النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ٣٨
٣٨١
سُورَةُ الرّحْقُ
المعنى، وهو أولى من عَوْدِ ضمير ((إنهم)) على الشيطان كما ذهب إليه ابن عطية(١)
التناسق الضمائر في ((إنهم)) وما بعده، فلا تَغْفُل.
﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ المُستبين الذي يدعو إليه ذكرُ الرحمن.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون ﴿أَنَهُمُ﴾ أي: الشياطين ﴿مُهْتَدُونَ ﴾ أي: إلى
ذلك السبيل الحقِّ، وإلا لَمَا اتَّبعوهم، أو: ويحسبُ العاشون أنَّ أنفسهم مهتدون،
فإنَّ اعتقادَ كون الشياطين مُهتدين مستلزمٌ لاعتقاد كونهم كذلك، لاتِّحاد مَسْلَكهما.
والظاهر أنَّ أبا حيان يختار هذا الوجه للتناسق أيضاً .
والجملة حالٌ من مفعول ((يصدون)) بتقدير المبتدأ، أَوْ من فاعله، أو منهما
لاشتمالها على ضميريهما، أي: وإنهم ليَصدُّونهم عن الطريق الحقّ وهم يحسبون
أنهم مهتدون إليه.
وصيغةُ المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجدُّدي لقوله
تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَءَنَا﴾ فإنَّ ((حتى)) وإن كانت ابتدائيةً داخلةً على الجملة الشرطية
لكنها تقتضي حتماً أن تكون غايةً لأمر مُمتدٍّ، وأُفرد الضمير في جاء وما بعده لما أنَّ
المرادَ حكايةُ مقالة كلِّ واحدٍ من العاشين لِقرينه لِتهويلِ الأمر وتفظيع الحال،
والمعنى: يستمرُّ أمرُ العاشين على ما ذُكر حتى إذا جاءنا كلُّ واحد منهم مع قرينه
يومَ القيامة ﴿قَالَ﴾ مُخاطباً له: ﴿يَتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ﴾ أي: في الدنيا، وقيل: في
الآخرة ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بُعدَ كلٍّ منهما من الآخر. والمرادُ بهما المشرقُ
والمغرب، كما اختاره الزجاج والفراء (٢) وغيرهما، لكن غُلِّب المشرق على المغرب
وثُنّا كالمَوْصلين لِلمَوْصل والجزيرة، وأُضيف البُعد إليهما، والأصل: بُعْدَ المشرقِ
من المغرب، والمغربٍ من المشرق، وإنما اختصر هذا المبسوط لِعدم الإلباس؛ إذ
لا خَفاء أنه لا يُراد بُعْدُهما من شيء واحد؛ لأنَّ البُعدَ من أحدهما قُربٌ من
الآخر، ولأنهما مُتقابلان، فَبُعد أحدِهما من الآخر مَثَلُ في غاية البعد لا بعدهما
عن شيء آخر. وإشعارُ السِّياق بالمبالغة لا يُنكر، فلا لبس من هذا الوجه أيضاً.
(١) المحرر الوجيز ٥٥/٥ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤١٢/٤، وللفراء ٣٣/٣.

سُوَّةُ الرّحْزُق
٣٨٢
الآية : ٣٩
وقال ابن السائب: لا تغليب، والمرادُ مشرقُ الشمس في أقصر يوم من السنة،
ومشرقُها في أطول يوم منها.
﴿فَبِتْسَ الْقَرِيْنُ ﴾ أي: أنت، وقيل: أي: هو، على أنه من كلامه تعالى.
وهو كما ترى.
وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو بكر والحرميان وقتادة والزهري والجحدري:
((جاءانا)) على التثنية(١)، أي: العاشي والقرين. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمْ﴾ إلخ
حكايةٌ لما سيُقال لهم حينئذ من جهة الله عز وجل توبيخاً وتقريعاً، وفاعل ((ينفعكم))
ضميرٌ مستتر يعودُ على ما يُفهم مما قبلُ، أي: لن ينفعَكم هو، أي: تمنِّيكم
لِمُباعدتهم أو الندم أو القول المذكور.
﴿أَلْيَوْمَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِذ ◌َظَلَمْتُمْ﴾ بدل من ((اليوم)»، أي: إذْ تبيَّن أنَّكم
ظَلَمْتم في الدنيا، قاله غير واحد، وفُسِّر ذلك بالتبيُّن، قيل: لئلا يُشكل جعلُه - وهو
ماض - بدلاً من ((اليوم)) وهو مستقبل؛ لأن تَبيُّنَ كونهم ظالمين عند أنفسهم إنما
يكون يومَ القيامة، فاليوم وزمان التبيُّن مُتَّحدان، وهذا كقوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (٢)
وأُورد عليه أن السؤالَ عائدٌ؛ لأن ((إذا ظرفٌ لما مضى من الزمان، ولا يخرجُ
عن ذلك باعتبار التبيُّن. وتفصَّى بعضهم عن الإشكال بأن ((إذا قد تخرج من المُضِي
إلى الاستقبال على ما ذهب إليه جماعةٌ منهم ابنُ مالك مُحتجّاً بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ * إِذِ اَلْأَظَلُ﴾ [غافر: ٧٠ -٧١] وإلى الحال كما ذهب إليه بعضُهم محتجّاً بقوله
سبحانه: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]
فلتكن هنا للاستقبال، وأهلُ العربية يُضَعِّفون دعوى خروجها من المضي.
وقال الجلبي: لعل الأظهرَ حَمْلُها على التعليل فيتعلَّق بالنفي، فقد قال سيبويه :
إنها بمعنى التعليل حرفٌ بمنزلة لام العلة، نعم أنكر الجمهورُ هذا القِسْمَ لكنَّ إثبات
(١) وقرأ بها ابن عامر أيضاً. التيسير ص١٩٦، والنشر ٣٦٩/٢.
(٢) سلف ص٣١٤ من هذا الجزء.
١

