النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٤٦
٨١
سُورَةُ غَفِلٍ
والسرُّ في إفادةٍ تعظيم النارِ في هذا الوجه دونَ ما تضمَّنَ تفسير ((سوء العذاب))
وبيان كيفيةِ التعذيب = أنَّك إذا فسَّرتَ ((سوء العذاب)) بالنار فقد بالغت في تعظيم
سوء العذاب، ثم استأنفتَ بـ ((يعرضون عليها)) تتميماً لقوله تعالى: ((وحاق بآل
فرعون)) من غيرِ مدخلٍ للنار فيما سيق له الكلام، وإذا جئتَ بالجملتَين من غيرِ نظرٍ
إلى المفردَين وأنَّ أحدَهما تفسيرٌ للآخر فقد قصدتَ بالنار قصدَ الاستقلال حيثُ
جعلتَها معتمَدَ الكلام وجئتَ بالجملة بياناً وإيضاحاً للأولى، كأنك قد آذنتَ بأنَّها
أوضحُ لاشتمالِها على ما لا أسوأَ منه، أعني النارَ؛ على أنَّ مِن موجباتِ تقديم
المسنَد إليه إنباؤُه عن التعظيم مع اقتضاءِ المقام له، وهاهنا كذلك على ما لا يخفى،
والتركيبُ أيضاً يفيد التقوِّي على نحو: زيدٌ ضربته.
ومن هنا قال صاحبُ ((الكشف)»: هذا هو الوجهُ، وأُيِّد بقراءةٍ مَن نَصَبَ
((النارَ)(١) بناءً على أنها ليست منصوبة بـ: أخصُّ أو أعني، بل بإضمارٍ فعلٍ يفسِّره
(يُعرَضون)) مثل: يُصْلَوْنَ، فإنَّ عرضَهم على النار إحراقُهم بها مِن قولهم: عُرِض
الأسارى على السيف؛ قُتِلوا به، وهو من بابِ الاستعارةِ التمثيلية بتشبيهِ حالِهم
بحالِ متاعٍ يُبْرَز لمن يريد أخذَه، وفي ذلك جعلُ النار كالطالبِ الراغبِ فيهم لشدَّةِ
استحقاقهم الهلاكَ.
وهذا العرضُ لأرواحهم؛ أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن
هذيل بن شرحبيل أنَّ أرواحَ آلِ فرعون في أجوافٍ طيرٍ سودٍ تغدو وتَروحُ على
النار، فذلك عَرْضُها(٢) .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحو ذلك(٣).
وهذه الطيرُ صُوَرٌ تُخلَق لهم من صُوَرٍ أعمالهم، وقيل: ذاك من بابِ التمثيل.
وليس بذاك.
(١) الكشاف ٣/ ٤٣٠، والبحر ٤٦٨/٧ .
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٦٥/١٣-١٦٦، والزهد لهناد بن السري (٣٦٦)، وعزاه لعبد بن
حميد السيوطي في الدر ٣٥١/٥. ووقع في (م): ((هزيل)) بالزاي، وهو تصحيف.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٨٢/٢، وعزاه لابن أبي حاتم ابن كثير عند تفسير هذه الآية.

سُوَلاَ غَفَرٍ
٨٢
الآية : ٤٦
وذكرُ الوقتين ظاهرٌ في التخصيص، بمعنى أنَّهم يُعْرَضُون على النارِ صباحاً مرَّةً
ومساءً مرَّةً، أي: فيما هو صباحٌ ومساءٌ بالنسبة إلينا، ويشهَدُ له ما أخرجه ابن
المنذر والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وغيرُهما عن أبي هريرةَ أنه كان له صرختان في
كلِّ يوم غدوةً وعشيَّةً، كان يقولُ أوَّلَ النهار: ذهبَ الليل وجاء النهار وعُرِض آلُ
فرعون على النار، ويقول أولَ الليل: ذهب النهارُ وجاء الليلُ وعُرِض آل فرعون
على النار. فلا يسمعُ أحدٌ صوتَه إلا استعاذَ بالله تعالى من النار(١).
والفصلُ بين الوقتين إمَّا بتركِ العذاب أو بتعذيبِهِم بنوعٍ آخرَ غيرِ النار. وجوِّز
أن يكونَ المرادُ التأبيدَ؛ اكتفاءً بالطرفَيْن المحيطَيْن عن الجميع.
وأيًّا ما كان ففي الآية دليلٌ ظاهرٌ على بقاء النفس وعذابِ البرزخِ؛ لأنه تعالى
بعدَ أن ذَكَر ذلك العرضَ قال جلَّ شأنه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْرِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذَابِ ﴾﴾ وهو ظاهرٌ في المغايرة فيتعيّنُ كونُ ذلك في البرزخ، ولا قائلَ بالفرق
بينَهم وبين غيرهم، فيتمُّ الاستدلالُ على العموم، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن
عمر عن رسول الله وَله: ((إنَّ أحدكم إذا مات ◌ُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعَشِيِّ،
إن كان مِن أهْلِ الجنة فَمِنْ أهلِ الجنة، وإنْ كانَ مِن أهلِ النارِ فمِن أهلِ النار،
فيقال: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله تعالى))(٢).
و((يوم)) على ما استظهره أبو حيان(٣) معمولٌ لقولٍ مضمَرٍ، والجملةُ عطفٌ
على ما قبلَها، أي: ويومَ تقومُ الساعةُ يُقال للملائكة: أَدْخِلوا آلَ فرعون أشدَّ
العذاب، أي: عذابَ جهنّمَ، فإنَّه أشدُّ مما كانوا فيه، أو أشدَّ عذابٍ جهنّمَ، فإنَّ
عذابَها ألوانٌ بعضُها أشدُّ من بعضٍ.
وعن بعضٍ: أشدُّ العذابِ هو عذابُ الهاوية.
وقيل: هو معمولُ: ((أدخلوا)). وقيل: هو عطفٌ على ((عشيًّا))، فالعاملُ فيه
(يُعرَضون))، و((أدخلوا)) على إضمارِ القول. وهو كما ترى.
(١) شعب الإيمان (٤٠٠)، وعزاه لابن المنذر وعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٥٢/٥.
(٢) صحيح البخاري (٦٥١٥)، وصحيح مسلم (٢٨٦٦)، وهو عند أحمد (٤٦٥٨).
(٣) في البحر المحيط ٤٦٨/٧ .

الآية : ٤٧
٨٣
وقرأ عليٍّ كرَّم الله وجهه والحسن وقتادة وابن كثير والعربيان وأبو بكر:
((ادْخُلُوا)) على أنَّه أمرٌ لآلِ فرعون بالدخول(١)، أي: ادْخُلوا يا آلَ فرعون.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِ النَّارِ﴾ معمولٌ لـ: اذكر، محذوفاً، أي: واذكُرْ
وقتَ تخاصُمِهم في النار، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ القصَّةِ على القصَّةِ،
لا على مقدَّرٍ تقديرُه: اذكُرْ ما تُلِيَ عليك من قصَّةِ موسى عليه السلام وفرعونَ
ومؤمنٍ آل فرعون، ولا على قولِه تعالى: ﴿فَلَ يَغْرُرَكَ تَقَلُّهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ﴾ [غافر: ٤]،
أو على قوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] لعدم الحاجة إلى التقدير في
الأول، وبُعد المعطوفِ عليه في الأخيرَیْن.
وزعم الطبريُّ أنَّ ((إذه معطوفةٌ على ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَتَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨](٢)،
وهو مع بُعدِه فيه ما فيه.
وجوِّز أن تكونَ معطوفةً على ((غدوًّا))، وجملةُ ((يوم تقوم)) اعتراضٌ بينَهما، وهو
مع كونه خلافَ الظاهر قليلُ الفائدة.
وضميرُ ((يتحاجُّون)) على ما اختاره ابن عطية(٣) وغيرُه لجميعِ كفَّارِ الأمَم.
ويتراءى من كلام بعضِهم أنه لكفَّارِ قُريش. وقيل: هو لآل فرعون.
وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ الشُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوَا﴾ تفصيلٌ للمُحاجَّة والتخاصُمِ
في النار، أي: يقول المرؤوسون لرؤسائهم: ﴿إِنَّا كُنَّ﴾ في الدنيا ﴿لَكُمْ تَبَعَا﴾
تباعاً، فهو كخَدَم في جمعٍ خادم.
وذهب جمعٌ - لقلَّةِ هذا الجمع - إلى أنَّ (تَبَعاً)) مصدرٌ، إمّا بتقديرِ مضافٍ، أي:
إنا كنَّا لكم ذَوي تَبَعِ، أي: أتباعاً، أو على التجوُّزِ في الطرفِ أو الإسناد للمبالغة
بجعلهم لشدَّةِ تبعيَّتِهمْ كأنهم عينُ التبعية.
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴾﴾ بدفع بعضٍ عذابها أو بتحمُّلِه
(١) التيسير ص ١٩٢، والنشر ٢/ ٣٦٥ عن ابن كثير وأبي بكر والعربيين، وهما أبو عمرو وابن
عامر.
(٢) تفسير الطبري ٣٤١/٢٠.
(٣) في المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٣.

سُورَةٌ غَفَاءِ
٨٤
الآية : ٤٨
عنا، و((مغنون)) مِن الغَناءِ بالفتح بمعنى الفائدة، و((نصيباً)) بمعنى حِصَّةٍ مفعولٌ لِما
دلَّ عليه من الدفع أو الحمل، أو له بتضمينِ أحدِهما، أي: دافعين أو حاملين عنَّا
نصيباً، ويجوز أن يكونَ ((نصيباً)) قائماً مقامَ المصدرِ كـ (شيئاً)) في قوله تعالى: ﴿أَنْ
تُفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَاهُمْ وَلَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئَّأْ﴾ [المجادلة: ١٧]، و ((من النار)) على هذا
متعلّقٌ بـ ((مُغْنونَ))، وعلى ما قبلَه ظرفٌ مستقِرٍّ بيانٌ لـ ((نصيباً)).
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوَا﴾ للضعفاءِ: ﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَا﴾ نحن وأنتم، فكيف نُغْني
عنكم؟! ولو قدَرْنا لدفَعْنا عن أنفسنا شيئاً من العذاب، ورفع ((كلٌّ) على الابتداء،
وهو مضافٌ تقديراً لأنَّ المراد: كلُّنا، و((فيها)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إنَّ).
وقرأ ابنُ السميفع وعيسى بن عمر: ((كلَّا)) بالنصب، وخرَّجه ابنُ عطية
والزمخشريُّ على أنه توكيدٌ لاسم ((إنَّ)(١)، وكونُ ((كل)) المقطوعِ عن الإضافة يقعُ
تأكيداً اكتفاءً بأنَّ المعنى عليها مذهبُ الفراء، ونقله أبو حيان عن الكوفيين(٢).
وردّه ابن مالك في شرحه لـ ((التسهيل)).
وقيل: هو حالٌ من المستكَنِّ في الظرف.
وتعقّب بأنه في معنى المضاف ولذا جاز الابتداءُ به، فكيف يكون حالاً؟ وإذا
سلِّم كفايةُ هذا المقدار من التنكير في الحالية فالظرفُ لا يعمل في الحال المتقدِّمةِ
كما يعمل في الظرف المتقدِّم نحو: كلَّ يوم لك ثوبٌ.
وأجيب عن أمرٍ العمل بأنَّ الأخفش أجازَ عملَ الظرف في الحال إذا توسَّطت
بينَه وبين المبتدأ، نحو: زيدٌ قائماً في الدار عندك، وما في الآية الكريمة كذلك،
على أنَّ بعضَهم أجاز ذلك ولو تقدَّمت الحالُ على المبتدأ أو الظرف؛ نعم منَعَه
بعضُهم مطلقاً لكن المخرِّجَ لم يقلِّده.
وابنُ الحاجب جوَّزه في بعض كتبه ومنعه في بعض، قيل: وقد يوفَّق بينهما بأنَّ
المنعَ على تقديرِ عمل الظرف لنيابته عن متعلَّقه، والجوازُ على جعل العاملِ متعلَّقه
(١) الكشاف ٣/ ٤٣٠، والمحرر الوجيز ٤٦٣/٤، والبحر ٤٦٩/٧ .
(٢) البحر ٤٦٩/٧. والكلام وما بعده منه.

الآية : ٤٨
٨٥
سُورَةٌ غَافِلٍ
المقدَّر فيكونُ لفظيًّا لا معنويًّا، وإلى هذا التخريج ذهب ابن مالك، وأنْشد له قول
بعض الطائيين :
دَعا فَأَجَبْنا وَهْوَ باديَ ذِلَّةٍ لَدَيكم فكانَ النصرُ غيرَ قريب(١)
وحُمل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] في قراءة النصب
على ذلك.
وقال أبو حيان: الذي أختاره في تخريج هذه القراءة أنَّ ((كلَّا)) بدلٌ من اسم
(إنَّ)؛ لأنَّ ((كلَّا)) يُتصرَّف فيها بالابتداءِ ونواسخِه وغيرِ ذلك، فكأنه قيل: إنَّ كلَّا
فيها. وإذا كانوا قد تأوَّلوا: حولاً أكتعاً، ويوماً أجمعاً، على البدل مع أنَّهما
لا يليان العواملَ، فَأَن يُدَّعَى في ((كلّ)) البدلُ أولى، وأيضاً فتنكير ((كلّ)) ونصبُه حالاً
في غاية الشذوذ نحو: مررتُ بهم كلًّا، أي: جميعاً.
ثم قال: فإن قلتَ: كيف تجعله بدلاً وهو بدلُ كلٍّ من كلٍّ من ضمير المتكلِّم، وهو
لا يجوز على مذهب جمهور البصريين(٢)؟ قلتُ: مذهب الأخفش والکوفیین جوازُه،
وهو الصحيح، على أنَّ هذا ليس مما وقع فيه الخلافُ، بل إذا كان البدلُ يفيد الإحاطةَ
جاز أن يُبْدَل من ضميرٍ المتكلِّم وضميرِ المخاطَب لا نعلم خلافاً في ذلك كقوله تعالى:
﴿َتَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] وكقولك: مررتُ بكم صغيرِكم
وكبيرِكم، معناه: مررتُ بكم كلِّكم، و: تكونُ لنا عيداً كلِّنا، فإذا جاز ذلك فيما هو
بمعنى الإحاطة فجوازُه فيما دلَّ على الإحاطة وهو ((كلّ)) أولى، ولا التفات لمنع المبرِّد
البدلَ فيه لأنَّه بدلٌ من ضمير المتكلِّم؛ لأنه لم يحقّق(٣) مناط الخلاف. انتهى.
ولعلَّ القولَ بالتوكيد أحسنُ من هذا وأقربُ، وردُّ ابن مالك له لا يعوَّل عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ®﴾ فأدخَلَ أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ
النارَ، وقدَّر لكلِّ منا ومنكم عذاباً لا يُدفع عنه ولا يتحمَّلُه عنه غيرُه.
(١) البحر ٧ /٤٦٩ .
(٢) وقع في الأصل: جمهور المتكلمين، وفي (م): جمهور النحويين. وفي مطبوع البحر:
البصريين، وكلمة جمهور ساقطة منه، والمثبت من النهر الماد لأبي حيان على هامش البحر
٤٦٩/٧.
(٣) في النهر والبحر: يتحقق.

