النص المفهرس
صفحات 221-240
التفسير الإشاري (٨-٥٣) ٢٢١ سُؤَدَةُ فُصِّلَتْ ومن كلمات القوم في الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ أجرَ المؤمن الغير العامل ممنونٌ، أي: منقوصٌ بالنسبة إلى أجر المؤمن العامل، وأجرُ هذا العامل على الأعمال البدنية كالصلاة والحج الجنةُ، وعلى الأعمال القلبية كالرضا والتوُّلِ الشوقُ والمحبةُ وصدقُ الطلب، وعلى الأعمال الروحانية كالتوجُّه إلى الله تعالى كشفُ الأسرار وشهودُ المعاني والاستئناسُ بالله تعالى والاستيحاشُ من الخلق والكرامات، وعلى أعمال الأسرار كالإعراض عن السِّوَى بالكلية دوامُ التجلِّي. ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ أي: أرض البشرية ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ يومَي الهوى والطبيعة ﴿وَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ من الهوى والطبيعة ﴿وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ﴾ العقولَ الإنسانية ﴿وَبَزَكَ فِيهَا﴾ بالحواسِّ الخمس ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ من القوى البشرية . ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ سماءِ القلب ﴿وَهِىَ دُخَانٌ﴾ هيولى إلهيةٌ. ﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ هي الأطوار السبعة للقلب: فالأول: محلُّ الوسوسة. والثاني: مَظهرُ الهواجس. والثالث: معدنُ الرؤية، ويسمَّى الفؤاد. والرابع: منبعُ الحكمة، ويسمَّى القلب. والخامسُ: مرآة الغيب، ويسمى السويداء. والسادس: مثوى المحبة، ويسمَّى الشَّغاف. والسابع: موردُ التجلِّي ومركز الأسرار ومهبط الأنوار، ويسمَّى الحَبَّة. ﴿فِ يَوْمَيْنِ﴾ يومَي الروح الإنساني والإلهام. ﴿وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾ وهي أنوار الأذكار والطاعات. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ يومَ خوطبوا بـ ﴿أَسْتُ بِرَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ على إقرارهم لمَّا خرجوا إلى عالم الصُّوَر، ولم ينحرفوا عن ذلك كالمنافقين والكافرين، وذُكر أنَّ الاستقامةَ متفاوتةٌ، فاستقامةُ العوامٌّ في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان. واستقامةُ الخواصِّ في الظاهر بالرغبة عن الدنيا، وفي الباطن بالرغبة عن الجنان شوقاً إلى الرحمن. واستقامةُ خواصِ سُوَلاَ فُصَلَتْ ٢٢٢ التفسير الإشاري (٨-٥٣) الخواصِّ في الظاهر برعاية حقوق المبايعة على وفق المتابعة(١) بتسليم النفس والمال، وفي الباطن بالفناء والبقاء. ﴿َتَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ تنزُّلاً متفاوتاً حسب تفاؤُتِ مراتبهم. وعن بعض أئمة أهل البيت: إنَّ الملائكةَ لتُزاحِمنا بالرُّكَب، أو ما هذا معناه. ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ﴾ هي أيضاً متفاوتةٌ، فمنهم من يبشّر بالجنة المعروفة، ومنهم من يبشَر بجنة الوصال ورؤيةِ المَلِك المتعال. ﴿وَمَّنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اَللَّهِ﴾ بتركِ ما سواه ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ لئلا يخالِفَ حالُهُ قالَه ﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحُكمِه تعالى الراضين بقضائه وقَدَره، وفيه إشارةٌ إلى صفات الشيخ المرشِد وما ينبغي أن يكونَ عليه، ويحقُّ أن يقال في كثير من المتصدِّين للإرشاد في هذا الزمان المتلاطمة أمواجُه بالفساد: وتَفَرْزَنَت فيها البيادِقْ خَلَتِ الرِّقاعُ من الرِّخَاخِ وذاك من عُدم السوابِقْ(٢) وتصاهَلت ◌ُرجُ الحميرِ ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ﴾ وهي التوجّه إلى الله تعالى بصدق الطلب وخلوصٍ المحبة ﴿وَلَ السَِّئَةُ﴾ وهي طلبُ السِّوَى، والرضا بالدون. ﴿أَدَّفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ وهي طلبُ الله تعالى طلبَ ما سواه سبحانه ﴿فَإِذَا الَّذِی بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ﴾ وهو النفس الأمارة بالسوء ﴿كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ﴾ لِتَزَكِّي النفس عن صفاتها الذميمة، وانفطامِها عن المخالفات القبيحة. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ﴾ لتميل إلى ما يهوى ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وارجعْ إليه سبحانه، لئلا يؤثِّرَ فيك نَزْغُه، وفيه إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي الأمنُ من المكر والغفلةُ عن الله عز وجل. (١) قوله: على وفق المتابعة. سقط من (م). (٢) البيتان في النجوم الزاهرة ٣٥٤/١٥ دون نسبة، وفيه: فقلت، بدل: وذاك. والرخاخ: جمع الرخ، وهو من أدوات الشطرنج، والفِرزان: الوزير من قطع الشطرنج. القاموس المحيط (رخخ) و(فرزن). التفسير الإشاري (٨-٥٣) ٢٢٣ سُؤَةُ فُضِّلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءَايَقِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاً﴾ فيه إشارةٌ إلى سُوء المنكِرين على الأولياء، فإنَّهم من آيات الله تعالى، والإنكارُ من الإلحاد، نسأل الله تعالى العفوَ والعافية. ﴿قُلّ هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَأَيٌ﴾ على حسب مراتبهم، فمنهم مَن يَهدِيه إلى شهود المَلِك العلَّام، فعن الصادق على آبائه وعليه السلام: لقد تجلَّى اللهُ تعالى في كتابِه لعباده، ولكن لا يُبصرون. ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخلقَ لا يرون الآياتِ إلَّ بإراءته عز وجل، وهي كشف الحُجُب ليظهر أنَّ الأعيانَ ما شَمَّت رائحةً الوجود ولا تشمُّه أبداً، وأنه عزَّ وجل هو الأولُ والآخِرُ والظاهر والباطن، كان الله ولا شيء معه، وهو سبحانه الآن على ما عليه كان، وإليه الإشارة عندهم بقوله تعالى: ﴿حَّى يَتَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ومن هنا قال الشيخ الأكبر قدِّس سره: ما مُلكُ سليمانَ وما بلقيسُ ما آدمُ في الكون ما إبليسُ يا مَن هو للقلوب مَغْنَاطيسُ(١) الكلُّ إشارةٌ وأنتَ المعنى وأكثرُ كلامه قدِّس سرُّه من هذا القبيل، بل هو أمُّ وحدةِ الوجود وأبُوها وابنُها وأخوها، وإياك أن تقولَ كما قال ذلك الأجلُّ، حتى تصل بتوفيق الله تعالى إلى ما إليه وصل، والله عز وجل الهادي إلى سواء السبيل. تمَّ الكلامُ على السورة، والحمد لله على جزيل نعمائه، والصلاة والسلام على رسوله محمد مظهرٍ أسمائه، وعلى آله وأصحابه وسائر أتباعه وأحبائه، صلاةً وسلاماً باقيَيْنِ إلى يوم لقائه. (١) سلفا ١٣ / ٤٩١. سُوْرَةُ الشُِّورَى وتُسمَّى سورة ((حم عسق)) و((عسق))، نزلَتْ على ما رُوي عن ابن عباس وابن الزبير بمكة (١)، وأطلق غيرُ واحد القولَ بمكِّيتها من غير استثناء. وفي ((البحر)): هي مكية إلا أربعَ آيات: من قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىّ﴾ [الآية: ٢٣] إلى آخر أربع آيات(٢). وقال مقاتل: فيها مدنيٌّ قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ إلى ﴿القُدُورِ﴾ [الآيتان ٢٣ -٢٤]. واستثنى بعضُهم قولَه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَ﴾ إلخ [الآية: ٢٤]؛ قال الجلال السيوطي(٣): ويدلُّ له ما أخرجه الطبراني والحاكم في سبب نزولها؛ فإنها نزلت في الأنصار (٤)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ﴾ [الآية: ٢٧] إلخ فإنها نزلت في أصحاب الصُّفة ﴾(٥). واستثني أيضاً ﴿وَالَّذِينَ إِذَّآ أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِّنِ سَبٍِ﴾ [الآيات: ٣٩-٤١] حكاه ابن الفرس. وسيأتي إنْ شاء الله تعالى ما يدلُّ على استثناء غيرٍ ذلك على بعض الروايات، وجوِّز أن يكون الإطلاق باعتبار الأغلب. (١) الدر المنثور ٦/ ٢. (٢) البحر المحيط ٧/ ٥٠٧ ونسبه لابن عباس (٣) في الإتقان ٤٩/١. (٤) المعجم الكبير للطبراني (١٢٣٨٤) من حديث ابن عباس ها، ولم نقف عليه عند الحاكم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٠٣: فيه عثمان بن عمير أبو اليقظان، وهو ضعيف. (٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٤٥ عن عليَّ ﴿ه. الآية : ١ - ٢ ٢٢٥ سُوَةُ الشُِوَى وعددُ آياتها ثلاثٌ وخمسون في الكوفي وخمسون فيما عداه، والخلافُ في ((حم عسق) وقوله تعالى: ﴿كَالْأَعْلَمِ﴾ [الآية: ٣٢] كما فصَّله الداني(١) وغيره. ومناسبةُ أوَّلها لآخر السورة قبلَها اشتمالُ كلٍّ على ذِكْر القرآن، وذبٍّ طعن الكَفَرة فيه، وتسليةِ النبي ◌ِّر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حَمَّ جَ عَسَقّ ﴾ لعلَّهما اسمان للسورة، وأُيِّدَ بِعَدِّهما آيتين، والفَصْلِ بينهما في الخطّ، وبورودٍ تسميتها ((عسق)) من غير ذِكْر ((حم))، وقيل: هما اسمٌ واحدٌ وآيةٌ واحدة، وحقُّه أن يُرسَم متصلاً كما في ((كهيعص)) [مريم: ١] لكنه فُصل ليكون مفتتحُ السورة على طِرز مفتتح أخواتها، حيث رُسم في كلِّ مستقلًا، وعلى الأول هما خبران لمبتدأ محذوف، وقيل: ((حم)) مبتدأ و((عسق)) خبره. وعلى الثاني الکلُّ خبرٌ واحد. وقيل: إن ((حم عسق)) إشارةٌ إلى هلاك مدينتين تُبنيان على نهر من أنهار المشرق يشقُّ النهر بينهما يجتمع فيهما كلُّ جبار عنيد، يبعثُ اللهُ تعالى على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداءَ مظلمةً قد احترقتْ كأنها لم تكن مكانَها، ويخفُ بالأُخرى في الليلة الأُخرى، ورُوي ذلك عن حذيفة(٢). وقيل: إن ((حم)) اسمٌ من أسماء الله تعالى و((عين)) إشارةٌ إلى عذاب يوم بدر و (سين)) إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] و ((قاف)) إلى قارعةٍ من السماء تُصيب الناس. ورُوي ذلك بسندٍ ضعيف عن أبي ذرّ(٣). (١) في البيان في عدِّ أي القرآن ص٩١. (٢) أخرجه الطبري ٤٦٤/٢٠، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية، وقال: أثر عجيب منکر. (٣) أخرجه أبو يعلى وابن عساكر كما في الدر المنثور ٦/ ٢. سُورَةُ الشِّوَرَى ٢٢٦ الآية : ٣ والذي يغلب على الظنّ عدمُ ثُبُوت شيء من الروايتين. وفي ((البحر)): ذكر المفسرون في ((حم عسق)) أقوالاً مضطربةً لا يَصِحُّ منها شيء، ضربنا عن ذِكْرها صفحاً (١). وما ذكرناه أولاً قد اختاره غيرُ واحد، ومنهم من اختار أنها مُقَطّعات جيء بها للإيقاظ. وقرأ ابنُ عباس وابن مسعود: ((حم سق)) بلا عين(٢). كلامٌ ٢ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِيّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مستأنفٌ واردٌ لِتحقيق أنَّ مضمونَ السورة موافقٌ لما في تضاعيفِ الكُتب المُنزلة على سائر الرُّسل المتقدِّمين في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحقِّ، أو أنَّ إيحاءها [مثلُ إيحاءها](٣)، بعد تنويهها بذكر اسمها والتنبيهِ على فَخامةِ شأنها، والكافُ مفعول ((يوحي)) على الأول، أي: يُوحي مثلَ ما في هذه السورة من المعاني، أو نعتٌ لمصدر مؤكِّد على الثاني، أي: يوحي إيحاءً مثلَ إيحائها إليك وإلى الرُّسل، أي: بواسطة المَلك، وهي في الوجهين اسمٌ كما هو مذهبُ الأخفش، وإن شئتَ فاعتبرها حرفاً، واعتبر الجار والمجرور مفعولاً، أو متعلّقاً بمحذوف وقع نعتاً . وقولُ العلامة الثاني في ((التلويح)): إنَّ جار الله لا يُجوِّز الابتداءَ بالفعل، ويُقدِّر المبتدأ في جميع ما يقع فيه الفعلُ ابتداءً، کلامٌ غیر مُسلّم، وقد ترددوا فيه حتى قیل : إنه لم يظهر له وجه. وجَوَّز أبو البقاء(٤) كون ((كذلك)) مبتدأ ((ويُوحي)) الخبر، والعائد محذوفٌ، أي: مثلُ ذلك يُوحيه إليك .. إلخ، وحذفُ مثله شائعٌ في الفصيح، نعم هذا الوجه خلاف الظاهر. (١) البحر المحيط ٧/ ٥٠٧. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣٤، والمحرر الوجيز ٢٥/٥. (٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢١/٨، والكلام منه. (٤) في إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٤/ ٢٨٨. الآية : ٣ ٢٢٧ سُورَةُ الشُِّورَى والإشارةُ - كما أشرنا إليه - إلى ما في السورة أو إلى إيحائها، والدلالةُ على البُعد لِبُعد منزلةِ المُشار إليه في الفضل. وصيغةُ المضارع على حكاية الحال الماضيةِ للدلالةِ على استمراره في الأزمنة الماضية، وأن إيحاءً مثلهٍ عادتُه عز وجل. وقيل: إنها على التغليب، فإن الوحي إلى مَنْ مضَى مضَى، وإليه عليه الصلاة والسلام بعضُه ماضٍ وبعضُه مُستقبل، وجوّز أن تكون على ظاهرها، ويُضمر عامل يتعلَّق به ((إلى الذين)) أي: وأَوحى إلى الذين، وهو كما ترى. وفي جَعْل مضمون السورة أو إيحائها مُشَبّهاً به من تفخيمها ما لا يخفى. وقرأ مجاهد وابن كثير وعيَّاش ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو: ((يُوحَى)) مَبنيّاً للمفعول(١)، على أن ((كذلك)) مبتدأ و((يُوحَى)) خبره المُسند إلى ضميره، أو مصدر و((يوحَى)) مسند إلى ((إليك))، و((الله)) مرتفعٌ عند السّاكي(٢) على الفاعلية ليوحي الواقع في جواب: مَن يُوحِي؟ نحو ما قرَّروه في قوله تعالى: ﴿يُسَبَّحُ له فيها بالغُدوِّ والأصال رجالٌ﴾ [النور: ٣٦-٣٧] على قراءة ((يُسبَّح)) بالبناء للمفعول(٣)، وقوله: لِيُبكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ ومختبطٌ مما تُطيح الطوائح(٤) وقال الزمخشري: رافِعُه ما دلَّ عليه ((يوحَى))، كأنَّ قائلاً قال: من المُوحي؟ فقيل: الله(٥). وإنما قدّر كذلك ــ على ما قاله صاحب الكشف - ليدلَّ على أنَّ الإيحاءَ مُسلَّمٌ معلوم، وإنما الغرضُ من الإخبار إثباتُ اتِّصافه بأنه تعالى من شأنه الوحي، لا إثباتُ أنه مُوحٍ. ولم يَرْتَضِ (٦) القول بعدم الفرقِ بين هذا وقولهِ تعالى: (١) قراءة ابن كثير في التيسير ص١٩٤، والنشر ٣٦٧/٢، وهي غير المشهورة عن أبي عمرو، والمشهور عنه كقراءة الجمهور: ((يُوحي)). والكلام من البحر المحيط ٧/ ٥٠٨. (٢) في مفتاح العلوم ص٨٧. (٣) هي قراءة ابن عامر وشعبة، وسلفت عند تفسير الآية المذكورة من سورة النور. (٤) البيت في الكتاب ٢٨٨/١ ونسبه للحارث بن نهيك، والخزانة ٣٠٣/١ و٣١٣، وقال البغدادي: الصواب أنه لنهشل بن حَرّيّ. (٥) الكشاف ٤٥٩/٣ . (٦) أي: صاحب الكشف. ينظر حاشية الشهاب ٤٠٩/٧ . سُورَةُ الشُِّورَى ٢٢٨ الآية : ٤ - ٥ ﴿يُسَبِعُ لَكُرُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِّ ◌َ رِجَالٌ﴾ بل أوجب الفرق؛ لأنَّ الفعلَ المضارع هنالك على ظاهره لم يؤتَ به للدلالة على الاستمرار. ولهم فيه مقال. و((العزيز الحكيم)) صفتان له تعالى عند الشيخين(١)، وجوَّز أبو حيان(٢) كونَ الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبرٌ له. وقيل: ((الله العزيز الحكيم)) إلى آخر السورة قائمٌ مقام فاعل ((يُوحي)) أي: هذه الكلمات. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر وأبان: ((نوحي)) بنون العظمة(٣)، فـ((الله) مبتدأ وما بعدَه خبر، أو ((العزيز الحكيم)) صفتان، وقولُه تعالى: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ ﴾﴾ خبرٌ له، وعلى الأوجه السابقة استئنافٌ مُقرِّر لِعزَّته تعالی وحِکمته عز وجل. ﴿ِتَكَادُ السَّمَوَتُ﴾ وقُرئ: ((يكاد)» بالياء (٤) ﴿يَفَطَّرْنَ﴾ يتشقَّقْنَ من عظمة الله تعالى وجلالهِ جلَّ شأنه، ورُوي ذلك عن قتادة. وأخرج جماعةٌ منهم الحاكم - وصحَّحه - عن ابن عباس أنه قال: تكادُ السماوات يتفطّرن من النِّقل(٥). وقيل: مِن دعاء الشّريك والولد له سبحانه؛ كما في سورة مريم، وأُيِّد هذا بقوله تعالى بعدُ: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٍ﴾ [الآية: ٦] فإيرادُ ((الغفورُ الرحيم)) بعدُ لأنهم استوجبوا بهذه المقالةِ صبَّ العذاب عليهم، لكنه صُرف عنهم لِسَبقِ رحمته عزَّ وجل، والآية عليه واردةٌ للتنزيه بعد إثبات المالكية والعَظَمة، والأولُ أَولى في هذا المقام؛ لأنَّ الكلامَ مسوقٌ لبيان عظمتهِ تعالی وُلُوِّه جلَّ جلاله، ويُؤْيِّده تركُ العاطف، ويليهِ ما رُوي عن الحِبْر؛ فإنَّ الآية وإِنْ تضمَّنتْ عليه الغرضَ المسوق له الكلام لكن دلالتها عليه بناء على القول الأول أظهر. (١) تفسير البيضاوي (بهامش حاشية الشهاب) ٤٠٩/٧، وتفسير أبي السعود ٢١/٨. (٢) في البحر المحيط ٧/ ٥٠٨ . (٣) القراءات الشاذة ص١٣٤، والبحر المحيط ٧/ ٥٠٧. (٤) قرأ بها نافع والكسائي. التيسير ص ١٥٠، والنشر ٣١٩/٢. (٥) المستدرك ٤٤٢/٢. الآية : ٥ ٢٢٩ ◌َةُ الشَُّورَى وقرأ البصريان وأبو بكر: ((يَنْفَطِرْنَ)) بالنون(١)، والأول أبلغ؛ لأن المطاوعَ والمطاوَعَ من التفعيل والتفَعُّل الموضوع للمبالغة بخلاف الثاني، فإنه انفعالٌ مطاوع للثلاثي. وروى يونس عن أبي عمرو أنه قرأ: ((تتفّون)) بتاءين ونون في آخره على ما في ((الكشاف))(٢)، و(«تَنْفطرن)) بناء واحدة ونون على ما في ((البحر))(٣) عن ابن خالويه(٤)، وهو على الروايتين شاذٌّ عن القياس والاستعمال؛ لأنَّ العربَ لا تجمعُ بين علامتي التأنيث، فلا تقول: النساءُ تَقُمنَ، ولا الوالداتُ تُرضِعْنَ، والوجهُ فيه تأكيدُ التأنيث كتأكيدِ الخطابِ في أرأيتَك؛ ومثله ما رواه أبو عمر الزاهد في ((نوادر ابن الأعرابي)»: الإبل تَتشمَّمنَ. ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أي: يبتدئ التفظُّر من جهتهنَّ الفوقانية، وتخصيصُها - على الأول(٥) في سبب التفظُر - لِمَا أنَّ أعظمَ الآيات وأدلَّها على العظمة والجلال - كالعرش والكرسي والملائكة - من تلك الجهةِ، ولذا كانت قِبلةَ الدعاء، وعلى الثالثِ: للدلالة على التفظُّر من تحتهنَّ بالطريق الأَولى؛ لأنَّ تلك الكلمةَ الشَّنعاء الواقعةَ في الأرض حين أثّرت من جهة الفَوق فلأَنْ تُؤثِّر من جهة التحت أولى، وكذا على الثاني؛ لأنَّ العادة تفظُر سطح البيت - مثلاً - من جهته التحتانية بحصول ثقل عليه. وقيل: الضمير للأرض، أي: لجنسها، فيشمل السبعَ ولذا جمع الضمير. وهو خلافُ الظاهر. وقال علي بن سليمان الأخفش(٦): الضمير للكُفَّار، والمراد: من فوق الفِرق (١) التيسير ص١٩٤، والنشر ٣١٩/٢. (٢) ٤٥٩/٣، وهي غير المشهورة عن أبي عمرو. (٣) ٥٠٨/٧. (٤) القراءات الشاذة ص ١٣٤ . (٥) يعني على الوجه الأول. ينظر حاشية الشهاب ٤٠٩/٧. (٦) ذكره عنه أبو حيان في البحر ٥٠٨/٧، وعنه نقل المصنف. سُوَّةُ الشُِّورَى ٢٣٠ الآية : ٥ والجماعات المُلحدة، وبهذا الاعتبار أنّث الضمير، وفي ذلك إشارةٌ إلى أن التفظُّر من أجل أقوال هاتيكَ الجماعات. وفيه ما فيه. ﴿وَالْمَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُنزِّهونه سبحانه عما لا يَليق به جلَّ جلاله مُلتبسين بحمده عز وجل، وقيل: يُصلَّون. والظاهر العموم في الملائكة، وقال مقاتل: المرادُ بهم حملةُ العرش. ﴿وَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ اٌلْأَرْضِ﴾ بالسعي فيما يستدعي مَغْفرتَهم؛ من الشفاعة والإلهام وترتيبِ الأمور المُقرِّة إلى الطاعة؛ كالمعاونة في بعض أمور المعاش، ودَفْع العوائق، واستدعاء تأخيرِ العقوبة طمعاً في إيمان الكافر وتوبةِ الفاسق، وهذا يَعُمُّ المؤمن والكافر. بل لو فُسِّر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخَلل المتوقَّع عمَّ الحيوانَ، بل الجماد. وهو فيما ذكر مجازٌ مرسل، أواستعارة. وقال السدي وقتادة: المرادُ بمن في الأرض المؤمنون، لقوله تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] والمرادُ بالاستغفار - عليه - حقيقتُه، وقيل: الشفاعة. ﴿أََّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ إذْ ما من مخلوق إلا وله حظّ عظيم من رحمته تعالى، وإنه سبحانه لذو مغفرةٍ للناس على ظُلمهم، وفيه إشارة إلى قبول استغفارٍ الملائكة عليهم السلام، وأنه سبحانه يزيدهم على ما طلبوه من المغفرة رحمةً. والآيةُ على كون قوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ) لبيانٍ عظمته جلَّ شأنُه مُقرِّرةٌ لما دلَّ عليه ذلك ومُؤَكِّدةٌ له؛ لأن تسبيحَ الملائكة وتنزيههم له تعالى لمزيدٍ عظمته تبارك وتعالى وعظيم جلاله جلَّ وعلا، والاستغفار لغيرهم للخوفِ عليهم من سَطْوة جَبروته عزَّ وجلَ، والتذييلُ بقوله تعالى: (أَلَاَ إِنَّ اللَّهَ) إلخ على هذا ظاهر. وعلى كون تَفظُّر السماواتِ لِنسبةِ الولدِ والشَّريك بيانٌ لِكمالٍ قُدسهِ تعالی عما نُسب إليه عزَّ وجل، فيكون تسبيحُهم عما يقوله الكَفَرة، واستغفارهم للمؤمنين الذين تبرَّؤوا عمَّا صدرَ من هؤلاء، والتذييلُ للإشارة إلى سببٍ ترك مُعاجلة العذابِ ٠٠: بير الآية : ٦ - ٧ ٢٣١ سُوَّةُ الشُِّورَى مع استحقاقهم له. وعَمَّم بعضٌ المُستغفَر لهم، وأَدخل استغفارَ الملائكة في سبب ترك المعاجلة. ﴿وَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَةَ﴾ شُركاءَ وأنداداً ﴿اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ﴾ رقيبٌ على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَکیٍ ﴾﴾ أي: بموگّل بهم، أو: بموكول إليك أَمرُهم، وإنما وظيفتُك البلاغُ والإنذار، فـ ((وكيل)) فَعيل بمعنى مفعول من المزيد أوالثلاثي. وما في هذه الآية من المُوادعة على ما في ((البحر)) منسوخٌ بآية السيف(١). ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ ((ذلك)) إشارة إلى مصدر ((أوحينا))، ومحلُّ الكاف - على ما ذهب إليه الأخفش(٢) من ورودها اسماً - النصبُ على المصدرية، و ((قرآناً)) مفعولٌ لـ ((أوحينا))، أي: ومثلَ ذلك الإيحاء البديع البيِّن المُفهِم أوحينا إليك قرآناً عربيّاً لا لَبْس فيه عليك ولا على قومك. وقيل: إشارة إلى ما تقدم من ((الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل)) فالكاف مفعولٌ لـ ((أوحينا))، و((قرآناً عربياً)) حالٌ من المفعول به، أي: أوحيناه إليك وهو قرآنٌ عربي. وجوِّز نصبُه على المَذْح أو البدلية من ((كذلك)). وقيل: أَولى من هذا أن يكون إشارةً إلى معنى الآيةِ المتقدِّمة من أنه تعالى هو الحفيظُ عليهم، وأنه عليه الصلاة والسلام نذيرٌ فحسب، لأنه أتُّ فائدةً وأشملُ عائدةً، ولا بدَّ عليه من التجوُّز في ((قرآناً عربيّاً)) إذْ لا يصِحُّ أن يقال: أوحينا ذلك المعنى وهو قرآنٌ عربيّ؛ لأنَّ القرآنية والعربية صفةُ اللفظ لا المعنى، لكن أمره سهل لِقُربه من الحقيقة، لِمَا بين اللَّفظ والمعنى من المُلابسة القوية حتى يُوصف أحدُهما بما يُوصَفُ به الآخر، مع ما في المجاز من البلاغة. ﴿لِنْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أي: أهل أُمِّ القُرى، على التجوُّز في النسبة، أو بتقدير المضاف، والمراد بأُمّ القُرى مكة، وسُمِّيتْ بذلك - على ما قال الراغب(٣) - لما رُوي (١) البحر ٥٠٨/٧. (٢) كما في البحر ٥٠٩/٧ . (٣) في مفردات ألفاظ القرآن (أمّ). سُورَةُ الشُِّورَى ٢٣٢ الآية : ٧ أنه دُحيت الدنيا من تحتها، فهي كالأصلِ لها، والأمُّ تُقال لكل ما كان أصلاً لشيء. وقد يقال: هي أمّ لما حولها من القُرى لأنها حدثَتْ قبلَها، لا كلِّ قرى الدنيا، وقد يقال لبلد: هي أُمُّ البلاد، باعتبار احتياج أهالي البلاد إليها . ﴿وَمَنْ حَوْلَمَا﴾ مِن العرب، على ما ذهب إليه كثيرٌ، وخُصَّ المذكورون بالذِّكر لأنَّ السورةَ مكيةٌ، وهم أقربُ إليه عليه الصلاة والسلام، وأولُ مَن أُنذر، أو لِدَفْع ما يُتوَهَّم من أنَّ أهلَ مكة ومَن حَوْلَها لهم طمعٌ في شفاعته وَّهِ وإن لم يُؤمنوا؛ لحقُّ القَرابة والمُساكنة والجِوار، فخصَّهم بالإنذار لإزالة ذلك الطمع الفارغ. وقيل: ((مَن حولها)) جميعُ أهل الأرض، واختاره البغوي(١)، وكذا القُشيري(٢)، وقال: لأنَّ الكعبةَ سُرَّةُ الأرض، والدنيا مُحدِقة بما هي فيه، أعني مكة. وهذا عندي لا يكاد يصِحُ مع قولهم: إنَّ عَرْضَها: كام، وطولَها: عز (٣)، وأن المعمورَ في جانب الشمال أكثر منه في جانب الجنوب. ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: يوم القيامة؛ لأنه يُجمع فيه الخلائق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَمُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَّحْ﴾ [التغابن: ٩] وقيل: تُجمع فيه الأرواح والأشباح، وقيل: الأعمال والعُمَّال. والإنذار يتعدَّى إلى مفعولين، وقد يستعمل ثانيهما بالباء، وقد حُذف هاهنا ثاني مفعولي الأول، وهو يوم الجمع، والمراد به عذابه، وأوَّلُ مفعولي الثاني، وهو أمّ القُرى ومَنْ حولها، فقد حُذف من الأول ما أُثبت في الثاني ومن الثاني ما أُثبت في الأول، وذلك من الاحتباك. وقال جار الله (٤): الأول عامٌّ في الإنذار بأمور الدنيا والآخرة، ثم خصَّ بقوله (١) في تفسيره ٤/ ١٢٠. (٢) في لطائف الإشارات ٣٤٣/٣. (٣) لعله يعني أنَّ عرضها في حساب الجُمَّل: واحد وستون، وطولها: واحد وسبعون. (٤) الكشاف ٣/ ٤٦١ . الآية : ٧ ٢٣٣ سُؤَدَّةُ الشُِّورَى تعالى: ((وتُنذر يومَ الجمع)) يومُ القيامة زيادةً في الإنذار وبياناً لِعظمة أَهوالهِ؛ لأن الإفراد بالذِّكر يدلُّ عليه، وكذلك إيقاعُ الإنذار عليه ثانياً. والظاهرُ عليه أن حذفَ المفعول الثاني من الأول لإفادةِ العموم وإنْ كان حذفُ الأول من الثاني لذلك أيضاً [أي:](١) وتُنذر كلَّ أحد يومَ الجمع. وقيل: (يوم الجمع)) ظرفٌ، فيكون المفعولان محذوفين. وقرئ: (لِيُنذِرَ)) بياء الغيبة(٢)، على أنَّ الفاعلِ ضميرُ القرآن لعدم حسن الالتفات هاهنا . ﴿لَا رَبَ فِيَةٍ﴾ اعتراضٌ في آخر الكلام مُقرِّرٌ لما قبلَه، ويحتمل الحالية من ((يوم الجمع))، أوالاستئناف. ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِى السَّعِيرِ ﴾﴾ أي: بعد جَمْعهم في الموقف، فإنهم يُجمعون فيه أولاً، ثم يُفَرَّقون بعد الحساب، و((فريق)) مبتدأ و((في الجنة)) صفته، والخبرُ محذوفٌ، وكذا ((فريقٌ في السعير)) أي: منهم فريقٌ كائن في الجنة، ومنهم فريقٌ كائنٌ في النار، وضميرُ منهم للمجموعين، لدلالة الجمع عليه، وجملةُ المبتدأ والخبر استئنافٌ في جواب سؤالٍ تقديره: ثم كيف يكون حالُهم؟ أوحالٌ، ولا ركاكةً فيه، واشتراطُ الواو فيه غيرُ مُسلَّم. وُجُوِّز كون ((فريق)) فاعلاً للظرف المُقدَّر، وفيه ضعفٌ. وكونُه مبتداً، والظرفُ المُقدَّر في موضع الصِّفة له و((في الجنة))خبره، أي: فريق كائنٌ منهم مستقرٌّ في الجنة. وكونُه مبتدأَ خبرُه ما بعده من غير أن يكونَ هناك ظرفٌ مُقدَّر واقعٌ صفةً، وساغ الابتداءُ بالنكرة لأنها في سياق التفصيل والتقسيم، كما في قوله: فثوب لَبِسْتُ وثوب أجر (٣) (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) الكشاف ٣/ ٤٦١. (٣) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص١٥٩، وفي الكتاب ٨٦/١، والخزانة ٣٧٣/١، وصدره فيهما: فأقبلت زحفاً على الركبتين، ورواية الديوان: سُورَةُ الشِّوْرَى ٢٣٤ الآية : ٨ وكونُهُ خبرَ مبتدأ محذوف، أي: المجموعون فريقٌ ... إلخ. وقرأ زيدُ بن علي ﴿ه: ((فريقاً)) ((وفريقاً)) بنصبهما (١)، فقيل: هو على الحال من مقدَّر، أي: افترقوا - أي: المجموعون - فريقاً وفريقاً، أو من ضمير جمعهم المُقدَّر؛ لأنَّ ((أل)) قامت مَقامه، أي: وتُنذر يومَ جمعهم متفرِّقين وهو من مجاز المشارفة، أي: مُشارفين للتفرُّق. أو الحال مُقدَّرة فلا يلزم كون افتراقِهم في حال اجتماعهم، أويقال: إنَّ اجتماعهم في زمان واحد لا يُنافي افتراقَ أمكنتهم، كما تقول: صلّوا في وقتٍ واحد في مساجدَ مُتفرِّقة، فالمراد: مُتفرِّقين في دارَي الثواب والعقاب، وإذا أُريد بالجمع جمع الأرواح بالأشباح، أو الأعمال بالعُمَّال لا يُحتاج إلى توفيق أصلاً. وجوّز كون النصب بِتُنذر المُقدَّر أو المذكور، والمعنى: تُنذر فريقاً من أهل الجنة وفريقاً من أهل السعير؛ لأنَّ الإنذارَ ليس في الجنة والسعير. ولا يخفى تكلُّفه. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ جَعْلَهم أُمَّةً واحدةً ﴿لَعَلَهُمْ﴾ أي: في الدنيا ﴿أُمَّهُ وَِدَةٌ﴾ مُهتدين، أوضالِين، وهو تفصيلٌ لما أجمله ابنُ عباس في قوله: على دين واحد(٢)، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ،﴾ أنه تعالى يُدخل في رحمته من يشاء أن يُدخِلَه فيها، ويُدخل مَن يشاء في عذابه أَنْ يُدخله فيه، ولا ريبَ في أنَّ مشيئته تعالى لكلٍّ من الإدخالين تابعةٌ لاستحقاق كلٍّ من الفريقين لِدخول ما أَدخله، ومن ضرورة اختلافِ الرحمة والعذاب اختلافُ حال الداخِلين فيهما قطعاً، فلم يشأ جَعْلَ الكُلِّ أُمَّةً واحدةً، بل جعلهم فريقين، وإنما قيل: ﴿﴿ وَالَِّمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾ وكان الظاهرُ أن يقال: ويُدخل مَن يشاء في عذابه ونقمته، للإيذان بأنَّ الإدخالَ في العذابٍ من جهة الداخِلين بموجب سوء اختيارهم، لا من جهته عزَّ وجل كما في الإدخال في الرحمة. فلمّا دنوت تسدَّيتُها فثوباً نسيت وثوباً أجرّ = (١) البحر المحيط ٥٠٩/٧. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ١٢١/٤. الآية : ٨ ٢٣٥ سُورَةُ الشُِّورَى واختار الزمخشري(١) كون المراد: أمةً واحدةً مؤمنين، وهو ما قاله مقاتل: على دين الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىّ﴾ [الأنعام: ٣٥] وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣] والمعنى: ولو شاء اللهُ تعالى مشيئةَ قُدرةٍ لَقَسرهم على الإيمان، ولكنه سبحانه شاء مشيئةً حِكمة، وكلَّفهم وبنى أمرهم على ما يختارون لِيُدخلَ المؤمنين في رحمته، وهم المرادون بقوله تعالى: ((من يشاء)) وترك الظالمين بغير وليّ ولا نصير، والكلامُ متعلّقٌ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُتَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الآية: ٦] كالتعليل للنهي عن شِدَّة حِرْصه وَّر على إيمانهم، فـ ((الظالمون)) مُظهَرٌ أُقيم مُقام ضمير المُتَّخِذين لِيُفيدَ أنَّ ◌ُلمهم علَّةٌ لما بعده، أوهو للجنس ويتناولهم تناولاً أوليّاً، وعدلَ عن الظاهر إلى ما في النظم الجليل - إذ الكلامُ في الإنذار، وهو أبلغُ في تخويفهم - لإشعاره بأنَّ كونهم في العذاب أمرٌ مفروٌ منه، وإنما الكلامُ في أنه بعد تَحتُّمه هل لهم من يُخلِّصهم بالدَّفْع أوالرفع، فإذا نفى ذلك عُلم أنهم في عذابٍ لا خلاص منه. وتُعقّب بأنَّ فرضَ جَعْلِ الكُلِّ مؤمنين يأباه تصديرُ الاستدراك بإدخال بعضهم في رحمته تعالى، إذ الكُلُّ حينئذ داخلون فيها، فكان المناسبُ حينئذ تصديرَه بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم في عذابه. وربما يقال: حيث إن الآيةَ متعلِّقةٌ بما سمعتَ كان المرادُ: ولو شاء الله تعالى لجعلَ الجميعَ مؤمنين كما تُريد وتَحرِصُ عليه، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، بل جعل بعضَهم مؤمناً كما أردتَ، وجعل بعضَهم الآخر - وهم أولئك المُتخذون من دونه أولياءً - كُفَّاراً لا خَلاصَ لهم من العذاب حسبما تقتضيهِ الحِكمةُ، وكان التصديرُ بما صدّر به مناسباً كما لا يخفى على من له ذوقٌ بأساليبِ الكلام، إلا أن الظاهرَ على هذا: أَدخل مَنْ شاء، دون: يُدخِلُ مَنْ يشاء، لكن عدل عنه إليه حكايةً للحال الماضية. (١) في الكشاف ٤٦١/٣. : سُورَةُ الشُِّورَى ٢٣٦ الآية : ٩ وقال شيخُ الإسلام(١): الذي يقتضيه سباقُ النظم الكريم وسياقُه أنْ يُرادَ الاتحادُ في الكُفر كما في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَثَ اللَّهُ النَّبِيِنَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٣] على أحد الوجهين، فالمعنى: ولو شاء الله تعالى لَجعلهم أمةً واحدةً مُنَّفقةً على الكُفر بأنْ لا يُرسلَ إليهم رسولاً لِيُنذرهم ما