النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ١٩
٢٦١
سُؤَدَةُ الشُِّورَى
وقال أبو حيان(١): ((لطيفٌ بعباده)) أي: بَرِّ بعباده المؤمنين ومَن سبق له الخلود
في الجنة، وما يُرى من النعم على الكافر فليس بِلُظْفٍ، إنما هو إملاء، إلا ما آل
إلى رحمة ووفاة على الإسلام.
وحكى الطيبي هذا التخصيص عن الواحدي(٢)، ومالَ إلى ترجيحه، وذلك أنه
ادَّعى أن الإضافة في ((عباده)) إضافةُ تشريفٍ، إذْ أكثرُ استعمال التنزيل الجليل في
مثل ذلك، فيختصُّ العبادُ بأوليائه تعالى المؤمنين. وحَمَلَ اللَّطف على مَنْح الهداية
وتوفيق الطاعة وعلى الكمالات الأخروية والكرامات السنية، وحملَ الرزق في قوله
تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَن يَنشَأَّةٍ﴾ عليه أيضاً، وقال: إنَّ استعمالَه فيما ذكر كاستعماله في
قوله تعالى: ﴿ِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَالَّهُ يَرْزُقُ مَنْ كَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] وجَعَلَ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾﴾ مُؤذِناً
بالتعليل، كأنه قيل: إنما تلطّف جلَّ شأنُه في حقِّ عباده المؤمنين دون مَنْ غَضِبَ
عليهم بمحضٍ مشيئته سبحانه، لأنه تعالى قويٌّ قادرٌ على أن يختصَّ برحمته وكرامته
من يشاء من عباده، عزيزٌ غالب لا يمنعه سبحانه عما يُريده أحد.
وادَّعى أنه يكون وِزانُ الآية على هذا مع قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
اُلْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِي حَرْثٌ﴾ الآية وزانَ قوله عز وجل: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ( فَأَمَهَا
تُورَهَا وَتَقْوَنِهَا ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] وينتظم
الكلام أتمَّ انتظام وتلتئمُ أطرافه أشدَّ التئام، ولا يقال حينئذ: إنَّ قولَه تعالى: ﴿يَرْزُقُ
مَنْ يَشَأَةُ﴾ حكمٌ مترتِّب على السابق، فكان ينبغي أن يعمَّ عمومَه، والعمومُ أظهر.
وحديثُ التخصیص في ((يرزق من يشاء)) فقد أجاب عنه صاحبُ ((التقريب))
فقال: إنما خصَّص الرزقَ بمن يشاء مع أنهم كلَّهم بَرِّ سبحانه بهم؛ لأنه تعالى قد
يخصُّ أحداً بنعمة وغيرَه بأخرى، فالعموم لجنس البِرِّ، والخصوصُ لنوعه.
وأشار جار الله(٣) إلى أنه لا تخصيصَ بالحقيقة؛ فإن المعنى: اللهُ تعالى بليغُ
(١) في البحر المحيط ٥١٤/٧.
(٢) الوسيط ٤ /٤٨ .
(٣) في الكشاف ٣/ ٤٦٥.

سُوَّةُ الشُِّورَى
٢٦٢
الآية : ٢٠
البِرِّ بجميع عباده يرزقُ مَن يشاء ما يشاء سبحانه منه، فـ ((يرزق من يشاء)» بيانٌ
لتوزيعه على جميعهم، فليس الرِّزق إلا النصيبَ الخاصَّ لكلِّ واحد، ولمَّا شَمِلَ
الدارين لاءَمَ قولَه تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ) إلخ كلَّ المُلاءمة. ولا يتوقّف هذا على
ما قاله الطيبي.
ولعل أمرَ التذييل بالاسمين الجليلين على القول بالعموم أظهرُ، والتعليل
أنسبُ، فكأنه قيل: لطيفٌ بعباده عامُّ الإحسان بهم؛ لأنه تعالى القويُّ الباهر القُدرة
الذي غلب وغلبتْ قُدرته سبحانه جميعَ القُدَر، يرزق من يشاء، لأنه العزيزُ الذي
لا يُغلَبُ على ما يُريد، فكلٌّ من الاسمين الجليلين ناظرٌ إلى حُكمٍ، فافهم ﴿وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]:
فكم اللهِ من لُظْفٍ خَفِيِّ يَدِقُّ خَفاه عن فَهم الذَّكي(١)
والحَرْثُ في الأصل إلقاءُ البَذْر في الأرض، يُطلق على الزرع الحاصل منه،
ويُستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المَبنية على تشبيهها بالغِلال
الحاصلة من البذور، المتضمِّنٍ لتشبيه الأعمال بالبذور، أي: مَن كان يُريد بأعماله
ثوابَ الآخرة نُضاعِفْ له ثوابَه بالواحد عشرةً إلى سبع مئةٍ فما فوقها ﴿وَمَن كَانَ
يُرِيدٌ﴾ بأعماله ﴿حَرّثَ الدُّنْيَا﴾ وهو متاعُها وطَيِّباتها ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ أي: شيئاً منها
حَسْبَما قدَّرناه له بطلبه وإرادته ﴿وَمَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾﴾ إذْ كانت هِمَّتُه
مقصورةً على الدنيا .
وقرأ ابن مقسم، والزعفراني، ومحبوب والمنقري كلاهما عن أبي عمرو: ((يَزِدْ))
و (يؤته)) بالياء فيهما، وقرأ سلام: ((تُؤْتِهُ)) بضم الهاء(٢)، وهي لغةُ أهل الحجاز.
وقد جاء في الآية فعل الشرط ماضياً والجوابُ مضارعاً مجزوماً؛ قال
أبو حيان(٣): ولا نعلم خلافاً في جواز الجزم في مثل ذلك، وأنه فصيحٌ مختارٌ
(١) ذكره الشهاب في حاشيته ٧/ ٤١٧ ولم ينسبه.
(٢) البحر المحيط ٥١٤/٧، وما ذكره عن أبي عمرو غير المشهور عنه، وقراءة سلام ذكرها
أيضاً ابن جني في المحتسب ٢٤٩/٢.
(٣) في البحر المحيط ٧/ ٥١٤.