سُوَلَ غَافِلٍ
٨٦
الآية : ٤٩ - ٥٠
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ﴾ من الضعفاء والمستكبرين جميعاً لَمَّا ضاقت بهم الحِيَلُ
وَعَيَّت بهم العِلَلُ ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أي: للقُوَّام بتعذيبٍ أهل النار، وكان الظاهرُ
(خزنتها)) بضميرِ النار، لكن وُضع الظاهرُ موضعَه للتهويل، فإنَّ جهنَّمَ أخصُّ من
النار بحسب الظاهرِ؛ لإطلاقِها على ما في الدنيا، أو لأنَّها محلٌّ لأشدِّ العذابِ
الشاملِ للنار وغيرِها .
وجوِّز أن يكونَ ذلك لبيانٍ محلِّ الكَفَرةِ في النار بأنْ تكونَ جهنّمُ أبعدَ دَرَكاتِها ،
من قولهم: بئرٌ جِهِنَّامٌ: بعيدةُ القعر، وفيها أعتى الكَفَرةِ وأطغاهم، فلعلَّ الملائكةَ
المؤكَّلين بعذابٍ أولئك أجْوَبُ دعوةً لزيادة قربهم من الله عزَّ وجلَّ فلهذا تعمَّدهم
أهلُ النار بطلب الدعوة منهم، وقالوا لهم: ﴿أَدّعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ أي:
مقدارَ يوم من أيام الدنيا ﴿مِّنَ الْعَذَابِ ﴾﴾ أي: شيئاً من العذاب، فمفعولٌ
(يخفِّف)) محذوفٌ، و((مِن)) تحتمل البيانَ والتبعيضَ، ويجوز أن يكونَ المفعولُ
(يوماً)) بحذف المضافِ نحو: ألَمَ يومٍ، و ((من العذاب)) بيانه، والمرادُ: يَدْفَع عنا
يوماً من أيام العذاب.
﴿قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَهِنَتِ﴾ أي: أَلَم تُنَبَّهُوا على هذا ولم تَكُ
تأتيكم رسلُكم في الدنيا على الاستمرار بالحجَج الواضحة الدالّة على سُوءِ مغبّةٍ
ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ
عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١]، وأرادوا بذلك إلزامَهم
وتوبيخَهم على إضاعة أوقاتِ الدعاء وتعطيلِ أسبابِ الإجابة.
﴿قَالُواْ بَلَى﴾ أي: أَتَوْنا بها فكذَّبناهم، كما نطق به قولُه تعالى: ﴿بَ قَدْ جَنَا
نَذِيرٌ فَكَذَبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩].
والفاءُ في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ فَأَدْعُواْ﴾ فصيحةٌ، أي: إذا كان الأمرُ كذلك
فادعوا أنتم، فإنَّ الدعاءَ لمن يَفْعَل فعلَكم ذلك مستحيل صدوره عنا.
وقيل في تعليلِ امتناع الخَزَنة عن الدعاء: لأنَّا لم نُؤذَن في الدعاء لأمثالكم.
وتعقّب بأنَّه مع عَرائِهِ عن بيانٍ أنَّ سببه من قِبَل الكَفَرة كما يُفْصح عنه الفاءُ ربَّما
يُوهِم أنَّ الإذنَ في حيِّزِ الإمكان، وأنَّهم لو أُذِن لهم لفَعَلوا، فالتعليلُ الأوَّلُ أولى.

٨٧
الآية : ٥١
ولم يُرِيدوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهم في الإجابة، بل إقناطَهم منها وإظهارَ
خَيْبَتِهِم حَسْبَما(١) صرَّحوا به في قولهم: ﴿وَمَا دُعَدُوَّا الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
٥٠
أي: في ضياعِ وبطلانٍ، أي: لا يُجاب، فهذه الجملةُ مِن كلام الخَزَنة، وقيل: هي
من كلامه تعالى إخباراً منه سبحانه لرسوله محمد صل﴾.
واستدلَّ بها مطلقاً مَن قال: إنَّ دعاءَ الكافر لا يُستجاب، وأنَّه لا يمكّن مِن
الخروج في الاستسقاء. والحقُّ أنَّ الآيةَ في دُعاءِ الكُفَّار يومَ القيامة، وأنَّ الكافرَ قد
يقع في الدنيا ما يدعو به ويطلبه من الله تعالى إثرَ دعائه، كما يشهَدُ بذلك آياتٌ
كثيرةٌ، وأمَّا أنَّه هل يقال لذلك إجابةٌ أم لا؟ فبحث لا جدوى له.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلخ، كلامٌ مستأنَفٌ مسوقٌ مِن
جهتِه تعالى لبيانِ أنَّ ما أصاب الكَفَرةَ من العذابِ المحكيٍّ مِن فروعٍ حُكْمٍ كليٍّ
تقتضيه الحكمةُ، هو: إنَّ شأنَنا المستمِرَّ أنَّنا نَنْصُر رُسُلَنا وأتباعَهم ﴿فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ بالحُجّة والظفر والانتقام لهم من الكَفَرةِ بالاستئصالِ والقتلِ والسَّبْي وغيرِ
ذلك من العقوبات. ولا يقدَحُ في ذلك ما قد يتَّفِقِ للكَفَرة من صُورةِ الغلبة امتحاناً،
إذ العبرةُ إنَّما هي بالعواقب وغالبِ الأمر، وقد تقدَّم تمامُ الكلام في ذلك، فتذكَّر.
﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴾﴾ أي: ويومَ القيامة، عبَّر عنه بذلك للإشعار بكيفيةٍ
النُّصْرة، وأنَّها تكونُ عندَ جَمْع الأوَّلين والآخِرِين، وشهادةِ الأشهادِ للرسل بالتبليغ
وعلى الكَفَرةِ بالتكذيب، فالأشهادُ جمعُ شهيدٍ بمعنى شاهدٍ كـ : أشراف جمع
شَريف، وقيل: جَمْع شاهدٍ، بناءً على أنَّ فاعلاً قد يُجْمَع على أفعال، وبعضُ مَن
لم يجوِّزْ يقول: هو جمعُ شَهْدٍ بالسكون اسم جمعِ لشاهدٍ، كما قالوا في صَحْبٍ
بالسكون: اسم جمعٍ لصاحب. وفسَّر بعضُهم ((الأشهاد)» بالجوارحِ، وليس بذاك.
وهو عليهما من الشهادة، وقيل: هو من المشاهَدة بمعنى الحُضُور.
وفي ((الحواشي الخفاجية)) أنَّ النصرةَ في الآخرة لا تتخلَّفُ أصلاً، بخلافها في
الدنيا فإنَّ الحربَ فيها سِجَالٌ وإن كانت العاقبةُ للمثَّقين، ولذا دخلت ((في)) على
(١) في الأصل و(م): حيثما، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/ ٢٨٠، والكلام منه.

