النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٧
٢١
سُورَةُ غَفِلٍ
وهم على ما أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة: يتكلَّمون بالفارسية(١). أي:
إذا تكلَّموا بغير التسبيح، وإلَّ فالظاهرُ أنهم يسبِّحون بالعربية، على أنَّ الخبرَ اللهُ
تعالى أعلمُ بصحّته.
وفي بعض الآثار عن وهب أنَّهم ليس لهم كلامٌ إلَّا أن يقولوا: قُدُّوس الله
القويُّ، ملأت عظمتُه السماواتِ والأرضَ(٢). وما سيأتي إن شاء الله تعالى بُعيدَ
هذا في الآية يأبى ظاهرَ الحصر.
﴿وَمَّنْ حَوْلَهُ﴾ أي: والذين مِن حولِ العرش، وهم ملائكةٌ في غاية الكثرة
لا يعلم عدَّتَهم إلا الله تعالی.
وقيل: حولَ العرش سبعون ألفَ صفٍّ من الملائكة، يطوفون به مهلِّلين
مكبِّرين، ومن ورائهم سبعون ألفَ صفّ قيامٌ، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم،
رافعين أصواتَهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مئةُ ألفِ صفِّ قد وضعوا الأيمان
على الشمائل، ما منهم أحدٌ إلَّا وهو يسبِّح بما لا يسبِّح به الآخَر(٣) .
وذُكِر في كثرتهم أنَّ مخلوقاتِ البرِّ عُشْرُ مخلوقاتِ البحر، والمجموعُ عُشْرُ
مخلوقاتِ الجوِّ، والمجموعُ عُشْر ملائكة السماء الدنيا، والمجموعُ عُشْرُ ملائكة
السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، والمجموعُ عُشْر ملائكة الكرسيِّ،
والمجموعُ عُشْرُ الملائكة الحافِّين بالعرش، ولا نسبةً بين مجموع المذكور
وما يعلمه الله تعالى من جنوده سبحانه ﴿وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوٌ﴾ [المدثر: ٣١](٤).
ويقال لحملة العرش والحافِّين به: الكَرُوْبِيُّون، جمعُ: كروبيٍّ، بفتح الكاف
وضمِّ الراء المهملة المخفَّفة، وتشديدُها خطأٌ، ثم واو، بعدَها باء موحّدة، ثم ياءٌ
مشدّدة، من كَرَب بمعنى قَرُب، وقد توقَّف بعضُهم في سماعه من العرب، وأثبته
أبو عليٍّ الفارسيِّ واستشهد له بقوله:
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((جزء العرش))، كما في الدر ٣٤٧/٥.
(٢) العظمة ص ١١٥.
(٣) أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة عن وهب عن كعب ص١٠٢.
(٤) لم نقف عليه.

سُؤالاً غَدفل
٢٢
الآية : ٧
كَرُوبية منهم رُكموعٌ وسُجَّد(١)
وفيه دلالةٌ على المبالغة في القرب؛ لصيغة فَعُول، والياءِ التي تزاد للمبالغة.
وقيل: من الكَرْبِ بمعنى الشدَّة والحُزْن، وكأنَّ وصفَهم بذلك لأنهم أشدُّ
الملائكة خوفاً .
وزعم بعضهم أنَّ الكروبيِّين حملةُ العرش، وأنهم أوَّلُ الملائكة وجوداً. ومثلُه
لا يُعرف إلَّا بسماع.
وعن البيهقيّ أنَّهم ملائكةُ العذاب(٢). وكأنَّ ذلك إطلاقٌ آخرُ من الكرْب بمعنى
الشدّة والحزن.
وقال ابن سينا في ((رسالة الملائكة)): الكَروبِيُّون هم العامرون لعَرَصاتِ النِّيْه
الأعلى، الواقفون في الموقف الأكرم زمراً، الناظرون إلى المنظر الأبهى نظراً،
وهم الملائكة المقرَّبون والأرواحُ المبرَّؤون، وأما الملائكةُ العاملون فهم حَمَلَةُ
العرش والكرسيّ وعُمّارُ السماوات(٣). انتهى.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ حمْلَ العرشِ مجازٌ عن تدبيره وحفظه مِن أن يَعرِضَ
له ما يُخلُّ به أو بشيءٍ من أحواله التي لا يعلمها إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، وجعلوا
القرينةَ عقليةً؛ لأنَّ العرشَ كُرِيٌّ في حيِّزه الطبيعي فلا يحتاج إلى حملٍ. ونُسب
ذلك إلى الحكماء وأكثرٍ المتكلِّمين، وكذا ذهبوا إلى أنَّ الحفيفَ والطوافَ
بالعرش كنايةٌ أو مجازٌ عن القرب من ذي العرش سبحانه ومكانتهم عنده تعالى
وتوسُّطِهم في نفاذِ أمره عزَّ وجلَّ. والحقُّ الحقيقةُ في الموضعين؛ وما ذُكر من
القرينة العقلية في حيِّز المنع.
(١) عجز بيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص٤٠، وصدره: ملائكةٌ لا يفْتَرُون
عبادَةً.
(٢) شعب الإيمان ١/ ١٧١.
(٣) نقله المصنف من حاشية الشهاب ٣٥٩/٧.

الآية : ٧
٢٣
سُؤَلَ غَاخَلٍ
وقرأ ابن عباس وفرقةٌ: ((العُرْش)) بضمِّ العين(١)؛ فقيل: هو جمعُ: عَرْش،
كسَقْف وسُقف، أو لغةٌ في العرش.
والموصول الأول مبتدأٌ والثاني عطفٌ عليه، والخبرُ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ
بِحَمّدٍ رَبِهِمْ﴾، والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لتسليةِ رسول اللهِوَّه ببيانِ أنَّ الملائكة
الذين هم في المحلِّ الأعلى مُثابِرون على ولاية مَن معه من المؤمنين ونُصرتهم
واستدعاءِ ما يُسعِدُهم في الدارَين. أي: ينزِّهونه تعالى عن كلِّ ما لا يليق بشأنه
الجليل كالجسميَّة وكون العرش حاملاً له عزَّ وجلَّ، ملتيِسين بحمده جلَّ شأنه على
نعمائه التي لا تتناهى.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،﴾ إيماناً حقيقيًّا كاملاً، والتصريحُ بذلك مع الغنى عن ذكره رأساً؛
لإظهارِ فضيلة الإيمان، وإبرازٍ شَرَفِ أهله، والإشعار بعلَّة دعائهم للمؤمنين حسبما
ينطِق به قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾، فإنَّ المشاركةَ في الإيمان أقوى
المناسبات وأتمُّها وأدعى الدواعي إلى النُّصح والشفقة وإن تخالفَت الأجناسُ
وتباعدت الأماكنُ، وفيه على ما قيل: إشعارٌ بأنَّ حَمَلَ العرش وسَّانَ الفرش سواءٌ
في الإيمان بالغيب إذ لو كان هناك مشاهدةٌ لِلُزومها من الحمل بناءً على العادة
الغالبة، أو على أنَّ العرشَ جسمٌ شفَّافٌ لا يمنع الأبصارَ ألبتةَ = لم يقل:
(يؤمنون))؛ لأنَّ الإيمان هو التصديقُ القلبيُّ - أعني العلمَ أو ما يقوم مقامه - مع
اعترافٍ، وإنَّما يكونُ في الخبر ومضمونِه، من معتقَدٍ علميٍّ أو ظنيٍّ ناشئٍ من
البرهان أو قولِ الصادق، كأنه اعترفَ بصدق المخبِر أو البرهان، وأمَّا العيانُ فيُّغْني
عن البيان، ففي ذلك رمزٌ إلى الردِّ على المجسِّمة، ونظيرُه في ذلك قولُه عليه
الصلاة والسلام: ((لا تفضِّلوني على ابن متى))(٢)، كذا قيل.
وينبغي أن يُعلَم أنَّ كونَ حَمَلةِ العرش لا يَرَوْنه عزَّ وجلَّ بالحاسَّة لا يلزم منه
عدمُ رؤية المؤمنين إياه تعالى في الدار الآخرة.
(١) القراءات الشاذة ص١٣٢، والمحرر الوجيز ٥٤٨/٤، والبحر ٤٥١/٧، والكلام منه.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.

