النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ١٠
١٤١
سُؤَدٌَّ فُضِلَتْ
وهاهنا لم ينصَّ إلا على أحد المبلغين = غيرُ سديد؛ لأنَّ العلم بالمبلغين في تحقيق
الفذلكة كافٍ، على أنَّ المراد أنه جارٍ مجراها .
وإنما لم يَجُز الحملُ على أنَّ جَعْل الرواسي وما ذُكِر عقيبَه أو تقديرَ الأقوات
في أربعة أيام؛ لأنَّه يلزَم أن يكونَ خلقُ الأرض وما فيها في ستة أيام، وقد ذَكر
بعده أنَّ خلق السماوات في يومين فيكون المجموع ثمانيةً أيام، وقد تكرَّر في
كتاب الله تعالى أنَّ خَلْقَهما - أعني السماوات والأرضَ - في ستة أيام.
وقُيِّدت الأيامُ الأربعة بقوله تعالى: ﴿سَوَّ﴾ فإنَّه مصدر مؤكِّد لمضمَرٍ هو صفةٌ
لـ ((أيام))، أي: استَوَت سواءً، أي: استواءً، كما يدلُّ عليه قراءةُ زيد بن عليٍّ
والحسن وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد وعيسى ويعقوب: ((سَواءٍ)) بالجرِّ(١)، فإنَّه
صريحٌ في الوصفية، وبذلك يضعُف القولُ بكونه حالاً من الضمير في ((أَقْواتَها))، مع
قلَّة الحال من المضاف إليه في غير الصور الثلاث، ولزوم تخالُفِ القراءتين في
المعنى. ويُعلم من ذلك أنه على قراءة أبي جعفر بالرفع(٢) يُجعَل خبراً لمبتدأ
محذوفٍ، أي: هي سواءٌ، وتُجعَل الجملةُ صفةً لـ ((أيام)) أيضاً لا حالاً من
الضمير = لدفع التجوُّز(٣) فإنَّه شائعٌ في مثل ذلك مطَردٌ في عُرفَي العرب والعجم،
فتراهم يقولون: فعلتُه في يومين. ويريدون في يوم ونصف مثلاً، و: سرتُ أربعةً
أيام. ويريدون ثلاثةً ونصفاً مثلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾
[البقرة: ١٩٧] فإنَّ المراد بالأشهر فيه شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلةُ
النحر. وذلك لأنَّ الزائد جُعل فرداً مجازاً، ثم أُطلِق على المجموع اسمُ العدد
الكامل، فالمعنى هاهنا: في أربعة أيام لا نقصانَ فیها ولا زیادة، وکأنه لذلك أُوثِر
ما في التنزيل على أن يقال: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها
أقواتها في يومين، كما قيل أولاً: ((خلق الأرض في يومين)). وحاصلُه أنه لو قيل
ذلك لكان يجوز أن يرادَ باليومين الأوَّلين والأخيرين أكثرُهما .
(١) النشر ٣٦٦/٢ عن يعقوب، والكلام من البحر ٤٨٦/٧.
(٢) النشر ٣٦٦/٢.
(٣) قوله: لدفع التجوز ... ، متعلق بقوله: وقيدت الأيام.
.

سُؤَةُ فُضَّلَتْ
١٤٢
الآية : ١١
وإنما لم يقل: خَلَق الأرضَ في يومين كاملين وجعل فيها رواسي من فوقها
وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في يومين كاملين. أو: خَلَق الأرضَ في يومين وجعل
فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في يومين، تلك أربعةٌ سواء.
لأنَّ ما أورده سبحانه أخصرُ وأفصحُ وأحسنُ طباقاً لِمَا عليه التنزيلُ من مغاصات
القرائح ومصاكَ الرُّكَب ليتميَّز الفاضلُ من الناقص والمتقدِّمُ من الناكص، وترتفع
الدرجاتُ وتتضاعف المثوبات.
وقال بعض الأجلة: إنَّ في النظم الجليل دلالةٌ - أي: مع الاختصار - على أنَّ
اليومين الأخيرين متصلان باليومين الأوَّلين لتبادُره من جَعْلِهما جملةً واحدةً
واتصالهما في الذكر.
وقوله تعالى: ﴿لِلِسَآَيِلِينَ ﴾﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي:
هذا الحصرُ في أربعةٍ كائنٌ للسائلين عن مدَّة خَلْق الأرض وما فيها. ولا ضيرَ في
توالي حذفٍ مبتدأين، بناءً على ما آثره الزمخشريُّ في الجارِّ والمجرور قبل(١).
وقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((قَدَّرَ)) السابق، أي: وقدَّر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها
المحتاجين إليها من المقتاتين. وقيل: متعلِّقٌ بمقدَّرٍ هو حالٌ من الأقوات. والكلُّ
لا يستقيم إلا على ما آثره الزجَّاج دون ما آثره الزمخشري، لأنَّ الفذلكةَ كما يُعلَم
مما سبق لا تكون إلا بعد تمام الجملتين، فلا يجوز أن تتوسّط بين الجملة الثانية
وبعضٍ متعلَّقاتها .
وقيل: متعلّقٌ بـ ((سواءً)) على أنه حالٌ من الضمير، والمعنى: مستويةً مهيّأةً
للمحتاجين.
أو به على قراءة الرفع وجَعْلِه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو - أي: أمرُ هذه
المخلوقات ونفعُها - مستوٍ مهيأً للمحتاجين إليه من البشر. وهو كما ترى.
﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى التَّمَاءِ﴾ أي: قصد إليها وتوجَّه دون إرادة تأثيرٍ في غيرها، من
قولهم: استوى إلى مكانٍ كذا، إذا توجَّه إليه لا يَلْوي على غيره.
(١) سلف ص ١٤٠.

الآية : ١١
١٤٣
سُوَلاَ فُضْلَنْ
وذكر الراغب(١) أنَّ الاستواءَ متى عُدِّي بـ ((على)) فبمعنى الاستيلاء كقوله
تعالى: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وإذا عدِّي بـ ((إلى)) فبمعنى الانتهاء إلى
الشيء، إما بالذات أو بالتدبير، وعلى الثاني قوله تعالى: (ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَى التَّمَآِ) الآية.
وكلام السلف في الاستواء مشهورٌ، وقد ذكرنا فيما سلف طرفاً منه. ويُشعِر
ظاهرُ كلام البعض أنَّ في الكلام مضافاً محذوفاً، أي: ثم استوى إلى خلق
السماء.
﴿وَهِىَ دُنَانٌ﴾ أمرٌ ظُلمانِيٌّ، ولعلَّه أريد به مادَّتُها التي منها ترَّبت، وأنا لا أقول
بالجواهر الفردة لقوَّة الأدلة على نفيها، ولا يلزم من ذلك محذورٌ أصلاً كما لا يخفى
على الذكيِّ المُنصِف.
وقيل: إنَّ عرشَه تعالى كان قبل خَلْق السماوات والأرض على الماء،
فأحدث الله تعالى في الماء سخونةً فارتفع زَبَدٌ ودخانٌ، فأمَّا الزَّبَد فبقي على وجه
الماء، فخلق الله تعالى فيه اليبوسةَ وأحدث سبحانه منه الأرضَ، وأما الدخانُ
فارتفع وعلا فخلق الله تعالى منه السماوات.
وقيل: كان هناك ياقوتةٌ حمراء فنظر سبحانه إليها بعين الجلال فذابت وصارت
ماءً، فأَزْبَد وارتفع منه دخانٌ فكان ما كان.
وأيًّا ما كان فليس الدخانُ كائناً من النار التي هي إحدى العناصر؛ لأنها من
توابعٍ الأرض ولم تكن موجودة إذ ذاك على قولٍ، كما ستعرف إن شاء الله تعالى،
وعلى القول بالوجود لم يذهب أحدٌ إلى تكوُّنِ ذلك من تلك النار، والحقُّ الذي
ينبغي أن لا يُلتَفت إلى ما سواه أنَّ كرة النار التي يزعمها الفلاسفة المتقدِّمون
ووافقهم كثيرٌ من الناس عليها ليست بموجودة، ولا توقُّفَ لحدوث الشُّهُب على
وجودها، کما یظهر لذي ذهنٍ ثاقبٍ.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْيَا﴾، بما خلقتُ فيكما من المنافع، فليس المعنى على إتيانِ
ذاتهما وإيجادهما، بل إتيانِ ما فيهما مما ذُكر بمعنى إظهارِه والأمر للتسخير، قيل:
(١) في المفردات (سوا).

