النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ١١ ٢٤١ سُورَةُ الشُِّورَى وكلامُ صاحب ((المفتاح)) يحتمل اعتبار تغليبين: أحدهما: تغليب المُخاطبين على الغُيَّب، وثانيهما: تغليبُ العُقَلاء على ما لا يَعقل(١). وقال الطيبي: إن المقامَ يأبى ذلك؛ لأنه يُؤدِّي إلى أنَّ الأصل: يذرؤكم ويذرؤها ويذرؤكنّ ويذرؤها، لكن الأصل: يذرؤكم ويذرؤها لا غير؛ لأنَّ ((كُم)) في (يذرؤكم)) هو (كُم)) في ((جعلَ لكم مِنْ أنفسكم أَزواجاً)) بعينه، لكن غُلِّب هاهنا على الغُيَّب، فليس في یذرؤكم إلا تغليبٌ واحد. انتهى. ثم إنه لا ينبغي أن يقال: إنَّ التذرئة حكمٌ عُلِّل في الآية بعلَّتين، إحداهما: جَعْلُ الناس أزواجاً، والثانية: جعل الأنعام أزواجاً، ويجوز أن يكون هو الذي عناه جارُ الله؛ لأن الحُكمَ هو البثُّ المطلق، وعلَّته المجموع، وإن جُعِلَ كلُّ جزء منه علةً فكلُّ بَثِّ حكمٌ أيضاً، فأين الحكمُ الواحد المُتعدِّد عِلَّته؟ فافهم. وعن ابن عباس أن معنى ((يذرؤكم فيه)): يجعل لكم فيه معيشةً تعيشون بها(٢). وقريبٌ منه قولُ ابن زيد: يرزقُكم فيه. والظاهر عليه أن الضميرَ لجَعْل الأزواج من الأنعام. وقال مجاهد: أي: يخلقُكم نسلاً بعد نَسْل، وقَرْناً بعد قَرْن، ويتبادرُ منه أن الضميرَ للجَعْل المفهوم من ((جعلَ لكم من أنفسكم أزواجاً) ويجوز أن يكون كما في الوجه الأول، ويُفهم منه أنَّ الذَّرْءَ أخصُّ من الخَلْق، وبه صرَّح ابنُ عطية(٣)، قال: ولفظةُ ذرأ تزيدُ على لفظة خَلَق معنّى آخرَ ليس في خَلَق، وهو توالي الطَّبقات على مرِّ الزمان. وقال القتبي(٤): ضمير ((فيه)) للبطن، لأنه في حُكم المذكور، والمرادُ: يخلقكم في بطون الإناث. وفي روايةٍ عن ابن زيد أنه لِمَا خلق من السماوات والأرض، وهو كما ترى، ومثلُه ما قبلَه، والله تعالى أعلم. (١) مفتاح العلوم ص٢٤٢-٢٤٣. (٢) أخرجه الطبري ٤٧٦/٢٠ . (٣) في المحرر الوجيز ٢٨/٥. (٤) في تفسير غريب القرآن ص ٣٩١، وينظر تفسير القرطبي ٤٤٩/١٨. سُورَةُ الشِّوَى ٢٤٢ الآية : ١١ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ نفي للمشابهة من كلِّ وجه، ويدخل في ذلك نفيُ أن يكونَ مثلَه سبحانه شيءٌ يُزاوجه عز وجل، وهو وجهُ ارتباط هذه الآيةِ بما قبلها، أو المرادُ: ليس مِثْلَه تعالى شيءٌ في الشؤون التي من جُملتها التدبيرُ البديع السابق، فترتبطُ بما قبلها أيضاً. والمرادُ من ((مثله)): ذاتُه تعالى، فلا فرقَ بين: ليس كذاتهِ شيء، و: ليس كمثله شيء، في المعنى، إلا أن الثاني كنايةٌ مشتملة على مُبالغة، وهي أن المُماثلة مَنْفيةٌ عمن يكون مثلَه وعلى صفته، فكيف عن نَفْسه؟ وهذا لا يستلزم وجودَ المِثْل، إذ الفرضُ كافٍ في المبالغة، ومثل هذا شائعٌ في كلام العرب نحو قول أَوْس بن حجر : خلقٌ يُوازيه في الفضائل(١) ليس كمثلِ الفتى زهيرٍ وقول الآخر: تَغَشَّاهم مُسْبِلٌ مُنْهمر (٢) وقَتْلى كمثلٍ جذوع النخيلِ وقول الآخر: ما إن كمِثْلهمُ في الناس من أحد (٣) سعد بن زيد إذا أبصرتَ فَضْلَهُمُ وقد ذكر ابنُ قتيبة(٤) وغيره أنَّ العرب تُقيم المِثْل مقامَ النَّفس، فتقول: مِثْلُك لا يَبْخَل، وهي تُريد: أنت لا تَبْخَل، أي: على سبيل الكناية، وقد سمعتَ فائدتها . وفي ((الكشف)) أنها الدلالة على فَضْل إثباتٍ لذلك الحُكم المطلوب وتمكينه، وذلك لوجهين؛ أحدهما: أنه فرضٌ جامعٌ يقتضي ذلك، فإذا قلتَ: مثلُك لا يبخل، دلَّ على أنَّ مُوجب عدم البخل موجودٌ، بخلافه إذا قلت: أنت لا تبخل. والثاني: أنه إذا جُعل من جماعةٍ لا يبخلون يكون أدلَّ على عدم البخل لأنه جعل معدوداً من (١) ليس في ديوانه، وأورده أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٥١٠. (٢) قائله أوس بن حجر، وهو في ديوانه ص ٣٠، والبحر ٧/ ٥١٠. (٣) لم نهتد إلى قائله، وهو في تفسير الطبري ٤٧٧/٢٠، والبحر المحيط ٧/ ٥١٠. (٤) في تفسير غريب القرآن ص٣٩١. الآية : ١١ ٢٤٣ سُورَةُ الشُوَى جُملتهم، ومن ذلك قولهم: قد أَيفعت لِداته، أي: أترابُه وأمثالُه في السِّن، وقولُ رُقَيْقة بنت أبي صَيْفي بن هاشم في سُقيا عبد المطلب: ألا وفيهم الطَّيِّبُ الطاهر لِداته، تعني رسولَ الله وَّ، إلى غير ذلك. وقيل: إنَّ مِثْلاً بمعنى الصِّفة وشيئاً عبارة عنها أيضاً، حكاه الراغب(١)، ثم قال: والمعنى: ليس كصفته تعالى صفةٌ؛ تنبيهاً على أنه تعالى وإن وُصف بكثير مما يوصف به البشر، فليست تلك الصِّفاتُ له عز وجل حسبَ ما يُستعمل في البشر. وذهب الطبري وغيره إلى أنَّ مِثْلاً زائدةٌ للتأكيدِ(٢)، كالكاف في قوله: بالأمس كانوا في رخاء مأمولْ فأصبحت مثلَ كَعصفٍ مأكولْ(٣) وقول آخر: أَهَلْ عرفْتَ الدار بالغَريَّينْ وصالياتٍ كَكما يُؤَثْفَيْنْ(٤) وتعقّبه أبو حيان(٥) بأنه ليس بجيد؛ لأنَّ مِثْلاً اسمٌ، والأسماء لا تُزاد، بخلاف الكاف، فإنها حرفٌ فتصلح للزيادة. ونُسب إلى الزجاج(٦) وابن جني والأكثرين القولُ بأنَّ الكافَ زائدةٌ للتأكيد، (١) في مفردات ألفاظ القرآن ص٧٥٩. (٢) تفسير الطبري ٤٧٦/٢٠-٤٧٧، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٥١٠. (٣) لم نقف على البيت الأول، والبيت الثاني لرؤبة، وهو في ملحق ديوانه ص ١٨١ بلفظ: فصُيِّروا مثل ... ، وسلف ٤٦٠/١. (٤) الرجز لخطام المجاشعي، وهو في اللسان (غرا) كما يلي: أهَلْ عرفتَ الدار بالغَريَّينْ لم يبق من آي بها يُحلَّيْنْ غير خطامٍ ورمادٍ كِنْفينْ وصالياتٍ ككما يُؤَثْفَيْنْ والثاني في الكتاب ٣٢/١، والخزانة ٣١٣/٢. والغَريَّان قال ابن بري كما في اللسان (غرا): هما بناءان طويلان سُمِّيا بالغريين لأن النعمان بن المنذر كان يُغْرِّيهما بدم من يقتله في يوم بؤسه. (٥) في البحر المحيط ٧/ ٥١٠. (٦) في معاني القرآن ٣٩٥/٤. : سُورَةُ الشِّوْرَى ٢٤٤ الآية : ١١ وردَّه ابنُ المُنَيِّر (١) بأنَّ الكاف تُفيد تأكيدَ التشبيه لا تأكيدَ النفي، ونفيُ المُماثلة المهملة أبلغُ من نَفْي المُماثلة المؤَّدة، فليست الآيةُ نظيرَ شَطْري البيتين. ويقال نحوُه فيما نُقل عن الطبري ومن معه. وأُجيب: بأنه يُفيد تأكيدَ التشبيه إنْ سلباً فسلب وإنْ إثباتاً فإثبات، فيندفع ما أُورد. نعم الأول هو الوجه، والمِثْل قال الراغب: أعمُّ الألفاظِ الموضوعة للمشابهة وذاك أنَّ النِّدَّ يقال لما يُشارك في الجوهر فقط، والشّبه لما يُشارِك في الكَيْفية فقط، والمُساوي لما يُشارِك في الكمية فقط، والشَّكل لما يُشارِك في القَدْر والمساحة فقط، والمِثْل عامٌّ في جميع ذلك، ولهذا لمَّا أراد اللهُ تعالى نفيَ الشّبه من كلِّ وجه خصَّه سبحانه بالذِّكر(٢). وذكر الإمام الرازي(٣) أن المِثْلين عند المُتكلِّمين هما اللذان يقوم كلٌّ منهما مقامَ الآخر في حقيقته وماهيته، وحَمَل المِثْل في الآية على ذلك، أي: لا يُساوي اللهَ تعالى في حقيقة الذاتِ شيءٌ، وقال: لا يصحُّ أن يكون المعنى: ليس كمثله تعالى في الصفات شيء؛ لأن العباد يُوصفون بكونهم عالِمِين قادِرين، كما أنَّ الله تعالى يُوصف بذلك، وكذا يوصفون بكونهم معلومِين مذكورين مع أنَّ اللهَ تعالى يوصف بذلك، وأطال الكلامَ في هذا المقام، وفي القلبٍ منه شيء. وفي ((شرح جوهرة التوحيد)): اعلَمْ أن قُدَماء المعتزلة كالجُبَّائي وابنه أبي هاشم ذهبوا إلى أن المُماثلة هي المُشاركة في أخصِّ صفاتِ النفس، فمماثلةُ زيدٍ لعمرو مَثَلاً عندهم مشاركتُه إيَّه في الناطقية فقط، وذهب المُحقِّقون من الماتريدية إلى أن المُماثلة هي الاشتراكُ في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو. ومِن لازِمِ الاشتراكِ في الصفة النفسية أمران؛ أحدُهما: الاشتراكُ فيما يجب ويجوز ويمتنع. وثانيهما: أنْ يسدَّ كلٌّ منهما مَسَدَّ الآخر. والمُتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية لكن لابدَّ من اختلافهما بجهة أُخرى ليتحقَّق (١) في الانتصاف ٣/ ٤٦٣. (٢) مفردات ألفاظ القرآن ص٧٥٩. (٣) في تفسيره ٢٧/ ١٥٠. الآية : ١١ ٢٤٥ سُورَةُ الشُِّوْرَىُ التعدُّد والتمايز فيصح التماثُل. ونُسب إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كلِّ وجه. واعتُرض بأنه لا تعدُّد حينئذ فلا تماثل، وبأنَّ أهلَ اللغة مُطبقون على صحة قولنا: زيدٌ مِثْلُ عمرو في الفقه، إذا كان يُساويه فيه ويسدُّ مَسَدَّه وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث: ((الحنطةُ بالحِنطة مِثْلاً بمثْل))(١) وأُريد به الاستواء في الكيل دون الوزنِ وعَدَدِ الحبَّات وأوصافها. ويُمكن أن يُجابَ بأنَّ مُرادَه التساوي في الوجه الذي به التماثُل حتى إن زيداً وعمراً لو اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواةٌ فيه بحيث ينوبُ أحدُهما مَنابَ الآخر صحَّ القولُ بأنهما مِثْلان فيه وإلا فلا، فلا يُخالِفُ مذهبَ الماتُريدية. وفيه أيضاً أنه عز وجل ليس له سبحانه مُماثِلٌ في ذاته وصفاته فلا يسدُّ مَسَدَّ ذاته تعالى ذاتٌ، ولا مَسَدَّ صفته - جَلَّتْ صِفَتُه - صفةٌ، والمرادُ بالصفة الصفةُ الحقيقية الوجودية، ومن هنا تَعلم ما في قولِ الإمام: لا يصحُّ أن يكون المعنى: ليس كمثله تعالى في الصفات شيء؛ لأنَّ العباد يُوصفون بكونهم عالمين قادرين، كما أن الله سبحانه يُوصف بذلك. فإنَّ معنى ذلك أنه تعالى ليس مِثْل صفتهِ سبحانه صفة، ومن المعلوم البيّن أنَّ علمَ العِباد وقُدرتهم ليسا مِثْلَ علم الله عز وجل وقُدرته جل وعلا، أي: ليسا سادَّين مَسَدَّهما، وأما كونه تعالى مذكوراً ونحوه فهو ليس من الصِّفات المعتبرة القائمة بذاته تعالى كما لا يخفى. وزعم جهمُ بن صفوان أن المقصودَ من هذه الآية بيانُ أنه تعالى ليس مسمّى باسم الشيء؛ لأن كلَّ شيء فإنه يكون مِثْلاً لمثْلِ نَفْسه، فقوله تعالى: ((ليس كمثله شيء» معناه ليس مِثْل مِثْلهِ شيء، وذلك يقتضي أن لا يكون هو سبحانه مسمّى باسم الشيء(٢). فلم يجعل المِثْل كنايةً عن الذات على ما سمعت، ولا حگم بزيادته، ولا بزيادة الكاف، ومع هذا وإغماضٍ العين عما في كلامه لا يَتِمُّ له مقصودُه، إذْ لنا أن نجعلَ ليس مِثْل مِثْله شيء نفياً للمِثْل على سبيل الكناية أيضاً لكن بوجه آخرَ، (١) أخرجه أحمد (٧١٧١)، ومسلم (١٥٨٨) من حديث أبي هريرة ه، وأخرجه البخاري (٢١٧٤)، ومسلم (١٥٨٤) من حديث عمر ته بلفظ: (( ... البُرُّ بالبرّ ... )). (٢) ذكر قول جهم الرازي في تفسيره ٢٧/ ١٥٣. : سُورَةُ الشُِّورَى ٢٤٦ الآية : ١١ وهو أنه نفيٌ للشيء بنفي لازمهِ؛ لأن نفيَ اللازم يستلزمُ نفيَ الملزوم، كما يقال: ليس لأخي زيدٍ أخٌ؛ فأخو زيد ملزومٌ، والأخُ لازمُه؛ لأنه لابدَّ لأخي زيد من أخٍ هو زيدٌ، فنفيت هذا اللازمَ والمرادُ نفيُ ملزومه، أي: ليس لزيد أخٌ، إذْ لو كان لَهُ أخٌ لكان لذلك الأخ أخٌ هو زيدٌ، فكذا نفيتَ أن يكونَ لِمِثْل اللهِ تعالى مِثْلٌ والمرادُ نفي مِثْله سبحانه وتعالى؛ إذْ لو كان له مِثْلٌ لكان هو مِثْلَ مِثْلِهِ، إذ التقدير أنه موجودٌ، ومغايرتُه