/٢٠. الآية : ٨١ ٤٢٩ سُورَةُ الزّعرّفُ ءَإِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لكنه جيء بـ ((إنْ)) دون ((لو)) لجَعْلِ ما في حيِّزها بمنزلة ما لا قَطْعَ بعدمه على طريق المساهلة وإرخاءِ العنان للتبكيت والإفحام. وفي ((الكشف)): إن في الآية مبالغةً من حيث إنه جعل الممكن في نفسه - أعني عبادته عليه الصلاة والسلام لِمَا يدعونه ولداً - مُحالاً، فهو نفيٌ لعبادة الولد على أبلغ وجه حيث جعل مُسبَّباً عن محال، ثم نفي للولد كذلك من طريق آخر، وهو أنه لمَّا لم يعبد وَّرِ الولدَ - مع كونه أولى بعبادته لو كان ــ دلَّ على نَفْيه، ونحو ما ذكر في الآية مرويٌّ عن قتادة والسدي والطبري(١) . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حُميد وابن جرير عن مجاهد أن المعنى: قل: إنْ كان للرحمن ولدٌ في زعمكم فأنا أولُ من عبد الله تعالى وحدَه وكذَّبكم بما تقولون (٢). فالمرادُ من كونه عليه الصلاة والسلام أولَ العابدين كونُهُ وَلِ أُولَ من يُنكر ذلك عليهم. والملازمة في الشرطية باعتبار أن نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يُكذِّبهم النبي وََّ، وأن يكون أولَ من يُنكره؛ لأنه صاحبُ الدعوة إلى التوحيد. وقد خَفِيَ ذلك على الإمام فنفى صحةً هذا الوجه (٣). وتكلَّف بعضُهم فقال: إنَّ تسبُّب الجزاء عن الشرط عليه باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم، فإنهم إذا أطبقوا على ذلك الزعم يكون النبي وَّر أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا محالة. وقيل: إن السببية باعتبار الإخبار والذِّكر نحو: إن تضربني فأنا لا أضربُك. وهو أولى مما قبله، والإنصاف أن الارتباط خفيٍّ لا يظهر إلا لمجاهد. وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يُسَمِّ أحداً منهم أن ((العابدين)) مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ - كفرح يفرح - إذا أَنِفَ من الشيء، ومنه قوله: وأَعبَدُ أن أهجو كُليباً بدارمِ (٤) (١) في تفسيره ٦٥٦/٢٠. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٣/٢، وتفسير الطبري ٦٥٤/٢٠. (٣) تفسير الرازي ٢٣١/٢٧. (٤) قائله الفرزدق، وليس في ديوانه، وهو في إصلاح المنطق ص٥٩، وتفسير القرطبي ١٩/ ٩٠، وصدره فيهما: أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم. وجاء بلفظ آخر عند غيرهما . سُورَةُ الزّزُف ٤٣٠ الآية : ٨١ وقول الآخر: متى ما يَشَأُ ذو الوُدِّ يصرِمْ خليلَه ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالما(١) أي: إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول الآنفين من الولد، أو من كونه لله سبحانه ونسبته له عز وجل. وروي نحو هذا عن ابن عباس؛ أخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: (فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَنِدِينَ) فقال: أنا أول من ينفرُ عن أن يكون لله تعالى وَلَد(٢). وأُيِّد ذلك بقراءة السُّلمي واليماني: ((العَبِدين))(٣) جمع عَبِد، كحَذِر وحَذِرين، وهو المعروف في معنى أَنِف، وقلَّما يقال فيه: عابد. ومن هنا ضغَّف ابن عرفة هذا الوجه؛ لِمَا فيه من استعمال ما قلَّ استعماله في کلامهم. وذكر الخليل في كتاب ((العين)) أنه قرئ: ((العَبْدين)) بسكون الباء(٤)، تخفيف ((العَبِدين)) بكسرها. وقال