سُؤَةُ فُضْلَتْ
١٤٤
الآية : ١١
ولا بدَّ على هذا أن يكون المترتِّبُ بعدُ(١) جَعْلَ السماوات سبعاً أو مضمون مجموع
الجمل المذكورة بعد الفاء، وإلا فالأمرُ بالإتيان بهذا المعنى مترتِّبٌ على خلق
الأرض والسماء.
وقال بعض: الكلامُ على التقديم والتأخير، والأصل: ثم استوى إلى السماء
وهي دخان فقضاهنَّ سبعَ سماوات .. إلخ، فقال لها وللأرض: انتيا .. إلخ. وهو
أبعدُ عن القيل والقال، إلا أنه خلافُ الظاهر.
أو: كُونا واحْدُثا على وجهٍ معيَّن وفي وقتٍ مقدَّرٍ لكلِّ منكما. فالمراد إتيانُ
ذاتهما وإيجادُهما، فالأمر للتكوين على أنَّ ((خَلَقَ)) و((جَعَلَ)) و((بارَكَ)) و((قَدَّر))
بالمعنى الذي حكيناه عن ((إرشاد العقل السليم))، ويكون هذا شروعاً في بيان كيفية
التكوين إثرَ بيان كيفية التقدير.
ولعلَّ تخصيصَ البيان بما يتعلَّق بالأرض وما فيها لِما أنَّ بيانَ اعتنائه تعالى بأمر
المخاطَبين وترتيبٍ مبادي معايشهم قبلَ خلقهم مما يحمِلهم على الإيمان ويزجُرهم
عن الكفر والطغيان.
وخُصَّ الاستواءُ بالسماء مع أنَّ الخطاب المترتّبَ عليه متوجّةٌ إليهما معاً اكتفاءً
بذكر تقدير الأرض وتقديرٍ ما فيها، كأنه قيل: فقيل لها وللأرض التي قُدِّر وجودُها
ووجودُ ما فيها: كُونا واحْدُثا.
وهذا الوجه (٢) هو الذي قدَّمه صاحبُ ((الإرشاد)» - وذَكَرِه غيرُه احتمالاً - وجَعَلَ
الأمرَ عبارةً عن تعلُّق إرادته تعالى بوجودهما تعلُّقاً فعليًّا بطريق التمثيل، من غير أن
يكونَ هناك آمرٌ ومأمورٌ كما قيل في قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ [البقرة: ١١٧]. وقوله
تعالى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ تمثيلاً لتحتُّم تأثيرٍ قدرته تعالى فيهما واستحالةِ امتناعهما
من ذلك، لا إثباتِ الطوع والكُره لهما، وهما مصدران وَقَعا موقع الحال، أي:
طائعتين أو كارهتين.
(١) يعني في قوله: ((فقضاهن)) إلخ. ينظر حاشية الشهاب ٣٩١/٧.
(٢) يعني كون ((ائتيا)» بمعنى: كونا واحدثا ...

الآية : ١٢
١٤٥
سُورَةٌ فُضَّلَتْ
وقولَه تعالى(١): ﴿قَالَتَآَ أَثْنَا طَابِعِينَ ﴾﴾ أي: منقادين، تمثيلاً لكمال تأثّرهما
عن القدرة الربانية وحصولهما كما أُمِرا به، وتصويراً لكون وجودهما كما هما عليه
جارياً على مقتضى الحكمة البالغة، فإنَّ الطوعَ مُنبئٌ عن ذلك والكره مُوهِمٌ لخلافه.
وقيل: ((طائعين)) - بجمع المذكَّر السالم مع اختصاصه بالعقلاء - باعتبار كونهما في
معرض الخطاب والجواب، ولا وجه للتأنيث عند إخبارهم عن أنفسهم؛ لكون
التأنيث بحسب اللفظ فقط.
وقولَه تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ تفسيراً وتفصيلاً لتكوين السماء
المجمَل المعبّر عنه بالأمر وجوابه، لا أنه فعلٌ مترتِّبٌ على تكوينهما، أي: خلقهنَّ
خَلْقاً إبداعيًّا وأتقن أمرَهنَّ حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ في وقتين(٢).
وضميرُ ((هُنَّ)) إما للسماء على المعنى؛ لأنه بمعنى السماوات، ولذا قيل: هو
اسم جمع، فـ ((سَبْع)) حالٌ من الضمير. وإما مبهمٌ يفسِّره ما بعده على أنه تمییزٌ،
فهو له وإن تأخّر لفظاً ورتبةً؛ لجوازه في التمييز نحو: رُبَّه رَجُلاً. وهو وجهٌ عربي.
وقال أبو حيان: انتصب ((سَبْع)) على الحال(٣). وهو حالٌ مقدَّرة. وقال
بعضهم: بدلٌ من الضمير. وقيل: مفعولٌ به، والتقدير: قَضَى منهنَّ سبعَ سماوات.
وقال الحوفي: على أنَّه مفعولٌ ثانٍ، على تضمين القضاء معنى التصيير (٤).
ولم يذكر مقدار زمن خَلْقِ الأرض وخَلْقِ ما فيها اكتفاءً بذكره في بيان تقديرهما .
وقولَه تعالى(٥): ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَاٍ أَمْرَهَا﴾ عطفاً على ((قَضاهُنَّ)) أي: خَلَق في
كلٍّ منها ما استعدَّت له واقتضت الحكمةُ أن يكونَ فيها من الملائكة والنَيِّرات وغير
ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما يقتضيه كلامُ السديِّ وقتادة، فالوخيُ عبارةٌ عن
التكوين كالأمر مقيَّدٌ بما قُيِّد به المعطوفُ عليه من الوقت، أو: أوحى إلى أهلِ كلِّ
(١) أي: وجَعَل صاحبُ الإرشاد قولَه تعالى ... إلخ، وكذا فيما سيأتي من كلام.
(٢) إرشاد العقل السليم ٥/٨.
(٣) البحر ٤٨٨/٧.
(٤) المصدر السابق.
(٥) عطف على ما قبله من كلام صاحب الإرشاد.

سُورَةٌ فُضِلَتْ
١٤٦
الآية : ١٢
منها أوامِرَه وكلَّفهم ما يليق بهم من التكاليف كما قيل، فالوحي بمعناه المشهور من
بين معانيه، ومطلَقٌ عن القيد المذكور(١)، أو مقيّدٌ به فيما أرى.
واحتمالُ التقييد والإطلاق جارٍ في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾
أي: من الكواكب، وهي فيها وإن تفاوتت في الارتفاع والانخفاض على ما يقتضيه
الظاهرُ. أو بعضُها فيها وبعضها فيما فوقها، لكنَّها لكونها كلِّها تُرى متلألئةً عليها
صحَّ كونُ تزيينها بها، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية.
وأما قوله تعالى: ﴿وَحِفْظَاْ﴾ فهو مفعولٌ مطلقٌ لفعل مقدَّرٍ معطوفٍ على قوله
تعالى: (وَزَيًَّا) أي: وحفظناها حفظاً، والضميرُ للسماء، وحفظُها إما من الآفات،
أو من الشياطين المستَرِقة للسمع، وتقدَّم الكلامُ في ذلك. وقيل: الضمير
للمصابيح. وهو خلافُ الظاهر.
وجوِّز كونُه مفعولاً لأجله على المعنى، أي: معطوفاً على مفعولٍ له يتضمَّنه
الكلامُ السابق، أي: زينةً وحفظاً. ولا يخفى أنه تكلُّفٌ بعيدٌ لا ينبغي القولُ به مع
ظهور الأول وسهولته كما أشار إليه في ((البحر))(٢).
وجَّعَل (٣) قولَه تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً إلى جميع الذي ذُكر بتفاصيله، أي: ذلك
المذكور ﴿تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ أي: البالغ في القدرة والبالغ في العلم.
ثم قال صاحب ((الإرشاد)» بعد ما سمعتَ مما حُكي عنه: فعلى هذا لا دلالةَ
في الآية الكريمة على الترتيب بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء، وإنما الترتيبُ بين
التقدير، أي: تقدير إيجاد الأرض وما فيها وإيجاد السماء، وأما على تقدير كون
الخلق وما ◌ُطِف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة فهي تدلُّ على تقدُّم
خَلْق الأرض وما فيها، وعليه إطباق أكثر أهل التفسير (٤).
ولا يخفى عليك أنَّ حملَ تلك الأفعال على ما حَمَلَها عليه خلافُ الظاهر
(١) إرشاد العقل السليم ٥/٨-٦.
(٢) ٤٨٨/٧.
(٣) أي: أبو السعود في الإرشاد ٨/ ٧.
(٤) إرشاد العقل السليم ٨/ ٦.

الآية : ١٢
١٤٧
سُورَةُ فُصِّلَتْ
كما هو مقرٌّ به، وعدم التعرُّض لخلق الأرض وما فيها بالفعل كما تُعرِّض لخلق
السماوات كذلك لا يلائم دعوى الاعتناء التي أشار إليها في بيان وجه تخصيص
البيان بما يتعلَّق بالأرض وما فيها، على أنَّ خلْقَ ما فيها بالفعل غيرُ ظاهر من قوله
تعالى: (فَقَالَ لَا وَلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ أَنَيْنَا طَآئِينَ)، لاسيما وقد ذُكرت
الأرضُ قَبْلُ مستقلّة وذُكر ما فيها مستقلًا، فلا يتبادر من الأرض هنا إلا تلك
الأرض المستقلَّة، لا هي مع ما فيها. وأمرٌ تقدُّم خَلْق الأرض وتأخّرِه سيأتي إن
شاء الله تعالى الكلام فيه.
وقيل: إنَّ إتيانَ السماء حدوثُها، وإتيانَ الأرض أن تصيرَ مدحوَّةً. وفيه جمعٌ
بين معنيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، حيث شبّه البُرُوزَ من العدم وبَسْطَ الأرض وتمهيدَها بالإتيان
من مكان آخر، وفي صحة الجمع بينهما كلامٌ، على أنَّ في كون الدخْوِ مؤخّراً عن
جعل الرواسي كلاماً أيضاً ستعْرِفه إن شاء الله تعالى.
وقيل: المراد: لِتأتِ كلٌّ منكما الأخرى في حدوث ما أرِيدَ توليدُه منكما. وأيِّد
بقراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد: ((آتِيا))، و ((قالتا آتَيْنا)»(١) على أنَّ ذلك من
المواتاة بمعنى الموافقة، قال الجوهريُّ: تقول: آتيتُه على ذلك الأمر مواتاةً: إذا
وافقتَه وطاوعته(٢)؛ لأنَّ المتوافقَيْنِ يأتي كلٌّ منهما صاحبه، وجُعِلَ ذلك من المجاز
المُرْسَل وعلاقتُه اللزوم.
وقال ابن جني(٣): هي المسارعة، وهو حَسَنٌّ أيضاً.
ولم يجعله أكثر الأجلة من الإيتاء لأنه غيرُ لائح، وجعله ابن عطية منه وقدَّر
المفعولَ، أي: أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردتُه منكما(٤). وما تقدَّم أحسن،
وما أسلفناه في أول الأَوْجُه من الكلام يأتي نحوه هنا كما لا يخفى.
واختلف الناسُ في أمر التقدُّم والتأّر في خلق كلٍّ من السماوات وما فيها
(١) المحتسب ٢٤٥/٢، والمحرر الوجيز ٧/٥، والبحر ٤٨٧/٧ .
(٢) الصحاح (أتي).
(٣) في المحتسب ٢٤٥/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٧/٥.

سُورَةُ فُضْلَنْ
١٤٨
الآية : ١٢
والأرض وما فيها، وذلك للآيات والأحاديث التي ظاهرُها التعارضُ، فذهب بعضٌ
إلى تقدُّم خلق الأرض؛ لظاهر هذه الآية حيث ذكر فيها أوَّلاً خلْقَ الأرض وجعْلَ
الرواسي فيها وتقديرَ الأقوات، ثم قال سبحانه: ((ثم استوى إلى السماء» إلخ، وأَبَى
أن يكونَ الأمرُ بالإتيان للأرض أمرَ تكوينٍ، ولظاهر قوله تعالى في آية البقرة: ﴿خَلَقَ
لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٩].
وأَوَّلَ آية ((النازعات))، أعني قوله تعالى: ﴿مَأَثُ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ اُلَّمَاءُ بَهَا (َ رَفَعَ
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ شُعَنَهَا
سَمْكَهَا فَسَوَّمُهَا
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا (٣) أَخْرَجَ مِنْهَا مَهَا
٢٩
وَمَنْعَنهَا
وَالْجِبَالَ أَرْسَنَهَا ﴿ مَنَفًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ﴾ [النازعات: ٢٧-٣٣] لِما أنَّ ظاهرَه
يدلُّ على تأخّرٍ خلق الأرض وما فيها من الماء والمرعى والجبال؛ لأنَّ ذلك إشارةٌ
إلى السابق وهو رفعُ السَّمْك والتسوية، و((الأرضَ)) منصوبٌ بمضمر على شريطة
التفسير، أي: ودَحا الأرضَ بعدَ رفع السماء وتسويتها دَحاها .. إلخ = بأن الأرضَ
منصوبٌ بمضمر نحو: تذكَّرْ وتدبّرْ، أو: اذْكُر الأرضَ بعد ذلك. لا بمضمر على
شريطة التفسير، أو به(١) و(بعد ذلك)) إشارةٌ إلى المذكور سابقاً من ذكرِ خلْقِ السماء
لا خَلْقِ السماء نفِسه؛ ليدلَّ على أنَّه متأخِّر في الذكر عن خلق السماء تنبيهاً على أنَّه
قاصرٌ في الأول، لكنه تتميمٌ، كما تقول جُمَلاً ثم تقول: بعد ذلك كيت وكيت،
وهذا كثيرٌ في استعمال العرب والعجم، وكأنَّ ((بعد ذلك)) بهذا المعنى عكسه إذا
استُعْمِل لتراخي الرتبة والتعظيم، وقد تستعمل ((ثم)) أيضاً بهذا المعنى وكذا الفاء.
وبعضهم يذهب في الجواب إلى ما قاله ابن عباس؛ فقد روى الحاكم والبيهقيُّ
بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﴿ّها فقال: رأيتُ
أشياءَ تختلف عليَّ في القرآن. قال: هاتِ ما اختلف عليك من ذلك. فقال:
أسمَعُ الله تعالى يقول: (أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ) حتى بلغ: (طَآيِعِينَ) فبدأ
بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء، ثم قال سبحانه في الآية الأخرى:
(أَمِ التَّمَاءُ بَهَا) ثم قال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَئُهَا) فبدأ جلَّ شأنه بخلق السماء قبل خلق
الأرض؟ فقال ابن عباس ها: أما خلقُ الأرض في يومين فإنَّ الأرض خُلِقت قبلَ
(١) أي: أو بمضمر على شريطة التفسير. ينظر ما سيرد عند تفسير الآية (٣٠) من سورة النازعات.

