النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٦٦ ٤٨١ سُؤَّةُ الزُِّزْ فظاعةِ الكفر، فتقديرُ أمرٍ يختصُّ به لا يتعدَّى من النبيِّ إلى الأمة لا اتجاهَ له مع أنَّه لا مستَنَدَ له من نقلٍ أو عقلٍ . والمرادُ بالخسران على مذهب الحنفية ما لَزِمَ من حَبْط العمل، فكان الظاهرُ: فتكون، إلَّا أنه عُدل إلى ما في النظم الجليل؛ للإشعار بأنَّ كلَّا من الإحباط والخسران يستقلُّ في الزجر عن الإشراكِ. وقيل: الخلود في النار، فيلزَمُ التقييدُ بالموت كما هو عند الشافعي عليه الرحمة. وقرئ: ((ليُحْبِطَنَّ)) مِن أَحْبَطَ، ((عملَكَ)) بالنصب، أي: لُيُحْبِطَنَّ الله تعالى - أو: الإشراكُ - عملَك. وقرئ بالنون ونصبٍ ((عملك)) أيضاً (١). ﴿بَلِ اللَّهَ فَعْبُدْ﴾ ردٌّ لِمَا أَمروه به مِن استلام بعضٍ آلهتهم، والفاءُ جزائيةٌ في جوابٍ شرطٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: إن كنتَ عابداً أو عاقلاً فاعبدِ اللهَ، فحُذِف الشرطُ وجُعل تقديمُ المفعول عوضاً عنه، وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ(٢)، وسلَفه في كونها جزائيةً الزجَّاجُ(٣)، وأنكر أبو حيان كونَ التقديم عوضاً عن الشرط (٤). ومذهب الفراء والكسائي أن القاء زائدة بين المؤكِّد والمؤَّد، والاسم الجليل منصوب بفعل محذوف والتقدير: اللّهَ أَعبدُ، فاعبُدْه(٥). وقدّر مؤخّراً ليفيدَ الحصرَ. وفي ((الانتصاف)): مقتضى كلام سيبويه أنَّ الأصلَ: تنبَّهْ فاعبدِ الله، فحذفُوا الفعلَ الأوَّلَ اختصاراً، واستنكروا الابتداءَ بالفاء - ومن شأنها التوسُّطُ بين المعطوف والمعطوف عليه - فقدَّموا المفعولَ، فصارت الفاءُ متوسطةً لفظاً ودالَّةً على المحذوف، وانضافَ إليها فائدةُ الحصر لإشعار التقديم بالاختصاص (٦). (١) الكشاف ٣/ ٤٠٧، والبحر ٤٣٩/٧. (٢) في الكشاف ٣/ ٤٠٧. (٣) إعراب القرآن للزجاج ٣٦١/٤. (٤) البحر المحيط ٤٣٩/٧. (٥) معاني القرآن للفراء ٤٢٤/٢، ونقله المصنف من حاشية الشهاب ٧/ ٣٥٠. (٦) الانتصاف ٤٠٨/٣. سُورَةُ الرُّهَزْ ٤٨٢ الآية : ٦٧ واعتبار الاختصاص قيل: مما لا بدَّ منه؛ لأنه لم يكن الكلامُ ردًّا عليهم فيما أمَروه به لولاه، فإنَّهم لم يطلبوا منه عليه الصلاة والسلام تركَ عبادةِ الله سبحانه، بل استلامَ آلهتهم والشركَ به عزَّ وجلَّ، اللهمَّ إلا أن يقال: عبادةُ الله سبحانه مع الشركِ كَلَا عبادةٍ، واللهُ جلَّ وعلا أغنى الشركاء، فمن أشرك في عمله أحداً معه عزَّ وجلَّ فعملُه لمن أشركَ، كما يدلُّ عليه كثيرٌ من الأخبار. وقرأ عيسى: ((بل اللهُ) بالرفع(١). إنعامَه تعالى عليك الذى يضيق عنه نطاق الحصر، ٦٦ ﴿وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ وفيه إشارةٌ إلى موجِب الاختصاص. ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهٍ﴾ أي: ما عظّموه جلَّ جلالُه حقَّ عظَمتِه إذ عبدوا غيرَه تعالى وطلبوا من نبيه ◌َّ﴿ عبادةَ غيره سبحانه، قاله الحسن والسديُّ(٢). وقال المبرِّد(٣): أصلُه من قولهم: فلان عظيمُ القدر، يريدونَ بذلك جلالَتَه. وأصلُ القدر اختصاصُ الشيء بعِظَمٍ أو صِغَرٍ أو مُساواةٍ. وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عزَّ وجلَّ(٤). وتُعقِّب بأن عدمَ(٥) معرفةٍ كنهه تعالى - أي: حقيقتِه سبحانَه - لا يَخُصُّ هؤلاء؛ لتعذَّرِ الوقوف على الحقيقة، ومن هنا قيل : العجْزُ عن دَرَك الإدراكِ إدراكُ والبحثُ عن كُنْهِ ذاتِ الله إشراكُ(٦) ولا يخفى أنَّ المسألةَ خلافيةٌ، وما ذُكر على تقدير التسليم يُمكن دفعُه بالعناية. نعم أولى منه ما قيل: أي: ما عرفوه كما يليق به سبحانه، حيثُ جعلوا له سبحانه شريكاً. وظاهر كلام بعضهم أنَّ الكلامَ على تقديرِ مضافٍ، أي: ما قدَروا (١) القراءات الشاذة ص١٣١، والبحر ٤٣٩/٧. (٢) تفسير الطبري ٢٤٥/٢٠، والنكت والعيون ١٣٤/٥. (٣) كما إعراب القرآن للنحاس ٢١/٤. (٤) المفردات (قدر). (٥) سقطت كلمة ((عدم)) من (م). والصواب إثباته. (٦) البيت في الديوان المنسوب إلى علي ظه ص٧٣، ونسب إلى غيره. الآية : ٦٧ ٤٨٣ سُورَةُ الزُّهَزْ في أنفسهم وما تصوَّرُوا عظَمةَ الله حقَّ التصوُّرِ فلم يعظّموه كما هو حقُّه عزَّ وجلَّ، حيث وصفوه بما لا يليق بشؤونه الجليلة من الشركة ونحوها . وأيَّاما كان فهو متعلّقٌ بما قبلَه مِن حيث إنَّ فيه تجهيلَهم في الإشراك ودعائهم (١) رسولَه ◌َا ﴾ إليه. وقيل: المعنى: ما وصفوا الله تعالى حقَّ صفتِه إذ جحدوا البعثَ، ووصفوه سبحانه بأنَّه خالقُ الخلق عبثاً، وأنه سبحانه عاجزٌ عن الإعادة والبعث. وهو خلافُ الظاهر، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ في الصور. (٢) وضمیرُ الجمع علی جمیع ما ذکر لكفَّارٍ قریش کما روي عن ابن عباس وقيل: الضميرُ لليهود، تكلَّموا في صفات الله تعالى وجلالِهِ فألحدوا وجسَّموا وجاؤوا بكلِّ تخليط، فنزلت(٣). وقرأ الأعمش: ((حقَّ قدَره)) بفتح الدال. وقرأ الحسن وعيسى وأبو نوفل وأبو حيوة: ((وما قدَّروا)) بتشديد الدال ((حقَّ قدَره)) بفتح الدال(٤). ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِمِينِهِ ﴾ الجملة في موضع الحال من الاسم الجليل، و((جميعاً)) حالٌ من المبتدأ عندَ مَن يجوِّزه، أو مِن مقدَّرٍ كـ: أُثبِتُها جميعاً، كما قيل، وهو جارٍ مَجرى الحال المؤكِّدةِ في أنَّ العاملَ منتَزَعٌ من مضمون الجملة. وفي ((التقريب)): هو حالٌ مِن الضمير في ((قبضتُه))؛ لأنه بمعنى: مقبوضة، وكان الظاهرُ أن يؤخّرَ عنه، وإنَّما قدِّم عليه ليُعلم أول الأمر أنَّ الخبرَ الذي يَرِد لا يقع عن أرضٍ واحدةٍ أو بعضٍ دونَ بعضٍ، ولكنْ عن الأرَضين كلِّها أو عن جميع أبعاضها. وجازَ هذا التقديمُ؛ لأنَّ المصدرَ لم يعمَل مِن حيث كونُه مصدراً، بل لكونه بمعنى اسم المفعول. (١) وقع في (م): دعائهم، بالمثلثة، وفي الأصل: دعانهم، بالنون، والصواب المثبت، وهو ما يقتضيه السياق. (٢) تفسير الطبري ٢٤٥/٢٠ . (٣) المحرر الوجيز ٥٤٠/٤. (٤) القراءات الشاذة ص١٣١، والمحرر الوجيز ٥٤١/٤، والبحر ٤٣٩/٧. سُوَّةُ الزُِّزْ ٤٨٤ الآية : ٦٧ وقال الحوفي: العاملُ في الحال ما دلَّ عليه ((قبضتُه)) لا هي(١). وهو كما ترى. و((يوم القيامة)) معمولُ ((قبضته))؛ وهي في الأصل: المرَّةُ الواحدةُ من القَبض، وتُطلَق على المقدار المقبوضِ كالقُبضة بضمِّ القاف، وجُعلت صفةً مشبَّهةً حينئذٍ. وجوِّز كلٌّ مِن إرادة المقبوضة والمعنى المصدريِّ هنا، والكلامُ على الثاني على تقدير مُضافٍ، أي: ذواتُ قَبضتِهِ، أي: يقبِضُهنَّ سبحانه قَبضةً واحدةً. وقرأ الحسن: ((قبضتَه)) بالنصب(٢) على أنه ظرفٌ مختصٌّ مشبَّةٌ بالمبهَم؛ ولذا لم يصرَّحْ بـ ((في)) معه، وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يقولون: إنَّ النصبَ في مثل ذلك خطأٌ غيرُ جائزٍ، وأنَّه لا بدَّ مِن التصريح بـ ((في)). وقرأ عيسى والجحدري: ((مطوياتٍ)) بالنصب(٣) على أنَّ ((السماوات)) عطفٌ على ((الأرض)) مشارِكةٌ لها في الحكم، أي: والسماواتُ قبضتُه، و((مطويات)) حالٌ مِن ((السماوات)) عندَ مَن يجوِّز مجيءَ الحال مِن مثلِ ذلك، أو مِن ضميرها المستتِر في ((قبضته)) على أنَّها بمعنى: مقبوضته، أو من ضميرِها محذوفاً، أي: أثْبِتُها مطوياتٍ، و((بيمينه)) متعلِّقٌ بـ ((مطويَّات)). أو على أنَّ ((السماوات)) مبتدأ وهبيمينه)) الخبرُ، و(مطويات)) حالٌ أيضاً إمَّا من المبتدأ، أو من الضمير المحذوف، أو من الضمير المستتر في الخبر بناءً على مذهب الأخفش مِن جوازٍ تقديم الحال في مثلٍ ذلك. والكلامُ عند كثيرٍ مِن الخلف تمثيلٌ لحالِ عظَمته تعالى ونفاذِ قدرته عزَّ وجلَّ، وحقارةِ الأفعال العِظام التي تتحيَّرُ فيها الأوهامُ بالإضافة إليها، بحالٍ مَن يكونُ له قَبضةٌ فيها الأرضُ جميعاً، ويمينٌ بها يطوِي السماواتِ، أو بحالٍ مَن يكونُ له قبضةٌ فيها الأرضُ والسماواتُ ويمينٌ بها يطوي السماواتِ مِن غير ذَهاب بالقبضةِ ولا باليمينِ إلى جهة حقيقة، أو مجازٌ بالنسبة إلى المُجرَى عليه وهو الله عزَّ شأنه . (١) البحر ٤٤٠/٧. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣١، والبحر ٧/ ٤٤٠. (٣) القراءات الشاذة ص ١٣١، والبحر ٧/ ٤٤٠. الآية : ٦٧ ٤٨٥ سُورَةُ الرُّهَزْ وقال بعضهم: المراد التنبيهُ على مزيد جلالته عزَّ وجلَّ وعظَمتِه سبحانه بإفادةِ أنَّ الأرضَ جميعاً تحتَ مُلکه تعالى يوم القيامة فلا يتصرَّفُ فيها غيرُه تعالى شأنه بالكلية كما قال سبحانه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ﴾ [الحج: ٥٦] والسماوات مطوياتٌ طيَّ السجِلِّ للكتُب بقدرته التي لا يتعاصاها شيءٌ. وفيه رمزٌ إلى أنَّ ما يُشركونه معه عزَّ وجلَّ أرضيًّا كانَ أم سماويًّا مقهورٌ تحتَ سلطانه جلَّ شأنه وعزَّ سلطانُه، فالقَبضة مجازٌ عن الملك أو التصرُّف، كما يقال: بلدُ كذا في قبضةِ فلانٍ، واليمينُ مجازٌ عن القدرةِ التامَّةِ. وقيل: القبضةُ مجازٌ عمَّا ذُكر ونحوِهِ، والمرادُ باليمين القَسَم، أي: والسماوات مُفْنَياتٌ بسبب قَسَمِه تعالى؛ لأنه عزَّ وجلَّ أقسم أن يُفْنِيَها. وهو مما يُهْزَأُ منه لا مما يُهْتَزُّ استحساناً له. والسلفُ يقولون أيضاً: إنَّ الكلامَ تنبيهٌ على مزيدٍ جلالته تعالى وعظمته سبحانه، ورمزٌ إلى أنَّ آلهتهم أرضيةً أم سماويةً مقهورةٌ تحتَ سلطانه عزَّ وجلَّ، إلَّا أنَّهم لا يقولون: إنَّ القبضة مجازٌ عن الملك أو التصرُّفِ، ولا اليمين مجازٌ عن القدرة، بل ينزِّهونَ الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نَسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه. وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام؛ فقد أخرج البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم عن ابن مسعود قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله وَل﴾ فقال: يا محمد، إنَّا نجد: الله يحمِلُ السماواتِ يومَ القيامة على إصبعٍ، والأَرَضينَ على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ، والماءَ والثرى على إصبعِ، وسائرَ الخلقِ على إصبعٍ، فيقول: أنا الملِكُ، فضَحِك رسولُ اللهِوَِّ حتى بدَتْ نواجذُه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾ الآية (١). (١) صحيح البخاري (٤٨١١)، وصحيح مسلم (٢٧٨٦)، وسنن الترمذي (٣٢٣٨)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٣٨٦)، وهو في مسند أحمد (٤٣٦٨). سُورَّةُ الزُّهِزْ ٤٨٦ الآية : ٦٧ والمتأوِّلون يتأوَّلون الأصابعَ على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل: أقتل زيداً بإصبعي. ويُبعِد ذلك ظاهرُ ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيُّ وصححه، والبيهقيُّ، وغيرُهم، عن ابن عباس قال: مرَّ يهودي على رسول الله الَّه وهو جالسٌ؛ قال: كيف تقول يا أبا القاسم، إذا وضع الله السماواتِ على ذه - وأشار بالسبابة - والأرضين على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ كلُّ ذلك يشيرُ بأصابعه فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ﴾(١). وجعل بعضُ المتأوِّلين الإشارةَ إعانةً على التمثيل والتخييل. وزعم بعضهم أنَّ الآيةَ نزلت ردًّا لليهوديِّ حيث شبَّه وذهب إلى التجسيم، وأنَّ ضحكَه عليه الصلاة والسلام المحكيَّ في الخبر السابق كان للردِّ أيضاً، وأنَّ (تصديقاً له)) في الخبر من كلام الراوي على ما فهِم. ولا يخفى أنَّ ذلك خلافُ الظاهر جدًّا، وجعلوا أيضاً من باب الإعانة على التمثيل وتخييل العظمةِ فعْلَه عليه الصلاة والسلام حين قرأ هذه الآيةَ، فقد أخرج الشيخان والنسائيُّ وابنُ ماجه وجماعةٌ عن ابن عمرَ أنَّ رسول اللهِ وَّوَ قرأ هذه الآيةَ ذاتَ يومٍ على المنبر: ﴿وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتٌ بِسَمِينِهِ﴾ ورسول الله وَّ﴿ يقول هكذا بيده ويحرِّكها يُقبِل بها ويُدْبِرِ ((يمجِّدُ الربُّ نفسَه: أنا الجبارُ، أنا المتكبر، أنا المَلِك، أنا العزيز، أنا الكريم»، فرجَف برسول الله وَلَيه المنبرُ حتى قلنا: ليخِرَّنَّ به (٢). وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن مقسم أنَّه نظر إلى ابن عمرَ كيف يحكي رسولَ اللهِ وَّهِ، قال: ((يأخذُ اللهُ تعالى سماواتِه وأرضيه بيدَيه، ويقول: أنا الله - ويقبِضُ أصابعَه ويبسطها - أنا الملك))(٣). (١) مسند أحمد (٢٩٨٨)، وسنن الترمذي (٣٢٤٠)، ونقله المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٣٣٥/٥. (٢) صحيح البخاري (٧٤١٢)، وصحيح مسلم (٢٧٨٨) بلفظٍ مختلف مختصراً، والسنن الكبرى للنسائي (٧٦٤٩)، وسنن ابن ماجه (١٩٨)، وهو في مسند أحمد (٥٤١٤). (٣) صحيح مسلم (٢٧٨٨) (٢٥). الآية : ٦٧ ٤٨٧ سُورَةُ الزُّهَّز وفي ((شرح الصحيح)) للإمام النوويِّ نقلاً عن المازري أنَّ قبضَ النبيِّ وَله أصابعَه وبسطَها تمثيلٌ لقبضٍ هذه المخلوقات وجمعِها بعدَ بسطِها، وحكايةٌ للمبسوط المقبوض وهو السماواتُ والأرَضون، لا إشارةٌ إلى القبض والبسط الذي هو صفةٌ للقابضِ والباسطِ سبحانه وتعالى، ولا تمثيل لصفةٍ الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحةٍ(١). انتهى. ثم إنَّ ظاهرَ بعضِ الأخبار يقتضي أنَّ قبضَ الأرضِ بعد طيِّ السماوات، وأنَّه بيدٍ أخرى؛ أخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((يطوي الله تعالى السماوات يومَ القيامة ثم يأخذهنَّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أين الجبارون؟ أين المتكبِّرون؟)»(٢). وفي ((الشرح)) نقلاً عن المازريِّ أيضاً: أنَّ إطلاقَ اليدَين لله تعالى متأوَّلٌ على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين؛ لأنَّ أفعالَنا تقع باليدين فخُوطبنا بما نفهمه ليكونَ أوضحَ وأوكدَ في النفوس، وذكر اليمين والشمالَ حتى يتمَّ التأوُّل؛ لأنَّا نتناولُ باليمين ما نُكرمه وبالشمال ما دونه؛ ولأنَّ اليمينَ في حقِّنا تقوَى لِمَا لا تقوى له الشمالُ، ومعلومٌ أنَّ السماواتِ أعظمُ من الأرضِ فأضافها إلى اليمين وأضافَ الأرضين إلى الشمال ليظهر التقريبُ في الاستعارة، وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يُوصَف بأنَّ شيئاً أخفُّ عليه من شيءٍ ولا أثقلُ من شيءٍ(٣). انتهى. والصوفيةُ يقولون بالتجلِّي الصوريِّ مع بقاء الإطلاق والتنزيهِ المدلولِ عليه بـ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، والأمرُ عليه سهلٌ جدًّا. ثم إنَّ التصرُّفَ في الأرضِ والسماواتِ يكونُ والناس على الصراط، كما جاء في خبرٍ رواه مسلم عن عائشةً مرفوعاً (٤). (١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٧/ ١٣٢، والكلام فيه منسوب للقاضي عياض لا للمازري، وهو في إكمال المعلم ٣١٩/٨. (٢) صحيح مسلم (٢٧٨٨) (٢٤). (٣) شرح صحيح مسلم ١٣٢/١٧، وكلام المازري في المعلم بفوائد مسلم ١٩٦/٣ . (٤) صحيح مسلم (٢٧٩١). سُؤَدَّةُ الرُِّزْ ٤٨٨ الآية : ٦٨ ورَوَى أيضاً عن أبي سعيد الخدريِّ عن رسول الله وَّر قال: ((تكون الأرضُ يوم القيامة خبزةً واحدةً يكفَؤُها الجبّارُ بيده كما يكفَأَ أحدُكم خبزتَه في السَّفَر؛ نزلاً لأهل الجنة))(١). والكلام في هذا الخبر كالكلام في نظائره، وإياك من التشبيه والتجسيم، وكذا مِن نسبةِ ذلك إلى السلف، ولا تكُ كالمعتزلةِ في التحامُل عليهم والوقيعة فيهم، ويكفي دليلاً على جَهْلِ المعتزلة بربِّهم زعمُهم أنَّه عزَّ وجلَّ فوَّض العبادَ، فهم يفعلون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يفعلون. ﴿سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: ما(٢) أبعدَ مَن هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم، أو عمَّا يُشركونه من الشركاء، فـ ((سبحان)) للتعجُّب، وتتعلَّقُ به ((عن)) بالتأويل بما ذُكر، و((ما)) تحتمِلُ المصدريةَ والموصوليةَ. ﴿وَنُفِيخَ فِىِ الصُّورِ﴾ المشهورُ أنَّ النافخَ فيه ملَكٌ واحدٌ وأنه إسرافيل عليه السلام، بل حكى القرطبيُّ الإجماعَ عليه(٣). وفي حديثٍ أخرجه ابن ماجه والبزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: أنَّ النافخَ اثنان(٤). ويدلُّ عليه أيضاً أخبارٌ أُخَر، منها ما أخرجه أحمد والحاكم عن ابن عمرو (٥) أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((النافخان في السماء الثانية، رأسُ أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، ينتظران متى يُؤْمران أن يَنْفخا في الصور فينفخا))(٦). (١) صحيح مسلم (٢٧٩٢). (٢) قوله: ما، ليست في (م)، وأثبتناها من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٦٣/٧. