النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ٤٤ ٢٠١ سُوَلاَ فُضْلَنْ وقيل: المقول هو الشرائع، أي: ما يُوحَى إليك إلا مثلُ ما أُوحِي إلى الرسل من الشرائع دونَ أمور الدنيا، وقد جرت عادةُ الكفار بتكذيب ذلك، فما عليك إذا كَذَّب كفارُ قومك، واصبر على ذلك. وجُعِل ((إنَّ ربك)) إلخ تعليلاً لِما يُستفاد من السياق أيضاً. وجَّعَله بعضُهم تفسيراً لذلك المقول، أعني: الشرائعَ؛ لأنها الأوامرُ والنواهي الإلهية، وهي مجمَلة فيه، وفيه من البعد ما فيه. وإلى نحو ما ذكرناه أولاً ذهب قتادة؛ أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية: (مَا يُقَالُ لَكَ) من التكذيب (إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلْزُّسُلِ مِن قَبْلِكٌ)، فكما كُذِّبوا كُذِّبْتَ، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبِرْ على أذى قومك لك(١). واختيار ((أَلِيم)) على: شَديد - مع أنه أنسبُ بالفواصل - للإيماء إلى أنَّ نظمَ القرآن ليس كالأسجاع والخُطَب، وأنَّ حسنَه ذاتيٌّ والنظرُ فيه إلى المعاني دون الألفاظ، ويُحسِّن وصفَ العقاب به هنا كونُ العقاب جزاءً التكذيب المؤلم. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجِيًّا﴾ جوابٌ لقولهم: هلّا أُنزِل القرآنُ بلغة العجم، والضميرُ لـ (الذكر)). ﴿لَقَالُواْ لَوْلَا فُصِلَتْ ءَايَنُهُ﴾ أي: بُيِّنَت لنا وأُوضِحت بلسانٍ نَفْقَهُه. وقولُه تعالى: ﴿،َأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌ﴾ - بهمزتين: الأولى للاستفهام، والثانية همزةٌ (أعجَمِيّ))، والجمهورُ يقرؤون بهمزة استفهام بعدها مدَّةٌ هي همزةُ ((أعجمي))(٢) - إنكارٌ مقرِّرٌ للتحضيض، أي: أكلامٌ أعجميٍّ ورسولٌ أو مرسلٌ [إليه](٣) عربيٍّ؟! وحاصلُه: لو أنه نَزَل كما يريدون لأنكروا أيضاً وقالوا: ما لَكَ وللعُجْمَة. أو: ما لَنا وللعُجْمة. والأعجميُّ أصله: أعجم، بلا ياء، ومعناه مَن لا يُفهَم كلامُه للْكُنَتِهِ أو لغَرَابةِ لغِّهِ، وزيدت الياءُ للمبالغة كما في أحمريٍّ ودَوَّارِيٍّ، وأطلِقٍ على كلامه مجازاً لكنه (١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٥/ ٣٦٧، وهو في تفسير الطبري ٤٤٦/٢٠. (٢) ينظر ما ورد فيها من وجوه في التيسير ص ١٩٣، والنشر ٣٦٦/١، والبحر ٧ /٥٠٢. (٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٦/٨، ولا يتم المعنى بدونها، وينظر ما سيرد قريباً من كلام المصنف على كلمة ((عربي)). سُورَةٌ فُصِّلَنْ ٢٠٢ الآية : ٤٤ اشتهر حتى التحَقَ بالحقيقة، وزعم صاحبُ ((اللوامح)) أنَّ الیاء فیه بمنزلة یاءِ «ُرسي)) وهو وهمٌّ. وقيل: ((عَرَبِيٌّ)) - على احتمالِ أن يكونَ المرادُ: ومرسلٌ إليه عربيٍّ - مع أنَّ المرسلَ إليهم جمعٌ، فحقُّه أن يقال: عربيةٌ أو عربِيُّون؛ لأنَّ المرادَ بيانُ التنافي والتنافُر بين الكلام وبين المخاطَّب به، لا بيانُ كونِ المخاطَب به واحداً أو جمعاً، ومن حقِّ البليغ أن يجرِّد الكلامَ للدلالة على ما ساقه له، ولا يأتي بزائدٍ عليه إلا ما يشدُّ من عَضُده، فإذا رأى لباساً طويلاً على امرأةٍ قصيرةٍ قال: اللباسُ طويلٌ واللابسُ قصيرٌ. دونَ: واللابسةُ قصيرةٌ؛ لأنَّ الكلامَ لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، فلو قال لخُيِّلَ أنَّ لذلك مدخلاً فيما سيق له الكلام، وهذا أصلٌ من الأصول يجب أن يكونَ على ذكْرٍ، ويبنى عليه الحذفُ والإثباتُ والتقييدُ والإطلاقُ إلى غير ذلك في كلام الله تعالى وكلٌ كلامٍ بليغٍ. وقرأ عمرو بن ميمون: ((أُعَجَمِيٌّ)) بهمزة استفهام وبفتح العين(١)، أي: أكلامٌ منسوبٌ إلى العَجَم. وهم مَن عدا العرب، وقد يخصُّ بأهل فارس ولغتهم العجمية أيضاً، فبين الأعجميِّ والعَجَمِيِّ عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. والظاهرُ أنَّ المراد بالعربيِّ مقابلُ الأعجميِّ في القراءة المشهورة، ومقابلُه العَجَميُّ في القراءة الأخرى. وقرأ الحسن وأبو الأسود والجحدريُّ وسلام والضخّاك وابن عباس وابن عامر بخلاف عنهما ((أَعْجَمِيٌّ) بلا استفهام وبسكون العين(٢)، على أنَّ الكلامَ إخبارٌ بأنَّ القرآن أعجميٍّ، والمتكلِّم به أو المخاطَّب عربيٍّ. وجوِّز أن يكونَ المرادُ: هلا فُصِّلَتْ آيَاتُه فجُعل بعضُها أعجميًّا لإفهام العَجَم، وبعضُها عربيًّا لإفهام العرب. ورُوي هذا عن ابن جبير (٣)، فالكلامُ بتقدير مبتدأ (١) المحرر الوجيز ٢٠/٥، والبحر ٥٠٢/٧. (٢) البحر ٥٠٢/٧، وهي رواية هشام عن ابن عامر كما في التيسير ص١٩٣، والنشر ٣٦٦/١ .. (٣) البحر ٥٠٢/٧ . ة الآية : ٤٤ ٢٠٣ سُؤَدَّةُ فُضَّلَتْ هو: بعضٌ، أي: بعضُها أعجميٍّ وبعضُها عربيٍّ، والمقصودُ من الجملة الشرطية إبطالُ مقتَرَحِهم - وهو كونه بلغة العجم - باستلزامه المحذورَ، وهو فواتُ الغَرَضِ. منه، إذ لا معنى لإنزاله أعجميًّا على مَن لا يفهمه، أو الدلالةُ على أنَّهم لا ينفكُون عن التعنُّت، فإذا وُجِدت الأعجميةُ طلبوا أمراً آخَرَ، وهكذا. ﴿قُلْ﴾ ردًّا عليهم ﴿هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى﴾ يَهدي إلى الحقِّ ﴿وَشِفَاءٌ﴾ لِما في الصدور من شكِّ وشبهةٍ. ﴿وَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأٌ، خبرُه: ﴿فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾، على