الآية : ٣٩
٣٨٣
سُورَةُ الْخَرُفِ
سيبويه إياه يكفي حُجَّة؛ فإنَّ القولَ ما قالت حَذامٍ.
وتُعقّب بأنه لا يكفي في تخريج كلام الله سبحانه إثباتُ سيبويه وحدَه مع إطباق
جميع أئمة العربية على خلافه، وأيضاً تعليلُ النفي بعدُ يُبعده.
وقال أبو حيان: لا يجوز البدل على بقاء ((إذ)) على موضوعها من كونها ظرفاً
لما مضى من الزمان، فإنْ جُعلتْ لمطلق الوقت جاز (١). ولا يخفى أن ذلك مجازٌ،
فهل تكفي البدلية قرينةً له، فإن كَفَتْ فذاك.
وقال ابن جني (٢): راجعتُ أبا عليٍّ في هذه المسألة - يعني الإبدال
المذكور - مراراً، وآخر ما تحضَّل منه أنَّ الدنيا والآخرة مثَّصلتان، وهما سواءٌ في
حُكمِ الله سبحانه وعِلْمِهِ جل شأنه إذْ لا يجري عليه عز وجل زمانٌ، فكأن ((إذ))
مستقبل أو ((اليوم)) ماضٍ فصحَّ ذلك، ورُدَّ بأن المُعتبر حال الحكاية، والكلامُ فيها
واردٌ على ما تعارفه العرب، ولولاه لَسُدَّ بابُ النكات، ولَغَت الاعتباراتُ في
العبارات، ومثله غنيٌّ عن البيان.
وقال أبو البقاء(٣): التقديرُ: بعد إذْ ظلمتُم. فَحُذفَ المُضاف للعلم به.
وقال الحوفي: ((إذ)) متعلّقة بما دلَّ عليه المعنى، كأنه قيل: ولن ينفعكم اليومَ
اجتماعُكم إذْ ظلمتُم، مثلاً .
ومن الناس من استشكل الآيةَ من حيث إن فيها إعمالَ ((ينفعكم)) الدالّ على
الاستقبال لاقترانه بـ (لن)) في ((اليوم))، وهو الزمانُ الحاضر، و((إذ)) وهو للزمان
الماضي، وأُجيب بأنه يدفع الثاني بما قدَّروه من التبيُّن لأنَّ تبيُّنَ الحال يكون في
الاستقبال، والأول بأنَّ ((اليوم)) تعريفُه للعهد، وهو يومُ القيامة، لا للحضور
کتعریف الآن وإن كان نوعاً منه.
وقيل: يُدفع بأنَّ الاستقبالَ بالنسبة إلى وقت الخطاب، وهو بعضُ أوقات
اليوم. وهو كما ترى، فتأمَّل ولا تَغْفُل.
(١) البحر المحيط ١٧/٨.
(٢) الخصائص ٢/ ١٧٢.
(٣) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣٠٢/٤.

سُوَّةُ الرَّحْفُ
٣٨٤
الآية : ٣٩
تعليلٌ لنفي النفع، أي: لأنَّ
وقوله تعالى: ﴿أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ ◌َا ﴾
حقَّكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مُشتركين في سببه في الدنيا.
وجوِّز أن يكون الفعلُ مُسنداً إليه، أي: لن ينفعكم كونُكم مشتركين في العذاب
كما ينفع الواقعين في الأمر الصَّعب اشتراكُهم فيه لتعاونهم في تحمُّل أعبائه
وتقسُّمهم لِشدَّته وعَنائه، وذلك أن كلَّ واحدٍ منكم به من العذاب ما لا تبلُغه طاقته.
أو: لن ينفعَكم ذلك من حيث التأسِّي، فإن المكروبَ يتأسَّى ويتروَّح بوجدان
المُشارك، وهو الذي عنته الخنساء بقولها :
وأَذِكُره بكلِّ مَغيبٍ شمسٍ
يُذَكِّرني طلوعُ الشمس صخراً
على إخوانهم لَقتلتُ نفسي
ولولا كَثرةُ الباكين حولي
أُعزِّي النفسَ عنه بالتأسّي(١)
وما يبكون مثلَ أخي ولكن
فهؤلاء لا يؤسِّيهم (٢) اشتراكُهم ولا يُروِّحهم؛ لِعِظَم ما هم فيه.
أو: لن ينفعكم ذلك من حيث التشفِّي، أي: لن يحصل لكم التشفِّي بكون
قرنائكم مُعذّبين مِثْلكم حيث كنتم تدَّعون عليهم بقولكم: ﴿رَبَّنَاْ ءَِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ
الْعَذَابِ وَآلْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨] وقولكم: ﴿فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾
لتَتَشفوا بذلك.
[الأعراف: ٣٨]
واعتُرض على الوجه الأول من هذه الأوجه الثلاثة بأنَّ الانتفاعَ بالتعاون في
تحمُّل أعباء العذاب ليس ما يخطر ببالهم حتى يُرَدَّ عليهم بنفيه.
وأُجيب بأنه غيرُ بعيدٍ أن يخطُر ذلك ببالهم؛ لمكان المُقارنة والصُّحبة، والغريق
يَتَشبَّثُ بالحشيش، والظمآنُ يحسب السرابَ شراباً .
وقرأ ابنُ عامر: ((إنكم)) بكسر الهمزة(٣)، وهو يقوي ما ذُكر أولاً من إضمار
(١) ديوان الخنساء ص ٨٤ -٨٥ .
(٢) في (م): يؤسيهم. بدون ((لا)).
(٣) ذكرها الداني في جامع البيان ٢/ ٤٠١ من رواية التغلبي عن ابن ذكوان، والقراءة المشهورة
عن ابن عامر بفتح الهمزة.

الآية : ٤٠ - ٤٢
٣٨٥
سُورَةُ الرَّحْزُقّ
الفاعل، وتقدير اللام في ((أنكم)) معنى ولفظاً، لأنه لا يُمكن أن يكونَ فاعلاً فيتعيّن
الإضمارُ، ولأنَّ الجملةَ عليها تكون استئنافاً تعليليّاً فيناسب تقدير اللام لِتتوافقَ
القراءتان.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ القُوَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ إنكارُ تعجيب من أن
يكون 8* هو الذي يقدر على هدايتهم، وهم قد تمرَّنوا في الكُفر واعتادوه،
واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم من العَشَا عمّى مقروناً بالصَّمم.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَلٍ تُبِينٍ ﴾﴾ عطفٌ على العَمى باعتبار تغاير
الوَصْفين - أَعني العمَى والضلال - بحسب المفهوم وإن اتَّحدا مآلاً، ومدارُ الإنكار
هو التمكُّن والاستقرار في الضلال المُفرِط الذي لا يخفى، لا تَوهُّمُ القصور منه
عليه الصلاة والسلام، ففيه رمزٌ إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده
بالقَسْر والإلجاء، وقد كان ◌َ﴿ يُبالغ في المُجاهدة في دُعاء قومه وهم لا يَزِيدون
إلا غيّاً وتعامِياً عما يُشاهدونه من شواهد النبوة، وتصامّاً عما يسمعونه من بَيِّنات
القرآن، فنزلت ((أفأنت)) إلخ.
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فإنْ قبضناك قبل أن نُبصِّرك عذابَهم، ونَشفي بذلك صدرَك
وصُدورَ المؤمنين ﴿فَإِنَّا مِنْهُم مُّنْكَفِّمُونَ ﴾﴾ لا محالةَ في الدنيا والآخرة، واقتصر
بعضُهم على عذاب الآخرة؛ لقوله تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿أَوْ نَتَوَفَِّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾
[غافر: ٧٧] والقرآن يُفسِّر بعضُه بعضاً، وما ذكرنا أتمُّ فائدةً وأوفقُ بإطلاق الانتقام،
وأما تلك الآيةُ فليس فيها ذِكرُه.
و((ما)) مَزِيدة للتأكيد، وهي بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكّدة.
﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْتَهُمْ﴾ أي: أو أردنا أن نُريك العذابَ الذي وعدناهم ﴿فَإنَّا
عَلَيْهِم ◌ُقْتَدِرُونَ ﴾﴾ بحيث لا مَناصَ لهم من تحت مُلكنا وقَهْرنا، واعتبارُ الإرادة
لأنها أنسبُ بذِكْر الاقتدار بعد، وفي التعبير بالوَعْد وهو سبحانه لا يُخلف المِعياد
إشارةٌ إلى أنه هو الواقع، وهكذا كان إذْ لم يُفلتْ أحدٌ من صناديدهم في بدر
وغيرها إلا مَنْ تحصَّن بالإيمان.