سُورَةٌ غَفٍ
٢٤
الآية : ٧
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾ على إرادةِ القول، أي: يقولون:
ربَّنا .. إلخ، والجملة لا محلَّ لها من الإعراب على أنها تفسيرٌ لـ ((يستغفرون)). أو
في محلِّ رفعٍ على أنها عطفُ بيانٍ على تلك الجملة بناءً على جوازه في الجمل. أو
في محلِّ نصبٍ على الحالية من الضمير في ((يستغفرون)). وفسِّر استغفارُهم على
هذا الوجه بشفاعتهم للمؤمنين وحملهم على التوبة بما يُفيضون على سرائرهم.
وجوِّز أن يكون الاستغفارَ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]
المفسَّرَ بترك معاجلةِ العقاب وإدرارٍ الرزق والارتفاق بما خلق من المنافع الجمَّة
ونحوِ ذلك، وهو وإن لم يَخُصَّ المؤمنين لكنهم أصلٌ فيه، فتخصيصُهم هنا بالذكر
للإشارة إلى ذلك. والأظهرُ كونُ الجملة تفسيراً.
ونصب ((رحمةً وعلماً)) على التمييز، وهو محوَّلٌ عن الفاعل، والأصلُ: وسعتْ
رحمتُك وعلمك كلَّ شيءٍ، وحوّل إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في وصفه عزَّ
وجلَّ بالرحمةِ والعلم حيثُ جُعلت ذاتُه سبحانه كأنها عينُ الرحمة والعلم مع
التلويح إلى عمومها؛ لأنَّ نسبةً جميع الأشياءِ إليه تعالى مستويةٌ فتقتضي استواءَها
في شمولهما. ووصفه تعالى بكمال الرحمة والعلم كالتمهيد لقوله سبحانه: ﴿فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ إلخ، وتسبُّبُ المغفرة عن الرحمة ظاهرٌ، وأما تسببُّها عن
العلم فلأنَّ المعنى: فاغفر للذين علمتَ منهم التوبةَ - أي: من الذنوب مطلقاً، بناءً
على أنه المتبادرُ من الإطلاق - واتباعَ سبيلك، وهو سبيلُ الحقِّ التي نهجَها الله
تعالى لعباده ودعا إليها الإسلامُ(١)، أي: علمُك الشاملُ المحيط بما خفي وما عَلنَ
يقتَضِي ذلك، وفيه تنبيهٌ على طهارتهم من كُدورات الرياء والهوى، فإنَّ ذلك
لا يعلمه إلا اللهُ تعالى وحده.
ويتضمَّنُ التمهيدُ المذكورُ الإشارةَ إلى أنَّ الرحمةَ الواسعةَ والعلمَ الشاملَ
يقتضيان أن ينالَ هؤلاء الفوزَ العظيم والقسطَ الأعلى من الرضوان، وفيه إيماءٌ إلى
معنی :
(١) قوله: الإسلام، ليس في الأصل.

الآية : ٨
٢٥
إن تغفِر اللهمَّ تغْفِرْ جمَّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألَمَّا (١)
فإنَّ العبدَ وإن بالغ حقَّ المبالغة في أداء حقوقه تعالى فهو مقصِّر، وإليه الإشارةُ
بقوله وَله: ((ولا أنا، إلّا أن يتغمَّدَني الله تعالى برحمته))(٢).
وتقديمُ الرحمة لأنها المقصودةُ بالذات هاهنا. وفي تصدير الدعاء بـ ((ربنا)) من
الاستعطاف ما لا يخفى، ولذا كثُر تصدیرُ الدعاء به.
وقوله تعالى: ﴿وَفِهِمْ عَذَابَ الْجَميِ ﴾﴾ أي: واحفظهم عنه، تصريحٌ بعد تلويحٍ
للتأكيد، فإنَّ الدعاءَ بالمغفرة يستلزم ذلك، وفيه دلالةٌ على شدَّة العذاب.
﴿َرَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَتِى وَعَدتَّهُمْ﴾ أي: وَعَدْتَهم إياها، فالمفعولُ الآخَرُ
مقدَّرٌ، والمراد: وعدتَهم دخولَها. وتكريرُ النداء لزيادة الاستعطاف.
وقرأ زيد بن عليٍّ والأعمش: ((جِنَّةَ عدن)) بالإفراد، وكذا في مصحف عبد الله(٣).
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِزَّ﴾ عطفٌ على الضمير المنصوبِ في
(أدخلهم))، أي: وأَدْخِلْ معهم هؤلاء ليتمَّ سرورهم ويتضاعفَ ابتهاجُهم.
وجوَّز الفراء والزجَّاج العطفَ على الضمير في ((وعدتهم))، أي: وعدتَهم
ووعدتَ مَن صلح .. إلخ(٤). فقيل: المرادُ بذلك الوعدُ العامّ. وتعقِّب بأنَّه لا يبقى
على هذا للعطف وجهٌ، فالمرادُ الوعدُ الخاصُّ بهم بقوله تعالى: ﴿أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾
[الطور: ٢١].
والظاهرُ العطفُ على الأول، والدعاءُ بالإدخال فيه صريحٌ، وفي الثاني
ضمنيٌّ.
(١) الشطر الأول لم يرد في الأصل، والبيت لأمية بن أبي الصلت، أنشده عند موته. وهو في
ديوانه ص١١٤. ونسب لأبي خراش الهذلي كما في شرح أشعار الهذليين ١٣٤٦/٣، وقال
في خزانة الأدب ٢٩٥/٢: هذا خطأ.
(٢) سلف ١/ ٢١١.
(٣) معاني القرآن للفراء ٥/٣، والقراءات الشاذة ص١٣٢، والبحر ٤٥٢/٧.
(٤) معاني القرآن للفراء ٥/٣، وللزجاج ٣٦٨/٤.