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٤٣٠/٨. (٤) سنن ابن ماجه (٤٢٧٣)، ومسند البزار (٣٤٢٤ - كشف)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٣٨/٥. (٥) وقع في الأصل و(م): ابن عمر، وهو تصحيف، والمثبت من المصادر. (٦) أخرجه أحمد (٦٨٠٤) من طريق أسلم عن أبي مُريَّةً عن النبي وَّر، أو عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّر. وإسناده ضعيف للشك بين إرساله ووصله، ولجهالة حال أبي مُرَيَّة. قال الحافظ في الفتح ٣٦٩/١١: أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو من غير شك. اهـ. وكذا عزاه للحاكم السيوطي في الدر ٣٣٨/٥ من حديث ابن عمر، ولم نقف عليه في مطبوع المستدرك. الآية : ٦٨ ٤٨٩ سُورَةُ الرّحِزْ وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أنه واحدٌ وأنه شاخصٌ ببصره إلى إسرافيل عليه السلام، ما طَرَف منذُ خلقه الله تعالى، ينتظر (١) متى يشير إليه فينْفُخُ في الصور(٢). والصورُ قرنٌ عظيمٌ فيه ثُقْبٌ بعدد كلِّ روحٍ مخلوقةٍ ونفسٍ منفوسةٍ، وأخرج أبو الشيخ عن وهب أنَّه من لؤلؤةٍ بيضاءَ في صفاءِ الزجاجة، به ثُقْبٌ دقيقةٌ بعدد الأرواح، وفي وسَطوِ كُوَّةٌ كاستدارةِ السماء والأرض(٣). ونحن نؤمن به ونفوّضُ كيفيتَه إلى علَّام الغُيوب جلَّ شأنه. وأنكر بعضُهم ذلك، وقال: هو جمعُ صورة، كما في قراءة قتادةَ وزيد بن عليٍّ: ((في الصُّوَر)) بفتح الواو(٤)، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك(٥) . والتعبيرُ بالماضي لتحقُّق الوقوع، وبُني الفعلُ للمفعول؛ لعدم تعلُّق الغرض بالفاعل، بل الغرضُ إفادةُ هذا الفعل من أيِّ فاعلٍ كان، فكأنه قيل: ووقع النفخُ في الصور. ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ماتوا بسبب ذلك، ويحتمِلُ أنَّهم يُغشى عليهم أوّلاً ثم يموتون، ففي ((الأساس)): صَعِقَ الرجلُ [وصُعِقَ]: إذا غُشي عليه من هذَّةٍ أو صوتٍ شديدٍ يسمعه، وصَعِقَ: إذا مات(٦). وفي (صحيح مسلم)) من حديثٍ طويل فيه ذكرُ الدجال: ((ثم يُنْفَخ في الصُّور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى لِيتاً (٧) ورفع لِيتاً، فأوَّلُ من يسمعه رجلٌ يلوظُ حوضَ إبله، فيصعَقُ ويصعق الناس))(٨). (١) تحرَّف في الأصل إلى: ينظر. (٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٨٠) عن أبي بكر الهذلي، وهو متروك الحديث. (٣) العظمة (٣٩١). (٤) البحر ٣٤١/٧. (٥) ينظر ٧/ ١٩١. (٦) أساس البلاغة (صعق) وما بين حاصرتين منه. (٧) في هامش الأصل: الليت: صفحة العنق. وأصغى: أمال. (٨) صحيح مسلم (٢٩٤٠) عن عبد الله بن عمرو سُورَةُ الرَّهِزْ ٤٩٠ الآية : ٦٨ وقرئ: ((فصُعِقَ)) بضمِّ الصاد(١). ﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهٌ﴾ قال السديُّ: جبريلُ وإسرافيلُ وميكائيلُ ومَلَكُ الموت عليهم السلام(٢). وقيل: هم وحَمَلةُ العرش، فإنَّهم يموتون بعدُ. وفي ترتيب موتهم اضطرابٌ مذكورٌ في ((الدر المنثور))(٣). وقيل: رضوانُ والحورُ ومالكٌ والزبانيةُ. وروي ذلك عن الضحاك. وقيل: مَن مات قبل ذلك، أي: يموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موتُه؛ لأنهم كانوا قد ماتوا. قال في ((البحر))(٤): وهذا نظيرُ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. ومن الغريب ما حُكي فيه أنَّ المستثنى هو اللهُ عزَّ وجلّ، ولا يخفى عليك حالُه متصلاً كان الاستثناءُ أم منقطعاً. وقيل: هو موسى عليه السلام. وسيأتي الكلامُ إن شاء الله تعالى في تحقيق ذلك. وقيل غير ذلك. ويراد بـ: ((السماوات)) على أكثر الأقوال جهةُ العلوِّ، وإلَّا لم يَتَّصل الاستثناءُ، فإنَّ حملةَ العرش مثلاً ليسوا في السماواتِ بالمعنى المعروف، وقيل: إنه لم يَرِدْ في التعیین خبرٌ صحيحٌ. ﴿ِثُمَّ تُفِخَ فِيهِ﴾ أي: في الصور، وهو ظاهرٌ في أنه ليس بجمع، وإلا لقيل: فيها. ﴿أُخْرَى﴾ أي: نفخةٌ أخرى، وهو يدلُّ على أنَّ المرادَ بالأول: ونُفِخ في الصور نفخةٌ واحدةٌ، كما صرِّح به في مواضع؛ لأنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ، فلو أريد المطلقُ الشاملُ للأخرى لم يكن لذكرِها هاهنا وجهٌ، و((أخرى)) تحتمِلُ النصبَ على أنها صفةٌ مصدرٍ مقدَّر، أي: نفخةً أخرى، والرفعَ على أنها صفةٌ لنائِب الفاعل، وعلى الأول كان النائبُ عنه الظرفَ. (١) القراءات الشاذة ص ١٣١، والبحر ٧/ ٤٤١. (٢) تفسير الطبري ٢٥٤/٢٠. (٣) ٣٣٦/٥ وما بعدها . (٤) البحر المحيط ٧/ ٤٤١ . الآية : ٦٨ ٤٩١ سُؤَدَّةُ الزُّهِزْ وصحَّ في صحيحَي البخاريِّ ومسلم أنَّ الله تعالى يُنْزِلُ بينَ النفختين ماءً من السماء - جاء في بعض الروايات أنه كالظَّلِّ بالمهملة، وفي بعضها: كمنيٍّ الرجال - فتنبُتُ منه أجسادُ الناس، وأنَّ بين النفختين أربعين، وهذا عن أبي هريرة مرفوعاً، لم يبيِّن فيه ما هذه الأربعون(١). وفي حديثٍ أخرجه أبو داود أنها أربعون عاماً(٢). وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاص(٣) قال: يُنفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيلياء الشرقيِّ، أو قال: الغربيِّ، والنفخةُ الثانيةُ من بابٍ آخرَ. أي: ينتظرون ما يُؤْمَرون، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ قائمون من قبورهم ﴿يَنْظُرُونَ ( ٦٨ أو: ينتظرون ماذا يُفْعل بهم. وقيل: يُقلِّبون أبصارهم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ عظيمٌ. وتُعقّب بأنَّ قولَهم عند قيامهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنًا﴾ [يس: ٥٢] يأباه ظاهراً نوعَ إباءٍ. وجوِّز أن يكون ((قيام)) من القيام مقابِلَ الحركة، أي: فإذا هم متوقِّفون جامدُون في أمكنتهم لتحيُّرهم. واعتُرِض بأنَّ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَبْدَائِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ظاهرٌ في خلافه؛ لأن النسل: الإسراعُ في المشي، وكذا قوله تعالى: ﴿يَخْرُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ سِرَا كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبِ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((قياماً)) بالنصب(٤) على أنَّ جملةً (ينظرون)) خبرُ (هم))، (١) صحيح البخاري (٤٩٣٥)، وصحيح مسلم (٢٩٥٥)، ورواية: ((كالطل)) أخرجها الإمام أحمد في مسنده (٦٥٥٥)، ومسلم في صحيحه (٢٩٤٠) عن عبد الله بن عمرو، ورواية: ((كمنيٍّ الرجال)) أخرجها الحاكم في المستدرك ٤/ ٤٩٧، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وسلف ١٠٦/٢١ و١٧٥/٢٢ . (٢) قوله: أبو داود، كذا في الأصل و(م) ومطبوع الدر المنثور ٣٣٧/٥، وهو تصحيف، والصواب: ابن أبي داود، وهي رواية شاذة كما في فتح الباري ٨/ ٥٥٢. وينظر ما سلف ٢٠ / ٤٩٥. (٣) كذا في الأصل و(م)، ومطبوع الدر المنثور ٣٣٩/٥، والصواب: عبد الله بن عمرو بن العاص، كما أخرجه عنه الدولابي في الكنى (١٦٠٣). (٤) البحر ٧/ ٤٤١ . سُورَةُ الرُّهَزْ ٤٩٢ الآية : ٦٨ و((قياماً)) حالٌ من ضميرٍ ((ينظرون)) قدِّم للفاصلة، أو من المبتدأ عند من يجوِّز ذلك. وفي ((البحر)): النصبُ على الحال، وخبرُ المبتدأ الظرفُ الذي هو ((إذا)) الفجائيةُ، وهي حالٌ لا بدَّ منها، إذ هي محظُّ الفائدةِ، إلا أن يقدَّرَ الخبرُ محذوفاً، أي: فإذا هم مبعوثون، أو: موجودون قياماً، وإذا نُصِب ((قياماً)) على الحال فالعامل فيها ذلك الخبرُ المحذوفُ إن قلنا به، وإلا فالعاملُ هو العامل في الظرف، فإن كان ((إذا)) ظرفَ مكان على ما يقتضيه ظاهرُ كلامٍ سيبويه، فتقديرُه: فبالحضرة هم قياماً، وإن كان ظرفَ زمانٍ كما ذهب إليه الرياشيُّ، فتقديره: ففي ذلك الزمان الذي نفخ فيه هم، أي: وجودُهم، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف لأنَّ ظرفَ الزمانِ لا يكون خبراً عن الجثة، وإن كانت ((إذا)) حرفاً كما زعم الكوفيون فلا بدَّ من تقدير الخبر، إلا إن اعتقدنا أنَّ (ينظرون)) هو الخبرُ، ويكون عاملاً في الحال(١). انتهى. ولعمري إنَّ مذهب الكوفيين أقلُّ تكلُّفاً. هذا، وهاهنا إشكالٌ بناءً على أنَّهم فسَّروا نفخةَ الصعق بالنفخة الأولى التي يموت بها من بقي على وجه الأرض؛ فإنه قد أخرج البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وابن ماجه والإمام أحمد وغيرُهم عن أبي هريرة قال: قال رجلٌ من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر. فرفع رجلٌ من الأنصار يدَه فلطمه، قال: أتقول هذا وفينا رسول الله وَله؟ فذكرتُ ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ((قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الْصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ الله ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَكُرُونَ﴾ فأكونُ أوَّلَ من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أرَفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله تعالى))(٢). وهو يأبى تفسيرَ النفخة بذلك ضرورةَ أنَّ موسى عليه السلام قد مات قبل تلك النفخة بألوفٍ سنين، واحتمالُ أنه عليه السلام لم يمت كما قيل (١) المصدر السابق. (٢) مسند أحمد (٩٨٢١)، وصحيح البخاري (٢٤١١)، وصحيح مسلم (٢٣٧٣)، وسنن الترمذي (٣٢٤٥)، وسنن ابن ماجه (٤٢٧٤). الآية : ٦٩ ٤٩٣ سُؤَدَّةُ الزَُِّّزْ في الخضر وإلياس مما لا ينبغي أن يتفوَّه به حيٌّ، ويدلُّ كما قال بعض الأ .. على أنها نفخة البعث. وقال القاضي عياض(١): يحتمل أن تكونَ هذه صعقةُ فَزَع بعد النشر حين تنشقُّ السماواتُ، فتتوافقُ الآياتُ والأحاديثُ، وتكون النفخاتُ ثلاثاً. وهو اختيار ابن العربي، وردّه القرطبيُّ بأنَّ أخذَ موسى عليه السلام بقائمة العرش إنما هو عند نفخة البعث، وادَّعى أنَّ الصحيحَ أنْ ليس إلا نفختان، لا ثلاث ولا أربع كما قيل. ثم قال: والذي يُزيح الإشكال ما قال بعضُ مشايخنا: إنَّ الموتَ ليس بعدمِ محضٍ بالنسبة للأنبياء عليهم السلام والشهداءِ، فإنَّهم موجودون أحياءُ وإن لم نَرَهُم، فإذا نُفِخَتْ نفخةُ الصعق صَعِقٍ كلُّ مَن في السماء والأرض، وصعقةُ غيرِ الأنبياء موتٌ، وصعقتُهم غشيّ، فإذا كانت نفخةُ البعث عاش من مات وأفاق من غُشي عليه، ولذا وقع في الصحيحين: ((فأكون أوَّل من يفيق))(٢). انتهى. ولا يخفى أنَّه يحتاج إلى القول بجواز استعمال المشتَركِ في معنَيْهِ معاً، أو إلى ارتكاب عموم المجاز، أو التزام إرادة غشي عليهم، وأنَّ موتَ مَن يموت بعد الغشي مُفادٌ من أمرٍ آخر، فتدبَّر. ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: أرضُ المحشر وهي الأرض المبدَّلةُ من الأرض المعروفة. وفي الصحيح: ((يُحْشَرُ الناسُ على أرضٍ بيضاءَ عفراءَ كَقُرْصَةِ النَقِيِّ، ليس فيها علَمٌ لأحدٍ))(٣). وهي أوسع بكثير من الأرض المعروفة، وفي بعض الروايات أنها يومئذ من فضَّة (٤)، ولا يصحُّ. أي: أضاءت ﴿بِنُورِ رَتِهَا﴾ هو على ما روي عن ابن عباس: نورٌ يَخلُقه الله (١) في إكمال المعلم ٣٥٧/٧. (٢) التذكرة ص١٦٩ و١٨٤، وحديث: ((فأكون أول من يفيق)) أخرجه البخاري (٢٤١١)، ومسلم (٢٣٧٣) (١٦٠) عن أبي هريرة . (٣) أخرجه مسلم (٢٧٩٠) من حديث سهل بن سعد، قوله: عفراء: قال النووي: بيضاء إلى حمرةٍ. قوله: النقِيُّ: قال: هو الدقيق الحوَّارى. شرح صحيح مسلم ١٣٤/١٧. (٤) سلف ٣٥٩/١٣ -٣٦٠. سُورَةُ الزُِّزْ ٤٩٤ الآية : ٦٩ تعالى بلا واسطةٍ أجسامٍ مُضيئٍ كشمسٍ وقمرٍ (١). واختاره الإمام وجعل الإضافةً من باب: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣](٢). وعن محيي السنة تفسيرُه بتجلِّي الربِّ لفصل القضاء(٣). وعن الحسن والسديِّ تفسيرُه بالعدل(٤)، وهو من باب الاستعارة، وقد استُعير لذلك وللقرآن والبرهانِ في مواضعَ من التنزيل، أي: وأشرقت الأرضُ بما يقيمه فيها من الحقِّ والعدل ويَبَسُطه سبحانه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات. واختار هذا الزمخشريُّ وصحّح أولاً تلك الاستعارةَ بتكوُّرها في القرآن العظيم. وحقّقها ثانياً بقوله: وينادي على ذلك إضافته إلى اسمه تعالى؛ لأنَّه عزَّ وجلَّ هو الحقُّ العدلُ إشارةً إلى الصارف إلى التأويل. وعيَّنها ثالثاً بإضافةٍ اسمه تعالى الربِّ إلى الأرض؛ لأنَّ العدلَ هو الذي يتزيَُّ به الأرض لا البرهان مثلاً . ورابعاً بما عُطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب، والمجيء بالنبيين والشهداءِ، والقضاءِ بالحقِّ؛ لأنَّه كلُّه تفصيلُ العدل بالحقيقة. وأيَّدها خامساً بالعرف العامِّ؛ فإنَّ الناسَ يقولون للملك العادل: أشرقَتِ الآفاقُ بعذلك، وأضاءتِ الدنيا بقسطك. وسادساً بقوله وسير: ((الظلم ظلمات يوم القيامة))(٥) فإنَّه يقتضي أن يكون العدلُ نوراً فيه. وسابعاً بأنَّ فتحَ الآية وختمَها بنفي الظلم يدلُّ عليه ليكونَ من باب ردِّ العَجُز على الصدر على طريقة الطرد والعكس(٦). (١) البحر المحيط ٧/ ٤٤٢. (٢) التفسير الكبير ١٩/٢٧. (٣) تفسير البغوي ٨٨/٤. (٤) المصدر السابق. (٥) سلف ٤٠٠/١٨. (٦) الكشاف ٣/ ٤١٠. الآية : ٦٩ ٤٩٥ سُؤَدَّةُ الزُِّزْ ورجِّح ما اختار الإمامُ بأنَّ الأصلَ الحقيقةُ، ولا صارفَ، لأنَّ الإضافةَ تصحُ بأدنى ملابسةٍ. وأيِّد ما حُكي عن محيي السنة ببعض الأحاديث. وتعقَّب ذلك صاحبُ ((الكشف)) فقال: إن إضافة الملابسة مجازٌ (١)، والترجيحُ لِمَا اختاره جارُ الله لِما ذُكِر من الفوائد، ولأنَّه الشائعُ في استعمال القرآن، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] وأما تجلِّي الربِّ سبحانه فسواءٌ حُمل على تجلِّي الجلال أو تجلِّي الجمال لا يقتضي إشراقَ الأرض بنورٍ إلَّا بأحد المعنيين، أعني: العدلَ، أو عرضاً يخلقهُ الله تعالى عند التجلِّي في الأرض، فلو تُوهّم من تجلِیه تعالى أنَّه ینعکس نورٌ منه على الأرض لاستحال إلا بالتفسير المذكور، فليس قولاً ثالثاً ليُنْصر ويؤيَّدَ بالحديث الذي لا يدلُّ على أنه تفسيرُ الآية المشتمِلِ على حديث الرؤية وإلقاءٍ ستره تعالى على العبد يذكر ما فَعل به وما جنى. انتهى. ولعلَّ الأوفقَ بما يُشعر به كثيرٌ من الأخبار أنَّ قوله سبحانه: (وَأَشْرَقَتِ اْأَرْضُ بِنُورِ رَبِهَا) إشارةٌ إلى تجلِّيه عزَّ وجلَّ لفصل القضاء، وقد يعبّر عنه بالإتيان، وقد صرِّح به في قوله تعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ولم يتأوَّلْ ذلك السلفُ، بل أثبتوه له سبحانه ــ كالنزول - على الوجه الذي أثبته عزَّ وجلَّ لنفسه. ولا يبعُد أن يكون هذا النورُ هو النورَ الواردَ في الحديث الصحيح: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهارِ قبلَ عمل الليل، حجابه النورُ))(٢). ويقال فيه: كالحجاب، نحوَ ما قال السلف في سائر المتشابهات، أو هو نورٌ آخرُ يظهر عند ذلك التجلِّي، ولا أقول: هو نورٌ منعكسٌ من الذات المقدَّس انعكاسَ نورِ الشمس مثلاً من الشمس، بل الأمرُ فوقَ ما تنتهي إليه العقولُ، وأنَّى وهيهات وكيف ومتى يتصوَّرُ إلى حقيقة ذلك الوصول؟ ويُومئُ إلى أنَّ ذلك التجلِّي مقرونٌ بالعدل التعبيرُ بعنوان الربوبية مضافاً إلى ضمير الأرض، والله تعالى أعلم بمراده. (١) ورد هنا في هامش الأصل و(م) ما نصه: هو اختيار لأحد قولين في المسألة. اهـ منه. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٩) عن أبي موسى ٠ عبه سُوَّةُ الزُِّزْ ٤٩٦ الآية : ٦٩ وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير وأبو الجوزاء: (أُشرقت)) بالبناء للمفعول(١). قال الزمخشريُّ: مِن شرِقَتْ بالضوء تَشْرَقُ: إذا امتلأت به واغتصَّت، وأشرقها اللهُ تعالى، كما تقول: ملأ الأرضَ عدلاً، وطبَّقها عدلاً(٢). وقال ابن عطية: هذا إنما يترتَّبُ من فعلٍ يتعدَّى، فهذا على أن يقال: أشرق(٣) البيتُ وأشرقَه السراجُ، فيكون الفعل مجاوزاً وغير مجاوزٍ. وقال صاحب ((اللوامح)): وجب أن يكون الإشراقُ على هذه القراءة منقولاً من: شرقت الشمس، إذا طلعت، فيصيرُ متعدِّياً، والمعنى: أُذهبَت ظلمةُ الأرض، ولا يجوز أن يكون من: أشرقَتْ، إذا أضاءت، فإنَّ ذلك لازمٌ، وهذا قد يتعدَّى إلى المفعول. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ قال السديُّ: الحساب(٤)، فالكتاب مجازٌ عن الحساب، ووضْعُه ترشيحٌ له، والمراد به الشروعُ فيه، ويجوز جعل الكلام تمثيلاً . وقال بعضهم: صحائفُ الأعمال وُضعت بأيدي العُمَّال، فالتعريفُ للجنس أو الاستغراق. وقيل: اللوحُ المحفوظ، وضع ليقابَل به الصحائفُ. فالتعريفُ للعهد، وروي هذا القول عن ابن عباس، واستبعده أبو حيان، وقال: لعلَّه لا يصحُّ عن ابن عباس(٥). ﴿وَجِأَّْ بِالنَّبِنَ﴾ قيل: ليُسألوا: هل بلَّغوا أُمَمَهم؟ وقيل: ليحضُروا حسابَهم. ﴿وَالشُّهَدَآءِ﴾ قال عطاء ومقاتل وابن زيد: الحفَظَة(٦). وكأنَّهم أرادوا أنَّهم يشهدون على كلٍّ مِن الأمم أنَّهم بُلِّغوا، أو يشهدون على كلٍّ بعمله، كما قال سبحانه: ﴿وَحَّدَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]. (١) القراءات الشاذة ص١٣٢، والمحتسب ٢٣٩/٢، والبحر ٤٤١/٧ . (٢) الكشاف ٣/ ٤١٠. (٣) في الأصل: أشرقت، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز ٥٤٢/٤. (٤) تفسير الطبري ٢٦٢/٢٠ . (٥) البحر ٧/ ٤٤٢ . (٦) المصدر السابق. الآية : ٦٩ ٤٩٧ سُؤَّةُ الزُّصَّز وفي بعض الآثار: أنَّه يُؤتى باللوح المحفوظ وهو يرتَعِد، فيقال له: هل بلَّغتَ إسرافيل؟ فيقول: نعم يا ربِّ، بلَّغتُه. فيؤتى بإسرافيل وهو يرتعد، فيقال له: هل بلَّغك اللوح؟ فيقول: نعم يا رب. فعند ذلك يسكُن رَوعُ اللوح، ثم يقال لإسرافيل: فأنت هل بلَّغْتَ جبرائيل؟ فيقول: نعم يا رب. فيؤتى بجبرائيل وهو يرتعد، فيقال له: هل بلَّغك إسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب. فعند ذلك يسكُن رَوع إسرافيل، ثم يقال لجبرائيل: فأنت هل بلَّغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيؤتى بالمرسلين وهم يرتعدون، فيقال لهم: هل بلَّغكم جبرائيل؟ فيقولون: نعم. فيسكُن عند ذلك رَوعِ جبرائيل، ثم يقال لهم: فأنتم هل بلَّغتم؟ فيقولون: نعم. فيقال للأمم: هل بلَّغكم الرسل؟ فيقول كَفَرَتُهم: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيعظُمُ على الرسل الحالُ ويشتدُّ البَلْبال(١)، فيقال لهم: من يشهَدُ لكم؟ فيقولون: النبيُّ الأميُّ وأمته، فيؤتى بالأمة المحمدية فيشهدون لهم أنهم بلَّغوا، فيقال لهم: من أين علِمْتُم ذلك؟ فيقولون: من كتابٍ أنزله الله تعالى علينا، ذَكر سبحانه فيه أنَّ الرسلَ بلَّغوا أُمَمَهم، ويزكِّيهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣](٢). ومن هنا قيل: المراد بالشهداء في الآية أمةٌ نبيِّنَا وَلِ. وقال الجبائي وأبو مسلم: هم عدول الآخرة يشهدون للأمم وعليهم(٣). وقيل: جميعُ الشهداء من الملائكة وأمة محمد صلى الله عليه وسلم والجوارح والمكان. وأيَّاما كان فالشهداءُ جمع: شاهدٍ. وقال قتادة والسديُّ: المراد بهم المستشهَدُون في سبيل الله تعالى(٤). فهو جمعُ شهيدٍ، وليس بذاك. ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين العباد المفهوم من السياق ﴿يِالْحَقِّ﴾ بالعدْل ﴿وَهُمْ لَا (١) البَلْبال: الهُمُّ ووسواس الصدر، مختار الصحاح (بلل). (٢) تفسير السمرقندي ٣٨/٣. (٣) مجمع البيان ١٧٣/٥ . (٤) تفسير الطبري ٢٦٣/٢٠، وزاد المسير ١٩٨/٧. سُورَةُ الزُِّ ٤٩٨ الآية : ٧٠ - ٧١ ٦٩ بنقص ثوابٍ أو زيادةٍ عقابٍ على ما جَرى به الوعدُ، بناءً على أنَّ يُظْلَمُونَ الظلم حقيقةً لا يُتَصَوَّرُ في حقٌّه تعالى، فإنَّ الأمرَ كلَّه له عزَّ وجلَّ. ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ أي: أُعطيَتْ جزاءَ ذلك كاملاً ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (®﴾ فَلا يفوته سبحانه شيءٌ من أعمالهم. وقولُه تعالى: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ إلخ تفصيلٌ للتوفية وبيانٌ لكيفيتها، والفاءُ ليس بلازم، والسَّوقُ يقتضي الحثَّ على المسير بعُنْفٍ وإزعاجٍ وهو الغالبُ، ويُشعِر بالإهانة، وهو المراد هنا، أي: سيْقوا إليها(١) بالعنف والإهانة أفواجاً متفرِّقة بعضها في إثرِ بعض مترتِّبةً حسبَ ترتّبٍ طبقاتهم في الضلالة والشرارة. والزُّمَرُ جمعُ زُمْرَةٍ، قال الراغب: هي الجماعةُ القليلةُ، ومنه قيل: شاة زَمِرَةٌ: قليلةُ الشعر، ورجلٌ زَمِرٌ: قليلُ المروءة، ومنه اشتُقَّ الزَّمْرُ، والزمَّارةُ كنايةٌ عن الفاجرة(٢). وقال بعضُهم: اشتقاقُ الزُّمْرَةِ من الزَّمْر وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه . ﴿حََّ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ ليدخلوها وكانت قبلَ مجيئهم غيرَ مفتوحةٍ، فهي كسائر أبواب السجون لا تزال مغلقةً حتى يأتي أصحابُ الجرائم الذين يُسجنون فيها فتُفتح ليدخلوها، فإذا دخلوها أُغلقت عليهم. و((حتى)) التي تُحكى بعدَها الجملةُ، والكلامُ على ((إذا)) الواقعةِ بعدَها قد مرَّ في الأنعام (٣). وقرأ غيرُ واحد: ((فتِّحت)) بالتشديد(٤). ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَنَئُهَا﴾ على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُ﴾ أي: مِن جنسكم، تفهمون ما ينبِئونكم به ويسهُلُ عليكم مراجعتُهم. (١) في الأصل: إلينا، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧/ ٢٦٣، والكلام منه. (٢) المفردات (زمر). (٣) في تفسير الآية (٦١). (٤) وهي قراءة غير الكوفيين من العشرة، كما في التيسير ص ١٩٠، والنشر ٣٦٤/٢. الآية : ٧١ ٤٩٩ سُؤَّةُ الرِّزْ وقرأ ابن هرمز ((تأتكم)) بتاء التأنيث(١). وقرئ: ((نُذُرٌ منكم))(٢). ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ﴾ المنزَّلَةَ لمصلحتكم ﴿وَيُذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّأ﴾ أي: وقتِكم هذا، وهو وقتُ دخولكم النارَ؛ لأنَّ المنذَرَ به في الحقيقة العذابُ ووقتُه، وجوِّز أن يرادَ به يومُ القيامةِ والآخرة؛ لاشتماله على هذا الوقت أو على ما يختصُّ بهم من عذابه وأهواله، ولا ينافيه كونُه في ذاته غيرَ مختصٍّ بهم، والإضافةُ لاميَّةٌ تفيدُ الاختصاص؛ لأنه يكفي للاختصاص ما ذكر، نعم الأولُ أظهرُ فيه . واستُدِلَّ بالآية على أنَّه لا تكليفَ قبلَ الشرع؛ لأنهم وبّخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارِهم، ولو كان قبحُ الكفر معلوماً بالعقل دونَ الشرع لقيل: ألم تعلموا بما أودَع الله تعالى فيكم من العقل قبحَ كفركم؟ ولا وجهَ لتفسير الرسل بالعقول؛ لإباء الأفعال المستندة إليها عن ذلك، نعم هو دليلٌ إقناعيٌّ؛ لأنَّه إنَّما يتمُّ على اعتبارِ المفهوم وعمومٍ ((الذين كفروا))، وكلاهما محلُّ نِزاعٍ. وقيل في وجه الاستدلال: إنَّ الخطابَ للداخلين عموماً يقتضي أنَّهم جميعاً أنذَرَهم الرسلُ، ولو تحقَّق تكليفٌ قبلَ الشرع لم يكن الأمرُ كذلك. وتعقّب بأنَّ للخصم أن لا يسلِّم العمومَ، ولمن قال بوجوب الإيمان عقلاً أن يقول: إنَّما وبَّخُوهم بالكفر بعد التبليغ؛ لأنَّه أبعدُ عن الاعتذار وأحقُّ بالتوبيخ والإنكار. ﴿قَالُواْ بَلَى﴾ قد أتانا رسلٌ منَّا تلَوا علينا آياتٍ ربِّنا وأنذرونا لقاءً يومِنا هذا ﴿وَلَكِنّ حَقَّتْ﴾ أي: وجبتْ ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: كلمةُ الله تعالى المقتضيةُ له ﴿عَلَى اُلْكَفِرِينَ ﴾ والمرادُ بها الحكمُ عليهم بالشقاوة وأنَّهم من أهل النار؛ لسوء اختيارهم، أو قولُه تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَِّعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] ووَضَعُوا ((الكافرين)) موضعَ ضميرهم للإيماء إلى عِلَّيَّة الكفر، والكلام اعترافٌ لا اعتذارٌ. (١) القراءات الشاذة ص ١٣٢، والبحر ٤٤٣/٧ . (٢) الكشاف ٤١٠/٣. سُؤَدَّةُ الرُّهَّز ٥٠٠ الآية : ٧٢ - ٧٣ ﴿قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: مقدَّراً خلودُكم فيها، والقائلُ يَحتمل أن يكونَ الخزنةَ وتُرك ذكرُهم للعلم به مما قبلُ، ويحتمل أن يكون غيرَهم ولم يُذكر لأنَّ المقصودَ ذكرُ هذا المقول المهول من غير نظرٍ إلى قائله. وقال بعض الأجلَّة: أبهم القائل؛ لتهويل المقول. ((أل)) فيه سواءٌ كانت حرفَ تعريفٍ أم اسمَ ﴿فَتْسَ مَثْوَى الْمُتَكَّرِينَ ®ّـ موصولٍ للجنس، وفاءً بحقِّ فاعلٍ بابٍ: نِعْمَ وبئسَ(١)، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ ثقةً بذكره آنفاً، أي: فبئس مثواهم جهنمُ. والتعبير بالمثوى لمكان ((خالدين)). وفي التعبير بـ ((المتكبرين)) إيماءٌ إلى أنَّ دخولَهم النار لتكبُّرهم عن قبولِ الحقِّ والانقيادِ للرسل المنذرين عليهم الصلاة والسلام، وهو في معنى التعليل بالكفر، ولا ينافي تعليلَ ذلك بسبقِ كلمة العذاب عليهم (٢)؛ لأنَّ حكمَه تعالى وقضاءَه سبحانه عليهم بدخول النار ليس إلا بسببٍ تكبِّرِهم وكفرهم؛ لسوء اختيارهم المعلومٍ له سبحانه في الأزل، وكذا قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ [ص: ٨٥] فهناك سببان قريبٌ وبعيدٌ، والتعليلُ بأحدهما لا ينافي التعليلَ بآخَر، فتذَّرْ وتدبّرْ. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ جماعاتٍ مرتَبةً حسبَ ترتُّب طبقاتهم في الفضل، وفي ((صحيح مسلم)) وغيرِه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((أولُ زمرةٍ تدخلُ الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدِّ نجمٍ في السماء إضاءةً، ثم هم بعدَ ذلك منازل))(٣). والمراد بالسَّوق هنا الحثُّ على المسير للإسراع إلى الإكرام، بخلافه فيما تقدَّم فإنَّه لإهانة الكَفَرة وتعجيلِهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة، وقولُه سبحانه: ((إلى الجنة)) يدفع إيهامَ الإهانة، مع أنه قد يقال: إنَّهم لَمَّا أحبُّوا لقاءَ الله (١) لأن فاعل هذا الباب يكون عامًّا معرَّفاً بلام الجنس، أو مضافاً للمعرَّف بها. حاشية الشهاب ٣٥٤/٧. (٢) كلمة ((عليهم)) سقطت من الأصل، والمثبت من (م) وتفسير البيضاوي ٧/ ٣٥٤، والكلام منه . (٣) صحيح مسلم (٢٨٣٤): (١٦)، وهو في مسند أحمد (٧٤٣٥).