سُؤَةٌ غَافِلٍ
٨٨
الآية : ٥٢
((الحياة الدنيا)) دونَ قرينِهِ، لأنَّ الظرفَ المجرورَ بـ ((في)) لا يُستَوْعَب كالمنصوب
على الظرفية كما ذكره الأصولیون(١). انتهى، وفيه بحث.
وقرأ ابن هرمز، وإسماعيل، وهي رواية عن أبي عمرو: (تقوم)) بتاء
التأنيث(٢)، على معنى جماعةِ الأشهاد.
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ﴾ بدلٌ من ((يوم يقوم))، و((لا)) قيل: تحتمل أن تكونَ
النفْي النفع فقط على معنى أنَّهم يعتذِرُون ولا ينفعهم معذرتُهم لبطلانها، وتحتمل أن
تكونَ لنفْي النفع والمعذرةِ على معنى: لا تقع معذرةٌ لتنفع، وفي ((الكشاف)): يحتمل
أنَّهم يعتَذِرون بمعذرةٍ ولكنَّها لا تنفَعُ لأنها باطلةٌ، وأنَّهم لو جاؤوا بمعذرةٍ لم تكن
مقبولةً لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦](٣).
وأراد - على ما في ((الكشف)) - أنَّ عدمَ النفعِ إمَّا لأمرٍ راجعٍ إلى المعذرة
الكائنة وهو بطلانها، وإما لأمرٍ راجع إلى مَن يقبل العُذْرَ، ولا نظرً فيه إلى وقوع
العذر.
والحاصل أنَّ المقصودَ بالنفْي الصفة، ولا نظرَ فيه إلى الموصوفِ نفياً أو
إثباتاً، وليس في كلامه إشارةٌ إلى إرادةٍ نفْيهما جميعاً، فتدبّر.
وقرأ غيرُ الكوفيين ونافع: ((لا تنفع)) بالتاء الفوقية(٤)، ووجهُها ظاهرٌ. وأما
قراءةُ الياء فلأنَّ المعذرةَ مصدرٌ وتأنيثه غيرُ حقيقيٍّ مع أنَّه فُصِل عن الفعل
بالمفعول.
﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: البعد من الرحمة. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾﴾ هي جهنم،
وسوءُها ما يسوءُ فيها من العذاب، فإضافتُه لاميةٌ، أو هي من إضافةِ الصفةِ
للموصوف، أي: الدار السُّؤْأى.
ولا يخفى ما في الجملتين من إهانتهم والتهّم بهم.
(١) حاشية الشهاب ٧/ ٣٧٧.
(٢) المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٤، والبحر ٧/ ٤٧٠ .
(٣) الكشاف ٣/ ٤٣٢.
(٤) التيسير ص١٩٢، والنشر ٣٦٥/٢.

الآية : ٥٣ - ٥٥
٨٩
سُؤَةُ غَفل
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ ما يهتدى به من المعجزات والصُّحُفِ والشرائع،
فهو مصدرٌ تُجوِّزَ به عمَّا ذُكِر، أو جُعل عينَ الهدى مبالغةً فيه.
﴿وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ ﴾﴾ تركْنا عليهم بعدَ وفاتِه عليه السلام من
ذلك التوراة، فالإيراثُ مجازٌ مرسلٌ عن الترك، أو هو استعارةٌ تبعيَّةٌ له. ويجوز أن
يكونَ المعنى: جعلنا بني إسرائيلَ آخذين الكتابَ عنه عليه السلام بلا کسبٍ،
فيشملُ مَن في حياته عليه السلام كما يقال: ((العلماءُ ورثة الأنبياء)»(١)، وهو وجهٌ،
إلا أنَّ اعتبارَ: بعد الموت، أوْفَقُ في الإيراث، والعلاقةُ علیه أتمُّ.
وإرادةُ التوراةِ من ((الكتاب)) هو الظاهرُ، وجوِّز أن يكونَ المرادُ به جنس ما أُنزِل
على أنبيائهم فيشمل التوراةَ والزبورَ والإنجيلَ.
﴿هُدَى وَذِكْرَى﴾ هدايةً وتذكرةً، أي: لأجلِهما، أو هادياً ومذكِّراً، فهما
مصدران في موضع الحال ﴿لِأُوْلِ اٌلْأَلْبَبِ ﴾﴾ لذَوِي العقول السليمة الخالصة
من شوائبِ الوهم، وخُصُّوا لأنَّهم المنتفعون به.
﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: إذا عرفتَ ما قصَصْناه عليك للتأسِّي فاصْبِر على ما نالك من
أذيَّةِ المشركين ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ إياكَ والمؤمنين بالنصرِ المشارِ إليه بقوله سبحانه:
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا)) أو جميعَ مواعيده تعالى - ويدخل فيه وعدُه سبحانه
بالنصر دخولاً أوليًّا - ﴿حَقٌ﴾ لا يُخلِفِه سبحانه أصلاً، فلا بدَّ من وقوع نصرِه جلَّ
شأنُه لك وللمؤمنين، واستشهد بحالِ موسى ومَن معه وفرعونَ ومَن تبعه.
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ﴾ أقبِلْ على أمرٍ الدين، وتَلافَ ما ربَّما يَفْرُطُ مِمَّا يُعَدُّ
بالنسبة إليك ذنباً وإن لم يكُنْه، ولعلَّ ذلك هو الاهتمامُ بأمرِ العِدَا بالاستغفار،
فإِنَّ الله تعالى كافيك في النصر وإظهارِ الأمر.
وقيل: (لذنبك)): لذنبٍ أمَّتِك في حقِّك، قيل: فإضافةُ المصدر للمفعول.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ ﴾﴾ أي: ودُم على التسبيح والتحميد
لربِّك، على أنَّه عُبِّر بالطرفين وأُريد جميعُ الأوقات. وجوِّز أن يرادَ خصوصُ الوقتين.
(١) سلف ٣٧٧/١٩.

سُوَلَ غَفل
٩٠
الآية : ٥٦
والمراد بالتسبيح معناه الحقيقيُّ كما في الوجه الأول، أو الصلاةُ؛ قال قتادة:
أريد صلاةُ الغداة وصلاةُ العصر. وعن الحسن: أريد ركعتان بكرةً وركعتان عشيًّا.
قيل: لأنَّ الواجبَ بمكة كان ذلك، وقد قدَّمْنا أنَّ الحسنَ لا يقول بفرضية الصلوات
الخمس بمكة، فقيل: كان يقول بفرضية ركعتين بكرةً وركعتين عشيًّا(١).
وقيل: إنه يقول: كان الواجبُ ركعتين في أيِّ وقتٍّ اتفق. والكلُّ مخالفٌ
للصریح المشهور.
وجوِّز على إرادةِ الدوام أن يرادَ بالتسبيح الصلاةُ، ويراد بذلك الصلواتُ
الخمسُ، وحگی ذلك في ((البحر)) عن ابن عباس
﴾ (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيٌّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ دلائلِه سبحانه التي نَصَبها على توحيده
وكُتُبِه المنزَّلة، وما أظهر على أيدي رُسُله من المعجزات ﴿يِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ﴾
أي: بغير حجَّةٍ في ذلك أتَّتْهم من جهتِه تعالى، والجارُّ متعلِّق بـ ((يجادلون))، وتقييدُ
المجادَلةِ بذلك مع استحالةِ إتيانِ الحَُّة؛ للإيذان بأنَّ المتكلِّمَ في أمرِ الدين لا بدَّ
من استنادِه إلى حُجَّةٍ واضحة وبُرهانٍ مُبِيْنٍ، وهذا عامٌّ في كلِّ مجادِلٍ مُبطلٍ وإن نزل
في قومٍ مخصوصين، وهم على الأصحِّ مشركو مكة.
وقولُه تعالى: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ خبرٌ لـ ((إنَّ)، و((إنْ)) نافيةٌ، والمرادُ
بالصدور القلوبُ، أطلِقَت عليها للمجاوَرةِ والملابسةِ، والكِبْرُ: التكبُّرُ والتعاظمُ،
أي: ما في قلوبِهِم إلَّا تكبِّرٌ عن الحقِّ وتعاظُمٌ عن التفكّر والتعلُّم، أو هو مجازٌ عن
إرادةِ الرياسةِ والتقدُّم على الإطلاق، أو إرادةٍ أن تكونَ النبوَّةُ لهم، أي: ما في
قلوبِهِم إلا إرادةُ الرياسة، أو أن تكونَ النبوّةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبما قالوا:
﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وقالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً
مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. ولذلك يُجادِلون في آياته تعالى، لا أنَّ فيها موقعَ
جدال ما، أو أنَّ لهم شيئاً يُتَوَهَّمُ صلاحيتُه لأن يكونَ مداراً لمجادَلِتهم في الجملة.
(١) ينظر ٤٢٧/٢٠-٤٢٨.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٤٧١ .