٢٦
الآية : ٩
والظاهرُ أنَّ المرادَ بالصلاحِ الصلاحُ المصحِّحُ لدخول الجنة وإن كان دونَ
صلاحٍ المتبوعين.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((صلُح)) بضمِّ اللام، يقال: صلُح فهو صَليح، وصلَح فهو
(١)
صالح(١).
وقرأ عيسى: ((ذريتَهم)) بالإفراد(٢).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيرُ﴾ أي: الغالبُ الذي لا يمتنع عليه مقدورٌ ﴿الْحَكِيمُ
الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمةُ الباهرةُ من الأمور التي من جملتها إدخالُ من
طُلب إدخالُهم الجناتِ، فالجملةُ تعليلٌ لِمَا قبلها .
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: العقوباتِ على ما روي عن قتادة، وإطلاقُ السيئة على
العقوبة لأنَّها سيئة في نفسها. وجوِّز أن يرادَ بها المعنى المشهورُ وهو المعاصي،
والكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: وقِهم جزاءَ السيئات. أو تُجُوِّز بالسبب عن
المسبّب. وأيَّاما كان فلا يتكرَّرُ هذا مع: ((وقهم عذاب الجحيم))، بل هو تعميمٌ بعد
تخصيصٍ لشموله العقوبةَ الدنيوية والأخرويةَ مطلقاً، أو الدعاءُ الأول للمتبوعين
وهذا للتابعين.
وجوِّز أن يرادَ بـ ((السيئات)) المعنى المشهورُ بدون تقديرٍ مضافٍ ولا تجُّزٍ،
أي: المعاصي، أي: وقهم المعاصيَ في الدنيا، ووقايتُهم منها حفظُهم عن
ارتكابها، وهو دعاء بالحفظ عن سبب العذاب بعد الدعاء بالحفظ عن المسبّب وهو
العذاب. وتعقِّب بأنَّ الأنسبَ على هذا تقديمُ هذا الدعاء على ذاك.
﴿وَمَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يومَ المؤاخذة ﴿فَقَدْ رَحْتَهُ﴾، ويقال على
الوجه الأخير: ومَن تقِ السيئات يومَ العمل، أي: في الدنيا فقد رحمتَه في الآخرة،
وأيِّد هذا الوجهُ بأنَّ المتبادرَ مِن ((يومئذ)) الدنيا، لأنَّ ((إذ)) تدلُّ على المُضِيِّ، وفيه
منعٌ ظاهرٌ.
(١) الكشاف ٤١٧/٣، والبحر ٤٥٢/٧ .
(٢) البحر ٧/ ٤٥٢ .

الآية : ٩
٢٧
سُورَةٌ غَافِلِ
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الرحمة المفهومة مِن ((رَحِمْتَه))، أو إلى الوقاية المفهومة
من فِعْلِها، أو إلى مجموعهما، وأمرُ التذكير على الاحتمالين الأولين وكذا أمر
الإفراد على الاحتمال الأخير، ظاهرٌ.
﴿هُوَ اُلْفَوْزُ﴾ أي: الظفر ﴿اَلْعَظِيمُ ﴾﴾ الذي لا مطمعَ وراءه لطامع.
هذا، وإلى كونِ المراد بـ ((الذين تابوا)) الذين تابوا من الذنوب مطلقاً ذهب
الزمخشريُّ، وقال في ((السيئات)) على تقدير حذفِ المضاف: هي الصغائرُ أو
الكبائرُ المتوبُّ عنها، وذَكر أنَّ الوقايةَ منها التكفيرُ أو قبولُ التوبة، وأنَّ هؤلاء
المستغفَرَ لهم تائبون صالحون مثل الملائكة في الطهارة، وأنَّ الاستغفارَ لهم بمنزلة
الشفاعة، وفائدتُه زيادةُ الكرامة والثواب فلا يضُرُّ كونهم موعودين المغفرةَ، والله
تعالى لا يخلف الميعاد (١).
وتعقِّب بأنه لا فائدةَ في ذكر الرحمة والمبالغةِ فيها إذا كان المغفورُ له مثلَ
الملائكة عليهم السلام في الطهارة، وأيُّ حاجةٍ إلى الاستغفار فضلاً عن المبالغة؟
وأنَّ ما قاله في ((السيئات)) لا يجوز؛ فإنَّ إسقاطَ عقوبة الكبيرة بعدَ التوبة واجبٌ في
مذهبه، وما كان فعله واجباً كان طلبُه بالدعاء عبئاً قبيحاً عند المعتزلة، وكذا إسقاط
عقوبة الصغيرة فلا يحسُن طلبُه بالدعاء، ولا يجوز أن يكونَ ذلك لزيادة منفعةٍ؛ لأنَّ
ذلك لا يسمَّى مغفرةً. حكى هذا الطيبيُّ عن الإمام (٢)، ثم قال: فحينئذٍ يجب القولُ
بأنَّ المرادَ بالتوبة التوبةُ عن الشرك كما قال الواحديُّ: (فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوأ) عن
الشرك (وَقَّبَعُوْ سَبِيلَكَ) أي: دينَك الإسلامَ(٣).
فإن قلت: لو لم يكن التوبةُ من المعاصي مراداً لكان يكفي أن يقولوا: فاغفر
للذين آمنوا، ليطابقَ السابقَ؟
قلتُ، والله تعالى أعلم: هو قريبٌ من وضع المظهر موضعَ المضمَر من غيرِ
اللفظ السابق، وبيانُه أنَّ قولَه تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
(١) الكشاف ٣/ ٤١٧ .
(٢) التفسير الكبير ٣٤/٢٧.
(٣) الوسيط ٥/٤.

سُورَةُ عَفِلِ
٢٨
الآية : ٩
لِلَّذِينَ تَابُوأ) الآيةَ جاء مفصولاً عن قوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواً)، فالآيةُ بيانٌ
لكيفية الاستغفار، لا لحالِ المستغفَرِ لهم، ووصفُهم المميّزُ يعرَفُ بالذوق.
وأما فائدةُ العدول عن المضمَر وأنَّه لم يقل: فاغفر لهم، بل قيل: ((للذين تابوا))
فهي أنَّ الملائكةَ كما علَّلوا الغفرانَ في حقِّ مُفيضٍ الخيرات جلَّ شأنه بالعلمِ الشاملِ
والرحمةِ الواسعة علَّلوا قابلَ الفَيض أيضاً بالتوبة عن الشرك واتِّباع سبيل الإسلام.
فإن قلتَ: هذه التوبةُ إنما تصحُّ في حقِّ مَن سَبق شركُه على إسلامه، دونَ مَن
وُلد مسلماً ودام عليه.
قلتُ: الآيةُ نازلةٌ في زمن الصحابة وجلُّهم انتقلوا مِن الشرك إلى الإسلام، ولو
قيل: فاغفر، لمن لم يُشرك لخَرجوا، فغُلِّب الصحابةُ ﴿ه على سَنن جميع
الأحكام. انتهى. ولعمري إنَّ للبحث فيه مجالاً أيَّ مجالٍ.
وفي ((الكشف)): إنَّما اختارَ الزمخشريُّ ما اختاره على ما قال الواحديُّ من أنَّ
التوبةَ عن الشرك؛ لأنَّ التوبةَ عند الإطلاق تنصرِف إلى التوبة من الذنوب مطلقاً،
على أنَّ فيه تكراراً إذ ذاك؛ لأنَّ التائبَ عن الشرك هو المسلِمُ، وقد فسِّر متَّبِعُ
السبيل في هذا القول به، وإذا شَرط حَمَلةُ العرش ومَن حوله عليهم السلام صلاحَ
التابع، وهو الذريةُ، مع ما ورد مِن قوله تعالى: ﴿يِيَمَنْ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾
[الطور: ٢١] فما بالُ المتبوع؟ وأنت تعلم أنَّ الصلاحَ مِن أخصِّ أوصاف المؤمن،
وكفاك دعاءُ إبراهيمَ ويوسفَ عليهما السلام في الإلحاق بالصالحين شاهداً، وأمَّا
أنَّهم غيرُ محتاجين إلى الدعاء فجوابُه أنَّه لا يجب أن يكونَ للحاجة، ألا ترى إلى
قولنا: اللَّهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمد، وما ورد فيه من الفضائل، والمعلومُ حصولُه
منه تعالى، يَحْسُن طلبُه، فإنَّ الدعاءَ في نفسه عبادةٌ ويُوجب للداعي والمدعوِّ له من
الشرَف ما لا يتقاعَدُ عن حصولِ أصلِ الثواب.
ثمّ إنَّ الوقايةَ عن السيئات إن كانَت بمعنى التكفير وقع الكلامُ في أنَّ السيئاتِ
المكفَّرةَ ما هي؟ ولا خفاءَ أنَّ النصوصَ دالَّةٌ على تكفير التوبة للسيئات كلِّها، وأنَّ
الصغائر مكفَّرات ما اجتنِيَت الكبائرُ، فلا بدَّ من تخصيصها به كما ذُكر.