الآية : ٢١
٢٦٣
سُورَةُ الشُِّورَى
مطلقاً إلا ما ذكره صاحبُ كتاب ((الإعراب)) أبو الحكم بن عذرة(١) عن بعض
النحويين أنه لا يَجيء في الفصيح إلا إذا كان فعلُ الشرط كان، وإنما يجيء معها
لأنها أصلُ الأفعال، ونصُّ كلام سیبویه والجماعة أنه لا يختصُّ بكان، بل سائر
الأفعال مثلُها في ذلك، وأنشد سيبويه للفرزدق:
دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القومَ إن قَدروا عليك يَشِفُوا صدوراً ذاتَ توغير(٢)
وقال أيضاً:
تَعشَّ فإنْ عاهدتني لا تخونني
نَكُن مِثْلَ مَنْ یا ذئب يصطحبان(٣)
﴿َمْ لَهُمْ شُرَكَؤًا﴾ في الكُفْر، وهم الشياطين ﴿شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء
الكَفَرة المعاصرين لك بالتسويل والتزيين ﴿مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشِّرك،
وإنكارِ البَعْث، والعمل للدنيا، و((أم)) منقطعة، فيها معنى بل الإضرابية، والهمزةِ
التي للتقرير والتقريع، والإضرابُ عما سبق من قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ اُلِّينِ﴾
[الآية: ١٣] إلخ، فالعطف عليه، وما اعترض به بين الآيتين من تتمةِ الأولى، وتأخير
الإضراب ليدلَّ على أنهم في شرعٍ يُخالف ما شرعه الله تعالى من كلِّ وجه، فالشرك
في مقابلة إقامة الدين. والاستقامةِ عليه، وإنكارُ البعث في مقابلة قوله تعالى
(وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا أَلَْقُّ) والعمل للدنيا لقوله سبحانه: (مَن
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ).
وهذا أظهرُ مِن جَعْلِ الإضرابِ عما تقدَّم من قوله تعالى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ)
كما لا يخفى.
وقيل: شركاؤهم أصنامهم، وإضافتها إليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله
(١) الحسن بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم الأنصاري، الأوسي، الخضراوي، النحوي، أخذ
عن ابن عصفور وغيره، له تصانيف منها: المفيد في أوزان الرجز والقصيد، والإعراب عن
أسرار الحركات في لسان الأعراب. توفي سنة (٦٤٤هـ). بغية الوعاة ٥١٠/١، وكشف
الظنون ١٢٥/١.
(٢) الكتاب ٦٩/٣، وهو في ديوان الفرزدق ٢١٣/١.
(٣) ديوان الفرزدق ٣٢٩/٢، وفيه: واثقتني، بدل: عاهدتني.

سُورَةُ الشُوَى
٢٦٤
الآية : ٢١
سبحانه، وإسنادُ الشرع إليها لأنها سببُ ضلالتهم وافتتانهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ [إبراهيم: ٣٦] وجوِّز أن يكونَ الاستفهامُ المقدَّر على هذا للإنكار،
أي: ليس لهم شرعٌ ولا شارع، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن
دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] وأيّاً ما كان فضميرُ ((شرعوا)) للشُّركاء وضميرُ ((لهم)) للكُفَّار.
وجوِّز على تفسير الشركاء بالأصنام أن يكون الأولُ للكُفَّار، والثاني للشُّركاء،
أي: شرع الكُفَّار لأصنامهم ورسموا من المعتقدات والأحكام ما لم يأذَنْ به الله
تعالى، كاعتقادٍ أنهم آلهةٌ، وأن عبادتَهم تُقرِّهم إلى الله سبحانه، وكجعل البحيرة
والسائبة والوَصِيلة وغير ذلك، وهو كما ترى.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: القضاء والحُكم السابق منه تعالى بتأخيرِ العذاب
إلى يوم القيامة، أو إلى آخرِ أعمارهم ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الكافرين والمؤمنين
في الدنيا. أو حين افترقوا بالعِقاب والثواب. وجوِّز أن يكون المعنى: لولا
ما وعدَهم الله تعالى به من الفصل في الآخرة لقضي بينهم، فالفصل بمعنى البيان
كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَعْنَهُ وَالْأَوَِّينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]. وقيل: ضمير
بينهم للكُفَّار وشركائهم بأيِّ معنى كان.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ وهم المُحدَّث عنهم، أو الأعمُّ منهم، ويدخلون دخولاً أوليًّا
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ في الآخرة. وفي ((البحر))(١): أي: في الدنيا بالقَتْل
والأَسْر والتَّهْب، وفي الآخرة بالنار.
وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب: ((وأنَّ)) بفتح الهمزة(٢) عطفاً على ((كلمةُ
الفَصْل))، أي: لولا القضاءُ السابق بتأخير العذاب وتقديرِ أنَّ الظالمين لهم عذابٌ
أليم في الآخرة، أو لولا العِدَة بأنَّ الفصلَ يكون يومَ القيامة وتقدير أنَّ الظالمين
لهم .. إلخ، لَقُضي بينهم، والعطفُ على التقديرين تتميمٌ للإيضاح لا تفسيريٌّ
محض.
(١) ٧ / ٥١٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص١٣٤ .

الآية : ٢٢
٢٦٥
سُورَةُ الْشُورَى
﴿َتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ جملةٌ مستأنفة لبيان ما قبلُ. والخطاب لكلِّ أحدٍ يصلحُ له
لِلقَصْد إلى المبالغة في سوء حالهم، أي: ترى يا من يصحُّ منه الرؤيا الظالمين يومَ
القيامة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين الخوف الشديد ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا من السيئات.
والكلامُ - قيل - على تقدير مُضاف، و((من)) صلة الإشفاق، أي: مشفقين مِن
وبال ما كسبوا ﴿وَهُوَ﴾ أي: الوبال ﴿وَاقِعُ بِهِمْ﴾ أي: حاصلٌ لهم لاحقٌ بهم.
واختار بعضُهم أنْ لا تقدير، و((من)) تعليلية؛ لأنه أَدْخَلُ في الوعيد.
والجملة اعتراضٌ للإشارة إلى أن إشفاقَهم لا ينفعهم، وإيثار ((واقع)) على يقع
مع أن المعنى على الاستقبال - لأنَّ الخوفَ إنما يكون من المتوقَّع، بخلاف الحزن -
للدلالة على تحقُّقه، وأنه لا بدَّ منه. وجوِّز أن تكون حالاً من ضمير ((مُشفِقين))،
وظاهرُ ما سمعتَ أنه حالٌ مقدَّرة.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ أي: مُستقِرُّون في
أطيبٍ بقاعها وأنزهها. وقال الراغب(١): هي محاسِنُها وملاذُّها، وأصلُ الروضة
مستنقعُ الماء والخُضرة، واللغةُ الكثيرةُ في واوها جمعاً التسكين كما في المُنْزَّل،
ولغة هذيل بن مدركة فتحها، فيقولون: رَوَضات إجراءً للمُعتَلّ مُجرى الصحيح نحو
جَفَنات، ولم يقرأ أحدٌ فيما عَلِمنا بلغتهم.
﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ما يشتهونه من فنون المستلذَّات حاصلٌ لهم
عند ربهم، فالظرف متعلّقٌ بمتعلَّق الجار والمجرور الواقع خبراً لـ ((ما))، أو به،
واختاره جارُ الله (٢)، ونفى أن يكون متعلِّقاً بـ ((يشاؤون)) مع أنه الظاهرُ نحواً.
وبيَّن صاحب ((الكشف)) ذلك بأنه كلامٌ في مَعْرِض المبالغة في وصف ما يكون
أهلُ الجنة فيه من النعيم الدائم، فأَفيد أنهم في أنزه موضع من الجنة وأطيبٍ مَقْعد
منها بقوله تعالى: (فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) لأن روضةَ الجنة أنزه موضع منها، لاسيما
والإضافة في هذا المقام تُنبىء عن تميُّزها بالشَّرف والطيب، والتعقيبُ بقوله تعالى:
(١) في مفردات ألفاظ القرآن (روض).
(٢) في الكشاف ٤٦٦/٣.