الآية : ٥٦
٩١
سُؤَلَ غَفَاء
وقوله تعالى: ﴿مَّاهُم بِبَلِغِيةٍ﴾ صفةٌ لـ ((كِبْر))، أي: ما هم ببالغي موجِبٍ
الكِبْر ومقتضِيه، وهو متعلَّقُ إرادتِهم من دفع الآياتِ، أو مِن الرياسة، أو النبوّة.
وقال الزّجَّاج: المعنى: ما يحملهم على تكذيبِك إلَّا ما في صدورهم من الكِبر
عليك، وما هم ببالِغِي مقتضى ذلك الكبر؛ لأنَّ اللهَ تعالى أذلَّهم(١).
وقيل: الجملةُ مستأنَفةٌ، وضميرُ ((بالغيه)) لدفع الآياتِ المفهوم من المجادلة.
وما تقدَّم أظهرُ.
وقال مقاتل: المجادِلون الذين نزلت فيهم الآية اليهودُ؛ عظّموا أمر الدجّال
فنزلت(٢). وإلى هذا ذهب أبو العالية؛ أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسندٍ
صحيح عنه قال: إنَّ اليهودَ أَتَوا النبيَّ وَّهِ فقالوا: إنَّ الدجالَ يكون منَّا في آخر
الزمانِ، ويكونُ من أمره ما يكون. فعّموا أمرَه وقالوا: يصنَعُ كذا وكذا، فأنزل الله
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) إلخ(٣)، وهذا كالنصِّ في أنَّ أمرَ اليهود كان السببَ في
نزولِها، وعليه تكونُ الآيةُ مدنيةً، وقد مرَّ الكلام في ذلك، فتذكَّر.
وفي روايةٍ أنَّ اليهودَ كانوا يقولون: يخرج صاحبُنا المسيحُ بن داود - يريدون
الدجَّالَ - ويبلغ سلطانُه البرَّ والبحرَ، وتسير معه الأنهارُ، وهو آيةٌ من آيات الله،
فيرجع إلينا المُلْكُ. حكاها في ((الكشاف))، ثم قال: فسمَّى الله تعالى تمنِيهم ذلك
كِبْراً، ونفَى سبحانه أن يبلغوا متمنَّاهم (٤).
ويخطر لي على هذا القولِ أنَّ اليهودَ لم يُريدوا من تعظيم أمرِ الدجّالِ سوى
نفْي أن يكونَ نبيُّنَا بَّ النبيَّ المبعوثَ في آخر الزمان، الذي بشّر به أَنبياؤُهم،
وزعْمِ أنَّ المبشَر به هو ذلك اللعينُ، ففي بعضِ الروايات أنَّهم قالوا للنبيِّ عليه
الصلاة والسلام: لستَ صاحبَنا - يعنونَ النبيَّ المبشِّر به أنبياؤُهم، فالإضافة
لأدنى ملابسةٍ - بل هو المسيحُ بن داود، يبلغ سلطانُه البَرَّ والبحرَ، ويسير معه
(١) معاني القرآن ٤/ ٣٧٧، ونقله المصنف من البحر ٧/ ٤٧١ .
(٢) زاد المسير ٢٣٤/٧، والبحر ٧/ ٤٧٢ .
(٣) عزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٣٥٣/٥.
(٤) الكشاف ٣/ ٤٣٢.

سُؤَدَةُ غَفِلِ
٩٢
الآية : ٥٧
الأنهارُ(١). وفي ذلك بزعمهم دفعُ الآيات الدالَّةِ على نبوَّةِ النبيِّ بَّر، والداعي
لهم إلى ذلك الكِبْرُ والحسدُ وحبُّ أن لا تخرُجَ النبوَّةُ من بني إسرائيل، فمعنى
الآية عليه نحوُ معناها على القول بكون المجادلين مشركي مكة.
ثم إنَّ اليهودَ عليهم اللعنةُ كذَبوا أولاً بقولهم للنبيِّ عليه الصلاة والسلام: لستَ
صاحبَنا. وثانياً بقولهم: بل هو المسيح بن داود. يعنون الدَجَّالَ، أما الكَذِب الأولُ
فظاهرٌ، وأما الثاني فلأنَّه لم يُبْعَث نبيٌّ إلَّا وقد حذَّر أمنَه الدجَّالَ وأنذرهم إياه،
كما نطقت بذلك الأخبارُ(٢)، وهم قالوا: هو صاحبُنا. يعنون المبشَّرَ ببعثتِهِ آخرَ
الزمان، وكلُّ ذلك من الجدال في آيات الله تعالى بغيرِ سلطان.
﴿فَأَسْتَعِدْ بِاللّهِ﴾ أي: فالْتَجِئْ إليه تعالى مِن كيدٍ من يحسُدك ويبغي عليك،
وفيه رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزات الشياطين، وقال أبو العالية: هذا أمرٌ للنبيِّ وَّ أن
يتعوَّذَ من فتنةِ الدّجَّال بالله عزَّ وجلَّ(٣).
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾﴾ أي: لأقوالِكم وأفعالِكم، والجملةُ لتعلیلِ
الأمرِ قبلَها .
وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ تحقيقٌ للحقِّ،
وتبيينٌ لأشهَرِ ما يجادلون فيه من أمر البعث الذي هو كالتوحيد في وجوبِ الإيمان
به، على منهاجٍ قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَّ أَن يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وإضافةُ ((خلق)) إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله(٤)،
أي: لخَلْقُ الله تعالى السماواتِ والأرضَ أعظمُ مِن خَلْقِه سبحانه الناسَ لأنَّ الناسَ
بالنسبة إلى تلك الأجرام العظيمةِ كلا شيء، والمراد أنَّ مَن قدر على خلقِ ذلك فهو
سبحانه على خلقِ ما لا يُعَدُّ شيئاً بالنسبة إليه بدءاً وإعادةً أقدرُ وأقدرُ.
(١) تفسير البغوي ١٠١/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٧٨/٧.
(٢) منها ما أخرجه البخاري (٧١٣١)، ومسلم (٢٩٣٣)، وأحمد (١٢٠٠٤) عن أنس بن مالك ﴿﴿ه.
(٣) البحر ٧/ ٤٧٢ .
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: وحكى في ((البحر)) عن النقَّاش أن الإضافة في ((خلق
الناس)) من إضافة المصدر إلى فاعله، فتأمَّل فيه. اهـ.

