النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٨٥ ١٢١ سُوَلاَ غَافِلٍ ﴿فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنًا﴾ أي: عندَ رؤية عذابِنا؛ لأنَّ الحكمةَ الإلهيةَ قَضَتْ أن لا يُقْبلَ مثلُ ذلك الإيمان، و((إيمانهم)) رُفِع بـ ((يك)) اسماً لها، أو فاعلُ (ينفعهم)) وفي ((يك)) ضميرُ الشأن، على الخلافِ الذي في: كان يقومُ زيدٌ. ودخل حرفُ النفْي على الكون لا على النفع لإفادةِ معنَى نفْي الصحة، فكأنَّه لم يصحَّ ولم يستقم حكمةُ نفْعِ إِيمانِهم إياهم عندَ رؤيةِ العذاب. وهاهنا أربعة فاءات: فاءُ: ((فما أغنى))، وفاءُ: ((فلما جاءتهم))، وفاء: ((فلمَّا رأوا))، وفاء: ((فلم يك))، فالفاءُ الأولى مثلُها في نحو قولك: رُزق المالَ فمَنَع المعروفَ، فما بعدَها نتيجةٌ مآليةٌ لِما كانوا فيه من التكاثُر بالأموالِ والأولادِ والتمتُّعِ بالحُصون ونحوِها. والثانية تفسيريةٌ مثلُها في قولك: فَلم يُحسِن إلى الفقراء، بعدَ: فَمَنَعَ المعروف، في المثال، فما بعدها إلى قوله تعالى: (وَحَاقَ بِهِم) إيضاحٌ لذلك المجمَلِ، وأنه كيف انتهى بهم الأمرُ إلى عكس ما أمَّلوه، وأنَّهم كيف جَمَعوا واحتَشَدوا وأوسَعُوا في إطفاء نورِ الله، وكيف حاقَ المكرُ السيئُ بأهله، إذ كان في قوله سبحانه: (فَمَآ أَغْفَ عَنْهُمْ) إيماءٌ بأنَّهم زَاوَلوا أن يجعلوها مُغْنِيةً. والثالثةُ للتعقيب، وجَعْلِ ما بعدَها تابعاً لِما قبلَها واقعاً عقيبَه، فـ ((لما رأوا بأسنا)) مترتّبٌ على قوله تعالى: ((فلما جاءتهم)) إلخ تابعٌ له؛ لأنَّه بمنزلةٍ: فَكَفَروا، إلا أنَّ ((فلما جاءتهم)) الآيةَ بيانُ كفرٍ مفصّلٌ مشتملٌ على سوءِ معاملتِهم وكفرانِهم بنعمةِ الله تعالى العظمَى من الكتاب والرسول، فكأنه قيل: فكَفَروا، فلما رَأَوا بأسَنا آمنوا . ومثلها الفاءُ الرابعةُ، فما بعدها عطفٌ على ((آمنوا))؛ دلالةً على أنَّ عدمَ نفعِ إيمانِهم وردَّه عليهم تابعٌ للإيمان عند رؤيةِ العذاب، كأنه قيل: فلمَّا رأوا بأسَنا آمنوا، فلم ينفعُهم إيمانُهم، إذ النافعُ إيمانُ الاختيار. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِةٍ﴾ أي: سنَّ الله تعالى ذلك - أعني عدمَ نفع الإيمان عندَ رؤية البأسِ - سنةٌ ماضيةً في العباد، وهي من المصادرِ المؤكِّدة كـ : سُورَةٌ غَفَاءِ ١٢٢ التفسير الإشاري (١-٦٤) ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، و: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وجوِّز انتصابُها على التحذير، أي: احذروا يا أهل مكة سنةَ الله تعالى في أعداءِ الرُّسُل. ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ﴾﴾ أي: وقتَ رؤيتهم البأسَ، على أنَّه اسمُ مكانٍ قد استُعِيرَ للزمان كما سلف آنفاً، وهذا الحكم خاصٌّ بإيمان البأس، وأمَّا توبةٌ البأس فهي مقبولةٌ نافعةٌ بفضل الله تعالى وكرمِه، والفرقُ ظاهرٌ. وعن بعض الأكابر أنَّ إيمانَ البأس مقبولٌ أيضاً، ومعنى ((فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) أنَّ نفسَ إيمانِهم لم ينفعْهم، وإنما نَفَعهم اللهُ تعالى حقيقةً به، ولا يخفى عليك حالُ هذا التأويل، وما كان من ذلك القبيل، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في بعض الآيات على ما أشار إليه بعضُ السادات: إشارةٌ إلى ما أفيضَ على قلبٍ محمد نَّهِ من الرحمن، فإنَّ الحاءَ والميمَ من وَسَط الاسمَيْنِ الكريمَيْنِ، وفي ذلك أيضاً سرٌّ لا يجوز كشفُه، ولما صُدِّرت السورةُ بما أشارَ إلى الرحمة وأنها وصفُ المدعوِّ إليه والداعي، ذُكِر بعدُ مِن صفاتِ المدعوِّ إليه - وهو الله عزَّ وجلَّ - ما يدلُّ على عِظَم الرحمة وسَبْقِها، وفي ذلك من بشارةِ المدعوِّ ما فيه. ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى شرفِ الإيمان وجلالةٍ قَدْرِ المؤمنين، وإلى أنَّه ينبغي للمؤمنين(١) من بني آدم أن يستغْفِرَ بعضُهم لبعضٍ، وفي ذلك أيضاً من تأكيدِ الدلالة على عِظَم رحمة الله عزَّ وجلَّ ما لا يخفى. ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بأنْ يكونَ غيرَ مشوبٍ بشيءٍ من مقاصدِ الدنيا والآخرة. (١) كلمة ((للمؤمنين)) سقطت من الأصل. التفسير الإشاري (١-٦٤) ١٢٣ سُوَلاَ عَدفر ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ قيل: في إطلاقٍ ((الروح)) إشارةٌ إلى روح النبوة، وهو يُلقَى على الأنبياء، وروحِ الولاية ويُلقَى على العارفين، ورُوحِ الدِّراية ويُلقَى على المؤمنين الناسِكين. ﴿إِنْذِرَ يَوْمَ الَّلَاقِ﴾ قيل: التلاقي مع الله تعالى ولا وجودَ لغيره تعالى، وهو مقامُ الفناء المشارُ إليه بقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ هُم بَرِزُونَ﴾ من قبورٍ وجودِهم ﴿لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىُْ لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إذ ليس في الدار غيرَه دیَّارٌ. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ من التجلِّي ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ في بذل الوجود للمعبودِ ﴿لَا ◌ُلْمَ الْيَوْ﴾ فتنالُ كلُّ نفسٍ من التجلِّي بقَدْرٍ بذلِها من الوجود لا أقلّ من ذلك. و﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِ الْقُلُوبُ لَدَى الْتَاجِرِ كَظِمِينٌ﴾ هذه قيامةُ العوامّ المؤجَّةُ، ويُشير إلى قيامةِ الخواصِّ المعجَّةِ لهم، فقد قيل: إنَّ لهم في كل نفَسٍ قيامةٌ من العتابِ والعقابِ والثوابِ والبِعادِ والاقترابِ، وما لم يكن لهم في حسابٍ، وَخَفَقانُ القلب يَنْطقُ، والنحولُ يُخبِر، واللونُ يُفْصِح، والمَشوقُ يستر، ولكنَّ البلاءَ يظهَر، وإذا أزِفَ فناءُ الصفات بلغت القلوبُ الحناجرَ، وشهدَت العيونُ بما تُخفي الضمائرُ. ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ خائنةُ أعُينِ المحبِّين استحسانُهم (١) تعمُّدَ النظرِ إلى غيرِ المحبوب باستحسانٍ واستلذاذٍ، وما تخفيه الصدور من متمنَّياتٍ النفوس ومستحسَنات القلوب ومرغوباتِ الأرواح. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُ﴾ قيل: أي: اطلبوني مني ◌ُچِبكم فتجدوني، ومَن وَجَدني وجدَ كلَّ شيء، فالدعاءُ الذي لا يُرَدُّ هو هذا الدعاء، ففي بعض الأخبار: من طلبني وجدني(٢). (١) ليست في الأصل. (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٩٣/١٠ من كلام سهل بن عبد الله، وذكره الغزالي في الإحياء ٣٢٤/٤ مرفوعاً من حديث أبي الدرداء . سُودَةُ غَفِلِ ١٢٤ التفسير الإشاري (١-٦٤) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ دعائي وطلبي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ الحرمانِ والبعدِ منّي ﴿دَاخِرِين﴾ ذلیلین مھینین. ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ فيه إشارةٌ إلى ليلٍ البشرية ونهارِ الروحانية، وذُكر أنَّ سكونَ الناسِ في الليل المعروفِ على أقسام: فأهلُ الغفلة يسكُنُون إلى استراحة النفوس والأبدان، وأهلُ الشهوةِ يسكُنون إلى أمثالهم وأشكالِهم من الرجال والنسوان، وأهلُ الطاعة يسكنون إلى حلاوةِ أعمالِهم وقوَّة آمالهم، وأهلُ المحبة يسكُنون إلى أنينِ النفوس وحَنين القلوب وضَرَاعة الأسرار واشتعالِ الأرواح بالأشواق التي هي أحرُّ من النار. ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ يُشير إلى أنَّه تعالى جعل أرضَ البشرية مقرًّا للروح ﴿وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ﴾ أي: سماءَ الروحانية مبنيةٌ عليها ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بأن جَعَلكم مرايا جمالِهِ وجلالِه، وفي الخبر: ((خلق الله تعالى آدم على صورته))(١) وفي ذلك إشارةٌ إلى ردِّ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولله تعالى مَن قال: عندي ولا ضرَّك مغتابُ ما حظّك الواشون عن رتبةٍ عليك عندي بالذي عابوا (٢) كأنَّهم أثنَوا ولم يعلَموا والكافرُ لسوء اختياره الْتَحَقَ بالشياطين وصار مظهراً لصفاتِ القهر من ربِّ العالمين، وما ظلمهم اللهُ ولكن كانوا هم الظالمين. تم الكلامُ على سورة المؤمن، والحمدُ لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً. (١) سلف ٢ / ٩٠. (٢) سلف ١٠/ ٤٢٥. سُؤْرَةُ فُصِّلَتْ وتسمَّى سورة السجدة، وسورة (حمّ) السجدة، وسورة المصابيح، وسورة الأقوات. وهي مكة بلا خلافٍ، ولم أقف فيها على استثناء. وعدد آياتها - كما قال الداني - خمسون وآيتان بصريٌّ وشاميٌّ، وثلاثٌ مكيٍّ ومدنيٍّ، وأربعٌ كوفيٌّ(١). ومناسبتُها لِما قبلها أنه سبحانه ذكر قبلُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ﴾ إلخ [غافر: ٨٢] وكان ذلك متضمِّناً تهديداً وتقريعاً لقريش، وذكر جلَّ شأنه هنا نوعاً آخر من التهديد والتقريع لهم، وخصّهم بالخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرَتُّكُمْ صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ثم بيَّن سبحانه كيفية إهلاكهم، وفيه نوعُ بيانٍ لِما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآية [غافر: ٨٢]، وبينهما أوجهٌ من المناسبة غير ما ذُكر. وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن الخليل بن مرَّة أنَّ رسول الله وَّه كان لا ينام حتى يقرأ ((تبارك)) و((حم السجدة))(٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فهو إمَّا خبرٌ لمحذوفٍ، أو مبتدأٌ ﴿حَمّ (١) البيان في عدِّ آي القرآن ص٢٢٠. (٢) شعب الإيمان (٢٤٧٩)، وإسناده منقطع كما قال البيهقي. والخليل بن مُرَّة توفي سنة (١٦٠ هـ). وينظر ما سلف ص٧ من هذا الجزء. سُؤَلٌ فُضَّلَتْ ١٢٦ الآية : ٢ - ٣ خبرُه: ﴿تَنزِيلٌ﴾ على المبالغة أو التأويلِ المشهور، وهو على الأول خبرٌ بعد خبرِ، وخبرُ مبتدأ محذوفٍ - إن جُعل ((حم)) مسروداً على نمط التعديد - عند الفرَّاء(١)، وقولُه تعالى: ﴿مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ من تتمَّته مؤكِّدٌ لِما أفاده التنوين من الفخامة الذاتيّة بالفخامة الإضافيَّة، أو خبرٌ آخرُ للمبتدأ المحذوف. أو (تنزيل)) مبتدأُ لتخصُّصه بما بعده، خبرُه: ﴿كِتَبٌ﴾، وحُكي ذلك عن الزجَّاج والحوفي(٢)، وهو على الأوجُهِ الأُوَل بدلٌ منه، أو خبرٌ آخرُ، أو خبرٌ لمحذوف. وجملةُ(٣) ﴿فُصِلَتْ ءَايَتُهُ﴾ على جميع الأوجُه في موضع الصفة لـ ((كتاب)). وإضافةُ التنزيل إلى ((الرحمن الرحيم)) من بين أسمائه تعالى للإيذان بأنَّه مدارٌ للمصالح الدينية والدنيوية واقعٌ بمقتضى الرحمة الربانية حسبما يُنبئ عنه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وتفصيل آياته: تمييزُها لفظاً بفواصلها ومقاطعها ومبادي السور وخواتمها، ومعنّى بكونها وعداً ووعيداً وقصصاً وأحكاماً إلى غيرِ ذلك، بل مَن أنصف عَلِمِ أنَّه ليس في بدء الخلق كتابٌ اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة عبارةً وإشارةً مثل ما في القرآن. وعن السديٌّ: ((فصِّلت آياته)) أي: بُيِّنت؛ ففصل بين حرامه وحلاله، وزجره وأمره، ووعده ووعيده. وقال الحسن: فصِّلت بالوعد والوعيد. وقال سفيان: بالثواب والعقاب. وما ذكرنا أولاً أعمُّ، ولعلَّ ما ذكروه من باب التمثيل لا الحصر. وقيل: المراد: فصِّلت آياتُه في التنزيل، أي: لم تُنَزَّل جملةً واحدةً. وليس بذاك. (١) معاني القرآن للفراء ٤١٤/٢. وينظر الكشاف ٤٤١/٣. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٧٩/٤، والكلام من البحر ٧/ ٤٨٣. وورد هنا في هامش الأصل ما نصُّه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون ((كتابٌ)) مرفوعاً بـ ((تنزيل))، أي: نُزِّل كتابٌ. اهـ منه. وكلام أبي البقاء في الإملاء ٤/ ٢٧٨ . (٣) قوله: وجملة، ليس في الأصل. الآية : ٣ ١٢٧ سُؤَدَّةُ فُضَّلَتْ وقرئ: ((فَصَلت)) بفتح الفاء والصاد مخفَّفةً، أي: فَرَقت بين الحقِّ والباطل(١). وقال ابن زيد: بين النبيِّ ◌َ﴿ ومَن خالفه(٢)، على أنَّ((فَصَل)) متعدٍّ. أو: فَصَل بعضُها من بعضٍ باختلاف الفواصل والمعاني، على أنَّ فَصَل لازمٌ بمعنى انفصل كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]. وقرئ: ((فُصِلت)) بضمِّ الفاء وكسر الصاد مخفَّفةً(٣)، على أنه مبنيٍّ للمفعول، والمعنى على ما مرَّ. ﴿قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ نصبٌ على المدح، بتقدير: أعني، أو: أمدح، أو نحوه، أو على الحال، فقيل: من ((كتاب)) لتخصصه بالصفة. وقيل: من ((آياته)). وجوِّز في هذه الحال أن تكون مؤكّدة لنفسها، وأن تكون موطِّئةً للحال بعدها . وقيل: نصبٌ على المصدر، أي: يقرؤه قرآناً . وقال الأخفش(٤): هو مفعولٌ ثانٍ لـ ((فُصِّلت))، وهو كما ترى إن لم تكن أخفش. وأيَّاما كان ففي ((قرآناً عربيًّا)) امتنانٌ بسهولة قراءته وفهمه لنزوله بلسانِ مَن نزل بين أظهرهم. ﴿لَّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: معانيَه لكونه على لسانهم، على أنَّ المفعول محذوفٌ، أو: لأهل العلم والنظر، على أنَّ الفعل منزَّلُ منزلةَ اللازم. ولام ((لقومٍ)) تعليليةٌ، أو اختصاصيةٌ، وخصّهم بذلك لأنَّهم هم المنتفعون به، والجارُّ والمجرورُ إما في موضع صفةٍ أخرى لـ ((قرآناً))، أو صلةٌ لـ ((تنزيل)) أو لـ ((فُصِّلت))، قال الزمخشريُّ: والأجود(٥) أن يكونَ صفةً مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآناً عربيًّا كائناً لقوم عربٍ، لئلا يفرق بين الصلات والصفات. (١) الكشاف ٤٤١/٣، والبحر ٤٨٣/٧ . (٢) النكت والعيون ١٦٨/٥. (٣) حاشية الشهاب ٣٨٧/٧. (٤) كما في البحر ٤٨٣/٧ . (٥) تحرفت في الأصل و(م) إلى: لا يجوز. والمثبت من الكشاف ٤٤١/٣، وينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٣٨٧. سُؤَلٌ فُصِّلَنْ ١٢٨ الآية : ٤ ولعله أراد: لئلا يلزم التفريق بين الصفة وهي قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وموصوفِها وهو ((قرآناً) - بناءً على أنَّه صفةٌ - بالصلة وهي ((لقوم)) على تقدير تعلُّقه بـ ((تنزيل)) أو بـ ((فصِّلت))، وبين الصلة وموصولها بالصفة، أي: ((تنزيل)) أو ((فصِّلت)) و (لقوم)). والجمع(١) للمبالغة على حدٍّ قولك لمن يفرق بين أخوين: لا تفعل، فإنَّ التفريقَ بين الإِخوان مذمومٌ. أو أراد: لئلا يفرق بين الصلتين في الحكم مع عدم المُوجِب للتفريق، وهو أن يتصل ((من الرحمن)) بموصوله، ولا يتصل ((لقوم))، وكذلك بين الصفتين، وهو ((عربيًّا)) بموصوفه، ولا يتصل ((بشيراً))، والجمعُ لذلك أيضاً. واختار أبو حيان كونَ الجارِّ والمجرور صلةَ ((فصِّلت))، وقال: يبعُد تعلُّقه بـ (تنزيل) لكونه وصف قبل أَخْذِ متعلّقه إن كان ((من الرحمن)) في موضع الصفة، أو أبدل منه ((كتابٌ)) أو كان خبراً لـ ((تنزيل))، فيكون في ذلك البدلُ من الموصول أو الإخبارُ عنه قبل أَخْذِهِ متعلّقَه، وهو لا يجوز(٢). ولعلَّ ذلك غيرُ مجمَعٍ عليه. وكون ((بشيراً) صفةَ ((قرآناً)) هو المشهور، وجوِّز أن يكونَ مع ما عُطف عليه حالاً من ((كتاب)) أو من ((آياته)). وقرأ زيد بن عليٍّ: ((بشيرٌ ونذيرٌ)) برفعهما(٣)، وهي رواية شائَّةٌ عن نافع(٤)، على الوصفيَّة لـ ((كتاب))، أو الخبريَّة لمحذوفٍ، أي: هو بشيرٌ لأهل الطاعة ونذيرٌ لأهل المعصية. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عن تدبُّره وقبوله، والضميرُ للقوم على المعنى الأول لـ ((يعلمون))، وللكفار المذكورين حكماً على المعنى الثاني، ويجوز أن يكونَ للقوم عليه أيضاً بأن يرادَ به ما من شأنهم العلمُ والنظرُ. (١) أي: في قول الزمخشري: بين الصلات والصفات. (٢) البحر ٧/ ٤٨٣ . (٣) المصدر السابق. (٤) حاشية الشهاب ٧/ ٣٨٧. الآية : ٥ ١٢٩ سُؤَدَةٌ فُضَّلَنْ ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾ أي: لا يقبلون ولا يُطيعون، من قولك: تشفَّعتُ إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه، ولكنه لمَّا لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه فكأنه لم یسمعه، هو مجازٌ مشهور. وفي ((الكشف)) أنَّ قولَه تعالى: ((فأعرض)) مقابلَ قوله تعالى: ((لقوم يعلمون))، وقولُه سبحانه: ((فهم لا يسمعون)) مقابلَ قوله جلَّ شأنه: ((بشيراً ونذيراً))، أي: أنكروا إعجازَه والإذعانَ له مع العلم، ولم يقبلوا بشائرَه ونُذُرَه لعدم التدبُّر. ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ﴾ أي: أغطيةٍ متكاثفةٍ ﴿مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَّهِ﴾ من الإيمان بالله تعالى وحده وتركِ ما ألفينا عليه آباءنا، و((من)) على ما في ((البحر)) لابتداء الغاية. ﴿وَفِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أي: صَمَمٌ، وأصلُه: الثِّقَلُ. وقرأ طلحةُ بكسر الواو(١)، وقرئ بفتح القاف(٢). ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ غليظُ يمنعنا عن التواصل، و((من)) للدلالة على أنَّ الحجابَ مبتدأٌ من الجانبين بحيث استوعَبَ ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبقَ ثمة فراٌ أصلاً. وتوضيحُه أنَّ البَيْنَ بمعنى الوسْط بالسكون، وإذا قيل: بيننا وبينَك حجابُ، صدق على حجابٍ كائنٍ بينهما، استوعَبَ أو لا، وأما إذا قيل: مِن بيننا، فيدلُّ على أنَّ مبتدأَ الحجاب من الوسْط، أعني طرفَه الذي يلي المتكلِّم، فسواءٌ أعيد ((من)) أو لم يُعَدْ يكون الطرفُ الآخَرُ منتهى باعتبارٍ ومبتدأً باعتبارٍ، فيكون الظاهرُ الاستيعابَ؛ لأنَّ جميعَ الجهة - أعني البينَ - جُعِل مبتدأَ الحجاب فالمنتهَى غيرُه ألبتة، وهذا كافٍ في الفرق بين الصورتين، كيف وقد أعيد البينُ لاستئنافِ الابتداء من تلك الجهة أيضاً، إذ لو قيل: ومن بيننا حجاب(٣) بتغليب المتكلّم لكفى. ثم ضرورة العطف على نحو: بيني وبينك - إن سُلِّمت - لا تُنافي إرادةَ الإعادة له، فتدبَّر. (١) القراءات الشاذة ص ١٣٣، والبحر ٤٨٣/٧. (٢) تفسير أبي السعود ٣/٨. (٣) كلمة: حجاب، سقطت من (م). سُؤْرَا فُضَّلَتْ ١٣٠ الآية : ٥ وما ذكروه من الجمل الثلاث تمثيلاتٌ لنَبْوِ قلوبهم عن إدراك الحقِّ وقبوله، ومجِّ أسماعهم له، وامتناع مُواصلَتِهم وموافقَتِهم للرسول وَله، وأرادوا بذلك إقناطَه عليه الصلاة والسلام عن اتِّباعهم إياه عليه الصلاة والسلام حتى لا يَدْعوهم إلى الصراط المستقيم . وذكر أبو حيان(١) أنَّه لَمَّا كان القلبُ محلَّ المعرفة والسمعُ والبصرُ مُعِينان على تحصيل المعارف ذَكَرُوا أنَّ هذه الثلاثةَ محجوبةٌ عن أن يصلَ إليها مما يُلقيه الرسول * شيءٌ. ولم يقولوا: على قلوبنا أكنةٌ، كما قالوا: ((وفي آذاننا وقر))؛ ليكون الكلامُ على نَمَطٍ واحدٍ في جعل القلوب والآذان مستقَرَّ الأكثَّةِ والوقرِ، وإن كان أحدُهما استقرارَ استعلاءٍ، والثاني استقرارَ احتواءٍ، إذ لا فرقَ في المعنى بينَ: قلوبُنا في أكثَّةٍ، و: على قلوبنا أكثَّةٌ، والدليلُ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوُ﴾ [الكهف: ٥٧] ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة، لم يختلف المعنى، فالمطابقةُ حاصلةٌ من حيث المعنى، والمطابيعُ من العربِ لا يُراعُون الطباقَ والملاحظةَ إلا في المعاني. واختصاصُ كلِّ مِن العبارتين بموضعه للتفنُّنِ، على أنَّه لَمَّا كان منسوباً إلى الله تعالى في سورة بني إسرائيل (٢) والكهف كان معنى الاستعلاءِ والقهرِ أنسبَ، وهاهنا لَمَّا كان حكايةً عن مقالهم كان معنى الاحتواء أقرب. كذا حقَّقه بعض الأجلَّة ودغدغ فيه. وتفسير الأكثَّة بالأغطية هو الذي عليه جمهورُ المفسِّرين، فهي جمعُ كنانٍ كغطاء لفظاً ومعنّى. وقيل: هي ما يُجعَل فيها السهام؛ أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةِ﴾ قالوا: كالجَعْبةِ لِلنَّبْل(٣). ﴿فَأَعْمَلْ﴾ على دينك، وقيل: في إبطال أمرنا ﴿إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴾﴾ على ديننا، (١) في البحر ٧ / ٤٨٤ . (٢) الآية (٤٦). (٣) عزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٣٦٠/٥. الآية : ٦ ١٣١ سُوَلاَ فُضِلَتْ وقيل: في إبطال أمرك. والكلامُ على الأول متاركةٌ وتقنيطٌ عن اتِّباعه عليه الصلاة والسلام، ومقصودُهم: ((إِنَّنا عاملون))، والأول توطئةٌ له، وحاصلُ المعنى: إنَّا لا نترك ديننا بل نثبت عليه كما تَثبُت على دينك. وعلى الثاني هو مبارزةٌ بالخلاف والجدال. وقائلُ ما ذُكر أبو جهل ومعه جماعةٌ من قريش، ففي خبرٍ أخرجه أبو سهل السريُّ من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر ﴿يا أنه قال في الآية: أقبلت قريشٌ إلى رسول الله وَله، فقال لهم: ((ما يمنَعُكم من الإسلام فَتَسُودوا