أبو حاتم: العَبِد - بكسر الباء - الشديد الغضب. وقال أبو عُبيدة: العرب تقول: عبدني حقِّي، أي: جَحَدني(٥) . وروي عن الحسن وابن زيد وزهير بن محمد - وهو رواية عن ابن عباس - وقتادة والسدي أيضاً: أن ((إن)) نافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أولُ مَن قال ذلك وعبد ووحَّد، و((كان)) عليه للاستمرار، والمقصود استمرارُ النفي لا نفي الاستمرار، والفاء للسببية. وتُعقّب بأنه خلافُ الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها، وزعم مكي أنه لا يجوز لإيهامه نفي الولد فيما مضى، وهو كما ترى. وقرأ عبد الله وابن وثاب وطلحة والأعمش، وحمزة والكسائي - كما قال القاضي(٦) -: ((وُلْد)) بضمِّ الواو وسكون اللام، جمع وَلد بفتحهما(٧). (١) البيت للمرقِّش الأصغر، وهو في المفضليات ص٢٤٦، والحماسة البصرية ٣٣/٢. (٢) الدر المنثور ٢٤/٦. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٧، والمحتسب ٢٥٧/٢. (٤) العين ٢/ ٥٠، والبحر المحيط ٢٨/٨. (٥) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٧٠٢. (٦) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٧/ ٤٥٣. (٧) البحر المحيط ٢٩/٨، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢. الآية : ٨٢ - ٨٤ ٤٣١ سُورَةُ الرَّحْىّ وَسُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبٍ اُلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ أي: عن وصفهم، أو ٨٢ الذي يصفونه به من کونه سبحانه له ولدٌ. وفي إضافة اسم الربِّ إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيهٌ على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت تحت مَلكوته تعالى وربوبيَّتْه عزَّ وجلَّ كيف يتوهّم أن يكون شيء منها جُزءاً منه سبحانه، وهو يُنافي وجوبَ الوجود. وفي تكرير ذلك الاسم الجليل تفخيمٌ لشأن العرش. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ فدعهم غيرَ ملتفت إليهم حيث لم يُذعنوا للحقِّ بعد ما سمعوا هذا البرهان الجليَّ ﴿يَخُوضُوا﴾ في أباطيلهم ﴿وَيَلْعَبُواْ﴾ في دنياهم، فإنَّ ما هم فيه من الأقوال والأفعال ليس إلا من باب الجهل، والجزم لجواب الأمر. ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ ﴾﴾ وهو يومُ القيامة عند الأكثرين. وعن عكرمة وجماعة أنه يوم بدر، وقد وُعدوا الهلاك فيه، وقريبٌ منه تفسيره بيوم الموت. وقيل: ينبغي تفسيره به دون يوم القيامة؛ لأنَّ الغايةَ للخوض واللَّعب إنما هو يوم الموت لانقطاعهما بالموت. وانتُصر للأكثرين بأنَّ يوم القيامة هو اليوم الموعود، وبه سُمِّي في لسان الشرع، وتفسيره بذاك مخالفٌ للمعروف ولِمَا بعدُ من ذكر الساعة، وما ذكر من أمر الانقطاع مدفوعٌ بأن الموت وما بعده في حكم القيامة، ولذا ورد: ((من مات فقد قامت قيامته))(١)، ومثله قد يُراد به الدلالة على طول المدة مع قطع النظر عن الانتهاء، فيقال: لا يزالُ في ضلالة إلى أن تقومَ القيامة. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو: ((يَلْقَوا)) مضارع لقي (٢). والآية قيل: منسوخة بآية السيف. ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ﴾ الظرفان متعلِّقان بـ((إله)) لأنه صفة بمعنى معبود، مِنْ أَلَهَ بمعنى عَبَدَ، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو إلهٌ، وذلك عائد الموصول، وحُذف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه. (١) أورده الديلمي في مسند الفردوس (١١١٧) عن أنس (٢) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٧٠/٢، والكلام من البحر المحيط ٢٩/٨. سُوْدَةُ الرّحْفُ ٤٣٢ الآية : ٨٤ وقال غير واحد: الجارُّ متعلّق بـ ((إله)) باعتبار ما ينبئ عنه من معنى المعبودية بالحق بناءً على اختصاصه بالمعبود بالحق، وهذا كتعلّق الجارِّ بالعَلم المُشتَهِر بصفة، نحو قولك: هو حاتمٌ في طيِّئ حاتمٌ في تغلب، وعلى هذا تُخرَّج قراءة عمر وعليٍّ وعبد الله وأُبيّ والحكم بن أبي العالي(١) وبلال بن أبي بُردة وابن يعمر وجابر وابن زيد(٢) وعمر بن عبد العزيز وأبو شيخ الهنائي وحُميد وابن مِقْسم وابن السَّمَيْفع: ((وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)) فيعلّق الجارُّ بالاسم الجليل باعتبار الوصف المُشتهِر به. واعتبر بعضُهم معنى الاستحقاق للعبادة، وعلَّل ذلك بأنَّ العبادة بالفعل لا تلزم. وجوِّز كون الجارّ والمجرور صلة الموصول، و((إله)) خبر مبتدأ محذوف أيضاً على أن الجملة بيانٌ للصلة، وأنَّ كونه سبحانه في السماء على سبيل الإلهية لا على معنى الاستقرار. واختير كون ((إله)) في هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف على كونه خبراً آخرَ للمبتدأ المذكور، أو بدلاً من الموصول، أو من ضميره بناءً على تجويزه؛ لأن إبدالَ النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا أفادت ما لم يُستفد أولاً كما هنا جائزٌ حسنٌ على ما قال أبو عليٍّ في ((الحجة)) لأن البيان هاهنا أتمُّ وأهمُّ، فلذا رجح مع ما فيه من التقدير، وحينئذ فلا فاصل أجنبي بين المتعاطفين، ولا يجوز كون الجارِّ والمجرور خبراً مقدَّماً، و((إله)) مبتدأ مؤخّراً؛ للزوم خلوِّ الجملة عن العائد مع فساد المعنى. وفي الآية نفي الآلهة السماوية والأرضية، واختصاص الإلهية به عزَّ وجلَّ لما فيها من تعريف طرفي الإسناد، والموصول في مثل ذلك كالمُعرَّف بالأداة. وللاعتناء بكلِّ من إلهيته تعالى في السماء وإلهيته عز وجل في الأرض، قيل ((وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ)) ولم يقل: وهو الذي في السماء وفي الأرض إلهٌ. أو: وهو الذي في السماء والأرض إلهٌ. وحديث الإعادة قيل: مما لا يجري هاهنا، لأن القاعدة أغلبية كأكثر قواعدِ العربية. (١) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٢٩/٨، وعنه نقل المصنف، والصواب: الحكم بن أبي العاصي، كما في المحرر الوجيز ٦٦/٥. (٢) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر، وفي المحرر: وجابر بن زيد. وهي في القراءات الشاذة ص١٣٦ عن علي وابن مسعود. الآية : ٨٥ ٤٣٣ سُورَةُ الْخْرُف وقال بعض الأفاضل: يجوز إجراء القاعدة فيه، والمغايرة بين الشيئين أعمُّ من أن تكون بالذات أو بالوصف والاعتبار، والمراد هنا الثاني. ولا شكَّ أن طريق عبادة أهل السماء له تعالى غير طريق عبادة أهل الأرض على ما يشهد به تتبع الآثار، فإذا كان ((إله)) بمعنى معبود كان معنى الآية أنه تعالى معبودٌ في السماء على وجه، ومعبود في الأرض على وجه آخر، وإن كان بمعنى التحيُّر فيه، فالتحيُّر في أهل السماء غير التحيُّر في أهل الأرض، فلا جرم تكون أطوارهم