ذُكِرَ من يومِ الجَمْع وما فيه من ألوان الأهوال، فيبقوا على ما هم عليه من الكُفر، ولكن يُدخل مَنْ يشاء في رحمته سبحانه، أي: شأنُه عزَّ شأنه ذلك فَيُرسل إلى الكُلِّ مَنْ يُنذرهم ما ذُكِرَ، فيتأثَّر بعضُهم بالإنذار، فيصرفون اختيارَهم إلى الحقِّ فَيُوَفِّقهم اللهُ تعالى للإيمان والطاعات، ويُدخِلهم في رحمته عزَّ وجل، ولا يتأثر به الآخرون ويتمادَوْن في غيِّهم، وهم الظالمون، فيبقَوْن في الدنيا على ما هم عليه من الكُفر، ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير وليٍّ يلي أَمْرَهم ولا نصيرٍ يُخلّصهم من العذاب. انتهى. ولا يخفى أنَّ بين قوله تعالى: (كَنَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً) الآية، وقوله سبحانه: (وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً) بالمعنى الذي اختاره هنا فيهما نوعَ تَنافٍ، فتدبَّر جميعَ ذلك، والله تعالى المُوفِّق. أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَةٍ﴾ جملة مستأنفة مُقرِّرة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين وليٍّ أو نصير. وكلامُ ((الكشاف)»(٢) يُومِئ إلى أنه متصلٌ بقوله تعالى: ((والذين اتخذوا)) إلخ، على معنى: دَع الاهتمامَ بشأنهم واقطَع الطمعَ في إيمانهم، وكيتَ وكيتَ، أليسوا الذين اتَّخذوا من دون الله تعالى أولياءَ؟! وهو سبحانه الوليُّ الحقيقيُّ القادرُ على كلِّ شيء، وعدلوا عنه عز وجل إلى ما لا نسبةً بينه تعالى وبينه أصلاً، وأن قولَه سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَاً) الآية اعتراضٌ مُؤكِّد لمضمون الآيتين. و((أم)) على القولين منقطعة، وهي تُقدَّر في الأغلب بِبَلْ والهمزة، وقدَّرها جماعةٌ هنا بهما إلا أنَّ بل على القول الثاني للإضراب، وعلى القول الأول للانتقال (١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٣/٨. (٢) ٤٦١/٣. الآية : ١٠ ٢٣٧ سُورَةُ الشِّوَى من بيان ما قبلَها إلى بيان ما بعدَها، والهمزة قيل: لإنكار الواقع واستقباحه، وقيل: لا بل لإنكار الوقوع ونَفْيه على أبلغ وجه وأكدِهِ، إذ المرادُ بيانُ أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الأولياء في شيء؛ لأنَّ ذلك فرعُ كون الأصنام أولياءَ، وهو أظهرُ المُمتنِعات، أي: بل اتَّخذوا مُتجاوزين الله تعالى أولياءَ من الأصنام وغيرها. ﴿فَلَّهُ هُوَ الْوَلِىٌ﴾ قيل: هو جوابُ شرط مُقدَّر، أي: إنْ أرادوا وليّاً بحقِّ فالله تعالى هو الوليُّ بحقِّ، لا وليَّ بحقِّ سواه عز وجل، وكونه جواب الشرط على معنى الإخبار ونحوه. وقال في ((البحر)) (١): لا حاجةً إلى اعتبار شرطٍ محذوف والكلامُ يَتِّمُّ بدونه. ولعله يُريد ما قيل: إنه عطفٌ على ما قبلَه، أو إنه تعليلٌ للإنكار المأخوذ من الاستفهام، كقولك: أَتضربُ زيداً فهو أخوك، أي: لا ينبغي لك ضربُه فإنه أخوك. وتُعقّب بأنَّ المعروف في مثله استعمالُه بالواو، وإنما يحسن التعليل في صريح الإنكار، ولا يُناسب معنى المضي أيضاً. ﴿وَهُوَ يُحِى الْمَوْقَ﴾ أي: شأنه ذلك نحو: فلانٌ يَقْري الضيفَ، ويَحمي الحريمَ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فهو سبحانه الحقيقُ بأنْ يُتَّخذ وليّاً، فَلْبخصُّوه بالاِّخاذ دون مَن لا يقدِرُ على شيء ما أصلاً. ﴿وَمَا أَخْتَلَفْتُمُ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ إلى آخره حكايةٌ لقول رسول الله وَّل للمؤمنين، أي: ما خالفكم الكُفَّار فيه من أمور الدين، كاتِّخاذ اللهِ تعالى وحده وليّاً، فاختلفتم أنتم وهم ﴿فَحُكْمُهُ﴾ راجعٌ ﴿إِلَى الَّهِ﴾ وهو إثابةُ المُحِقِين وعقابُ المُبْطِلين. ويجوز أن يكون كلاماً من جهته تعالى متضمِّناً التسليةَ، ويكون قولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إلخ بتقدير: قُلْ، والإمام(٢) اعتبره من أول الكلام. وأيًّا ما كان فالإشارةُ إليه تعالى من حيث اتّصافُه بما تقدَّم من الصفات - على ما قاله الطيبي - من كونه تعالى هو يُحيي الموتى، وكونه سبحانه على كلِّ شيء قدیر، وکونه عزَّ وجلّ ما اختلفوا فيه فَحُكمه إليه. (١) ٥٠٩/٧. (٢) هو الرازي في تفسيره ١٤٩/٢٧ . سُوَةُ الشُِّورَى ٢٣٨ الآية : ١٠ وقال في ((الإرشاد)): أي: ذلكم الحاكم العظيم الشأن ﴿اللَّهُ رَبٍِّ﴾ مالكي ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مجامع أُموري خاصةً لا على غيره ﴿وَإِلَيْهِ أُنِبُ ﴾﴾ أرجعُ في كلِّ ما يَعِنُّ لي من مُعضِلات الأمور لا إلى أحد سواه، وحيث كان التوكّل أمراً واحداً مستمرّاً، والإنابةُ متعدِّدةٌ متجدِّدةٌ حسب تجدُّد موادّها، أُوثر في الأول صيغةُ الماضي وفي الثاني صيغةُ المضارع. وقيل: وما اختلفتم فيه وتنازعتُم من شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله وَّه، ولا تُؤثروا على حكومته حكومةَ غيره، كقوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقيل: وما اختلفتم فيه من شيء من تأويل آيةٍ واشتبه عليكم، فارجعوا في بيانه إلى المُحكَم من كتاب الله تعالى، والظاهرِ من سُنة رسولِ اللهِ وَه. وقيل: وما وقع بينكم الخلافُ فيه من العلوم التي لا تتعلَّق بتكليفكم ولا طريقَ لكم إلى عِلْمه فقولوا: اللهُ تعالى أعلم؛ كمعرفة الروح(١). وأُورد على الكلِّ أنه مُخالف للسِّياق؛ لأن الكلام مسوقٌ للمشركين، وهو على ذلك مخصوصٌ بالمؤمنین . وظاهرُ كلام الإمام (٢) اختيارُ الاختصاص، فإنه قال في وجه النَّظم الكريم: إنه تعالى كما منع رسولَه وَّر أن يحمل الكُفَّار على الإيمان، كذلك منع المؤمنين أن يَشْرعوا معه في الخُصومات والمنازعات، وذكر أنه احتجَّ نُفاةُ القِياس به فقالوا: إما أن يكونَ المرادُ منه: وما اختلفتم فيه من شيء فحُكمه مستفادٌ من نصِّ الله تعالى، أو من القياس على ما نصَّ سبحانه عليه، والثاني باطل؛ لأنه يقتضي أن تكون كلُّ الأحكام مبنيةٌ على القياس، فتعيَّن الأول، ولِقائل أن يقولَ: لم لا يجوز أنْ يكون المرادُ: فحكمه معروفٌ من بيان الله تعالى سواء كان ذلك البيانُ بالنصّ أو بالقياس؟ وأُجيب عنه بأنَّ المقصودَ من التحاكم إلى الله تعالى قَطْعُ الاختلاف؛ (١) إرشاد العقل السليم ٢٤/٨. (٢) هو الرازي في تفسيره ١٤٩/٢٧ . الآية : ١١ ٢٣٩ سُوَرَةُ الشُِّوْرَى لقوله تعالى: (وَمَا أَخْتَلَفْتُ)، والرجوعُ إلى القياس مما يُقوِّي الاختلاف، فوجب الرجوعُ إلى النصوص. اهـ. وأنت تعلم أنَّ النصوصَ غيرُ كافيةٍ في جميع الأحكام، وأن الآيةَ على ما سمعتَ أولاً مما لا يكادُ يصِحُّ الاستدلالُ بها على هذا المطلبٍ من أول الأمر. وفي ((الكشاف)): لا يجوز حملُ الاختلاف فيها على اختلافِ المجتهدين في أحكام الشريعة؛ لأن الاجتهادَ لا يجوز بحضرة الرسول وال﴾(١). ولا يخفى عليك أن هذه المسألة مُختلفٌ فيها، فقال الأكثرون بجواز الاجتهاد المذكور عقلاً، ومنهم من أحاله. ثم المُجوِّزون منهم مَن مَنَعَ وقوعَ التعبُّد به، وهو مذهب أبي علي وابنه أبي هاشم (٢)، وإليه ذهب صاحب ((الكشاف))، وذِكْر ما يخالفه نقلٌ لمذهب الغير، وإنْ لم يُعقِّبه بردّ كما هو عادتُه في الأكثر، ومنهم من ادَّعى الوقوعَ ظّاً، ومنهم مَن جَزَمَ بالوقوع، وقيل: إنه الأصح عند الأصوليين، ومنهم من توقَّف، والبحثُ فيها مستوفّى في أصول الفقه. والذي نقوله هنا: إن الاستدلالَ بالآية على مَنْعه لا يكاد يَتِمُّ، وأقلُّ ما يقال فيه: إنه استدلالٌ بما فيه احتمال. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ خبرٌ آخر لـ ((ذلكم))، أوخبر لمبتدأ محذوف، أي: هو فاطرُ، أوصفةٌ لـ ((ربِّي))، أوبدلُ منه، أومبتدأ خبره ﴿جَعَلَ لَكُ﴾. وقرأ زيدُ بن علي ﴿ّ بالجر على أَنه بدل من ضمير ((إليه)) أو ((عليه))(٣)، أو وصفٌ للاسم الجليل في قوله تعالى: ((إلى الله)) وما بينهما جملةٌ معترضة بين الصِّفة والموصوف. (١) الكشاف ٣/ ٤٦٢. (٢) أبو علي: هو محمد بن عبد الوهاب البصري، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، منها كتاب الأصول، وكتاب الاجتهاد، وكتاب التفسير الكبير. مات سنة (٣٠٣هـ). وابنه أبو هاشم - واسمه عبد السلام - من كبار الأذكياء، أخذ عن والده، له كتاب الجامع الكبير. مات سنة (٣٢١هـ). السير ١٨٣/١٤ و١٥/ ٦٣. (٣) البحر المحيط ٥٠٩/٧. سُوَرَةُ الشُِّوْرَى ٢٤٠ الآية : ١١ وقد تقدَّم معنى ((فاطر)). و((جعل)) أي: خلق ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ﴿أَزْوَجًا﴾ نساءً. وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لِمَا مرَّ غيرَ مرَّة. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًّا﴾ أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً كما خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، ففيه جملةٌ مُقدَّرة لدلالة القرينة، أو: وخلقَ لكم من الأنعام أصنافاً، أو ذكوراً وإناثاً . ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يُكثِّركم؛ يقال: ذرأ الله تعالى الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرهم، والذرء والذَّرُّ أخوان ﴿فِيَةٍ﴾ أي: فيما ذُكر من التدبير، وهو أنْ جعلَ سبحانه للناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالدٌ، وجعل التكثُّر في هذا الجَعْل لوقوعه في خلاله وأثنائه، فهو كالمنبع له. ويجوز أن تكون ((في)) للسببية. وغُلِّب في ((يذرؤكم)) المُخاطَبون العُقَلاء على الغُيَّبِ مما لا يعقل، فهناك تغليبٌ واحدٌ اشتمل على جهتي تغليب، وذلك لأنَّ الأنعامَ غائبٌ غيرُ عاقل، فإذا أُدخلت في خطاب العُقَلاء كان فيه تغليبُ العقل والخطاب معاً، وهذا التغليب - أعني التغليبَ لأجل الخطابِ والعقل - من الأحكام ذاتِ العلَّتين، وهما هنا الخطابُ والعقل، وهذا هو الذي عناه جارُ الله (١)، وهو مما لا بأسَ فيه؛ لأن العلَّةَ ليست حقيقةٌ. وزَعْمُ ابن المُنَيِّر (٢) أن الصحيحَ أنهما حُكمان مُتباينان غير مُتداخِلین، أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العُقلاء أعمّ من كونه مُخاطباً أوغائباً، والثاني: مجيئه بعد ذلك على نَعْت الخطاب، فالأول لِتغليبِ العقل، والثاني لِتغليب الخِطاب = ليس بشيء، ولا يُحتاج إليه. (١) الكشاف ٣/ ٤٦٢، وقول الزمخشري هو: والضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطبين والأنعام مغلَّباً فيه المخاطبون العقلاء على الغيَّب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين . (٢) في الانتصاف ٣/ ٤٦٢.