العرب؟)) فقالوا: يا محمد، ما نفقَهُ ما تقول ولا نسمعه، وإنَّ على قلوبنا الغُلُفاً. وأخذ أبو جهل ثوباً فمدَّه فيما بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد، قلوبُنا في أكثَّةٍ مما تَدْعونا إليه، وفي آذاننا وقرٌ، ومن بيننا وبينك حجاب. وفيه: فلمَّا كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلاً إلى النبيِّ وَ ﴿ فقالوا: يا محمد، إِعْرِضْ علينا الإسلام، فلمَّا عرض عليهم الإسلامَ أسلموا عن آخرهم، فتبسَّم النبيُّ عليه الصلاة والسلام وقال: ((الحمد لله، بالأمس تزعمون أنَّ على قلوبكم غُلفاً، وقلوبُكم في أكثَّةٍ مما أدعوكم إليه، وفي آذانِكم وقراً، وأصبحتم الیوم مسلمین». فقالوا : يا رسول الله، كذبنا والله بالأمس، لو کان کذلك ما اهتدينا أبداً، ولكن الله تعالى الصادقُ، والعبادُ الكاذبون عليه، وهو الغنيُّ ونحن الفقراء إليه(١). ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لستُ ملَكاً ولا جِنيًّا لا يمكنكم التلقِّي منه، وهو ربِّ لقولهم: ((بيننا وبينك حجاب)). ﴿يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهَّكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ أي: ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول، وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي دلَّت عليه دلائلُ العقل، وشهدت له شواهد السمع، وهذا جوابٌ عن قولهم: ((قلوبُنا في أكنَّة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وَقْر». (١) عزاه لأبي سهل السيوطي في الدر ٣٦٠/٥. الآية : ٦ ١٣٢ سُورَةُ فُضْلَنْ ﴿فَاسْتَقِيمُوَاْ إِلَيْهِ﴾ فاستؤُوا إليه تعالى بالتوحيد وإخلاص العبادة، ولا تتمسَّكوا بُعُرى الشرك، وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد: قلوبنا في أكنة .. إلخ. ﴿وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ مما سلف منكم من القول والعمل. وهذا وجهٌ لا يخلو عن حسنٍ في ربط الأمر بما قبله، وفي ((إرشاد العقل السليم)): أي: لستُ من جنسٍ مغايرٍ لكم حتى يكونَ بيني وبينكم حجابٌ وتباینٌ مصحِّحُ لتبايُنِ الأعمال والأديان كما يُنبئ عنه قولُكم: ((فاعمَلْ إِنَّنا عامِلون)»، بل إنما أنا بشرٌ مثلكم مأمورٌ بما آمُرُكم به، حيث أُخبِرْنا جميعاً بالتوحيد بخطابٍ جامع بيني وبينكم، فإنَّ الخطابَ في ((إلهكم)) محكيٍّ منتظِم للكلِّ، لا أنَّه خطابٌ منه عليه الصلاة والسلام للكَفَرة كما في ((مثلكم))(١). وهو مبنيٌّ على اختيار الوجه الأول في ((فاعْمَل إِنَّنا عاملون)»، ولا بأسَ به من هذه الجهة، نعم فيه قصورٌ من جهة أخرى. وقال صاحب ((الفرائد)): ليس هذا جواباً لقولهم، إذ لا يقتضي أن يكونَ له جوابٌ، وحاصلُه: لا تترُكُهم وما يدينون لقولهم ذلك المقصودِ منه أن تتركهم، سلَّمْنا أنه جوابٌ لكنَّ المرادَ منه: إني بشرٌ فلا أقدِر أن أُخرِجَ قلوبَكم من الأكثَّةِ، وأرفعَ الحجابَ من البين، والوقرَ من الآذان، ولكنِّي أُوحِيَ إليَّ وأُمرْتُ بتبليغٍ: (أَنَّمَا إِلَهُكم إلهٌ واحِد)). وللإمام كلامٌ قريبٌ مما ذكر في حيِّز التسليم (٢)، وكلا الكلامين غيرُ وافٍ بجزالة النظم الكريم، وجعله الزمخشريُّ(٣) جواباً من أنَّ المشركين طالما يتمسَّكون في ردِّ النبوة بأنَّ مُدَّعيها بشرٌ، ويجب أن يكون ملكاً، ولا يجوز أن يكونَ بشراً، ولذا لا يُصغُون إلى قول الرسول ولا يتفكّرون فيه، فقوله عليه الصلاة والسلام: إنِّي لستُ بملَكِ وإنَّما أنا بشرٌ، من باب القلب عليهم، لا القول بالموجب ولا من الأسلوب الحكيم في شيء كما قيل، كأنه ◌َّ قال: ما تمسَّكتم به في ردِّ نبوَّتي من (١) تفسير أبي السعود ٣/٨. (٢) ينظر التفسير الكبير ٢٧/ ٩٨. (٣) في الكشاف ٣/ ٤٤٣ . الآية : ٧ ١٣٣ سُؤَلُ فُصِّلَتْ أنِّي بشرٌ هو الذي يصحِّح نبوَّتي، إذ لا يحسُن في الحكمة أن يُرسَل إليكم الملكُ، فهذا يُوجِب قبولَكم، لا الردّ والغلوَّ في الإعراض. وقوله: ((يوحى إلي أنما إلهكم)) تمهيدٌ للمقصود من البعثة بعد إثبات النبوّة أولاً مفصَّلاً بقوله تعالى: (حمّ) الآيات، ومجملاً ثانياً بقوله: ((يوحى إلي))، ثم قيل: ((أنَّما إلهكم)) بياناً للمقصود، فقوله: ((يوحى إليَّ) مسوقٌ للتمهيد، وفيه رمزٌ إلى إثبات النبوَّة، وهذا المعنى على القول بأنَّ المرادَ من ((فاعمل)) إلخ: فاعمل في إيطال أمرنا إنَّنا عاملون في إبطال أمرك = ظاهرٌ، وأما على القول الأول فوجهُه أنَّ الدينَ هو جملةُ ما يلتزمه المبعوثُ إليه من طاعة الباعث تعالى بوساطة تبليغ المبعوث، فهو مسبَّب عن نبوَّته المسبَّة عن دليلها، فأظهروا بذلك أنَّهم منقادون لِما قَرَّر لديهم آباؤهم من منافاة النبوَّة للبشرية، وأنَّه دينُهم، فقيل لهم ما قيل، وهو على هذا الوجه أكثرُ طباقاً وأبلغُ. وهذا حَسَنٌّ دقيقٌ، وما ذُكر أولاً أسرعُ تبادراً. وفي ((الكشف)) أنَّ ((قل إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم يُوحى إليَّ)) في مقابلة إنكارِهم الإعجازَ والنبوَّةَ، وقولُه: ((فاستقيموا)) يقابل عدمَ القبول، وفيه رمزٌ إلى شيء مما سمعتَ، فتأمَّل. وقرأ ابن وثاب والأعمش: ((قال إنَّما)) فعلاً ماضياً(١). وقرأ النخعي والأعمش (يُوحِي)) بكسر الحاء (٢)، على أنه مبنيٌّ للفاعل، أي: يُوحِي الله إليَّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحِد. ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ من شركهم بربِّهم عزَّ وجلَّ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق، وذلك من أعظم الرذائل ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ مبتدأ وخبرٌ، فـ ((هم)) الثاني ضميرُ فصل، و ((بالآخرة)) متعلقٌ (١) البحر ٤٨٤/٧ . (٢) المصدر السابق. سُؤَلٌ فُضِِّلَتْ ١٣٤ الآية : ٨ بـ ((كافرون))، والتقديمُ للاهتمام ورعايةِ الفاصلة، والجملةُ حالٌ مُشعِرةٌ بأنَّ امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في الدنيا وإنكارهم للآخرة. وحملُ الزكاة على معناها الشرعيِّ مما قاله ابن السائب، ورُوي عن قتادة والحسن والضحاك ومقاتل. وقيل: الزكاة بالمعنى اللغويِّ، أي: لا يفعلون ما يُزِّي أنفسَهم، وهو الإيمان والطاعة. وعن مجاهد والربيع: لا يُزُّون أعمالَهم(١). وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس أنَّه قال في ذلك: أي: لا يقولون: لا إله إلَّا الله(٢). وكذا الحكيم الترمذيُّ وغيرُه عن عكرمة (٣)، فالمعنى حينئذٍ: لا يطهِّرون أنفسَهم من الشرك. واختار ذلك الطيبيُّ، قال: والمعنى عليه: فاستقيموا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة له تعالى، وتوبوا إليه سبحانه مما سبق لكم من الشرك، وويل لكم إن لم تفعلوا ذلك كلَّه. فوُضِع موضعَه منعُ إيتاء الزكاة ليُؤذن بأنَّ الاستقامةَ على التوحيد وإخلاصَ العمل لله تعالى والتبرِّي عن الشرك هو تزكيةُ النفس، وهو أوفقُ لتأليف النظم، وما ذهب إليه حبرُ الأمة إلا لمراعاة النظم. وجَعَل قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ، أي: غير مقطوع، مذكوراً على جهة ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( الاستطراد تعريضاً بالمشركين وأنَّ نصيبهم مقطوعٌ حيث لم يُزُوا أنفسَهم كما زَكَّوا، واستدَلَّ على الاستطراد بالآية بعدُ. وفي ((الكشف)): القولُ الأول أظھرُ، والمشركون باقٍ علی عمومه، لا من باب إقامة الظاهر مقام المضمَر كهذا القول، وأنَّ الجملةَ معترضةٌ كالتعليل لِمَا أمرهم به، وكذلك ((إنَّ الذين آمنوا)) الآية؛ لأنَّه بمنزلة: وويلٌ للمشركين وطُوبى للمؤمنين، وفيهما من التحذير والترغيبٍ ما يؤكّد أنَّ الأمر(٤) بالإيمان والاستقامةِ تأكيداً لا يخفى (١) زاد المسير ٢٤٢/٧. (٢) تفسير الطبري ٣٧٩/٢٠، والأسماء والصفات للبيهقي (٢٠٥). (٣) نوادر الأصول ص٣٤٢ دون نسبة، وعزاه له ولعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٦٠/٥. (٤) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أن في الأمرِ. الآية : ٨ ١٣٥ سُوَةٌ فُضْلَتْ حاله على ذي لبٍّ، وكذلك الزكاةُ فيه على الظاهر، وخُصَّ من بين أوصاف الكَفَرة منعُها لِما أنَّها معيارٌ على الإيمان المستكنِّ في القلب، كيف وقد قيل: المالُ شقيقُ الروح، بل قال بعضُ الأدباء: به فأجَبْتُ المالُ خَيرٌ مِنَ الرُّوحِ وقالوا شقيقُ الروح مالُك، فاحتَفِظْ وتَضْبِيعُه يُفْضِي لِتَسْآل مَقْبُوحٍ (١) أرى حِفْظَه يَقْضِي بتحسينٍ حَالَتي والصرفُ عن الحقيقة الشرعية الشائعةِ من غيرِ مُوجبٍ لا يجوز، كيف ومعنى الإيتاء لا يَقِرُّ قراره، نعم لو كان بدله: يأتون، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ اُلْضَلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] لحَسُن. لا يقال: إنَّ الزكاةَ فُرضت بالمدينة والسورةُ مكية. لأنا نقول: إطلاقُ الاسم على طائفةٍ مخرجةٍ من المال على وجهٍ من القربة مخصوصٍ كان شائعاً قبل فرضيتها بدليل شعر أمية بن أبي الصلت: ... الفاعلون للزكوات(٢) على أنَّ هذا الحقَّ على هذا الوجه المعروف فُرِض بالمدينة، وقد كان في مكة فرضُ شيءٍ من المال يُخرَج إلى المستحقِّ لا على هذا الوجه، وكان يسمَّى زكاةً أيضاً، ثم نسخ. انتهى. ومنه يُعلَم سقوطُ ما قاله الطيبي. بقي مخالفةُ الحبر وهي لا تتحقَّق إلا إذا تحقَّقت الروايةُ عنه، وبعده الأمرُ أيضاً سهلٌ، ولعلَّه ◌َظُبه كان يقرأ: ((لا يَأْتُونَ)) من الإتيان، إذ القراءةُ المشهورةُ تأبى ذلك إلا بتأويلٍ بعيدٍ، والعَجَبُ نسبةُ ما ذُكر عن الحبر في ((البحر))(٣) إلى الجمهور أيضاً، وحملُ الآية على ذلك مخلَصُ بعضٍ ممن لا يقول بتكليف الكفار بالفروع، لكن لا يخفى حالُ الحمل، وهي على المعنى (١) لم نقف على قائل البيتين، وهما في البحر ٤٨٥/٧ . (٢) ديوان أمية ص ٣٠، وسلف ١٤/١٨. وتمامه: المطعمون الطعام في السنة الأز مة والفاعلون للزكوات (٣) ٤٨٤/٧. 