مخالفة لأطوارٍ أهل الأرض، ومن ذلك اختلافُ علومهم، فإن علومَ أهل الأرض إن كانت ضرورية فأكثرها مستندةٌ إلى الحسّ، وإن كانت نظرية كانت مكتسبة من النظر، فإذا انسدَّ طريق النظر والحِسِّ عَجَزوا وتحيَّروا، ولا كذلك أهلُ السماء لتنزُّههم عن الكسب والحسّ، فتحيُّرهم على نحو آخر، أو نقول: التحيُّر في إدراك ذاته تعالى وصفاته إنما ينشأ من مشاهدة آثار عظمته وكمال قُدرته سبحانه، ولا شك أن تلك الآثار في السماء أعظمُ من الآثار في الأرض. وعليه فيجوز أن يكون الإله بمعنى المتحيَّر فيه، ويكون مجازاً عن عظيم الشأن من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فيكون المعنى أنه تعالى عظيم الشأن في السماء على نحوٍ، وعظيم الشأن في الأرض على نحوٍ آخرَ. اهـ. ولا يخلو عن شيءٍ كما لا يخفى. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ كالدليل على النفي والاختصاص المشار إليهما، فإن من لا يتَّصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحقُّ الإلهية. ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ كالهواء ومخلوقات الجوِّ المشاهدة وغيرها ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: العلم بالساعة، أي: الزمان الذي تقوم القيامة فيه، فالمصدر مضافٌ لمفعوله، و((الساعة)) بمعناها اللغوي، وهو مقدار قليل من الزمان، ويجوز أن يُراد بها معناها الشرعيُّ، وهو يوم القيامة، والمحذورُ مندفعٌ بأدنى تأمُّل، وفي تقديم الخبر إشارةٌ إلى استئثاره تعالى بعلم ذلك. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء. والالتفات إلى الخطاب للتهديد. وقرأ الأكثر بياء الغيبة، والفعل في القراءتين مبنيٌّ للمفعول؛ وقرئ بفتح تاء الخطاب والبناء سُوَدَّةُ الْخْرُفِّ ٤٣٤ الآية : ٨٦ للفاعل(١). وقرئ: ((تحشرون)) بتاء الخطاب أيضاً، والبناء للمفعول(٢). ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: ولا يملك آلهتُهم الذين يدعونهم ﴿مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ﴾ كما زَعَموا أنهم شفعاؤهم عند الله عز وجل. وقرئ: (تَدْعون)) بتاء الخطاب والتخفيف، والسُّلمي وابن وثَّاب بها وشدّ الدال(٣). ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ الذي هو التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: يعلمونه، والجملة في موضع الحال، وقَيِّد بها؛ لأن الشهادةَ عن غير علم بالمشهود به لا يُعوَّل عليها، وجمع الضمير باعتبار معنى ((مَنْ)) كما أن الإفراد أولاً باعتبار لفظه، والمراد به الملائكة وعيسى وعُزير وأضرابهم صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. والاستثناء قيل: متصل إنْ أُريد بالذين يدعون من دونه كل ما يُعبد من دون الله عز وجل، ومنفصل إن أريد بذلك الأصنام فقط. وقيل: هو منفصلٌ مطلقاً، وعُلِّل بأن المرادَ نفي ملك الآلهة الباطلة الشفاعةَ للكفرة، ومَنْ شهد بالحقِّ منها لا يملك الشفاعةَ لهم أيضاً، وإنما يملك الشفاعة للمؤمنين، فكأنه قيل - على تقدير التعميم -: ولا يملك الذين يدعونهم من دون الله تعالى كائنين ما كانوا الشفاعةَ لهم، لكن مَنْ شهد بالحق يملك الشفاعة لمن شاء الله سبحانه من المؤمنين؛ فالكلام نظيرُ قولك: ما جاء القومُ إليَّ إلا زيداً جاء إلى عمرو. فتأمَّل. وقال مجاهد وغيره: المراد بمن شهد بالحقّ المشفوعُ فيهم. وجُعِلَ الاستثناء عليه متصلاً، والمستثنى منه محذوفاً، كأنه قيل: ولا يملك هؤلاء الملائكة وأضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحَّد عن إيقان وإخلاص، ومثله في حذف المستثنى منه قولُه: (١) قرأ بياء الغيبة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس، وقرأ الباقون بتاء الخطاب، ويعقوب على أصله في فتح حرف المضارعة وكسر الجيم. التيسير ص١٩٧، والنشر ٢/ ٣٧٠. (٢) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٩٨/٣. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٦، والدر المصون ٩/ ٦١١. الآية : ٨٧ - ٨٨ ٤٣٥ سُوَّةُ الرَّحْرُفُ ولم ينجُ إلا جَفْنَ سيفٍ ومِثْزرا(١) نجا سالم والنفس منه بِشِدْقهِ أي: ولم ينجُ شيء إلا جفن سيف. واستدل بالآية على أن العلم مما لا بدَّ منه في الشهادة دون المشاهدة. ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ أي: سألت العابدين أو المعبودين ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِتعذُّر المكابرة في ذلك من فرط ظهوره، ووجه قول المعبودين ذلك أظهرُ من أن يخفى. ﴿فَأَنَّى يُؤْقَّكُونَ ﴾﴾ فكيف يُصْرَفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره سبحانه ويُشركونه معه عز وجل مع إقرارهم بأنه تعالى خالقُهم، أو مع عِلْمهم بإقرار آلهتهم بذلك، والفاء جزائية، أي: إذا كان الأمر كذلك فأنَّى .. إلخ، والمراد التعُّب من إشراكهم مع ذلك. وقيل: المعنى: فكيف يُكذِّبون بعد علمهم بذلك؟! فهو تعجّب من عبادة غيره تعالى، وإنكارهم للتوحيد مع أنه مركوز في فطرتهم. وأيَّاما كان فهو متعلِّق بما قبله من التوحيد والإقرار بأنه تعالى هو الخالق. وأما كون المعنى: فكيف - أو أين - يصرفون عن التصديق بالبعث مع أنَّ الإعادةَ أهونُ من الإبداء، وجعله متعلقاً بأمر الساعة كما قيل، فيأباه السياق. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((تؤفكون)) بتاء الخطاب(٢). ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (®﴾ بجر ((قيله))، وهي قراءة عاصم وحمزة والسُّلمي وابن وثَّب والأعمش(٣). وقرأ الأعرج وأبو قلابة ومجاهد والحسن وقتادة ومسلم بن جندب برفعه، وهي قراءة شاذة(٤). وقرأ الجمهور بنصبه(٥). (١) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٢/٣، ومجالس ثعلب ص٤٥٦. (٢) القراءات الشاذة ص١٣٦. (٣) التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٧٠/٢ عن عاصم وحمزة، والكلام من البحر ٣٠/٨. (٤) القراءات الشاذة ص١٣٦. (٥) التيسير ص١٩٧، والنشر ٣٧٠/٢. ـرَةُ الرَّعْرُقِ ٤٣٦ الآية : ٨٨ واختلف في التخريج فقيل: الجرّ على عطفه على لفظ ((الساعة)) في قوله تعالى: ((وعنده علم الساعة)) أي: عنده علم قيله. والنصب على عطفه على محلّها لأنها في محلٌّ نصب بـ ((علم)) المضافِ إليها، فإنه كما قدَّمنا مصدر مضاف لمفعوله، فكأنه قيل: يعلم الساعةَ، ويعلم قيلَه. والرفع على عطفه على ((علم الساعة)) على حذف مضاف، والأصل: وعلم قيله، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه، ونُسب الوجه الأول لأبي عليٍّ، والثالث لابن جني، وجميع الأوجه للزجَّاج(١)، وضمير (قيله)) عليها للرسول ◌َّلر المفهوم من قوله تعالى: ((ولئن