سُورَةُ الرَّحْزُقُ
٣٨٦
الآية : ٤٣ - ٤٤
وقرىء: (نُرِيَنْكَ)) بالنون الخفيفة(١).
، تسلية له وَل﴾ وأمرٌ له
٤٣
﴿فَأَسْتَمْسِكَ بِالَّذِىّ أُوْحِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
عليه الصلاة والسلام أو لأُمته بالدوام على التمسُّك بالآياتِ والعمل بها، والفاء في
جواب شرط مُقدَّر، أي: إذا كان أحدُ هذين الأمرين واقعاً لا محالةَ فاستمسِكْ
بالذي أوحيناه إليك، وقوله تعالى: ((إنك)) إلخ تعليلٌ للاستمساك أو للأمر به.
وقرأ بعضُ قُرَّاء الشام: (أُوْحِيْ)) بإسكان اللام(٢)، وقرأ الضخَّاك: ((أَوحِى))
مَبنِيّاً للفاعل(٣) .
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ما أُوحي إليك، والمراد به القرآن ﴿لَذِكْرٌ﴾ لَشَرِفٌ عظيمٌ ﴿لَّكَ
وَلِقَوْمِكٌ﴾ هم قريشٌ على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.
وأخرج ابن عدي وابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس ضه
قالا: كان رسول الله وَّهَ يعرضُ نَفْسَه على القبائل بمكة ويَعِدُهم الظُّهور، فإذا
قالوا: لمن المُلك بعدَك؟ أمسكَ فلم يُجبهم بشيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم
يُؤمر في ذلك بشيء، حتى نزلت: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ) فكانِ نَِّ بعدُ إذا سُئل
قال: ((لقريش)) فلا يُجيبونه حتى قَبِلته الأنصارُ على ذلك(٤).
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عَدِي بن حاتم قال: كنتُ قاعداً عند
رسول الله ﴿﴿ فقال: ((ألا إنَّ الله تعالى عَلِمَ ما في قلبي من حبِّي لقومي فبشَّرني
فيهم فقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمٌِ) الآية، فجعل الذِّكر والشَّرف لقومي في
كتابه))، الحديث، وفيه: ((فالحمد لله الذي جعلَ الصِّدِّيقَ من قومي والشهيدَ من
قومي، إنَّ الله تعالى قلبَ العبادَ ظهراً ويَظْناً، فكان خيرَ العرب قريشٌ، وهي
الشجرةُ المباركةُ)) إلى أنْ قال عَدِي: ما رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّر ذُكر عنده قريش بخير
قظٌ إلا سرَّه، حتى يتبيَّن ذلك السرور في وجهه للناس كُلُّهم، وكان عليه الصلاة
(١) البحر ١٨/٨، وقرأ بها يعقوب في رواية رويس. النشر ٢٤٦/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣٧ .
(٣) البحر المحيط ١٨/٨.
(٤) الدر المنثور ١٨/٦.

الآية : ٤٥
٣٨٧
سُورَةُ الْخَرُوْ
والسلام كثيراً ما يتلو هذه الآية: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمٌِ) إلخ(١).
وقيل: هم العربُ مطلقاً لما أن القرآن نزل بلغتهم، ثم يختصُّ بذلك الشرف
الأخصُّ فالأخصُّ منهم حتى يكونَ الشرفُ لِقريش أكثرَ من غيرهم، ثم لبني هاشم
أكثرَ مما يكون لسائر قريش.
وفي روايةٍ عن قتادة: هم من اتَّبعه وَِّ من أمته.
وقال الحسن: هم الأُمة، والمعنى: وإنه لَتذكرةٌ وموعظةٌ لك ولأُمَّتك.
والأرجحُ عندي القولُ الأول.
﴿وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ ﴾﴾ يومَ القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه. وقال الحسن
والكلبي والزجاج: تُسألون عن شُكر ما جعله الله تعالى لكم من الشَّرف، قيل: إنّ
هذه الآية تدلُّ على أنَّ الإنسانَ يرغب في الثناء الحسن والذِّكرِ الجميل، إذْ لو لم
يكن ذلك مرغوباً فيه ما امتنَّ الله تعالى به على رسوله وََّ، والذِّكر الجميل قائمٌ
مقام الحياة، ولذا قيل: ذِكْر الفتى عمره الثاني، وقال ابن دُرید:
وإنما المرءُ حديثٌ بعدَه فكن حديثاً حسناً لمن وعى(٢)
وقال آخر:
طِيْبُ ما يبقى من الخبر (٣)
إنما الدنيا محاسنها
ويُحكى أنَّ الطاغيةَ هلاكو سأل أصحابَه: من المَلِك؟ فقالوا له: أنت الذي
دوَّخْت البلادَ ومَلَكْتَ الأرضَ وطاعَتْك الملوك - وكان المُؤذِّن إذْ ذاك يُؤْذِّن - فقال:
لا ، المَلِكُ هذا الذي له أَزْيَدُ من ستُّ مئة سنة قَدْ مات وهو يُذكر على المآذن في
كلِّ يوم وليلة خمسَ مرات. يريدُ محمداً رسول الله وَلفت.
﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَّآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةُّ يُعْبَدُونَ
٤٥
أي: هل حكمنا بعبادة غيرِ الله سبحانه، وهل جاءت في مِلَّة من مِلَلِ المُرسَلين
(١) الدر المنثور ١٨/٦-١٩، والمعجم الكبير للطبراني ٨٦/١٧-٨٧ مطولاً، وفي إسناده
حصين بن مخارق السلولي أبو جنادة. متهم بالكذب، كما في ميزان الاعتدال ٤/ ٥١١.
(٢) مقصورة ابن دريد بشرح التبريزي ص١٨٥ .
(٣) البحر المحيط ٤٤٦/١ و١٨/٨ دون نسبة.

سُوَّةُ الرّحْزُقُ،
٣٨٨
الآية : ٤٥
عليهم السلام؟ والمرادُ الاستشهادُ بإجماع المُرسلين على التوحيد، والتنبيهُ على أنه
ليس بِبِذْعِ ابتدعه بَّر حتى يُكذَّب ويُعادى له. والكلام بتقدير مضافٍ، أي: واسأل
أُممَ مَن أرسلنا، أو على جَعْل سؤال الأُمم بمنزلة سؤال المرسلين إليهم؛ قال
الفراء (١): هم إنما يُخبرون عن كُتب الرسل، فإذا سألهم عليه الصلاة والسلام فكأنه
سأل المُرسلين عليهم السلام.
وعلى الوجهين المسؤولُ الأُمم، ورُوي ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة
والسدي وعطاء، وهو رواية عن ابن عباس أيضاً.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال: في بعض القراءات: ((وأسأل مَنْ
أَرسلنا إليهم رُسُلَنَا قَبْلَك))(٢).
وأخرج هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان عبد الله يقرأ: ((واسأل
الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا)) وعن ابن مسعود أنه قرأ: ((وأسأل الذين يقرؤون
الكتاب من قبلُ مؤمني أهل الكتاب))(٣)
وجعل بعضُهم السؤالَ مجازاً عن النظر والفحص عن مِللهم كما (٤) في سؤال
الديار والأطلال ونحوها من قولهم: سَلِ الأرضَ مَنْ شَقَّ أنهاركِ وغَرَسَ أشجارَكِ
وجَنَی ثمارَك.
وروي عن ابن عباس أيضاً وابن جُبير والزهري وابن زيد أنَّ الكلام على
ظاهره، وأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك ليلةَ الإسراء حين جُمع له الأنبياءُ
في البيت المَقْدس، فأمَّهم، ولم يَسْألهم عليه الصلاة والسلام إذْ لم يكن في
شكِّ(٥).
(١) معاني القرآن ٣٤/٣.
(٢) الدر المنثور ١٩/٦، وأخرجه الطبري ٦٠٤/٢٠.
(٣) الدر المنثور ١٩/٦، وأخرج القراءتين الطبري ٦٠٤/٢٠-٦٠٥.
(٤) قوله: كما، ليس في (م).
(٥) أخرجه الطبري ٦٠٥/٢٠ عن ابن زيد، وينظر تفسير البغوي ١٤١/٤، وتفسير القرطبي
٥٤/١٩.

الآية : ٤٦
٣٨٩
سُورَةُ الرّحْزُقْ
وفي بعض الآثار أن ميكال قال لجبريل عليهما السلام: هل سأل محمدٌ وَاه
عن ذلك؟ فقال: هو أعظمُ يقيناً وأوثقُ إيماناً من أن يسأل.
وتُعقِّب هذا القولُ بأنَّ المرادَ بهذا السؤال إلزامُ المشركين وهم مُنكرون
الإسراء. وللبحث فيه مجال.
والخطابُ على جميع ما سمعتَ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام.
وفي ((البحر)): الذي يظهر أنه خِطابٌ للسامع الذي يريدُ أن يفحصَ عن
الدِّيانات، قيل له: اسأل أيُّها الناظرُ أتباعَ الرُّسل أجاءتْ رُسلهم بعبادة غيرِ الله عز
وجل، فإنهم يُخبرونك أنَّ ذلك لم يَقَعْ، ولا يُمكن أن يأتُوا به(١). ولَعمري إنه
خِلافُ الظاهر جدّاً.
ومما يقضى منه العَجَب ما قيل: إنَّ المعنى: واسألني - أَوْ: واسألنا - عن مَنْ
أرسلنا، وعُلّق ((اسأل))، فارتفع ((مَنْ)) وهو اسمُ استفهام على الابتداء، ((وأرسلنا))
خبرهُ، والجُملة في موضع نصب بـ ((اسأل)) بعد إسقاط الخافض، كأن سؤاله: مَنْ
أَرْسَلتَ يا ربّ قبلي مِنْ رُسُلكَ، أجعلتَ في رسالته آلهةً تُعبد؟ ثم ساق السؤالَ
فحكى المعنى، فردَّ الخطاب إلى النبي ◌َّ في قوله تعالى: ((من قبلك)). انتهى.
واسأل مَنْ قرأ أبا جاد: أَيَرْضَى بهذا الكلام، ويَسْتَحْسِنُ تفسير كلام الله تعالى
المجيد بذلك؟
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَئِنَا﴾ ملتبساً بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِنْهِ﴾ أشراف قومهِ،
وخُصُّوا بالذِّكر لأن غيرهم تَبَعٌ ﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿إِنِ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ إليكم؛
وأُرِيدَ باقتصاص ذلك تسليةُ رسول الله وَّهِ وإبطالُ قولهم: (لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى
رَجُلٍ مِّنَ الْفَرْيَتَيِّ عَظِيمٍ) لأنَّ موسی علیه السلام مع عدم زخارف الدنيا لديه، كان له
مع فرعون وهو مَلِكٌ جبَّارٌ ما كان، وقد أيَّده الله سبحانه بوحيه وما أُنزل عليه،
والاستشهادُ بدعوته عليه السلام إلى التوحيد إثر ما أُشير إليه من إجماع جميع
الرُّسل عليهم السلام عليه، ويُعلم من ذلك وجهُ مناسبة الآياتِ لما قبلها.
(١) البحر المحيط ١٩/٨.

سُورَةُ الّخْرُفِ
٣٩٠
الآية : ٤٧
وقال أبو حيان(١): مناسبتُها من وجهين: الأول: أنه ذُكر فيما قبلُ قولُ
المشركين: ((لولا نزل)) إلخ، وفيه زَعْمُ أن العِظَم بالجاه والمال، وأُشير في هذه
الآيات إلى أن مثل ذلك سبق إليه فرعون في قوله: ﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ﴾
[الزخرف: ٥١] إلخ فهو قُدوتهم في ذلك، وقد انتُقم منه، فكذلك ينتقم منهم.
الثاني: أنه سبحانه لما قال: ((واسأل)) إلخ ذكرَ جل وعلا قصةً موسى وعيسى
عليهما السلام، وهما أكثرُ أتباعاً ممن سبق من الأنبياء، وكلٌّ جاء بالتوحيد، فلم
يكن فيما جاءا به إباحةُ اتِّخاذ آلهة من دون الله تعالى كما اتّخذتْ قريش، فناسبَ
ذِكْرُ قِصَّتهما الآية التي قبلها .
﴿فَلَّا بََّ هُم ◌ِثَابِينَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ
﴾ أي: فاجَؤوا الضَّحِك منها، أي:
٤٧
استهزؤوا بها أولَ ما رَأَوْها ولم يتأمَّلوا فيها، وفي ((الكشاف))(٢): جاز أن تُجاب ((لمَّا))
بـ ((إذا)) المفاجأة لأنَّ فعلَ المُفاجأة مُقدَّر معها، وهو عاملُ النصب في محلِّها، كأنه
قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضَحِكهم. فالجواب عنده ذلك الفعلُ، وهو
العاملُ في ((لما))، وقُدِّر ماضياً لأنه المعروفُ في جوابها، و((إذا)) مفعولٌ به لا ظرف.
وقال أبو حيان(٣): لا نعلم نحويّاً ذهب إلى ما ذهب إليه هذا الرجلُ من أنَّ
(إذا)) الفُجائية تكون منصوبةً بفعل مُقدَّر تقديره: فاجأ، بل المذاهبُ فيها ثلاثةٌ:
الأول: أنها حرفٌ، فلا تحتاج إلى عامل.
الثاني: أنها ظرفُ مكان، فإن صُرِّح بعدَ الاسم بعدَها بخبر له كان ذلك الخبرُ
عاملاً فيها نحو: خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ، فقائمٌ هو الناصب لها، والتقدير: خرجتُ
ففي المكان الذي خرجتُ فيه زيدٌ قائم.
الثالث: أنها ظرفُ زمان، والعامل فيها الخبرُ أيضاً؛ كأنه قيل: ففي الزمان
الذي خرجتُ فيه زيدٌ قائم. وإذا لم يذكر بعد الاسم خبرٌ، أو ذُكر اسمٌ منصوب
على الحال كانت ((إذا)) خبراً للمبتدأ، فإن كان ◌ُثَّة، وقلنا: ((إذا)) ظرفُ مكان، كان
(١) البحر المحيط ٢٠/٨.
(٢) ٤٩٠/٣.
(٣) البحر المحيط ٢٠/٨.

