النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٢٢ ٣٦١ سُوَّةُ الرّحْزُقُ والأُمَّة: الدِّين والطريقة التي تُؤَمّ، أي: [تُقْصَد](١)، كالرُّحْلة: للرجل العظيم الذي يُقْصَد في المُهِمَّات، يقال: فلان لا أُمَّة له، أي: لا دينَ ولا نحْلةَ، قال الشاعر: وهل يستوي ذو أُمَّة وكفور(٢) وقال قيس بن الخطيم: كُنَّا على أمّةٍ آبائنا ويقتدي بالأولِ الآخِرُ(٣) وقال الجُبَّائي: الأُمَّة: الجماعة، والمرادُ: وجدنا آباءنا متوافقين على ذلك. والجمهور على الأول وعليه المُعوَّل. ويقال فيها: إمَّة - بكسر الهمزة أيضاً - وبها قرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والجحدري. وقرأ ابنُ عباس(٤): ((أَمَّة)) بفتح الهمزة، قال في ((البحر))(٥): أي: علی قَصْد وحال. و((على آثارهم مهتدون)) قيل: خبران لـ ((إنَّ))، وقيل: ((على آثارهم)) صلة (مهتدون))، و ((مهتدون)) هو الخبر. هذا، وجعل الزمخشري(٦) الآية دليلاً على أنه تعالى لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء سبحانه الإيمان، وكفَّر أهلَ السنة القائلين بأنَّ المقدوراتِ كلَّها بمشيئة الله تعالى، ووجّه ذلك بأنَّ الكُفَّار لمَّا ادَّعَوا أنه تعالى شاء منهم الكُفر حيث قالوا: (لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ) إلخ - أي: لو شاء جل جلاله مِنَّا أن نتركَ عبادةَ الأصنام تركناها - ردَّ الله تعالى ذلك عليهم، وأبطل اعتقادهم بقوله سبحانه: (مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٌ) إلخ، (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٤٣/٨، وحاشية الشهاب ٤٣٩/٧. (٢) لم نقف على تتمته، وهو هكذا في الصحاح واللسان (أمم)، وتفسير القرطبي ٢٥/١٩. (٣) ذكره أبو حيان في البحر ١١/٨، والسمين في الدر ٩/ ٥٨١. (٤) في الأصل و(م): ابن عياش، والمثبت من المصادر، وهذه القراءة والتي قبلها ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣٥، والقرطبي في تفسيره ٢٤/١٩، وأبو حيان في البحر ٨/ ١١. (٥) ٨/ ١١. (٦) في الكشاف ٤٨٣/٣-٤٨٤، وينظر حاشية الشهاب ٤٣٨/٧. سُورَةُ الرّعْرفُ ٣٦٢ الآية : ٢٢ فلزم حقيَّةُ (١) خلافهِ، وهو عينُ ما ذَهَبَ إليه، والجملة عطف على قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا) أو على (جعلوا الملائكة)) إلخ، فيكون ما تضمَّنته كفراً آخرَ، ويلزمه كفر القائلين بأنَّ الكُلَّ بمشيئته عز وجل. ومما سمعتَ يُعلَم ردُّه. وقيل في رَدِّه أيضاً: يجوز أن يكون ذلك إشارةً إلى أصل الدعوى، وهو جعلُ الملائكة عليهم السلام بناتِ الله - سبحانه وتعالى عن ذلك عُلوّاً كبيراً - دون ما قصدوه من قولهم: ((لو شاء)) إلخ، وما ذكر بعد أصل الدعوى من تتمَّتها، فإنه حكايةُ شُبهتهم المُزيَّفة؛ لأن العبادةَ للملائكة وإن كانت بمشيئته تعالى لكنَّ ذلك لا يُنافي كونَها من أقبحِ القبائح المَنهيّ عنها، وهذا خلافُ الظاهر. وقال بعضُ الأَجِلَّة: إنَّ كُفرهم بذلك لأنهم قالوه على جهة الاستهزاء. وردّه الزمخشري بأن السِّياق لا يدلُّ على أنهم قالوه مُستهزئين؛ على أن(٢) الله تعالى قد حكى عنهم على سبيل الذمِّ والشهادة بالكُفر أنهم جعلوا له سبحانه جُزءاً، وأنه جل وعلا اتّخذ بناتٍ واصطفاهم بالبنين، وأنهم جعلوا الملائكةَ المُكرمين إناثاً، وأنهم عبدوهم وقالوا: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم))، فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهُزء لكان النُّطْق بالمَحْكِيَّات قبلَ هذا المَحْكي الذي هو إيمانٌ عنده لو جدُّوا بالنُّطق به مدحاً لهم من قِبَلِ أنها كلماتُ كُفر نطقوا بها على طريق الهُزء، فبقي أن يكونوا جادِّين، وتشترك كلها في أنها كلماتُ كُفر، فإنْ جعلوا الأخير وحدَه مقولاً على وجه الهُزء دون ما قبله فما بهم إلا تعويجُ كتاب الله تعالى، ولو كانت هذه كلمةً حقِّ نطقوا بها هُزءاً لم يكن لقوله سبحانه: (مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْيٌ) إلخ معنى؛ لأنَّ الواجبَ فيمن تكلّم بالحق استهزاءً أن يُنكَر عليه استهزاؤه ولا يُكذّب(٣). ولا يخفى أن ردّه بأنه لا يدلُّ عليه السِّياق صحيحٌ. وأما ما ذكر من حكايةِ الله سبحانه والتعويج فلا؛ لأنه تعالى ما حكى عنهم قولاً أولاً، بل أثبت لهم اعتقاداً يتضمَّن قولاً أو فعلاً، وقد بيَّن أنهم مُستخِفُّون في ذلك العَقْد كما أنهم مُستخِفُّون (١) في (م): حقيقة. (٢) قوله: أن، ليس في (م). (٣) الكشاف ٣/ ٤٨٣ . الآية : ٢٢ ٣٦٣ سُورَةُ الرّحْزُقُّ في هذا القول، فقوله: لو نطقوا .. إلخ لا مَدْخلَ له في السابق، وليس فيه تعويج ألبتة من هذا الوجه، وكذلك قوله: لم يكن لقوله تعالى: ((ما لهم)) إلخ معنًى، مردودٌ؛ لأن الاستهزاءَ بابٌ من الجهل كما يدلُّ عليه قولُ موسى عليه السلام: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَْهِلِينَ﴾ وقد تقدم في البقرة [الآية: ٦٧]. وأما الكذب فراجعٌ إلى مضمونه والمراد منه كما سمعتَ، فمن قال: لا إله إلا الله استهزاءً، مكذّب فيما يلزم من أنه إخبار عن إثبات التعدُّد؛ لأنه إخبارٌ عن التوحيد. فافهم. كذا في ((الكشف)». وفيه أيضاً: إن قولهم: ((لو شاء الرحمن)) إلخ، فُهم كونُه كفراً من أوجه: أحدها: أنه اعتذارٌ عن عبادتهم الملائكةَ عليهم السلام التي هي كُفر، وإلزام أنه إذا كان بمشيئته تعالى لم يكن مُنكراً . والثاني: أن الكُفر والإيمان بتصديق ما هو مُضطر إلى العلم بثبوته بديهةً أو استدلالاً متعلقاً بالمبدأ والمَعاد وتكذيبه لا بإيقاع الفعل