1 ٦ سُوَةٌ فُضَّلَتْ ١٣٦ الآية : ٩ المتبادر دليلٌ عليه، وممن لا يقول به قال: هم مكلّفون باعتقاد حقِّيَّتها دون إيقاعها، والتكليفُ به بعد الإيمان، فمعنى الآية: لا يؤتون الزكاةَ بعدَ الإيمان. وقيل: المعنى: لا يُقُرُّون بفرضيتها. والقولُ بتكليف المجنون أقربُ من هذا التأويل. وقيل: كلمةُ ((وَيْلِ)) تدلُّ على الذمِّ لا التكليفِ، وهو مذمومٌ عقلاً. وفيه بحثٌ لا يخفى. هذا وقيل في ((ممنون)): لا يُمُنُّ به عليهم، من المنِّ بمعنى تعداد النعم، وأصلُ معناه الثِّقَلُ، فأُطلِقِ على ذلك لِثقَله على الممنون عليه، وعن ابن عباس تفسيرُه بالمنقوص (١)، وأنشدوا لذي الإصبع العدواني: عن الصَّدِيق ولا زادِي بمَمْنُون(٢) إنِّي لعمرُك ما بابي بذي غَلَقٍ والآية على ما رُوي عن السدِّي نزلت في المَرْضَى والهَرْمَى؛ إذا عجزوا عن كمال الطاعات كُتِب لهم من الأجر في المرض والهرم مثلُ الذي كان يُكتَب لهم وهم أصِحَّاء وشُبَّان، ولا تَنقُص أجورُهم(٣)، وذلك من عظيم كرم الله تعالى ورحمته عزَّ وجلَّ. ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ إلى آخر الآيات، والكلامُ فيها كثيرٌ، ومنه ما ليس بالمشهور، ولنبدأ بما هو المشهورُ، وبعد التمام نذكر الآخرَ، فنقول : هذا إنكارٌ وتشنيعٌ لكفرهم، و((إنَّ)) واللام إمَّا لتأكيد الإنكار وتقديمُ الهمزة لاقتضائها الصدارةَ، لا لإنكار التأكيد، وإمَّا للإشعار بأنَّ كفرَهم من البعد بحيث يُنكِرِ العقلاءُ وقوعَه فيحتاج إلى التأكيد. وعلَّق سبحانه كفرَهم بالموصول لتفخيم شأنه تعالى واستعظامٍ كفرهم به عزَّ وجلَّ. والظاهرُ أنَّ المرادَ بالأرض الجسمُ المعروف. وقيل: لعلَّ المرادَ منها ما في (١) النكت والعيون ١٦٩/٥. (٢) البيت في الأغاني ١٠٥/٣، والمفضليات ص ١٦٠، وتفسير القرطبي ٣٩٣/١٨ والبحر ٧/ ٤٨٥. ورواية الجميع: ولا خير. دون: ولا زادي. (٣) البحر ٧ / ٤٨٥ . الآية : ٩ ١٣٧ سُؤَةُ فُضِلَتْ جهة السفل من الأجرام الكثيفة واللطيفة من التراب والماء والهواء، تجوُّزاً باستعمالها في لازم المعنى - على ما قيل - بقرينة المقابلة، وحُملت على ذلك لئلا يخلو الكلامُ عن التعرُّض لمدَّة خلقِ ما عدا التراب. ومن خَلْقِها (١) في يومين أنه سبحانه خَلَق لها أصلاً مشتركاً ثم خَلَق لها صُوَراً بها تنوَّعت إلى أنواع. واليوم في المشهور عبارةٌ عن زمانٍ كون الشمس فوقَ الأفق، وأريد منه هاهنا الوقت مطلقاً؛ لأنه لا يتصوَّر ذلك قبلَ خلق السماء والكواكب والأرض نفسها. ثم إنَّ ذلك الوقت يحتمل أن يكونَ بمقدار اليوم المعروف، ويحتمل أن يكونَ أقلَّ منه أو أكثر، والأقلُّ أنسبُ بالمقام، وأيًّا ما كان فالظاهرُ أنَّ اليومين ظرفان لخَلْق الأرض مطلقاً من غير توزيع. وقال بعضُ الأجلة: إنه تعالى خَلَق أصلَها وماذَّتها في يومٍ، وصُوَرَها وطبقاتِها في آخر. وقال في ((إرشاد العقل السليم)): المراد بخلق الأرض تقديرُ وجودها، أي: حكم بأنها ستُوجَد في يومين(٢)، مثله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. والمراد بكفرهم به تعالى إلحادُهم في ذاته سبحانه وصفاته عزَّ وجلَّ، وخروجُهم عن الحقِّ اللازم له جلَّ شأنه على عباده من توحيده واعتقادٍ ما يليق بذاته وصفاته جلَّ جلاله، فلا ينزِّهونه تعالى عن صفات الأجسام ولا يُثبِتون له القدرةَ التامَّةَ والنعوتَ اللائقة به سبحانه وتعالى، ولا يعترفون بإرساله تعالى الرسلَ وبَعْئِه سبحانه الأمواتَ، حتى كأنهم يزعمون أنه سبحانه خَلَقَ العبادَ عَبَئاً وتركهم سُدّى. وقوله تعالى: ﴿وَحْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادٌ﴾ عطفٌ على ((تَكْفُرُون)) داخلٌ معه في حكم الإنكار والتوبيخ، وجَعْلُه حالاً من الضمير في ((خَلَقَ)» لا يخفى حالُه، وجمعُ الأنداد باعتبارٍ ما هو الواقعُ، لا بأن يكونَ مدارُ الإنكار هو التعدُّد، أي: وتجعلون (١) قوله: ومن خلقها، عطف على ((منها)) في قوله: لعل المراد منها ما في جهة السّفل ... (٢) تفسير أبي السعود ٤/٨. سُورَةٌ فُضَّلَتْ ١٣٨ الآية : ١٠ له تعالى أنداداً وأكفاء من الملائكة والجنِّ وغيرهم، والحالُ أنه لا يمكن أن يكونَ له سبحانه ندُّ واحدٌ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصلة، وما فيه من معنى البُعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في العظمة، وإفرادُ الكاف لِما أنَّ المرادَ ليس تعيينَ المخاطبين، وهو مبتدأً خبرُه ما بعده، أي: ذلك العظيم الشأن الذي فعل ما ذُكر في مدةٍ يسيرةٍ ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: خالقُ جميع الموجودات ومربِیها دون الأرض خاصَّةً، فكيف يُتُصَوَّر أن يكونَ شيءٌ من مخلوقاته ندًّا له عزَّ وجلَّ! وقوله تعالى: ﴿وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ﴾ على ما اختاره غيرُ واحد عطفُ على ((خَلَقَ الأرضَ))، داخلٌ في حكم الصلة، ولا ضيرَ في الفصل بينهما بالجملتين المذكورتين؛ لأنَّ الأولى متَّحدةٌ بقوله تعالى: ((تكفرون)) بمنزلة إعادتها، والثانيةُ معترضةٌ مؤكِّدةٌ لمضمون الكلام، فالفصلُ بهما كَلَا فَضْلٍ، وفیه بلاغةٌ من حيث المعنى لدلالته على أنَّ المعطوفَ عليه - أي: ((خَلَقَ الأرض)) - كافٍ في كونه تعالى ربَّ العالمين، وأن لا يُجعَل له ندٌّ، فكيف إذا انضمَّت إليه هذه المعطوفات. وتعقِّب بأنَّ الاتحادَ لا يخرِجه عن كونه فاصلاً مشوِّشاً للذهن مُورِثاً للتعقيد، فالحقُّ والأقربُ أن تُجعَل الواو اعتراضيةً وكلٌّ من الجملتين معترضٌ ليندفع