الآية : ٤٨
٣٩١
سُوَرَةُ الرّحْزُقُ
الأمرُ واضحاً، وإنْ قلنا: ظرفُ زمان كان الكلامُ على حذفٍ مضاف، أي: ففي
الزمان حضورُ زید.
ثم إنَّ المفاجأة التي ادَّعاها لا يدلُّ المعنى على أنها تكون من الكلام السابق،
بل يدلُّ على أنها تكون من الكلام التي هي فيه؛ تقول: خرجتُ فإذا الأسدُ.
فالمعنی: ففاجأني الأسدُ، دون: ففاجأتُ الأسدَ. انتهى.
وقال الخفاجيُّ(١): ما قيل: إنَّ نصبَها بفعل المفاجأة المُقدَّر هكذا لم يَقُلْه أحدٌ
من النُّحاة، لا يُلْتَفتُ إليه، وتفصيلُه في شروح (المغني))(٢).
﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ من الآيات ﴿إِلَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ أي: من آيةٍ
مِثْلها في كونها آيةً دالَّةً على النبوّة، واستُشكل بأنه يلزم كونُ كلِّ واحدة من الآيات
فاضلةً ومفضولةً معاً، وهو يُؤدِّي إلى التناقض وتفضيلِ الشيء على نَفْسهِ لعموم ((آية))
في النفي.
وأُجيب بأنَّ الغرضَ من هذا الكلام أنهنَّ موصوفاتٌ بالكِبَر لا يكدنَ يتفاوتْنَ
فيه، على معنى أن كلَّ واحدة لكمالها في نفسها إذا نُظِرَ إليها قيل: هي أكبرُ من
البواقي لاستقلالها بإفادة المقصودٍ على التمام، كما قال الحماسي:
مَنْ تلق منهم تَقُلْ لاقیثُ سَيِّدهم
مثلُ النجوم التي يسري بها الساري(٣)
وإذا لُوحظ الكل توقّف عن التفضيل بينهنَّ، ولقد فاضلَتْ فاطمةُ بنت خرشب
الأنمارية بين أولادها الكَمَلَة: ربيعة الحفاظ، وعُمارة الوهاب، وأنس الفوارس،
ثم قالت لمَّا (٤) أبصرتْ مَراتبهم متدانيةً قليلةَ التفاوت: ثَكِلْتُهم إنْ كنتُ أعلمُ أيُّهم
أفضلُ، هم كالحَلْقة المُفرغَة لا يُدرى أين طرفاها .
وقال بعضُ الأجِلَّة: المرادُ بأَفعل الزيادةُ من وجه، أي: ما نُريهم من آيةٍ إلا هي
مُختصَّةٌ بنوع من الإعجاز مفضّلة على غيرها بذلك الاعتبار، ولا ضيرَ في كون
(١) حاشية الشهاب ٧/ ٤٤٤ .
(٢) مغني اللبيب ص ١٢٠ .
(٣) البيت لعبيد بن العرندس الكلابي، وهو في الحماسة البصرية ١/ ١٥١ .
(٤) قوله: لما، ساقط من (م)، والقصة في الكشاف ٤٩١/٣.

سُورَةُالْفُ
٣٩٢
الآية : ٤٩
الشيء الواحد فاضلاً ومفضولاً باعتبارين، وقد أطال الكلامَ في ذلك جلالُ الدين
الدواني في حواشيه على الشرح الجديد للتجريد، فَلْيُراجِعْ ذلك من أراده.
وفي ((البحر)(١): قيل: کانت آیاته علیه السلام من كبار الآيات، وكانت كلُّ
واحدة أكبرَ من التي قبلها، فعلى هذا يكون ثَمَّ صفةٌ محذوفة، أي: مِن أُختها
السابقةِ عليها، ولا يبقى في الكلام تعارضٌ، ولا يكون ذلك الحُكم في الآية
الأولى؛ لأنه لم يسبقها شيء فتكونَ أكبرَ منه، وذكر بعضُهم في الأَكْبَرية أنَّ الأُولى
تقتضي عِلْماً، والثانية تقتضي عِلْماً مُنضمّاً إلى عِلْم الأُولى فيزدادُ الرجوعُ. انتهى.
والأَولى ما تقدَّم؛ لشيوع إرادة ذلك المعنى مِن مثل هذا التركيب.
﴿وَأَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ كالسِّنين والجَراد والقُمَّل وغيرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
لكي يرجِعوا ويتوبوا عمَّا هم عليه من الكُفر.
١٤٨
﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ قال الجمهور: وهو خِطابُ تعظيم، فقد كانوا يقولون
للعالم الماهر: ساحر، لاستعظامهم علمَ السِّحر، وحكاه في ((مجمع البيان)) عن
الكلبي والجُبَّائي(٢). وقيل: المعنى: يا غالبَ السَّحَرة، مِنْ: ساحَرَه فَسَحَرِه،
كخاصَمَهُ فَخَصَمهُ، فهو خطابُ تعظيم أيضاً .
وقيل: الساحر على المعنى المعروف فيه، وقد تعوَّدوا دُعاءه عليه السلام بذلك
قبلُ، ومقتضى مقام طلب الدُّعاء منه عليه السلام أن لا يَدْعوه به، إلا أنهم لِفَرْط
حیرتهم(٣) سبق لسانُهم إلى ما تعوَّدوا به.
وقيل: هو خطابُ استهزاء وانتقاصٍ دعاهم إليه شدَّةُ شَكِيمتهم ومزيدُ حَماقتهم.
وروي ذلك عن الحسن.
ودفع الزمخشري المُنافاةَ بين هذا الخطاب وقولهم الآتي: ((إننا لمهتدون)) بأن
ذلك القول وعدٌ مَنْويٌّ إخلافهُ، وعهدٌ معزومٌ على نَكْثِه، مُعلَّق بشرطِ أنْ يدعوَ لهم
(١) ٢١/٨.
(٢) مجمع البيان ٨٩/٢٥.
(٣) في (م): حسرتهم.