الآية : ٥٨
٩٣
سُؤَدَةٌ غَفَارٍ
وقال أبو العالية: الناسُ: الدّجَّال(١)، وهو بناءً على ما روي عنه في المجادلين.
ولعمري إن تطبيقَ هذا ونحوِه على ذلك في غاية البُعد، وأنا لا أقول به.
وهم الكَفَرة، ولَمَّا كان ما قبلُ لإثباتِ
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
البعث الذي يشهَدُ له العقلُ وتقتضيه الحكمةُ اقتضاءً ظاهراً ناسَبَ نفْيَ العلم عمَّن كَفَر
به؛ لأنَّهم لو كانوا من العقلاء الذين من شأنهم التدبُّرُ والتفكّر فيما يدلُّ عليه لم يصدُرْ
عنهم إنكارُه، ولم يَذْكر للعلم مفعولاً؛ لأنَّ المناسبَ للمقام تنزيلُه منزلةَ اللازم.
وقيل: المراد: لا يعلمون أنَّ خلقَ السماوات والأرض أكبرُ من خلق الناس،
أي: لا يَجْرُون على موجبٍ العلم بذلك من الإقرار بالبعث، ومَن لا يجرِي على
موجب علمه، هو والجاهلُ سواءٌ.
وفي ((البحر))(٢) أنه تعالى نبّه على أنَّه لا ينبغي أن يجادِلَ في آيات الله ولا يتكبَّرَ
الإنسانُ بقوله سبحانه: ((الخَلْقُ)) إلخ، أي: إنَّ مخلوقاتِه تعالى أكبرُ وأجلُّ مِن خلق
البشر، فما لأحدِهم يجادِلُ ويتكبِّرُ على خالقه سبحانه وتعالى، ((ولكنَّ أكثرَ الناس
لا يعلمون)»: لا يتأمَّلون لغلبةِ الغفلةِ عليهم، ولذلك جادلوا وتكبَّروا. ولا يخفى أنه
تفسيرٌ قليلُ الجدْوَى.
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْصِيرُ﴾ أي: الغافلُ عن معرفة الحقِّ في مبدئه
ومعادِهِ، ومَن كانت له بصيرةٌ في معرفتهما. وتفسيرُ ((البصير)) بالله تعالى،
و(الأعمى)) بالصنم، غيرُ مناسب هنا.
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: المُحسِن، ولذا قُوبل بقوله تعالى: ﴿وَلَا
الْمُسِىٌِّ﴾، وعُدل عن التقابُلِ الظاهر كما في ((الأعمى والبصير)) إلى ما في النظم
الجليل إشارةً إلى أنَّ المؤمنين عَلَمٌ في الإحسان، وقدِّم ((الأعمى)) لمناسبةِ العَمَى
ما قبله من نفْي العِلم، وقدِّم ((الذين آمنوا)) بعدُ لمجاوَرة ((البصير)) ولشَرَفهم، وفي
مثله طرُقٌ: أن يجاوِرَ كلٌّ ما يناسبه كما هنا، وأن يقدَّم ما يقابِلُ الأولَ ويؤثّرَ
(١) النكت والعيون ١٦٢/٥.
(٢) ٧/ ٤٧٢ .

سُورَةُ عَدخل
٩٤
الآية : ٥٨
ما يقابِل الآخَرَ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ** وَلَا الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩-٢١]، وأن يؤخّر المتقابلان كـ : الأعمى
والأصمّ والسميع والبصير، وكلُّ ذلك من بابِ التفنُّنِ في البلاغة وأساليبِ الكلام.
والمقصودُ من نفي استواءٍ مَن ذُكر بيانُ أنَّ هذا التفاؤُتَ مما يُرشِد إلى البعث،
كأنه قيل: ما يستوي الغافلُ والمستبصِرُ، والمحسنُ والمسيء، فلا بدَّ أن يكونَ لهم
حالٌ أخرى يظهَرُ فيها ما بين الفريقَيْن من التفاوت وهي فيما بعدَ البعث.
وأعيدت ((لا)) في ((المسيء)» تذكيراً للنفْي السابق، لِما بينَهما من الفصل بطول
الصلة، ولأنَّ المقصودَ بالنفْي أنَّ الكافرَ المسيءَ لا يساوي المؤمنَ المُحسِن، وذِكرُ
عدمٍ مساواة الأعمى للبصير توطئةٌ له، ولو لم يُعَدِ النفْيُ فيه فربَّما ذُهل عنه وُنَّ أنه
ابتداءُ كلام، ولو قيل: ولا الذين آمنوا والمسيءُ، لم يكن نصًّا فيه أيضاً؛ لاحتمال
أنه مبتدأٌ، و((قليلاً ما تتذكرون)) خبرُه، وجُمِع على المعنى. قاله الخفاجي(١)، وهو
إن تمَّ فعلى القراءةِ بياء الغيبة (٢) .
وقيل: لم يقل: ولا الذين آمنوا والمسيء؛ لأنَّ المقصودَ نفْيُ مساواة المسيء
للمحسن، لا نفْيُ مساواة المحسن له، إذ المرادُ بيانُ خسارتِهِ. ولا يصفو عن كَدَرٍ،
فتدبّر.
والموصول مع ما عُطف عليه معطوفٌ على ((الأعمى)) مع ما عُطِف عليه عَظْفَ
المجموع على المجموع، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِزٌ﴾
[الحديد: ٣] ولم يُترك العطفُ بينهما - بناءً على أنَّ الأول مشبّهٌ به، والثاني مشبَّه،
وهما متَّحدان مآلاً - لأنَّ كلَّ من الوصفَيْنِ الأوَّلَيْنِ مغايِرٌ لكلٍّ من الوصفين
الأخِيرَين، وتغايُرُ الصفاتِ كتغايُرِ الذوات في صحة التعاطف.
ووجهُ التغاير أنَّ الغافلَ والمستبصرَ والمحسنَ والمسيءَ صفاتٌ متغايِرةُ المفهوم
بقطع النظر عن اتحادٍ ما صدقهما وعَدَمِه .
وقيل: التغايُرُ بين الوصفين الأوَّلين والوصفين الأخِيرَين من جهةِ أنَّ القصدَ في
(١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٧٩/٧.
(٢) سترد قريباً.

الآية : ٥٨
٩٥
سُؤَدَةٌ غَفَاء
الأوَّلَين إلى العِلْم، وفي الأخيرين إلى العمل. وهو وجهٌ لا بأسَ به.
وقيل: هما وإن اتحدا ذاتاً متغايران اعتباراً من حيث إنَّ الثاني صريحٌ والأولَ
مذكورٌ على طريق التمثيل. ونُظِر فيه بأنَّه لو اكتُفِي بمجرَّدٍ هذه المغايرة لزم جوازٌ
عطفِ المشبّه على المشبّه به وعكسُه.
﴿قَلِيلًا مَّا نَتَذَگِّرُونَ ﴾﴾ أي: تذُراً قليلاً تتذكرون.
وقرأ الجمهور والأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة بياء الغيبة(١). والضميرُ
للناس أو الكُفَّار.
قال الزمخشريُّ: والتاء أعمُّ(٢). وعلَّله صاحب ((التقريب)) بأنَّ فيه تغليب
الخطاب على الغيبة.
وقال القاضي: إنَّ التاء للتغليب أو الالتفات، أو أَمْرِ الرسول وليه بالمخاطبة(٣).
أي: بتقدير ((قُل)) قبلَه.
وآثر العلامةُ الطيبيُّ الالتفاتَ؛ لأنَّ العدولَ من الغيبة إلى الخطاب في مقام
التوبيخ يدلُّ على العُنفِ الشديدِ والإنكارِ البليغ، فهذه الآية متصلة بـ ((خلق
السماوات)) وهو كلامٌ مع المجادِلین.
وتعقّبه صاحبُ ((الكشف)) بأنَّه يجوز أن يُجْعَل ما ذُكِرِ نكتةَ التغليب فيكونُ أولى
لفائدةِ التعميم أيضاً، فليُفْهَم.
والظاهرُ أنَّ التغليبَ جارٍ على احتمال كونِ الضمير للناس واحتمالٍ كونِه
للكفَّار؛ لأنَّ بعضَ الناس أو الكفارَ مخاطَبٌ هنا؛ والتقليلُ أيضاً يصِحُّ إجراؤه على
ظاهره لأنَّ منهم مَن يتذكَّر ويهتدي.
وقال الجلبي: الضميرُ إذا كان للناس فالتقليلُ على معناه الحقيقيِّ، والمستثنى
هم المؤمنون، وإذا كان للكفَّار فهو بمعنى النفْي.
(١) التيسير ص ١٩٢، والنشر ٣٦٥/٢ عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر
ويعقوب، والكلام من البحر ٧/ ٤٧٢ -٤٧٣ .
(٢) الكشاف ٣/ ٤٣٣.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٧٩/٧.