سُورَةُ الشِّوْرَى
٢٦٦
الآية : ٢٢
(لَهُ مَّا يَشَآءُونَ) أيضاً. ثم أُفيد أنَّ لهم ما يشتهون من ربِّهم، ولا خفاءَ أنك إذا
قلت: لي عند فلان ما شئتُ، كان أبلغَ في حصول كلِّ مطالبك منه مما إذا قلت :
لي ما شئتُ عند فلان، بالنسبة إلى الطالب والمطلوب منه؛ أما الأول: فلأنه يُفيد
أن جميع ما تشاؤه موجودٌ مبذولٌ لك منه، والثاني يفيد أن ما شئتَ عنده مبذولٌ
لا جميع ما تشاؤه. وأما الثاني: فلأنك وصفته بأنه يبذلُ جميعَ المُرادات، وفي
الثاني وصفتَه بأن ما شئتَ عنده مبذولٌ لك، إمّا منه وإمّا من غيره. ثم في الأول
مبالغةٌ في تحقيق ذلك وثُبوته كما تقول: لي عندك وقبلك كذا، فالله تعالى شأنه أخبر
بأن ذلك حقٌّ لهم ثابتٌ مقضيٍّ في ذمة فَضْله سبحانه، ولا كذلك في الثاني.
ثم قال: ولعلّ الأوجه أنْ يجعل ((عند ربهم)) خبراً آخر، أي: الذين آمنوا
وعملوا الصالحات عند ربِّهم في رَوْضات الجنات، لهم فيها ما يشاؤون، وإنما
أُخّر توخّياً لسلوك طريق المبالغة في الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى، ومراعاةً لترتيب
الوجود أيضاً، فإن الوافدَ والضيفَ ينزلُ في أنزوِ موضع، ثم يحضرُ بين يديه الذي
يَشتهيه، وملاكُ ذلك كلِّه أن يختصَّه ربُّ المنزل بالقُرب والكرامة.
وإنْ جعله حالاً من فاعل يشاؤون، أو من المجرور في ((لهم)) أفاد هذا المعنى
أيضاً، لكنه يقصرُ عما آثرناه؛ لأنه قد أتى به إتيان الفَضْلة، وهو مقصودٌ بذاته
عُمدة. ولَعمري إن ما آثره حسنٌ معنى، إلا أنه أبعدُ لفظاً مما آثره جار الله،
ولا يخفى عليك ما هو الأنسب بالتنزيل.
وفي الخبر عن أبي ظَبية قال: إنَّ السِّربَ من أهل الجنة لَتظلُّهم السحابةُ
فتقول: ما أُمْطِرُكم؟ فما يدعو داعٍ من القوم إلا أَمْطَرَتْه، حتى إن القائلَ منهم
ليقول: أَمطرينا كواعبَّ أتراباً(١).
﴿َذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر من حال المؤمنين، وما فيه من معنى البُعد للإيذان
ببعد منزلة المُشارِ إليه. ﴿هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾﴾ الذي لا يُقْدَرُ قَدْرُه ولا تُبلَغ
غايتُه، ويَصغُر دونه ما لغيرهم في الدنيا .
(١) أخرجه الطبري ٦٤٦/٢٠.
٢٠

الآية : ٢٣
٢٦٧
سُورَةُ الشُوْرَى
﴿ذَلِكَ﴾ الفضلُ الكبير أو الثوابُ المفهوم من السِّياق هو ﴿الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: يُبشِّر به، فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول
كما هو عادتُهم في التدريج في الحذف، ولا مانعَ كما قال الشهاب(١) من حَذْفهما
دفعةً. وجوِّز كون ((ذلك)) إشارةً إلى التبشير المفهوم من ((يُبشِّر)) بعدُ، والإشارة قد
تكون لما يُفهم بعدُ كما قرَّروه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ [البقرة:
١٤٣] ونحوه، والعائدُ إلى الموصول ضميرٌ منصوب بـ ((يُبَشِّر)) على أنه مفعولٌ مطلق
له؛ لأنه ضميرُ المصدر، أي: ذلك التبشير يُبَشِّره اللهُ عبادَه.
وزعم أبو حيان أنه لا يظهر جعلُ الإشارة إلى التبشير، لعدم تقدُّم لفظِ البُشرى،
ولا ما يدلُّ عليها(٢). وهو ناشئٌ عن الغَفْلة عما سمعتَ، فلا حاجة في الجواب
عنه أن كونَ ما تقدَّم تبشيراً للمؤمنين كافٍ في صحة ذلك.
ثم قال: ومن النَّخْويين من جعل «الذي» مصدریة، حكاه ابنُ مالك عن يونس
وتأوَّل عليه هذه الآية، أي: ذلك تبشيرُ الله تعالى عبادَه، وليس بشيء، لأنه إثباتٌ
للاشتراك بين مختلفي الحدّ بغير دليل، وقد ثبتت اسمية الذي، فلا يعدلُ عن ذلك
بشيء لا يقوم به دليلٌ ولا شبهة(٣).
وقرأ عبد الله بن يعمر وابن أبي إسحاق والجَحْدري والأعمش وطلحة - في
رواية - والكسائي وحمزة: ((يَبْشُر)) ثلاثيًا(٤). ومجاهد وحُميد بن قيس بضمّ الياء
وتخفيف الشين من أَبشر(٥)، وهو معدَّى بالهمزة من بَشِرَ اللازم المكسور الشین،
وأما بَشَر بفتحها، فمتعدٍّ، وبَشَّر بالتشديد للتكثير لا للتعدية؛ لأنَّ المعدَّى إلى واحد
وهو مُخفَّف لا يُعدَّى بالتضعيف إليه، فالتضعيفُ فيه للتكثير لا للتعدية.
(١) في الحاشية ٧/ ٤١٨ .
(٢) البحر المحيط ٥١٦/٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) البحر المحيط ٥١٥/٧، وقراءة الكسائي وحمزة - وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو - في
التيسير ص١٩٥، والنشر ٢٣٩/٢.
(٥) المحتسب ٢٥١/٢، والبحر المحيط ٧ /٥١٥.

سُورَةُ الشُِّورَى
٢٦٨
الآية : ٢٣
﴿قُل لَّ أَسْتَلُكُمُ عَلَيْهِ﴾ أي: على ما أتعاطاه لكم من التبليغ والبِشارة وغيرهما
﴿أَجْرًا﴾ أي: نفعاً ما، ويختصُّ في العُرف بالمال ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ﴾ أي: إلا مودَّتَكم
إيايَ ﴿فِ الْقُرْبٌ﴾ أي: لقرابتي منكم، فـ ((في)» للسببية مثلها في ((إنَّ امرأةً دخلتٍ
النارَ في هِرَّة)»(١) فهي بمعنى اللام لِتقارب السبب والعِلَّة، وإلى هذا المعنى ذهب
مجاهد وقتادة وجماعة.
والخطاب إما لقريش على ما قيل: إنهم جمعوا له مالاً وأرادوا أن يَرْشُوه على أنْ
يُمسِكَ عن سبِّ آلهتهم، فلم يفعل ونزلَتْ. وله عليه الصلاة والسلام في جميعهم
قرابة(٢). أخرج أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله
تعالى: (إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِ) فقال سعيدُ بن جُبير: قُربى آل محمد ◌ِّهِ، فقال ابنُ عباس:
عَجِلْتَ، إنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام لم يكن بطنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة (٣).
أوللأنصار، بناءً على ما قيل: إنهم أَتَوْه بمال لِيستعين به على ما ينوبُه فنزلت،
فردَّه(٤). وله عليه الصلاة والسلام قرابةٌ منهم، لأنهم أخوالُه؛ فإنَّ أُمَّ
عبد المطلب - وهي سلمى بنت زيد النجَّارية - منهم، وكذا أخوالُ آمنةَ أُمِّه عليه
الصلاة والسلام كانوا على ما في بعض التواريخ من الأنصار أيضاً.
أو لجميع العرب؛ لِقَرابته عليه الصلاة والسلام منهم جميعاً في الجُملة، كيف
لا وهم إما عدنانيون وقريش منهم، وإما قحطانيون والأنصار منهم، وقرابتُه عليه
الصلاة والسلام من كلِّ قد علمت، وذلك يستلزم قرابتَه من جميع العرب، وقُضاعةُ
من قَحْطان لا قِسمٌ برأسه على ما عليه مُعظم النسَّابين.
والمعنى: إنْ لم تعرفوا حقِّي لِنبوَّتي وكوني رحمةً عامَّة ونعمةً تامَّةً، فلا أقلّ من
مودّتي لأجل حقِّ القرابةِ وصلة الرحم التي تعتنون بحفظها ورعايتها .
(١) أخرجه أحمد (٧٥٤٧)، والبخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) من حديث أبي هريرة ضُه.
(٢) ذكره أبو حيان في البحر ٥١٦/٧.
(٣) مسند أحمد (٢٠٢٤)، وصحيح البخاري (٤٨١٨)، وسنن الترمذي (٣٢٥١)، ولم نقف عليه
عند مسلم.
(٤) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٩٥ مطولاً.

الآية : ٢٣
1
٢٦٩
سُودَةُ الشِّوَى
وحاصلُه: لا أطلبُ منكم إلا مودَّتي ورعايةَ حقوقي لِقرابتي منكم وذلك أمرٌ
لازمٌ عليكم، ورُوي نحو هذا في ((الصحيحين)) عن ابن عباس(١)، بل جاء ذلك
عنهِ رَظُّه في روايات كثيرة، وظاهرُها أنَّ الخِطابَ لقريش؛ منها ما أخرجه
سعيدُ بن منصور وابنُ سعد وعبدُ بن حُميد والحاكم - وصحَّحه - وابن مردويه
والبيهقي في ((الدلائل)) عن الشعبي قال: أكثرَ الناسُ علينا في هذه الآية ((قل
لا أسألكم)) إلخ، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله، فكتبَ ◌َُه: إنَّ رسولَ اللهِ وَله
كان وسطً النسب في قريش، ليس بطنٌ من بُطونهم إلا وقد وَلدوه، قال الله
تعالى: (قُل لَّ أَسْتَلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا) على ما أَدْعوكم عليه (إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبٌِ) تَودُّوني
لِقرابتي منكم، وتحفظوني بها (٢).
ومنها ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عنه قال: كان
لرسول الله وَلّ قرابةٌ من جميع قريش، فلما كذَّبوه وأَبَوْا أن يُتابعوه قال: ((يا قوم إذا
أبيتم أن تُتابعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيرُكم من العرب أولى بحفظي
ونُصرتي منكم)»(٣).
والظاهرُ من هذه الأخبار أنَّ الآيةَ مكيةٌ، والقولُ بأنها في الأنصار يقتضي
کونَها مدنية.
والاستثناءُ متصلٌ بناءً على ما سمعتَ من تعميم الأجر. وقيل: لا حاجةَ إلى
التعميم، وكونُ المودّة المذكورة من أفرادِ الأجر ادعاءٌ كافٍ لاتصال الاستثناء.
وقيل: هو منقطع إما بناءً على أنَّ المودةَ له عليه الصلاة والسلام ليست أجراً
أصلاً بالنسبة إليه بَّرَ، أو لأنها لازمةٌ لهم لِيُمدحوا بصلة الرحم، فنفعُها عائدٌ
عليهم، والانقطاعُ أقطعُ لتوهُم المنافاة بين هذه الآيةِ والآيات المتضمنةِ لِنفي سؤال
الأَجْر مطلقاً .
(١) سلف قريباً.
(٢) المستدرك ٢/ ٤٤٤، ودلائل النبوة ١٨٥/١، والكلام من الدر المنثور ٦/٦.
(٣) تفسير الطبري ٤٩٥/٢٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٧٥/١٠، ومعجم الطبراني الكبير
(١٣٠٢٦).

سُورَةُ الشُِّوْرَى
٢٧٠
الآية : ٢٣
وذهب جماعةٌ إلى أن المعنى: لا أطلبُ منكم أجراً إلا محبَّتَكم أهل بيتي
وقرابتي، وفي ((البحر))(١): إنه قولُ ابن جُبير والسدي وعمرو بن شُعيب. و((في))
عليه للظرفية المَجَازِيَّة، و((القربى)) بمعنى الأقرباء، والجارُّ والمجرور في موضع
الحال، أي: إلا المودة ثابتة في أقربائي مُتمكّنة فيهم، ولمكانة هذا المعنى لم
يَقُلْ: إلا مودَّةَ القُربى، وذكر أنه على الأول كذلك، وأمر اتّصال الاستثناء وانقطاعه
على ما سبق.
والمراد بقرابته عليه الصلاة والسلام في هذا القول قيل: ولدُ عبد المطلب،
وقيل: عليٍّ وفاطمة وولدُها ◌َ﴿ه، ورُوي ذلك مرفوعاً؛ أخرج ابن المنذر وابن
أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جُبير عن ابن عباس قال: لما نزلَتْ
هذه الآيةُ ((قُلْ لا أسألكم)) إلخ قالوا: يا رسولَ الله، مَنْ قرابتُك الذين وَجَبتْ
مودَّتُهم؟ قال: ((عليٍّ وفاطمةُ وولدُها))(٢) صلى الله عليه وسلم وعليهم. وسندُ هذا
الخبر على ما قال السيوطي في ((الدر المنثور))(٣) ضعيفٌ، ونصّ على ضَعْفه في
(تخريج أحاديث الكشاف))(٤) ابنُ حجر. وأيضاً لو صحَّ لم يَقُلْ ابنُ عباس ما حُكي
عنه في ((الصحيحين)) وغيرهما، وقد تقدَّم(٥)، إلا أنه رُوي عن جماعة من أهل
البيت ما يُؤيِّد ذلك؛ أخرج ابنُ جرير عن أبي الدَّيْلم قال: لما جيء بعلي بن
الحسين عيًّا أسيراً فأقيم على درج دمشق، قام رجلٌ من أهل الشام فقال: الحمدُ لله
الذي قَتلكم واستأُصَلكم. فقال له علي ربه: أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم. قال:
أقرأتَ آل حم؟ قال: نعم. قال: ما قرأتَ: (قُل لَّ أَسْئُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ اُلْمَوَدَّةَ فِىِ
الْقُرْبِىُّ)؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم(٦).
وروى زاذان عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: فينا في آل حم آيةٌ لا يحفظ
(١) ٥١٦/٧ .
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٧٧/١٠، ومعجم الطبراني الكبير (١٢٢٥٩).
(٣) ٦/ ٧.
(٤) ص ١٤٥ .
(٥) تقدم قريباً.
(٦) تفسير الطبري ٤٩٩/٢٠، وأبو الدَّيلم اسمه: حَذْلم بن بشير (أو: ابن بشر). الإكمال ٤٠٥/٢.