الآية : ٤٩
٣٩٣
سُؤَدَّةُ الرَّحْزُقُ
ويَنكشِفَ عنهم العذابُ(١). وفيه أنَّ الوعدَ وإن كان مَنْويَّ الإخلاف لكنْ إظهارُ
الإخلاف حال التضرُّع إليه عليه السلام يُنافيه؛ لأنهم في استلانةِ قلبه عليه السلام.
وقيل: الأظهرُ أنهم قالوا: يا موسى، كما في ((الأعراف)) [الآية: ١٣٤] لكن
حكى الله تعالى كلامَهم هنا على حسب حالهم، ووَفْق ما في قلوبهم؛ تقبيحاً لذلك
وتسليةً لحبيبه وَّهِ، ويكون ذلك على عكسٍ قوله سبحانه: ﴿إِنَّا قَئَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ
مَنْيَمَ رَسُولَ الهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وجُعِلَ على هذا قولُهم الآتي مُجْمَل ما فصِّل هنالك من
الإيمان وإرسالِ بني إسرائيل، فلا يُحتاج إلى التزام كونِ القولين في مجلسين للجَمْع
بين ما هنا وما هناك. ولا يخلو عن بُعد، والالتزامُ المذكور لا أَرى ضرراً فيه.
وقُرئ: ((يا أيُّهُ)) بضمٌّ الهاء(٢).
﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ لِيكشِفَ عنَّا العذاب ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي: بعهده عندك، والمرادُ
به النبوّة، وسُمِّيت عهداً إمَّا لأنَّ الله تعالى عاهدَ نبيَّه عليه السلام أن يُكرمه بها، وعاهدَ
النبيُّ ربَّه سبحانه على أن يستقلَّ بأعبائها، أو لِمَا فيها من الكُلفة بالقيام بأعبائها، ومن
الاختصاصِ كما بين المتواثِقين، أو لأنَّ لها حقوقاً تُحفظ كما يُحفَظُ العهدُ، أو مِنَ
العهدِ الذي يُكتب للولاة؛ كأنَّ النبوَّةَ منشورٌ من الله تعالى بتولية مَنْ أكرمه بها .
والباء إما صلة لـ ((ادعُ)) أو متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من الضمير فيه، أي:
متوسِّلاً إليه تعالى بما عَهِدَ، أو بمحذوف دلَّ عليه التماسُهم، مثل: أسْعِفْنا إلى
ما نَظْلب. وإما أنْ تكونَ للقسم، والجوابُ ما يأتي، وهي على هذا لِلِقَسَم حقيقةً،
وعلى ما قبلَه لِلِقَسَم الاستعطافي. وعلى الوجهِ الأول للسَّببيَّة. وإدخالُ ذلك في
الاستعطاف خروجٌ عن الاصطلاح.
وجُوِّز أن يُرَادَ بالعهد عهدُ استجابة الدعوة؛ كأنه قيل: بما عاهدكَ الله تعالى
مُكرماً لك من استجابة دعوتك. أو عهدُ كشفِ العذاب عمَّن اهتدى، وأمرُ الباء في
الوجهين على ما مرَّ. وأن يُرادَ بالعهد الإيمان والطاعة، أي: بما عَهِدَ عندك فوقَّيت
(١) الكشاف ٣/ ٤٩١.
(٢) قرأ بها ابن عامر، التيسير ص١٦٢، والنشر ١٤٢/٢.

سُوَّةُ الزُّف
٣٩٤
الآية : ٥٠ - ٥١
به، على أنه مِنْ: عَهدَ إليه أن يفعلَ كذا، أي: أخذَ منه العهدَ على فِعْله، ومنه
العهدُ الذي يُكتب للولاة. و((عندك)) يُغني عن ذِكْر الصِّلة مع إفادة أنه محفوظٌ
مخزون عند المُخاطَب. والأَولى على هذا أن تكونَ ((ما)) موصولةً، وهذا الوجهُ فيه
كما في ((الكشف)) نُبُوِّ لفظاً ومعنَى وسياقاً على ما لا يخفى على الفَطِن.
﴿إِنَّا لَمُهْتَدُونَ ﴾﴾ المؤمنون ثابتون على الإيمان، وهو إما معلَّق بشرط كَشْفٍ
العذاب كما في قولهم المَحْكي في سورة الأعراف: ﴿لَبِن كَثَفْتَ عَنَا أَلِجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ
لَكَ﴾ [الآية: ١٣٤] أو غير معلّق، ويجب حينئذ أن يكون هذا منهم في مجلس آخر.
وإن قلنا: لم يَصدُرْ منهم طلبُ الدُّعاء إلا مرةً أو أكثرَ منها لكن على طَرْز واحد،
قيل هنا: أرادوا من الاهتداء الإيمان وإرسال بني إسرائيل كما سمعتَ آنفاً .
﴿فَلَمَّا كَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ أي: بدعوته، ففي الكلام حذفٌ، أي: فدعانا بكَشْفٍ
العذابِ، فَكَشَفْناه، فلما كَشَفناه عنهم ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُونَ ﴾﴾ فاجأهم نَكْثُ
عهدهم بالاهتداء، أو فاجؤوا وقتَ نَكْثِ عَهْدهم.
وقرأ أبو حيوة: (يَنْكِثون)) بكسر الكاف(١).
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اُلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن
تَحْنِىّ﴾ أي: رَفَعَ صوتَه بنفسه فيما بين قومه بذلك القول، ولعلَّه جمعَ عُظَماءِ القِيْطِ
في محلّه الذي هو فيه بعد أنْ كُشِفَ العذابُ، فنادى فيما بينهم بذلك لِتنتشر
مَقالته في جميع القِبْط، ويَعْظُمَ في نُفوسهم مخافةَ أن يُؤمنوا بموسى عليه السلام
ويتركوه.
ويجوز أن يكونَ إسنادُ النداء إليه مجازاً، والمرادُ: أمرَ بالنداء بذلك في
الأسواق والأَزْقَّة ومجامع الناس، وهذا كما يقال: بنى الأميرُ المدينةَ.
(نادى)) قيل: معطوفٌ على فاجأ المُقدَّر، ونُزِّلَ منزلةَ اللازم، وعُدِّي بـ ((في))
کقوله :
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٥.

الآية : ٥١
٣٩٥
سُوَّةُ الرَّحْيِّ
يَجرحْ في عراقيبها نَصْلي(١)
للدلالة على تمكين النداء فيهم.
وعَنى بـ ((ملك مصر)) ضَبْطَها والتصرُّفَ فيها بالحُكم، ولم يُرِدْ مصرَ نفسَها، بل
هي وما يتبعها، وذلك من إسكندرية إلى أسوان، كما في ((البحر))(٢). والأنهار:
الخُلْجان التي تخرجُ من النيل المبارك، كنهر المَلكِ، ونهر دمياط، ونهر تِنِّيس.
ولعل نهر طولون كان منها إذ ذاك لكنه اندرسَ فجدَّده أحمدُ بن طولون ملكُ مصر
في الإسلام.
وأراد بقوله: ((من تحتي): من تحت أمري.
وقال غيرُ واحد: كانت أنهارٌ تخرجُ من النيل وتجري من تحت قَصْره وهو
مُشرِفٌ عليها. وقيل: كان له سريرٌ عظيم مرتفعٌ تجري من تحته أنهارٌ أخرجها من
النيل. وقال قتادة: كانت له چِنانٌ وبساتينُ بين يديه تجري فيها الأنهارُ.
وفسَّر الضحاكُ الأنهارَ بالقُوّادِ والرُّؤساء الجبابرة، ومعنى كونهم يَجرون من
تحته أنهم يسيرون تحت لِوائه، ويأتمرون بأَمْره. وقد أبعدَ جدّاً، وكذا مَنْ فسَّرها
بالأموال، ومَنْ فسَّرها بالخيل وقال: كما يسمَّى الفرس بحراً يُسمَّى نهراً. بل
التفاسيرُ الثلاثةُ تقربُ من تفاسير الباطنية، فلا ينبغي أن يُلتفتَ إليها .
والواو في ((وهذه)) إلخ إما عاطفةٌ لهذه الأنهار على المُلك؛ فجملة ((تجري))
حالٌ منها، أو للحال فـ ((هذه)) مبتدأ و((الأنهار)) صفة أو عطف بيان، وجملة
(تجري)) خبرٌ للمبتدأ، وجملةُ ((هذه)) إلخ حالٌ من ضمير المتكلِّم. وجُوِّز أن تكون
للعطف. ((وهذه تجري)) مبتدأ وخبر، والجملةُ عطفٌ على اسم ((ليس)) وخبرها .
وقوله: ﴿أَفَلاَ تُصِرُونَ ﴾﴾ على تقدير المفعول، أي: أفلا تبصرون ذلك،
أي: ما ذُكِرَ، ويجوز أن يُنَزَّل منزلةَ اللازم، والمعنى: أليس لكم بصرٌ أو بصيرة.
(١) قائله ذو الرمّة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وصدره:
وإن تَعتذرْ بالمَخْل من ذي ضروعها
(٢) ٨/ ٢٢.
٠