الآية : ٩
٢٩
سُوَلَ غَفاء
وإن كان معناها أن يُعفى عنها ولا يُؤَاخذ بها كما هو قولُ الواحدي ومختارُ
الإمام(١) ومَن ائتمَّ به، فينبغي أن يُنظر أنَّ الوقايةَ في أيِّ المعنَيْنِ أظهرُ، وأنَّ قولَه
تعالى: (وَمَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتٌَ) وما يفيده من المبالغة على نحو: من
أدرك مرعى الصمان فقد أدرك(٢)، وتعقيبُه بقوله سبحانه: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ) في شأن المقصِّرين أظهرُ أو شأن المكفَّرين.
ومن هذا التقرير قد لاح أنَّ هذا الوجهَ ظاهرُ هذا السياق، وأنَّه يوافِق أصلَ
الفريقينِ، وليس فيه أنَّه سبحانه يعفو عن الكبائر بلا توبةٍ أو لا يعفو، فلا ينافي
جوازَه من أدلةٍ أُخرى، إلى آخر ما قال، وهو كلامٌ حَسَنٌ وإن كان في بعضه
- كحديثِ التكرار، وكونِ الصلاح في الآية ما هو مِن أخصِّ أوصافِ المؤمن - نوعُ
مناقشةٍ، وقد يرجَّح كونُ المراد بالتوبة التوبةَ من الذنوب مطلقاً دونَ التوبة عن
الشرك فقط بأنَّ المتبادِرَ من ((وقِهِم عذابَ الجحيم)): وَقِ كلّ واحدٍ منهم ذلك،
ومن المعلوم أنه لا بدَّ من نفوذ الوعيد في طائفة من المؤمنين العاصين وتعذيبهم في
النار، فيكونُ الدعاءُ بحفظِ كلٍّ من المؤمنين من العذاب محرَّماً.
وقد نصُّوا على حرمةِ أن يقال: اللَّهِمَّ اغفر لجميع المؤمنين جميعَ ذنوبهم،
لذلك، ولا يلزمُ ذلك على كون الدعاء للتائبين الصالحين.
وحملُ الإضافة على العهد بأن يرادَ بـ ((عذاب الجحيم)) ما كان على سبيل
الخلود لا يخفى حالُه.
والاعتراضُ بلزوم الدعاء بمعلوم الحصول على كون المراد بالتوبة ذلك بخلاف
ما إذا أريد بها التوبةُ عن الشرك فإنَّه لا يلزم ذلك، إذ المعنى عليه: فاغفر للذين
تابوا عن الشرك ذنوبَهم التي لم يتوبوا عنها، وغفرانُ تلك الذنوب غيرُ معلوم
الحصول = قد عُلم جوابُه مما في ((الكشف))، على أنَّ في كون الغفران للتائب
معلومَ الحصول خلافاً أشرنا إليه أولَ السورة.
نعم، هذا اللزومُ ظاهرٌ في قولهم: ((وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم))،
(١) الوسيط ٥/٤، والتفسير الكبير ٣٤/٢٧.
(٢) ينظر ما سلف ١٠٦/١٠.

سُورَةٌ غَفَرٍ
٣٠
الآية : ١٠
ونظيرُ ذلك ما ورد في الدعاء إثْرَ الأذان: ((وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته))(١).
وقد أجيب عن ذلك بغيرِ ما أشير إليه أيضاً وهو أنَّ سبقَ الوعد لا يستدعي حصولَ
الموعود بلا توسُّطِ دعاءٍ.
وبالجملة لا بأسَ بحملٍ التوبة على التوبة من الذنوب مطلقاً، ولا يلزم من
القولِ به القولُ بشيء من أصول المعتزلة، فتأمَّل وأنصف.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شروعٌ في بيانِ أحوال الكفَّار بعدَ دخول
النار ﴿يُنَادَونَ﴾ وهم في النار، وقد مقَتوا أنفسَهم الأمّارة بالسوء، التي وقعوا
فيما وقعوا باتِّباع هواها، حتى أكلوا أناملَهم من المقت كما أخرج ذلك عبد بن
حميد عن الحسن(٢).
وفي بعض الآثار أنَّهم يمقُتون أنفسَهم حين يقول لهم الشيطان: ﴿فَلَا تَلُومُونِى
وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٣) [إبراهيم: ٢٢].
وقيل: يمقُتونها حين يعلمون أنهم من أصحاب النار(٤).
والمنادي الخزنةُ أو المؤمنون، يقولون لهم إعظاماً لحسرتهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ
أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ وهذا معمولٌ للنداء لتضمُّنِه معنى القول، كأنه قيل:
ينادون مقولاً لهم: لمَقْتُ .. إلخ، أو معمولٌ لقولٍ مقدَّرٍ بفاء التفسير، أي: ينادون
فيقال لهم: لمَقْتُ .. إلخ. وجَعْلُه معمولاً للنداء على حذف الجارِّ وإيصال الفعل
بالجملة ليس بشيء.
و ((مَقْت)) مصدرٌ مضافٌ إلى الاسم الجليل إضافةَ المصدر لفاعله، وكذا إضافةُ
المَقْت الثاني إلى ضمير الخطاب.
وفي الكلام تنازُعٌ، أو حذفُ معمولِ الأول من غير تنازُع، أي: لمقتُ الله
إِيَّاكم أو أنفسَكم أكبرُ من مقتكم أنفسَكم. واللام للابتداء أو للقَسَم.
(١) أخرجه أحمد (١٤٨١٧)، والبخاري (٦١٤) من حديث جابر بن عبد الله
(٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر ٣٤٧/٥.
(٣) أخرجه الطبري ٦٣١/١٣ -٦٣٢ عن محمد بن كعب القرظي، ونقله المصنف من البحر ٤٥٣/٧.
(٤) النكت والعيون ١٤٥/٥.