الآية : ٢٣
٢٧١
سُورَةُ الشُِّورَى
مودَّتَنا إلا مؤمن، ثم قرأ هذه الآية(١)، وإلى هذا أشارَ الكُميت في قوله:
تأوَّلها منَّا تقيٌّ ومُعرِبُ(٢)
وجدنا لكم في آل حم آيةً
والله تعالى دَرُّ السيد عمر الهيتي أحدُ الأقارب المعاصرين حيث يقول:
غداةَ صحائفُ الأعمال تُتلى
بأَيَّةِ آيةٍ يأتي يزيد
وقد صمّت جميع الخَلْق قل لا
وقام رسولُ ربِّ العرش يتلو
والخطابُ على هذا القول لجميع الأُمَّة لا للأنصار فقط وإن ورد ما يُوهم
ذلك، فإنهم كلَّهم مُكَلَّفون بمودة أهل البيت؛ فقد أخرج مسلم والترمذي
والنسائي عن زيد بن أرقم، أن رسولَ الله وَّه قال: ((أُذكِّركم اللهَ تعالى في أهل
بيتي))(٣).
وأخرج الترمذي - وحسّنه - والطبراني والحاكم والبيهقي في ((الشعب)) عن ابن
عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((أَحِبُّوا اللهَ تعالى لما يَغْذُوكم به من نعمه،
وأَحِبُّوني لحبِّ الله تعالى، وأَحِبُّوا أهلَ بيتي لحبي))(٤).
وأخرج ابنُ حبان والحاكم عن أبي سعيد قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والذي
نفسي بيده، لا يُغِضُنا أهل البيت رجلٌ إلا أَدخلَه اللهُ تعالى النار))(٥).
إلى غير ذلك مما لا يُحصى كَثْرةً من الأخبار، وفي بعضها ما يدلُّ على عموم
القُربى وشُمولها لبني عبد المطلب؛ أخرج أحمد والترمذي - وصحَّحه - والنسائي
(١) أخرجه الواحدي في الوسيط ٥٣/٤، وفي إسناده عبد الغفور أبو الصباح الواسطي، قال
البخاري: تركوه، وقال ابن عدي: ضعيف منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٢/ ٦٤١.
(٢) ديوان الكميت ص١٨. وقوله: مُعرِب، قال الجوهري في الصحاح (عرب): أعرب بحجته
إذا أفصح بها ولم يَتَّقِ أحداً.
(٣) صحيح مسلم (٢٤٠٨)، وسنن النسائي الكبرى (٨١١٩)، وهو عند الترمذي (٣٧٨٨)
بمعناه، وأخرجه أحمد (١٩٢٦٥).
(٤) سنن الترمذي (٣٧٨٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠٦٦٤)، والمستدرك ٣/ ١٥٠، وشعب
الإيمان (١٣٧٨).
(٥) صحيح ابن حبان (٦٩٧٨)، والمستدرك ١٥٠/٣.

سُورَةُ الشِّوْرَى
٢٧٢
الآية : ٢٣
عن المطّلب بن ربيعة قال: دخل العباسُ على رسول الله وَّه فقال: إنَّا لَنخرِجُ فنرى
قريشاً تُحدِّث، فإذا رأَوْنا سكتوا، فغضب رسولُ الله ◌َّهُ ودَرَّ عِرْقٌ بين عينيه ثم
قال: ((واللهِ، لا يدخلُ قلبَ امرئ مسلم إيمانٌ حتى يُحبَّكم لله تعالى ولِقرابتي))(١)
وهذا ظاهرٌ إنْ خصَّ القُربى بالمؤمنين منهم، وإلا فقيل: إن الحُكم منسوٌ. وفيه
نَظر، والحُّ وجوبُ محبة قَرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنهم قَرابته وَيه
کیف كانوا، وما أحسن ما قيل:
داريتُ أهلكَ في هواكَ وهم عِدا ولأَجْل عينٍ ألفُ عين تُكْرَمُ
وكلما كانت جهةُ القرابة أقوى كان طلبُ المودَّة أشدَّ، فمودَّةُ العلويِّين
الفاطميين ألزمُ من محبة العباسيين على القول بعموم ((القُربى))، وهي على القول
بالخصوص قد تتفاوتُ أيضاً باعتبار تفاوت الجِهات والاعتبارات، وآثارُ تلك
المودّة التعظيم والاحترام، والقيامُ بأداء الحُقوق أتمَّ قيام، وقد تهاونَ كثيرٌ من
الناس بذلك حتى عدُّوا من الرفض السلوكَ في هاتيك المسالك، وأنا أقول قولَ
الشافعيّ الشافي العيّ:
واهتف بساكن خيفها والناهض
يا راكباً قِفْ بالمُحصَّب من مِنى
فيضاً كملتطمِ الفراتِ الفائض
سَحراً إذا فاضَ الحجيجُ إلى منى
فَلْيشهدِ الثَّقلانِ أني رافضي(٢)
إنْ كان رَفْضاً حبُّ آل محمد
ومع هذا لا أعدُّ الخروج عما يعتقده أكابرُ أهل السنة في الصحابة مع﴿ه ديناً،
وأرى حُبَّهم فرضاً عليَّ مُبِيناً، فقد أوجبه أيضاً الشارعُ، وقامت على ذلك البراهين
السواطع.
ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المُذَكِّرين قال: إنه عليه الصلاة
والسلام قال: ((مَثَلُ أهل بيتي كسفينةٍ نوح، مَنْ رَكِبَ فيها نجا ومن تخلَّف عنها
(١) مسند أحمد (١٧٥١٥)، وسنن الترمذي (٣٧٥٨)، وسنن النسائي الكبرى (٨١٢٠)، وفي
إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف كما في التقريب.
(٢) ديوان الشافعي ص ٥٥، وذكرها الرازي في تفسيره ٧/ ١٦٦ .

الآية : ٢٣
٢٧٣
سُورَةُ الشُِّورَى
هَلك))(١) وقال: وَلّ: ((أصحابي كالنُّجوم بأيهم اقْتديتُم اهتديتُم))(٢) ونحن الآن في
بحر التكليف وتَضْربنا أمواجُ الشُّبهات والشهوات، وراكبُ البحر يحتاج إلى
أمرين: أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب. والثاني: الكواكبُ الطالعة النَّيِّرة،
فإذا رَكِبَ تلك السفينةَ ووضع بَصَره على تلك الكواكب كان رجاءُ السلامة غالباً،
فلذلك رَكِبَ أصحابُنا - أهلَ السنة - سفينةَ حُبِّ آل محمد بََّ، ووضعوا أبصارَهم
على نجوم الصحابة يرجُون أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة(٣).
انتھی.
والكثيرُ من الناس في حقِّ كلٍّ من الآل والأصحاب في طرفي التفريط
والإفراط، وما بينهما هو الصراط المستقيم، ثَبَّتنا اللهُ تعالى على ذلك الصراط.
وقال عبد الله بن القاسم: المعنى: لا أسألُكم عليه أجراً إلا أنْ يودَّ بعضُكم
بعضاً، وتَصِلُوا قَراباتِكم، وأمرُ ((في)) والاستثناءِ لا يخفى.
وأخرج عبد بن حُميد عن الحسن أن المعنى: لا أسألُكم عليه أجراً إلا التقرُّب
إلى الله تعالى بالعمل الصالح(٤). فالقُربى بمعنى القَرابة، وليس المرادُ قرابةً
النسب. قيل: ويجري في الاستثناء الاتصالُ والانقطاع، واستظهر الخفاجي(٥) أنه
منقطع، وأنه على نهج قوله :
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٣٩٠) من حديث أبي ذر ظه، وفي إسناده عمرو بن
عبد الغفار الفقيمي، قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع
الحديث. ميزان الاعتدال ٢٧٢/٣.
(٢) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (٧٨٣) من حديث ابن عمر رضيًا، وفي إسناده حمزة
النَّصِيبي؛ قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامّة ما يرويه موضوع. ميزان
الاعتدال ٦٠٦/١. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في التلخيص الحبير ٤ /١٩٠
وعدَّد طرقه، وكلها تالفة، ونقل عن البزار قوله: هذا الكلام لم يصح عن النبي وَّر، وعن
ابن حزم قولَه: هذا خبر مكذوب موضوع باطل.
(٣) تفسير الرازي ٢٧/ ١٦٧.
(٤) وأخرجه الطبري ٥٠٠/٢٠.
(٥) في حاشيته على البيضاوي ٤١٩/٧ .