سُؤَدَّةُ الّعْرُفِ
٣٩٦
الآية : ٥٢
وقرأ عيسى: ((تبصرون)) بكسر النون(١)، فتكون الياء الواقعةُ مفعولاً محذوفةً.
وقرأ فهد بن الصقر(٢): ((يُبْصِرون) بياء الغيبة - ذكره في ((الكامل)) للهذلي(٣).
والساجي عن يعقوب، ذكره ابن خالويه (٤).
ولا يخفى ما بين افتخار اللَّعين بملك مصر ودعواه الرُّبوبية من البُعد البعيد.
وعن الرشيد أنه لما قرأ هذه الآيةَ قال: لأُولِّينها - يعني مصر - أَخسَّ عبيدي.
فولاها الخصيب وکان على وضوئه.
وعن عبد الله بن طاهر أنه وُلِّيها فخرج إليها، فلما شارفَها ووقع عليها بصرُه
قال: هي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: ((أليس لي ملك مصر» والله لهي
أقلُّ عندي من أنْ أدخُلها، فَثَنى عِنانه(٥) .
﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ﴾ مع هذه البَسطة والسَّعة في المُلك والمال ﴿مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾
أي: ضعيفٌ حقير، أو مبتذَلٌ ذليل، فهو من المَهانة، وهي القِلَّة أو الذِّلَّة.
﴿وَلَا يَكَادُ يُِيْنُ ﴾﴾ أي: الكلام، والجمهورُ أنه عليه السلام كان بلسانه
بعضُ شيء من أَثَرِ الجَمْرة، لكن اللعين بالغ.
ومَن ذهب إلى أنَّ الله تعالى كان أجابَ سؤالَه حلَّ عُقدةٍ من لسانه فلم يبقَ فيه
منها أثرٌ، قال: المعنى: (ولا يكادُ يُبين)) حُجَّتَه الدَّالةَ على صِدْقه فيما يدَّعي، لا أنه
لا قُدرة له على الإفصاح باللفظ. وهو افتراءٌ عليه عليه السلام، ألا ترى إلى
مناظرته له وردِّه علیه وإفحامه إيَّاه.
وقيل: عابه بما كان به عليه السلام من الحَبْسة أيامَ كان عنده. وأراد اللعين أنه
عليه السلام ليس معه من العُدَدِ وآلات المُلك والسياسة ما يعتضدُ به، وهو في نَفْسه
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٥ .
(٢) من جلة أصحاب يعقوب، روى عنه القراءة عرضاً. غاية النهاية ١٣/٢.
(٣) كتاب الكامل في القراءات الخمسين لأبي القاسم يوسف بن علي بن عبادة الهذلي المغربي،
المتوفى سنة (٤٦٥هـ)، وهو مشتمل على خمسين قراءة. كشف الظنون ١٣٨١/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص١٣٥ .
(٥) ذكر القصة الزمخشري في الكشاف ٤٩٢/٣، والقرطبي في تفسيره ٦٠/١٩.

الآية : ٥٢
٣٩٧
سُورَةُ الرَّحْزُقُ
مُخِلٌّ بما يُنعتُ به الرجالُ من اللَّسَنِ وإبانةِ الكلام.
و((أم)) على ما نُقل عن سيبويه (١) والخليل مُتَّصلة، وقد نُزِّل السببُ بعدها منزلةً
المسبَّب على ما ذهب إليه الزمخشري، والمعنى: أفلا تُبصرون أَمْ تُبصرون، إلا أنه
وُضع ((أم أنا خيرٌ)) موضعَ: أمْ تُبصرون(٢).
وإيضاحُ ذلك أن فرعونَ عليه اللعنة لما قدَّم أسبابَ البسطة والرِّياسة بقوله:
((أليس لي)) إلخ وعَقَّبه بقوله: ((أفلا تُبصرون)) استقصاراً لهم وتنبيهاً على أنه من
الوضوح بمكانٍ لا يخفى على ذي عينين قال في مقابله: ((أَمْ أنا خيرٌ)) بمعنى: أمْ
تُبصرون أني أنا المُقدَّم المتبوع. وفي العدول تنبيهٌ على أن هذا الشِّقَّ هو المُسَلَّم
لا محالةَ عندكم، فكأنه يَحكيه عن لسانهم بعدما أبصروا، وهو أسلوبٌ عجيبٌ وفنّ
غريب. وجعله الزمخشري من إنزال السَّبب مكان المُسبَّب؛ لأن كونه خيراً في
نفسه - أي: محصّلاً له أسباب التقدُّم والمُلك - سببٌ لأن يقال فيه: أنت خيرٌ منه.
وقولهم: أنت خيرٌ، سببٌ لكونهم بُصراءَ، وسببُ السَّبب قد يقال له سبب، فلا يَرِدُ
ما يقال: إن السَّببَ قولهم: أنت خيرٌ، لا قوله: أنا خير.
وقال القاضي البيضاوي: إنه من إنزال المُسبَّب منزلةَ السَّبب(٣)؛ لأن عِلْمهم
بأنه خيرٌ مستفادٌ من الإبصار.
وفيه أن المذكورَ ((أنا خيرٌ))، لا: أمْ تعلمون أني خير. وله أن يقول: ذلك يغني
غناه؛ لأنه جعله مُسلَّماً معلوماً عندهم، فقال: ((أم أنا خيرٌ)) لا: أَمْ تعلمون،
كما سلف.
ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري أظَهرُ؛ كذا في ((الكشف)).
وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك: إنَّ قوله: ((أنا خيرٌ))، سببٌ لقولهم من جهة
بَعْثِهِ على النظر في أحواله واستعداده لما ادَّعاه، وقولهم: أنت خيرٌ، سببٌ لكونهم
(١) الكتاب ٣/ ١٧٣ .
(٢) الكشاف ٣/ ٤٩٢.
(٣) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٤٤٦/٧.