سُورَةٌ غَفَلٍ
٩٦
الآية : ٥٩ - ٦٠
ثم الظاهرُ أنَّ المخاطَبَ مَن خاطبه وَّهِ من قريشٍ، فمَن قال: المخاطَبُ هو
النبيُّ عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: ((فاصبر)) ولا يناسِبُ إدخاله فيمن لم
بتذگّر = فقد سها ولم يتذكّرْ.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: في مجيئها، أي: لا بدَّ مِن مجيئها
ولا محالةَ؛ لوضوح الدلالة على جوازِها وإجماع الأنبياء على الوعد الصادق
بوقوعها. ويجوز أن يكونَ المعنى أنها آتية وأنها ليست محلًّا للريب، أي: لوضوحٍ
الدلالة .. إلى آخرٍ ما مرَّ، والفرقُ أنَّ متعلَّق الريب على الأول المجيءُ، وعلى هذا
الساعةُ، والحمل عليه أولى.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ لا يصدِّقون بها لقصورٍ نظرهم على
ما يُدرِكونه بالحواسِّ الظاهرة واستيلاءِ الأوهام على عقولهم.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾ أي: اعبدوني أُثِبْكم، على ما رُوي عن
ابن عباس والضخّاك ومجاهد وجماعة.
وعن الثوريِّ أنه قيل له: ادْعُ الله تعالى، فقال: إنَّ تركَ الذنوب هو الدعاء(١).
يعني أنَّ الدعاءَ باللسان ترجمةٌ عن طلب الباطن، وأنَّه إنَّما يصحُّ لصحَّةِ التوجّهِ
وتَرْكِ المخالفة، فمن تَرَك الذنوبَ فقد سأل الحقَّ بلسانِ الاستعداد وهو الدعاءُ
الذي يلزمه الإجابةُ، ومَن لا يتركها فليس بسائلٍ وإنْ دعاه سبحانه ألفَ مرَّةٍ،
وما ذَكَر مؤيِّدٌ لتفسيرِ الدعاء بالعبادة ومحقِّقٌ له (٢)، فإنَّ تركَ الذنوب من أجلِّ
العبادات، وينطبق على ذلك كمالَ الانطباق قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾﴾ أي: صاغرين أذِلَّاء.
وجوِّز أن يكونَ المعنى: اسألوني أُعْطكم، وهو المرويُّ عن السديِّ(٣)، فمعنى
(١) قول ابن عباس في زاد المسير ٢٣٤/٧، وقول الضحاك في البحر ٧/ ٤٧٣ بلفظ: آتكم،
وقول مجاهد في الكشاف ٤٣٣/٣، وقول الثوري في تفسير الطبري ٣٥٤/٢٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: وإطلاق الدعاء على العبادة مجازٌ، وجَعْلُ الإثابة لتَرَتُّبِها عليها
استجابةً، مجاز أو مشاكلة. اهـ. وينظر حاشية الشهاب ٣٧٩/٧، وما سيأتي ص ٩٧-٩٨.
(٣) النكت والعيون ١٦٢/٥ .

٩٧
الآية : ٦٠
قوله تعالى: (يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ) يستكبِّرُون عن دُعائي؛ لأنَّ الدعاءَ نوعٌ من
العبادة ومن أفضل أنواعها، بل روى ابن المنذر والحاكم وصحَّحه عن ابن عباس
أنه قال: أفضلُ العبادة الدعاءُ، وقرأ الآيةَ(١).
والتوعّد على الاستكبار عنه؛ لأنَّ ذلك عادةُ المترفين المسرِفين، وإنما المؤمنُ
يتضرَُّ إلى الله تعالى في كلِّ تقلُّبَاتِهِ. وفي إيقاع العبادةِ صلةَ الاستكبار ما يُؤْذِن بأنَّ
الدعاءَ بابٌ من أبوابِ الخضوع؛ لأنَّ العبادةَ خُضوٌ، ولأنَّ المرادَ بالعبادة الدعاءُ،
والاستكبارُ إنما يكون عن شيء إذا أتى به لم يكن مستكْبِراً.
قال في «الكشف)): وهذا الوجهُ أظهرُ بحسب اللفظ وأنسبُ إلى السياق؛ لأنه
لَمَّا جعل المجادلةَ في آيات الله تعالى من الكِبْر جَعَل الدعاءَ وتسليمَ آيَاتِه من
الخضوع، لأنَّ الداعيَ له تعالى الملتجِئَ إليه عزَّ وجلَّ لا يجادِل في آياته بغیرِ
سلطانٍ منه ألبَّةَ .
والعطفُ في قوله تعالى: ((وقال)) مِن عطفٍ مجموع قصَّةٍ على مجموعٍ أخرى
الاستوائهما في الغرض، ولهذا لَمَّا تَمَّم هذه القصَّةَ أعني قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ﴾ إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿كُنُ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] صرَّح بالغرض في قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٦٩]، كما بنى القصّةَ أولاً
على ذلك في قولِه تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ الَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ)
ولو تُؤُمِّلَ في هذه السورة الكريمة حقَّ التأمُّل وُجِد جلُّ الكلام فيها مبنيًّا على ردِّ
المجادلين في آيات الله المشتملة على التوحيدِ والبعثِ وتبيينِ وجهِ الرَدِّ في ذلك
بفنونٍ مختلفةٍ، ثم انظُرْ إلى ما ختم به السورة كيف يُطابقِ ما بُدِئَت مِن قوله
سبحانه: (فَلَ يَغْرُرَكَ تَقُُّهُمْ)، وكيف صرّح آخِراً بما رمز إليه أولاً لتقْضِي منه
العجبَ، فهذا وجهُ العطف. انتهى.
وما ذَكَره مِن أظهرَّة هذا الوجهِ بحسب اللفظ ظاهرٌ جدًّا، لِمَا في الأُولى
من ارتكابٍ خلافِ الظاهر قبلَ الحاجةِ إليه في موضعَيْن: في الدعاء حيث
(١) المستدرك ١/ ٤٩١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٥٦/٥.