الآية : ١٠
٣١
سُورَةٌ عَفِلٍ
والمقتُ: أشدُّ البغض؛ والخلَفُ يؤوِّلونه مسنَداً إليه تعالى بأشدِ الإنكار.
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ أي: إذ يدعوكم الأنبياء ونوَّابُهم ﴿إِلَى الْإِيمَنِ﴾ فتأبَون قبولَه
﴿فَتَكْفُرُونَ ﴾﴾ وهذا تعليلٌ للحكم أو للمحكوم به، فـ ((إذا متعلقةٌ بـ ((أكبر))، وكأنَّ
التعبير بالمضارع للإشارة إلى الاستمرار التجدُّديِّ، كأنه قيل: لمقتُ الله تعالى
أنفسَكم أكبرُ من مقتكم إياها، لأنّكم دُعيتم مرَّةً بعدَ مرَّةٍ إلى الإيمان فتكرَّرَ منكم
الكفر. وزمان المقتَينِ واحدٌ على ما هو المتبادِرُ، وهو زمانُ مقتِهم أنفسَهم الذي
حكيناه آنفاً .
ويجوزُ أن يكون تعليلاً لمقتهم أنفسهم، و((إذا متعلقة بـ ((مقت)) الثاني، فهم
مقَتوا أنفسَهم لأنَّهم دُعُوا مِراراً إلى الإيمان فكَفروا، والتعبيرُ بالمضارع كما في
الوجْهِ السابق، وزمانُ المقتَين كذلك، والعلة في الحقيقة إصرارُهم على الكفر مع
تکژُّرٍ دعائهم إلى الإيمان.
وجوِّز أن يكونَ تعليلاً ((لمقت الله))، و((إذ)) متعلِّقةٌ به، ويُعلم مما سيأتي قريباً إن
شاء الله تعالی ما عليه وما له.
وظاهر صنيع جماعةٍ من الأجلَّة اختيارُ كونِ ((إذا ظرفيةً لا تعليليةً، فقيل: هي
ظرفٌ لـ ((مقت)) الأول، والمعنى: لمقتُ الله تعالى أنفسَكم في الدنيا إذ تُدعَون إلى
الإيمان فتكفرون أشدُّ من مقتكم إياها اليومَ وأنتم في النار، أو: وأنتم متحقِّقُون
أنكم من أصحابها، فزمانُ المفْتَينِ مختلِفٌ، وكونُ زمانِ الأول الدنيا وزمانِ الثاني
الآخرةَ مرويٌّ عن الحسن؛ وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد(١).
واعترَض عليه غيرُ واحدٍ بلزوم الفصل بين المصدر وما في صلته بأجنبيٍّ هو الخبرُ،
وفي ((أمالي ابن الحاجب)): لا بأسَ بذلك؛ لأنَّ الظروفَ مَتَّسَعّ فيها(٢).
وقيل: هي ظرفٌ لمصدرٍ آخرَ يدلُّ عليه الأول، أو لفعلٍ يدلُّ عليه ذلك، كما في
(البحر))(٣).
(١) عزاه لهما السيوطي في الدر ٣٤٧/٥.
(٢) أمالي ابن الحاجب ١٤١/١.
(٣) ٤٥٣/٧.

سُوَرَةٌ غَزفا
٣٢
الآية : ١٠
وفي ((الكشف)): فيه أنَّ المقدَّرَ لا بدَّ له من خبرٍ آتٍ (١) إن استقلَّ ويتَّسِع
الخرق، وإن جُعل بدلاً فحذفُه وإعمالُ المصدرِ المحذوف لا يتقاعَدُ عن الفصل
بالخبر وليس أجنبيًّا من كلِ وجهٍ.
وتقديرُ الفعل، أي: مقَتَكم الله إذ تدعون، أبعدُ وأبعدُ.
وقيل: هي ظرفٌ لـ ((مقت)) الثاني.
واعتُرض بأنهم لم يمقتوا أنفسَهم وقتَ الدعوة، بل في القيامة.
وأجيب بأنَّ الكلامَ على هذا الوجه من قبيلٍ قول الأمير كرَّم الله تعالى وجهه:
إنما أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأحمر (٢). وقولٍ عَمرو بن عُدَس التميميِّ لمطلَّقته
دَخْتَنوس بنتِ لقيط وقد سألتْه لبناً وكانت مُقْفِرةً من الزاد: الصيفَ ضيَّعْتِ اللبنَ(٣).
وذلك بأن يكون مجازاً بتنزيل وقوع السبب وهو كفرُهم وقتَ الدعوة منزلةً وقوع
المسبَّب وهو مقتُهم لأنفسهم حينَ معاينتِهم ما حلَّ بهم بسببه.
وقيل: إنَّ المرادَ عليه: إذ تبيَّن أنكم دُعيتم إلى الإيمان المنجِي والحقِّ الحقيقِ
بالقبول فأبَيْتم. أو أنَّ المرادَ بأنفسهم جنسُهم من المؤمنين فإنهم كانوا يمقُتون
المؤمنين في الدنيا إذ يدعون إلى الإيمان، وهو أبعدُ التأويلات.
وقال مكي: ((إذ)) معمولةٌ لـ ((اذكروا)) مضمَراً (٤)، والمرادُ التحسير(٥) والتنديمُ.
واستحسنه بعضُهم، وأراه خلافَ المتبادِر.
(١) في (م): جزاآت.
(٢) أراد علي ◌ُه أن أمره وَهِنَ يومَ قتل عثمان ﴿ه. وفي المثل قصة، ينظر مجمع الأمثال
٢٥/١، والمستقصى ٤١٧/١.
(٣) يضرب هذا المثل للرجل يضيع الأمر، ثم يطلبه بعد فواته. وأصله أن عمرو بن عمرو بن
عدس كانت تحته دختنوس بنت لقيط بن زرارة، وكان مسئًّا ولكنه متموِّل، فسألته الطلاق
فطلقها، فتزوجت عمرو بن معبد بن زرارة وكان شابًّا فقيراً، فلما أجدبوا أرسلت إلى عمرو
تستقيه لبناً، فقال: الصيفَ ضيعْتِ اللبن. يعني أن سؤالكِ الطلاق كان في الصيف فيومئذٍ
ضيَّعْتِ اللبن. المستقصى ٣٢٩/١، وجمهرة الأمثال ١/ ٥٧٥، وحاشية الشهاب ٣٦١/٧.
(٤) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٣٤.
(٥) وقع في (م): التحير، وهو تحريف.

الآية : ١١
٣٣
وادَّعى صاحبُ ((الكشف)) أنَّ فيه تنافراً بَيِّناً، وعلَّله بما لم يظهر لي وجهُه.
فتأمَّل.
وتفسيرُ: ((مَقْتكم أنفسَكم)) بمقتِ كلِّ واحدٍ نفسَه هو الظاهر، وجُوِّز أن يرادَ به
مقتُ بعضِهم بعضاً، فقيل: إنَّ الأتباعَ يمقُتون الرؤساءَ لِمَا ورَّطوهم فيه من الكفر،
والرؤساءُ يمقُتون الأتباعَ لِمَا أنهم اتَّبعوهم فحملوا أوزاراً مثلَ أوزارِهم. فلا تغفل.
﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا أَنْنَتَيْنِ﴾ صفتانِ لمصدرَي الفعلين، والتقديرُ: أمتَّنا
إماتتَيْنِ اثنتين وأحبيتنا إحياءَتَيْنِ اثنتين.
وجوِّز كونُ المصدرَيْنِ موتتَيْنٍ وحياتَيْنٍ، وهما إمَّا مصدران للفعلين المذكورين
أيضاً بحذف الزوائد، أو مصدران لفعلَيْن آخَرَيْن يدلُّ عليهما المذكوران، فإنَّ
الإماتة والإحياءَ ينبئان عن الموت والحياة حتماً، فكأنَّه: أمتَّنا فمُتْنا موتَتَيْنِ اثنتين
وأحييتنا فحَيْنا حياتَيْنِ اثنتين، على طرز قوله:
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروان لم يَدَعْ من المال إلَّا مُسْحَتٌ أو مجلَّفُ (١)
أي: لم يَدَعْ فلم يبق إلَّا مُسْحَتٌ .. إلخ.
واختُلِف في المراد بذلك فقيل: أرادوا بالإماتة الأولى خلْقَهم أمواتاً، وبالثانية
إماتتَهم عند انقضاءِ آجالهم، وبالإحياءَةِ الأولى إحياءتَهم بنفخ الروح فيهم وهم في
الأرحام، وبالثانية إحياءتَهم بإعادةٍ أرواحهم إلى أبدانهم للبعث؛ وأخرج هذا ابن
جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس(٢). وجماعة منهم الحاكم
وصحَّحه عن ابن مسعود (٣). وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة(٤).
ورُوي أيضاً عن الضحَّاك وأبي مالك، وجعلوا ذلك نظيرَ آية ((البقرة)): ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
(١) البيت للفرزدق، وقد سلف ٣/ ٣٧٠ و٩٢/١٣.
(٢) تفسير الطبري ٢٩١/٢٠، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر ٣٤٧/٥.
(٣) مستدرك الحاكم ٢/ ٤٣٧ والأثر عند الطبري في تفسيره ٢٩١/٢٠، والطبراني في المعجم
الكبير (٩٠٤٤).
(٤) عزاه لهما السيوطيُّ في الدر ٣٤٨/٥.