أنَّ ((في آذانهم)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((وَقْرٌ)) مبتدأٌ، أي: مستقِرٌّ في آذانهم وَقْرٌ، أي: صَمَمٌ منه فلا يسمعونه. وقيل: خبرُ الموصول ((في آذانِهم))، و((وَقْرٌ)) فاعلُ الظرف. وقيل: ((وَقْرِ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه هو، أي: القرآنُ، و((في آذَانِهِم)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ((وَقْر)). ورجّح بأنه أوفَقُ بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمِّىَ﴾. ومَن جوَّز العطفَ على معمولَي عاملين عَطَفَ الموصولُ على الموصول الأول، و((وَقْر)) على ((هُدى))، على معنى: هو للذين آمنوا هُدًى وللذين لا يؤمنون وَقْرٌ، وقولُه تعالى: (في آذانهم)) ذُكِرَ بياناً لمحلِّ الوقر، أو حالٌ من الضمير في الظرف الراجع إلى ((وَقْر)). والأول أبلغ، ويَرِد عليه بعد الإغماض عمَّا في جواز العطف المذكور من الخلاف أنَّ فيه تنافراً بجعل القرآن نفسَ الوقر لاسيّما وقد ذُكر محلُّه وليس كجعله نفسَ العمى؛ لأنه يُقابِل جعله نفسَ الهدى، فرُوعِي الطّباقُ ولذا لم يبيَّن محلُّه، وأما الوَقْر إذا جُعِل نفسَ الكتاب فهو كالدخيل ولم يطابق ما وَرَد في سائر المواضع من التنزيل، وهذا يَرِد على الوجه الذي قبله أيضاً. وجَوَّز ابن الحاجب في ((الأمالي)) أن يكونَ ((وَهُوَ عَلَيْهِم عَمّى)) مرتبطاً بقوله سبحانه: (هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ) والتقديرُ: هو للذين آمنوا هدى وعلى الذين لا يؤمنون عمّى، وقولُه تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ) جملةٌ معترضةٌ على الدعاء. سُؤَةُ فُضَّلَتْ ٢٠٤ الآية : ٤٤ وتعقِّب بأنَّ هذا وإن جاز من جهة الإعراب لكنه من جهة المعاني مردودٌ لفكٌ النظم. وزعم بعضُهم أنَّ ضميرَ ((هُو)) عائدٌ على الوقر، وهو من العمى كما ترى. وأولى الأوجُه ما تقدَّم، وجيء بـ ((على)) في ((عليهم عمّى)) للدلالة على استيلاء العمى عليهم، ولم يُذكَر حالُ القلب لِمَا عُلِم من التعريض في قوله سبحانه: ((للذين آمنوا هدى وشفاء» بأنه لغيرهم مرضٌ فظيعٌ. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول الثاني باعتبار اتصافِهِ بما في حيِّز صلتِهِ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعدِ منزلته في الشرِّ مع ما فيه من كمال المناسَبة للنداء من مكانٍ بعيدٍ، أي: أولئك البعداءُ الموصوفون بما ذُكر من النَّصَامِّ عن الحقِّ الذي يسمعونه والتعامي عن الآيات التي يُشاهِدونها . ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ تمثيلٌ لهم في عدم فهمهم وانتفاعهم بما دُعُوا ٤٤ له بمن يُنادَى من مسافةٍ نائيةٍ فهو يَسمَع الصوتَ ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، أو لا يسمَعُ ولا يفهم، فقد حَكَى أهلُ اللغة أنه يقال للذي لا يَفهَم: أنتَ تُنادَى مِن بعيدٍ، وإرادةُ هذا المعنى مرويةٌ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه ومجاهد (١). وعن الضحاك أنَّ الكلامَ على حقيقته، وأنهم يومَ القيامةُ ينادون بكُفرهم وقبيح أعمالهم بأقبح أسمائهم من بُعدٍ حتى يسمَع ذلك أهلُ الموقف، فتعظُمُ السمعةُ عليهم وتحلُّ المصائبُ بهم. وحاصلُ الردِّ أنه هادٍ للمؤمنين شافٍ لِما في صدورهم كافٍ في دفع الشُّبَه، فلذا وَرَدَ بلسانهم مُعجِزاً بَيِّناً في نفسه مُبيِّناً لغيره، والذين لا يؤمنون بمعزلٍ عن الانتفاع به على أيّ حالٍ جاءهم. وقرأ ابن عمر وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وابن هرمز: ((عَمِ)) بكسر الميم وتنوينه(٢). (١) البحر ٥٠٣/٧. والكلام وما بعده منه. (٢) القراءات الشاذة ص١٣٣، والمحرر الوجيز ٢١/٥، والبحر ٥٠٣/٧. الآية : ٤٥ - ٤٧ ٢٠٥ سُوَلُ فُصَلَتْ وقال يعقوب القارئ وأبو حاتم: لا ندري نوَّنوا أم فَتَحوا الياء على أنه فعلٌ ١) ماضٍ. وبغير تنوين رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتيبة عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ مسوقٌ لبيانِ أنَّ الاختلافَ في شأنِ الكتب عادةٌ قديمةٌ للأمم غيرُ مختصٍّ بقومك، على منهاج قوله تعالى: (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) على ما سمعتَ أولاً، أي: وبالله لقد آتينا موسى التوراةَ فاختُلِفِ فيها، فمِن مصدِّقٍ لها ومُكذِّب، وهكذا حالُ قومك في شأنٍ ما آتيناك من القرآن، فمن مؤمنٍ به وكافر. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّكَ﴾ في حقِّ أمتك المكذِّبة، وهي العِدَةُ بتأخير عذابهم وفَصْلِ ما بينهم وبينَ المؤمنين من الخصومة إلى يوم القيامة بنحو قوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَ أَجَلٍ تُسَتَّى﴾ [النحل: ٦١]. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ باستئصالِ المكذِّبين كما فُعِل بمكذِّبي الأمم السالفة. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: كفارُ قومِك ﴿لَفِى شٍَّ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن ﴿مُرِيبٍ ٤٥ مُوجِبٍ للقلَقِ والاضطراب، وقيل: الضميرُ الثاني للتوراة والأولُ لليهود بقرينة السياق، لأنهم الذين اختلفوا في كتاب موسى عليه السلام. وليس بشيء. ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ بأَنْ آمَنَ بالكتب وعَمِل بمُوجَبها ﴿فَلِنَفْسِهِ ﴾ أي: فلنفسه يَعمَله، أو: فلنفسه نفعُه لا لغيره، و((مَن)) يصحُّ فيها الشرطيةُ والموصوليةُ، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ ضرُّه، لا على الغير. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾﴾ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله، مبنيٌّ على تنزيلٍ ترك إثابة المُحسِن بعمله أو إثابة الغير بعمله، وتنزيل التعذيب بغير إساءة أو بإساءةٍ غيره = منزلةَ الظلم الذي يستحيل صدورُه عنه تعالى، ولم يَحْتَجْ بعضُهم إلى التنزيل، وقد مرَّ الكلام في ذلك وفي توجيه النفي والمبالغة، فتذكَّر. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: إذا سُئل عنها قيل: الله تعالى يعلم، أو: لا يعلمها (١) المحرر الوجيز ٢١/٥، والبحر ٥٠٣/٧. سُؤَةٌ فُضَّلَتْ ٢٠٦ الآية : ٤٧ إلا الله عز وجل. فالمقصود من هذا الكلام إرشادُ المؤمنين في التفصِّي(١) عن هذا السؤال، وكلا الجوابين يلزمه اختصاصُ علمِها به تعالى، أما الثاني فظاهرٌ، وأما الأول فلأنك إذا سُئلتَ عن مسألةٍ وقلت: فلانٌ يعلمه. كان فيه نفْي عنك كنايةً، وتنبيهٌ على أنَّ فلاناً أهلٌ أن يُسأَل عنه دونك. ﴿وَمَا تَّخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ أي: من أوعيتها، جمعُ ((كِمِّ)) بالكسر، وهو وعاءُ الثمرة كجفِّ الطلعة، مِن كَمَّه: إذا ستره. وقد يُضَمُّ، وكُمُّ القميص بالضم. وقرأ الحسن في روايةٍ والأعمشُ وطلحة وغيرُ واحد من السبعة: ((من ثَمَرَةٍ» (٢)، على إرادة الجنسِ والجمعِ لاختلاف الأنواع. وقرئ: ((من ثَمَرَاتٍ من أَكْمامِهِنَّ)) بجَمْع الضمير أيضاً(٣). و((ما)) نافية، و((مِنْ)) الأولى مزيدة لتأكيد الاستغراق والنصِّ عليه، و((من)) الثانية ابتدائيةٌ، وكذا ((ما)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ﴾ أي: حَمْلَها، وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا بِعِلْمِهٍ﴾ في موضع الحال، والباءُ للملابسة أو المصاحبة، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال، أي: ما يحدُثُ شيءٌ من خروج ثمرةٍ ولا حَمْلِ حامل ولا وَضْعِ واضعٍ مُلابَساً أو مُصاحباً بشيء من الأشياء إلا مصاحباً أو ملابساً بعلمه المحيط سبحانه واقعاً حسبَ تعلُّقِه به. وجُوِّز في ((ما))(٤) الأولى أن تكون موصولةً معطوفةً على ((الساعة)) أي: إليه يُرَدُّ علم الساعة وعلمُ ما تَخرُج، و((من)) الأولى بيانيةٌ، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، و((من)) الثانية على حالها، وتأنيثُ ((تخرج)) باعتبار المعنى لأنَّ ((ما)) بمعنى ثمرة. قيل: ولا يجوز في ((ما)) الثانية ذلك لمكان الاستثناء المفرَّغ، وأجازه (١) أي: التخلص. القاموس (فصی). (٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وقرأ بها يعقوب وخلف من العشرة. التيسير ص١٩٤، والبحر ٥٠٤/٧، والنشر ٣٦٧/٢. (٣) الكشاف ٤٥٦/٣ . (٤) قوله: ما، ليس في (م). الآية : ٤٧ ٢٠٧ سُوَرَةٌ فُضَّلَنْ بعضُهم، ويكفي لصحة التفريغ النفيُ في قوله تعالى: (وَلَا تَضَعُ)، وجملةُ ((لا تَضَع)) إما حالٌ أو معطوفةٌ على جملة ((إليه يُرَد)» إلخ. ولا يخفى عليك أنَّ المتبادِرَ في الموضعين النفيُ، ثم إنَّ الاستثناءَ متعلّقٌ بالكلِّ، وتبيينُ القدر المشترك بين الأفعال الثلاثة وجَعْلُه الأصلَ في تعلُّقِ المفرَّغ كما سمعتَ لإظهار المعنى والإيماءِ إلى أنه لا يُحتاج في مثله إلى حذفٍ من الأولَين، أعني: ((ما تَخْرُج)) و((ما تحمِل))، وهو قريبٌ من أسلوب: وقد حِيْلَ بينَ العَيْرِ والنزَوَان(١) لأنَّ: خَرَجَ زيدٌ، معناه: حَدَثَ خروجُه، كما أنَّ معنى ذلك فعلُ الحيلولة، وليس ذاك من باب الاستثناء المتعقّب لجملٍ والخلافِ في متعلّقه في شيء؛ لأنَّ ذلك في غير المفرَّغ، فقد ذكر النحويون في باب التنازع وإن كان منفيّاً بـ ((إلا)) فالحذف ليس إلا، ولو كان منه لم يكن من المختلف فيه؛ لاتحاد الجمل في المقصود وظهورٍ قرينة الرجوع إلى الكلِّ. والكلامُ على ما في ((شرح التأويلات))(٢) متصلٌ بأمر الساعة والبعث، فإنَّه لا يَعلَم هذا كلَّه إلا الله تعالى، فذكر هذه الأمور لمناسبتها لعلم الساعة، وأنَّ الكلَّ إيجادٌ بعد العدم بقدرته عز وجل فيكون كالبرهان على الحشر. وجوِّز أن يكون متصلاً بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ إلخ الآية: ٣٧]، وبقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ إلخ [الآية: ٣٩]، فالمعنى: من آيات ألوهيته تعالى وقدرته أن تخرُجَ الثمراتُ وتَحمِل الحواملُ وتَضَع حسبَ علمه جلَّ وعلا، والأولُ أقرب. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى﴾ أي: بزعمكم كما نصَّ عليه بقوله سبحانه: ﴿أَيْنَ (١) سلف ٢٣٣/١. (٢) لمحمد بن عبد الحميد السمرقندي، علاء الدين أبي بكر، الفقيه الحنفي، المتوفى سنة (٥٥٢هـ)، شرح فيه كتاب التأويلات لأبي منصور الماتريدي في أربع مجلدات. هدية العارفين ٢/ ٩٢. سُوَةٌ فُضَّلَتْ ٢٠٨ الآية : ٤٧ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] وفيه تهكّمٌ بهم وتقريعٌ لهم. و((يوم)) منصوبٌ بـ ((اذكر))، أو ظرفٌ لمضمَرٍ مؤخّر قد تُرِك إيذاناً بقصور البيان عنه، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وضمير ((يُنادِيهم)) عامٌّ في كلِّ مَن عَبَدَ غيرَ الله تعالى فيندرج فيه عَبَدَةُ الأوثان. ﴿قَالُوا﴾ أي: أولئك المنادَون ﴿َاذَنَّكَ﴾ أي: أعلَمْناك، والمرادُ بالإعلام هنا الإخبارُ؛ لأنَّه تعالى عالِمٌ فلا يصحُّ إعلامُه بما هو سبحانه عالمٌ به، بخلاف الإخبار فإنه يكون للعالم، فكأنه قيل: أخبرناك. ﴿مَا مِنَا مِن شَهِيدٍ ﴾﴾ أي: بأنه ليس منا أحدٌ يشهَدُ لهم بالشركة، فالجملة في محلِّ نصبٍ مفعولِ ((آذَنَّك)) وقد عُلِّق عنها، وفي تعليق بابٍ أَعْلَمَ وأنبأ خلافٌ، والصحيحُ أنَّه مسموعٌ في الفصيح. و((شهيد)) فعيلٌ من الشهادة، ونْيُ الشهادة كنايةٌ عن التبرُّؤ منهم لأنَّ الكَفَرَة يوم القيامة أنكروا عبادةَ غيره تعالى مرَّةً وأقرُّوا بها وتبرَّؤُوا عنها مرَّةً أخرى. وفسره السمر قنديُّ (١) بالإنكار لعبادتهم غيرَ الله تعالى وشركهم كذباً منهم وافتراءً، كقوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وظاهرُ ((آذنَّاك)) يقتضي سبقَ الإيذان في جوابٍ ((أين شُرَكائي))، وإنما سُئلوا ثانياً حتى أجابوا بأنه قد سبق الجوابُ؛ لأنه توبيخٌ، وفي إعادة التوبيخ من تأكيد أمرٍ الجناية وتقبيح حالٍ مَن يرتكبها ما لا يخفى. واستظهر أبو حيان(٢) أنَّ المراد إحداثُ إيذانٍ لا إخبارٌ عن إيذانٍ سابقٍ، على نحو: طلَّقتُ، وأمثالِهِ. وجُوِّز أن يقال: إنه إخبارٌ بإعلامٍ سابقٍ، وذلك الإعلامُ السابقُ ما عَلِمه تعالى من بواطنهم يومَ القيامة أنهم لم يَبقوا على الشرك وعلى تلك الشهادة، وكأنه إعلامُ (١) كما في حاشية الشهاب ٧/ ٤٠٤، وهو علاء الدين السمرقندي صاحب شرح التأويلات. (٢) في البحر ٧/ ٥٠٤ . الآية : ٤٨ ٢٠٩ سُوَلاَ فُصِّلَتْ منهم بلسان الحال، وهذا لا يقتضي سبقَ سؤالٍ ولا جوابٍ، وفيه حسنُ أدبٍ، كأنهم يقولون: أنت أعلم به. ثم يأخذون في الجواب. قال في ((الكشف)): وهذا الوجهُ هو المختارُ لاشتماله على النكتة المذكورة، وما في الآخَرَيْنِ من سوء الأدب. ويحتمل أن يكون المعنى: آذنَّاك بأنه ليس منا أحدٌ يشاهِدُهم، فـ((شهيد)) من الشهود بمعنى الحضور والمشاهدة، ونفْي مشاهدتِهم: الظاهرُ أنه على الحقيقة وذلك في موقفٍ، وجَعْلُ بعضِ العَبَدة مقرِّين بمعبوداتهم في آخَر، فلا تنافيَ بينهما، وقيل: هو كنايةٌ عن نفي أن يكونَ له تعالى شريكٌ، نحو قولك: لانرى لك مِثْلاً. تريد: لا مِثْلَ لك لنراه، والكلام في ((آذنَّاك)) على ما آذَّاك. وقيل: ضميرُ ((قالوا)) للشركاء، أي: قال الشركاء: ليس منا أحدٌ يشهَدُ لهم بأنهم كانوا مُحقِّين، فـ ((شهيد)) من الشهادة لا غير، والمراد التبرُّؤُ منهم. وفيه تفکیكُ الضمائر. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ﴾ - على ما قيل - أنَّ شركاءهم الذين كانوا يدعُونهم من قبلُ ويرجُون نفعَهم غابوا عنهم، على أنَّ الضلال على معناه الحقيقيِّ، وهو الذي يقابل الوجدانَ. أو أنَّ شركاءَهم لم ينفعوهم بشيء، على أنَّ الضلال مجازٌ عن عدم النفع. و((ما)) اسم موصول عبارةٌ عن الشركاء، ويحسن جمعُ مَن يعقِلُ ومَن لا يعقل في التعبير بـ ((ما)) في مثل هذا المقام. وجُوِّز أن تكونَ ((ما)) عبارةً عن القول الذي كانوا يقولونه في شأن الشركاء من . أنهم آلهةٌ وشركاءُ لله سبحانه وتعالى، والمعنى: نَسُوا ما كانوا يقولونه في شأن شركائهم من نسبة الألوهية إليهم. ولك أن تجعلها مصدريةً. والجملةُ يحتمل أن تكون حالاً وأن تكون اعتراضاً، وذكر بعض الأجلة أنه يتعيَّن الأخيرُ على القول بأنَّ ضميرَ ((قالوا)) للشركاء، وكونِ الضلال مجازاً عن عدم النفع. فتدبّر. سُؤَلٌ فُضَّلَتْ ٢١٠ الآية : ٤٩ - ٥٠ ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي: أيقَنُوا، كما قال السديُّ وغيره؛ لأنه لا احتمالَ لغيره هنا. والظنُّ يكون بمعنى العلم كثيراً. ﴿مَا لَهُم مِّنْ تَجِصٍ ﴾﴾ أي: مهرَبٍ، والظاهرُ أنَّ الجملة في محلِّ نصبٍ سادَّةٌ مسدَّ مفعولي ((ظَنَّ)، وهي معلّقةٌ عنها بحرف النفي. وقيل: تمَّ الكلام عند قوله تعالى: (وَظَنُوا)، والظنُّ على ظاهره، أي: وترجَّح عندهم أنَّ قولَهم: (مَا مِنَا مِن شَهِيدٍ) منجاةٌ لهم أو أمرٌ يُمَوَّهُون به، والجملة بعدُ مستأنَفةٌ، أي: لا يكون لهم منجّى أو موضعُ روغان. ﴿لَّا يَسْعَمُ الْإِنسَانُ﴾ لا يملُّ ولا يفتُّرُ ﴿مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ من طلبِ السعة في النعمة وأسباب المعيشة، و((دُعَاء)) مصدرٌ مضافٌ للمفعول، وفاعلُه محذوفٌ، أي: من دعاء الخير هو . وقرأ عبد الله: (مِن دعاءٍ بالخير)) بياءٍ داخلة على ((الخير))(١). ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ ﴾ الضيقة والعُسر ﴿فَيَئُوسُ قَنُوطٌ ﴾﴾ أي: فهو يَؤُوسٌ قَنُوطُ من فضل الله تعالى ورحمته، وهذا صفةُ الكافر، والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في عتبة بن ربيعة (٢). وقد بُولِغ في يأسه من جهة الصيغة لأنَّ فعولاً من صيغ المبالغة، ومن جهة التكرار المعنويِّ فإنَّ القنوطَ أن يظهر عليه أثرُ اليأس فيتضاءل وينكسر، ولمّا كان أثره الدالُّ عليه لا يفارقه كان في ذكره ذكرُه ثانياً بطريقٍ أبلغ، وقدَّم اليأسَ لأنه صفةٌ القلب، وهو أن يقطع رجاءَه من الخير، وهي المؤثّرة فيما يظهر على الصورة من التضاؤل والانكسار. ﴿وَلَيْنَ أَذَقْتَهُ رَحْمَةٌ مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: لئن فرَّجْنا عنه بصحةٍ بعد مرضٍ، أو سعةٍ بعد ضيق، أو غير ذلك ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى﴾ أي: حقِّي أستحِقُه لِمَا لي (١) القراءات الشاذة ص١٣٣، والكشاف ٤٥٧/٣، والبحر ٥٠٤/٧. (٢) المحرر الوجيز ٥/ ٢٢، والبحر ٥٠٤/٧. الآية : ٥١ ٢١١ سُؤَلٌ فُضْلَتْ من الفضل والعمل، لا تفضُّلٌ من الله عز وجل، فاللام للاستحقاق. أو: هو لي دائماً لا يزول، فاللامُ للملك وهو يُشعِر بالدوام، ولعلَّ الأول أقربُ. ﴿وَمَآ أَظُنُ السَّاعَةَ قَئِمَةٌ﴾ أي: تقوم فيما سيأتي ﴿وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ﴾ على تقدير قيامها ﴿إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: لَلْحالةَ الحسنى من الكرامة، والتأكيدُ بالقسم هنا ليس لقيام الساعة بل لكونه مَجزيّاً بالحسنى، لجزمه باستحقاقه للكرامة، لاعتقاده أنَّ ما أصابه من نعم الدنيا لاستحقاقه له، وأنَّ نعمَ الآخرة كذلك، فلا تنافي بين ((إنْ)) التي الأصلُ فيها أن تُستعمل لغير المتيقَّن، وبين التأكيد بالقسم و((إنَّ) واللام وتقديم الظرفين وصيغة التفضيل. ﴿ فَلَتْلَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ لنُعلِمِنَّهم بحقيقةِ أعمالهم، ولنبصّرنَّهم بعكس ما اعتقدوا فيها، فيظهر لهم أنهم مستحِقُّون للإهانة لا الكرامة كما توقّموا ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (@) لا يمكنهم التفصِّي عنه لشدَّته، فهو كوثاقٍ غليظ لا یمکن قطعه. ﴿وَإِذَا أَتْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ﴾ عن الشكر ﴿وَنَا بِجَانِهِ،﴾ تكَبَّر واختال، على أنَّ الجانبَ بمعنى الناحية والمكان، ثم نُزِّل مكانُ الشيء وجهتُه كنايةً منزلةَ الشيء نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقول الشاعر: ذَعَرتُ به القطا ونفيتُ عنه مقامَ الذئب كالرجُلِ اللَّعِينِ(١) وقولُ الكتَّابِ: حضرةُ فلان، ومجلسُه العالي، وكتبتُ إلى جهته وإلى جانبه العزيز. يريدون نفسَه وذاتَه، فكأنه قيل: نأى بنفسه، ثم كَنَى بذَهَبَ بنفسه عن التكبُر والخيلاء. وجُوِّز أن يرادَ بـ ((جانبه)) عِظْفُه، ويكون عبارةً عن الانحراف والازورار، كما قالوا: ثَنَى عِظْفَه وتولَّى برُكنه. والأول مشتمل على كنايتين: وَضْع الجانب موضعَ النفس، والتعبيرِ عن التكبرُّ البالغ بنحوِ: ذهب بنفسه، وهذا على واحدةٍ على ما في ((الكشف)). (١) البيت للشماخ بن ضرار الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٢١. سُؤَةُ فُضِلَتْ ٢١٢ الآية : ٥١ وجعل بعضُهم الجانبَ والجنبَ حقيقةً - كالعِظْفِ - في الجارحة وأحدٍ شقَّي البدن، مجازاً في الجهة، فلا تغفل. وعن أبي عبيدة: نأى بجانبه: أي: نَهَضَ به (١). وهو عبارةٌ عن التكبر كـ : شَمَخْ بأنفه، والباءُ للتعدية. ثم إنَّ التعبيرَ عن ذات الشخص بنحو المقام والمجلس كثيراً ما يكون لقصد التعظيم والاحتشام عن التصريح بالاسم، وهم(٢) يتركون التصريحَ به عند إرادة تعظيمه، قال زهير(٣): وإياكَ أن تَنْسَى فِتَذْكُرَ زَيْنَبًا فَعَرِّضْ إذا ما جئتَ بالبانِ والحِمَى فدَعْهِ مَصوناً بالجلالِ مُحَجَّبَا سيكفيك مِن ذاك المسمَّى إشارةٌ ومن هنا قال الطيبي: إنَّ ما هنا واردٌ على التهكم. وقُرئ: ((ونِئى)) بإمالة الألف وكسر النون للإتباع (٤)، وَنَاءَ)) على القلب(٥) كما قالوا: رَاءَ، في: رَأَى. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيِضٍ ﴾﴾ أي: كثيرٍ مستمرٍّ، مستعارٌ مما له عرضٌ متَّسعٌ، وأصلُه مما يوصَف به الأجسام وهو أقصرُ الامتدادَيْن، وأطولُهما هو الطول، ويُفهَم في العرف من العريض الاتساعُ، وصيغةُ المبالغة وتنوين التكثير يُقوِّيان ذلك، ووصف الدعاء بما ذُكر يستلزم عظمَ الطول أيضاً لأنه لا بدَّ أن يكون أزيدَ من العرض، وإلا لم يكن طولاً، والاستعارةُ في كلٌّ من الدعاء والعريضِ جائزةٌ، ولا يخفى كيفية إجرائها . (١) حاشية الشهاب ٤٠٥/٧، وجاء في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٩٨/٢: ((أعرض ونأى بجانبه)) أي: تباعد عنِّي. (٢) في (م): وهو. (٣) هو زهير بن محمد المهلبي المعروف ببهاء الدين، والشعر في ديوانه ص٢٩. وفيه: جُزتَ، بدل: جئتَ. (٤) هي قراءة الكسائي وخلف. ورواية عن حمزة، كما في التيسير ص ١٤١، والنشر ٢/ ٤٤. (٥) وهي قراءة ابن ذكوان وأبي جعفر كما في التيسير ص ١٤١، والنشر ٤٤/٢. الآية : ٥٢ ٢١٣ سُورَةُ فُضَّلَنْ وذكر بعضُ الأجلَّة أنَّ الآيات قد تضمَّنت ضربين من طغيان جنس الإنسان: فالأول: في بيان شدَّة حرصه على الجمع وشدَّة جزعه على الفقد، والتعريض بتظليم ربِّه سبحانه في قوله: ((هذا لي)) مُدمِجاً فيه سوءَ اعتقاده في المعاد المستجلِب لتلك المساوي کلها . والثاني: في بيان طيشه المتولِّد عنه إعجابُه واستكبارُه عند وجود النعمة، واستكانتُه عند فقدها . وقد ضمِّن في ذلك ذُه بشغله بالنعمة عن المنعم في الحالتين، أما في الأول فظاهر، وأما في الثاني فلأنَّ التضرُّعَ جزعاً على الفقد ليس رجوعاً إلى المنعم، بل تأسُّفٌ على الفقد المُشغِل عن المنعم كلَّ الإشغال، وذَكَر أنَّ في ذكر الوصفين ما يدلُّ على أنه عديمُ النُّهية، أي: العقل، ضعيفُ المنة، أي: القوة، فإنَّ اليأسَ والقنوطَ ينافيان الدعاءَ العريضَ، وأنه عندَ ذلك كالغريق المتمسِّك بكلِّ شيءٍ. انتھی . ومنه يُعلَم جوابُ ما قيل: كونه يدعو دعاءً عريضاً متكرِّراً ينافي وصفه بأنه يؤوسٌ قنوطٌ؛ لأنَّ الدعاء فرعُ الطمع والرجاء، وقد اعتُبِر في القنوط ظهورُ أثر اليأس، فظهورُ مَا يدلُّ على الرجاء يأباه. وأجاب آخرون بأنه يجوز أن يقال: الحال الثاني شأنُ بعضٍ غيرِ البعض الذي حُكِي عنه اليأسُ والقنوط. أو شأنُ الكلِّ في بعض الأوقات. واستدلَّ بعضُهم بقوله تعالى: (فَذُو دُعَآءٍ عَرِضٍ) على أنَّ الإيجازَ غيرُ الاختصار، وفسَّره لهذه الآية بحذف تكرير الكلام مع اتحاد المعنى، والإيجازَ بحذفِ طوله وهو الإطنابُ. وهو استدلالٌ بما لا يدلُّ؛ إذ ليس فيها حذفُ ذلك العرض فضلاً عن تسميته. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾ إلخ رجوعٌ لإلزام الطاعنين والملحِدين، وختمٌ للسورة بما يلتفت لفتَ بدئها، وهو من الكلام المنصف، وفيه حثّ على التأمُّل واستدراجٌ للإقرار مع ما فيه من سحر البيان، وحديثُ الساعة وَقَعَ في البين تتميماً للوعيد وتنبيهاً على سُوَلاَ فُضَّلَتْ ٢١٤ الآية : ٥٣ ما هم فيه من الضلال البعيد. كذا قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ الكلام في ذلك. ومعنى ((أرأيتم)): أَخبِرُوني ﴿إِن كَانَ﴾ أي: القرآنُ ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ﴾ مع تعاضُدٍ مُوجِبات الإيمان به، و((ثم)) - كما قال النيسابوري(١) - للتراخي الرتبي. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِتَنْ هُوَ فِى شِفَاقٍ﴾ أي: خلافٍ ﴿بَعِيدٍ ﴾﴾ غايةَ البُعد عن الحقِّ، والمراد ممن هو في شقاقٍ المخاطَّبون، ووُضِع الظاهرُ موضعَ ضميرهم شرحاً لحالهم بالصلة وتعليلاً لمزيد ضلالهم. وجملةُ ((مَن أضلُ)) على ما قال ابن الشيخ سادَّةٌ مسدَّ مفعولَي ((رَأَيتُم)). وفي ((البحر))(٢): المفعولُ الأولُ محذوفٌ تقديرُه: أَرَأَيْتُم أنفسَكُم، والثاني هو جملةٌ الاستفهام. وأيَّاما كان فجوابُ الشرط محذوفٌ، قال النيسابوري: تقديرُه مثلاً: فمَنْ أَضَلُّ منكُم(٣). وقيل: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فأخبروني مَن أضلُّ منكم. ولعلَّه الأظهر. وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ الْآَفَاقِ﴾ إلخ مرتبطً على ما اختاره صاحب ((الكشاف))(٤) بقوله تعالى: (قُلْ أَرََّيْتُمْ) إلخ على وجه التتميم والإرشاد إلى ما ضُمِّن من الحثِّ على النظر؛ ليؤدِّي إلى المقصود، فيُهْدَوا إلى إعجازه ويؤمنوا بما جاء به، ويعملوا بمقتضاه ويفوزوا كلَّ الفوز، وفسَّر الآياتِ بما أجرى الله ـّ من الفتوحات الدالّة تعالى على يدَي نبيه وَّهِ وعلى أيدي خلفائه وأصحابه(٥) . على قوة الإسلام وأهله، ووهنِ الباطل وحِزبه، والآفاقُ: النواحي، الواحد أُفُقٌ (١) في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٤/٢٥ . (٢) ٥٠٥/٧. (٣) غرائب القرآن ٢٥/ ١٤. (٤) ٤٥٨/٣. (٥) في (م): وأصحابهم. الآية : ٥٣ ٢١٥ سُؤَا فُضِلَتْ بضمتين، وأَفَقٌ بفتحتين، أي: سنريهم آياتنا في النواحي عموماً من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، وفيه أنَّ هذه الإراءةَ كائنةٌ لا محالةَ حقٌّ لا يحوم حولَها ريبة. ﴿وَفِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ في بلاد العرب خصوصاً، وهو من عطفٍ ((جبريل)) على ((ملائكته))(١)، وفي العدول عنها إلى المنزَّل ما لا يخفى من تمكينٍ ذلك النصر، وتحقيقِ دلالته على حقِّيَّةِ المطلوب إثباتُه، وإظهارِ أنَّ كونَه آیةً بالنسبة إلى الأنفس وإن كان كونُه فتحاً بالنسبة إلى الأرض والبلدة. ﴿حَّى يَبَّنَ﴾ يظهر ﴿لَهُمْ أَنَّهُ﴾ أي: القرآنُ هو ﴿اَلْحَقٌ﴾ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، فهو الحقُّ كلُّه من عند الله تعالى المطَّلِع على كلِّ غيبٍ وشهادةٍ، فلهذا نُصِر حاملوه وكانوا مُحقِّين، وفي التعريف من الفخامة ما لا يخفى جلالةٌ وقدراً. وفيما ذُكر إشارةٌ إلى أنه تعالى لا يزال يُنشِئ فتحاً بعد فتح وآيةً غِبَّ آيةٍ إلى أن يُظهِرَه على الدين كلِّه ولو كره المشركون، فانظر إلى هذه الآية الجامعة كيف دلَّت على حقِّية القرآن على وجهٍ تضمَّنَ حقِّيَّةَ أهلِه ونصرتَهم على المخالفين، وأعظِم بذلك تسلِّياً عما أشعرتْ به الآية السابقة من انهماكهم في الباطل إلى حدٍّ يقرب من الیاس. وقيل: الضمير للرسول وَله، أو الدين، أو التوحيدِ. ولعلَّ الأولَ أولى. ﴿أَوَلَمْ يَكْفٍ بِربِّكَ﴾ استئنافٌ واردٌ لتوبيخهم على إنكارهم تحقَّقَ الإراءة. والهمزة للإنكار، والواوُ على أحد الرأيَيْن للعطف على مقدَّرٍ دخلت عليه الهمزةُ يقتضيه المقام، والباءُ مزيدةٌ للتأكيد، و((ربك)) فاعلُ ((كفى))، وزيادةُ الباء في فاعلها هو القولُ المشهورُ المرضيُّ للنحاة، وتُزاد في فاعلِ فعلِ التعجُّب أيضاً، نحو: أحْسِن بزيد، فإنَّ ((أَحْسِن)) فعلٌ ماضٍ جيء به على صيغة الأمر، والباءُ زائدةٌ و((زيد)) فاعلٌ عند جماعةٍ من النحويين، ولاتكاد تزاد في غيرهما، وقوله: (١) يعني في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. سُؤَا فُضِلَتْ ٢١٦ الآية : ٥٣ بما لاقَتْ لَبُونُ بني زِيَادٍ(١) ألم يأتيك والأنباءُ تنمي