الآية : ١٢
١٤٩
سُورَةٌ فُضَّلَتْ
السماء، وكانت السماءُ دخاناً فسواهنَّ سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض،
وأما قولُه تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَاً) يقول: جعل فيها جَبَلاً، وجعل فيها نهراً،
وجعل فيها شجراً، وجعل فيها بحوراً (١). انتهى.
قال الخفاجي: يعني أنَّ قولَه تعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ
لـ ((دحاها)) بمعنى بسطها، مبيِّنٌ للمراد منه، فيكون تأخّرُها في هذه الآية ليس بمعنى
تأخّرٍ ذاتها، بل بمعنى تأخّرٍ خَلْقِ ما فيها وتكميلِه وترتيبِهِ، بل خَلْق التمتُّعِ والانتفاعِ
به، فإنَّ البعديَّةَ كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير وقَيْدِهِ
المذكور، كما لو قلتَ: بعثتُ إليك رسولاً؛ ثم كنتُ بعثتُ فلاناً لينظر ما يُبلِّغه.
فَبَعْثُ الثاني وإن تقدَّم لكن ما بُعِث لأجله متأخِّرٌ عنه، فجُعِلَ نفسُه متأخِّراً.
فإن قلت: كيف هذا مع ما رواه ابن جرير وغيره وصحّحوه عن ابن عباس أيضاً
أنَّ اليهودَ أتت النبيَّ وَّر فسألته عن خَلْقِ السماوات والأرض، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((خلق الله تعالى الأرضَ يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبالَ وما فيهنَّ من
المنافع يومَ الثلاثاء، وخلق يومَ الأربعاء الشجرَ والماءَ والمدائنَ والعُمرانَ
والخرابَ، فهذه أربعة، فقال تعالى: (أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ
وَتَحْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادَأْ ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَّكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا
فِيَّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ لِلِسَّيِلِينَ)، وخَلَق يومَ الخميس السماءَ، وخلق يومَ الجمعة النجومَ
والشمسَ والقمرَ والملائكة))(٢). فإنَّه يخالِفِ الأوَّلَ لاقتضائه خَلْقَ ما في الأرض
من الأشجار والأنهار ونحوِها قبلَ خلق السماء.
قلت: الظاهر حملُه على أنَّه خلق فيما ذُكر مادةَ ذلك وأصولَه؛ إذ لا يُتصوَّر
(١) المستدرك ٣٩٤/٢-٣٩٥، والأسماء والصفات (٨٠٩)، وأخرجه أيضاً البخاري بعد
الحديث رقم (٤٨١٥). وهو حديث طويل، ولم يرد موضع الشاهد في المستدرك.
(٢) تفسير الطبري ٣٨٢/٢٠-٣٨٣، وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢١/٣، وأبو الشيخ
في العظمة (٨٨١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٤٣، وصححه. وفيه أبو سعد البقال، قال
الذهبي في التلخيص: قال ابن معين: لا يكتب حديثه. اهـ. وفي تهذيب الكمال ٥٥/١١ :
وقال البخاري: منكر الحديث. وتحرف ((أبو سعد)) في المستدرك والتلخيص إلى:
أبي سعيد. ينظر تهذيب الكمال ٥٢/١١.

سُؤَةُ فُضَّلَتْ
١٥٠
الآية : ١٢
العمرانُ والخرابُ قبل خلق السماء، فعطفه عليه قرينة لذلك، فلا تعارُضَ بين
الحديثين، كما أنه ليس بين الآيات اختلافٌ(١). انتهى كلام الخفاجي.
ولا يخفى أنَّ قولَ ابن عباس السابقَ نصَّ في أنَّ جعلَ الجبال في الأرض بعد
خلق السماء، وهو ظاهرُ آية ((النازعات))، إذا كان ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النازعات: ٣٠]
معتبراً في قوله تعالى: ﴿وَلِبَالَ أَرْسَنَهَا﴾ [النازعات: ٣٢]، وآيةٌ ((حم السجدة)) ظاهرةٌ
في أنَّ جعْلَ الجبال قبل خلْقِ السماوات، ثم إنَّ روايةً ابن جرير المذكورة عنه
مخالفةٌ لخبر مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله وَله بيدي فقال: ((خلق الله
تعالى التربةَ يومَ السبت، وخلق فيها الجبالَ يوم الأحد، وخَلَق الشجرَ يومَ
الاثنين، وخَلَقَ المكروهَ يومَ الثلاثاء، وخَلَق النورَ يومَ الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ
يومَ الخميس، وخلق آدمَ بعدَ العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخرِ ساعةٍ
من النهار فيما بين العَصْر إلى الليل))(٢).
واستدلَّ في ((شرح المهذَّب))(٣) بهذا الخبر على أنَّ السبتَ أولُ أيام الأسبوع
دون الأحد، ونقله عن أصحابه الشافعية. وصحَّحه الإسنوي (٤) وابن عساكر، وقال
العلامة ابن حجر: هو الذي عليه الأكثرون، وهو مذهبنا. يعني الشافعيةَ، كما في
(الروضة))، وأصلِها، بل قال السهيليُّ في ((روضه))(٥): لم يقل بأنَّ أوَّلَه الأحدُ
إلا ابن جرير.
وجرى النوويُّ في موضع على ما يقتضي أنَّ أوَّلَه الأحد، فقال: في يوم
الاثنين: سُمِّ به؛ لأنه ثاني الأيام(٦).
وأجيب بأنَّه جرى في توجيه التسمية المُكْتَفَى فيه بأدنى مناسبةٍ على القول
الضعيف.
(١) حاشية الشهاب ١١٥/٢-١١٦.
(٢) صحيح مسلم (٢٧٨٩).
(٣) المجموع ٤٠١/٨-٤٠٢.
(٤) في الكوكب الدري ٢٥٩/١.
(٥) الروض الأنف ١٩٨/٢.
(٦) المجموع ٦/ ٤٤١.

الآية : ١٢
١٥١
سُؤَةٌ فُضْلَنْ
وانتصر القفَّال من الشافعية لكون أوله الأحدَ بأنَّ الخبر المذكور تفرَّد به مسلم،
وقد تكلّم عليه الحفاظ: علي بن المديني والبخاري(١) وغيرهما، وجعلوه من كلام
كعب، وأنَّ أبا هريرة إنَّما سمعه منه، ولكن اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً (٢).
وأجيب بأنَّ مَن حَفِظ الرفعَ حَّةٌ على مَن لم يحفظه، والثقةُ لا يردُّ حديثُه
بمجرَّد الظن، ولأجل ذلك أعرض مسلم عمَّا قاله أولئك واعتمد الرفعَ وخرَّج
طريقه في صحيحه، فوجب قبولها .
وذكر أحمد بن أحمد المقَّري المالكي(٣) أنَّ الإمام أحمد رواه أيضاً في
(مسنده)) عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: شبَّك بيدي أبو القاسم وَلِهِ وقال: ((خَلَقَ اللهُ
تعالى الأرضَ يومَ السَّبْت)) الحديث(٤).
وفي ((الدر المنثور)) عدَّةُ أخبارٍ عن ابن عباس ناطقةٌ بأنَّ مبدأ خلْقِ الأرض كان
يوم الأحد(٥). وفيه أيضاً: أخرج ابن جرير عن أبي بكر رضُبه قال: جاء اليهود إلى
النبيِّ وَّر فقالوا: يا محمد، أخبِرْنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه الأيام
السنة؟ فقال: ((خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبالَ يومَ
الثلاثاء، وخلق المدائنَ والأقواتَ والأنهارَ وعمرانَها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق
السماوات والملائكةَ يوم الخميس إلى ثلاث ساعات - يعني من يوم الجمعة - وخلق
في أول ساعةٍ الآجالَ وفي الثانية الآفةَ، وفي الثالثة آدمَ)). قالوا: صدقتَ إن
(١) في التاريخ الكبير ٤١٣/١-٤١٤. وقال: عن أبي هريرة عن كعب أصح. وينظر كلام
علي بن المديني على هذا الحديث في الأسماء والصفات للبيهقي ٢٥٥/٢.
(٢) ينظر كلام ابن كثير عند تفسير الآية (٢٩) من سورة البقرة.
(٣) لعله أحمد بن محمد بن أحمد المقَّري المالكي أبو العباس، حافظ المغرب، مفسِّر محدِّث،
أديب متكلم، له: إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، وأزهار الرياض في أخبار القاضي
عياض، والدر الثمين في أسماء الهادي الأمين وَل، توفي سنة (١٠٤١ هـ). خلاصة الأثر
٣٠٢/١، وإيضاح المكنون ٦٧/١ وفيه أنه توفي سنة (١٠٤٣ هـ). والمَقَّري. بفتح الميم
وتشديد القاف. نسبة إلى قرية من قرى تلمسان. خلاصة الأثر ٣١١/١.
(٤) مسند أحمد (٨٣٤١)، وفيه: أخذ. بدل: شبك. و: التربة. بدل: الأرض. وأخرجه بلفظ
المصنف الحاكم في معرفة علوم الحديث ص٣٣-٣٤.
(٥) الدر المنثور ٣٦١/٥.

سُؤَدَةُ فُصِّلَتْ
١٥٢
الآية : ١٢
تَمَّمتَ. فعرف النبيُّ وَّ ما يريدون فَغَضِب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَنَا مِن لُغُوبٍ
* فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨-٣٩] (١). واليهود قاطبةً على أنَّ أولَ الأسبوع يوم
الأحد، احتجاجاً بما يسمُّونه التوراةَ، وظاهرة الاشتقاق تقتضي ذلك.
ومَن ذهب إلى أنَّ الأول السبتُ قال: لا حجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ التسميةَ لم تثبت
بأمر من الله تعالى ولا من رسوله وَّله، فلعلَّ اليهودَ وضعوا أسماءَ الأسبوع على
ما يعتقدون فأخذتها العربُ عنهم، ولم يرد في القرآن إلا الجمعةُ والسبتُ، وليسا
من أسماء العدد، على أنَّ هذه التسميةَ لو ثبتت عن العرب لم يكن فيها دليلٌ؛ لأنَّ
العرب تُسمِّي خامسَ الورد ربعاً، وتاسعه عشراً، وهذا هو الذي أخذ منه ابنُ عباس
قولَه الذي كان ينفرد به أنَّ يومَ عاشوراء هو يومُ تاسِع المحرَّم، وتاسوعاء هو يومُ
ثامنِه(٢).
ولا يخفى أنَّ الجواب الأول خارجٌ عن الإنصاف، فلأيام الأسبوع عند العرب
أسماءٌ أُخَر، فيها ما يدلُّ على ذلك أيضاً، وهي: أوَّل، وأهْوَن، وجُبار، ودُبار،
ومُؤنِس، وعَرُوبة، وشِيار(٣)، ولا يَسُوغ لمُنصِفٍ أن يظنَّ أنَّ العربَ تبعوا في ذلك
اليهودَ، وجاء الإسلامُ وأقرَّهم على ذلك، وليت شعري إذا كانت تلك الأسماء
وقعت متابعةً لليهود فما الأسماء الصحيحةُ التي وضعها واضعُ لغةِ العرب غيرَ تابعٍ
فيها لليهود؟! والجوابُ الثاني خلافُ الظاهر جدًّا.
ونقل الواحدي في ((البسيط)) عن مقاتل أنَّ خلْقَ السماء مقدَّمٌ على إيجاد
الأرض، فضلاً عن دحوها. واختاره الإمام(٤)، ونسبه بعضُهم إلى بعض المحقّقين
من المفسِّرين، وأوَّلوا الآيةَ بأنَّ الخلْقَ ليس عبارةً عن التكوين والإيجاد، بل هو
(١) أخرجه الطبري في تاريخه ١/ ٥٠.
(٢) أخرجه مسلم (١١٣٣): (١٣٢) و(١١٣٤): (١٣٣) و(١٣٤). وينظر شرح النووي ١٢/٨.
وقال الأزهري في تهذيب اللغة ١/ ٤١٠: كأنه تأول فيه عِشْرَ الورد أنها تسعة أيام ....
وليس ببعيد من الصواب.
(٣) جمهرة اللغة ٤٨٩/٣، والزاهر ٣٥٦/٢. وقد تدخل ((أل)) على: عروبة.
(٤) في التفسير الكبير ١٠٧/٢٧، وقول الواحدي فيه ١٠٥/٢٧.