سُورَةُ الرّحْزُقُ
٣٩٨
الآية : ٥٢
بُصراءَ عنده، فـ ((أنا خيرٌ)) سببٌ له بالواسطة، لكن لا يخفى أنه سببٌ للعلم بذلك
والحُكم به. وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس؛ لأن إبصارَهم سببٌ لقولهم:
أنت خيرٌ، فتأمَّل.
وبالجملة إن ما بعد ((أم)) مُؤَوَّل بجملة فعلية معادلة(١) لفظاً ومعنّى هي ما سمعتَ،
ونحو ذلك من حيث التأويل: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي: أَمْ
صَمَثُم. وقولُه :
أُمُخدَج اليدين أم أَتَمَّتٍ(٢)
أي: أمْ مُتمّاً. وقيل: حُذِفَ المُعادِل لدلالة المعنى عليه، والتقدير: أفلا
تُبصرون أمْ تُبصرون أنا خير .. إلخ. وتُعقِّب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعدَ
(أم)): ((لا))، نحو: أيقوم زيدٌ أمْ لا، أي: أَمْ لا يقوم، فأما حذفُه دون ((لا)) فليس
من كلامهم.
وجُوِّز أن يكون في الكلام طيٍّ على نَهْج الاحتباك، والمعنى: أهو خيرٌ مني
فلا تبصرون ما ذكَّرتُكم به أَمْ أنا خيرٌ منه لأنكم تُبصرونه. ولا ينبغي الالتفاتُ إليه.
وجَوَّز غيرُ واحد كونَ ((أَمْ)) منقطعةً مُقدَّرة بـ ((بل)) والهمزة التي للتقرير؛ كأن
اللعين قال إثرَ ما عدَّد أسباب فَضْله ومبادي خَيْريَّته: أَثبتَ عندكم واستقرَّ لديكم أني
خيرٌ، وهذه حالي من هذا .. إلخ. ورجَّحه بعضُهم؛ لما فيه من عدم التكلُّف في
أمر المُعادِل اللازم أو الأحسن(٣) في المتصلة. وقال السدي وأبو عُبيدة: ((أم))
بمعنى ((بل))، فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خيرٌ، كقول الشاعر:
وصورتِها أَمْ أنتِ في العينِ أَمْلحُ(٤)
بَدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنق الضُّحى
(١) تحرفت في (م) إلى: معلولة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٤٤٦/٧.
(٢) قائله جحدر بن ضبيعة، وقبله: إذا الكُماة بالكماة التَفَّتِ. وهو في حماسة أبي تمام ٣٤/٢
(بشرح التبريزي)، والبحر المحيط ٢٣/٨، وفي الحماسة: الحرب، بدل: اليدين.
(٣) في (م): أولاً لحسن. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٤٤٦/٧.
(٤) نسبه ابن جني في المحتسب ٩٩/١، والخصائص ٤٥٨/٢ لذي الرمة، وهو في ملحقات
ديوانه ١٨٥٧/٣، وفي هذه المصادر: أو أنت ...
:

الآية : ٥٣
٣٩٩
سُورَةُ الرَّحْفُ
وقال أبو البقاء (١): إنها منقطعة لفظاً متصلة معنىً، وأراد ما تقدَّم من التأويل،
وليس فيه مخالفةٌ لما أَجمع عليه النُّحاة كما تُؤُهُّم .
وجملة ((لا يكادُ يبين)) معطوفةٌ على الصِّلة، أو مستأنفةٌ، أو حالية.
وقُرئ: ((أَمَا أنا خيرٌ)) بإدخال الهمزة على ((ما)) النافية(٢).
وقرأ الباقر رُه: (يَبين)) بفتح الياء من بان؛ إذا ظهر(٣).
﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةُ مِنْ ذَهَبٍ﴾ كنايةٌ عن تمليكه. قال مجاهد: كانوا إذا
سوَّدوا رجلاً سؤَّروه بِسِوارين وطوَّقوه بطَوق من ذهب علامة لِسُودَدِه(٤).
فقال فرعون: هلّ ألقى ربُّ موسى عليه أَساورَ من ذهب إنْ كان صادقاً. وهذا
من اللعين لِزَعْمه أن الرِّياسةَ من لوازم الرِّسالة؛ كما قال كُفَّار قريش في عظيم
القریتین.
والأسورة جمع سوار نحو خِمار وأخْمرة. وقرأ الأعمش: ((أساور)) ورُويَتْ عن
أبيّ وعن أبي عمرو(٥) جمع أسورة، فهو جمعُ الجمع. وقرأ الجمهور:
((أساورة))(٦) جمعُ إسوار بمعنى السِّوار، والهاء عوضٌ من ياء أساوير، فإنها تكون
في الجمع المحذوف مَدَّته للعِوض عنها كما في زنادقة جمع زِنْدیق.
وقد قرأ: ((أساوير)) عبد الله وأُبيّ في الرواية المشهورة(٧).
وقرأ الضحاك: ((أَلقى)) مبنيًّا للفاعل - أي: الله تعالى ـ ((أساورةً)) بالنصب(٨).
(١) إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٤/ ٣٠٢.
(٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٣٥/٣.
(٣) البحر المحيط ٢٣/٨.
(٤) قال في القاموس المحيط (سود): السُّؤْدَد والسُّؤْدُد: السيادة ..
(٥) قراءة الأعمش في القراءات الشاذة ص ١٣٥، وقراءة أبي في تفسير القرطبي ١٩/ ٦٢، وهي
غير المشهورة عن أبي عمرو.
(٦) قرأ حفص ويعقوب: ((أَسْوِرة))، والباقون: ((أساورة)). التيسير ص ١٩٧، والنشر ٣٦٩/٢.
(٧) القراءات الشاذة ص ١٣٥.
(٨) البحر المحيط ٢٣/٨.
:

سُورَةُ الزّخْفُ
٤٠٠
الآية : ٥٤ - ٥٥
(63) مِن قَرنته به فاقترنَ، وفُسِّر بمقرونین،
﴿أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِنَ
أي: به؛ لأنه لازمُ معناه بناءً على هذا، وفُسِّر أيضاً بمتقارنين مِن اقترن بمعنى
تَقارن، والاقترانُ مجازٌ أو كنايةٌ عن الإعانة.
ولذا قال ابن عباس: يُعينونه على مَن خالفه. وقيل: عن التصديق، ولولا ذلك
لم يكن لِذِكْره بعدَ قوله: ((معه)) فائدةٌ، وهو على الأول حِسِّي، وعلى الثاني
مَعنوي. وقيل: متقارنين بمعنى مجتمعين كثيرين. وعن قتادة: مُتتابعين.
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فطلب منهم الخِقَّة في مُطاوعته، على أن السين للطلب على
حقيقتها، ومعنى الخِفَّة السُّرعة لإجابته ومتابعته، كما يقال: هم خُفوف إذا دُعوا،
وهو مجاز مشهور، وقال ابنُ الأعرابي: استخفَّ أحلامَهم، أي: وجدهم خفيفةً
أحلامُهم، أي: قليلة عقولُهم، فصيغة الاستفعال للوجدان كالإفعال، كما يقال:
أحمدتُه: وجدته محموداً، وفي نسبته ذلك للقوم تجوُّز.
فلذلك سارعوا
﴿فَطَاعُوهُ﴾ فيما أَمرهم به ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (
إلى طاعةِ ذلك الفاسق الغَوِيّ ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ أي: أسخطونا، كما قال عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه. وفي معناه ما قيل: أي: أَغضبونا أشدَّ الغضب، أي:
بأعمالهم.
والغضبُ عند الخَلَف مجازٌ عن إرادة العقوبة، فيكون صفةً ذات، أو عن
العقوبة فيكون صفةً فعل.
وقال أبو عبد الله الرِّضا ﴿به: إنَّ الله سبحانه لا یاسَفُ كأسفنا، ولكن له جل
شأنُه أولياء يأسفون ويَرَضَوْن، فجعل سبحانه رِضاهم رضاه وغَضَبهم غضبه تعالى،
وعلى ذلك قال عز وجل: ((مَنْ أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة))(١)، وقال
سبحانه: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وعليه قيل: المعنى: فلما
آسفوا موسى عليه السلام ومن معه.
(١) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط (٦٠٩) من حديث أنس ظه، وأخرجه البخاري
(٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ◌ُبه بلفظ: ((من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب)).