شاذٌّ قبيحٌ على ما قال الشهاب(٢). وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ ﴾﴾ بدلٌ من الفاعل بدلَ اشتمالٍ، وقيل: هو بتقدير حرف الجرِّ، أي: أو لم يكفهم ربُّك بأنه .. إلخ، وما للنحويين في مثل هذا التركيب من الكلام شهيرٌ، أي: أنكروا إراءةَ ذلك الدالَّةَ على حقِّية القرآن، ولم يكفهم دليلاً أنه عزَّ وجل مُّلعٌ على كلِّ شيء عالمٌ به، ومن ذلك حالُهم وحالُك الموجِبان حكمةَ نَصْرك عليهم وخذلانهم، وكأنَّ ذلك لظهوره نُزِّل منزلةً المعلوم لهم. وفي «الكشف)) أي: أو لم يكفهم أنَّ ربَّك سبحانه مطّلعٌ على كلِّ شيء يستوي عنده غيبُ الأشياء وشهادتها، على معنى: أو لم يكفهم هذه الإراءةُ دليلاً قاطعاً. ولمَّا كان ما وعده غيباً عنهم - كيف وقد نَزَل وهو في حالِ ضَعفٍ وقلةٍ يُقاسُون ما يُقاسُون من مشركي مكة - قيل: أو لم يكفهم اطّلَاعُ مَن هذا الكتابُ الحقُّ من عنده على كلِّ غيبٍ وشهادةٍ دليلاً على كينونة الإراءة وإحضارٍ ذلك الغيب عندهم، إذ لا غيبَ بالنسبة إليه تعالی. وفي العدول إلى هذه العبارة فائدتان: إحداهما: تحقيقُ إنجازِ ذلك الموعود كأنه مشاهَدٌ بذكرِ الدليل القاطع على الوقوع. والثانية: الدلالةُ على أنَّ هذه الإراءةَ الآنَ وهو في ضعفٍ وقلَّة قد تمَّت بالنسبة إلى إثبات حقِّية القرآن، لأنَّ مَن عَلِمَ أنه تعالى على كلِّ شيء شهيدٌ، وعَلِمِ أنَّ القرآنَ مُعجِزٌ من عنده، عَلِمِ أنَّ جميعَ ما فيه حقٌّ وصدقٌ، فعَلِم أنَّ تلك النصرةَ کائنٌ. والحاصل أنه كما يُستدلُّ من تلك الآيات على حقِّية أهله تارةً يُستدلُّ من إعجازٍ (١) سلف ١٢/ ٢٢٩. (٢) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٧/ ٤٠٧ . الآية : ٥٤ ٢١٧ سُؤَدَّةٌ فُضَّلَنْ القرآن على حقِّية تلك الآيات وقوعاً، وحقِّيةِ أهلِ الإسلام أخرى، فأُدِّي المعنيان في عبارةٍ جامعةٍ تُؤدِّي الغرضين على وجهٍ لا يمكن أتمُّ منه. انتهى. ولا يخفى أنَّ في الآية عليه نوعاً من الإلغاز. وقيل: أي: ألم يُغنِهم عن إراءة الآيات الموعودة المبيِّنةِ لحقِّية القرآن، ولم يكفهم في ذلك أنَّه تعالى شهيدٌ على جميع الأشياء وقد أخبر بأنَّه من عنده عز وجل. وهو كما ترى. وقيل: المعنى: أو لم يكْفِك أنَّه تعالى على كلِّ شيءٍ شهيد محقِّقٌ له، فيحقّقُ أمرَك بإظهار الآيات الموعودة كما حقَّق سائرَ الأشياء الموعودة. وتُعقّب بأنه - مع إيهامه ما لا يليق بجلالة منصبه وَّر من التردُّد فيما ذُكر من تحقّق الموعود - لا يلائم قولَه تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمُّ﴾ أي: في شكٌّ عظيمٍ من ذلك بالبعث لاستبعادهم إعادةَ الموتى بعد تبدُّدِ أجزائهم وتفرُّقٍ أعضائهم، فلا يلتفتون إلى أدلَّةِ ما ينفعهم عند لقائه تعالى كحقِّية القرآن = لأنَّه(١) صريحٌ في أنَّ عدمَ الكفاية معتبرٌ بالنسبة إليهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ (@) لبيانِ ما يترتَّبُ على تلك المرية بناءً على أنَّ المعنى: إنَّه تعالى عالِمٌ بجميع الأشياء على أكمل وجهٍ، فلا يخفى عليه جلَّ وعلا خافيةٌ منهم، فيجازيهم جلَّ جلالُه على كفرهم ومريتهم لا محالةَ. وقيل: دفعٌ لمريتهم وشكُّهم في البعث وإعادةِ ما تفرَّقَ واختلط مما يتوهّمون عدمَ إمكانٍ تمييزهٍ، أي: إنه تعالى عالم بجُمَلِ الأشياء وتفاصيلها، مقتدرٌ عليها لا يفوته شيءٌ منها، فهو سبحانه يعلم الأجزاءَ ويَقدِر على البعث. هذا وما ذكر في تفسيرِ ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)) في معنى ما رُوي عن الحسن ومجاهد والسدي وأبي المنهال وجماعةٍ قالوا: إنَّ قولَه سبحانه: (سَنُرِيهِمْ) إلخ وعيدٌ للكفار بما يفتحه الله تعالى على رسوله وَّه من الأقطار حولَ (١) قوله: لأنه ... ، متعلق بقوله: لا يلائم .... سُورَةٌ فَضْلَنْ ٢١٨ الآية : ٥٤ مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر، وأراد بقوله تعالى: (وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ) فتح مكة(١). وقال الضحاك وقتادة: ((في الآفاق)) ما أصابَ الأممَ المكذِّبةَ في أقطار الأرض قديماً، و((في أنفسهم)) ما كان يومَ بدر(٢)، فإنَّ في ذلك دلالةً على نصرةٍ مَن جاء بالحقِّ وكُذِّب من الأنبياء عليهم السلام، فيدلُّ على حقِّية النبيِّ وَّرِ وما جاء به من القرآن. وأُورِد عليه أنَّ((سَنُرِيهم)) يأبى كونَ ما في الآفاق ما أصابَ الأُممَ المكذِّبةَ؛ لكونه مرئياً لهم قبلُ. وقال عطاء وابن زيد: إنَّ معنى ((سنريهم آياتنا في الآفاق)): أي: أقطارِ السماء والأرض من الشمس والقمر وسائر الكواكب والرياح والجبال الشامخة وغير ذلك، و((في أنفسهم)) من لطيفِ الصنعة وبديع الحكمة(٣). وضعَّف ذلك الإمامُ بنحو ما سمعتَ آنفاً(٤). وأجيب بأنَّ القومَ وإن كانوا قد رأوا تلك الآيات إلا أنَّ العجائبَ التي أودعها الله تعالى فيها مما لا نهايةً لها، فهو سبحانه يُطلعهم عليها زماناً قريباً حالاً فحالاً، فإنَّ كلَّ أحدٍ يُشاهِد بِنيةَ الإنسان، إلا أنَّ العجائب المودَّعة في تركيبها لا تُحصَى، وأكثر الناس غافلون عنها، فمن حمل على التفكّر فيها بالقوارع التنزيلية والتنبيهات الإلهية كلَّما ازداد تفكّراً ازداد وقوفاً، فصحَّ معنى الاستقبال. واختار ذلك صاحب ((الكشف)) تبعاً لغيره، وبيَّن وجهَ مناسبة الآيات