على وَفْق المشيئة وعَدَمه. والثالث: أنهم دفعوا قولَ الرُّسل بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونَهْيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة، ثم إنهم مُلزمون على مساق هذا القول؛ لأنه إذا استند الكلُّ إلى مشيئته تعالى شأنه فقد شاء إرسالَ الرُّسل، وشاء دعوتهم للعباد، وشاء سبحانه جُحودَهم، وشاء جل وعلا دُخولَهم النار، فالإنكار والدَّفعُ بعد هذا القول دليلٌ على أنهم قالوه لا عن اعتقاد، بل مجازفةً، وإليه الإشارة بقوله تعالى في مثله: ﴿قُلْ فَلَّهِ الْخُبَّةُ الْبَلِغَّةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَمَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وفيه أنهم يُعجِّزون الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضدِ المأمور به فيلزم أن لا يُريد إلا ما أمر سبحانه به، ولا ينهى جل شأنه إلا وهو سبحانه لا يُريده، وهذا تعجيزٌ من وجهين؛ إخراج بعض المَقدورات عن أن يصيرَ محلَّها، وتضييق محلّ أَمره ونَهْيه؛ وهذا بعينه مذهب إخوانهم من القَدَريّة؛ ولهذه النكتة جعل قولهم: ((وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)) معتمدَ الكلام، ولم يقل: وعبدوا الملائكةَ وقالوا: لو شاء، ونظيرُ قولهم في أنه إنما أتى به لِدَفْع ما عُلم ضرورةً قولُه تعالى سُؤَدَّةُ الرَّحْزُقّ ٣٦٤ الآية : ٢٢ عنهم: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْلَ مَلَتِكَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فالدَّفع كفرٌ والتعجيزُ كفرٌ في ◌ُفر. وقوله تعالى: (مَّا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلَيٌ) يحتمل أن يرجع إلى جميع ما سبق من قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ) إلى هذا المقام، ويحتمل أن يرجعَ إلى الأخير، فقد ثبت أنهم قالوه من غير علم، وهو الأظهر، للقُرب وتعقيبٍ كلِّ بإنكارٍ مستقل، وطِباقِهِ لِمَا في ((الأنعام))(١). وقوله سبحانه: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) على هذا التكذيب المفهوم منه راجعٌ إلى استنتاج المقصود من هذه اللَّزومية، فقد سبق أنها عليهم لا لهم، ولوَّح إلى طرفٍ منه في سورة ((الأنعام)) أو إلى الحُكم بامتناع الانفكاك مع تجويز الحاكم الانفكاكَ حالَ حُكمه، فإنَّ ذلك يدلُّ على كَذِهِ وإن كان ذلك الحُكم في نفسه حقّاً صحيحاً يحقُّ أن يعلم، كما تقول: زيد قائمٌ قطعاً، أو: ألبتة، وعندك احتمالُ نقيضه. وليس هذا رجوعاً إلى مذهب من جعل الصِّدق بطباقه للمعتقَد، فافهم. على أنه لما كان اعتذاراً على ما مرَّ صحَّ أن يرجع التكذيب إلى أنه لا يصلحُ اعتذاراً، أي: إنهم كاذبون في أن المشيئةَ تقتضي طباقَ الأمر لها، وهذا ما آثره الإمام(٢) والعلامة والقاضي(٣). والظاهرُ ما قدَّمناه. وتعقيبُ الخرص على وجه البيان أو الاستئناف عن قوله تعالى: (مَّا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٌ) وقوله تعالى: ﴿إِن تَنَِّعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ في سورة ((الأنعام)) [الآية: ١٤٨] دليلٌ على ما أشرنا، فقد لاح لِلمُسترشد أنَّ الآيةَ تصلحُ حُجَّةً لأهل السنة لا للمعتزلة. وقال في آية سورة ((الأنعام)) (٤): إنَّ قولَهم هذا إما لدعوى المشروعية ردّاً للرسل، أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذاراً بأنهم مجبورون، والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ المشيئةَ تتعلَّق بفعلهم المشروع وغيره، فما شاء الله تعالى أن يقعَ منهم مشروعاً وقع (١) الآية (١٤٨). (٢) ينظر تفسير الرازي ٢٠٤/٢٧ وما بعدها. (٣) ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٣٨/٧. (٤) وقد ذكره المصنف عنه (أي: عن صاحب الكشف) ١٤/ ١٠٣ عند تفسير الآية (٣٥) من سورة النحل. الآية : ٢٣ - ٢٤ ٣٦٥ كذلك، وما شاء الله تعالى أن يقعَ لا كذلك وقع لا كذلك، ولا شك أنَّ من توهّم أن كون الفعل بمشيئته تعالى يُنافي مجيء الرُّسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المُباشِر من الكُفر والضلال فقد كذَّب التكذيبَ كلَّه، وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللُّزومية، وظاهرُ الآية مَسوقٌ لهذا المعنى. والثاني على ما فيه من حصول المقصود - وهو الاعترافُ بالبطلان - باطلٌ أيضاً، إذ لا جبرَ؛ لأن المشيئةَ تعلَّقت بأن يُشركوا اختياراً منهم، والعلمُ تعلَّق كذلك فهو يؤكِّد دفعَ العُذْرِ(١) لا أنه يُحقِّقه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. ثم إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظنّ مطلقاً فضلاً عن العلم، وذلك لأنَّ من المعلوم أن العلمَ بصفات الله سبحانه فرعُ العلم بذاته جل وعلا، والإيمانُ بها كذلك، والمُحتجُّون به كَفَرَةٌ مُشركون مُجَسِّمون. ونقل العلامة الطيبي نحواً من الكلام الأخير عن إمام الحرمين عليه الرحمة في ((الإرشاد))(٢). اهـ. وقد أطال العلماءُ الأعلامُ الكلامَ في هذا المقام، وأرى الرجل - سقى الله تعالى مَرْقَده صَيِّبَ الرِّضوان - قد مَخَضَ كلَّ ذلك، وأتى بزبْده، بل لم يترك من التحقيق شيئاً لمن أتى مِن بعدِه. فتأمل. والله عز وجل هو الموفق. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: والأمرُ كما ذُكر من عَجْزهم عن الحُجَّة مطلقاً وتَشَبُّتهم بذيل التقليد، وقوله سبحانه: ﴿مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآَنَا ، استئنافٌ مُبيِّن لذلك داٌّ على أن التقليدَ فيما بينهم عَّ أُمَّذٍ وَإِنَّا عَلَىَّ مَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ (٣)﴾ ضلالٌ قديمٌ لأسلافهم، وأنَّ متقدميهم أيضاً لم يكن لهم سندٌ منظورٌ إليه، وتخصيصُ المُتْرَفين بتلك المَقالة للإيذان بأنَّ التنعمّ وحبَّ البطالة صَرَفَهم عن النظر إلى التقليد. ﴿قَالَ﴾ حكاية لِمَا جرى بين المُنذِرِين وبين أُمَمهم عند تعلُّلهم بتقليد آبائهم، أي: قال كلُّ نذير من أولئك المُنذرين لأُمَّته: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُ﴾ أي: أَتقتدون بآبائكم ولو جئتكم ﴿بِأَهْدَى﴾ بدينِ أَهدى ﴿مِنَّا وَجَدتُمْ عَلَيْهِ ءَابَّةُ كُمْ﴾ من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء. وإنما عبَّر عنها بذلك مُجاراة معهم على مَسْلك الإنصاف. (١) في الأصل و(م): القدر، والمثبت مما سلف ١٤/ ١٠٣. (٢) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص ٢٢٠. سُورَةُ الرَّحْرُفُ ٣٦٦ الآية : ٢٥ - ٢٦ وقرأ الأكثرون: ((قل))(١) على أنه حكايةُ أمر ماضٍ أُوحي إلى كلِّ نذير، أي: فقيل - أو: قلنا - للنذير: قل .. إلخ، واستظهر في ((البحر))(٢) كونَه خطاباً لنبينا وَهِ. فإنه ظاهر والظاهرُ هو ما تقدَّم لقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (®)) جدّاً في أنه حكايةٌ عن الأُمم السالفة، أي: قال كلُّ أُمة لنذيرها: ((إنَّا بما أُرسلتُم به)» إلخ. وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما قرِّر في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ حُواْ الطَّيْبَتِ. مِن [المؤمنون: ٥١]. وجعلُه حكايةً عن قومه عليه الصلاة والسلام بحمل صيغة الجمع على تغليبه وَ﴿ على سائر المُنذرِين، وتوجيه كُفرهم إلى ما أُرسل به الكُلُّ من التوحيد لإجماعهم عليه عليهم السلام كما في نحو قوله تعالى: ﴿كَثَّبَتْ عَادُ [الشعراء: ١٢٣] = تمخّلٌ بعيد، وأيضاً يأباه ظاهرُ قوله سبحانه ٢٣ الْمُرْسَلِينَ فإنَّ ظاهرَه كونُ الانتقام ﴿فَأْتَقَمْنَا مِنْهُمّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ شَّـ بعذاب الاستئصال، وصاحب (البحر)) يحمله على الانتقام بالقحط والقتل والسبي والجَلاءِ(٣). وقرأ أُبيّ وأبو جعفر وشيبة وابن مِقْسم والزعفراني وغيرهم: ((أو لو جئناكم)) بنون المُتكلِّمين(٤)، وهي تؤيد ما ذهبنا إليه. والأمرُ بالنظر فيما انتهى إليه حالُ المكذِّبين تسليةٌ له وِّ وإرشادٌ إلى عَدَمِ الاكتراثِ بتكذيب قومه إياه عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ﴾ أي: واذْكُر لهم وقتَ قوله عليه الصلاة والسلام ﴿لِأَبِهِ﴾ آزر ﴿وَقَوْمِهِ،﴾ المُكبِّين على التقليد كيف تبرَّأ مما هم فيه بقوله: ﴿إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾ وتمسّك بالبرهان. والكلامُ تمهيدٌ لِمَا أهلُ مكة فيه من العِناد والحسد والإباء عن تدبّر الآيات، وأنهم لو قلَّدوا آباءهم لكان الأولى أن يُقلِّدوا أباهم (١) التيسير ص١٩٦، والنشر ٣٦٩/٢. وقرأ ابن عامر وحفص ((قال)). (٢) ٨/ ١١. (٣) البحر ٨/ ١١. (٤) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٦٩/٢، وقراءة الباقين في البحر المحيط ١١/٨. الآية : ٢٧ ٣٦٧ سُورَةُ الرّخْرُفِّ الأفضلَ الأعلمَ الذي هم يفتخرون بالانتماء إليه، وهو إبراهيمُ عليه السلام، فكأنه بعد تعبيرهم على التقليد يُعيِّرهم على أنهم مسيئون في ترك اختياره أيضاً. و((براءٌ)) مصدرٌ، كالطلاق نعت به مبالغةً، ولذلك يستوي فيه الواحدُ والمُتعدِّد، والمذكّر والمؤنَّث. وقرأ الزعفراني والقورصي عن أبي جعفر وابن المناذري(١) عن نافع(٢) (بُراء)» بضمِّ الباء، وهو اسمٌ مفردٌ، كطوال وكُرام بضمِّ الكاف. وقرأ الأعمش: ((بريء)) وهو وصفٌ، كطويل وكريم، وقراءةُ العامة لغةُ العالية، وهذه لغة نَجد. وقرأ الأعمش أيضاً: ((إنِّي)) بنون مُشدّدة دون نون الوقاية(٣). ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾ استثناءٌ متصلٌ إنْ قلنا: إنَّ ((ما)) عامةٌ لِذوي العلم وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى والأصنامَ، وليس هذا من الجمع بين الله تعالى وغيره سبحانه الذي يجب اجتنابُه لما فيه من إيهام التسوية بينه سبحانه وبين غيره جل وعلا؛ لظُهور ما يدلُّ على خلاف ذلك في الكلام. أو منقطعٌ بناءً على أن ((ما)) مختصَّة بغير ذوي العلم، وأنه لا يُناسب التغليبَ أصلاً، وأنهم لم يكونوا يعبدونه تعالى، أو أنهم كانوا يعبدونه عز وجل إلا أن عبادَته سبحانه مع الشِّرك في حُكم العَدَم، وعلى الوجهين محلُّ الموصول النصب. وأجاز الزمخشري(٤) أن يكون في محلِّ جرّ على أنه بدلٌ من ((ما)) المجرور بـ ((من)). وفيه بحثٌ؛ لأنه يصيرُ استثناءً من المُوجب، ولم يُجوِّزوا فيه البدل، ووَجْهُه أنه في معنى النفي؛ لأنَّ معنى («إنني بَراءٌ مما تعبدون)): لا أعبدُ ما تعبدون، فهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتَِّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] إلا أنَّ ذلك في (١) كذا في الأصل و(م)، والبحر المحيط ١١/٨ وعنه نقل المصنف، ولم نعرفه، ولعله: ابن المنادي كما في الدر المصون ٥٨٢/٩، وابن المنادي: هو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله، أبو الحسين البغدادي الحنبلي، الإمام المشهور، حافظ متقن ضابط. توفي سنة (٣٣٦هـ). طبقات القراء ٤٤/١. (٢) وهي غير المشهورة عنه. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٦ . (٤) الكشاف ٣/ ٤٨٤ . سُورَةُ الرَّحْقِ ٣٦٨ الآية : ٢٨ المُفرّغ، وهذا فيما ذكر فيه المُستثنى منه، وهم لا يخصُّونه بالمُفرَّغ ولا بألفاظِ مخصوصة أيضاً كـ: أبى وقلَّما، نعم إنَّ أبا حيان(١) يأبى إلا أنه مُوجب، ولا يعتبر النفي معنى. وأجاز أيضاً أن تكون ((إلا)) صفة بمعنى ((غير)) على أن ((ما)) في ((ما تعبدون)) نكرة موصوفة، والتقدير: إنني براءٌ من آلهة تعبدونها غيرَ الذي فطرني، فهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢](٢). واعتبار ((ما)) نكرة موصوفة بناءً على أن ((إلا)) لا تكون صفةً إلا لنكرة، وكذا اعتبارها بمعنى الجمع بناءً على اشتراط كون النكرة الموصوفة بها كذلك، والمسألة خلافية، فمن النحويِّين من قال: إنّ ((إلا)) يُوصَف بها المعرفة والنكرة مطلقاً، وعليه لا يحتاج إلى اعتبار كون ((ما)) نكرة بمعنى آلهة. وفي جعل الصلة ((فطرني)) تنبيهٌ على أنه لا يستحقُّ العبادةَ إلا الخالقُ للعابد. ﴿فَإِنَّهُ سَيَّهْدِينِ (٣)﴾ يُثَبِّتني على الهداية، فالسين للتأكيد لا للاستقبال، لأنه جاء في ((الشعراء)) [الآية: ٦٢] يهدين بدونها والقصةُ واحدة. والمضارع في الموضعين للاستمرار. وقيل: المراد: ((سيهدين)) إلى وراء ما هداني إليه أولاً، فالسين على ظاهرها، والتغايرُ في الحكاية والمَحكي بناءً على تكرُّر القصة. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضمير المرفوع المُستتر لـ ((إبراهيم)) عليه السلام، أو لله عز وجل. والضمير المنصوب لكلمة التوحيد، أعني: لا إله إلا الله؛ كما رُوي عن قتادة ومجاهد والسدي. ويُشعر بها قوله: ((إنني براء مما تعبدون)) إلخ، وجوِّز أن يعودَ على هذا القول نفسه، وهو أيضاً كلمةٌ لغةً. ﴿كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى عَقِيِدٍ﴾ في ذُرِّيَّته عليه السلام، فلا يزالُ فيهم مَن يُوحِّد الله تعالی ویدعو إلى توحيده عز وجل. وقرأ حُميد بن قيس: ((كِلْمة)) بكسر الكاف وسكون اللام، وهي لغةٌ فيها، (١) البحر المحيط ٨/ ١٢. (٢) الكشاف ٣/ ٤٨٤ . الآية : ٢٩ ٣٦٩ سُورَةُ الرّحْرُوَةُ وقُرئ ((في عَقْبه)) بسكون القاف تخفيفاً، و((في عاقبه)) (١) أي: مَن عَقِبه، أي: خَلَفه، ومنه تسميةُ النبيِّ وَّهِ بالعاقب(٢)؛ لأنه آخرُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٨﴾ تعليلٌ للجَعْلِ، أي: جعلها باقيةً في عَقِبه كي يرجعَ من أَشرك منهم بدعاء من وحَّد، أو بسبب بقائها فيهم، والضميران للعَقِب، وهو بمعنى الجمع. والأكثرون على أنَّ الكلامَ بتقدير مضاف، أي: لعلَّ مُشركيهم. أو الإسناد من إسناد ما للبعض إلى الكلِّ. وأوَّلوا ((لعل)) بناءً على أن الترجِّي من الله سبحانه، وهو لا يصح في حقِّه تعالى، أو منه عليه السلام لكنه من الأنبياء في حكم المُتحقّق، ويجوز تركُ التأويل كما لا يخفى، بل هو الأظهرُ إذا كان ذاك من إبراهيم عليه السلام. ﴿بَلّ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءٍ﴾ أي: أهل مكة المعاصرين للرسول وَّةٍ ﴿وَءَابَهُمْ﴾ بالمَدِّ في العُمر والنعمة ﴿حَّى جَآَهُمُ الْحَقُّ﴾ دعوةُ التوحيد أو القرآن ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾﴾ ظاهرُ الرسالة بما لَه من المعجزات الباهرات، أو مُبِينٌ للتوحيد بالآيات البيِّنَات والحُجَجِ القاطعات. والمراد بالتمتيع ما هو سببٌ له من استمتاعهم بما مُتعوا واشتغالهم بذلك عن شكر المنعم وطاعته والغاية لذلك، فكأنه قيل: اشتغلوا حتى جاء الحقُّ، وهي غايةٌ له في نفس الأمر؛ لأن مجيء الرسول مما يُنَبِّه عن سِنَةِ الغفلة، ويزجر عن الاشتغال بالملاذِ، لكنهم عكسوا، فجعلوا ما هو سببٌ للتنصُّل سبباً للتوُّل، فهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَنَّهُمُ الْبِنَةُ ﴾ [البينة: ١-٤]. و((بل مَتَّعت)) إضرابٌ عن قوله جل شأنه (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) كأنه قيل: بل مَتَّعْتُ مشركي مكة وأشغلتهم بالملاهي والمَلاةِ فاشتغلوا فلم يرجعوا، أو فلم يحصل ما رجاه من رجوعهم عن الشِّرك، وهو في الحقيقة إضرابٌ عن التمهيد الذي سمعت وشروعٌ في المقصود، لكن رُوعي فيه المناسبةُ بما قَرُبَ من جملة الإضراب أعني ((لعلهم يرجعون)). (١) البحر المحيط ١٢/٨. (٢) أخرجه أحمد (١٦٧٣٤)، والبخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جبير بن مطعم حضرته بلفظ: ((إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي ... وأنا العاقب)). سُوَّةُ الْحْزُقُ ٣٧٠ الآية : ٣٠ - ٣١ وفي ((الحواشي الشهابية)) (١) أنه إضرابٌ عن قوله تعالى: ((وجعلها)) إلخ، أي: لم يرجعوا فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل أَعطيتُهم نِعماً أُخَرَ غيرَ الكلمةِ الباقيةِ لأجل أن يشكروا مُنْعِمَها ويُوحِّدوه فلم يفعلوا، بل زاد ◌ُغيانهم لاغترارهم، أو التقدير: ما اكتفيتُ في هدايتهم بجعل الكلمة باقيةً فيهم بل مَتَّعتهم وأرسلتُ رسولاً . وقرأ قتادة والأعمش: ((بل مَتَّعتَ)) بتاء الخطاب، ورواها يعقوبُ عن نافع(٢)، وهو من كلامهِ تعالى على سبيل التجريد لا الالتفاتِ - وإنْ قيل به في مثله أيضاً . كأنه تعالى اعترضَ بذلك على نفسه جل شأنه في قوله سبحانه: ((وجعلها)) إلخ، لا لتقبيح فعله سبحانه بل لِقَصْد زيادة توبيخ المشركين، كما إذا قال المُحسن على مَن أساء مخاطباً لنفسه: أنتَ الداعي لإساءته بالإحسان إليه ورعايته، فيبرز كلامُه في صورة من يعترضُ على نفسه ويُوبِّخها حتى كأنه مُستحِقٌّ لذلك، وفي ذلك من توبيخ المُسيء ما فيه. وقال صاحب ((اللوامح)): هو من كلام إبراهيم عليه السلام ومناجاته ربَّه عز وجل. وقال في ((البحر)): الظاهرُ أنه من مناجاة الرسول ◌َّ على معنى: قل: يا ربّ مَتَّعتَ(٣). والأولُ أولى، وهو الموافقُ للأصل المشهور. وقرأ الأعمش: ((مَّعنا)) بنون العظمة(٤). ﴿وَلَّا جَآَهُمُ الْحَقُّ﴾ لِيُنَبِّههم عمَّا هم فيه من الغَفْلة ويُرشِدَهم إلى التوحيد ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ زادوا شرارةً فَضَمُّوا إلى شِركهم معاندةَ الحقِّ والاستخفاف به، فَسمَّوا القرآنَ سِحْراً، وكفروا به، واستحقروا رسول الله وَّه. ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: من إحدى القريتين: مكة والطائف، أو مِن رجالهما، فـ ((من)) ابتدائية أو تبعيضية. وقرىء: ((رَجْل)) بسكون (١) حاشية الشهاب ٧/ ٤٤٠ . (٢) البحر المحيط ١٢/٨. (٣) البحر المحيط ١٢/٨، وعنه نقل المصنف كلام صاحب اللوامح. (٤) المحرر الوجيز ٥٢/٥، وتفسير القرطبي ٣٥/١٩، والبحر المحيط ١٢/٨. الآية : ٣٢ ٣٧١ سُوَدَّةُ الزّحْرُو الجیم(١) ﴿عَظِيم بالجاه والمال؛ قال ابن عباس: الذي من مكة الوليد بن ٣١ المغيرة المخزومي، والذي من الطائف حبيبُ بن عمرو بن عُمير الثقفي. وقال مجاهد: عُتبةُ بن ربيعة وكِنانةُ بن عبد ياليل. وقال قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وكان الوليدُ بن المغيرة يُسمَّى ريحانةَ قريش، وكان يقول: لو كان ما يقول محمدٌ وَّر حقًّا لنزل عليَّ أو على أبي مسعود. يعني عروة بن مسعود، وکان یُكنَی بذلك. وهذا بابٌ آخرُ من إنكارهم للنبوَّة، وذلك أنهم أنكروا أولاً أنْ يكون النبي بشراً، ثم لمَّا بكِّتوا بتكرير الحُجج ولم يبقَ عندهم تصوُّر رواج لذلك جاؤوا بالإنكار من وجهٍ آخرَ، فتحكَّموا على الله سبحانه أن يكونَ الرسول أحدَ هذين، وقولهم: هذا القرآن ذِكْرٌ له، على وجه الاستهانة، لأنهم لم يقولوا هذه المقالةَ تسليماً، بل إنكاراً، كأنه قيل: هذا الكذبُ الذي يدّعيه لو كان حقًّا لكان الحقیقَ به رجلٌ من القریتین عظیم، وهذا منهم لجهلهم بأنَّ رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيمَ النفس بالتخلِّي عن الرذائل الدَّنية والتحلِّي بالكمالات والفضائل القُدسية دون التزخرف بالزخارف الدنيوية. وقوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكٌ﴾ إنكارٌ فيه تجهيلٌ وتعجيبٌ من تحكُّمهم بنزول القرآن العظيم على مَن أرادوا. والرحمةُ يجوز أن يكون المرادُ بها ظاهرَها، وهو ظاهر كلام ((البحر))(٢)، ونزّل تعيينهم لمن ينزِلُ عليه الوحي منزلةَ التقسيم لها، وتدخل النبوّة فيها. ويجوز أن يكونَ المرادُ بها النبوّة، وهو الأنسب لما قبلُ، وعليه أَكثرُ المفسِّرين. وفي إضافة الربِّ إلى ضميره وَ لاّ من تشريفه عليه الصلاة والسلام ما فيه، وفي إضافة الرحمة إلى الربِّ إشارةٌ على أنها من صفاتِ الرُّبوبية. ﴿فَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ أسبابَ معيشتهم. وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وسفيان: ((معايشهم)) على الجمع(٣). (١) تفسير القرطبي ٣٦/١٩، والبحر المحيط ١٣/٨ دون نسبة. (٢) ٨/ ١٣. (٣) البحر ١٣/٨، وذكرها عن ابن عباس ؤها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٥. سُوَدَّةُ الرّحْرُفُّ ٣٧٢ الآية : ٣٢ اُلْحَيَّوقِ الدُّنْيَا﴾ قسمةً تقتضيها مشيئتُنا المَبْنية على الحِكَم والمصالح، ولم نُفُوِّض أمرَها إليهم عِلْماً منّا بِعَجْزهم عن تدبيرها بالكُلِّية، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكونَ حلالها وحرامها من الله تعالى. ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرزق وسائر مبادي المَعاش ﴿دَرَجَتٍ﴾ متفاوتةً بحسب القُرب والبُعد حَسْبَما تقتضيه الحِكمة، فمن ضعيف وقوي، وغني وفقير، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم ﴿لَيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ ليستعمل بعضُهم بعضاً في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويُسخِّروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم، لا لِكمالٍ في المُوَسَّع عليه، ولا لِنقصٍ في المُقَتَّر عليه، ولو فوّضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير خُوَيِّصة أمرهم وما يُصلحهم من متاع الدنيا الذَّنية - وهو على طَرَف الثُّمام(١) - بهذه الحالة، فما ظنُّهم بأنفسهم في تدبير أمر الدِّين، وهو أبعدُ من مَناط العَيُّوق(٢)؟ ومن أين لهم البحثُ عن أمر النبوّة والتخيُّر لها مَنْ يصلح لها ويقوم بأمرها؟ والسُّخرِيّ على ما سمعت نسبةً إلى السُّخرة، وهي التذليل والتكليف، وقال الراغب: السُّخري هو الذي يقهر أن يتسخّر بإرادته(٣). وزعم بعضُهم أنه هنا من السُّخر بمعنى الهُزء، أي: ليهزأَ الغنيُّ بالفقير، واستبعده أبو حيان(٤)، وقال السمين: إنه غيرُ مناسبٍ للمقام(٥) . وقرأ عمرو بن ميمون وابن مُحيصن وابن أبي ليلى وأبو رجاء والوليد بن مسلم: (سِخريّاً)) بكسر السين(٦)، والمُراد به ما ذكرنا أيضاً. (١) الثُّمام: نبت ضعيف سهل التناول، قالوا: إنه ينبت على قدر قامة المرء، يضرب به المثل في تسهيل الحاجة وقرب النجاح. مجمع الأمثال ٣٩٨/٢. (٢) العَيُّوق: كوكب يطلع مع الثريا، ضربت العرب به المثل في تأكيد بُعد الشيء وما لا يُنال. مجمع الأمثال ١١٥/١. (٣) المفردات في غريب ألفاظ القرآن (سخر)، وعبارته: هو الذي يُقهر فيتسخَّر بإرادته. (٤) في البحر المحيط ١٣/٨ . (٥) الدر المصون ٩/ ٥٨٤، وعبارته: ويَبْعُدُ قولُ بعضهم: إنه استهزاء الغني بالفقير. (٦) القراءات الشاذة ص١٣٥، والبحر المحيط ١٣/٨. الآية : ٣٣ ٣٧٣ سُوَّةُ الرَّحْرُوُ وفي قوله تعالى: ((نحن قسمنا)) إلخ ما يُزَهِّد في الانكباب على طلب الدنيا، ويُعين على التوكّل على الله عز وجل والانقطاع إليه جل جلاله : فاعتبِرْ نحن قَسمنا بينهم تَلْقَه حقّاً وبالحقِّ نزلَ(١) ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: النبوَّة وما يَتْبعها من سعادة الدارين. وقيل: الهدايةُ والإيمان. وقال قتادة والسدي: الجنة ﴿غَيّرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾﴾ من حُطام الدنيا الدَّنيَّة، فالعظيم مَن رُزِقَ تلك الرحمة دون ذلك الحُطام الدنيء الفاني. ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِلرَّحْمَنِ لِبُيُونِهِمْ سُقُفًا مِّن استئنافٌ مُبيِّن لحقارة مَتاعِ الدنيا ودَناءة قَدْره ٣٣ فِضَّدٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ عند الله عز وجل، والمعنى: إنَّ حقارةَ شأنه بحيث لولا كراهةُ أن يجتمع الناسُ على الكُفر ويُطبقوا عليه لأَعطيناه على أتمِّ وجه مَن هو شرُّ الخلائق وأدناهم منزلةً، فكراهة الاجتماع على الكُفر هي المانعةُ من تمتيع كلِّ كافر والبَسط عليه، لا أنَّ المانعَ كونُ مَتاع الدنيا له قَدْرٌ عندنا. والكراهةُ المذكورة هي وجه الحِكمة في ترك تنعيم كلِّ كافر وبسط الرزق عليه، فلا محذور في تقديرها، وليس ذلك مَبْنيّاً على وجوب رعاية المصلحة وإرادة الإيمان من الخَلْق ليكون اعتزالاً كما ◌ُنَّ. وكأنَّ وجهَ كون البسط على الكُفار سبباً للاجتماع على الكُفر مَزيدُ حُبِّ الناس للدنيا، فإذا رَأوْا ذلك كفروا لِينالوها، وهذا على معنى أن الله تعالى شأنه عَلِمَ أنه لو فعل ذلك لدعا الناسَ إذْ ذاك حُبُّهم للدنيا إلى الكُفر، فلا يقال: إنَّ كثيراً من الناس اليومَ يتحقَّق الغنى التامّ لو كفر ولا يكفر ولو أكره عليه بالقتل. وكونُ المرادِ بالأمر الواحد الذي يقتضيه كونُهم أمَّةً واحدة - فإنه بمعنى اجتماعهم على أمرٍ واحد - الكفرَ بقرينة الجواب. و ((لبيوتهم)) بدل اشتمال من قوله تعالى: ((لمن يكفر)» واللام فيهما للاختصاص، أو هما مُتعلِّقان بالفعل لا على البَدليَّة، ولام ((لمن)) صلة الفعل لِتعدِّيه باللام، فهو (١) البيت لابن الوردي وهو أحد أبيات لاميته الشهيرة. فتح الرحيم الرحمن شرح لامية ابن الوردي ص٩٦. سُورَةُ الرَّحْرُقِ ٣٧٤ الآية : ٣٣ بمنزلة المفعول به، ولام ((لبيوتهم)) للتعليل فهو بمنزلةِ المفعول له، ويجوز أن تكونَ الأُولى للمِلك والثانية للاختصاص، كما في قولك: وهبتُ الحبلَ لزيد لِدابَّته، وإليه ذهب ابنُ عطية(١)، ولا يجوز على تقدير اختلاف اللامين معنى البدلية، إذْ مقتضى إعادة العامل في البدل الاتّحاد في المعنى، وإلى هذا ذهب أبو حيان(٢). وقال الخفاجي: لا مانع من أن يُبدل المجموع من المجموع بدون اعتبارٍ إعادةٍ (٣). والسُّقُف جمع سَقْف كَرُهُن جمع رَهْن، وعن الفراء(٤) أنه جمع سَقيفة كَسُفن جمع سَفينة، والمعارج جمع مَعْرج، وهو عطفٌ على ((سُقفاً)) أي: ولَجعلنا لهم مصاعدَ عليها يعلُون السُّطوحَ والعلالي، وكأن المرادَ: معارج من فضة، بناءً على أن العطفَ ظاهرٌ في التشريك في القيد وإن تقدَّم. وقال أبو حيان: لا يتعيَّن ذلك(٥) وقرأ أبو رجاء: ((سُقْفاً)) بضم السين وسكون القاف تخفيفاً. وفي ((البحر)): هي لغةُ تميم(٦). وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو بفتح السين والسكون(٧) على الإفراد؛ لأنه اسمُ جنس يُطلق على الواحد وما فوقه، وهو المرادُ بقرينةِ البيوت. وقُرئ بفتح السين والقاف(٨)، وهي لغةٌ في سَقْف، وليس ذلك تحريكَ ساكن، لأنه لا وجهَ له. وقرئ: ((سُقوفاً))(٩) وهو جمع سَقْف، كَفُلوس جمع فَلْس. (١) في المحرر الوجيز ٥٤/٥ . (٢) في البحر المحيط ١٥/٨. (٣) حاشية الشهاب ٧/ ٤٤١ . (٤) في معاني القرآن ٣٢/٣. (٥) البحر المحيط ٨/ ١٥. (٦) المصدر السابق. (٧) وقرأ بها أيضاً أبو جعفر. التيسير ص١٩٦، والنشر ٣٦٩/٢. (٨) البحر المحيط ١٥/٨. (٩) المصدر السابق. الآية : ٣٤ - ٣٥ ٣٧٥ وقرأ طلحة: ((معاريج))(١) جمع مِعْراج. ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أي: ولجعلنا لِبيوتهم. وتكريرُ ذِكْر بيوتهم لزيادة التقرير، ولأنه ابتداءُ آية ﴿أَبَوَبًا وَسُرُرًا﴾ أي: من فضة على ما سمعت. وقرئ: ((سَرَراً)) بفتح السين والراء (٢)، وهي لغةٌ لبني تميم وبعض كلب، وذلك في جمع فَعيل المُضَعَّف إذا كان اسماً باتّفاق، وصفةً - نحو: ثوبٌ جديد وثيابٌ جُدد - باختلاف بين النحاة. ﴿عَلَيْهَا﴾ أي: على السُّرر ﴿ يَتَكِنُونَ (®﴾ كما هو شأنُ الملوك، لا يهمُّهم شيء. ﴿وَزُخْرُنَّ﴾ قال الحسن: أي: نُقوشاً وتزاويقَ. وقال ابن زيد: الزُّخرف: أثاثُ البيت وتجملاته، وهو عليهما عطفٌ على ((سقفا))، وقال ابن عباس وقتادة والشعبي والسدي والحسن أيضاً - في رواية -: الزخرف: الذَّهب. وأكثر اللّغويين ذكروا له مَعْنيين: هذا والزينة، فقيل: الظاهرُ أنه حقيقةٌ فيهما، وقيل: إنه حقيقةٌ في الزِّينة، ولكون كمالها بالذهب استُعمل فيه أيضاً، ويُشير إليه كلامُ الراغب(٣)، قال: الزخرف الزينة المُزوَّقة، ومنه قيل للذهب: زُخرف. وفي ((البحر)): جاء في الحديث: ((إِيَّاكم والحُمرةَ، فإنها من أحبُّ الزينة إلى الشيطان))(٤). وقال ابن عطية (٥): الحُسْنُ أحمر والشَّهوات تَتْبعه؛ ولبعض شعراء المغرب: وصَبغتَ دِرْعَكَ من دماء كُماتهم لما رأيتَ الحسنَ يلبسُ أحمرا(٦) وهو على هذا عطفٌ على محلِّ ((من فضة)) كأنَّ الأصلَ سقفاً من فضة (١) القراءات الشاذة ص ١٣٥ . (٢) كذا قال المصنف، والصواب: بضم السين وفتح الراء. ينظر الدر المصون ٩/ ٥٨٥. (٣) المفردات (زخرف). ٠ (٤) البحر المحيط ١٥/٨، والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٨٩) من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن راشد ظه. وهو حديث ضعيف، في إسناده الحسن البصري، وهو مدلس وقد عنعنه، وسعيد بن بشير، وهو ضعيف، كما في الإصابة ٤/ ٣٢٧. (٥) المحرر الوجيز ٥٤/٥ . (٦) البيت لابن عمار من قصيدة طويلة يمدح بها المعتضد عبّاد والد المعتمد. ذكرها صاحب نفح الطيب ٦٥٥/١. سُورَةُ الرَّحْزُقُ ٣٧٦ الآية : ٣٥ وزخرفٍ، يعني: بعضُها من فضة وبعضُها من ذهب، فَنُصب عطفاً على المحلِّ، وجُوِّز عطفُه على ((سقفاً)) أيضاً. ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَوَةِ الذُّنْيََّ﴾ أي: وما كلُّ ما ذُكر من البيوت الموصوفة بالصِّفات المُفصّلة إلا شيء يتمتّع به في الحياة الدنيا، وفي معناه ما قُرىء: ((وما كل ذلك إلا متاعُ الدنيا))(١). وقرأ الجمهور (لَمَا)) بفتح اللام والتخفيف(٢) على أنَّ ((إنْ)) هي المُخفَّفة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين المُخفَّفة وغيرها، و(ما)) زائدة أو موصولة، بتقدير: لما هو متاع، كما في قوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] في قراءة من رفع النون(٣). وقرأ أبو رجاء(٤) - وفي ((التحرير)): أبو حيوة -: ((لِمَا)) بكسر اللام والتخفيف على أنَّ ((إنْ)) هي المُخَفَّفة واللام حرف جرّ و((ما)) موصولة في محلِّ جرِّ بها، والجارُّ والمجرور في موضع الخبر لـ ((كلّ))، وصدر الصلة محذوفٌ كما سمعت آنفاً. وحُّ التركيب في مثله الإتيان باللام الفارقة، فيقال: لَلِما متاعُ، لكنها حُذفت لِظُهور إرادة الإثبات كما في قوله: أنا ابنُ أُباة الضَّيم من آل مالكٍ وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادن(٥) بل لا يجوز في البيت إدخالُ اللام كما لا يخفى على النحوي. ﴿وَالْآَخِرَةُ﴾ أي: بما فيها من قُنون النعيم التي لا يُحيط بها نِطاقُ البيان ﴿عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٥)﴾ خاصة لهم، والمرادُ بهم مَن اتَّقى الشِّرك. وقال غير واحد: من اتَّقی ذلك والمعاصي. (١) الكشاف ٣/ ٤٨٧. (٢) قرأ عاصم وحمزة وهشام بخلف عنه وابن جمَّاز بتشديد الميم، والباقون بتخفيفها، وهو الوجه الثاني لهشام. (٣) قرأ بها يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق. الدر المصون ٢٢٨/٥. (٤) في الأصل و(م): وقرأ رجاء، والمثبت من تفسير القرطبي ٤٣/١٩، والبحر المحيط ١٥/٨. (٥) قائله الطرمّاح، وهو في ديوانه ص٥١٢ . الآية : ٣٦ ٣٧٧ سُوَرَةُ الرَّحْرُوَةُ وفي الآية من الدلالة على التزهيد في الدنيا وزينتها والتحريض على التقوى ما فيها ؛ وقد أخرج الترمذي - وصحَّحه - وابنُ ماجه عن سَهْل بن سَعْد قال: قال: رسولُ الله ◌ِّت: (لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله تعالى جَناحَ بعوضة ما سَقى منها كافراً شَرْبةَ ماء))(١). وعن عليٍّ كرم الله وجهه: الدنيا أحقرُ من ذراع خنزير ميتٍ بال عليه كلبٌ في یدِ مجذوم. هذا، واستدلَّ بعضُهم بقوله تعالى: ((لبيوتهم سقفا)) على أن السَّقف لربِّ البيت الأسفل لا لصاحب العلو؛ لأنه منسوبٌ إلى البيت. ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أي: يتعامَ ويُعرض ﴿عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهو القرآن، وإضافتُه إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمةً للعالمين، وجُوِّز أن يكون مصدراً أُضيف إلى المفعول، أي: مَنْ يعشُ عن أن يَذْكُرَ الرحمنَ. وأن يكون مصدراً أُضيف إلى الفاعل، أي: عن تذکیر الرحمن عبادَه سبحانه. وقرأ يحيى بن سلام البصري: ((يعشَ)) بفتح الشين كـ: يَرضَ(٢)، أي: يَعْمَ، يقال: عَشِيَ ك : رَضِيَ، إذا حصلت الآفةُ في بصرهٍ، وعشًا كغزا، إذا نظرَ نظرَ العَشِي لعارض، قال الحطيئة: متى تَأْتهِ تعشو إلى ضوء نارِهِ تَجِدْ خيرَ نار عندها خيرُ مُؤْقِدٍ (٣) أي: تنظر إليها نظر العَشِي لِمَا يُضْعِفُ بَصَرَك من عِظَم الوقود واتِّساع الضوء، ولو لم يكن كذلك لم يكن لكلمة الغاية موقع، وأظهرُ منه في المقصود قولُ حاتم(٤): حتى يُواري جارتي الخِدْرُ أعشو إذا ما جارتي بَرزَتْ لأنه قيَّد بالوقت وأتى بالغاية، وما هو خَلْقيٌّ لا يزول. وقال بعضهم: لم أرَ أحداً يُجيز: عَشَوْتُ عنه، إذا أعرضت، وإنما يقال: تَعاشَيْتُ وتَعامَيْتُ عن الشيء؛ إذا تغافلت عنه كأنك لم تَرَه، ويقال: عشوتُ إلى (١) سنن الترمذي (٢٣٢٠)، وسنن ابن ماجه (٤١١٠). (٢) البحر المحيط ١٦/٨. (٣) ديوان الحطيئة ص ١٦١ . (٤) كما في الكشاف ٤٨٨/٣، وينسب أيضاً لمسكين الدارمي. ينظر الخزانة ٧١/٣-٧٣، وينظر كذلك ما سلف ١/ ٤٧٣ . سُوَرَّةُ الرَّحْفُ ٣٧٨ الآية : ٣٦ النار، إذا استدللت عليها ببصرٍ ضعيف، وهو مما لا يلتفت إليه. ومثل(١) عَشِي وعشا: عَرِجَ - بكسر الراء - لمن به الآفةُ، وعَرِجَ بفتحها لمن مشَى مِشْيةَ العرجان من غير عَرَجٍ، على ما في ((الكشاف))(٢)، وفيه خلافٌ لأهل اللغة؛ ففي ((القاموس)): يقال: عَرَّجَ - أي: بالفتح - إذا أصابه شيء في رِجْله وليس بِخِلْقة، فإذا كان خِلْقَةً فَعَرِجَ، كَفَرحَ، أو يُثَلَّث في غير الخِلْقة(٣). وقرأ زيد بن عليٍّ: ((يعشو)) بإثبات الواو، وخرَّج ذلك الزمخشري (٤) على أنَّ (مَنْ) موصولة لا شرطية جازمة، وجُوِّز أن تكون شرطية، والمَدَّة إما للإشباع، أو على لغةٍ مَن يَجزمُ المعتلَّ الآخر بحذف الحركة، على ما حكاه الأخفش(٥)، وجوز كون الفعل مجزوماً بحذف النون، والواو ضمير الجمع، وقد رُوعي فيه معنى (مَن))، وتخريجُ الزمخشري مبني على الفصيح المطّرد المتبادر. ﴿نُقَيِّضَّ لَهُ شَيْطَنَا﴾ أي: نُتِخْ له شيطاناً لِيستوليَ عليه استيلاءَ القيض على البيض، وهو القشرُ الأعلى. ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾﴾ دائماً لا يُفارقه ولا يزال يُوسوسه ويغويه، وهذا عقابٌ على الكُفر بالخَتْم وعدم الفلاح، كما يقال: إن الله تعالى يُعاقِبُ على المعصية بمزید اكتساب السيئات. وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه والسُّلمي والأعمش ويعقوب وأبو عمرو - بخلاف عنه - وحمَّاد عن عاصم وعصمة عن الأعمش وعن عاصم، والعليمي عن أبي بكر: ((يُقَيِّض)) بالياء(٦)، على إسناده إلى ضمير ((الرحمن)). (١) في (م): ومثله. (٢) ٤٨٧/٣-٤٨٨. (٣) القاموس المحيط (عرج). (٤) في الكشاف ٤٨٨/٣، وقراءة زيد بن علي ذكرها أيضاً في البحر ١٦/٨. (٥) كما في البحر المحيط ١٦/٨. (٦) قراءة علي ـ به في البحر المحيط ١٦/٨، وقراءة السلمي والأعمش في القراءات الشاذة ص١٣٥، وقراءة يعقوب والعليمي عن أبي بكر في النشر ٣٦٩/٢، والمشهور عن أبي عمرو وعاصم: ((نقيض)) بالنون. الآية : ٣٧ ٣٧٩ سُوَرَّةُ الْحُّفُ وقرأ ابن عباس: ((يُقَيَّض)) بالياء والبناء للمفعول، ((شيطانٌ)) بالرفع(١). والفعل في جميع القراءات مجزوم، ولم نسمع أنه قُرئ بالرفع. وفي (الكشاف))(٢): حقّ من قرأ: ((من يعشو)) بالواو أن يرفَعه. أي: بناءً على تخريجه ذلك على أن ((مَن)) موصولة، وجوز على ذلك أيضاً أن يكون ((نقيّض)) مرفوعاً لكنه سُكِّن تخفيفاً . وفي ((البحر))(٣): يجوز أن تكون ((مَنْ)) موصولة وجزم ((نُقُيِّض)) تشبيهاً للموصول باسم الشرط، وإذا كان ذلك مسموعاً في ((الذي)) وهو لم يكن اسمَ شرط قظُ فالأولى أن يكون فيما استُعمل موصولاً وشرطاً، قال الشاعر: فإنَّك فيها أنت مَن دونه تَقَعْ ولا تَحفِرَنْ (٤) بئراً تُريد أخاً بها. تُصِبْه على رَغْمٍ عواقبُ ما صَنَعْ كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً أنشدهما ابنُ الأعرابي(٥)، وهو مذهبٌ للكوفيين، وله وجهٌ من القياس، وهو أنه كما شبِّه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يُشبَّه به فينجزم الخبر، إلا أن دخولَ الفاء مُنقاسٌ إذا كان الخبر مسيّباً عن الصلة بشروطه المذكورة في النحو، وهذا لا يقيسه البصريون. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الشياطين الذين قُيِّض وقُدِّر كلُّ واحد منهم لكلِّ واحدٍ ممن يعشو ﴿لَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: لَيصدُّون قرناءهم، وهم الكُفَّارُ المُعبّر عنهم بـ ((من یعش»، وجمع ضمير الشيطان؛ لأنَّ المرادَ به الجنس، وجمع ضمير ((من)) رعاية للمعنى، كما أفرد أولاً رعايةً للفظ. وفي ((الانتصاف))(٦): إن في هذه الآية نُكتتين بديعتين: الأولى: الدلالة على (١) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥/٥. (٢) ٤٨٨/٣. (٣) ١٦/٨. (٤) في الأصل و(م): لا تحقرن، والمثبت من البحر، وبه يستقيم وزن البيت ومعناه. (٥) وهما في أمالي الزجاجي ص ١٨٥ منسوبان لسابق البربري. (٦) ٤٨٨/٣ (بحاشية الكشاف). سُودَةُ الْقُ ٣٨٠ الآية : ٣٧ أن النكرةَ الواقعة في سياق الشرط تُفيد العموم، وهي مسألة اضطربَ فيها الأصوليون، وإمام الحرمين من القائلين بإفادتها العموم(١) حتى استدركَ على الأئمة إطلاقَهم القولَ بأن النكرةَ في سياق الإثبات تخصُّ، وقال: إنَّ الشرط يعمُّ والنكرة في سياقه تعمّ. وقد ردًّ عليه الفقيه أبو الحسن علي الأبياري(٢) شارح كتابه ردًّا عنيفاً. وفي هذه الآيةِ للإمام ومن قال بقوله كفاية، وذلك أن الشيطانَ ذُكر فيها مُنَكَّراً في سياق شرط، ونحن نعلم أنه إنما أُريد عموم الشياطين لا واحد؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد ثبت أن لكلِّ أحدٍ شيطاناً، فكيف بالعاشي عن ذِكْر الله تعالى. والآخر: من الآية، وهو أنه أعيد عليه الضمير مجموعاً في قوله تعالى: (وإنهم)) فإنه عائدٌ إلى الشيطان قولاً واحداً، ولولا إفادتُه عمومَ الشُّمول لما جاز عودُ ضمير الجمع عليه بلا إشكال. فهذه نكتةٌ تجد عند سماعها لمخالفي هذا الرأي سكتةً. النكتة الثانية: أن فيها ردًّا على مَنْ زَعم أن العودَ على معنى ((من)) يمنع من العَوْد على لفظها بعد ذلك، واحتجَّ لذلك بأنه إجمالٌ بعد تفسير، وهو خلافُ المعهود من الفصاحة، وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات، واستخرج جدِّي(٣) من هذه الآية نقضَ ذلك أيضاً؛ لأنه أُعيد الضمير على اللفظ في ((يعش)) و((له))، وعلى المعنى في ((ليصدّونهم)) ثم على اللفظ في ((حتى إذا جاءنا))، وقد قدَّمتُ أن الذي مَنَع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملةٍ واحدة، وأما إذا تعدَّدت الجملُ واستقلَّت كلٌّ بنفسها فقد لا يمنع ذلك. انتهى. وفي كون ضمير ((إنهم)) عائداً على الشيطان قولاً واحداً نظر؛ فقد قال أبو حيان(٤): الظاهرُ أن ضميرَ النصب في ((إنهم ليصدونهم)) عائدٌ على ((من)) على (١) البرهان ٢٣٢/١. (٢) علي بن إسماعيل بن علي، من العلماء الأعلام، كان بارعاً في علوم شتى له تصانيف حسنة، منها كتاب شرح البرهان للجويني، وكتاب سفينة النجاة على طريقة الإحياء. توفي سنة (٦١٦هـ). الديباج المذهب ١٢١/٢ . (٣) هو أحمد بن إسماعيل بن فارس التميمي السكندري، سلفت ترجمته ٣٩١/١٠. (٤) البحر المحيط ١٦/٨.