سُوَلا تغافل
٣٤
الآية : ١١
والإماتة إن كانت حقيقةً في جَعْلِ الشيء عادمَ الحياة سُبِقَ بحياةٍ أم لا، فالأمرُ
ظاهرٌ، وإن كانت حقيقةً في تصيير الحياة معدومةً بعدَ أن كانت موجودةً كما هو
ظاهرُ كلامهم حيثُ قالوا: إنَّ صيغةَ الإفعال وصيغةَ التفعيل موضوعتَان للتصيير،
أي: النقلِ من حالٍ إلى حالٍ، ففي إطلاقها على ما عُدَّ إماتةً أُولى خفاءٌ؛ لاقتضاء
ذلك سبقَ الحياةِ، ولا سبق فيما ذُكر.
ووُجِّه بأنَّ ذلك من باب المجاز، كما قرَّروه في: ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّغْ
أسفلَها، قالوا: إنَّ الصانعَ إذا اختارَ أحدَ الجائزَيْنِ وهو متمكِّنٌ منهما على السواء،
فقد صَرَف المصنوعَ الجائزَ عن الآخر، فجُعِل صرفُه عنه كتَقْلِه منه، يعني أنه تجوّز
بالإفعال أو التفعيل الدالّ على التصيير - وهو النقلُ من حالٍ إلى حالٍ أخرى - عن
لازمه، وهو الصرفُ عمَّا في حيِّز الإمكان، ويتْبَعُه جعلُ الممكن الذي تَجُوز إرادتُه
بمنزلة الواقع، وكذا جعلُ الأمر في: ضيِّقْ فمَ الرَّكِيَّةِ مثلاً، بإنشائه على الحالِ
الثانية بمنزلةِ أمره بنقله(١) عن غيرها، ولذا جعله بعضُ الأجلَّة بمنزلةِ الاستعارة
بالكناية، فيكون مجازاً مرسلاً مستتبعاً للاستعارة بالكناية، فالمرادُ بالإماتة هناك
الصرفُ لا النقل.
وذكر بعضُهم أنَّه لا بدَّ من القول بعموم المجاز لئلا يلزم الجمعُ بين الحقيقة
والمجاز في الآية، أو استعمالُ المشتَرَك في معنيّيْه بناءً على زعم أنَّ الصيغةَ مشتركةٌ
بين الصرف والنقل، ومَن أجاز ما ذُكر لم يحتَجْ للقول بذلك.
وفي ((الكشف)): آثَرَ جارُ الله أنَّ إحدى الإماتتَيْن ما ذُكر في قوله تعالى:
﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وإطلاقُها عليه من باب المجاز، وهو
مجازٌ مستعمَلٌ في القرآن، وقد ذَكر وجْهَ التجوُّز، وتحقيقُ ذلك يبتَني على حرفٍ
واحدٍ، وهو أنَّ الإحياءَ معناه جعلُ الشيء حيًّا، فالمادَّةُ الترابيةُ أو النُّطْفيَّةُ إذا
أُفيضت عليها الحياةُ صَدَق أنها صارتْ ذاتَ حياةٍ على الحقيقة؛ إذ لا يحتاجُ إلى
(١) وقع في الأصل: ينقله، بصيغة المضارع، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٦٢/٧،
والكلام منه.

الآية : ١١
٣٥
سبْق موتٍ على الحقيقة، بل إلى سبق عدم الحياة، فهناك إحياءٌ حقيقةً، وأما الإماتةُ
فإن جُعل بين الموت والحياة التقابلُ المشهوريُّ استدعَى المسبوقيةَ بالحياة،
فلا تصحُّ الإماتةُ قبلَها حقيقةً، وإن جُعل التقابلُ الحقيقيُّ صحَّت، لكنَّ الظاهرَ في
الاستعمال بحسب عرفَي العرب والعجم أنه مشهوريٌّ. انتهى.
وأراد بالمشهوريٍّ والحقيقيّ ما ذَكَروه في التقابل بالعدم والمَلَكَة، فإنَّهم قالوا:
المتقابلان بالعدم والمَلَكّة وهما أمران يكون أحدُهما وجوديًّا والآخرُ عدمَ ذلك
الوجوديٌّ في موضوعٍ قابلٍ له إن اعتُبِر قبولُه بحسب شخْصِه في وقتٍ اتصافه بالأمر
العدميِّ فهو العدمُ والمَلَكَةُ المشهوران، كالكَوسجيَّة فإنَّها عدمُ اللحية عمَّا مِن شأنِه
في ذلك الوقت أن يكون ملتحياً، فإنَّ الصبيَّ لا يقال له: كَوسج، وإن اعتُبر قبولُه
أعمَّ من ذلك بأن لا يقيّد بذلك الوقت كعدم اللحية عن الطفل، أو يُعتبرَ قبولُه
بحسب نوعِه كالعَمَى للأكمهِ، أو جنسِه القريب كالعَمَى للعقرب، أو البعيدِ كعدم
الحركة الإرادية عن الجبل، فإنَّ جنسَه البعيد - أعني الجسمَ الذي هو فوقَ الجماد -
قابلٌ للحركة الإرادية فهو العدمُ والمَلَكَة الحقيقيَّان، لكن في بناءِ اقتضاء المسبوقية
بالحياة وعدمه على ذلك خفاءٌ وإن ضُمَّ إليه التعبيرُ بصيغة الماضي كما لا يخفى
علی المتدبِّر.
ثم وجهُ تسبُّبِ الإماتة مرَّتين والإحياء كذلك لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾
أنَّهم قد أنكروا البعثَ فكفروا، وتَبع ذلك من الذنوب ما لا يُخْصى؛ لأنَّ مَن لم
يخشَ العاقبةَ تخرَّقَ في المعاصي، فلمَّا رأوا الإماتةَ والإحياءَ قد تكرَّر عليهم علموا
بأن الله تعالى قادرٌ على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها
من إنكار البعث وما تَبِعه من معاصيهم.
وقال السديُّ: أرادوا بالإماتة الأولى إماتتَهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحياءةِ
الأولى إحياءتَهم في القبر للسؤال، وبالإماتةِ الثانية إماتتَهم بعدَ هذه الإحياءة إلى
قيام الساعة، وبالإحياءة الثانية إحياءتَهم للبعث(١).
(١) تفسير الطبري ٢٩٢/٢٠.