الآية : ١٢
١٥٣
سِوَرَةٌ فُضِلَتْ
عبارةٌ عن التقدير، والمرادُ به في حقٌّه تعالى: حكْمُه تعالى أن سَيُوجد، وقضاؤُه عزَّ
وجلَّ بذلك، مثلُه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمَّ خَلَفَهُ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. ولا بدَّ على هذا من تأويل ((جَعَل))
و ((بارَك)) بنحو ما سمعتَ عن ((الإرشاد))(١).
وجوِّز أن يبقى ((خَلَق)) وكذا ما بعده على ما يتبادَرُ منه، ويكون الكلامُ على
إرادة الإرادة كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]. أي: بالذي
أراد خَلْقَ الأرض في يومين، وأراد أن يجعل فيها رواسي. وقالوا: إنَّ ((ثم))
للتفاوت في الرتبة المنزَّلة منزلةَ التراخي الزماني، كما في قوله تعالى: ﴿ثُّ كَانَ مِنَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧] فإنَّ اسم ((كان)) ضميرٌ يرجع إلى فاعلٍ ﴿فَلَا أَقْنَحَمْ﴾ [البلد:
١١]، وهو الإنسان الكافر، وقوله سبحانه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
يَكِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةِ﴾ [البلد: ١٣-١٦] تفسير للعقبة، والترتيبُ
١٤
الظاهريُّ يُوجِب تقديمَ الإيمان عليه، لكن ((ثم)» هنا للتراخي في الرتبة مجازاً.
وفي ((الكشف)): إنَّ ما نقله الواحدي لا إشكالَ فيه، ويتعيَّن ((ثم)) في هذه
السورة و((السجدة))(٢) على تراخي الرتبة، وهو أوفقُ لمشهور قواعدِ الحكماء، لكن
لا يوافِقُ ما جاء مِن أنَّ الابتداء من يوم الأحد كان، وخَلْق السماوات وما فيها من
يوم الخميس والجمعة، وفي آخر يوم الجمعة تمَّ خلْقُ آدَمَ عليه السلام.
وفي ((البحر): الذي نقوله: إنَّ الكفارَ وُبِّخوا وقُرِّعوا بكفرهم بمن صدرت عنه
هذه الأشياء جميعُها من غير ترتيبٍ زمانيٍّ، وإنَّ ((ثم)) لترتيب الإخبار لا لترتيب
الزمان والمهلة، كأنَّه قال سبحانه: بالذي(٣) أخبرهم أنه خَلَق الأرضَ وجَعَل فيها
رواسي وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتَها، ثم أخْبَركم أنه استوى إلى السماء. فلا تعرُّضَ
في الآية لترتيب الوقوع الترتيبَ الزمانيّ، ولَمَّا كان خلْقُ السماء أبدَع في القدرة من
خلق الأرض استُؤنِفَ الإخبارُ فيه بـ ((ثم))، فهي لترتيب الإخبار كما في قوله تعالى:
(١) ينظر ما سلف ص١٣٩.
(٢) يعني سورة البقرة الآية (٢٩) وسورة فصلت. ينظر ما سيرد عن تفسير الآية (٣٠) من النازعات.
(٣) في مطبوع البحر ٤٨٨/٧: فالذي. والكلام في الأصل الخطِّي غير واضح.

سُوَلٌ فُضْلَتْ
١٥٤
الآية : ١٢
﴿ثَُّّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧] بعد قوله سبحانه: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَّبَةَ﴾
[البلد: ١١]. وقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] بعد قوله عزَّ
وجلَّ: ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَثْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ويكون قوله جلَّ شأنه: (فَقَالَ لَّمَا وَلْأَرْضِ)
بعد إخباره تعالى بما أخبر به تصويراً لخلقهما على وفق إرادته تعالى، كقولك:
أرأيتَ الذي أثنيتُ عليه، فقلتُ له: إنك عالمٌ صالح. فهذا تصويرٌ لما أثنيتَ به
وتفسيرٌ له. فكذلك أخبر سبحانه بأنه خَلَق كيت وكيتَ فأوجد ذلك إيجاداً لم
يتخلَّف عن إرادته(١). انتهى.
وظاهرُ ما ذكره في قوله تعالى: ((فقال لها)) إلخ أنَّ القولَ بعد الإيجاد.
وقال بعض الأجلة: يجوز أن يكونَ ذلك للتمثيل أو التخييل للدلالة على أنَّ
السماء والأرض محلا قدرتِه تعالى يتصرَّفُ فيهما كيف يشاء إيجاداً وإكمالاً، ذاتاً
وصفةً، ويكون تمهيداً لقوله سبحانه: (فَقَضَنُهُنَّ) أي: لَمَّا كان الخلْقُ بهذه السهولة
قضى السماوات وأحكم خلقَها في يومينٍ، فيصحُّ هذا القولُ قبلَ كونهما وبعده وفي
أثنائه، إذ ليس الغرضُ دلالةٌ على وقوع.
وذُكِر في نكتة تقديم خَلْق الأرض وما فيها في الذكر هاهنا وفي سورة البقرة
على خَلْقِ السماوات، والعكسٍ في سورة النازعات، أنها يجوزُ أن يكونَ أنَّ المقامَ
في الأولَيَيْن مقامُ الامتنان وتعدادِ النِّعَم، فمقتضاه تقديمُ ما هو أقربُ النِّعَم إلى
المخاطبين، والمقام في الثالثة مقامُ بيانِ كمال القدرة، فمقتضاه تقديمُ ما هو أدلُّ
علی کمالها .
ورُوي عن الحسن أنه تعالى خَلَق الأرضَ في موضع بيت المقدس كهيئة الفِهْر،
عليها دخانٌ ملتَزِقٌ بها، ثم أصعَدَ الدخانَ وخَلَق منه السماوات، وأمسك الفهر في
موضعها وبسط منها الأرضَ، وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَنَا رَتَّقًا فَفَنَقْتَهُمَّاْ﴾ الآية
[الأنبياء: ٣٠](٢).
وجعله بعضُهم دليلاً على تأخّرٍ دَحْوِ الأرض عن خلق السماء، وفي ((الإرشاد)»
(١) البحر المحيط ٤٨٨/٧.
(٢) الكشاف ٢٧١/١، وتفسير أبي السعود ٦/٨.

الآية : ١٢
١٥٥
سُوَّرَةُ فُضَّلَتْ
أنه ليس نصّاً في ذلك، فإنَّ بَسْطَ الأرض معطوفٌ على إصعاد الدخان وخَلْقِ السماء
بالواو، فلا دلالةَ في ذلك على الترتيب قطعاً (١).
وفي ((الكشف)) أنه يدلُّ على أنَّ كونَ السماء دخاناً سابقٌ على دَحْو الأرض
وتسويتها، بل ظاهرُ قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَىّ إِلَى التَّمَِ وَهِىَ دُخَانٌ) يدلُّ على ذلك،
وإيجادُ الجوهرة النورية والنظرُ إليها بعين الجلال المبطن بالرحمة والجمال، وذوبها
وامتيازُ لطيفِها عن كثيفها، وصعودُ المادّةِ الدخانية اللطيفة وبقاءُ الكثيف، هذا كلُّه
سابقٌ على الأيام الستة، وثبت في الخبر الصحيح، ولا ينافي الآيات.
واختار بعضُهم أنَّ خلْقَ المادة البعيدة للسماء والأرض كان في زمانٍ واحد،
وهي الجوهرة النورية أو غيرُها، وكذا فصلُ مادةٍ كلٍّ عن الأخرى وتمييزُها عنها،
أعني: الفتقَ وإخراجَ الأجزاءِ اللطيفة وهي المادة القريبةُ للسماوات، وإبقاءُ الكثيفة
وهي المادة القريبة للأرض، فإنَّ فصلَ اللطيف عن الكثيف يستلزم فصلَ الكثيف
عنه، وبالعكس.
وأما خَلْق كلٍّ على الهيئة التي يشاهَد بها فليس في زمانٍ واحدٍ، بل خلْقُ السماوات
سابقٌ في الزمان على خلق الأرض، ولا ينبغي لأحد أن يرتابَ في تأخّرٍ خلق الأرض
بجميع ما فيها عن خلق السماوات كذلك، ومتى ساغ حملُ ((ثم)) للترتيب في الإخبار
هان أمَرُ ما يُظَنُّ من التعارض في الآيات والأخبار. هذا، والله تعالى أعلم.
ولبعض المتأخّرين في الآية كلامٌ غريبٌ دَفَع به ما يظنُّ من المنافاة بين الآيات
الدالّة على أنَّ خلْقَ السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ
الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِئَةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِن
أُنُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وهذه الآية التي يُخيَّل منها أنَّ خَلْق ذلك في ثمانية أيام، وهو أنَّ
للشيء حكماً من حيث ذاته ونفسه، وحكماً من حيث صفاته وإضافاته ونِسَبه
وروابطه واقتضاءاته ومتمِّماته وسائر ما يضاف إليه، ولكلٍّ من ذلك أجلٌ معدودٌ
(١) تفسير أبي السعود ٦/٨-٧.