سُورَةُ الشُِّورَى
٢٧٤
الآية : ٢٣
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهم .. البيت(١)
وأراه على القول قبلَه كذلك.
وقرأ زيد بن علي ﴿ها: ((إلا مَوَدَّةً في القربى))(٢).
هذا، ومن الشيعة من أورد الآيةَ في مقام الاستدلال على إمامة عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه؛ قال: عليٍّ كرم الله تعالى وجهه واجبُ المحبة، وكلُّ واجبِ المحبة
واجبُ الطاعة، وكلُّ واجبِ الطاعة صاحبُ الإمامة، ينتج: عليٍّ رَُّهُ صاحبُ
الإمامة. وجعلوا الآيةَ دليلَ الصُّغرى.
ولا يخفى ما في كلامهم هذا من البحث:
أما أولاً: فلأنَّ الاستدلالَ بالآية على الصُّغرى لا يتمُّ إلا على القول بأنَّ
معناها: لا أسألكم عليه أجراً إلا أن توقُّوا قرابتي، وتُحِبُّوا أهل بيتي، وقد ذهب
الجمهور إلى المعنى الأول، وقيل في هذا المعنى: إنه لا يناسب شأنَ النبوة لِمَا فيه
من التُّهمَة، فإنَّ أكثرَ طلبةِ الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نَفْعٌ
لأولادهم وقراباتهم، وأيضاً فيه منافاةٌ مّا لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾
[يوسف: ١٠٤].
وأما ثانياً: فلأنَّا لا نُسلِّم أنَّ كلَّ واجبِ المحبة واجبُ الطاعة، فقد ذكر ابن
بابويه(٣) في كتاب ((الاعتقادات)) أنَّ الإمامية أجمعوا على وجوب محبة العلوية مع
أنه لا يجب طاعةُ كلٌّ منهم.
وأما ثالثاً: فلأنَّا لا نُسلِّم أن كلَّ واجبِ الطاعة صاحبُ الإمامة، أي: الزعامة
الكُبرى، وإلا لكان كلُّ نبي في زمنه صاحب ذلك، ونصُّ ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُوَتَ مَلِكَأْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] يأبى ذلك.
(١) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١١، وعجزه: بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائب.
(٢) أوردها أبو حيان في البحر ٧/ ٥١٦.
(٣) محمد بن علي بن الحسين القُمِّي، رأس الإمامية، وصاحب التصانيف السائرة بينهم،
يضرب بحفظه المثل. السير ٣٠٣/١٦.

الآية : ٢٤
٢٧٥
سُوَدَّةُ الشُِّورَى
وأما رابعاً: فلأن الآيةَ تقتضي أن تكون الصُّغرى: أهلُ البيت واجبو الطاعة،
ومتى كانت هذه صُغرى قياسهم لا ينتج النتيجة التي ذكروها ولو سُلِّمت جميع
مُقدِّماته، بل ينتج: أهلُ البيت صاحبو الإمامة، وهم لا يقولون بعمومه. إلى غير
ذلك من الأبحاث، فتأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿وَمَنْ يَقْتِفْ حَسَنَهُ﴾ أي: يكتسب أيَّ حسنةٍ كانت، والكلام تذييلٌ، وقيل:
المرادُ بالحسنة المَودَّة في قُربى الرسولِ وَه، ورُوي ذلك عن ابن عباس والسُّدي،
وأنَّ الآيةَ نزلت في أبي بكر ظُهُ لِشِدَّة محبته لأهل البيت(١)، وقصةُ فَدَك والعوالي
لا تأبى ذلك عند من له قلبٌ سليم(٢). والكلام عليه تتميمٌ، ولعلَّ الأولَ أَوْلى،
وحبُّ آل الرسول عليه الصلاة والسلام من أعظم الحسنات، وتدخلُ في الحسنة هنا
دخولاً أوليّاً .
﴿فَزِدْ لَهُ فِيهَا﴾ أي: في الحسنة ﴿حُسْنَا﴾ بمضاعفة الثوابِ عليها، فإنها يُزاد بها
حُسن الحسنة، فـ ((في)) للظرفية و((حُسناً)) مفعولٌ به أو تمييز.
وقرأ زيد بن عليّ، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وأحمد بن جُبير عن
الكسائي: ((يزد)) بالياء، أي: يزد اللهُ تعالى، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو:
(حُسنی)) بغير تنوين(٣)، وهو مصدرٌ كَبُشرى، أو صفةٌ لموصوفٍ مقدَّرٍ، أي: صفة
أوخصلة حُسنی.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ساترٌ ذنوبَ عباده ﴿شَكُورُ ﴾﴾ مُجازٍ مَن أطاع منهم بتوفيةٍ
الثواب والتفضُّل عليه بالزيادة، وقال السُّدي: غفورٌ لذنوب آل محمد وَله شكورٌ
لحسناتهم.
مْ يَقُولُونَ﴾ بل أيقولون ﴿أَفْتَّى﴾ محمد عليه الصلاة والسلام ﴿عَلَى الَّهِ كَذِّبّ﴾
بدعوى النبوة أو القرآن، والهمزة للإنكار التوبيخي، و((بل)) للإضراب من غير
(١) ذكره الرازي في تفسيره ١٦٧/٢٧، والبيضاوي في تفسيره (بهامش حاشية الشهاب) ٤١٩/٧.
١ (٢) ينظر في هذه القصة ما سلف ٣٤٥/٥.
(٣) القراءتان في البحر المحيط ٥١٦/٧. وهما غير المشهور عن أبي عمرو والكسائي.