لِمَا قبلها (١) تفسير الطبري ٤٦١/٢٠، وزاد المسير ٢٦٧/٧، والبحر ٥٠٥/٧. (٢) زاد المسير ٧/ ٢٦٧، والبحر ٧/ ٥٠٥. (٣) تفسير الطبري ٤٦٢/٢٠، والبحر ٥٠٥/٧. (٤) يعني أنَّ قوله تعالى: ﴿سَذُرِيهِمْ﴾ يقتضي أنه تعالى لم يطلعهم على الآيات إلى الآن بل سيطلعهم عليها بعد ذلك، مع أن الآيات موجودة في العالم قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك، فتعَذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه. التفسير الكبير ١٣٩/٢٧، وقد ذكر الإمام الرازي هذا التضعيف، ثم أجاب عنه بما سيأتي. الآية : ٥٤ ٢١٩ سُؤَلاَ فُضَّلَتْ عليه، وجعل ضميرَ ((أنه الحقُّ)) لله عز وجل، فقال: إنَّ في قوله تعالى: (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) إشعاراً بأنَّ كونَه من عنده سبحانه ينافي الكفرَ به، وأنَّهم مسلِّمون ذلك لكن يطعنون في كونه من عنده عز وجل، ولذا جعل نحو ﴿أَسَطِيرُ اٌلْأَوَِّينَ﴾ [النحل: ٢٤] في جواب قولهم ﴿مَّاذَا أَنزَلَ رَّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] أنه إعراضٌ عن كونه منزَّلاً، وجوابٌ بأنه أساطيرُ لا منزَّلٌ، فأريد أن يبيَّن إثباتُ كونه حقّاً من عنده تعالى على سبيل الكناية؛ ليكونَ أوصل إلى الغرض ويناسبَ ما بُني عليه الكلامُ من سلوك طريق الإنصاف، فقيل: (سَنُرِيهِمْ) أي: سيُري الله تعالى، والالتفاتُ للدلالة على زيادة الاختصاص وتحقيقٍ ثبوت الإراءة، ثم قيل: (حَقّ يَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحُقُ) أي: أنَّ الله جلَّ جلالُه هو الحقُّ من كلِّ وجهٍ ذاتاً وصفةً وقولاً وفعلاً، وما سواه باطلٌ من كلِّ وجهٍ، لا حقَّ إلا هو سبحانه، وإذا تبيَّن لهم حقِّيتُه عزَّ شأنه من كلِّ وجهٍ يلزم ثبوتُ القرآن وكونُه من عنده تعالى بالضرورة، ثم قيل: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ) أي: أو لم يكفك شهودُه تعالى على كلِّ شيء، فمنه سبحانه تشهَدُ كلَّ شيء، لا من آياتِ الآفاق والأنفس تشهده تعالى، فالأول استدلالٌ بالأثر على المؤثِّر، والثاني من المؤثِّر على الأثر، وهذا هو اللَّمِّيُّ اليقيني. وفي قوله تعالى: (بِرَبِّكَ) مضافاً إلى ضميره ◌َّهُ وإيثارِه على: أو لم يكف به، إشعارٌ بأنه ◌َّ﴿ وأتباعَه من كلِّ العارفين هم الذين يكفيهم شهودُه على كلِّ شيءٍ دليلاً، وأنَّ ذلك لهم نفسُ عنايتِه تعالى وتربيته من دون مدخل لتعلَّمهم فيه بخلاف الأول. ثم قيل: (أَلَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَاءِ رَبِّهِزُ) فلهذا لا يكفيهم أنه تعالى على كلِّ شيء شهيدٌ لأنه لا شهود لهم ليشُدُّوا شهودَه تعالى، فهو شاملٌ لفريقَي الأبرار والكفَّار، أما الكفّار فلأنهم في شكِّ في الأصل، وأما الأبرار فلأنَّهم في شكٌّ من الشهود، أي: لا علمَ لهم به إلّا إيماناً متمحِّضاً عن التقليد. وإطلاقُ المرية للتغلیب، ولا يخفى حسنُ موقعه. ثم قيل: (أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ) تتميماً لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ) لأنَّ من أحاط بكلِّ شيء علماً وقدرةً لم يتخلَّف شيءٌ عن شهوده، فمن شَهِدَه شَهِدَ سُورَةُ فُضِلَنْ ٢٢٠ الآية : ٥٤ كلَّ شيء، فهذا هو الوجه في تعميم الآيات من غير تخصيصٍ لها بالفتوح، وهو أنسبُ من قول الحسن ومجاهد، وأجْرَى على قواعد الصوفية وعلماءِ الأصول رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. انتهى. وقد أَبْعَدَ عليه الرحمة المغزى وتكلَّف ما تكلّف. ونقل العارف الجامي قدِّس سره في ((نفحاته))(١) عن القاشاني(٢) أنَّ قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ) إلخ يدلُّ على وحدة الوجود. وقد رأيتُ في بعض كتب القوم الاستدلالَ به على ذلك، وجَعْلَ ضميرِ ((أنه الحقُّ)) إلى المرئيِّ، وتفسيرَ (الحقّ)) بالله عز وجل، ومن هذا ونحوه قال الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه: سبحانَ من أظهر الأشياءَ وهو عينُها(٣). وهذه الوحدةُ هي التي حارت فيها الأفهامُ وخرجت لعدم تحقيقٍ أمرها رِقابٌ من رِبْقة الإسلام، وللشيخ إبراهيم الكوراني قدِّس سرُّه النوراني عدةُ رسائل في تحقيق الحقِّ فيها وتشييد مبانيها، نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بصحيح الشهود، ويحفظنا بجوده عما عَلِقَ بأذهان الملاحدة من وحدة الوجود. وقرئ: ((إنَّه على كلِّ شيءٍ شهيد)) بكسر همزة ((إنَّ)(٤)، على إضمار القول. وقرأ السلمي والحسن: ((في مُريْة)) بضم الميم(٥)، وهي لغةٌ فيها كالكسر، ونحوُها: خُفْية، بضم الخاء وكسرها، والكسر أشهر لمناسبة الياء. (١) نفحات الأنس من حضرات القدس لنور الدين عبد الرحمن بن أحمد الجامي، المتوفى سنة (٨٩٨هـ). كتبه بالفارسية، وعربه الشيخ تاج الدين زكريا العثماني النقشبندي المتوفى بمكة سنة (١٠٠٠ هـ). كشف الظنون ٢/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨. (٢) هو الشيخ كمال الدين أبو الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي السمرقندي، المتوفى سنة (٨٨٧هـ)، له تأويلات القرآن المعروف بتأويلات الكاشاني، وهو تفسير بالتأويل على اصطلاح التصوف. كشف الظنون ٣٣٦/١. (٣) الفتوحات المكية ٤٥٩/٢. (٤) البحر ٥٠٦/٧. (٥) الكشاف ٤٥٨/٣، والبحر ٥٠٦/٧.