سُؤَةٌ فُضَّلَتْ
١٥٦
الآية : ١٢
وحدٌّ محدودٌ يُظهِره سبحانه في ذلك بالأزمان الخاصَّة به والأوقات المؤجّلة له،
وهي متفاوتةٌ مختلفة، والله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في حدٍّ ذاتها
في ستة أيام، وذلك عند نشئها في ذاتها مِن خلْقِه سبحانه إياها من البحر الحاصل
من ذوبان الياقوتة الحمراء لَمَّا نَظَر إليها جلَّ شأنه بنظر الهيبة فَتَمَوَّج إلى أن حصل
منه الزَّبَدُ وثار الدخانُ، فخلق السماءَ من الدخان، والأرضَ من الزبد، والنجومَ من
الشعلات المستجنَّةِ في زبد البحر، والنارَ والهواءَ والماءَ من جسمِ أكثفَ من
الدخان وألطفَ من الزبد.
والسماءُ حقيقةٌ وحدانيةٌ في ذاتها ولها صلاحيةُ التعدُّد والكثرة على حسب بُدُوِّ
شأنها في علم الغيب، فتعيُّنُها بالسبعة على الجهة الخاصَّة ووقوع كلِّ سماءٍ في
محلّها الخاصِّ مترتِّباً عليها حكمٌ خاصٌّ يحتاجُ إلى جَعْلٍ غيرِ جعلها في نفسها،
وهو المسمَّى بالقَدَر وتعيينِ الحدود التي هي الهندسة الإيجادية، وهذا الجعلُ متفرٌِّ
على الخلق ونحوُه غير نحوِه قطعاً كما يُشعِر به قولُه تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَذَّرَهُ
نَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]، وقد يسمَّى بالتسوية وبالقضاء أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله تعالى هنا: (ثُمَّ أُسْتَوَى
إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ) إلى قوله سبحانه: (فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ).
وأما تقديرُ أقواتِ الأرض وجعل الرواسي وإعطاء البركة وتوليدُ المتولِّدات فلها
أيامٌّ معدوداتٌ وحدودٌ محدوداتٌ لا تدخل في أيام خلْق السماوات والأرض؛ لأنَّها
لإيجادِ أنفسها. فالأيام الأربعة المذكورة في الآية إنما هي لجعل الرواسي وتقدير
الأقوات وإحداثٍ البركة، وليست من تلك الستة، وكذلك اليومان اللذان لتسوية
السماء وقضائها سبعَ سماواتٍ خارجان عنها، فليس في الآية التي الكلامُ فيها
سوى أنَّ خلْقَ الأرضِ كان في يومين، وأما خلْقُ السماوات وما بينهما وبين
الأرض فلم يُذكَر في الآية مدَّةٌ له، وإنما ذُكِر مدَّةُ قضاء السماوات وهو غيرُ
خلْقِها، ومدةُ جَعْل الرواسي وتقديرِ الأقوات وإحداث البركة، وذلك غيرُ خلْقِ
الأرض وما بينها وبين السماء، فلا تنافي بينها وبين الآيات الدالة على أنَّ خلْقَ
السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.

الآية : ١٢
١٥٧
سُؤَةٌ فُضِلَتْ
ولا يعكِّر على ذلك ما روي عن الصادق ((أنَّ الله سبحانه خَلَق في يوم الأحد
والاثنين الأرَضين، وخلق أقواتَها في يوم الثلاثاء، وخَلَق السماوات في يوم
الأربعاء ويوم الخميس، وخَلَق أقواتَها يومَ الجمعة، وذلك قولُ الله سبحانه: ﴿خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤](١). لأنَّه بعدَ تسليم صحته،
المذكورُ فيه أنَّ الأقوات قد خُلِقت في يومين لا أنَّها قدِّرت، وبينَ الخلق والتقدير
بونٌ بعيد؛ فخلْقُ الأقوات عبارةٌ عن إيجاد ذاتياتها وموادِّها وعللها وأسبابها، فإذا
وُجدت قدِّرت وفُصِّلت على الأطوار المعلومة، فلا إشكال.
والعَجَب ممن استشكل هذا المقام، كيف لم ينظُر في مدلولات الألفاظ الإلهية
بحسب القواعد القرآنية واللغوية فاحتاج في حلِّه إلى تكلَّفات أمورٍ خفية وارتكاب
توجيهات غير مرضيّة.
ثم إنَّ هذا البعضَ ذكر لليوم ما يزيد على ستين إطلاقاً منها المرتبةُ، ونَقَل هذا عن
شيخه، ورأيتُه في بعض الكتب لغيره، وجَوَّز إرادته في الآية، وكذا جوَّز إرادةً غيره من
الإطلاقات، وذكر سرَّ كونٍ خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأطال الكلام في
هذا المقام، وكان ذلك ضمْنَ رسالةٍ أَلَّفها حينَ طلبتُ منه جواباً عما يظنُّ من المنافاة
غيرَ ما ذكروه من الجواب عن ذلك؛ ومن وَقَف على تلك الرسالة سمع منها قَعْقَعَةً
بلا سلاح، وأحسّ بطيران في جَوِّ ما يزعمه تحقيقاً بلا جناح، فكم فيها من قولٍ لا سندَ
له، ومدَّعَى لم يُورَد دليلُه، فعليك بالتأمُّل التامِّ فيما ذكره المفسِّرون وما ذكره هذا
الرجلُ من الكلام، ولا تك للإنصاف مُجانباً وللتعصُّب مصاحِباً، والله تعالى الموفِّق.
وما تقدَّم من حَمْل قوله تعالى: (قَالَتَآ أَنْنَا طَآَيِعِينَ) على التمثيل، هو ما ذهب
إليه جماعةٌ من المفسّرين، وقالت طائفة: إنَّهما نَطَقَتا نُطقاً حقيقيًّا وجعل الله تعالى
لهما حياةً وإدراكاً، قال ابن عطية: وهذا أحسن؛ لأنه لا شيء يدفعه، وأنَّ العبرةَ
فيه أتمُّ والقدرة فيه أظهر(٢) .
(١) لم نقف عليه هكذا، وأخرجه الطبري في التفسير ١/ ٤٦٤-٤٦٥ عن عبد الله بن سلام
بنحوه.
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٧.