لما تقدَّم أنَّ مَبناهُ إثباتُ اللزوم بين وجود المِثْل ووجودِ مِثْلِ المِثْل ليكون نفيُ اللازم كنايةً عن نفي الملزوم من غير ملاحظةٍ والتفاتٍ إلى أنَّ حُكم الأمثالِ واحدٌ، وأنه يجري في النفي دون الإثبات، فإن نفي اللازم يستلزمُ نفيَ الملزوم دون العكس، بخلاف ما تقدَّم، فإنَّ مَبناه أنَّ حُكمَ المُتماثلين واحد وإلا لم يكونا مُتماثلين، ولا يُحتاج إلى إثبات اللزوم بين وجود المِثْل ومِثْل المِثْل، وأنه يجري في النفي والإثبات كما سمعتَ من الأمثلة، وليس ذاك من المذهب الكلامي في شيء؛ أما أولاً: فلأنه إيرادُ الحُجَّة، وليس في الآية إشعارٌ بها فضلاً عن الإيراد. وأما ثانياً: فلأنه حينئذ تكون الحُجَّةُ قياساً استثنائياً استثني فيه نقيضُ التالي هكذا: لو كان له سبحانه مِثْل لكان هو جل شأنه مِثْلَ مِثْلهِ، لكنه ليس مِثْلاً لمثلهِ، فلا بدَّ من بيان بطلانِ التالي حتى تَتِمَّ الحُجَّة، إذ ليس بيِّناً بنفسه، بل وجودُ المِثْل ووجودُ مِثْل المِثْل في مرتبةٍ واحدة في العلم والجهل، لا يجوزُ جَعْلُ أحدِهما دليلاً على الآخر، لكن قيل: إنَّ المفهومَ من: ليس مِثْلَ مِثْلِه شيء، على ذلك التقدير، نفيُ أن يكون مِثْلٌ لمثله سواه تعالى بقرينة الإضافة، كما أنَّ المفهومَ من قول المُتكلِّم: إنْ دخل داري أحدٌ فكذا، غيرُ المُتكلِّم، وأيضاً لا نُسلِّم أنه لو وُجِدَ له سبحانه مِثْلٌ لكان هو جلَّ وعلا مِثْلَ مِثْله؛ لأن وجودَ مِثْله سبحانه مُحال، والمُحال جاز أنْ يستلزم المُحال. وأُجيب عن الأول: أن اسمَ ((ليس)): ((شيءٌ)، وهو نكرةٌ في سِياق النفي، فتعمُّ الآيةُ نفيَ شيء يكون مِثْلاً لمثله، ولا شكَّ أنه على تقدير وجودِ المِثْلِ يَصْدُقُ عليه أنه شيءٌ مِثْلٌ لمثله، والإضافةُ لا تقتضي خروجه عن عموم شيء بخلاف المِثال المذكور، فإنَّ القرينَة العقلية دلَّت على تخصيص أحدٍ بغير المتكلِّم؛ لأن مقصودَه المنعُ عن دخول الغير. الآية : ١٢ - ١٣ ٢٤٧ سُورَةُ الشُِورَى وعن الثاني: أن وجودَ المِثْل لشيء مطلقاً يستلزمُ المِثْلَ مع قَطْع النظر عن خصوصية ذلك الشيء، وذلك بيِّنٌّ، فالمنع بتجويز أن يكون لذاته تعالى مِثْلٌ ولا يكون هو سبحانه مِثْلاً لمثله مُكابرةٌ. ثم إنَّ هذا الوجه لِكَثْرة ما فيه من القِيل والقال بالنسبة إلى غيره من الأوجه السابقة لم نذكره عند ذِكْرها، وهو على عِلَّاته أحسنُ من القول بالزيادة كما لا يخفى على مَن وقَّقه الله عز وجل. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُدرِك إدراكاً تامّاً لا على طريق التخيُّل والتوهُّم لجميع المسموعات، ولا على طريق تأثّر حاسَّة، ولا وصولٍ هواء ﴿اَلْبَصِيرُ المُدرِك إدراكاً تاماً لجميع المُبْصَرات أو الموجودات لا على سبيل التخيُّل والتوهُّم، ولا على طريق تأثّر حاسَّة ولا وصولِ شُعاع، فالسمعُ والبصر صِفتان غيرُ العلم على ما هو الظاهر، وأَرجَعَهما بعضُهم إلى صفة العلم، وتمامُ الكلامِ على ذلك في الكلام. وقدَّم سبحانه نفيَ المِثْل على إثبات السَّمع والبصر؛ لأنه أهمُّ في نفسه وبالنظر إلى المُقام. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة ((الزمر))(١)، وكذا قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾ وقرئ: ((يُقدِّر)) بالتشديد(٢). ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مبالغ في الإحاطة به، فيفعل كلَّ ما يفعل جل شأنه على ما ينبغي أن يُفعل عليه، والجملة تعليلٌ لما قبلها وتمهيدٌ لما بعدَها من قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الَّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِ إِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ﴾ وإيذانٌ بأنَّ ما شرع سبحانه لهم صادرٌ عن كمال العلم والحكمة، كما أن بيانَ نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيهٌ على كونه ديناً قديماً أجمع عليه الرُّسل. (١) عند تفسير الآية (٦٣). (٢) الكشاف ٣/ ٤٦٣. سُؤَدَّةُ الشُِّورَى ٢٤٨ الآية : ١٣ والخِطاب لأمته عليه الصلاة والسلام، أي: شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً ومَن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأَمَرهم به أمراً مُؤَّدا. وتخصيصُ المذكورين بالذِّكر لما أُشير إليه من عُلِّ شأنهم، وعِظَم شُهرتهم، ولاستمالةِ قلوب الكَفّرة إلى الاتّباع، لاتِّفاق كلٍّ على نبوة بعضهم، واختصاص اليهود بموسى عليه السلام، والنصارى بعيسى عليه السلام، وإلا فما من نبيِّ إلا وهو مأمورٌ بما أُمروا به من إقامة دين الإسلام، وهو التوحيد، وما لا يختلف باختلاف الأمم وتبدُّل الأعصار من أصول الشرائع والأحكام كما يُنبئ عنه التوصية، فإنها مُعرِبة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به. والمرادُ بإيحائه إليه وَله إما ما ذُكر في صدر السورة الكريمة وفي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) الآية، وإما ما يَعمُّهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جُملتها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وغير ذلك. وإيثار الإيحاء على ما قبلَه وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة، ولِمَا في الإيحاء من التصريح برسالته عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكَفَرة. والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمالِ الاعتناء بإيحائه، وفي ذلك إشعارٌ بأنَّ شريعته وَّهر هي الشريعةُ المُعتَنَى بها غايةَ الاعتناء، ولذا عبَّر فيها بـ ((الذي)) التي هي أصلُ الموصولات، وذلك هو السرُّ في تقديم الذي أُوحي إليه عليه الصلاة والسلام على ما بعدَه مع تقدُّمه عليه زماناً . وتقديم توصيةٍ نوح عليه السلام لِلمُسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً، وقد قيل: إنه عليه الصلاة والسلام أولُ الرُّسل. وتوجيهُ الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شَرعه لهم على لسانه وَ هر. الآية : ١٣ ٢٤٩ سُورَةُ الشُِّورَى ﴿أَنْ أَقِيُوْ الدِّينَ﴾ أي: دين الإسلام الذي هو توحيدُ الله تعالى وطاعته والإيمان بكتُبه ورُسُله، وبيوم الجزاء وسائرٍ ما يكون العبدُ به مؤمناً. والمرادُ بإقامته تعديلُ أركانه وحِفْظُه من أنَ يقعَ فيه زيٌ، والمواظبةُ عليه. و ((أنْ)) مصدرية، وتقدَّم الكلامُ في وَصْلها بالأمر والنهي، أو مُخفَّفة من الثقيلة لِمَا في (شرع)) من معنى العلم، والمصدر إما منصوبٌ على أنه بدلٌ من مفعول (شرع)) والمعطوفين عليه، أومرفوع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أومبتدأ خبره محذوف، والجملةُ جوابٌ عن سؤال نشأ من إبهام المشروع، كأنه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو أنْ أقيموا الدين. وقيل: هو مجرور على أنه بدل من ضمير ((به))، ولا يلزمه بقاءُ الموصول بلا عائد؛ لأنَّ المُبدَلَ منه ليس في نية الطَّرح حقيقة، نعم قال شيخ الإسلام(١): إنه ليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيِّز الإيحاء إلى النبي ◌َّ مستلزمٌ لكون الخطاب في النهي الآتي عن التفرُّق للأنبياء المذكورين عليهم السلام، وتوجيهُ النهي إلى أُممهم تمثّلٌ ظاهرٌ مع أنَّ الأظهرَ أنه متوجّه إلى أُمَّتِهِ وَّرَ، وأنهم المُتفرِّقون. ثم بيَّن ما استظهره، وسَنُشير إليه إن شاء الله تعالى. وجوّز كونه بدلاً من ((الدين)). ويجوز كون ((أنْ)) مُفسِّرة، فقد تقدَّمها ما يتضمَّن معنى القول دون حُروفه. والخطابُ في ((أقيموا)) وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ على ما اختاره غيرُ واحد من الأجِلَّة شاملٌ للنبيِ نَّهِ وأَتباعه وللأنبياء والأُمم قَبْلَهم، وضميرُ (فيه)) الدِّين، أي: ولا تتفرَّقوا في الدين الذي هو عبارةٌ عما تقدَّم من الأُصول بأن يأتي به بعضٌ ولا يأتي بعضٌ، ويأتي بعضٌ ببعض منه دون بعض، وهو مُرادُ مقاتل، أي: لا تختلفوا فيه، ولا يشملُ هذا النهي عن الاختلاف في الفروع، فإنها ليست من الأصول المُرادة هنا، ولم يَتَّحِدْ بها النبيون كما يُؤذن بذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ (١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٦/٨. سُورَةُ الشُّورَى ٢٥٠ الآية : ١٣ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] وبعضُهم أدخلَ بعضَ الفروع في أصول الدين المرادة هنا من الدين. قال مجاهد: لم يُبعث نبيٌّ إلا أُمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار بالله تعالی وطاعته سبحانه، وذلك إقامةُ الدین. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: لم يكن مع آدمَ عليه السلام إلا بنوه، ولم يُفرضْ له الفرائض، ولا شُرعت له المحارم، وإنما كان مُنبّهاً على بعض الأمور، مُقتصراً على بعض ضروريات المَعاش، واستمرَّ الأمر إلى نوح عليه السلام، فبعثه الله تعالى بتحريم الأُمهات والبنات، ووظّف عليه الواجبات، وأوضحَ له الأدبَ في الديانات، ولم يَزَلْ ذلك يتأتَّد بالرُّسل، ويتناصر بالأنبياء واحداً بعدَ واحد، وشریعةً إثر شريعة، حتى ختمه سبحانه بخير الملل على لسان أكرمِ الزُّسل، فمعنى الآية: شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء ديناً واحداً في الأصول، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرُّب بصالح الأعمال، والصِّدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكِبْر والزِّنا، والإيذاءِ للخَلْق، والاعتداءِ على الحيوان، واقتحام الدَّناءات، وما يعود بخرم المروءات، فهذا كلُّه مشروعٌ ديناً واحداً، وملَّة متَحدة، لم يختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفَتْ أعدادُهم. ومعنى ((أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)): اجعلوه قائماً، أي: دائماً مستمرّاً من غير خلافٍ فيه ولا اضطراب (١). انتهى. ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ مُطلَقَها لا ما نعرفه في شرعنا منها، فإن الصلواتِ الخمسَ والزكاةَ المخصوصةَ وصيامَ شهر رمضان من خواصِّ هذه الأُمّة على الصحيح، والظاهرُ أن حَجَّ البيت لم يُشرَعْ لأُمة موسى وأُمةِ عيسى عليهما السلام، ولا لأكثر الأُمم قبلَهما، على أنَّ الآيةَ مكيةٌ، ولم تُشرع الزكاةُ المعروفة وصيامُ رمضان إلا في المدينة، وبالجملة لا شكَّ في اختلاف الأديان في الفروع، نعم لا يبعدُ اتفاقُها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتنابِ الرَّذائل. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٦٥٤. الآية : ١٣ ٢٥١ سُؤَةُ الْشُورَى ﴿كَبُرَ﴾ أي: عَظُم وشقَّ ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ على سبيل الاستمرار التجدُّدي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام، ويشعرُ بإرادته التعبير بالمشركين، وهو أصلُ الأصول وأعظمُ ما شقَّ عليهم كما تُنبئ بذلك الآيات، أو: ما تدعوهم إليه من إقامة الدين وعدم التفرُّق فيه. ﴿اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ تسليةٌ له وَّهِ بأنَّ منهم مَن يُجيب، و((يجتبي)) من الاجتباء بمعنى الاصطفاء، والضميرُ في ((إليه)) لله تعالى كما ذكر مُحيي السنة (١) ﴾ أي: يصطفي وغيرُه، وكذا الضمير في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ إليه سبحانه من يشاء اصطفاءه، ويُخصِّصه سبحانه بفيضٍ إلهيٍّ يتحصَّل له منه أنواعُ النِّعم، ويهدي إليه عز وجل بالإرشاد والتوفيق من يُقبل إليه تعالى شأنه، وعُدِّي الاجتباءُ بإلى لِمَا فيه من الجمع على ما يُفهم من كلامِ الراغب(٢)، وجَعَله جمعٌ من الجِباية بمعنى الجمع يقال: جبيتُ الماءَ في الحوض: جمعته فيه، فمنهم مَن اختار جَعْلَ ضمير ((إليه)) في الموضعين لـ ((ما))؛ لِمَا فيه من اتّساق الضمائر، أي: يجتلب ويجمع مَن يشاء اجتلابَه وجَمْعَه إلى ما تدعوهم إليه، ومنهم مَن اختار جَعْله للدِّين لمناسبةٍ معنوية هي اتِّحادُ المُتَفرِّق فيه والمُجتمع عليه. والزمخشري(٣) اختار كونَه من الجباية بمعنى الجَمْع، وعودَ الضمير على الدِّين، وما ذكره مُحيي السنة وغيره؛ قال في ((الكشف)): أظهرُ وأملُ بالفائدة، أما الثاني: فللدلالةِ على أنَّ أهلَ الاجتباء غير أهل الاهتداء، وكلتا الطائفتين هم أهلُ الدِّين والتوحيد الذين لم يتفرَّقوا فيه، وعلى مُختاره طائفة واحدة. وأما الأول: فلأنَّ الاجتباءَ بمعنى الاصطفاء أكثرُ استعمالاً، ولأنه يدلُّ على أنَّ أهلَ الدِّين هم صفوةُ الله تعالى اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه سبحانه، وأما الذي آثره الزمخشري فكلامٌ ظاهري بناه على أنَّ الكلامَ في عدمِ التفرُّق في الدين، فناسبَ الجمعَ، والانتهاءَ إليه. (١) هو البغوي في تفسيره ٤/ ١٢٢. (٢) في مفردات ألفاظ القرآن (جبي). (٣) في الكشاف ٣/ ٤٦٤ . سُورَةُ الشُِّورَى ٢٥٢ الآية : ١٤ وقيل: ((ما تدعوهم إليه)) على معنى: ما تدعوهم إلى الإيمان به، والمرادُ به الرسالة، أي: ثَقُلَتْ عليهم رسالتك، وعَظُم لديهم تخصيصنا إياك بالرسالة والوحي دونهم، وقولُه تعالى: ((الهُ يجتبي إليه من يشاء)) ردٌّ عليهم على نحو ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وما قدَّمنا أظهرُ. ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ﴾ - أي: أُمم الأنبياء بعد وفاةٍ أنبيائهم كما في ((الكشف)) منذ بَعْثٍ نوح عليه السلام - في الدِّين الذي دُعوا إليه، واختلفوا فيه في وقتٍ من الأوقات ﴿إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ من أنبيائهم بأنَّ الفرقةَ ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعّدٌ عليه؛ وهذا يُؤيِّد ما دلّ عليه سابقاً من أن الأُمم القديمة والحديثة أُمروا باتّفاق الكلمةِ وإقامة الدِّين، والمرادُ بالعلم سببه مجازاً مُرسلاً، ويجوز أن يكون التجوُّز في الإسناد، وأن يكونَ الكلامُ بتقدير مضافٍ، أي: جاءهم سببُ العلم، وقد يقال: ((جاء)) مجازٌ عن حصل. والاستثناءُ على ما أشرنا إليه مُفرَّغ من أعمِّ الأوقات، وجوِّز أن يكونَ من أعمِّ الأحوال، أي: ما تفرَّقوا في حال من الأحوال إلا حال مجيء العلم. ﴿بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾ أي: عداوةٌ، على أنَّ البغيَ الظُّلمُ والتجاوز، والعداوةُ سببٌ له، وهي الداعي للتفرُّق، أوطلباً للدنيا والرِّياسة على أنَّ البغي مصدر بغى بمعنى طَلَب. ﴿وَلَوْلاً كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ هي عِدَتُه تعالى بترك مُعاجلتهم بالعذاب ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَقَّى﴾ معلومٍ له سبحانه، وهو يومُ القيامة، أو آخر أعمارهم المُقدَّرة لهم ﴿لَقُضِىَ بَيَِهُمْ﴾ باستئصال المبطلين حين افترقوا لِعِظَم ما اقترفوا. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِثُواْ الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هم أهلُ الكتاب الذين كانوا في عهده وَّهِ، وقرأ زيدُ بن علي: ((وُرُِّوا)) مبنيّاً للمفعول مُشدَّدَ الواو(١). ﴿لَفِى شَّكِ مِنْهُ﴾ أي: من كتابهم، فلم يُؤمنوا به حقَّ الإيمان ﴿مُرِيبٍ مُقْلِقٍ، أومُدخِل في الرِّيبة. والجملةُ اعتراضٌ يُؤكِّد أن تفرُّقهم ذلك باقٍ في أعقابهم، منضمّاً إليه الشُّ في (١) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٥١٣/٧. . ـودة الشُورَى ٢٥٣ الآية : ١٥ كتابهم مع انتسابهم إليه، فهم تفرَّقوا بعد العلم الحاصل لهم من النبي المبعوث إليهم، المُصدِّق لكتابهم، وتفرَّقوا قبلَه شكّاً في كتابهم، فلم يُؤمنوا به، ولم يُصدِّقوا حقّه. ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي: إذا كان الأمرُ كما ذكر، فلأَجْل ذلك التفرُّق، ولِمَا حَدَثَ بسببه من تَشعُّب الكُفْر في الأُمم السالفة شُعباً ﴿فَادْعٌ﴾ إلى الائتلاف والاتِّفاق على المِلَّة الحنيفية القديمة ﴿وَأَسْتَقِمْ كَمَّ أُمِرْتٌ﴾ أي: اثبتْ على الدُّعاء كما أُوحِي إليك. وقيل: الإشارةُ إلى قوله تعالى: ((شرع لكم)) وما يتّصل به، ونُقِل عن الواحدي(١)، أي: ولأَجْل ذلك من التوصيةِ التي شُورِكْتَ فيها مع نوح ومَن بعده، ولأَجْل ذلك الأمر بالإقامة، والنهي عن التفرُّق، فادعُ. وما ذُكر أولاً أَولى؛ لأن قوله تعالى: (أَنْ أَفِيُواْ) شَمِلَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام وأتباعّه كما سمعت، ويدلُّ عليه ((كَبُرَ على المُشركين ما تَدْعوهم إليه)»، فقوله تعالى: (فَإِذَلِكَ فَادْعُ) إلخ لا يتسبَّب عنه؛ لِمَا يظهر من التكرار، وهو تفرُّع الأمرِ عن الأمر، وأما تسبُّبه عن تفرُّقهم فظاهرٌ على معنى: فلِما أحدثوا من التفرُّق وأبدعوا فاثْبُتْ أنت على الدعاء الذي أُمرت به، واستقِمْ، وهذا ظاهرٌ للمتأمِّل. ومن الناس مَن جعل المُشار إليه الشرع السابق، ولم يُدخل فيه الأمرَ بالإقامة لئلا يلزمَ التكرار، أي: فلأَجْل أنه شرع لهم الدِّين القويم القديم الحقیقَ بأن يتنافسَ فيه المتنافسون فادعُ، وقيل: هو الكتاب. وقيل: هو العلم المذكور في قوله تعالى: ((جاءهم العلم)). وقيل: هو الشكُّ، ورُجِّح بالقُرب، وليس بذاك. واللامُ على جميع الأقوال المذكورة للتعليل، وقيل - على بعضها -: هي بمعنى (إلى)) صلةُ الدُّعاء، فما بعدَها هو المَدْعوُّ إليه. وأنت تعلم أنه لا حاجةً في إرادة ذلك إلى جَعْلها بمعنى إلى، فإنَ الدعاءَ يتعدَّى بها أيضاً كما في قوله: (١) ينظر الوسيط ٤/ ٤٧. سُورَةُ الشُِّورَى ٢٥٤ الآية : ١٥ دَعوتُ لِمَا نابَني مِسْوراً(١) ونُقل ذلك عن الفراء(٢) والزجاج(٣)، وأيّاً ما كان فالفاءُ الأُولى واقعةٌ في جواب شرط مقدَّر كما أشرنا إليه، والفاء الثانية مُؤَكِّدةٌ للأُولى. وقيل: كان الناسُ بعد الظُوفان أمةً واحدة مُوَحِّدين، فاختلف أبناؤهم بعد موتهم حين بعثَ اللهُ تعالى النبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين، وجعل ضمير ((تفرَّقوا)) لأَخلاف أولئك المُوحِّدين و ((الذين أورثوا الكتاب)) باقٍ على ما تقدَّم. والأولُ أُظھر . وقيل: ضمير ((تفرَّقوا)) لأهل الكتاب، تفرَّقوا من بعد ما جاءهم العلم بمبعثٍ النبيِّ ◌َّ، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَمَنْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾ [البينة: ٤] وإنما تفرَّقوا حسداً له عليه الصلاة والسلام، لا لِشُبهة، والمرادُ بـ (الذين أُورثوا الكتابَ من بعدهم)» مُشركو مكةَ وأحزابهم؛ لأنهم أُورثوا القرآنَ، فالكتابُ القرآنُ، وضميرُ ((منه)) له، وقيل: للرسول، وهو خِلافُ الظاهر. واختار كونَ المُتفرِّقين أهل الكتاب اليهود والنصارى، والمُورَّثين الشاكِّين مُشركي مكة وأحزابهم شيخُ الإسلام، واستظهر أنَّ الخطابَ في ((أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)) لأمته وَّه، وتعقَّب القولَ بكون المتفرِّق كلَّ أمة بعد نبيِّها، والقولَ بكونه أخلافَ المُوحِّدين الذين كانوا بعد الظُوفان، فقال: يردُّ ذلك قوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمَّ) فإنَّ مشاهيرَ الأُمم المذكورة قد أصابهم عذابُ الاستئصال من غير إنظار وإمهال، على أنَّ مَساقَ النظم الكريم البيان أحوال هذه الأُمة، وإنما ذُكِر مَن ذُكِرَ من الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أنَّ ما شُرع لهؤلاء دينٌ قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً (١) كتاب سيبويه ٣٥٢/١، والخزانة ٢/ ٩٢، وعجزه: فلبَّ فلبَّيْ يَدَي مسورٍ. قال السيوطي في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١٠: قائله أعرابي من بني أسد، وقال البغدادي: وهذا البيت من الأبيات الخمسين التي لا يعرف لها قائل. (٢) في معاني القرآن ٣/ ٢٢. (٣) في معاني القرآن ٣٩٦/٤. الآية : ١٥ ٢٥٥ سُؤَدَّةُ الشُِّورَى لوجوب إقامته، وتشديداً للزجر عن التفرُّق والاختلاف فيه، فالتعرُّض لبيان تفرُّق أُممهم عنه ربما يُوهم الإخلال بذلك المرام(١). انتهى. وأجيب عن الأول: بأنَّ ضميرَ ((بينهم)) لأولئك الذين تفرَّقوا، وقد علمتَ أنَّ المرادَ بهم المُتفرِّقون بعد وفاة أنبيائهم، وهم لم يُصبهم عذابُ الاستئصال، وإنما أَصاب الذين لم يؤمنوا في عهد أنبيائهم، وإطلاقُ المُتفرِّقين ليس بذاك الظهور، وقيل: المرادُ: لَقُضي بينهم ريثما افترقوا، ولم يُمهلوا أعواماً. وقيل: المرادُ: لَقُضي بينهم بإهلاك المُبطلين وإثابةِ المُحقِّين إثابتهم في العُقبى. وهو كما ترى. وعن الثاني: بأنا لا نُسلِّم إيهام التعرُّض لبيان تفرُّق الأُمم الإخلال بالمرام بعد بيان أنه لم يكن إلا بعدَ أنْ جاءهم العلم بأنه ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعّدٌ عليه، وأنه كان بغياً بينهم، ولم يكن لِشُبهةٍ في صحة الدِّين. وقيل: ضمير ((تفرقوا)) للمشركين في قوله تعالى: ((كبر على المشركين))؛ حكى في ((البحر))(٢) عن ابن عباس أنه قال: ((وما تفرَّقوا)) يعني: قريشاً، و((العِلْم)) محمدٌ وَل﴾، وكانوا يتمنَّون أن يُبعث إليهم نبيٌّ كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْنَتِهِمْ لَيِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ الآية [فاطر: ٤٢]، وقد يقال عليه: المرادُ بالذين أُورثوا الكتاب أهلُ الكتاب الذين عاصروا النبي ◌َّ، ومعنى ((من بعدهم)) - على ما قال أبو حيان(٣) -: من بعدِ أسلافهم. ونقل الطبرسي(٤) عن السُّدي ما يدلُّ على أنَّ المرادَ: من بعد أحبارهم، وفُسِّر الموصولُ بعوامٌ أهل الكتاب، وقيل: ضمير (بعدِهم)) للمشركين أيضاً والبَعْدية رتبية كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. ولا يخفى عليك أنه لا بأس بعود ضمير ((تفرَّقوا)) للمشركين لو وُجد للذين أُورثوا الكتاب توجيهٌ يقع في حيِّز القَبول، والله تعالى الموفِّق. (١) تفسير أبي السعود ٢٧/٨. (٢) ٧ /٥١٢. (٣) في البحر المحيط ٥١٣/٧. (٤) في مجمع البيان ٢٥/ ٤٣ . سُورَةُ الشُِّورَى ٢٥٦ الآية : ١٥ وجعلُ متعلَّق ((استقم)) الدعاءَ لا تخفى مناسبتُه. وجُوِّز جعلُه عامًّا، فيكون (استقم)) أمراً بالاستقامة في جميع أُمورِه عليه الصلاة والسلام. والاستقامةُ أن يكونَ على خطّ مستقيم. وفسَّرها الراغب بلزوم المَنْهج المستقيم(١). فلا حاجةً إلى التأويل بالدوام على الاستقامة، أي: دُمْ على الاستقامة. ﴿وَلَا نَّعَ أَهْوَهُمْ﴾ أي: شيئاً من أهوائهم الباطلة، على أنَّ الإضافةَ للجنس ﴿وَقُّلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ﴾ أي: بجميع الكُتب المُنزَلة؛ لأنَّ (ما)) من أدوات العموم، وتنكير ((كتاب)) المُبيِّن مُؤَيِّدٌ لذلك. وفي هذا القولِ تحقيقٌ للحقِّ، وبيانٌ لاتِّفاق الكتب في الأصول، وتأليفٌ لقلوب أهل الكتابين، وتعريضُ بهم حيث لم يُؤمنوا بجميعها . ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: أَمرني اللهُ تعالى بما أَمرني به لأَعْدِلَ بينكم في تبليغ الشرائع والأحكام، فلا أَخُصُ بشيء منها شخصاً دون شخص. وقيل: لِأَعْدِلَ بينكم في الحُكم إذا تخاصمتم. وقيل: بتبليغ الشرائع وفَضْل الخصومة. واختاره غيرُ واحد. وقيل: لِأُسوِّي بيني وبينكم، ولا آمُرُكُم بما لا أَعلمه، ولا أُخالفكم إلى ما أَنْهاكُم عنه، ولا أُفَرِّقُ بين أَصاغِركم وأَكابركم في إجراء حُكم الله عز وجل. فاللامُ للتعليل والمأمورُ به محذوف. وقيل: اللام مَزيدة، أي: أُمرتُ أنْ أَعْدِلَ، ويُحتاج لتقدير الباء، أي: بأنّ أَعْدِلَ، ولا یخلو عن بُعد. ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: خالقُ الكُلّ ومُتولِّي أمرِه، فليس المرادُ خصوصَ المُتكلِّم والمُخاطّب. ﴿لَنَّا أَعْمَلُنَا﴾ لا يتخطَّانا جزاؤها ثواباً كان أو عقاباً ﴿وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لا يُجاوزكم آثارُها لِننتفع بحسناتكم ونتضرَّر بسيئاتكم. ﴿لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لا احتجاجَ ولا خُصومة؛ لأنَّ الحقَّ قد ظهر، فلم يبقَ للاحتجاج حاجةٌ ولا للمُخالفة محملٌ سوى المُكابرة والعِناد، وجاءت الحُجَّة (١) مفردات ألفاظ القرآن (قوم). الآية : ١٦ ٢٥٧ سُورَةُ الشُِّوْرَى هنا على أصلها، فإنها في الأصل مصدرٌ بمعنى الاحتجاج كما ذكره الراغب(١)، وشاعتْ بمعنی الدلیل، وليس بمراد. فيفصِلُ سبحانه بيننا وبينكم. ﴿اَللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ يومَ القيامة ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾) وليس في الآية ما يدلُّ على مُتاركة الكُفَّار رأساً حتى تكونَ منسوخةً بآية السيف، وادَّعى أبو حيان(٢) أنَّ ما يظهرُ منها المُوادعة المنسوخة بتلك الآية. ﴿وَالَّذِينَ يُحُآُونَ فِى الَّهِ﴾ أي: يُخاصمون في دينه، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفةٍ من بني إسرائيل هَمَّتْ بردِّ الناس عن الإسلام وإضلالهم، فقالوا: كتابُنا قبلَ كتابِكم، ونَبِيُّنا قبلَ نبيِّكم، فدينُنا أفضلُ من دينكم، وفي روايةٍ بدل: فديتُنا .. إلخ: فنحن أولى باللهِ تعالى منكم(٣). وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخلَ الناسُ في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أَظهرنا أو اتْرُكوا الإسلام(٤). والمُحَاجَّة فيه غيرُ ظاهرة، ولعلّهم مع هذا يذكرون ما فيه ذلك. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: من بعد ما استجاب الناسُ لله عز وجل، أو لدينه ودخلوا فيه وأَذعنوا له؛ لِظُهور الحُجَّة ووُضوح المَحَجَّة، والتعبيرُ عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه. ﴿ُجَُّهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ زائلةٌ باطلةٌ لا تُقبل عنده عز وجل، بل لا حُجَّةً لهم أصلاً؛ وإنما عبّر عن أباطيلهم بالحُجَّة - وهي الدليل هاهنا - مجاراةً معهم على زَعْمهم الباطل . وجُوِّز كون ضمير ((له)) للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لكونه في حُكم المذكور، والمُستجيبُ أهلُ الكتب، واستجابتُهم له وَّ إقرارُهم بِنُعُوته، (١) في مفردات ألفاظ القرآن (حجج). (٢) في البحر المحيط ٥١٣/٧. (٣) تفسير الطبري ٤٨٨/٢٠-٤٨٩، وتفسير البغوي ١٢٣/٤ بنحوه. (٤) الدر المنثور ٤/٦. سُورَةُ الشِّوْرَى ٢٥٨ الآية : ١٧ واستفتاحُهم به قبلَ مَبْعثهِ عليه الصلاة والسلام، فإذا كانوا هم المُحَاجِّين كان الكلامُ في قوة: والذين يُحاجُّون في دين الله من بعدِ ما استجابوا لرسوله وأَقُرُّوا بِنُعوته حُجَّتُهم في تكذيبه باطلٌ، لما فيها من نَفْي ما أَقرُّوا به قبلُ وصَدَّقه العِيان. وقيل: المُستجيب هو الله عز وجل، وضمير ((له)) لرسوله عليه الصلاة والسلام، واستجابتُه تعالى له وَّله بإظهار المعجزات الدالّة على صِدْقه. وإلى نحوه ذهب الجُبَّائي حيث قال: أي: من بعدِ ما استجابَ اللهُ تعالى دعاءه في كُفَّار بدر حتى قَتلَهم بأيدي المؤمنين، ودعاءَه على أهل مكة حتى قحطوا، ودعاءَه للمستضعفين حتى خَلَّصهم الله تعالى من أيدي قريش، وغير ذلك مما يطولُ تَعْدادُه، وبُطلان حُجَّتهم لِظُهور خلافٍ ما تقتضيه بِزَعْمهم بذلك. وهذا ظاهرٌ في أنَّ هذه الآيةَ مدنيةٌ؛ لأن وقعةَ بدر بعدَ الهجرة، وحملٌ (استُجيب)) على الوَعْد خلافُ الظاهر جدّاً، وكذا ما رُوي عن عكرمة(١). وقيل: إنَّ حملَ الاستجابةِ على استجابة أهل الكتاب يقتضي ذلك أيضاً إذْ لم يكن بمكة أحدٌ منهم. وقيل: لا يقتضيه؛ لأنَّ خبرَ استجابتهم وإقرارهم بنعوته وَّر وهو عليه الصلاة والسلام بمكة بلغَ أهلَ مكة، والمُجادلون محمولٌ عليهم، فلا مانعَ من كونها مكيةً. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عظيم لِمُكابرتهم الحقَّ بعد ظُهوره ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ لا يُقادر قَدْره. ﴿اللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِنَبَ﴾ جنس الكتاب، أو الكتاب المعهود، أوجميع الكتب ﴿بِالْحَقِ﴾ مُلتبساً بالحقّ، بعيداً من الباطل في أحكامه وأخباره، أومُلتبساً بما يحقّ ويجب من العقائد والأحكام. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أي: العدلَ؛ كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم(٢)، أو الشَّرع الذي يُوزن به الحقوق، ويُسوِّي بين الناس، وعلى الوجهين فيه استعارةٌ. (١) أي أن ما روي عن عكرمة ظاهر أيضاً في أن الآية مدنية. (٢) تفسير البغوي ٤ / ١٢٣ . الآية : ١٨ ٢٥٩ سُورَةُ الشُورَى ونسبةُ الإنزال إليه مجازٌ؛ لأنه من صفات الأجسام، والمُنزَل حقيقة مَنْ بَلَّغه. واعتبر بعضُهم الأمر، أي: أنزل الأمر بالميزان، وتُعقِّب بأنه أيضاً مُحتاجٌ إلى التأويل، وقد يقال: نسبة الإنزال وكذا النزول إلى الأمر مشهورةٌ جدّاً فالتحقَتْ بالحقيقة، ويجوز أن يُتجوّز في الإنزال، ويقال نحو ذلك في ((أنزل الكتابَ)). وعن مجاهد أنَّ الميزانَ الآلةُ المعروفة، فعلى هذا إنزالُه على حقيقته، وجوّز أن يكون على سبيل الأمر به، واستظهر الأول، لما نقل الزمخشري(١) في ((الحديد)» أنه نُزِّلَ إلى نوح وأُمِرَ أن يُوزن به، وكونُ المرادِ به ميزانَ الأعمال بعيدٌ هنا. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أيُّ شيء يجعلك دارياً، أي: عالماً ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ أي: إتيان الساعة الذي أخبر به الكتابُ الناطق بالحقِّ، فالكلام بتقدیر مضافٍ مذكَّر، وقوله تعالى: ﴿قَرِيبٌ ﴾ خبرٌ عنه في الحقيقة؛ لأن المحذوفَ بقرينةٍ كالملفوظ، وهو وجهٌ في تذكيره. وجُوِّز أن يكون لتأويل الساعة بالبعث، وأن يكون ((قريب)) من باب: تامر ولابن، أي: ذات قُرب، إلى أَوْجُهٍ أُخَرَ تقدَّمت في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأيَّاما كان، فالمعنى: إنَّ الساعةَ على جناح الإتيان، فاتَّبع الكتابَ، وواظِبْ على العَدْل، واعمَلْ بالشرع قبل أن يُفاجئك اليومُ الذي تُوزن فيه الأعمال، ويُونَّى جزاؤها . ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ، كانوا يقولون: متى هي، ليتها قامَتْ حتى يظهرَ لنا أهو الذي نحن عليه أم كالذي عليه محمدٌ (عليه الصلاة والسلام) وأصحابُه؟ !. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي: خائفون منها مع اعتناءٍ بها، فإنَّ الإشفاقَ عنايةٌ مختلطةٌ بخوف، فإذا تعُدِّي بـ ((من)) - كما هنا - فمعنى الخوف فيه أظهرُ، وإذا عُدِّي بـ ((على) فمعنى العناية أظهر، وعنايتُهم بها لِتوقُّع الثواب. (١) في الكشاف ٤/ ٦٦ . سُورَةُ الشُِّورَى ٢٦٠ الآية : ١٩ وزعم الجلبي أن الآيةَ من الاحتباك، والأصل: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، فلا يُشفِقُون منها، والذين آمنوا مُشفِقون منها فلا يستعجلون بها . ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الأمر المُتحقِّق الكائن لا مَحالةً. ﴿أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ﴾ أي: يُجادلون فيها، وأصلُه من: مَرَيْتُ الناقةَ، إذا مَسَحتَ ضرعَها للحَلْب، وإطلاق المُماراة على المُجادلة لأنَّ كلَّ من المُتجادِلَيْنِ يستخرج ما عند صاحبه. ويجوز أن يكون من المِرْية: التردُّد في الأمر، وهو أخصُّ من الشكّ، ومعنى المُفاعلة غيرُ مقصود، فالمعنى: إن الذين يتردّدون ﴾﴾ عن الحقِّ، فإن البعثَ أقربُ في أمر الساعة ويشكُون فيه ﴿لَفِى ضَلٍ بَعِيدٍ الغائبات بالمحسوسات؛ لأنه يُعلم تجويزه(١) من إحياء الأرض بعد موتها وغير ذلك، فمَن لم يهتدِ إليه فهو عن الاهتداء إلى ما وراءه أبعدُ وأبعد. ﴿اَللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ﴾ بَرِّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيضُ جلَّ شأنُه على جميعهم من صنوفه ما لا يبلغه الأفهام، ويُؤذن بذلك مادةُ اللَّطف وصيغةُ المبالغة فيها وتنكيرُها الدالُ على المبالغة بحسب الكمية والكيفية. قال حُجَّةُ الإسلام(٢) عليه الرحمة: إنما يستحقُّ هذا الاسمَ مَنْ يعلم دقائقَ المصالح وغوامِضَها وما دقَّ منها ولَطْفَ، ثم يسلكُ في إيصالها إلى المستصلح سبيلَ الرِّفق دون العُنف، فإذا اجتمع الرِّفق في الفعل واللَّطف في الإدراك تمَّ معنى اللطيف، ولا يُتَصوَّر كمالُ ذلك إلا في الله تعالی شأنه. فصنوفُ البِرِّ من المبالغة في الكَمّ، وكونها لا تبلغها الأفهام من المادة والمبالغة في الكيفية؛ لأنه إذا دقَّ جدّاً كان أخفى وأخفى، وإرادة الجميع من إضافة العبادِ - وهو جمعٌ - إلى ضميره تعالى فَيُفيد الشُّمول والاستغراق، وبالعموم قال مقاتل إلا أنه قال: لطيفٌ بالبَرّ والفاجر حيث لم يَقْتلهم جوعاً. (١) في (م): من تجويزه. (٢) هو الإمام الغزالي رحمه الله، وكلامه في المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ص١٠١.