سُؤَلَ غَفَاءِ
٣٦
الآية : ١١
واعتُرض عليه بأنه يلزم هذا القائلَ ثلاثُ إحياءاتٍ، فكان ينبغي أن يكون
المُنزلُ: أحييتنا ثلاثاً، فإن ادُّعِيَ عدمُ الاعتداد بالإحياءةِ المعروفة وهي التي كانت
في الدنيا؛ لسرعة انصرامِها وانقطاع آثارها وأحكامِها، لزِمَه أن لا يعتَدَّ بالإماتة
بعدَها .
وقال بعضُ المحققِّين في الانتصار له: إن مرادَ الكفّار مِن هذا القول اعترافُهم
بما كانوا يُنكرُونه في الدنيا ويكذبون الأنبياءَ حين كانوا يدعُونهم إلى الإيمان بالله
تعالى واليوم الآخر؛ لأنَّ قولَهم هذا كالجواب عن النداء في قوله تعالى: (يُنَادَوْنَ
لَمَقْتُ اللَّهِ)، كأنَّهم أجابوا: إنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعَوْنا، وكنّا نعتقد أن
لا حياةَ بعد الموت، فالآنَ نعترفُ بالموتين والحياتين لِما قاسَيْنا من شدائدِهما
وأحوالهما. فالذنبُ المعتَرَفُ به تكذيبُ البعث، ولهذا جُعل مرتَّباً على القول،
وإنما ذكروا الإماتتيْن ليذكروا الإحياءَيْن، إذ كلتا الحیاتين كانتا منگرتين عندهم دون
الحياة المعروفة، ومقامُ هذه الآية غيرُ مقام قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَخْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فإنَّ هذه كما سمعتَ لبيان الإقرار والاعترافِ منهم في
الآخرة بما أنكروه في الدنيا، وتلك لبيانِ الامتنان الذي يستدعي شكرَ المنعم، أو
لبيانِ الدلائل لتصرُّفهم عن الكفر. ويرجِّح هذا القولَ أنَّ أمرَ إطلاقِ الإماتة على
كلتا الإماتتين ظاهرٌ.
وتعقّبه في (الكشف)) بأنَّه لا قرينةَ في اللفظ تدلُّ على خروج الإحياء الأوَّلِ، مع
أنَّ الإطلاقَ عليه أظهرُ، والمقابلةُ تُنادِي على دخوله. ويكفي في الاعترافِ إثباتُ
إحياءٍ واحدٍ منهما غير الأول.
وقيل: إنما قالوا: ((أحييتنا اثنتين)) لأنَّهما نوعان: إحياءُ البعث وإحياءٌ قبلَه، ثم
إحياء البعث قسمان: إحياءٌ في القبر وإحياءٌ عند القيام، ولم يُذكر تقسيمُه لأنَّهم
كانوا منكِرين لقسمَيه.
وتعقّب بأنَّ ذكرَ الإماتةِ الثانية التي في القبر دليلٌ على أنَّ التقسيمَ ملحوظٌ،
والمرادُ التعذُّدُ الشخصيُّ لا النوعيُّ، نعم هذا يصلُح تأييداً لِمَا اختارَه جارُ الله،
وروي عن جمعٍ من السلف، مِن أنَّ الإحياءات وإن كانت ثلاثاً إنما سكت عن

الآية : ١١
٣٧
سُوَلُ غَفَاءِ
الثانية؛ لأنَّها داخلٌ في إحياءةِ البعث. قاله صاحبُ ((الكشف))، ثم قال: وعلى هذا
فالإماتةُ على مختارِ جار الله إماتةٌ قبلَ الحياة وإماتةٌ بعدَها، وطُوِيت إماتةُ القبر
كما طُوِيت إحياءتُه، ولكَ أن تقول: إنَّ الإماتةَ نوعٌ واحدٌ بخلافِ الإحياء، فرُوعيَ
التعدُّد فيها شخصاً بخلافه، وذكر الإماتة الثانية لأنَّها منكرة عندهم كالحياتين
ويجب الاعترافُ بها، لا للدلالة على أنَّ التعدُّدَ في الإحياء شخصيٌّ، والحقُّ أنَّ
ذلك وجهٌ، لكنَّ قولَه تعالى: ((اثنتين)) ظاهرٌ في المرَّة، فلذا آثر مَن آثر الوجهَ الأول
- وإن كانت الإماتةُ فيه غيرَ ظاهرةٍ - ذهاباً إلى أنَّ ذلك مجازٌ مستعمَل في القرآن،
فتأمَّل.
وقال الإمام: إنَّ أكثرَ العلماء احتجُوا بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وذلك
أنَّهم أثبتوا لأنفسهم موتتَيْن، فإحدى الموتتَيْن مشاهَدٌ في الدنيا، فلا بدَّ من إثبات
حياةٍ أُخرى في القبر حتى يصيرَ الموتُ الذي عقيبَها موتاً ثانياً، وذلك يدلُّ على
حصول حياةٍ في القبر(١). وأطال الكلامَ في تحقيق ذلك والانتصارِ له، والمنصِف
يرى أنَّ عذاب القبر ثابتٌ بالأحاديث الصحيحة دونَ هذه الآية لقيام الوجه المرويِّ
عمَّن سمعتَ أولاً فيها، وقد قيل: إنه الوجه، لكنِّ أظنُّ أنَّ اختيارَ الزمخشريِّ له
لدسيسة اعتزالیة.
٠
وقال ابنُ زيد في الآية: أريد إحياؤُهم نَسَماً عند أخذ العهدِ عليهم من صُلْب
آدم، ثم إماتتُهم بعدُ، ثم إحياؤُهم في الدنيا، ثم إماتتُهم، ثم إحياؤُهم(٢).
وهذا صريحٌ في أنَّ الإحياءاتِ ثلاثٌ، وقد أطلَقَ فيه الإحياءَ الثالثَ، والأغلبُ
على الظنِّ أنه عنَى به إحياءَ البعث.
وقيل: التثنيةُ في كلامهم مثلُها في قوله تعالى: ﴿أَرْجِعِ اٌلْصَرَ كََّنِ﴾ [الملك: ٤]
مرادٌ بها التكريرُ والتكثير، فكأنهم قالوا: أمثّنا مرةً بعد مرة، وأحييتنا مرةً بعد مرة،
فعلِمْنا عظيمَ قُدرتك، وأنَّه لا يتعاصاها الإعادةُ كما لا يتعاصاها غيرُها، فاعترفْنا
(١) التفسير الكبير ٣٩/٢٧.
(٢) النكت والعيون ١٤٦/٥.