سُؤَةُ فُضِلَنْ
١٥٨
الآية : ١٣ - ١٤
ولا يخفى أنَّ المعنى الأول أبلغ، ومن ذهب إلى أنَّ للجمادات إدراكاً لائقاً
بها قال بظاهر الآية ولعلَّها إحدى أدلَّته على ذلك.
وذكر بعضُهم في قوله سبحانه: (وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا) أنه سبحانه خصَّ كلَّ
سماءٍ بما ميَّزها عن السماء الأخرى من الذاتيَّات وجعل ذلك وجهاً في جمع
السماوات وإفراد الأرض.
وقرأ الأعمش: ((أو كُرْهاً)) بضمِّ الكاف. قال أبو حيان: والأصحُّ أنها لغةٌ في
الإكراه على الشيء، والأكثرُ على أنَّ الكُرْهَ بالضمِّ معناه المشقَّةِ(١).
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ متصلٌ بقوله تعالى: ((قل أتنكم)) إلخ، أي: فإن أعرضوا عن
التدبُّر فيما ذُكر من عظائم الأمور الداعية إلى الإيمان، أو: عن الإيمان بعد هذا
البيان ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿أَنْذَرْتُّكُمْ﴾ أي: أُنذِركم، وصيغةُ الماضي للدلالة على تحقُّق
الإنذار المنبئ عن تحقّق المنذَر ﴿صَعِقَّةُ مِثْلَ صَحِقَّةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ أي: عذاباً مثلَ
عذابهم، قاله قتادة، وهو ظاهرٌ على القول بأنَّ الصاعقةَ تأتي في اللغة بمعنى
العذاب، ومنع ذلك بعضُهم وجَعَل ما ذُكِر مجازاً، والمراد: عذاباً شديدَ الوقع كأنه
صاعقةٌ مثل صاعقتهم. وأيًّا ما كان فالمراد: أعلمتُكم حلولَ صاعقةٍ.
وقرأ ابن الزبير والسلمي وابن محيصن: ((صَعْقَةً مثلَ صَعْقَة)) بغير ألفٍ فيهما
وسكونِ العين(٢)، وهي المرَّة من الصعْق أو الصعَق، ويقال: صَعَقَتْه الصاعقةُ صَعْقاً
فصَعِقِ صَعَقاً بالفتح، أي: هَلَكَ بالصاعقة المصيبة له.
﴿إِذَّ بَآَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ أي: جاءت عاداً وثمودَ، ففيه إطلاقُ الجمع على الاثنين
وهو شائعٌ، وكذا ((الرُّسُل)). وقيل: يحتمل أن يراد به ما يعمُّ رسولَ الرسول. وجوِّز
في الأول أن يكون باعتبار أفراد القبيلتين.
وذكروا في ((إذْ)) أَوْجُهاً من الإعراب:
الأول: أنه ظرفٌ لـ ((أَنْذَرْتُكُم)).
(١) البحر ٤٨٧/٧، وقراءة الأعمش فيه.
(٢) المحرر الوجيز ٨/٥، والبحر ٤٨٩/٧.

الآية : ١٤
١٥٩
سُؤَدَةٌ فُضْلَنْ
الثاني: أنه صفةٌ لـ ((صاعقة)) الأولى.
وأُورِد عليهما لزومُ كون إنذاره عليه الصلاة والسلام والصاعقةِ التي أُنذَرَ بها
واقِعَيْنِ في وقتٍ مجيء الرُّسُل عاداً وثمود، وليس كذلك.
الثالث: أنه صفةٌ لـ ((صاعقة)) الثانية. وتعقِّب بأنه يلزَمُ عليه حذفُ الموصول مع
بعض صلته، وهو غيرُ جائز عند البصريين، أو وصفُ المعرفة بالنكرة.
الرابع واختاره أبو حيان(١): أنه معمولٌ لـ ((صاعقة عاد وثمود)) بناءً على أنَّ
المرادَ بها العذابُ، وإلا فهي بالمعنى المعروف جثةٌ لا يتعلَّق بها الظرفُ. وفيه
شيء لا يخفى.
الخامس واختاره غير واحد: أنه حالٌ منها؛ لأنها معرفةٌ بالإضافة.
وبعضُهم يجوِّز كونه حالاً من الأولى أيضاً لتخصُّصِها بالوصف بالمتخصص
بالإضافة، فتكون الأوجُه ستةً.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ((جاءتهم))، والضمير
المضافُ إليه لـ ((عاد وثمود)»، والجهتان كنايةٌ عن جميع الجهات على ما عُرف في
مثله، أي: أتتهم الرسل من جميع جهاتهم، والمراد بإتيانهم من جميع الجهات بذلُ
الوسع في دعوتهم على طريق الكناية. ويجوز أن يراد بما بين أيديهم الزمن
الماضي، وبما خلفهم المستقبل، وبالعكس، واستعير فيه ظرفُ المكان للزمان،
والمراد: جاؤوهم بالإنذار عمَّا جرى على أمثالهم الكَفَرة في الماضي، وبالتحذير
عمَّا سيحيق بهم في الآخرة. ورُوي هذا عن الحسن.
وجُوِّز كون الضمير المضاف إليه للرسل، والمراد: جاءتهم الرسلُ المتقدِّمون
والمتأخّرون، على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحقِّ منزلةً مجيء أنفسهم،
فإنَّ هوداً وصالحاً كانا داعيَيْنِ لهم إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء مِن
بين أيديهم وممن يجيء من خلفهم، فكأنَّ الرسلَ قد جاؤوهم وخاطبوهم بقوله
(١) في البحر ٧ /٤٨٩ .

سُؤَدَّةُ فُضْلَنْ
١٦٠
الآية : ١٤
تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوّأْ إِلَّا اللَّهَ﴾. ورُوي هذا الوجه عن ابن عباس والضحاك(١)، وإليه
ذهب الفراء (٢).
ونصَّ بعض الأجلَّة على أنَّ ((من بين أيديهم)) عليه حالٌ من ((الرسل)) لا متعلّق
بـ ((جاءتهم))، وجمعُ الرسل عليه ظاهرٌ.
وقيل: يحتمل أن يكونَ كونُ الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم كنايةً عن
الكثرة، كقوله تعالى: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: ١١٢].
وقال الطبري(٣): الضمير في قوله تعالى: ((من بين أيديهم)) لعاد وثمود وفي
قوله تعالى: ((ومن خلفهم)) للرسل.
وتعقَّبه في ((البحر))(٤) بأنَّ فيه خروجاً عن الظاهر في تفريق الضمائر وتعمية
المعنى، إذ يصير التقديرُ: جاءتهم الرسل من بين أيديهم وجاءتهم من خلف
الرسل، أي: من خلف أنفسهم، وهذا معنّى لا يتعقَّل إلا إن كان الضميرُ عائداً في
((من خلفهم)) على الرسل لفظاً، وهو عائدٌ على رُسُلٍ آخَرين معنّى، فكأنه قيل:
جاءتهم الرسلُ من بين أيديهم ومن خلف رسل آخرين، فيكون كقولهم: عندي
درهم ونصفه، أي: ونصفُ درهم آخر. وبُعدُه لا يخفى.
وخُصَّ بالذكر من الأمم المهلكة عادٌ وثمود لعلم قريش بحالهما ولوقوفهم على
بلادهم في اليمن والحِجْر.
و((أن)) يصحُّ أن تكونَ مفسِّرة لمجيء الرسل؛ لأنَّه بالوحي وبالشرائع فيتضمّن
معنى القول، و((لا)) ناهيةٌ، وأن تكونَ مصدريةً و ((لا)) ناهيةٌ أيضاً. والمصدرية قد
توصل بالنهي كما توصل بالأمر على كلام فيه.
وجعل الحوفي ((لا)) نافيةً و((أن)) ناصبة للفعل(٥).
(١) تفسير الطبري ٣٩٦/٢٠، والبحر ٤٩٩/٧ .
(٢) في معاني القرآن ١٣/٣.
(٣) في تفسيره ٣٩٥/٢٠-٣٩٦.
(٤) ٤٨٩/٧ .
(٥) البحر ٤٨٩/٧ .