النص المفهرس
صفحات 101-120
الآية : ٦٣ - ٦٤ ١٠١ سُورَةٌ غَافِلٍ أخُصُّ خالقَ كلِّ شيء، فيكون ((لا إله إلا هو)) استئنافاً مما هو كالنتيجةٍ للأوصافِ المذكورة، فكأنه قيل: الله تعالى متَّصِفٌ بما ذُكر من الصفاتِ ولا إله إلَّا مَن اتصَفَ بها، فلا إله إلا هو ﴿فَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ فكيف ومِن أيِّ جهةٍ تُصْرَفون من عبادته سبحانه إلى عبادةٍ غيره عزَّ وجلَّ. وقرأ طلحة في رواية: ((يؤفكون)) بياءِ الغَيبة(١). ، أي: مِثْلَ ذلك الإفْكِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَُّ الَّذِينَ كَانُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ (َـ العجيب الذي لا وجهَ له ولا مصحِّحَ أصلاً، يُؤفكُ كلُّ مَن جَحَد بآياتِهِ تعالى أيَّ آيَةٍ كانت، لا إفْكاً آخَرَ له وجهٌ ومصحِّحٌ في الجملة. ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: مستقَرًّا ﴿وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ﴾ أي: قُبَّةً، ومنه أبنيةُ العرب لِقِبابِهِم التي تُضْرَب، وإطلاقُ ذلك على السماء على سبيلِ التشبيه، وهو تشبيهٌ بليغٌ، وفيه إشارةٌ لكُرِيَّتِها، وهذا بيانٌ لفضْلِه تعالى المتعلِّق بالمكان بعدَ بيانِ فضلِه المتعلِّق بالزمان. وقوله سبحانه: ﴿وَصَوََّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بيانٌ لفضله تعالى المتعلِّق بأنفسهم، والفاءُ في ((فأحسَنَ)) تفسيريَّةٌ، فالمرادُ: صوَّركم أحسنَ تصويرٍ حيثُ خَلَق كلَّا منكم منتَصِبَ القامةِ، بادي البَشَرَةِ، متناسِبَ الأعضاء والتخطيطات، متهيِّئاً لمزاولة الصنائع واكتسابِ الكمالات. وقرأ الأعمش وأبو رزين: ((صِوَرَكم)) بكسر الصاد(٢) فراراً من الضمَّةِ قبلَ الواو، وجَمْعُ فُعْلَةٍ بضمِّ الفاء على فِعَل بكسرها شاذٍّ، ومنه: قُوَّةٌ وقِوَى بكسر القاف في الجمع. وقرأت فرقة: ((صُوْرَكم)) بضمِّ الصاد وإسكان الواو، على نحو: بُسْرَةٍ وبُسْرٍ (٣). (١) المصدر السابق. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣٢، والمحرر الوجيز ٥٦٧/٤، والبحر ٤٧٣/٧، والكلام وما بعده منه . (٣) المحرر الوجيز ٥٦٧/٤، والبحر ٤٧٣/٧ . سُورَةٌ غَفَلِ ١٠٢ الآية : ٦٥ ﴿وَرَزَقَكُ مِّنَ الَِّبَتِ﴾ أي: المستلَذَّاتِ طعماً ولباساً وغيرَهما، وقيل: الحلالِ. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الذي نُعِت بما ذُكِر من النُّعوت الجليلة ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خبران لـ ((ذلكم)) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تعالى بذاته ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ أي: مالكُهم ومربِّيهم، والكلُّ تحتَ ملكوته مفتقرٌ إليه تعالى في ذاتِهِ ووجودِه وسائرٍ أحوالِهِ جميعِها، بحيثُ لو انقطع فيضُه جلَّ شأنُه عنه آناً لعُدِم بالكلية. ﴿هُوَ الْحَىُّ﴾ المنفرِدُ بالحياة الذاتية الحقيقيَّة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا موجودَ يُدانِيه في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِهِ عزَّ وجلَّ ﴿فَادْعُوُ﴾ فاعبُدُوه خاصّةً لاختصاصِ ما يُوچِب ذلك به تعالى. وتفسيرُ الدعاء بالعبادة هو الذي يقتضيه قولُه تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ﴾ أي: الطاعةَ من الشرك الخَفِيِّ والجَلِيِّ، وأنَّه الأليقُ بالترتُّبِ على ما ذُكر من أوصافٍ الربوبيَّة والألوهيَّة، وإنما ذُكِرت بعنوانِ الدعاء؛ لأنَّ اللائقَ هو العبادةُ على وجهِ التضرُّعِ والانكسارِ والخضوع. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: قائلين ذلك؛ أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عباس قال: مَن قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله ربِّ العالمين، وذلك قولُه تعالى: (فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ) إلخ(١). وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير نحو ذلك(٢). وعلى هذا فـ ((الحمد لله)) إلخ من كلام المأمورين بالعبادة قبلَه. وجوِّز كونُه من كلام الله تعالى على أنه إنشاءٌ لِحَمْدِ(٣) ذاته سبحانه بذاتِه جلَّ شأنُه. (١) تفسير الطبري ٣٥٨/٢٠، والمستدرك ٤٣٨/٢، والأسماء والصفات (١٩٤)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٥٧/٥ . (٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٥٧/٥. (٣) في الأصل و(م): حمد، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٨١/٧. الآية : ٦٦ - ٦٧ ١٠٣ سُوَلا عَنف ﴿قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ الْبَيِّنَتُ مِن رَّبِ﴾ من الحُجَجِ والآياتِ، أو من الآياتِ لكونِها مؤيِّدةً لأدلَّةِ العقل منبِّهةً عليها، فإنَّ الآياتِ التنزيليةَ مفسِّراتٌ للآياتِ التكوينيَّةِ الآفاقَيَّةِ والأنفُسِيَّةِ. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ أي: بأن أنقادَ له تعالى، وأُخلِصَ له عزَّ وجلَّ ديني. ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ في ضمنٍ خَلْقِ آدم عليه السلام منه حسبما مرَّ تحقيقُه ﴿ثُمَّ مِن تُلْفَةٍ﴾ أي: ثم خَلَقكم خلقاً تفصِیلیًّا من نطفةٍ، أي: من منيٍّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ قطعةِ دم جامدٍ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُّكُمْ ◌ِفْلًا﴾ أي: أطفالاً، وهو اسمُ جنسٍ صادقٌ على القليلِ والكثيرِ. وفي ((المصباح)): قال ابن الأنباري: يكونُ الطفلُ بلفظٍ واحدٍ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ والجمع، ويجوز فيه المطابقةُ أيضاً (١). وقيل: إنه أُفرِد بتأويلٍ: خَلقَ كلَّ فردٍ من هذا النوع، ثمَّ يُخرِجِ كلّ فردٍ منه طفلاً . ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ اللام فيه متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديرُه: ثم يُبْقِيكم لتبلغوا، وذلك المحذوفُ عطفٌ على ((يخرجكم))، وجوِّز أن يكونَ ((لتبلغوا)) عطفاً على علَّةٍ مقدَّرةٍ لـ ((يُخْرِجكم)) كأنه قيل: ثم يخرجكم لتكبُرُوا شيئاً فشيئاً ثمَّ لتبلغوا أَشُدَّكم وكمالَكم في القوَّةِ والعقل، وكذا الكلامُ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَا﴾، ويجوزُ عطفُه على (لتبلغوا)). وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائيُّ: ((شِيوخا)) بكسر الشين(٢). وقرئ: ((شيخاً)) كقوله تعالى: ((طفلاً))(٣). (١) المصباح المنير (طفل). (٢) التيسير ص١٩٢، والنشر ٢٢٦/٢. (٣) الكشاف ٤٣٦/٣. سُورَةٌ عَفل ١٠٤ الآية : ٦٨ ﴿وَمِنْكُمْ مَّن يُنَوَّى مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبلِ الشيخوخة بعدَ بلوغ الأشُدِّ، أو قبله أيضاً . وَلِنَبْلُغُواْ﴾ متعلِّقٌ بفعلٍ مقدَّرٍ بعده، أي: ولتبلغوا ﴿أَجَلَا مُسَنَّى﴾ هو يومُ القيامة يَفْعَلُ ذلك الخَلْقَ من ترابٍ وما بعده من الأطوار، وهو عطفٌ على ((خلقكم))، والمرادُ من يوم القيامة ما فيه من الجزاءِ، فإنَّ الخَلْقَ ما خُلِقُوا إلا ليَعْبُدُوا ثم يَبْلُغوا الجزاءَ. وتفسيرُ الأجل المسمَّى بذلك مرويٌّ عن الحسن(١). وقال بعضٌ: هو يومُ الموت. وتُعقِّب بأنَّ وقتَ الموت فُهِم مِن ذِكْر التوَفِّي قبله، فالأَولى تفسيرُه بما تقدَّم، وظاهرُ صنيع الزمخشريِّ ترجيح هذا(٢) على ما بُيِّن في ((الكشف)). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ولكي تَعقِلوا ما في ذلك التقُّلِ في الأطوار من فنونٍ الحِكْم والعِبَر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: أي: ولعلَّكم تعقِلُون عن ربكم أنه يُخيِیكم كما أماتكم(٣). ﴿هُوَ أَلَّذِى يُحٍِ﴾ الأمواتَ ﴿وَيُبِيثٌ﴾ الأحياءَ، أو: الذي يفعل الإحياءَ والإماتةَ ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أرادَ بُروزَ أمرٍ من الأمورِ إلى الوجود الخارجيِّ ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ من غير توقُّفٍ على شيءٍ من الأشياء أصلاً. وهذا عند الخلَف تمثيلٌ لتأثيرٍ قُدرتِه تعالى في المقدورات عند تعلُّقِ إرادتِه سبحانه بها، وتصويرٌ لسرعةٍ ترتُّبِ المكوّناتِ على تكوينِهِ من غير أن يكونَ هناك آمِرٌ ومأمورٌ. وقد تقدّم الكلامُ في ذلك. والفاءُ الأولى للدَّلالةِ على أنَّ ما بعدَها من نتائج ما قبلَها من حيث إنَّه يقتضي قدرةً ذاتيةً غيرَ متوقُّفٍ على العُدَدِ والموادِّ. وجوِّز فيهاَ كونُها تفصيليّةً وتعليليَّةً أيضاً، فتدبّر. (١) مجمع البيان ٢١٣/٢٤. (٢) أي: ترجيح القول الثاني وهو وقت الموت، فإنه قال في الكشاف ٤٣٦/٣: وأما ((ولتبلغوا أجلاً مسمَّى)) فمعناه: ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى، وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة. اهـ. (٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٥٧/٥. الآية : ٦٩ - ٧١ ١٠٥ تعجيبٌ من أحوالِھم ٦٩ ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ◌َايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ الشنيعةِ وآرائِهم الركيكةِ، وتمهيدٌ لِما يعقبه من بيان تكذيبهم بكلِّ القرآن وبسائر الكُتُبِ والشرائعِ وترتيبِ الوعيد على ذلك، كما أنَّ ما سبق من قولِه تعالى: ((إن الذين يجادلون)» إلخ، بيانٌ لابتناءِ جِدالِهم على مبنّى فاسدٍ لا يكاد يدخُلُ تحت الوجود، فلا تكريرَ فيه. كذا في ((إرشاد العقل السليم))(١). وقال القاضي: تكريرُ ذكرِ المجادلةِ لتعدُّدِ المجادِل بأن يكونَ هناكَ قوماً وهنا قوماً آخَرِين، أو المجادَل فيه بأن يُحمَل في كلِّ على معنًى مناسبٍ، ففيما مرَّ في البعث، وهنا في التوحيد، أو هو للتأكيدِ اهتماماً بشأنٍ ذلك(٢). وأختارُ ما في ((الإرشاد))، أي: انظُر إلى هؤلاء المكابرين المجادِلين في آياتِه تعالى الواضحةِ الموجِبةِ للإيمان بها الزاجرةِ عن الجدالِ فيها، كيف يُصْرَفُون عنها مع تعاضُدِ الدواعي إلى الإقبال عليها وانتفاءِ الصَّوارِف عنها بالكلية. وقولُه تعالى: ﴿الَِّينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ﴾ - أي: بكلِّ القرآن، أو بجنس الكُتُب السماوية، فإنَّ تكذيبَه تكذيبٌ لها - في محلِّ الجرِّ على أنه بدلٌ من الموصولِ الأوَّلِ، أو بيانٌ، أو صفةٌ له، أو في محلِّ النصب على الذمِّ، أو في محلِّ الرفع على أنَّه خبرُ محذوفٍ، أو مبتدأُ خبرُه ((فسوف يعلمون))، وإنما وُصِل الموصولُ الثاني بالتكذيبِ دونَ المجادلةِ؛ لأنَّ المعتادَ وقوعُ المجادلةِ في بعض الموادِّ، لا في الكلِّ. وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقيقِ، كما أنَّ صيغةَ المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدُّدِ المجادلةِ وتکرُّرِها . ﴿وَيِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا﴾ من سائرِ الكُتُب على الوجه الأول في تفسير ((الكتاب))، أو مطلَقِ الوخي والشرائع على الوجه الثاني فيه. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ كُنْهَ ما فعلوا من الجِدال والتكذيبِ عندَ مشاهَدتِهم لعقوباتِه. ﴿إِذِ الْأَغْظَلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ﴾ ظرفٌ لـ ((يعلمون)) والمعنى على الاستقبال، والتعبيرُ (١) ٢٨٤/٧. (٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٣٨٢. سُوَلا عَفاء ١٠٦ الآية : ٧٢ بلفظ المُضِيِّ للدلالة على تحقُّقِه حتى كأنَّه ماضٍ حقيقةً، فلا تنافُرَ بينَ ((سوف)) و (إذ)). ﴿وَالسَّلَسِلُ﴾ عطفٌ على ((الأغلال)). والجارُّ والمجرورُ في نية التأخير، كأنه قيل: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم. وقوله تعالى: ﴿يُسْحَبُّونَ ﴾﴾ أي: يُجَرُّون ﴿فِ الْحَمِيمِ﴾ حالٌ من ضميرٍ (يعلمون))، أو ضميرٍ ((في أعناقهم))، أو جملةٌ مستأنفةٌ لبيانِ حالِهم بعدَ ذلك. وجوِّز كونُ ((السلاسل)) مبتدأً، وجملة ((يسحبون)) خبره، والعائدُ محذوفٌ، أي: يُسْحَبُون بها. وجوِّز كونُ «الأغلال)) مبتدأَ ((والسلاسلُ)) عطفٌ عليه، والجملةُ خبرُ المبتدأ، و ((في أعناقهم)) في موضِع الحالِ، ولا يخفى حالُه. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وزيد بن عليٍّ وابن وثاب: ((والسلاسلَ يَسْحَبُون))، بنصب ((السلاسلَ)) وبناءِ ((يَسْحَبُون)) للفاعل(١)، فيكون ((السلاسل)) مفعولاً مقدَّماً لـ ((يَسْحَبُون))، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها، ولا بأسَ بالتفاؤُتِ اسميةً وفعليةً. وقرأت فرقةٌ منهم ابن عباسٍ في رواية: ((والسلاسلٍ)) بالجرِّ(٢)، وخَرَّج ذلك الزجَّاجُ(٣) على الجرِّ بخافضٍ محذوفٍ، كما في قوله: أشارَتْ كُلَيْبٍ بالأَكُفِّ الأَصَابِعِ(٤) أي: وبالسلاسلِ كما قرئ به، أو: وفي السلاسل كما في مصحف أُبَيِّ(٥). (١) القراءات الشاذة ص١٣٣، والمحتسب ٢٤٤/٢، والبحر ٤٧٤/٧-٤٧٥. (٢) الكشاف ٤٣٦/٣، والبحر ٤٧٥/٧ . (٣) في معاني القرآن ٣٧٨/٤. (٤) شطر بيت للفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ٤٢٠، وقد سلف ٧/ ٤٦١، وتمامه: إذا قِيلَ: أيُّ الناسٍ شرٌّ قبيلةٌ أشارَتْ كُلَيْبٍ بالأكُفِّ الأَصابِعُ (٥) قراءة: ((وبالسلاسل)) في الكشاف ٤٣٦/٣، والبحر ٧/ ٤٧٥. والأخرى في المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٩. الآية : ٧٣ - ٧٤ ١٠٧ سُوَلاَ عَدْفِ والفراءُ على العطفِ بحسَبَ المعنى؛ إذ ((الأغلالُ في أعناقهم))، بمعنى: أعناقُهم في الأغلال، ونظيرُه قولُه: مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنِ غُرابُها (١) ويُسمَّى في غير القرآن عطف التوهُّم، وذهب إلى هذا التخريج الزمخشريُّ وابن عطية (٢). وابن الأنباري بعد أن ضعَّفَ تخريجَ الزجَّاج وخرَّجَ القراءةَ على ما قال الفراءُ قال: وهذا كما تقول: خاصَمَ عبدُ الله زيداً العاقِلَيْنِ، بنصب العاقِلَيْنِ ورَفعِه، لأنَّ أحدَهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصَمَه الآخَرُ(٣). وهذه المسألةُ لا تجوز عند البصريين، ونُقِل جوازُها عن محمد بن سعدان الكوفيّ قال: لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما فاعلٌ مفعولٌ (٤). ﴿ِثُمَّ فِ النَّارِ يُْجَرُونَ ﴾﴾ يُحرَقُون ظاهراً وباطناً، من سَجَر التُّّورَ: إذا ملأه إيقاداً، ويكونُ بمعنى: ملأه بالحَطَب ليحمِيَه، ومنه: السَّجِيْرُ، للصديق الخليل، كأنه سُجِر بالحبِّ، أي: مُلِىَ، ويُفْهَمُ من ((القاموس) أنَّ السجْرَ من الأضداد(٥)، وكِلَا الاشتقاقَيْنِ مناسِبٌ في السَّجِيْر، أي: مُلِئَ من حُبُّك، أو فَرَغْ من غيرِك إليك، والأولُ أظھرُ. والمرادُ بهذا وما قبله أنَّهم معذَّبون بأنواع العذاب، سَخْبِهم على وجوههم في النار الموقَدةِ، ثم تسليطِ النارٍ على باطِنهم، وأنهم يعذّبون ظاهراً وباطناً، فلا استدراكَ في ذكر هذا بعدَ ما تقدَّم. ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّ﴾ أي: يقال ﴿ثُمَّ قِبِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُمْ تُشْرِكُنَ لهم ويقولون، وصيغةُ الماضي للدلالةِ على تحقَّقِ الوقوع، والسؤالُ للتوبيخِ، (١) معاني القرآن ١١/٣، والبيت قد سلف ١٢/ ١٧. (٢) الكشاف ٣/ ٤٣٦، والمحرر الوجيز ٥٦٩/٤ . (٣) إيضاح الوقف والابتداء ٨٧٤/٢. (٤) البحر ٧/ ٤٧٥ . (٥) قال في القاموس (سجر): المسجور: الموقَد، والساكن، ضِدٌّ. سُورَةٌ عَنْقَلِ ١٠٨ الآية : ٧٥ وضلالُهم عنهم بمعنى غَيْبَتِهم، مِنْ: ضلَّت دابتُه: إذا لم يُعْرف مكانُها، وهذا لا ينافِي ما يُشْعِرُ بأنَّ آلهتَهم مقرُونُونَ بهم في النار، لأنَّ للنار طبقاتٍ ولهم فيها مواقفُ، فيجوز غَيبتُهم عنهم في بعضِها واقترانُهم بهم في بعضٍ آخَر. ويجوز أن يكونَ ضلالُهم استعارةً لعدم النفعِ، فحضورُهم كالعَدَم، فذُكِر على حقيقته في موضعٍ وعلى مجازِه في آخَر. ﴿بَلِ لَّْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: بل تبيَّنَ لنا اليومَ أنَّا لم نَكُن نعبُدُ في الدنيا شيئاً يُعتَدُّ به، وهو إضرابٌ عن كونِ الآلهةِ الباطلةِ ليست بموجودةٍ عندهم أو ليست بنافعةٍ إلى أنَّها ليست شيئاً يُعتَدُّ به. وفي ذلك اعترافٌ بخطئِهم وندمٌ على قبيحٍ فعلھم حیثُ لا ينفع ذلك. وجعل الجلبي هذه الآيةَ كقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] يَفْزَعُون إلى الكَذِب لحيرَتِهم واضطرابِهم، ومعنى قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ ﴾ أنه تعالى يُخَيِّرُهم في أمرِهم حتى يَفْزَعُون إلى الكذِب مع علمهم بأنَّه لا ينفعهم. ولعلَّ ما تقدَّم هو المناسِبُ للسياق. ومعنى هذا: مِثْلَ ذلك الإضلالِ يُضِلُّ الله تعالى في الدنيا الكافرين حتى إنَّهم يدَّعُون فيها ما يتبيَّنُ لهم أنَّه ليس بشيء، أو: مِثْلَ ضلالِ آلهتِهم عنهم في الآخرة نُضِلُّهم عن آلهتهم فيها حتى لو طَلَبُوا الآلهةَ وطَلَبتْهم لم يلْقَ بعضُهم بعضاً، أو: مِثْلَ ذلك الضلالِ وعدمِ النفع يُضِلُّ الله تعالى الكافرين حتى لا يهتدوا في الدنيا إلى ما ينفَعُهم في الآخرة. وفي ((المجمع)): كما أضَلَّ اللهُ تعالى أعمالَ هؤلاءِ وأبطَلَ ما كانوا يُؤَمِّلونه، كذلك يفعَلُ بأعمالِ جميع مَن يتديَّنُ بالكُفر فلا ينتفعون بشيء منها. فإضلالُ الكافرين على معنى إضلالِ أعمالِهم، أي: إبطالِها، ونقل ذلك عن الحسن(١). وقيل في معناه غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى المذكورِ من سَحْبِهم في السلاسل والأغلال (١) مجمع البيان ٢١٥/٢٤. الآية : ٧٦ ١٠٩ وتسجيرِهم في النار وتوبيخِهم بالسؤال. وجوِّز على بعضِ الأَوْجُهِ أن يكونَ إشارةً إلى إضلال الله تعالى الكافرينَ، وإلى الأوَّلِ ذهب ابنُ عطية (١)، أي: ذلكم العذابُ الذي أنتم فيه ﴿بِمَا كُمْ تَفْرَعُونَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ تَبْطَرُون وتَأْشَرُون كما قال مجاهد(٢) ﴿يِغَيْرِ الْمِ﴾ وهو الشركُ والمعاصي، أو بغيرِ استحقاقٍ لذلك، وفي ذکرٍ ((الأرض)) زيادةُ تفظيعٍ للبَطَر. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٢٥) تتوسَّعُون في الفرَح. وقيل: المعنى: ((بما كنتم تفرحون)) بما يصيبُ أنبياءَ الله تعالى وأولياءَه من المكارِهِ، وبما تتوسّعُون في الفَرَح بما أُوتِيتُم حتى نَسِيتم لذلك الآخرةَ، واشتَغَلْتم بالنعمة عن المُنْعِم. وفي الحديث: ((الله تعالى يُبْغِضُ البَذِخِين الفَرِحِين، ويُحِبُّ كلَّ قَلْبٍ حَزِین))(٣). وبين الفَرَح والمَرَح تجنيسٌ حَسَنٌ، والعُدول إلى الخطابِ للمبالَغةِ في التوبيخ؛ لأنَّ ذمَّ المرء في وجهه تشهيرٌ له، ولذا قيل: النصحُ بين الملأ تقريعٌ. ﴿أَدْخُلُوَاْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي: الأبوابَ المقسومةَ لكم ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ مقدّرين الخلودَ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّرِينَ ﴾﴾ عن الحقِّ جهنمُ، وكان مقتضى النظم الجليل حيثُ صُدِّر بـ ((ادخلوا)) أن يقال: فبئسَ مدخلُ المتكبرين، ليتجاوَبَ الصدرُ والعَجُزُ، لكنْ لَمَّا كان الدخولُ المقيَّدُ بالخلود سببَ الثواء عُبِّر بالمثوى وصحَّ التجاوُبُ معنّى. وهذا الأمرُ على ما استظهره في ((البحر)) مَقُول لهم بعد المحاوَرةِ السابقةِ وهم في النار، ومطمحُ النظر فيه الخلودُ، فهو أمرٌ بقيدِ الخلود لا بمطلَقِ الدخول، (١) في المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٩. (٢) تفسير الطبري ٣٦٦/٢٠. (٣) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ به كما في فيض القدير للمناوي ٢٨٤/٢. وفيه - كما ذكر المناوي - إسماعيل بن أبي زياد الشامي، قال عنه الدارقطني: متروك يضع الحديث. وجزءه الثاني أخرجه البزار (٣٦٢٤ - كشف)، والحاكم في المستدرك ٣١٥/٤، والبيهقي في الشعب (٨٩٢) و(٨٩٣) من طريق ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء مرفوعاً. وهذا إسناد منقطع لأن ضمرة لم يَلْقَ أبا الدرداء. سُوَلاَ غَفاء ١١٠ الآية : ٧٧ ويجوز أن يقال: هم بعدَ الدخول فيها أُمِروا أن يدخُلوا الأبوابَ المقسومةَ لهم، فكان أمراً بالدخول بقيدِ التجزئة لكلِّ بابٍ(١). وقال ابن عطية: يقال لهم قبلَ هذه المحاورة في أول الأمرِ: ((ادخلوا))(٢). ﴿فَأَصْبِرّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بتعذيبِ أعدائِك الكَفَرة ﴿حَقٌ﴾ كائنٌ لا محالة. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصلُه: فإنْ نُرِكَ، فزِيدَت ((ما)) لتوكيدِ ((إن)) الشرطيةِ، ولذلك جازَ أن يلحَقَ الفعلَ نونُ التوكيد على ما قيل. وإلى التلازم بين ((ما)) ونون التوكيد بعدَ ((إن)) الشرطية ذهب المبرِّد والزجَّاجُ(٣)، فلا يجوز عندَهما زيادةُ ((ما)) بدون إلحاقٍ نون، ولا إلحاقُ نون بدون زيادةِ ((ما)»، ورُدَّ بقوله: فإمَّا تَرَيْنِي ولي لِمَّهُ فإنَّ الحوادثَ أَوْدَى بها(٤) ونَسَبِ أبو حيان - على كلام فيه - جوازَ الأمرَیْن إلى سيبويه(٥)، والغالبُ أنَّ (إن)) إذا أكَّدت بـ ((ما)) يلحَقُ الفعلَ بعدها نونُ التوكيد على ما نصّ عليه غيرُ واحد. ﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ﴾ وهو القتلُ والأسْرُ ﴿أَوْ نَتَوَقََّنَّكَ﴾ قبلَ ذلك ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾﴾ يومَ القيامة فنجازِيهم بأعمالِهم، وهو جوابُ (نَتَوقَّيِنَّك))، وجوابُ ((نرينك)) محذوفٌ مثل: فذاك. وجوِّز أن يكونَ جواباً لهما على معنى: إن نعذِّبْهم في حياتِك أو لم نعذِبْهم، فإنَّا نُعذِّبُهم في الآخرةِ أشدَّ العذاب، ويدلُّ على شدَّته الاقتصارُ على ذكر الرجوع في هذا المعرض. والزمخشريُّ أَثَرَ في الآية هنا ما ذُكر أولاً (٦)، وذَكَر في ((الرعد)) في نظيرِها (١) البحر المحيط ٤٧٦/٧، والنهر الماد بهامش البحر ٤٧٤/٧، وتصحف في البحر ((بقيد)) إلى ((يفيد)). (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٧٠ . (٣) سلف عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف. (٤) البيت للأعشى ميمون، وقد سلف عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف. (٥) البحر المحيط ٤٧٧/٧، والكتاب ٥١٥/٣. (٦) الكشاف ٤٣٧/٣. الآية : ٧٨ ١١١ سُورَةٌ غَدْفَارِ أعني قولَه تعالى: ﴿وَإِن مَّا نُرِبَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَيَّنَّكَ فَإنَّا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ [الآية: ٤٠] ما يدلُّ على أنَّ الجملةَ المقرونةَ بالفاء جوابٌ على التقديرَيْن(١). قال في ((الكشف)): والفرقُ أنَّ قولَه تعالى: ((فاصبر إن وعد الله حق)) عِدَةٌ للإنجاز والنصرِ، وهو الذي همّه عليه الصلاة والسلام، وهَمُّ المؤمنين معقودٌ به لمقتضى هذا السياق، فينبغي أن يقدَّر: فذاك، هناك، ثم جيء بالتقدير الثاني ردًّا لشماتتِهم وأنَّه منصورٌ على كلِّ حالٍ وإتماماً للتسلِّي، وأما مساقُ التي في ((الرعد)) فلإيجابِ التبليغ وأنَّه ليس عليه غيرُ ذلك كيفما دارت القضيةُ، فَمَن ذهب إلى إلحاقٍ ما هنا بما في ((الرعدِ)) ذَهَب عنه مغزَى الزمخشريِّ. انتهى، فتأمَّل ولا تغفلْ. وقرأ أبو عبد الرحمن ويعقوب: ((يَرجِعون)) بفتح الياء(٢)، وطلحةُ بن مصرِّف ويعقوبُ في روايةِ الوليد بن حسان بفتح تاء الخطاب(٣). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ ذَوِي خَطَرٍ وكَثْرةٍ ﴿مِّن قَبْلِكَ﴾ من قبلِ إرسالِك ﴿مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا﴾ أوْرَدْنا أخبارَهم وآثارَهم ﴿عَلَيْكَ﴾ كنوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام ﴿وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكٌَ﴾ وهم أكثرُ الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ أخرج الإمام أحمد عن أبي ذرِّ ◌َّه قال: قلتُ: يا رسول الله، كم عِدَّةُ الأنبياء؟ قال: ((مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً، الرُّسُلُ مِن ذلك ثلاث مئة وخمسةَ عشرَ، جمًّا غفيراً»(٤). والظاهرُ أنَّ المراد بالرسول في الآية ما هو أخصُّ من النبيِّ، وربما يُوهِم صنيعُ القاضي أنَّ المراد به ما هو مساوٍ للنبيّ(٥) . وأيًّا ما كان لا دلالةَ في الآية على عدم علمِهِ بَّهِ بعدَدِ الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاةُ والسلامُ كما توهَّم بعضُ الناس، وردّ لذلك خبرَ الإمام أحمد، وجَرَى بيننا وبينَه من النزاع ما جرى، وذلك لأنَّ المنفيَّ القصُّ، وقد علمتَ معناه، (١) الكشاف ٣٦٣/٢. (٢) النشر ٢٠٨/٢ عن يعقوب، والكلام من البحر ٧/ ٤٧٧. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥٧٠، والبحر ٧/ ٤٧٧ . (٤) مسند أحمد (٢٢٢٨٨)، وإسناده ضعيف جدًّا، وسلف ٣٥٩/١٧. (٥) ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٣٨٤. سُورَةٌ غَافِلٍ ١١٢ الآية : ٧٨ فلا يلزمُ مِن نفْي ذلك نفْيُ ذكرٍ أسمائهم، ولو سُلِّم فلا يلزم من نفْي ذكر الأسماء نفْيُ ذكرٍ أنَّ عدَّتَهم كذا من غير تعرُّضٍ لذكرِ أسمائهم، على أنَّ النفْيَ بـ (لم))، وهي على الصحيح تقلِبُ المضارِعَ ماضياً، فالمنْفيُّ القصُّ في الماضي ولا يلزم من ذلك استمرارُ النّفْي، فيجوزُ أن يكونَ قد قُصُّوا عليه عليه الصلاة والسلام جميعاً بعدَ ذلك ولم يَنْزِل ذلك قرآناً، وأظهرُ مِن ذلك في الدلالة على عدم استمرارِ النّفْي قولُه تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصّتَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] لتبادُرِ الذهن فيه إلى أنَّ المرادَ: لم نَقْصُصْهم عليك من قبلُ، لمكانٍ: (قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ). وبالجملة الاستدلالُ بالآية على أنَّه وَِّ لم يَعْلَم عدَّةَ الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ولا عَلِمَها بعدُ = جهلٌ عظيمٌ بل خِذْلانٌ جسيمٌ، نعوذ بالله تعالى مِن ذلك. وأخرج الطبرانيُّ في (الأوسط)) وابنُ مردويه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه في قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)، قال: بعث الله تعالى عبداً حبشيًّا نبيًّا فهو ممن لم يَقْصُصْ على محمدٍ وَ﴾(١). وعن ابن عباس بلفظ: إنَّ الله تعالى بعث نبيًّا أسود في الحبش، فهو ممن لم يقصصْ عليه عليه الصلاة والسلام(٢). والمرادُ بذلك على نحو ما مرَّ أنَّه لم تُذْكر له وَّهِ قِصَصُه وآثارُه ولا أُورِدَت عليه أحوالُه وأخبارُه كما كان في شأن موسى وعيسى وغيرهما من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يقال: المراد أنه لم يُذْكَر له وَّهِ بعثةُ شخصٍ موصوفٍ بذلك، إذ لا يساعِدُ عليه اللفظ، وأيضاً لو أُرِيد ما ذُكر فمن أين عَلِم عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أو ابنُ عباس ذلك؟ وهل يعوِّل(٣) بابُ مدينة العِلم (١) المعجم الأوسط (٩٣١٥)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٥/ ٣٥٧، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٦٨/٢٠. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٢/٧: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. (٢) نقله المصنف من البحر ٤٧٧/٧-٤٧٨، وهو في المحرر الوجيز ٥٧٠/٤ بلفظ مختلف، ولم تقف عليه في مصدر آخر. (٣) في (م): يقول. وهو تصحيف. الآية : ٧٨ ١١٣ عَلى عِلْمٍ لم يُفَضْ عليه من تلك المدينة؟ حاشاه ثم حاشاه، وكذا ابنُ عمِّه العباسِ عبدُ الله. واستشكل هذا الخبرُ بأنَّ فيه رسالةَ العبد، وقد قالوا: العبد لا يكون رسولاً . وأجيب بأنَّ العبدَ فيه ليس بمعنى المملوك، وهو الذي لا يكون رسولاً لنقصان تصرُّفِه ونفرةِ النفوس عن اتِّباعه، بل هو أحدُ العبيد بمعنى السودان عُرْفاً . ولو قيل: إنَّ العبدَ بهذا المعنى لا يكونُ رسولاً أيضاً لنفْرةِ النفوس عن اتباعِه كنفرتها عن اتباعِ المملوك. قلنا: على تقديرٍ تسليم النفرة إنما هي فيما إذا كان الإرسالُ لغير السودان، وأما إذا كان الإرسال للسودان فليست هناك نفرةٌ أصلاً. وظاهرُ لفظ ابن عباس أنَّ ذلك الأسود إنما بُعث في الحبش، والتزامُ أنه لا يكونُ رسولٌ من السودان أولادٍ حام مما لا يُساعِد عليه الدليلُ؛ لأنَّه إن کانت النفرةُ مانعةً من الإرسال فهي لا تتحقَّقُ فيما إذا كان الإرسالُ إلى بني صِنْفه، وإن كان المانعُ أنه لا يوجَدُ متأهِّلٌ للإرسال في بني حام لنقصانِ عقولهم وقلَّةِ کَمالِهم، فدعوَى ذلك جهلٌ، والله تعالى أعلم حيثُ يجعل رسالته، وكم رأينا في أبناءِ حام مَن هو أعقلُ وأكملُ مِن كثيرٍ من أبناءِ سام ويافث، وإن كان قد ورَدَ قاطعٌ من نبيِّنَا وَّرِ أنه لا يكونُ من أولئك رسولٌ، فليُذْكَرِ، وأَنَّى به، ثمَّ إنَّ أمرَ النبوَّةِ فيمن ذُكر أهونُ من أمر الرسالة كما لا يخفى، وكأنه لمجموع ما ذَكَرْنا قال الخفاجيّ عليه الرحمة: في صحَّة الخبرِ نظرٌ (١). ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ أي: وما صحَّ وما استقامَ لرسولٍ من أولئك الرسُل ﴿أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ﴾ بمعجزةٍ ﴿إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالمعجزاتُ على تشغُّبٍ فنونِها عطايا من الله تعالى قَسَمها بينهم حسبَما اقتضَتْه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم البالغةِ، كسائر القِسَم ليس لهم اختيارٌ في إيثارِ بعضِها والاستبدادِ بإتيانِ المقتَرَح بها . (١) حاشية الشهاب ٣٨٤/٧. سُورَةُ غَافِلٍ ١١٤ الآية : ٧٩ ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بالعذابِ في الدنيا والآخرةِ ﴿قُضِىَ بِالْقِ﴾ بإنجاءِ المحقِّ وإثابتِهِ وإهلاكِ المُبطِل وتعذيبِهِ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: وقتَ مجيء أمرِ الله تعالى، اسمُ مكانٍ استُغِيرَ للزمان. ﴿الْمُبْطِلُونَ ﴾ المتمسِّكُون بالباطل على الإطلاق فيدخُلُ فيهم المعانِدُون المقتَرِحُون دخولاً أوَّليًّا. ومن المفسّرين من فسَّر المبطلين بهم، وفسَّر أمرَ الله بالقيامة، ومنهم من فسَّره بالقتل يومَ بدر، وما ذكرنا أَولى. وأبعَدُ ما رأينا في الآية أنَّ المعنى: فإذا أرادَ اللهُ تعالى إرسالَ رسولٍ وبعثةَ نبيٍّ قَضَى ذلك وأنفذَه بالحقِّ وخَسِرَ كلٌّ مُبطِل وحَصَل علی فَسادِ آخرِهِ. ﴿اللّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنَْ﴾ المرادُ بها الإبلُ خاصَّةً كما حُكي عن الزجَّاجِ، واختاره صاحبُ ((الكشاف)) (١)، واللامُ للتعليل لا للاختصاص، فإنَّ ذلك هو المعروفُ في نظير الآية، أي: خَلَقها لأجْلِكم ولمصلَحَتِكم. وقوله تعالى: ﴿لِتَرَكَبُوا مِنْهَا﴾ إلخ، تفصيلٌ لِما دلَّ عليه الكلامُ إجمالاً، ومن هنا جَعَل ذلك بعضُهم بدَلاً مما قبلَه بدلَ مفضَّلٍ من مجمَلٍ بإعادةِ حرفِ الجرِّ، و (من)) لابتداءِ الغاية، أي: ابتداء تعلّق الركوب بها، أو تبعيضيةٌ، وكذا ((من)) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴾﴾. وليس المرادُ على إرادة التبعيض أنَّ كلَّ من الركوب والأكلِ مختصٍّ ببعضٍ معيَّنِ منها بحيثُ لا يجوز تعلُّقُه بما تعلَّقَ به الآخَرُ، بل على أنَّ كلَّ بعضٍ منهما صالحٌ لكلٍّ منهما. نعم كثيراً ما يعدُّون النَجائِبَ من الإیلِ للركوب. والجملة على ما ذهب إليه الجلبي عطفٌ على المعنى، فإنَّ قولَه تعالى: (تركبوا منها)) في معنى: منها تركبون، أو أنَّ ((منها تأكلون)) في معنى: لتأكلوا منها، لكن لم يُؤْتَ به كذلك لنكتةٍ. وقال العلّامة التفتازاني: إنَّ هذه الجملةَ حاليةٌ، لكن يَرِدُ على ظاهرِه أنَّ فيه (١) معاني القرآن ٣٧٨/٤، والكشاف ٤٣٨/٣. الآية : ٨٠ ١١٥ عطف الحال على المفعولِ له، ولا مَحِيصَ عنه سوى تقديرِ معطوفٍ، أي: خلق لكم الأنعامَ منها تأكلون، ليكونَ من عطفِ جملةٍ على جملةٍ. وتعقّبه الخفاجي(١) بقوله: لم يلُحْ لي وجهُ جعْلِ هذه الواو عاطفةً محتاجةً إلى التقديرِ المذكورِ، مع أنَّ الظاهرَ أنها واوٌ حاليةٌ سواءٌ قلنا: إنها حالٌ من الفاعل، أو المفعول. والمنساقُ إلى ذهني العطفُ بحسب المعنى، ولعلَّ اعتبارَه في جانب المعطوف أيسرُ، فيُعْتَبر أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ﴾ أي: غيرُ الركوب والأكلِ كالألبانِ والأوبارِ والجُلودِ، ويقال: إنه في معنى: ولتَنْتَفِعوا بمنافعَ فيها، أو نحو ذلك. ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ﴾ أي: أمراً ذا بالٍ تهتمُّون به، وذلك كحَمْلٍ الأثقالِ من بلدٍ إلى بلدٍ، وهذا عطفٌ على ((لتركبوا منها)) جارٍ (٢) على نمطه. وكان الظاهرُ المزاوجةَ بين الفوائدِ المحصّلةِ من الأنعام، بأن يُؤْتی باللام في الجميع أو تُتْرَك فيه، لكن عُدِل إلى ما في النظم الجليل النكتةٍ؛ قال صاحبُ ((الكشفَ)): إنَّ الأنعام هاهنا لَمَّا أرِيدَ بها الإِبِلُ خاصَّةً جُعل الركوبُ وبلوغُ الحاجة من أتمِّ الغرض منها، لأنَّ جُلَّ منافعِها الركوبُ والحملُ عليها، وأما الأكلُ منها والانتفاعُ بأوبارِها وألبانِها بالنسبة إلى ذينكِ الأمرينِ فَزرٌ قليلٌ، فَأُدخِل اللامُ عليهما وجُعِلا مكتَنِفَينٍ لِما بينهما تنبيهاً على أنَّه أيضاً مما يصلُح للتعليل ولكن قاصراً عنهما، وأما الاختصاصُ المستفادُ من قوله تعالى: ((ومنها تأكلون)) فلأنَّها من بين ما يُقصَد للركوبِ ويُعَدُّ للأكل، فلا ينتَقِضُ بالخيل على مذهبٍ مَن أباحَ لَحمَها، ولا بالبقرِ . وقال صاحبُ ((الفرائد)): إنما قيل: ((ومنها تأكلون ولكم فيها منافع)) ولم يُقَل: لتأكلوا منها ولتصلوا إلى المنافع؛ لأنَّهم في الحال آكِلُون وآخذُون المنافعَ، وأما الركوبُ وبلوغُ الحاجةِ فأمران منتَظَران، فجيء فيهما بما يدلُّ على الاستقبالِ. (١) في الحاشية ٧/ ٣٨٤، وما قبله منه. (٢) في (م): جاء. سُؤَةُ غَفَاءِ ١١٦ الآية : ٨٠ وتعقِّب بأنَّ الكلَّ مستقبَلٌ بالنسبة إلى زَمَنِ الخَلْقِ. وقال القاضي: تَغْبِيرُ النظم في الأكل؛ لأنَّه في حيِّز الضرورة(١). وقيل في توجيهه: يعني أنَّ مدخولَ الغرض لا يلزم أن يترتَّبَ على الفعلِ، فالتغييرُ إلى صورةِ الجملة الحاليةِ مع الإتيانِ بصيغةِ الاستمرار للتنبيهِ على امتيازِه عن الركوبِ في كونِهِ من ضرورياتِ الإنسان، ويطّرِدُ هذا الوجهُ في قوله تعالى: ((ولكم فيها منافع)) لأنَّ المرادَ منفعةُ الشرب واللبس، وهذا مما يلْحَقُ بالضروريات وهو لا يضُرُّ. نعم فيه دغدغةٌ لا تخفى. وقال الزمخشريُّ: إنَّ الركوبَ وبلوغَ الحاجةِ يصحُّ أن يكونا غرضَ الحكيم جلَّ شأنُه لِما فيهما من المنافع الدينية كإقامةٍ دينٍ وطلبٍ علمٍ واجبٍ أو مندوبٍ؛ فلذا جيء فيهما باللام، بخلافِ الأكلِ وإصابةِ المنافع فإنَّهما من جنس المباحات التي لا تکون غرض الحكيم(٢). وهو مبنيٌّ على مذهبِهِ من الربط بين الأمرِ والإرادةِ، ولا يصحُّ أيضاً لأنَّ المباحاتِ التي هي نعمةٌ تصِحُّ أن تكونَ غرضَ الحكيم جلَّ جلالُه عندهم، ويا ليت شعري ماذا يقول في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]؟! نعم لو ذَكَر أنَّه لاشتماله على الغرضِ الدينيِّ كان أنسبَ بدخولِ اللام، لكان وجهاً إن تمَّ . وقيل: تغييرُ النظمِ الجليلِ في الأكل لمُراعاةِ الفواصلِ كما أنَّ تقديمَ الجارِّ والمجرورِ لذلك، وأما قوله تعالى: ((ولكم فيها منافع)) فكالتابع للأكل فأُجرِيَ مُجراه. وهو كما ترى. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ توطِئةٌ لقولِه سبحانه: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ليجمَعَ بين سفائنِ البَرِّ وسفائن البحر، فكأنه قيل: وعليها في البرِّ وعلى الفُلك في البحر تحملون، فلا تكرارَ. (١) تفسير البيضاوي ٣٨٥/٧. (٢) الكشاف ٤٣٨/٣-٤٣٩. الآية : ٨١ ١١٧ سُورَةٌ غَافِلِ وفي ((إرشاد العقل السليم)): لعلَّ المرادَ بهذا الحمل حملُ النساء والولدانِ عليها بالهودَج، وهو السرُّ في فصله عن الركوب(١). وتقديم الجارِّ - قيل - لمراعاةِ الفواصل كتقديمه قبلُ. وقيل: التقديمُ هنا وفيما تقدَّم للاهتمام. وقيل: ((وعلى الفلك)) دون: في الفلك كما في قوله تعالى: ﴿أَحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] لأنَّ معنى الظرفيةِ والاستعلاءِ موجودٌ فيها فيصحُ كلِّ من العبارتين، والمرجِّحُ لـ ((على)) هنا المشاكلةُ. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ المرادَ بالأنعام الأزواجُ الثمانية، فمعنى الركوبِ والأكل منها تعلُّقُهما بالكلِّ، لكنْ لا على أنَّ كلَّا منهما مختصٍّ ببعضٍ معيَّنٍ منها بحيثُ لا يجوز تعلُّقُه بما تعلَّق به الآخرُ، بل على أنَّ بعضَها يتعلَّقُ به الأكلُ فقط کالغنم، وبعضها يتعلَّقُ به كلاهما كالإبل. ومنهم من عدَّ البقرَ أيضاً، وركوبُه معتادٌ عند بعضٍ أهل الأخبية. وأدَرَجَ بعضُهم الخيلَ والبغالَ وسائرَ ما يُنتفَعُ به من البهائم في الأنعام، وهو ضعيفٌ . ورجّح القولُ بأنَّ المرادَ الأزواجُ الثمانية على القولِ المحكيِّ عن الزجَّاج من أنَّ المرادَ الإبِلُ خاصَّةٌ(٢) = بأنَّ المقامَ مقام امتنانٍ، وهو مقتضٍ للتعميم. والظاهرُ ذاك(٣)، وكون المقام مقامَ امتنانٍ غيرُ مسلَّم، بل هو مقامُ استدلالٍ كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] كما يُشعِر به السياقُ، ولا يأباه ذكرُ المنافع فإنه استطراديٌّ. ﴿وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: دلائلَه الدالَّةَ على كمالِ شؤونه جلَّ جلالُه ﴿فَأَنَّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: فأيَّ آيةٍ من من تلك الآياتِ الباهرةِ ﴿تُكِرُونَ ﴾﴾ فإنَّ كلَّ منها من (١) تفسير أبي السعود ٢٨٦/٧. (٢) معاني القرآن ٣٧٨/٤. (٣) أي: ما ذهب إليه الزجاج. ينظر حاشية الشهاب ٣٧٤/٧. سُورَة عَفرِ ١١٨ الآية : ٨٢ - ٨٣ الظهور بحيث لا يكاد يَجتَرِئُ على إنكارِها مَن له عقلٌ في الجملة. فـ ((أي)) للاستفهامِ التوبيخيٍّ وهي منصوبةٌ بـ ((تنكرون))، وإضافةُ الآيات إلى الاسمِ الجليلِ التربيةِ المهابة وتهويلٍ إنكارِها، وتَذْكيرُ ((أيّ)) في مثلِ ما ذُكِر هو الشائعُ المستفيضُ، والتأنيث قليلٌ ومنه قوله: بأيِّ كتابٍ أم بأيَّةٍ سُنَّةٍ ترى حبَّهم عاراً عليَّ وَتَحْسِبُ(١) قال الزمخشريُّ: لأنَّ التفرقةَ بين المذكّر والمؤنَّثِ في الأسماء غيرِ الصفات نحو: حمارٍ وحمارةٍ، غريبٌ، وهي في ((أيّ)) أغربُ لإبهامه(٢)؛ لأنَّه اسمُ استفهامٍ عمَّا هو مبهمٌ مجهولٌ عندَ السائلِ، والتفرقةُ مخالفةٌ لِما ذُكر؛ لأنَّها تقتضي التمييزّ بينَ ما هو مؤنَّثٌ ومذَكَّرٌ، فيكونُ معلوماً له. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي: أَقَعَدُوا فلم يسيروا؟ على أحدِ الرأيين ﴿فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُوا كَيِفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المهلَكِة، وقولُه تعالى: ﴿كَنُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ إلخ استئنافٌ نظيرَ ما مرَّ في نظيره أوَّلَ السورة، بل أكثرُ الكلامِ هناك جارٍ هاهنا . ﴿فَمَّ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾﴾ ((ما)) الأولى نافيةٌ، أو استفهاميةٌ في معنى النفْي في محلِّ نصبٍ بـ ((أغنى)، والثانيةُ موصولةٌ في موضعِ رفعٍ بهَ، أو مصدريةٌ والمصدرُ الحاصلُ بالتأويلِ مرفوعٌ به أيضاً. أي: لم يُغنِ عنهم، أو: أيَّ شيء أغْنَی عنهم، الذي گسبوه أو گَسْبُهم. ﴿فَلَمَّا جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ بالمعجزاتِ، أو بالآيات الواضحاتِ الشاملةِ لذلك ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ ذُكر فيه ستةُ أوجُوٍ: الأول: أنَّ المرادَ بـ ((العلم)) عقائدهم الزائغة وشُبَههم الداحضة فيما يتعلَّقُ بالمبدأ والمعادِ وغيرهما، أو عقائدهم المتعلّقة بأحوالِ الآخرة كما هو ظاهرُ كلام ((الكشاف))(٣)، والتعبيرُ عن ذلك بـ ((العلم)) على زعمهم؛ للتھگّم كما في قوله تعالى: (١) البيت للكميت بن زيد الأسدي، وهو في ديوانه ص٥١٦. (٢) الكشاف ٤٣٩/٣، وما بعده من كلام الشهاب في الحاشية ٣٨٥/٧. (٣) ٤٣٩/٣. الآية : ٨٣ ١١٩ ﴿بَلِ آَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَؤُ﴾ [النمل: ٦٦] والمعنى أنَّهم كانوا يفرَحون بذلك ويستَحْقِرون له علمَ الرُّسُل عليهم السلام ويدفعون به البيِّنَاتِ. الثاني: أنَّ المرادَ به علمُ الفلاسفة والدهريِّين من بني يونان (١) على اختلافٍ أنواعِه، فكانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغَّروا علمَ الأنبياء عليهم السلام إلى ما عندهم من ذلك. وعن سقراط أنَّه سمع بموسى عليه الصلاة والسلام، وقيل له: لو هاجرتَ إليه، فقال: نحن قومٌ مهذَّبون فلا حاجةَ لنا إلى مَن يهذِّبنا. والزمانُ متشابهٌ فقَدْ رأينا مَن تَرَك متابعةً خاتم المرسَلين ◌َِّ واستنكَفَ عن الانتساب إلى شريعة أحدٍ منهم فَرَحاً بما لَحِسَ مِن فَضَلات الفلاسفة، وقال: إنَّ العلمَ هو ذاك دونَ ما جاءَّ به الرسُلُ صلواتُ الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. الثالث: أنَّ أصلَ المعنى: فلمَّا جاءتهم رسلُهم بالبيناتٍ لَمْ يفرَحُوا بما جاءهم من العلم، فوُضِع(٢) موضعَه: فرحوا بما عندهم من الجهل، ثم سمِّ ذلك الجهلُ علماً لاغتباطهم به، ووَضْعِهم إياه مكانَ ما ينبغي لهم من الاغتباط بما جاءهم من العلم. وفيه التهكّم بفرطِ جهلهم والمبالغةُ في خلوّهم من العلم. وضميرُ ((فرحوا)) و((عندهم)) على هذه الأوجُهِ للكفَرة المحدَّثِ عنهم. الرابع: أنْ يُجْعَل ضميرُ ((فرحوا)) للكَفَرة وضميرُ ((عندهم)) للرسُلِ عليهم السلام، والمرادُ بـ ((العلم)) الحقُّ الذي جاء المرسَلون به، أي: فرِحوا بما عندَ الرسل من العلم فَرَحَ ضَحِكٍ منه واستهزاءٍ به، وخلاصتُه أنَّهم استهزؤوا بالبيناتِ وبما جاء به الرسُلُ من عِلم الوحي، ويؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ الخامس: أن يجعل الضميرانِ للرسُل عليهم السلام، والمعنى أنَّ الرسلَ لَمَّا رأوا جهْلَ الكَفَرةِ المتمادي واستهزاءَهم بالحقِّ، وعَلِموا سوْءَ عاقبتِهم وما يلحَقُهم من العقوبة على جهلِهم واستهزائِهم، فَرِحُوا بما أُوْتُوا من العلم وشَكَروا اللهَ تعالى، وحاق بالكافرين جزاءُ جهلهم واستهزائِهم، وحُكي هذا عن الجُبائي(٣). (١) ورد في هامش الأصل: ((يَونان)) بفتح الياء. (٢) وقع في الأصل و(م): فوضعوا، والمثبت هو الصواب، ينظر الكشاف ٤٣٩/٣. (٣) مجمع البيان ٢١٩/٢٤. سُورَلا غفل ١٢٠ الآية : ٨٤ السادس: أن يُجعلَ الضميران للكُفَّار، والمرادُ بـ ((ما عندهم من العلم)): علمُهم بأمورٍ الدنيا ومعرفتُهم بتدبيرِها كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُنيا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُْ غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلِمْ﴾ [النجم: ٣٠] فلمَّا جاءهم الرسُلُ بعلم الديانات وهي أبعدُ شيء من علمِهم - لبَعْثِها على رفضٍ الدنيا والظلف عن الملاذِ والشهواتِ - لم يلتفتوا إليها وصغَّروها واستهزؤُوا بها، واعتقدوا أنَّه لا علمَ أنفعُ وأجلبُ للفوائد من علمهم فَرِحوا به. قال صاحبُ ((الكشف)»: والأرجحُ من بينِ هذهِ الأوجُه الستة الثالثُ، ففيه التهكُّم والمبالغةُ في خلوِّهم من العلم، ومشتَمِلٌ على ما يشتَمِلُ عليه الأولُ وزيادةٍ، سالمٌ عن عدم الطّباقِ للواقع كما في الثاني، وعن قُصُورِ العبارة عن الأداء كالرابع، وعن فكِّ الضمائر كما في الخامسِ، والسادسُ قريبٌ لكنَّه قاصِرٌ عن فوائدٍ الثالث. انتهى، فتأمَّلْه جدًّا. وأبو حيان استحسَنَ الوجهَ السادسَ، وتعقّبَ الوجهَ الثالثَ بأنَّه لا يعبّر بالجملة الظاهرِ كونُها مُثبَتَةً عن الجملة المنفيةِ إلَّا في قليلٍ من الكلام، نحو: شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ، على خلاف فيه، ولَمَّا آل أمرُه إلى الإثباتِ المحصورِ جاز، وأما الآية فينبغي أن لا تُحمَلَ على القليل لأنَّ في ذلك تخليطاً لمعاني الجُمَلِ المتباينةِ فلا يوثق بشيء منها(١). وأنتَ تَعلم أنه لا تباينَ معنّى بينَ ((لم يفرحوا بما جاءهم من العلم)) و(فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) على ما قَرِّر. نعم هذا الوجه عندي مع ما فيه من حُسن لا يخلو عن بُعد، وكلامُ صاحب ((الكشف)) لا يخلو عن دغْدَغَةٍ. ﴿فَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ شدَّة عذابِنا، ومنه قولُه تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَيْسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] ﴿ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿٨﴾ يعنونَ الأصنامَ، أو سائرَ آلهتهم الباطلةَ. (١) البحر المحيط ٤٧٩/٧، وتحرف ((الإثبات)) في البحر إلى: ((الإيثاء)»، والمثبت من الدر اللقيط بهامش البحر.