سُورَةُ الشِّوْرَى
٢٧٦
الآية : ٢٤
إيطال، وهو إضرابٌ أطمُّ من الأول فأطم، فإنَّ إثباتَ ما هم عليه من الشرع وإنْ
كان شرّاً وشركاً أقربُ من جَعْل الحقِّ الأبلج المُعتضِد بالبرهان النيِّر مِن أوسطهم
فضلاً ودَعَةً وعقلاً افتراءً ثم افتراء على الله عز وجل، فكأنه قيل: أَيَتمالَكون التفوُّه
بنسبةِ مثلهِ عليه الصلاة والسلام إلى الافتراء(١) على الله عز وجل الذي هو أعظمُ
الفِرى وأَفحشُها ولا تحترقُ ألسنتهم؟!
وفي ذلك أتمُّ دلالة على بُعده وَلّر من الافتراء، كيف وقد أَردف بقوله تعالى:
﴿فَإِنْ يٍَ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ﴾ فإنَّ هذا الأسلوبَ مُؤَدَّاه استبعادُ الافتراء من مثله عليه
الصلاة والسلام، وأنه في البُعد مثلُ الشِّرك بالله سبحانه والدخول في جملة المختومِ
على قلوبهم؛ فكأنه قيل: فإن يشأ اللهُ سبحانه يَجْعَلْكَ من المختومِ على قُلوبهم حتى
تفتريَ عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذبِ على الله تعالى إلا مَنْ كان
في مِثْل حالهم، وهو في معنى: فإنْ يشأ يَجْعَلْكَ منهم، لأنهم هم المُفترون الذين
شَرَعوا من الدين ما لم يأذَنْ به اللهُ تعالى، وما أحسنَ هذا التعريض بأنهم
المُفترون، وأنهم في نفس هذه المقالة عن افترائهم مُفترون، ونظيرُ الآية فيما ذُكر
قولُ أمينٍ نُسِبَ إلى الخيانة: لعلَّ اللهَ تعالى خذلني، لعلَّ اللهَ تعالى أعمى قلبي،
وهو لا يُريد إثباتَ الخِذْلان وعمى القلب، وإنما يريدُ استبعادَ أن يُخوَّنَ مِثْله،
والتنبيهَ على أنه رُكب من تخوينه أمرٌ عظيم، فالكلامُ تعليلٌ لإنكار قولهم.
وأتى بـ ((إنْ)) مع أنَّ عدمَ مشيئته تعالى مقطوعٌ به قيل: إرخاء للعنان، وقيل:
إشعاراً بعظمته تعالى، وأنه سبحانه غنيٌّ عن العالمين.
ثم ذيَّل بقوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْتَطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ﴾ تأكيداً للمفهومِ من
السابق مِنْ أنه ليس من الافتراء في شيء، أي: كيف يكون افتراء ومِن عادته تعالى
محوُ الباطل ومَحْقُه، وإثباتُ الحقِّ بوحيه أوبقضائه، وما أتى به عليه الصلاة
والسلام يزدادُ كلَّ يوم قوةً ودَحْراً (٢)، فلو كان مُفترِياً كما يَزْعُمون لَكشفَ اللهُ تعالى
افتراءه ومَحَقَّهُ وقذفَ بالحقِّ على باطلهِ فَدَمَغَهُ.
(١) بعدها في (م): ثم إلى الافتراء.
(٢) في (م): ودحواً!

الآية : ٢٤
٢٧٧
سُوَّةُ الشُّوْرَى
والفعلُ المضارع للاستمرار، والكلامُ ابتدائي، فـ ((يمحُ)) مرفوعٌ لا مجزوم
بالعطف على ((يختم))، وأُسقطت الواو في الرَّسم في أغلبِ المصاحف تبعاً
لإسقاطها في اللفظ لالتقاء الساكنين كما في ﴿سَنَّدْعُ الزََّانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] و﴿وَيَدْعُ
اُلْإِسَنُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسراء: ١١] وكان القياسُ إثباتَها رسماً، لكن رَسْم المُصحف لا يلزم
جَرْيُه على القياس، ويُؤيِّد الاستئنافَ دون العطف على ((يختم)) إعادةُ الاسم الجليل
ورفع (يُحِقّ)). وهذا ما ذكره جار الله (١) في الجملتين وبيانِ ارتباطهما بما قبلهما.
وقد دقَّق النظر في ذلك وأتى بما استحسنه النُّظار، حتى قال العلامة الطيبي:
لو لم يكن في كتابه إلا هذا لَكفاه مَزِيَّةً وفَضْلاً، وجوّز هو أيضاً في قوله تعالى:
((ويَمْحُ)) إلخ أن يكون عِدَةً لرسول اللهِوَّه بالنصر، أي: يمحو اللهُ تعالى باطِلَهم
وما بهتوكَ به، ويُثْبت الحقَّ الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مردَّ له،
وحينئذ يكون اعتراضاً يُؤكِّد ما سيق(٢) له الكلامُ من كونهم مُبطلين في هذه النسبة
إلى مَن هو أصدقُ الناس لهجةً بأصدق حديث من أصدق مُتْكلِّم.
وقال في ((إرشاد العقل السليم)) في الجملة الأولى: إنها استشهادٌ على بطلان
ما قالوه ببيان أنه عليه الصلاة والسلام لو افترى على الله تعالى كَذِباً لمنعه من ذلك
قطعاً، وتحقيقُه أنَّ دعوى كون القرآن افتراءً عليه تعالى قولٌ منهم أنه سبحانه لا يشاء
صُدوره عن النبي ◌َّ، بل يشاء عدمَ صدوره عنه، ومن ضرورياته منعُه عنه قطعاً،
فكأنه قيل: لو كان افتراءً عليه تعالى لشاء عدمَ صدوره عنك، وإنْ يشأ ذلك يختِمْ
على قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنًى من معانيه، ولم تنطِقْ بحرف من حروفه،
وحيث لم يكن الأمرُ كذلك، بل تواترَ الوحيُّ حيناً فحيناً، تبيَّن أنه من عند الله عز
وجل. وذكر في الجملة الثانية ما ذكره جار الله من الوجهين(٣).
ولا يخفى عليك ما يَرِدُ على كلامه من المنع، مع أنَّ فيه جَعْلَ مفعول المشيئة
غيرَ ما يدلُّ عليه الجواب، وهو ذلك المشارُ به إلى عدم الصدور، والمتبادرُ كون
(١) في الكشاف ٤٦٨/٣ .
(٢) في الأصل: سبق.
(٣) تفسير أبي السعود ٣١/٨.

سُورَةُ الشُِّورَى
٢٧٨
الآية : ٢٤
المفعول الختمَ على ما هو المعروف في نظائر هذا التركيب، أي: فإنْ يشأ اللهُ
تعالى الخَتْم على قلبك يَخْتِم. وإيهامَ كون القرآن ناشئاً منه وَّهِ لا مُنزلاً عليه عليه
الصلاة والسلام.
وقال السمرقندي: المعنى: إنْ يشأ يختِمْ على قلبك كما فعل بهم، فهو تسليةٌ
له عليه الصلاة والسلام وتذكيرٌ لإحسانه إليه وإكرامه له ◌َّ لِیشکر ربَّه سبحانه
ويترخَّم على مَن خُتِمَ على قلبه فاستحقَّ غضب ربِّه، ولولا ذلك ما اجترأ على نسبته
لما ذكر، فالتفريعُ بالنظر إلى المعنى المَكْني عنه، وحاصلُه أنهم اجترؤوا على هذا
لأنهم مطبوعون على الضلال. انتهى. وفيه شمةٌ مما ذكره الزمخشري.
وعن قتادة وجماعة: ((يختِمْ على قلبك)»: يُنْسِكَ القرآن، والمرادُ على ما قال
ابن عطية: الردُّ على مقالةِ الكُفَّار وبيانُ بطلانها، كأنه قيل: وكيف يصحُّ أن تكونَ
مفترياً وأنت من الله تعالى بمرأَى ومَسْمعٍ، وهو سبحانه قادرٌ، ولو شاء لختم على
قلبكَ فلا تَعْقِل ولا تَنْطِق، ولا يستمرّ افتراؤك(١). وفيه أنَّ اللفظ ضيقٌ عن أداء هذا
المعنى .
وذكر القشيري(٢) أن المعنى: فإنْ يشأ اللهُ تعالى يختِمْ على قلوب الكُفَّار وعلى
ألسنتهم ويُعاجلهم بالعذاب، وعَدَلَ عن الغيبة إلى الخطاب ومن الجَمْع إلى
الإفراد. وحاصلُه: يَختِم على قلبك أيها القائل: إنه عليه الصلاة والسلام افترى
على الله تعالى كَذِباً. وفيه من البُعد ما فيه، مع أن الكُفَّار مختومٌ على قلوبهم.
وقال مجاهد ومقاتل: المعنى: فإن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم
حتى لا يشقَّ عليك قولُهم: إنك مُفْتَرٍ. ولا مانعَ عليه من عطف ((يَمْحُ)) على جواب
الشرط، بل هو الظاهر، فيكون سقوطُ الواو للجازم، و((يُحِقُّ) حينئذ مستأنفٌ،
أي: وإنْ يشأ يمحُ باطِلَهم عاجلاً، لكنه سبحانه لم يَفعلْ لحكمةٍ، أومطلقاً، وقد
فعل جلَّ وعلا بالآخرة وأظهر دينَه.
(١) المحرر الوجيز ٣٤/٥-٣٥.
(٢) كما في تفسير القرطبي ١٨/ ٤٧١ .