سألتهم)). والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد، والمنادى وما في حيِّزه مقولُ القول، والكلامُ خارجٌ مخرجَ التحسُّر والتحزُّن والتشكِّي من عدم إيمان أولئك القوم، وفي الإشارة إليهم بـ ((هؤلاء)) دون قوله: قومي ونحوه تحقيرٌ لهم وتبرِّ منهم لسوء حالهم، والمراد من إخباره تعالى بعلمه ذلك وعيدُه سبحانه إياهم. وقيل: الجرّ على إضمار حرف القَسَم، والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفاً، والرفع على نحو: لَعَمْركَ لأفعلنَّ، وإليه ذهب الزمخشري(٢). وجعل المقول ((يا رب)) وقوله سبحانه: ((إن هؤلاء)) إلخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة، وضمير ((قيله)) كما سبق. والكلام إخبارٌ منه تعالى أنهم لا يؤمنون، وإقسامه سبحانه عليه بقوله وَلجر: ((يا رب)) لرفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى، والواو عنده للعطف؛ أعني عطف الجملة القَسَمية على الجملة الشرطية، لكن لمَّا كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحلِّ عنها معنى العطف . وفيه أن الحذف الذي تضمَّنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كـ : عَمْرُكَ، وايْمُنُ الله، واضحُ الوجه على الأوجه الثلاثة، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا يخلو عن ضعف. وقيل: الجرّ على أن الواو واو القسم، والجواب محذوفٌ، أي: لَننصرتَّه، أو (١) الحجة لأبي علي الفارسي ١٥٩/٦، والمحتسب ٢٥٨/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤٢١/٤. (٢) الكشاف ٤٩٨/٣. الآية : ٨٨ ٤٣٧ سُورَةُ الرّحْرُو لَنْفعلَنَّ بهم ما نشاء. حكاه في ((البحر))(١)، وهو كما ترى. وقيل: النصب على العطف على مفعول ((يكتبون)) المحذوف، أي: يكتبون أقوالهم وأفعالهم وقیله: يا رب .. إلخ. وليس بشيء. وقيل: هو على العطف على مفعول ((يعلمون)) أعني: الحقّ، أي: يعلمون الحقَّ وقيله .. إلخ. وهو قولٌ لا يكاد يعقل. وعن الأخفش أنه على العطف على ((سرَّهم ونجواهم))، ورُدَّ بأنه ليس بقويٌّ في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضاً ومع تنافر النَّظم. وتُعُقِّب أن ما ذُكر من الفصل ظاهر، وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغيرُ مُسلَّم؛ لأن تقديره: أم يحسبون أنا لا نسمع سرَّهم ونجواهم وأنا لا نسمع قِيلَه ... إلخ. وهو منتظمٌ أتمَّ انتظام. وعنه أيضاً أنه على إضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية، والتقدير: قال قيله، ويُؤَيِّده قراءةُ ابن مسعود: ((وقال الرسول))(٢)، والجملة معطوفة على ما قبلها. ورُدَّ بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله، وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى: ((فاصفح)) به. وقال العلامة الطيبي في توجيهه: إن قوله تعالى: ((ولئن سألتهم)) تقديره: وقلنا لك: ولئن سألتهم .. إلخ، وقلت: ((يا رب)) يأساً من إيمانهم، وإنما جعل غائباً على طريق الالتفات، لأنه كأنه وَّله فاقدٌ نفسه للتحزُّن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده. وقيل: الواو على هذا الوجه للحال، و((قال)) بتقدير ((قد))، والجملة حالية، أي: فأنى يُؤْفَكون وقد قال الرسول يا رب .. إلخ. وحاصلُه: فأنى يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والسلام إصرارهم على