سُورَةٌ عَدفا
٣٨
الآية : ١٢
بذنوبنا التي اقترفناها من إنكار ذلك، وحينئذٍ فلا عليك أن تعتبرَ الموتَ في صلب
آدم، ثم الإحياءَ لأخذِ العهد، ثم الإماتةَ، ثم الإحياءَ بنفخ الروح في الأرحام، ثم
الإماتةَ عند انقضاء الأجل في الدنيا، ثم الإحياءَ في القبر للسؤال أو لغيره، ثم
الإماتةَ فيه، ثم الإحياءَ للبعث.
ولا يخفى أنَّه على ما فيه إنَّما يتمُّ لو كان المقول: أمتَّنا إماتتين أو كرَّتين،
وأحييتَنا إحياءتَين أو كرَّتين، مثلاً، دونَ ما في المنزَّل، فإنَّ (اثنتين)) فيه وصفٌ
لإماتتين ولإحياءتين، وهو دافعٌ لاحتمال إرادةِ التكثير كما قيل في ﴿إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِّ﴾
[النحل: ٥١]، وبناءُ الأمر على أنَّ العددَ لا مفهومَ له لا يخلو عن بحث.
ومن غرائب ما قيل في ذلك ما روي عن محمد بن كعب: إنَّ الكافرَ في
الدنيا حيُّ الجسد ميِّتُ القلب فاعتُبرت الحالتان، فهناك إماتةٌ وإحياءٌ للقلب والجسدِ
في الدنيا، ثم إماتتُهم عند انقضاء الآجال، ثم إحياؤُهم للبعث. ومثلُ هذا يُحكى
ليُطَلعَ على حاله.
﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ أي: إلى نوعٍ خروجٍ من النار، أي: فهل إلى خروجٍ سريعٍ
أو بطيءٍ، أو من مكانٍ منها إلى آخر، أو إلى الدنيا، أو غيرها، ﴿مِّن سَبِيلٍ
طريقٍ من الطرُق فنسلكه. ومثلُ هذا التركيب يستعمَل عند اليأس، وليس المقصودُ
به الاستفهامَ، وإنَّما قالوه من فرط قنوطهم تعلُّلاً أو تحيُّراً، ولذلك أُجيبوا بذكرٍ
ما أوقَعَهم في الهلاك وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إلخ، من غير جوابٍ عن الخروج
نفياً أو إِثباتاً. ولو (١) كان الاستفهامُ على ظاهره، والمراد طلبُ الخروج نظيرَ:
﴿أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [فاطر: ٣٧] ونحوِه = لقيل: ﴿أَخَْئُواْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨]
أو نحو ذلك. كذا قيل.
وجوِّز أن يكونوا طلبوا الرجعةَ ليعمَلوا بموجب ذلك الاعتراف لكن مع استبعادٍ
لها واستشعارِ يأسٍ منها، والجوابُ إقناٌ لهم ببيانِ أنَّهم كانُوا مستمرِّينَ على
(١) في الأصل و(م): وإن، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٦٣/٧، وهو الجادة؛ لكون جوابه
جاء مقترناً باللام.

الآية : ١٣
٣٩
سُوَلا عَدخل
الشركِ فُجُوزوا باستمرار العقاب والخلود في النار كما يقتضيه حكمُه تعالى، وذلك
جوابٌ بنفي السبيل إلى الخروج على أبلغ وجهٍ.
ولا أرى في هذا الوجه بأساً، ويوشك أن يكون المتبادرَ، والمعنى: ذلكم
الذي أنتم فيه من العذاب ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسببِ أنَّ الشأنَ ﴿إِذَا دُعِىَ اللَّهُ﴾ أي:
عُبِد سبحانه في الدنيا ﴿وَحْدَهُ﴾ أي: متَّحِداً منفرداً، فهو نصبٌ على الحالِ مؤوَّل
بمشتقِّ منكَّر، أو: يوحَّدُ وحدَه؛ على أنه مفعولٌ مطلَقٌ لفعل مقدَّرٍ على حدٍّ:
﴿أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧] والجملة بتمامها حالٌ أيضاً، حُذفت وأقيم
المصدرُ مقامَها، وفيه كلامٌ آخر (١) مفصّلٌ في الوفدة وقد تقدَّم بعضُه. ﴿كَفَرْتُمْ﴾
بتوحیده تعالی، أي: جحدتم وأنکرتم ذلك.
﴿وَإِن يُشْرَكَ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ بالإشراك، أي: تذعِنُوا وَتقرُّوا به، وفي إيراد ((إذا))
وصيغةِ الماضي في الشرطية الأولى؛ و((إن)) وصيغة المضارع في الثانية، ما لا يخفى
من الدلالة على سوء حالهم، وحيث كان كذلك ﴿فَلْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ الذي لا يحكمُ إلَّا
المتصفِ بغاية
١٢
بالحقِّ، ولا يقضي إلَّ بما تقتضيه الحكمةُ. ﴿ٌلْعَلِّ الْكَبِيرِ
العلوِّ ونهاية الكبرياء، فليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذا اشتدَّت
سطوتُه بمن أشرك به، واقتضت حكمتُه خلودَه في النار، فلا سبيلَ لخروجكم منها
أبداً إذ كنتم مشركين.
واستدلالُ الحَرورية بهذه الآية على زعمهم الفاسدِ في غاية السقوط، ويكفي
في الردِّ عليهم قولُه تعالى: ﴿فَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]
الآية، وقولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ.﴾ الدالَّةَ على شؤونه العظيمةِ، الموجبةَ لتفرُّده
بالألوهية، لتستدلَّوا بها على ذلك وتعملوا بموجَبها، فإذا دُعي سبحانه وحدَه
تؤمنوا، وإن يُشرَكْ به تكفُروا، وهذه الآياتُ ما يشاهَد من آثار قدرته عزَّ وجلّ :
تدلُّ على أنَّه واحدُ (٢)
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ
(١) كلمة ((آخر)) ليست في الأصل.
(٢) سلف ١/ ٢٧١.
٠٩

سُورَةٌ غَافِلِ
٤٠
الآية : ١٤
﴿وَيُنَزِّكُ﴾ بالتشديد، وقرئ بالتخفيف من الإنزال(١). ﴿لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقَاْ﴾
أي: سببَ رزقٍ وهو المطرُ. وإفرادُه بالذكر مع كونه من جملةِ تلك الآيات؛ لتفرُّدِه
بعنوانِ كونِه من آثار رحمته وجلائلٍ نعمته الموجِبةِ للشكر.
وصيغةُ المضارع في الفعلين للدلالة على تجدُّد الإراءة والتنزيل واستمرارهما،
وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول لِما مرَّ غيرَ مرة.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ بتلك الآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها،
المغفولِ عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى.
﴿إِلَّ مَن يُنِبُ ﴾﴾ يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها والتفكُّر فيها، فإنَّ
الجازمَ بشيء لا ينظُر فيما ينافيه، فمن لا يُنيب بمعزلٍ عن التذكُّر.
﴿فَادْعُواْ اللَّهَ﴾ اعبدوه عزَّ وجلَّ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك ﴿وَلَوْ كَرِهَ
اُلْكَفِرُونَ ﴾﴾ إخلاصَكم وشقَّ عليهم.
وظاهرُ كلام ((الكشاف)) أنَّ ((ادعوا)) إلخ مسبَّب عن الإنابة، وأنَّ فيه التفاتاً حيث
قال: ثم قال للمنيبين(٢). والأصل: فليدْعُ ذلك المنيبُ، على معنى: إن صحّت
الإنابة، على نحو: فقد جِئنا خراسانا(٣)، وقد وافَقَ على كونه خطاباً لمن ذُكر غيرُ
واحد.
وفي ((الكشف)): التحقيقُ أنَّ قولَه تعالى: ((وما يتذكر)) إلخ اعتراضٌ، وقولُه
سبحانه: ((فادعوا الله)) مسبَّبٌ عن قوله تعالى: ((هو الذي يريكم)) على أنَّه خطابٌ
يعُّ المؤمنَ والكافرَ لسبق ذكرهما، لا للكفَّارِ وحدَهم على نحو: ((من مقتكم
أنفسكم)) إذ ليس مما نُودوا به يومَ القيامة، والمعنى: فادعوه، فوُضِع الظاهرُ موضعَ
المضمَرِ ليتمكَّنَ فضلَ تمكّنٍ، وليُشْعِرَ بأنَّ كونَه تعالى هو المعبودُ بحقِّ، هو الذي
يقتضي أن يُعبدَ وحدَه. وفائدةُ الاعتراض أنَّ هذه الآياتِ ودلالتها على اختصاصه
(١) التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٨/٢، عن ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب.
(٢) الكشاف ٤١٩/٣.
(٣) قطعة من بيت للعباس بن أحنف، وسلف ٢/ ٢٧٠.