الآية : ٢٥
٢٧٩
سُورَةُ الشُِّورَى
وقيل: لا مانعَ من العطفِ على بعض الأقوالِ السابقة أيضاً، أي: إنْ يشأ يمحُ
افتراءك لو افتريتَ. وهو كما ترى.
وكذا جُوِّز كونُ الجملة حاليةً وإنْ أحوجَ ذلك إلى تقدير المبتدأ، وفيه تكلفٌ
مستغنّی عنه.
وربما يقال: إنَّ جملة ((فإنْ يشأ اللهُ يَخْتِمْ)) من تتمةِ قولهم مفرَّعاً على ((افترى))،
كأنه قيل: افترى على الله كذباً، فإنْ يشأ اللهُ يختِمْ على قلبه بسببٍ افترائه فلا يعقِلُ
شيئاً، أوكأنه قيل: افتريتَ على الله فإنْ يشأ يختِمْ على قلبك جزاءَ ذلك، إلا أنَّ
نكتةَ اختيار الغَيبةِ في إحدى الجملتين والخطابِ في الأخرى غيرُ ظاهرة، وكونُها
الإشارة إلى أنَّ مَن افترى يحقُّ أن يُواجَه بالجَزاء ليس مما يهشُّ له السامع فيما
أرى.
ولعلَّ الأولى أن يكون ((فإن يشأ)) إلخ مفرَّعاً على كلامهم، خارجاً مخرجَ
التهكّم بهم، ولا بأس حينئذ بعطف ((يمحُ)) على جواب الشرط، ويُرادُ بالباطل ما هو
باطلٌ بِزَعْمهم، كأنه قيل: أَمْ يقولون افترى على الله، فإذاً إن يشأ اللهُ يختِمْ على
قلبك ويمحُ ما يَزْعُمون أنه باطل، وهذا كما تقول لمن أخبرك أن زيداً افترى عليك
وأنت تعلمُ أنه لم يَفْتَرِ، وإنما أدَّى عنك ما أمرتَه به: فإذاً نُؤدِّبه وننتقم منه ونمحو
افتراءَه؛ تقصِدُ بذلك التهكِّمَ بالقائل. فتأمل.
فهذه الآية - كما قال الخفاجي(١) - من أصعبٍ ما مرَّ في كلامه تعالى العظيم،
وفَّقنا الله تعالى وإيَّكم لِفَهْم مَعانيه والوقوفِ على سرِّه وخافيه.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ فيعلم سبحانه ما في صدرك وصدورهم فيُجري
جلّ وعلا الأمرَ على حسب ذلك.
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةً عَنْ عِبَادِهِ،﴾ بالتجاوز عما تابوا عنه، والقَبولُ يُعدَّى بعن
لِتضمّنه معنى الإبانة، وبمن لتضمُّنه معنى الأخذ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ
تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أي: تُؤخذ.
(١) في حاشيته على البيضاوي ٤١٩/٧.

سُوَّةُ الشِّوْرَى
٢٨٠
الآية : ٢٥
وقيل: القَبول مُضَمَّنٌ هنا معنى التجاوز، والكلامُ على تقدير مضاف، أي:
يقبل التوبةَ مُتجاوزاً عن ذنوب عباده. وهو تكلُّف.
والتوبة: أن يرجعَ عن القَبيح والإخلال بالواجب في الحال، ويندمَ على ما مضى
ويَعزِمَ على تركه في المستقبل، وزادوا التَّفَصِّي(١) منه بأي وجه أمكن إنْ كان الذنبُ
لعبدٍ فيه حقٌّ، وذلك بالردِّ إليه أو إلى وكيلهِ، أو الاستحلال منه إن كان حيّاً، وبالردّ
إلى ورثتهِ إنْ كان ميتاً وَوُجِدوا، ثم القاضي لو كان أميناً - وهو كالإكسير، ومَن رأى
الإكسير؟ ! - فإنْ لم يَقدِرْ على شيء من ذلك يتصدَّق عنه، وإلا يَدْعُ له ويستغفر.
وفي ((الكشف)): التفصِّي داخلٌ في الرجوع؛ إذْ لا يصحُّ الرجوعُ عنه وهو
ملتبسٌ به بعدُ، واختير أن حقيقتها الرجوعُ، وإنما الندمُ والعزمُ ليكونَ الرجوعُ
إقلاعاً، ويتحقَّقَ أنه التوبة التي ندبنا إليها، وهو موافقٌ لِمَا في ((الإحياء)) من أنها
اسمٌ لتلك الحالة بالحقيقة، والباقي شروطُ التحقُّق.
ويُشترط أيضاً أن يكون الباعثُ على الرجوع مع الندم والعزم دينيًّا، فلو رَجَعَ
المانعٍ آخرَ من ضَعْفٍ بدن أو غرم لذلك لم يكن من التوبة في شيء، وأشار
الزمخشري (٢) إلى ذلك بكون الرُّجوعِ لأنَّ المرجوعَ عنه قبيحٌ وإخلالٌ بالواجب،
وخرج عنه ما لو رَجَع طلباً للثناء أورِياء أوسُمعةً؛ لأنَّ قبحَ القبيح معناه كونُه مقتضياً
للعقاب آجلاً وللذمِّ عاجلاً، فلو رَجَعَ لِمَا سبق لم يكن رجوعاً لذلك.
وروى جابر أنَّ أعرابيّاً دخل مسجد رسول الله وَّر وقال: اللهم إني أستغفرك
وأتوبُ إليك، وكَبَّر، فلما فرغ من صلاته قال له عليّ كرم الله وجهه: إن سُرعةً
اللسان بالاستغفار توبةُ الكذّابين، وتوبتُك تحتاج إلى التوبة. فقال: يا أمير
المؤمنين، ما التوبة؟ قال: اسمٌ يقعُ على ستةِ معانٍ: على الماضي من الذنوب
الندامة، ولتَضْبِيعِ الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابةُ النفس في الطاعة
كما ربَّيتها في المعصية، وإذاقةُ النفس مرارةَ الطاعة كما أذقتها حلاوةَ المعصية،
(١) التفصِّي: التخلُّص من خير أو شر. القاموس المحيط (فصي).
(٢) في الكشاف ٤٦٨/٣.