بالاعتراض الاعتراضُ. أو يُجعَل ابتداءَ كلامٍ بناءً على أنه يُصدَّر بالواو. أو يقال: هو معطوفٌ على مقدَّر كـ ((خلق)». واختار هذا الأخيرَ صاحبُ ((الكشف)) فقال: أَوْجَهُ ما ذُكر فيه أنه عطفٌ على مقدَّر بعدَ ((رَبِّ العالمين))، أي: خَلَقَها وجَعَل فيها رواسي. فكأنه ساقَ قولَه تعالى: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ) أوَّلاً ردًّا عليهم في كفرهم، ثم ذكره ثانياً تتميماً للقصة وتأكيداً للإنكار، وليس سبيلُ قوله سبحانه: (ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ) سبيلَ الاعتراض حتى تُجعلَ الجملة عطفاً على الصلة، ويُعتَذَر عن تخلُّلِ (تَجْعَلُون)) عَظْفاً على ((تكفرون» باتحادِه بما قبلَه على أسلوبٍ ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وذلك لأنه مقصودٌ لذاته في هذا المساق وهو ركنٌ للإنكار، مثل قوله تعالى: (الذي خَلَقَ الْأَرْضَ) وآَكَدُ، على ما لا يخفى على ذي بصيرة. الآية : ١٠ ١٣٩ سُؤَدَةٌ فُضْلَنْ والرواسي: الجبالُ، من ((رسا)»: إذا ثبت، والمرادُ بجعلها إبداعُها بالفعل، وفي ((الإرشاد)): المرادُ تقديرُ الجعلِ لا الجعلُ بالفعل(١). وقولُه تعالى: ﴿مِن فَوْقِهَا﴾ متعلِّقٌ بـ ((جَعَل))، أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ ((رواسي))، أي: كائنةً من فوقها، والضميرُ للأرض، وفي ذلك استخدام على ما قيل في المراد منها؛ لأنَّ الجبالَ فوقَ الأرض المعروفة، لا فوقَ جميع الأجسام السفلية والبسائطِ العنصرية. وفائدةُ ((من فوقها)) الإشارةُ إلى أنها ◌ُعلت مرتفعةً علیها لا تحتَها کالأساطين، ولا مغروزةً فيها كالمسامير؛ لتكونَ منافعُها مُعْرَضَةً(٢) لأهلها، ويظهَرَ للنّظَّار ما فيها من مراصد الاعتبار ومطارح الأفكار. ولعمري إنَّ في ارتفاعها من الحِكم التكوينية ما تدهَش منه العقولُ، والآية لا تأبى أن يكونَ في المغمور من الأرض في الماء جبالاً كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. ﴿وَزَكَ فِيهَا﴾ أي: كثَّر خيرَها، وفي ((الإرشاد)) قدَّر سبحانه أن يُكثِر خيرها بأن يكثر فيها أنواعَ النباتات وأنواعَ الحيوانات التي من جملتها الإنسان(٣). ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ أي: بَيَّن كمِّيتها وأقدارها، وقال في ((الإرشاد)): أي: حَكمَ بالفعل بأن يوجَد - فيما سيأتي - لأهلها من الأنواع المختلفة أقواتُها المناسبةُ لها على مقدارٍ معيَّنٍ تقتضيه الحكمةُ (٤). والكلامُ على تقدير مضاف. وقيل: لا يحتاج إلى ذلك والإضافة لأدنى ملابسةٍ، وإليه يشير كلامُ السدِّي حيث قال: أضاف الأقواتَ إليها من حيث هي فيها وعنها برزت. وفسَّر مجاهد الأقواتَ بالمطر والمياه(٥). (١) إرشاد العقل السليم ٨/ ٤. (٢) قوله: معرضة، بوزن اسم المفعول من الإفعال، من أَعْرَضَه لك: إذا أظهره ومگّنك من أخذه، أو من التفعيل وهو قريب منه معنًى. حاشية الشهاب ٣٩٠/٧. (٣) إرشاد العقل السليم ٤/٨. (٤) المصدر السابق. (٥) تفسير الطبري ٣٨٦/٢٠، والنكت والعيون ١٧١/٥. . سُورَةٌ فُضَّلَتْ ١٤٠ الآية : ١٠ وفي رواية أخرى عنه - وإليه ذهب عكرمة والضحاك - أنَّها ما خُصَّ به كلُّ إقليم من الملابس والمطاعم والنباتات؛ ليكونَ الناسُ محتاجين بعضهم لبعض، وهو مقتضٍ لعمارة الأرض وانتظام أمور العالم(١). ويؤيِّد هذا قراءةُ بعضهم: ((وقسّم فيها أقواتها))(٢). ﴿فِىّ أَزْبَعَةٍ أَيَّامٍ﴾ متعلِّق بحصول الأمور المذكورة لا بتقديرها على ما في ((إرشاد العقل السليم))(٣)، والكلام على تقدير مضاف، أي: قدَّر حصولَها في تتمَّة أربعة أيام. وكان الزَّجاج (٤) يعلِّقه بـ ((قَدَّر)) كما هو رأي الإمام أبي حنيفة في القيد إذا وقع بعد متعاطفاتٍ، نحو: أكرمتُ زيداً وضربتُ عَمْراً ورأيت خالداً في الدار(٥). والشافعي يقول: المتعقِّب للجمل يعود إليها جميعاً (٦)؛ لأنَّ الأصل اشتراكُ المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، فيكون القيدُ هنا عائداً إلى جعل الرواسي وما بعده، وهو الذي يتبادر إلى فهمي. ولا بدَّ من تقدير المضاف الذي سمعتَ، وقد صرَّح الزجَّاجُ بتقديره، ولم يقدِّره الزمخشريُّ وجَعَل الجارَّ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: كلُّ ذلك من خلق الأرض وما بعده كائنٌ في أربعة أيام، على أنه فذْلَكة(٧)، أي: كلامٌ منقطع أُتي به لمجمَلِ ما ذُكر مفصّلاً، مأخوذةٌ من فذلكةِ الحساب وقولِهم: فذلِكَ كذا، بعد استقرار الجمع. فما نحن فيه أُلحِق فيه أيضاً جملةٌ من العدد بجملةٍ أخرى، وجَعْلُه كذلك لا يمنع عطفَ ((جَعَلَ فيها رَواسِيَ)) على مقدَّرٍ؛ لأنَّ الربط المعنويَّ كافٍ. والقول بأنَّ الفذلكَة تقتضي التصريحَ بذكر الجملتين مثل أن يقال: سِرْتُ من البصرة إلى واسط في يومين، ومن واسط إلى الكوفة في يومين، فذلك أربعة أيام. (١) تفسير الطبري ٣٨٧/٢٠-٣٨٨، والمحرر الوجيز ٦/٥. (٢) وهي قراءة ابن مسعود كما في الكشاف ٣/ ٤٤٤، والمحرر الوجيز ٦/٥. (٣) ٥/٨. (٤) في معاني القرآن ٣٨٠/٤-٣٨١. (٥) سلفت المسألة ٢٢٣/٢٢-٢٢٤. (٦) ونقله عنه صاحب الإبهاج ٢/ ١٥٣. (٧) الكشاف ٤٤٤/٣.