الكفر. وهو خلاف الظاهر. وقيل: الرفع على الابتداء، والخبر ((يا رب)) إلى ((لا يؤمنون)) أو هو محذوف، أي: مسموع، أو متقبَّل، فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بـ ((قيله))، والجملة حال أو معطوفة، ولا يخفى ما في ذلك. (١) البحر المحيط ٣٠/٨. (٢) في القراءات الشاذة ص١٣٧: ((فقال يا رب)). ولم ينسبها لأحد. ٤٣٨ الآية : ٨٩ والأَوْجَهُ عندي ما نُسب إلى الزجاج، والاعتراض عليه بالفصل هينٌ، وبضعف المعنى والتنافرٍ غيرُ مُسلِّم، ففي ((الكشف)» بعد ذكر تخريج الزجاج الجرّ: إن الفاصلَ أعني من قوله تعالى: ((وإليه ترجعون)) إلى ((يؤفكون)) يصلحُ اعتراضاً، لأن قوله سبحانه: ((وعنده علم الساعة)) مرتبطٌ بقوله تعالى: ((حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون)) على ما لا يخفى، والكلام مسوقٌ للوعيد البالغ بقوله تعالى: ((وإليه ترجعون)) إلى قوله عز وجل: ((وهم يعلمون)) متصل بقوله تعالى: ((وعنده علم الساعة)) اتصال العصا بلحاها. وقوله تعالى: ((ولئن سألتهم)) خطابٌ لمن يتأتى منه السؤال، تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أُوعدوه لعنادهم البالغ، ومنه يظهر وقوعُ التعجب في قوله سبحانه: ((فأنى يؤفكون))، وعلى هذا ظهر ارتباطُ: وعلم قِيلِه، بقوله تعالى: ((وعنده علم الساعة)) وأن الفاصل متصلٌ بهما اتصالاً يجلُّ موقعه. ومن هذا التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن، ولك أن تُرجِّحه على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين، وأنَّ حَمْلَ ((ولئن سألتهم)» على الخطاب المتروك إلى غير معيَّن أوفقُ بالمقام من حمله على خطابه عليه الصلاة والسلام، وسلامته من إضمار القول قبل قوله تعالى: ((ولئن سألتهم)) مع أن السياقَ غيرُ ظاهر الدلالة عليه. اهـ، وهو أحسن ما رأيته للمفسِّرين في هذا المقام. وقرأ أبو قلابة: ((يا ربَّ)) بفتح الباء (١)، ووجهه ظاهر(٢). ﴿فَأَصْفَحْ﴾ فَأَعْرِضْ ﴿عَنْهُمْ﴾ ولا تطمع في إيمانهم. وأصلُ الصَّفح: ليُّ صفحة العُنق، فكنى به عن الإعراض. ﴿وَقُلْ﴾ لهم: ﴿سَلَمْ﴾ أي: أمري سلامٌ، أي: تَسلِّمُ منكم ومتاركة، فليس ذلك أمراً بالسلام عليهم والتحية، وإنما هو أمر بالمتاركة، وحاصله: إذا أَبيتم القَبول، فأمري التسلّم منكم. واستدلَّ بعضهم بذلك على جواز السلام على الكُفَّار وابتدائهم بالتحية؛ أخرج ابن أبي شيبة عن شعيب بن الحبحاب قال: كنت مع (١) المحرر الوجيز ٦٧/٥، وتفسير القرطبي ١٩/ ٩٧. (٢) وهو قَلْبُ الياء ألفاً، ثم حذفُها اجتزاءً عنها بالفتحة. الدر المصون ٩/ ٦١٣. الآية : ٨٩ ٤٣٩ سُؤَدَّةُ الَّخْرُفّ عليّ بن عبد الله البارقي فمرَّ علينا يهوديٌّ أو نصراني، فسلّم عليه، قال شعيب: فقلت: إنه يهوديٌّ أو نصراني. فقرأ عليَّ آخرَ سورة الزخرف: ((وقيله يا ربّ)» إلى الآخر(١). وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن عون بن عبد الله أنه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: كيف تقول أنت في ابتداء أهل الذِّمة بالسلام؟ فقال: ما أرى بأساً أن نبتدئهم. قلت: لِمَ ؟ قال: لقوله تعالى: (فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ)(٢). ومما ذكرنا يُعلم ضَعْفُه. وقال السدي: المعنى: قل خيراً بدلاً من شرِّهم. وقال مقاتل: اردُدْ عليهم معروفاً. وحكى الماوردي(٣): أي: قل ما تَسْلَمُ به من شَرِّهم. والكلُّ كما ترى، والحقُّ ما قَدَّمنا. حالَهم السيئة وإنْ تأخّر ذلك، وهو وعيدٌ من الله سبحانه ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ لهم وتسليةٌ لرسوله وَلـ وقرأ أبو جعفر والحسن والأعرج ونافع وهشام: ((تعلمون)) بتاء الخطاب(٤) على أنه داخلٌ في حيِّز ((قل)). وإنْ أُريد من الآية الكَفُّ عن القتال فهي منسوخةٌ، وإنْ أُريد الكَفُّ عن مقابلتهم بالكلام فليست بمنسوخة، والله تعالى أعلم. (١) الدر المنثور ٢٤/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٦٥٦. (٢) الدر المنثور ٢٤/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٦٢٧/٨، ولفظه: عن عبد الله بن عون قال: سأل محمد بن كعب عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم، فقلت: وكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم، قلت: ولم؟ قال: لقول الله: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَنْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . (٣) النكت والعيون ٢٤٣/٥ . (٤) وقرأ بالتاء أيضاً ابن ذكوان. التيسير ص ١٩٧، والنشر ٢/ ٣٧٠. سُورَةُ اللّخَّان ـا، واستُثْنِيَ بعضُ قوله تعالى: مكية كما رُوي عن ابن عباس وابن الزبير , ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُرُ عَيِدُونَ﴾ [الآية: ١٥]. وآيها كما قال الدانيُّ: تسعٌ وخمسون في الكوفي وسبعٌ في البصري وستٍّ في عَدَد الباقين(١). واختلافُها على ما في ((مجمع البيان))(٢) أربع آيات: ﴿حمّ﴾ و﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الآية: ٣٤] كوفيّ. ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الآية: ٤٣] عراقي شامي والمدني الأول. ﴿فِى الْبُطُونِ﴾ [الآية: ٤٥] عراقي مكّي والمدني الأخير. ووجهُ مناسبتها لما قبلها أنه عز وجل ختم ما قبلُ بالوعيد والتهديد، وافتتح هذه بشيء من الإنذار الشديد، وذكر سبحانه هناك قولَ الرسول وَّهِ: ﴿يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌّ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] وهنا نظيره فيما حكى عن أخيه موسى عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَتُؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] وأيضاً ذكر فيما تقدَّم ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ﴾ [الزخرف: ٨٩] وحكى سبحانه عن موسى عليه وَإِن لَّْ نُؤْمِنُواْ لِ فَاعْتِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١-٢٠] ٢٠ السلام ﴿وَإِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَّجُونِ وهو قريبٌ من قريب إلى غير ذلك. وهي إحدى النظائر التي كان يُصلِّي بهنّ رسولُ الله ◌َله كما أخرج الطبراني عن ابن مسعود ((الذاريات)) و((الطور)) و((النجم)) و((اقتربت)) و((الرحمن)) و((الواقعة)) و((نون)) و((الحاقة)) و((المزمل)) و((لا أقسم بيوم القيامة)) و((هل أتى على الإنسان)) و((المرسلات)) و((عم يتساءلون)) و((النازعات)) و((عبس)) و((ويل للمطففين)) و((إذا الشمس كورت)) و((الدخان))(٣). (١) البيان في عدِّ آي القرآن للداني ص ٢٢٥، وحاشية الشهاب ٢/٨. (٢) ٢٥ /١٠٥. (٣) معجم الطبراني الكبير (٩٨٦١)، وأخرجه البخاري (٧٧٥) و(٥٠٤٣)، ومسلم (٨٢٢)