سُورَةٌ عَنفر
٩٨
الآية : ٦٠
تُجُوِّز به عن العبادة لتضمُّنِها له، أو لأنه عبادةٌ خاصَّةٌ أُرِيد به المطلقُ، وفي
الاستجابة حيث جُعلت الإثابةُ على العبادة لترتُّبِها عليها استجابةً مجازاً أو
مشاكلةً، بخلافِ الثاني فإنَّ فيه ارتكاب خلاف الظاهر - وهو التجوُّزُ - في
موضعٍ واحدٍ وهو ((عن عبادتي))، ومع هذا هو بَعد الحاجةِ، فلم يكن كنزع
الخفّ قبلَ الوصول إلى الماء، بل قيل: لا حاجةً إلى التجوُّز فيه؛ لأنَّ
الإضافةَ مرادٌ بها العهدُ هنا فتفيد ما تقدَّم، لكنَّ كونَه أنسبَ بالسياق أيضاً
مما لا يتمُّ في نظري.
وأيَّاما كان فـ((أَسْتَجب)) جزمٌ في جواب الأمر، أي: إنْ تدعوني أستجِبْ
لكم، والاستجابةُ على الوجهين مشروطةٌ بالمشيئة حسبما تقتضيه أصولُنا، وقد
صرَّح بذلك في استجابة الدعاء؛ قال سبحانه: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾
[الأنعام: ٤١].
والاستكبارُ عن عبادةِ الله تعالى - دعاءً كانت أو غيرَه - كفرٌ يترتَّبُ عليه ما ذُكر
في الآية الكريمة. وأما تركُ ذلك لا عن استكبارٍ فتفصيلُ الكلام فيه لا يخفى.
والمقاماتُ في ترك الدعاء فقيل: متفاوتةٌ، فقد لا يحسُن، كما يدلُّ عليه
قولُهُ وَّهِ: (مَن لم يَدْعُ اللهَ تعالى يغْضَبْ عليه))، أخرجه أحمد وابن أبي شيبة
والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً (١). وقد يحسُن كما يدلُّ عليه ما رُوي مِن تَرْكِ
الخليل عليه السلام الدعاءَ يومَ أُلْقي في النار، وقوله: عِلمُه بحالي يغْني عن
سؤالي(٢). وربَّما يقال: تركُ الدعاء اكتفاءً بعلم الله عزَّ وجلَّ دعاءٌ. والله تعالى
أعلم.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر وزيد بن عليٍّ وأبو جعفر: ((سيُدْخَلُون)) مبنيًّا للمفعول
من الإدخال، واختلفتِ الروايةُ عن عاصم وأبي عمرو(٣).
(١) مسند أحمد (٩٧١٩)، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٠٠/١٠، والمستدرك ٤٩١/١. وإسناده
ضعيف من أجل أبي صالح الخوزي، ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٥٤٨ .
(٢) سلف ٢٥٢/١١.
(٣) التيسير ص٩٧، والمحرر الوجيز ٥٦٦/٤، والبحر ٤٧٣/٧، والنشر ٢٥٢/٢.

الآية : ٦١
٩٩
سُورَةٌ غَافِلٍ
﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لتستريحوا فيه، بأنْ أغابَ سبحانه
فيه الشمسَ فجعله جلَّ شأنُه بارِداً مُظلِماً، وجَعَل عزَّ وجلَّ بردَه سبباً لضَعْفِ القُوَى
المحرِّكة وظلمتَه سبباً لهُدُوء الحواسِ الظاهرة، إلى أشياءَ أُخْرى جَعَلها أسباباً
للسكون والراحة.
﴿وَالنَهارَ مُصِرًا﴾ يُبْصَر فيه، أو به، فالنهارُ إمَّا ظرفُ زمانٍ للإبصار أو سببٌ
له. وأيًّا ما كان فإسنادُ الإبصار له بجعلِهِ مُبْصِراً إسنادٌ مجازِيٌّ لِما بينَهما من
الملابسة، وفيه مبالغةٌ، وأَنَّه بلغ الإبصارُ إلى حدٍّ سَرَى في نهارِ المُبصِر، ولذا لم
يقل: لتُبصِروا فيه، على طِرْز ما وقع في قريته(١).
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقلْ: جعل لكم الليلَ ساكناً، ليكونَ فيه المبالغةُ المذكورةُ،
وتَخرُج القرينتان مَخْرجاً واحداً في المبالغة؟
قلت: أُجِيبَ عن ذلك بأنَّ نعمةَ النهار أتمُّ وأعظمُ من نعمةِ الليل فسُلِكَ مسلكَ
المبالغة فيها، وتُركت الأخرى على الظاهر تنبيهاً على ذلك.
وقيل: إنَّ النعمتين فَرَسَا رِهانٍ، فدلَّ على فضلِ الأولى بالتقديم وعلى فضل
الأُخرى بالمبالغة. وهو كما ترى.
وقيل: لم يقلْ ذلك؛ لأنَّ الليلَ يُوصَفُ على الحقيقةِ بالسكون، فيقال: ليلٌ
ساكنٌ، أي: لا ريحَ فيه، ولا يُبْعُد أن يكونَ السكونُ بهذا المعنى حقيقةً عُرفيَّةً، فلو
قيل: ساكناً، لم يتميّز المرادُ نظراً إلى الإطلاق، وإن تميَّزَ نظراً إلى قرينةِ التقابُل.
وكأنَّ رجحانَ هذا الأسلوبِ؛ لأنَّ الكلامَ المحكّمَ الواضحَ بنفسه من أوَّلِ
الأمرِ هو الأصل، لاسيَّما في خطابٍ وَرَدَ في معرضِ الامتنان للخاصَّة والعامَّةِ،
وهم متفاوتون في الفهم والدراية الناقصة والتامّة.
وفي ((الكشف)): لمَّا لم يكن الإبصارُ علَّةً غائيَّةً في نفسه، بل العلَّةُ ابتغاء
الفضل كما وَرَد مصرَّحاً به في سورة القصص(٢)، بخلافِ السكون والدَّعَةِ في
(١) في الأصل: قرينته.
(٢) الآية: (٧٣).

١٠٠
الآية : ٦٢
الليل = صُرِّح بذلك في الأول ورُمِز في الثاني مع إفادةِ نكتةٍ سَرِيَّةٍ في الإسناد
المجازيِّ.
وقال الجلبي: إذا حُمِلت الآيةُ على الاحتباكِ(١)، وقيل: المراد: جَعَل لكم
الليلَ مظلِماً لتسكُنوا فيه، والنهارَ مُبصِراً لتنتَشِرُوا فيه ولتَبْتَغوا من فضل الله تعالى،
فحُذِف من الأوَّلِ بقرينةِ الثاني، ومن الثاني بقرينة الأوَّلِ = لم يحْتَجْ إلى ما ذُكِر في
تعليل تركِ المبالَغةِ في القرينةِ الأولى، وهذا هو المشهورُ في الآية والله سبحانه
وتعالى أعلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ لا يُوازِيه فضلٌ، ولقَصْدِ الإشعارِ به لم يقل: لَمُفْضِل(٢).
﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بَرُّهم وفاجِرِهم ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾﴾
لجهلِهم بالمُنْعِم وإغفالِهِم مواقعَ النِّعَم، وتكريرُ الناس لتخصيصِ الكُفْرانِ بهم،
وذلك من إيقاعه على صريحِ اسمِهم الظاهرِ الموضوعِ موضعَ الضمير الدالٌّ على أنَّه
من شأنِهِم وخاصَّتِهم في الغالب.
﴿ذَلِكُمُ﴾ المتصِفُ بالصفاتِ المذكورةِ المقتضيةِ للألوهيَّة والربوبيَّةِ ﴿اللَّهُ
رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ﴾ أخبارٌ مترادِفةٌ تخصِّصُ اللاحقةُ السابقةَ
وتقلِّل اشتراكَها في المفهوم نظراً إلى أصل الوضع وتُقَرِّرُها، وجوِّز في بعضها
الوصفيَّةُ والبدليَّةُ، وأُخِّر: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ عن ﴿لَّ إِلَهَ إلَّا مُؤْ﴾ في آية سورة
الأنعام [الآية: ١٠٢] وقدِّم هنا؛ لِما أنَّ المقصودَ هاهنا - على ما قيل - الردُّ على
منكري البعثِ فناسَبَ تقديمَ ما يدلُّ عليه، وهو أنَّه منه سبحانه وتعالى مبدأُ كلِّ
شيء، فكذا إعادتُه.
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((خالقَ)) بالنصب على الاختصاص(٣)، أي: أعني، أو:
(١) الاحتباك: من أنواع البديع، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني
ما أثبت نظيره في الأول. الإتقان ٨٣١/٢.
(٢) في الأصل و(م): المفضل، والمثبت هو الصواب. ينظر الكشاف ٤٣٤/٣، وتفسير
البيضاوي ٧/ ٣٨٠.
(٣) البحر المحيط ٤٧٣/٧ .